← Тафсир

Тафсир · id 96753

تفسير ابن عرفة النسخة الكاملة

ابن عرفة

Полный текст (1 663 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

استحقه كل واحد منهما ونزل به لا يخفف عنه منه بل يخفف عنه بمعنى أنه يعذب عذاب غيره فالتخفيف من عذاب غيره لا من عذابه هو النازل به. قوله تعالى: ﴿وإلهكم إله وَاحِدٌ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ الرحمن الرحيم﴾. قال ابن عرفة: الإلاه في اصطلاح المتقدمين من الأصوليين هو الغني بذاته المفتقر غيره إليه، وعند الأصوليين (المتأخرين) واللغويين هو المعبود تقربا، وبه يفهم قوله ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ وقول إبراهيم لأبيه آزر ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً﴾ وقول الله ﴿ءأالهتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ قال ابن عطية: ومعناه نفي (المثل) والنظير. وقال أبو العالية: (نفى) التبعيض (والأنقسام). قال ابن عرفة: فعلى الأول نفي الكمّية المنفصلة وعلى الثاني نفي الكمية المتصلة، ويحتمل الأمرين إن قلنا إن الوحدة ينطلق عليها بالتواطُؤ، وإن كان إطلاقها عليها بالاشتراك فما يتم إلا على القول بتعميم المشترك، وقوله: نفي للتبعيض والانقسام صوابه أن يقول: نفي لقابلية (الانقسام) بمعنى واحد، أي (غير) معروض للانقسام فيخرج الجوهر الفرد لأنه لا ينقسم، لكنه في حيز والحيز منقسم. فإذا قلنا غير معروض للانقسام انتفى الجوهر الذي في الحيز. قوله تعالى: ﴿لاَّ إله إِلاَّ هُوَ ... ﴾. (قال ابو حيان: «إِلاّ هو» بدل من اسم «لاَ». ورده المختصر وأنه لا يجوز أن يقال: لا ألَهَ إلا هو. ابن عرفة: لرده وجه آخر ذكره النحوين وهو أن يكون بدلا من مجموع «لا» واسمها، ومعناه الموجود الذي نفيت الألوهية عن غيره، وأثبت له هو الله. قلت: قال الاستاذ أبو العباس أحمد بن القصار. هذا ذكره النحويون وعادتي استشكله لأنه يلزم عليه بدل المثبت من المنفي، وكذلك قال سيبويه: لا رجلَ في الدار وامرأةً، بالنصب إنه معطوف على مجموع لا واسمها وكنت أنا أستشكله بأنّ «امرأة» مثبت فكيف يعطف المثبت على المنفي؟ وكان الأستاذ الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن قيس يجيبني عنه بأنه معطوف على اسم «لا» فقط، لكنهم لما ركبوا «لا» مع اسمها وصار كجزء واحد، فالعطف عليه كالعطف على خبر الكلمة، كرهوا التصريح بالعطف عليه

стр. 177

فقالوا: إنه معطوف على المجموع ومرادهم أنه معطوف على اسم لا فقط فكذلك يجيء هاهنا. قال أبو حيان: وقال صاحب المنتخب: المعنى لاَ إلاهَ لنا ولاَ إِلَهَ موجود، ورده المختصر بأنه يلزمه المفهوم في لاَ إِلاَهَ لنا وقوله لاَ إِلاهَ موجود باطل على مذهب المعتزلة. وأجاب ابن عرفة: أن الوجود على أربعة أقسام، فمنها وجود في الإيمان ووجود في الأذهان، فإن أراد الوجود في الإيمان فما قاله صحيح لأن أهل السّنة يمنعونه والمعتزلة يجيزونه، فيقولون: إن للمعدوم تقررا في العدم، وإن أراد الوجود في الأذهان فممنوع لأن اجتماع النقيضين باعتبار التصور الذهني فيه خلاف، فإن قلنا بامتناعه فكلام المجيب حق، وإن قلنا بصحته فكلام السائل صحيح. قلت: وقال الأستاذ ابن القصار: المعتزلة إنما قالوا: إنّ المعدوم ثابت في العدم ولم يقولوا أصلا: إنه موجود في العدم. فالموجود لا يثبت إلا في الوجود. قال ابو حيان عن الزمخشري في المفصل: لا يجوز أن تكون «إلاّ هو» خبراً عن «لا إلاه» لأنه بيان له فيمتنع الإخبار عنه به قال: وفيه بَحث. قال ابن عرفة: يظهر لي أنّ البحث الذي فيه هو أنّ الحكم قسمان: تقييدي، وإسنادي. فالبيان بالحكم التقييدي لا يصح والبيان بالإسنادي صحيح، نقول: زيد العاقل الكريم الشجاع، فإن كانت نعوتا امتنع البيان بها وإن كانت خبرا صح البيان بها. قلت: وقال ابن القصار: البحث الذي فيه هو أنّ الإسناد قيد في المبتدإ، فلا يصح أن يكون خبرا عنه لكنه نائب مناب الخبر، لأن التقدير: لا إلاه كائن في الوجود إلا هو، فهو استثناء من الضمير المستكن في كائن أو في الوجود، فلما حذف ذلك الخبر ناب هذا الاستثناء منابه، فهو نائب مناب الخبر، وقيد فيه، قال وهذا راجح في المعنى. قيل لابن عرفة: ثم قال أبو حيان بعد كلام طويل ذكره قال: فرق ابن الحاجب بين الرفع والنصب في قوله: ما قام القوم إلا زيد برفع زيد ونصبه؟ ابن عرفة: لا فرق بينهما في هذا والحال فيها واحد. قال ابن عرفة: وقد أغفل أبو حيان الفرق بينهما فقد) قال النحويون: إنك إذا قلت: ما قام القوم إلا زيد بالرفع يكون نفيت القيام عن القوم وأثبته لزيد. وإن قلت: إلا زيدا بالنصب يكون نفيت القيام عن القوم ونفيت ذلك النفي عن زيد ونفي الإثبات في حقه محتمل مشكوك فيه على (خلاف) في ذلك عندهم، فإذا قال قائل: لا إلاه إلا الله بالنصب فيلزمه الكفر لأن المراد نفي الألوهية عما سوى الله

стр. 178

وإثباتها له. وهذا المعنى لايحصل إلا مع الرفع، وأمّا النّصب فما فيه إلا نفيها عما سوى الله ونفي ذلك (النفي) عن الله وأما الثبوت فلا. قيل لابن عرفة: إذا انتفت الألوهية عما سوى الله ثبتت له بالضرورة؟ فقال: يبقى القول (بالتعّطيل) فقال الله تعالى ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ قلنا: قال ابن عصفور في شرح الإيضاح: إن مذهب سيبويه وجمهور البصريين أنك إذا قلت: «قام القوم إلا زيد» تكون أخرجت زيدا من القوم ومن وصفهم. ومذهب (الفراء) أنك أخرجت وصفه من وصفهم (ولم) تخرجه من (صفهم). ومذهب الكسائي أنك أخرجته هو منهم ولم تخرج وصفه من وصفهم فمعناه أنه لم يقم معهم أعمّ من أن يكون قام وحده أو لم يقم فالاستثناء عنده بالنصب محتمل وهذا البحث هنا إنّما هو على المشهور. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض ... ﴾. قال ابن عرفة: تقدمها آية النبوة والرسالة في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ وآية الوحدانية في قوله تعالى ﴿وإلهكم إله وَاحِدٌ﴾ فيحتمل أن يكون دليلا لهذه أو هذه. قال ابن عطية: / عن عطاء: قال لما نزلت الآية المقدسة بالمدينة، قال كفار قريش بمكة: ما الدّليل على هذا وما آيته وما علامته؟ فطلبوا دلالة الوحدانية فنزلت هذه الآية. وقال سعيد بن (المسيب) ﵁: قالوا إن كان ما تقول حقا فأت بآية تدل على صدقك حتى قالوا: اجعل لنا الصفا ذهبا فقيل لهم: ذلك (لكم)، ولكن إن كفروا عُذبوا فأشفق رسول الله ﷺ َ من ذلك وقال: «دَعْنِي أدْعُهُمْ يَوْما فَيَوْما». قال ابن عرفة: ظاهره أنه رق لحالهم. ويحتمل أن يكون ذلك لما في سورة الأنعام ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّاكَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ فكأنه قال: ولو حصل لهم الصّفا ذهبا فإنهم لن يؤمنوا. قال ابن عرفة: قد تقرر الخلاف في الخلق هل هو نفس (المخلوق) وهو مذهب أهل السنة. وإن من يقول: إنه غير نفس المخلوق يلزمه التسلسل وهو مذهب المعتزلة لأن ذلك الخلق يحتاج إلى خلق آخر لأنه يقال بماذا وجد؟ فيقول: بخلق آخر.

стр. 179

وهل هو نفس المخلوق (أم) لا ويتسلسل. وأجابوا بأنه أمر نسبي فهو غيره ولكنه أمر نسبي ليس فيه تسلسل. قيل لابن عرفة: والأمور النسبية عدمية والعدمية لا يصح الاحتجاج بها فكيف يستقيم الاستدلال بها في الآية؟ فقال: الاستدلال بها من حيث إضافتها إلى أمر موجود وهو المخلوق. قيل لابن عرفة: إن الفخر ابن الخطيب احتج بها على أن الخلق غير المخلوق. قال: لأنه لا يقع الاعتبار إلا بالنظر إلى المخلوقات بعد وجودها لا بخلقها لأنه غير مرئي. فقال: الاعتبار بها من حيث إيجادها (من) عدم وهو خلقها، أي معنى خلقها. قال: والناس قسمان: عالم وجاهل، فالجاهل يعتبر بنفس خلقها على الجملة والعالم ينظر فيجد المعمور من الأرض أقل من الخالي بالنسبة إلى سائر الأرضين أقل، والأرضون بالنسبة إلى سماء الدنيا وما فوقها أقل، والسماء الدنيا وما فوقها بالنسبة إلى الشمس أقل، لأنها في السماء الرابعة، والشمس بالنسبة إلى السماء الّتي فوقها أقل منها. قال ابن عرفة: وإنما جمعت السماوات وأفردت الأرضون مع أنها سبع لأنّ عدد السماوات يدرك بالرصد، وطول الأعمار، والكسوفات، وأطوال البلاد وأعراضها، وجري الكواكب، والأرضون لا طريق لنا إلى إدراكها بوجه إلا من السمع، لأن المشاهد لنا منها إنما هي أرض واحدة فأفردت بالذكر، ولذلك اختلف فيها الإمام المازري وشيخه عبد الحميد الصائغ /انتهى/. وأجاب القرطبي عن هذا السؤال بأنّ السماوات مختلفة، فقد ورد في الحديث أن بعضها من فضة وبعضها من زبرجد، وبعضها من لؤلؤ إلى غير ذلك، فلذلك جمعت بخلاف الأرضين فإنها متماثلة كلها من شيء واحد. ورده ابن عرفة بوجهين: - الأول مذهب المتكلمين أنّ الجواهر كلها متساوية في الحد والحقيقة، وإنما تختلف في الأعراض فلا فرق بين جسم الذهب وجسم الفضة. - الثاني: أنّ النحويين أجازوا جمع المتماثلات، ألا تراهم يجمعون زيدا وزيدا مع تماثلهم في اللفظ والمعنى، فكذلك يجمعون الأرضون هنا؟ قال ابن عرفة: وإنما الجواب ما قلناه في قوله تعالى في: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض﴾

стр. 180

الى قوله ﴿يَعْقِلُونَ﴾: فإن قلت: هلا أريد بخلق السماوات والأرض أنفسها أو نفس إيجادها وإثباتها؟. قلت: مذهب أهل السّنة أن الخلق نفس المخلوق لا أنه أمر زائد عليه. وكان شيخنا الإمام أبو عمرو بن الحاجب يقول بحسب ذلك: خلق الله السماوات مصدر، كقولك: خلق الله خلقا، وينكر طلبة النحو ذلك لاستغرابهم كون الجوامد مصادر وما لهم تصور لحقائق علم الكلام، ولا لهم إحاطة بالضروريات الملجئة إلى مخالفة، فإن المتكلمين التجأوا إلى ذلك لعلمهم أنّ الخلق لو كان معنى زائدا لكان وجوديا، ولكان مخلوقا ولكان خلقه مفتقرا إلى خلق آخر. فلما قطعوا باستحالة ذلك قطعوا بأن القدرة تتعلق بذات العين، فتوجدها (أفعال) الله كما أن المعاني أفعال. فإن قلت: حاصل ذلك لا تغاير بين الخلق والمخلوق فلا مصدر إذاً، لأن (المصدر) في قولك: ضربت زيدا ضربا زائد على ذات زيد و (لا هناك) زائد، ولا يستقيم إذا كان الموت مصدرا. قلت: هو ما ذكرت. والمستقيم كون الموت مفعولا به وهي نفس الفعل وهو الذي أراد الشيخ ابن الحاجب ولكن لو أعدّها مفعولا به لجمع بين الاصطّلاح وبين المعقول. فإن قلت: لو قال قائل: خلق الله السماوات خلقا، فكيف يعرب خلقا؟ قلت: مصدرا، وهو نفس المفعول به في المعنى فاحفظ الصناعة والحقيقة معا، فالتغاير بين المصدر والمفعول به حقيقي في غير هذا الباب ولفظي هنا. فإن قلت: ما وجه (المعطوفات) في الآية على «خلق السماوات» وقد فسرت خلقها بمخلوقاتها وكلما ذكر من المخلوقات فيصير من/ عطف الشيء على نفسه؟ قلت: هو من عطف الجزء على الكل لثبوتهما بالجزء أو من عطف الأخبار في غيرها وإن كانت فيها. فإن قلت: ما وجه التقوية؟ (قلت) باعتبار مقصد الاستدلال لأن ذوات السماوات والأرض لا دلالة لها من حيث الأعراض القائمة بها وأنها لا أعراض بدلالة الأكوان إذ الطبيعي (محال) في إنكار الأكوان، وأبعد الأكوان الحركة والسكون، والحركة أبعد لمشاهدتها ضرورة ولأجله استفتح الشيخ الأشعري في البرهان لقوله: تحرك الجوهر وكان ساكنا. ولا دعوى (للطبيعي) إلا في كونها تستفتح للجمع بين النقيضين. وعلى هذه النكتة دارت هذه الأدلة (فاختلاف) اللّيل

стр. 181

والنهار (راجع إلى الحركات وذكر الفلك) باعتبار جرمها وتحركها حركات قوية ضرورية متوالية. قوله تعالى: ﴿بِمَا يَنفَعُ الناس ... ﴾. أي يحدث الله المنفعة به في نفوسهم (فيقطع) قول الطبيعي: «الحركة عدم» لأن المعدوم لا ينفع وإنما ينفع الله بالفلك بواسطة حركاتها ولا فرق بين عدم النفع والنفع بالعدم. ثم ذكر (الماء) بواسطة كونه (منزلا بحركة) من السماء والأرض ثم ذكر أنه بث الأحياء بواسطة تلك الحركة، وكيف يكون العدم واسطة في الإحياء ثم إحياء الأرض عبارة عن تحريك الحب الكائن فيها إلى الظهور، ثم ذكر بث الدواب وهي المتحركات بالوصيب ثم ذكر تصريف الرياح أي تحريكها من قطر إلى قطر (ثم ذكر السحاب المسخر أي المحرك من قطر إلى قطر وكله) استدلال على حدوث الجواهر وحدوث حركاتها التي لا (تنافي) وجودها بدليل إثارتها الحسية. فإن قلت: ليس له في كل شيء (دلالة) فما فائدة هذه الأدلة والأمثلة؟ قلت: الإيقاظ بعد الإيقاظ والإيقاع بعد الإيقاع والضرب على الضرب حتى لا يبقى للقبول علة في الاستدامة والغفلة، حتى تتحرك الدواعي حركات متتابعة متسارعة إلى ضرب (النّجاة). قوله تعالى ﴿واختلاف الليل والنهار ... ﴾. قال ابن عطية: أي تخالفهما ومعاقبة أحدهما للآخر أو يريد اختلاف أوصافهما فالليل تارة أطول والنهار تارة أطول. قال ابن عرفة: أو المراد اختلاف كل واحد منهما في نفسه فَلَيْلَةُ البارحة أقصر من ليلة اليوم ونهار اليوم أطول من نهار غد وأشار إليه الفخر. قوله تعالى ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرض ... ﴾. مجاز في الإفراد وهو لفظ إحيائها ولفظ موتها. قوله تعالى: ﴿مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ... ﴾. «من» للتبعيض في الأصناف و «كُلّ» للعموم في الأنواع. قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح ... ﴾. تصريفها هبوبها من (جهاتها) المختلفة أو دوران الرّيح إلى المغرب بعد هبوبه من المشرق. قوله تعالى: ﴿لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. لم يقل: يعلمون، لأن هذا من باب الاستدلال (والاستدلال) مقدمة شرطها العقل وأما العلم نتيجة عن تلك المقدمات فلذلك لم يذكر هنا. قيل لابن عرفة: عادة المتكلّمين في كتبهم يذكرون (باب) حدوث العلم ويستدلّون (فيه) على وجود الصانع ويفردون بابا آخر للاستدلال على وحدانية الصانع (فيجعلونهما

стр. 182

بابين والآية اقتضت الاستدلال بحدوث العالم على وحدانية الصانع)؟ فأجاب ابن عرفة بوجهين: - الأول: قال: إن الآية خطاب لقريش وهم مقرون بأن المؤثر واحد والشركاء غير مؤثرين، فلا استدلال بالآية مع ضميمة اعتقاد أن المؤثر واحد استْدل به على أنه موجود. - الجواب الثاني: أنها دليل على أن هذه الأشياء لها فاعل ومؤثر، وقد دل الدليل العقلي على منع اجتماع مؤثرين على أثر واحد فصح بالآية وجود الصانع ووحدانيته. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَاداً﴾. ابن عطية: ذكر الله تعالى الوحدانية، ثم الآية الدالة على الصانع الذي لا يمكن أن يكون إلا واحدا، ثم ذكر هنا الجاحدين للصانع تعجبا من ضلالهم بعد هذه الآية. قال ابن عرفة: ويحتمل أن يكون ذكر هذه الآية توطينا وتسكينا للنّبي ﷺ َ لئلا يطمع فيى إيمانهم وتتعلق نفسه بذلك كما قال ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً﴾ فأخبره بعدم إيمان بعضهم حتى لا يناله حزن ولا غم بوجه. قال ابن عرفة: و «من» في قوله «من دون الله» لابتداء الغاية وانتهائها حتى يعمّ في جمع الدون وتفيد كثرة تلك الوجوه. قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله ... ﴾. إن قلت: (هم) إنما كانوا يعبدونهم والعبادة أخص من المحبة لأن الواحد منا يحب ولده وأباه وأمه ولا (يعبدهم) فهلا قيل: يعبدونهم؟ قلت: أجاب ابن عرفة بوجهين: - الأول: أنه ذمهم على الوصف الأعم وهو المحبة ليفيد الذم على الأخص وهو العبادة من باب أحرى. - الجواب الثاني: أنه عدل عن لفظ العبادة استعظاما له واستحقارا للأصنام أن تنسب إليهم العبادة. قيل لابن عرفة: إن هذه الآية تدل على أن ارتباط الدليل بالمدلول/ عادي لا عقلي، لأن هؤلاء (نظروا) فلم يؤمنوا؟ فقال ابن عرفة: (لعلهم لم ينظروا أو نظروا فلم يهتدوا) للعثور على الوجه الذي منه يدل الدليل. قال: وهما مسألتان في أصول الدين. مسألة تخالف العلم مع التّمكن

стр. 183

من مراد النظر الصحيح. ومسألة (تخالف) العلم مع حصول النظر الصحيح فالآية إنما تدل على الأول لا على الثاني. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا ... ﴾. قال ابن عرفة: لا ينبغي للانسان أن يشغل نفسه بشهواته وجمع المال فإنه عليه (وبال) كما ورد: «الكيّس من دان نفسه» وتبرؤهم منه قبل (رؤيتهم) العذاب أشد في الممانعة وعدم النصرة. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً ... ﴾. قال ابن عرفة: (تمنوا) العودة في الدنيا، وأن يكونوا متبوعين ورؤساؤهم تابعين لهم فتبرؤوا منهم. قيل لابن عرفة: كيف يتمنون الرجوع إلى الكفر؟ فقال: إنما تمنوا التبرّي فقط وهو مستلزم للكفر. فقال: أو يريد إنهم تمنّوا الرجوع (للدنيا) وبقاء رؤسائهم كفارا فيتبرؤون هم من دينهم واتباعهم كما تبرؤوا هم من نصرتهم في الآخرة. قال ابن عرفة: ويحتمل أن تكون الكاف للتعليل. قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ﴾. أي مثل ما نالهم من الحسرة يتبرى متبوعهم منهم (لئلا) تنالهم الحسرة برؤيتهم أعمالهم القبيحة وَبَالا عليهم، وكذلك أعمالهم التي كانوا يظنونها صالحة وَبَالا عليهم لأنهم كفار. قيل لابن عرفة: الآية على قراءة مجاهد مشكلة فإنه قرأ «إذ (تبرأ) الذين اتَّبَعُوا» بفتح التاء «منَ الّذين اتُّبِعُوا» (بضم التاء) فيشكل قوله ﴿وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ (لأنهم قد تبرؤوا منهم)؟ فقال ابن عرفة: تبرّي التابعين من المتبوعين يعم تبرّي المتبوعين منهم فلذلك قال هنا: ﴿كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النار﴾. قال ابن عرفة: قال الزمخشري: الضمير لمطلق الرّبط. لأن مذهبه خلود مرتكب الكبيرة في النار فلو جعله للحصر لكان مفهومه أنّ مرتكب الكبيرة يخرج من النار بالشفاعة. وأجاب بعض الناس بأنه يلزم أهل السّنة كذلك لأن الآية في كفار قريش وهم جعلوا مع الله شريكا فلا يصح الحصر لأن غيرهم من الكفار مخلدون في النار. وأجيب بأن

стр. 184

الإجماع من الفريقين يقتضي أن الضمير لمطلق الربط. (فالمعتزلة) يحملون الآية على مذهبهم ويجعلون مرتكب الكبيرة مخلدا في النار. وأهل السنة يجعلونها على مذهبهم لكن الضمير ليس هو للحصر ليدخل الكافر غير المشرك فقط. قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حَلاَلاً طَيِّباً ... ﴾. قال ابن عرفة: هذا الأمر إما للوجوب أي أوجب الله علينا الأكل لأنّ به قوام الأجسام، أو لوجوب الأكل من الحلال. وإما للندب أو للإباحة وفيه دليل على أنّ الأشياء على الحظر، أو على الإباحة. ابن عرفة: وهو أظهر، لأنّ لو قلنا إن الأشياء كانت على الحظر فيلزم عليه الإجمال في هذا الأمر لأن من جملة ما في الأرض النبات والسباع وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان ... ﴾. من مجاز التمثيل فإنه ليس المراد النهي عن اتباع خطواته حقيقة إذ لا نراه نحن بل الخطوات (معنوية). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بالسوء والفحشآء ... ﴾. وقال (ابن عرفة): لأن العدو (قد) يأمر بالخير وهذا العدو لا يأمر إلا بالشر. قيل لابن عرفة: فيه دليل على أنّ الأمر لا يشترط فيه العلو بل الاستعلاء فقط، لأن الشيطان أسفل من مأموره. فقال: إنّما هو أسفل منه شرعا وهو في الوجود أعلى لاستعلائه عليه من حيث لايراه ولا يشعر به. وأورد الزمخشري على هذا قوله تعالى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ قال (كان) أمرا مع تلك الآية. وأجاب عن ذلك بأنَّه شبّه تزيينه وبعثه على الشّر بالأمر وقبول العباد وساوسه بامتثال الأمر. قال ابن عرفة: أو يجاب بأن تلك مقيدة بالسّلطان وهو الحجة أو بلفظ العباد، فالعباد لا يتسلط عليهم ولا تقوم له عليهم حجة ولذلك أضافهم الله إليه إضافة تشريف، وقوله ﴿بالسوء والفحشآء﴾ يحتمل أن يكون السّوء ما لم يرتب الشارع عليه الحد (والفحشاء ما رتب عليه الحد، والسوء الصّغائر) والفحشاء الكبائر. قوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 185

قال ابن عرفة: يدخل فيه المفتي إذا أفتى بما لايعلم والقاضي إذا حكم بما لايعلم فإنه قال على الله ما (لا) يعلم. قيل لابن عرفة: يؤخذ منه أبطال العمل بالقياس؟ فقال: أما من لا يقول به فظاهر وأما من يقول به فمقدمات القياس ظنية فتكون (النتيجة) ظنية، لكن يلزم عليه إبطال العمل بجميع الأحكام الشرعية، لأنها كلها ظنية فليس المراد العلم الحقيقي بل ما عليه الظن. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله ... ﴾ (قال) ابن عطية/: يعني كفار العرب، قال ابن عباس ﵄: نزلت في اليهود وقال الطبري: الضمير في (لهم) عائد على النّاس في قوله ﴿ياأيها الناس كُلُواْ﴾ وقال ابن عرفة: وهذا بناء على أن ذلك الخطاب خاص بكفار قريش. وقال الزمخشري: الضمير للناس (وعدل) عن الخطاب إلى الغيبة التفاتا. ورده ابن عرفة بوجهين: - الأول: أنه يحتاج إلى تخصيص عموم الناس بكفار قريش. - الوجه الثاني: أنّ الأول أمر وهذا خبر فبيعد فيه الالتفاف. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾. «بَلْ» هنا عاطفة، والإضراب (بها هنا) للانتقال لا للإبطال لأنه أي الإبطال: لا يشترط فيه أن يكون ما قبلها وما بعدها من لفظ متكلّم واحد حقيقة أو حكما، وليس هو كذلك هنا فإن المعنى قالوا: بل نتبع. وقوله: ﴿مَآ أَلْفَيْنَا﴾ قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إنما لم يقولوا ما وجدنا عليه آباءنا ولو كان المعنى واحدا لأن الوجدان يكون اتفاقيا على غفلة (من) غير (قصد) ومنه وجدان الضالة. «وألفينا» يقتضي وجدان ما كان ثابتا دائما مستقرا. قال ابن عطية: الآية دالة على ابطال التقليد، وأجمعت (الأمة) على إبطاله في العقائد. وحكى الأستاذ أبو اسحاق الإسفراييني الإجماع على جواز التقليد في العقائد. وحكى المقترح في شرح الإرشاد ثلاثة طرق منهم من ينقل الإجماع (على الجواز ومنهم من ينقل الإجماع) على المنع، ومنهم من يحكي الخلاف بين الشيخ القاضي (أبي بكر الباقلاني) والأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني وتوقف ابن العربي، وأجمعوا على أنّ الفرض من أصول الدين معرفة الله تعالى على الجملة، وأما معرفة دقائق ذلك العلم والتبحر

стр. 186

فيه ومعرفة الله بالدلائل القوية الدقيقة فهو فرض كفاية. قاله ابن التلمساني في شرح المعالم الدينية. وقال الشيخ أبو عمرو بن الحاجب والآمدي: لا (تقليد) في العقليات كوجود الباري، وقال (الفخر) بجوازه، وقيل: النظر فيه حرام، ولنا الإجماع على وجوب ذلك والتقليد لا يحصل بجواز الكذب ولأنه كان يحصل بحدوث العالم ولأنه لو حصل لكان نظرا ولا دليل (عليه) قاله الشيخ ابن الحاجب. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول إن هذه الآية دليل على صحة ما يقول الأصوليون من أنّ الفعل في الإثبات قد يكون عاما مع القرينة لأن همزة الإنكار عليهم في حال عدم العقل تدل على أنهم قصدوا اتّباعهم مطلقا في حالة العقل وعدمه، أي أيَتّبعون إياهم، ولو كانوا لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئا وَلاَ يَهْتَدُونَ. وهذا نفي أخص، فالتأكيد بالمصدر دخل على المنفي، (فأكده) لأنه سابق على النفي. وإن جعلت شيئا مفعولا لم يحتج إلى هذا. فإن قلت: ما أفاد قوله ﴿وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ مع أنّ نفي (العقل) عنهم يستلزم نفي الاهتداء؟ فالجواب: أن المراد لايعقلون (شيئا) من ذات أنفسهم ولو (نبّههم) غيرهم لما اهتدوا. قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ﴾. أي وَصِفَةُ الَّذينَ كفروا كصِفة الذي ينعق. قال الشيخ أبو حيان: وقيل الكاف زائدة. قال ابن عرفة: يفوت معنى التشبيه لأن قولك زيد (كزهير شعرا) يقتضي انك جعلته مثله سواء. وأجيب بأنه هنا شبهت الذّات بالذّات وذات زيد (معينة) مشخصة لا يقبل التعدد، وفي الآية شبهت الصفة بالصّفة، والصفّة يمكن فيها التعدد والمخالفة فجعلت كأنها هي ولو في (وحدة) النوع. قيل لابن عرفة: وكذلك ذات زيد جعلت كأنها ذات عمرو في الشعر فقوله «شعرا» أزال الشخص والتعيين. فإن قلت: لم خالف بين «كفروا» فعبر فيه بالماضي وبين «من ينعق» (فجاء) به مستقبلا وهلا استويا أو كان الأمر بالعكس؟ فالجواب بوجهين: - (الأول): أن المراد من اتصف بمطلق الكفر. - الثاني: أنه تقبيح للكفر أن يذكر بصيغة يقتضي الدوام. قال ابن عرفة: وعادتهم يفرقون بين الدعاء والنداء بأن الدعاء يكون بلفظ الطلب وسواء كان معه نداء أو لم يكن، والدعاء أخف من النّداء لأن البهائم تناديها فلا تجيب فإذا دعوتها وزجرتها أتت. فالنداء للخواص والدعاء للعوام فمن لم يستجب للنداء قد يستجيب للدعاء، ومن لم ينفع فيه (الدعاء) فهو في غاية الجهل والغباوة. ونقل أبو حيان عن بعضهم: (إلاّ) زائدة. قال ابن عرفة: وسببه توهم التناقض لأنه إذا قال: ﴿لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً﴾، ويلزم أن

стр. 187

يكون الدعاء والنداء مسموعين له وقوله ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يدل (على) أنه لا يسمع شيئا بوجه. قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾. أي العقل التكليفي النافع. قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ... ﴾. تقرير مناسبتها لما قبلها أنه لما تضمن الكلام السابق ذمّ المشركين لكونهم ليسوا أهلا لأن يخاطبوا بشيء من الأخبار ولا بشيء من الأوامر والنواهي، عقب ذلك بخطاب المؤمنين بهذا الأمر المستلزم لكونهم أهلا للمخاطبة. وقرر الفخر وجه مناسبتها بوجه لا ينهض والأمر بقوله / «كُلُوا مَا» للامتنان أو للاباحة. قال ابن عطية: الطيب هنا يجمع الحلال المستلذ، والآية تشير بتبعيض «من» إلى أن الحرام رزق. قال ابن عرفة: وجه دلالتها على ذلك من المفهوم لأن مفهومه أن البعض الآخر وهو الذي ليس بحلال ولا مستلذ غير مأذون فيه. قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون هنا سؤالا وهو أنه قال في الآية الاخرى ﴿ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات﴾ ولم يقل من طيبات ما رزقناكم مع أن تلك خطاب للرسل (فهو كان يكون) أولى بهذا اللفظ؟ وعادتهم يجيبون بوجيهن: - الأول: أمّا إذا قلنا: إن الرزق لا يطلق إلا على الحلال فنقول: لمّا كان الأنبياء معصومين أمروا أمرا مطلقا من غير تعيين الحلال وغيرهم ليس بمعصوم، فقيد الإذن في الأكل له بالحلال فقط فيكون الطيب على هذا المراد به المستلذ. - الجواب الثاني: الرسل في مقام كمال التوحيد ونسبة كل الأشياء إلى الله وأما غيرهم فليس كذلك فقد يذهل حين اقتطاف الثمرة ويظن أنها من الشجرة ويغفل عن كون الله تعالى هو الذي أخرجها منها وأنبتها فقيل لهم ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ حتى يعتقدوا حين التناول أن ذلك الرزق كله من عند الله وليس للمتسبب فيه صنع بوجه. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم ... ﴾. قال ابن عرفة: الدّمُ المسفوح نجس بإجماع، وكذلك الذي يخرجه الجزار من منحر الشاة بعد سلخها والدّم الذي يبقى في العروق طاهر (بإجماع وأمّا ما انتشر من العروق على اللحم ففيه قولان والمشهور أنه طاهر) كذا قال اللّخمي وغيره. والميتة هي (كل مازهقت) روحه بغير ذكاة من الحيوان المفتقر إلى الذكاة شرعا. فإن قلت: هلا قيل: إنما حرم عليكم لحم الميتة كما قال: لحم الخنزير؟ قلت: الجواب عن ذلك أن الخنزير غير مقدور عليه إلا بالاصطياد،

стр. 188

والاصطياد فيه في غالب أمره إنما يكون للحمه، فعلق بما هو المقصود فيه غالبا بخلاف الميتة فإن النفوس تفر منها وتكره لحمها فالمحرم جميعها. قال ابن عرفة: وما ذبح للجان ويتعمدون ترك التسمية عليه يقولون: إنه لا يؤكل. والظاهر عندي جواز أكله لأنهم لا يقصدون به التقرب للجان وإنما يقصدون به تكرمته، وأنه ينال منه ولا يتركون إلا النطق بالتسمية وهم إنما يسمّون في أنفسهم. قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ... ﴾. الفاء للتسبب ومن الأولى (أن تكون) موصولة لما تقدم فى قوله تعالى ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ من أن القضية الشرطية لا تدل على وقوع الشيء، ولا على إمكان وقوعه. و ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ قال ابو حيان: حال من الضمير فيى «اضطر» وقيل: حال من الضمير في الفعل المقدر معطوفا على «اضطر» أي في فأكل غير باغ ولا عاد. وتعقبه أبو حيان باحتمال تقدير ذلك (الفعل) بعد ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ وهو أولى لأن في تقديره قبله فصلا بين ما ظاهره الاتصال بما بعده. قال ابن عرفة: وهو أيضا باطل من جهة المعنى لأنه، على ما قال هو يكون البيان للحكم بعد الأكل وعلى ما قال أبو حيان يكون البيان للحكم قبل الأكل والبيان قبل الفعل أولى. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: البغي غالب إطلاقه في اللّسان على ابن آدم (والعدوان غالب إطلاقه على غير ابن آدم). فيقال: عدا عليه السّبع ولا يقال: بغى عليه، ويقال: بغى فلان على فلان فالبغي خاص بالعاقل والتعدي مشترك، وغالب إطلاقه على غير العاقل، وفرق المنطقيون بين حرف السّلب وحرف العدول فحرف السلب «لا» وحرف العدول «غير» وجعلوا قولك: الحائط لا يبصر سلبا وزيد لاَ يبصر عدولا، فجاءت هذه الاية على هذا المنوال لاقتران «غير» بالبغي الخاص بالعاقل واقتران «لا» بالتعدي الذي كثر اطلاقه على غير العاقل حتى اشتهر به وغلب عليه. قوله تعالى: ﴿فلآا إِثْمَ عَلَيْهِ ... ﴾. قال ابن عرفة: لا ينفى إلاّ ما هو في مادة الثبوت ووجود الإثم هنا غير متصور لأن الأكل من الميتة في هذه الحالة واجب لإقامة الرمق قال: فأجاب بان المراد لا عقوبة عليه أو لا ذم عليه. واختلفوا في حد الحرام. قال المتقدمون: إنه ما عوقب فاعله. قال بعضهم: والصحيح أنه ما ذم فاعله لأن العقوبة قد ترفع بالتوبة، فعلى الأول معنى الآية فلا عقوبة

стр. 189

عليه، وعلى الثاني معناها فلا ذم عليه. قال ابن عرفة: وفي الآية دليل على أن العام في الأشخاص عام في الأزمنة والأحوال، وهو الصحيح، ولولا ذلك لما احتيج إلى استثناء المضطر منه، واختلفوا في الآية، فقيل: إنها خاصة بسفر الطاعة، وقيل عامة فيه وفي سفر المعصية لأنه لو لم يبح للعاصي أكل الميتة للزم أن يضاف إلى عصيانه بالسفر عصيان آخر بقتله نفسه؟ وأجاب بعض الناس عن ذلك، بأن عصيان السفر يرتفع بالتوبة وهي (ممكنة) / حينئذ قال ابن عرفة: وفي الآية حجة للمشهور وهو أنّ العاصي بالسفر (لا يباح له أكل الميتة). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال ابن عرفة: وجه مناسبة المغفرة أنه قد يظن أنه مضطر فيأكل الميتة ولا يكون مضطرا إليها. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ... ﴾. قال ابن عرفة: عطفه بالواو مع أن الشراء مسبوق عن الكتم فهلا عطف بالفاء؟ وأجاب عن ذلك بأن المراد الذمّ على كل وصف منهما لا على واحد فقط. وجعل الثمن مشترى فإما أن يتجوز في لفظ «يَشْتَرُونَ» فيجعل بمعنى يبيعون أو في لفظ «ثمنا» بمعنى مثمون قليلا؟ وهذا إن حملنا اللّفظ على حقيقته اللّغوية فنقول يصح: إطلاق الثمن على المشترى وعلى عوضه وإن نظرنا الاصطلاح فيجيء ما قلناه. قيل لابن عرفة: ظاهره منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن لأنه من كتم ما أنزل الله؟ فقال ابن عرفة: أباح له أخذ الأجرة عليه كما أباح له ثمن الماء لأجل المشقة، (وكما) أباح له أخذ ثمن الطّعام في الأعوام التي هي مسبغة مع أنه يجب عليه إعطاؤه والواجب إنما هو تعليمه وإعطاؤه ما عنده سواء كان بالثمن أو بغيره وليس الواجب عليه بذل ما عنده بلا ثمن وهذه أمور جعلية لا عقلية. قوله تعالى: ﴿أولئك مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار ... ﴾. قال تعالى في سورة الغاشية ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ وأجاب ابن عرفة: بأن الضريع طعامهم ولا يأكلون منه وإنما تكون المعارضة إن لو قيل ليس لهم أكل (إلا) الضريع أو يكون باختلاف الحالات في الأوقات (أو يكون) الضريع نارا فأكلهم للضريع أكل للنار، والأكل المضغ فهو في الفم لا في البطن لكن روعي السبب.

стр. 190

قوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ... ﴾. إن قلت: ما فائدة قوله «الذين» وهلا قال: أولائك اشْتَرُوا الضَّلاَلَةَ بِالهُدَى كما قيل ﴿أولئك يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون﴾ ﴿أولئك كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ (فهل هو للحصر)؟ (فأجاب ابن عرفة: بأنه ليس للحصر بل للتحقيق، أي فهم جديرون وحقيقون بأن يقال فيهم هذه المقالة وهي أحق من غيرهم. ابن عرفة: وفي كتاب الوصايا من المدونة: إذا أوصى فلان بعبده لرجل ثم أوصى به لرجل آخر فهو بينهما نصفين. فإن قال: عبدي الذي كنت أوصيت به لفلان فهو لفلان فلذلك رجوع عن الوصية الأولى ويختص به الثاني). قال ابن عرفة: إنّ ﴿اشتروا الضلالة بالهدى﴾ راجع لتصوّر حالتهم في الدنيا. قوله تعالى: ﴿والعذاب بالمغفرة ... ﴾. راجع لتصوّر حالهم في الآخرة وهذا أولى مما قال ابن عطية: لما كان العذاب تابعا للضلالة والمغفرة تابعة للهدى أدْخِلا في (حوز) الشراء، ولما كانوا متمكنين من الإيمان والكفر جعلوا كأنّهم حصلوا الإيمان ثم باعوه بالكفر. وتقدم لابن عطية في أول البقرة الاستدلال بهذا على أن من خير بين شيئين يعد منتقلا. قيل لابن عرفة: إنما فيها الاحتجاج لمن يقول من ملك أن يملك بعد مالكا؟ فقال: تلك قاعدة (مختلف) فيها والصحيح بطلانها وهذه قاعدة صحيحة دلت عليها آخر مسألة من كتاب الخيار في المدونة. قيل لابن عرفة: هم ليسوا مخيرين بين الإيمان والكفر؟ فقال: لما كانوا متمكنين منهما فكأنهم (مخيرون) بينهما. قال ابن عرفة: وإنما أفردت المغفرة (إشارة) إلى أن مغفرة واحدة (تكفي) في رفع العذاب وإن تعدد، وهذا دليل على أن التوبة من الكفر قطعية القبول وأنّها تَجُبّ ما قبلها، قال الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ قوله تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾. (قال ابن عطية عن جماعة: أظهروا التعجب (من) صبرهم على النار لما عملوا عمل) (من وطّن نفسه عليها) أي ما أجرأهم على النّار. وحكى عن المقتضب للمبرد أنه تقرير واستفهام من قولك مصبور أي محبوس أي ما أشد حبسهم في النار أو ما أحبسهم في النار.

стр. 191

قال ابن عرفة: وهذا أصوب لأن الأول يقتضي أن لهم اختيارا وجلادة على الصبر على النّار وهذا مدح لهم بالقوة والجلادة. والثاني يقتضي أن حبسهم فيها اضطرار ليس لهم فيه اختيار بوجه. قيل لابن عرفة: إنّما التعجّب من أسباب صبرهم على النار؟ فقال: أسباب الصبر (محبوبة) مستلذة، لا يتعجب (منها) كما قال «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب بالحق ... ﴾. قال ابن عطية: أي بالواجب أو بالأخبار الصادقة. وضعف ابن عرفة الأول بأن فيه (إيماء لمذهب) المعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح عقلا وأنّ بعثة الرّسل وإنزال الكتب واجب عقلا فليس المراد إلا إنزال الكتب مصاحبا لكلامه الحق المصدق، وإنزاله بسبب الحقّ الصدق. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الذين اختلفوا فِي الكتاب لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. هم كلهم في شق واحد بعيد عن شق الحق، ولا يؤخذ منه أن المصيب واحد لأنّ المراد المختلفين في الكتب/ من أهل البدع وكلهم على الباطل. قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ ... ﴾. قال ابن عطية عن ابن عباس (ومجاهد) ﵃: الخطاب للمؤمنين أي ليس البر الصلاة وحدها. وعن قتادة والربيع: (الخطاب) لليهود والنصارى. قال ابن عرفة: هو الظاهر لقوله: ﴿قِبَلَ المشرق والمغرب﴾ والمراد بالمشرق حقيقته لأنّ النّصارى يستقبلون مشرق الشمس، والمراد بالمغرب الأفق لأن اليهود إنما يستقبلون بيت المقدس وهو في جهة المغرب. وفي الآية إيماء لصحة القول بأن المطلوب في القبلة الجهة لا العين. ومعنى «قِبَلَ المَشْرِقِ»: عند المشرق وهو مراد الموثقين بقولهم: قبل فلان (لفلان) كذا وكذا دينارا. قال ابن عرفة: ومن لوازم الإيمان بالملائكة الإيمان بعصمتهم وأنهم (أجسام). وصوب المقترح في شرح الإرشاد القول بثبوت الجسمية لهم بالسمع لا بالعقل، كأنه اختار ثبوت الجوهر المفارق سمعا لا عقلا. قوله تعالى: ﴿واليوم الأخر ... ﴾.

стр. 192

قوله تعالى: ﴿والنبيين ... ﴾. قال ابن عرفة: (النبي) أعمّ من الرسول، وثبوت الأعم لا يستلزم ثبوت الأخص، فما يلزم من الإيمان بالنبي الإيمان بالرسول فهلا قيل المرسلين؟ والجواب: أن ذلك باعتبار الوصف، لأن وصف النبوة أعم من وصف الرسالة. وترتب الحكم هنا عليهم من حيث ذواتهم لا من حيث أوصافهم، وعرف بالألف واللاّم الدالة على العموم فيدخل في ضمنه الأخص بلا شك فهو كقولك كل حيوان في الدار. قيل لابن عرفة: أو يجاب بأن الإيمان باليوم الآخر والملاَئِكَة وَالكِتَابِ يستلزم الإيمان بالرسول؟ فقال: لايحتاج إلى هذا والجواب ما قلناه. فإن قلت: لم جمع الكل وأفرد ابن السبيل؟ قلنا: لِكثرتهم باعتبار الوجود الخارجي وقلة ابن السبيل، وقرىء ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ بالنصب. قال ابن عرفة: و «أَنْ تُوَلُّوا» اسم ليس إما لكون «أَن» وما بعدها أعرف المعارف أو لأن التولية معلومة والبر مجهول أي ليست التولية برا. قوله تعالى: ﴿وَفِي الرقاب ... ﴾. قوله تعالى: ﴿والموفون بِعَهْدِهِمْ ... ﴾. قال ابن عرفة: إن قلت: هلا قيل: بعهودهم فهذا أبلغ من الوفاء، فالعهد الواحد لا يستلزم الوفاء (بالعهود) بخلاف العكس؟ فالجواب: أنه يستلزم من ناحية أنّ المكلف إذا عاهد هو وغيره ووفى غيره بالعهود وبِهِ فإنه قد حصل الوفاء بالعهد على الإطلاق بخلاف ما إذا عاهد وحده ولم يوف فإنّه لم يقع في الوجود وفاء بالعهد، فتعظم العقوبة والذم. فإن قلت: ما فائدة قوله ﴿إِذَا عَاهَدُواْ﴾ ولو أسقط لكان الكلام مستقلاّ صحيحا؟ فالجواب عن ذلك: أنّه أفاد سرعة الوفاء فالعهد به (يعقب) العهد منهم فهُم بنفس أن يعاهدوا يبادرون إلى الوفاء بالعهد. قوله تعالى: ﴿والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس ... ﴾. البَأْسَاءُ هو الفقر، والضَّرّاءُ هو المرض، وحين البأس أي حين القتال وهذا ترق، لأن وقوع الفقر والحاجة (في) الناس أكثر من وقوع القتال فالصبّر على القتال أشد لغرابته، وقلة وقوعه، ودونه الصبر على المرض ودونه الصبر على الفقر، ولهذا تجد الفقراء الأصحاء أكثر عددا من المرضى، والمرضى أكثر عددا من الفرسان المقاتلين. فإن قلت: لم قال «في البأساء» فعداه بفي ولم يقل وفي البأس وكان يقال: والصابرين حين البأساء وحين الضراء؟ فالجواب عن ذلك: أنه لما كان

стр. 193

وقوع القتال أقلها وجودا بالنسبة إلى غيره كان الصبر عليه أغرب وأعجب فالمراد بالصابرين من حصل الوصف الكامل من الصبر ولو عدي بفي لتناول من حصل منه مطلق الصبر، وهو الصابر في أول جزء من أجزاء القتال لأنه حينئذ يصدق بأول جزء، فقيل: «وَحِينَ البَأْسِ» (ليفيد) كمال الصبر من أول القتال إلى آخره وأما الفقر والمرض فكلاهما أكثري الوقوع فلا غرابة فيهما فلم يحتج إلى التنبيه على كمال الصبر فيه. قال سيدنا علي رضي الله تعالى عنه: «الصبر رأس كل عبادة وإذا ذهب رأس الشيء ذهب ذلك الشيء». وذكر بعضهم أن العهد يكون بالقول وبالفعل كمن يحدث حديثا وهو مترقب (لمن) يسمعه فهذا كالعهد في عدم نقله عنه والتحدث به. قوله تعالى: ﴿أولئك الذين صَدَقُواْ ... ﴾. كرر لفظ أُوْلاَئِكَ تنبيها على أن كل وصف من هذا كاف في حصول المدح والثناء لا المجموع. قيل لابن عرفة: احتجّ بها بعض الأصوليين على أن هذه الأمور واجبة؟ ابن عرفة: الصحيح عند الأصوليين أن الواجب ما ذمّ تاركه فالواجب إنما يستفاد من الذم على الترك لا من المدح على الفعل لأن ذلك قدر مشترك بين الواجب والمندوب. قيل لابن عرفة: هذه الآية حجة على أن (ابن قتيبة) في قوله: إن الخبر المستقبل إذا طابق مخبره فإنما يسمّى موافقة و (وفاقا) ولايسمى صدقا، وقد سماه هنا صدقا فقال: والصدق هنا المراد به المطابقة المطلقة. (فقال ابن عرفة: بل هي حجة له لأنه يجعل ﴿أولئك الذين صَدَقُواْ﴾ راجعا للماضي ويجعل ﴿الموفون بِعَهْدِهِمْ﴾ راجعا للأمر المستقبل فيكون الكلام تأسيسا وعلى قولكم «أنتم» يكون تأكيدا والتأسيس أولى من التأكيد). قاله ابن التلمساني شارح المعالم الفقهية في المسألة الأولى من الباب (الثامن). قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص ... ﴾. قال ابن عرفة: الخطاب للمؤمنين. فإن قلنا: إنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ فنقول: إنما عين المؤمنين هنا لما ذكره المفسرون في سبب نزول هذه الآية. قال: كتب بمعنى فرض أو كتب في اللوح المحفوظ. وأورد الشيخ ابن العربي هنا سؤالا قال: كيف يفهم الكتب بمعنى الفرض مع أن القصاص غير واجب؟ قال ابن عرفة: والجواب أنّا إذا اعتبرنا جهة المجني عليه ووليه فالقصاص غير واجب لأنه مخير بين القصاص وأخذ الدية، وإذا راعينا جهة الجاني فالقصاص غير (واجب). إن طلب الولي

стр. 194

الدية، وهذا بخلاف الدين فإنّ رب الدّين إذا أسقط دينه وامتنع من أخذه وأبى ذلك المديون فإنه يجبر رب المال على أخذ دينه، ولذلك إذا حلف أنه لا يأخذه وحلف المديون أنه لايحبسه فأنه يحنث رب المال وما ذاك إلا لحفظ النفوس، بخلاف الأموال فإن المديان يقول له: لا أقبل (مزيتك) ولا أحبها. قال ابن عرفة في هذا: والقصاص (فعال) لأنه يفعل كما فعل له (كالإتباع) سواء لأنه يفعل كفعل المتبع. قال ابن العربي: واحتج بها الحنفية على أن المسلم يقتل بالكافر لقولهم «الحر بالحر» فعمم ولم يقيد ولو كان بينهما فرق لبينه. وأجيب بقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ولا أخوة بين المسلم والكافر إلا أن يريد بالأخوة الصحبة فحينئذ (لايزال السؤال واردا). لكن يجاب بما قال الفخر الرازي في المحصول في قوله تعالى ﴿لاَ يستوي أَصْحَابُ النار وَأَصْحَابُ الجنة﴾ قال: المراد نفي مطلق المساواة في الخلود وغيره فاحتج به الشافعي على أنّ المسلم لا يقتل بالكافر. قال: والأعم لا إشعار له بالأخص. قال ابن عرفة: ورد عليه بعضهم بأنه لا يستوي فعل في سياق النّفي فيعم لأن نفي الأعم أخص من نفي الأخص (فنقول) تلك الآية دلت على نفي مساواة بينهما فلا يقتل المسلم بالكافر. قال الفقيه أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الأنصاري القرطبي: قال الكوفيون والثوري: يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر الذمّي. واحتجّوا بهذه الآية. قالوا: الذّمي مع (الحر) متساويان في حرمة الدم على التأبيد بدليل أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي كمال المسلم فيتساويان في الذّم إذ المال إنما يحترم بحرمة مالكه. قال ابن عرفة: يقال: إنّما قطع في المال لأنه من فساد الأرض بدليل قول مالك: إن الكافر إذا سرق من مال المسلم فإنما تقطع يده، وإذا زنا بالمسلمة طائعة فإنه لا يحد وما ذلك إلا لأنّ أخذ المال من الفساد في الأرض بخلاف الزنا. قال ابن عرفة: وقولهم في العبد إذا جنى جناية وقطع يد المسلم إنّ سيده مخيّر، فله أن يسلمه في الجناية مع أنه يبقى سليما في بدنه. والصواب كان في عقوبته أن تقطع يده لأن إسلامه في الجناية كبعيه، فما يظلم (بذلك) إلاّ سيّده وأما هو فلم يقع عليه عقاب ولا حد يرتدع به بوجه.

стр. 195

وغلط الزمخشري هنا في نقله عن الإمام مالك ﵁ لأنه قال: مذهب مالك والشافعي أن الحر لا يقتل بالعبد، والذكر لا يقتل بالأنثى. أخذ بهذه الآية. (واختلفوا في هذه الآية) فقيل: إنها منسوخة بآية المائدة وقيل مجملة وتلك مبينة لها. وقال ابن العربي: تلك مجملة وهذه مبنية (لها). ابن عطية: وقال علي والحسن ابن أبي الحسن إذا قتل رجل إمرأة فإن أراد أولياؤها قتلوه (ووفوا) أولياءه نصف الدية، وإلا استحيوه وأخذوا الدية، وإذا قتلت امرأة رجلا فإن أراد أولياؤها قتلوها وإلا استحيوها، وإن قتلوها أخذوا نصف الدية وإن استحيوها أدّوا الدية كاملة. قال ابن عرفة: (نظيره) في مذهبنا قولهم في كتاب الزكاة: إذا وجبت على الإنسان بنت لبون فأعطى للساعي بنت مخاض وما نقصت قيمتها عن بنت اللّبون أو وجب عليه بنت مخاض فأعطاه بنت اللّبون وأخذ منه ما زادت قيمتها عن قيمة بنت المخاض فالمشهور عدم الإجزاء وقيل يجزيه. قوله تعالى: ﴿ذلك تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ... ﴾. (ابن عطية) الإشارة إلى ما شرعت له هذه الآية من أخذ الدية، وكان عند بني إسرائيل في التوراة وجوب القصاص ولا دية عندهم. وقال الطبري: حرم على أهل الإنجيل الدّية وكان الواجب عليهم إمّا القصاص أو العفو على غير شيء. وقال الزمخشري: فرض على أهل الإنجيل العفو وحرّم عليهم القصاص والدّية. ورده ابن عرفة بوجهين: - الأول: ما نقله الطبري وهو حجة في التفسير، - الثاني: أن الأصوليين عدوا حفظ النفوس في الكليات الخمس التي اجتمعت الملل كلها على (حفظها)، وأيضا فهو مصادم لمقتضى الآية لأنه تكون شريعة النّصارى أخف من شريعتنا فلا يكون ذلك تخفيفا بل تثقيلا. قال ابن عرفة: فالتخفيف هو أنه كان في الجاهلية تحتم القصاص من غير قبول العفو، فصار الآن عقوبته إذا عفى عنه الولي أن يجلد مائة ويسجن عاما. قوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

стр. 196

ابن عطية: وقال الحسن: عذابه/ أن يؤدي الديّة فقط ويبقى (إثمه) إلى عذاب الآخرة. قال ابن عرفة: هذا (شبه) ما قالوا في اليمين الغموس إنها أعظم من أن تكفر. قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ... ﴾. ابن عرفة: فيه دليل لاهل السنة القائلين بأن لا حسن ولا قبح لأن الآية خرجت مخرج الامتنان بتعداد هذه النعم، فدلّ على أنها تفضل من الله تعالى، ولو كان القصاص واجبا في (العقل) لما حسن كونه نعمة، ولما صح الإتيان به لأن ذلك تحصيل الحاصل. قال الأصوليون والبيانيون: وهذه أبلغ من قول العرب القتل أنفى للقتل. وقدره ابن مالك في المصباح بأربعة أوجه: أحدهما: أن حروفها عشرة، وأسقط منها الياء من في (وألف) الوصل من «القِصَاصِ» لسقوطها في النطق وفي التفعيل أعني الأوزان (الشعرية)، وحروف «القتل أنفى للقتل» أربعة عشر. الثاني: تنافر الحروف في المثل وتناسبها في الآية. الثالث: لفظ الحياة محبوب، فالتصريح باسمها أولى من الكناية عنه بنفي القتل. الرابع: صحة معناه لأن تنكير الحياة يفيد إما حياة عظيمة أو نوعا من الحياة إشارة لحسنه وغرابته، بخلاف المثل فإن معناه غير صحيح وحقيقته غير مرادة. قال ابن عرفة: ويظهر لي بيان الرّابع إما بأن القتل في المثل (مطلق) (يتناول) القتل عدوانا مع أنه غير مراد والآية صريحة في نفي ذلك. قال (ابن عرفة): والآية أصوب من وجه آخر وهو أنها تقتضي المساواة في جميع الوجوه بخلاف المثل فليس فيه تنصيص على المساواة. وذكر (الطبري) في تأليفه في البيان والجعبري في شرح الشاطبية الصغرى أنّ الآية تفضله من وجوه: أحدها: (إيهامه) التناقض لمنافاة الشيء لنفسه أو العموم فيكون القتل ظلما أنفى للقتل قصاصا والمراد العكس بخلاف الآية فإنّها صريحة في معناها من غير احتمال (شيء). الثاني: عدول الآية عن التكرار وعن الإضمار، بخلاف المثل لأن تقديره كراهية القتل أنفى للقتل. الثالث: سلامة ألفاظها عما يوحش السامع، وتخصيصها بالحياة المرغوب فيها وبعدها عن تكرار (قَلْقَلة) القَافِ للضَغط والشدة وتخصيصها بتكرار الصاد المستجلب (باستعلائها) وإطباقها مع الصفير للفصاحة. الرابع: فيها الطباق المعنوي بين القصاص

стр. 197

والحياة. قلت: وزاد بعضهم عن القاضي ابن عبد السلام أن الآية أعجب لاقتضائها أنّ الموت سبب في الحياة ولأن دلالة القصاص على الحياة مطابقة ودلالة القتل عليها باللزوم. قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ ... ﴾. قال الزمخشري: الوصية للوارث كانت في ابتداء الإسلام فنسخت بآية المواريث ولقوله ﷺ َ «أن الله أعطى لكل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث». قال (ابن عرفة): (وهذا حديث تلقته الأيمة بالقبول حتى لحق بالمتواتر وإن كان أخبار آحاد. وحكى ابن عطية عن ابن عباس والحسن أنه نسخ منها الوصية للوالدين والقريب والوارث ثم قال: وهي في آية الفرائض في النساء) (ناسخة لهذا الحديث المتواتر: قوله: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه»). وهذا خطأ كيف يجعله متواترا والمحدثون مطبقون على أنه لم يصح، وكلام الزمخشري فيه أصوب. ابن عطيّة: «الوَصِيَّةُ» مفعول لم يسم فاعله «لكُتِبَ» وجواب الشرطين «إِذَا» و «إن» مقدر يدل عليه ما تقدم. وتعقبه أبو حيان بامتناع تقدّم العامل في «إِذَا» عليها. ابن عطية: يجوز أن يكون العامل في «إذا» الإيصاء المقدر المدلول عليه بلفظ الوصية والوصية. مبتدأ وهو جوابه للشرطين معا. وتعقبه أبو حيان بأنه إذا قدر قبل «إذا» لزم تقدم العامل فيها عليها، وإن قدر بعدها فهو موصول، ومعمول الصلة لا يتقدم عليه وبأن المقدر هنا ضمير المصدر معناه كتب عليكم هو أي الإيصاء وضميره المنطوق به لا يعمل عند الكوفيين فأحرى (المنوي) بامتناع كون الشيء الواحد جوابا لشرطين معا. وأجاب ابن عرفة بأن المعنى يقتضي كون الجواب للشرطين معا لئلا يلزم عليه فيمن حضره الموت وله مال قليل أن يؤمر بالوصية، فالأمر فيها إنما هو لمن اجتمع فيه الوصفان، ورده بعض الطلبة بأن مراد أبي حيان أنّ الجواب للشرط الأول والشرط الثاني قيد في الجواب، وجوابه محذوف يدل عليه جواب الأول والمعنى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت ... «الوصية» إِن تَرَكَ خَيْرا. قال ابن عرفة: يلزمك أن يكون الشرط الثاني وجوابه جوابا للأول، والبحث إنما هو على أنهما شرطان وجوابان أو شرطان وجواب واحد. قال ابو حيان: لا يجوز أن يكون جواب (إذا) مقدرا من معنى كتب (لمضيه) واستقبال الشرط.

стр. 198

قال ابن عرفة: أراد ما ذكر ابن عصفور في باب القسم (من) أن جواب الشرط لا يحذف إلا إذا كان فعل الشرط ماضيا، وبهذا (ردوا) على حازم في قوله تعالى ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ قال: جواب الشرط مقدر، أي فإنك أنتَ الغَفُورُ الرّحِيمُ، لأنّ (العزّة) لا تناسب المحل، وكان المختار أن يوقف عند قوله «وَإِن تَغْفِرْ لَهُم» «فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ» فردوا عليه بأن جواب الشرط لا يحذف إلا إذا كان فعل الشرط ماضيا. قال ابن عرفة: واتفقوا على أن الوصية واجبة لكنّها تختلف فقد يكون/ مندوبا إليها إذا كان القريب فقيرا وإن كان غنيا فهي للبعيد أولى. قوله تعالى: ﴿حَقّاً عَلَى المتقين﴾. إن قلنا: إن المتقي مرادف للمؤمن، فالآية واضحة وإن قلنا إنه أخص من المؤمن كما هو مذهب المحققين من المتأخرين فتفهم الآية على أن الخطاب باعتبار ظاهر اللفظ للتكليف وفي المعنى الامتثال لأنّ ظاهرها تخصيص وجوب ذلك (بالمتقي) فلا بد أن يُرَادِفَهُ وجوب قبول وامتثال. فإن قلت: ما فائدة الإتيان بهذا المصدر (المؤكد)؟ وأجاب ابن عرفة: بأن قولك «أكرم زيدا» أبلغ من قولك أكرم زيد إذا جاء عمرو ولضعف الثاني بتعليقه على الشّرط، والأول مطلق فهو أقوى ولما أتي الأمر بالوصية مقيدا بالشرط وهو إن (تَرَك) خيرا ضعف فأكد بقوله ﴿حَقّاً عَلَى المتقين﴾. قال أبو حيان: «حقا» مصدر مؤكد لمضمون الجملة أي حُقّ ذلك حقا، ورُدّ بأن «على المتقين» إما متعلق به والمصدر المؤكد لا يعمل، أو صفة له فيخرج عن التأكيد لتخصصه. قال ابن عرفة: تقرر أن معاني الحروف والأسماء الجوامد تعمل في الظروف والمجرورات. قلت كقول الشاعر: كأنه خارج من حيث صفحته ... سعود شرف نشده عند معتاد أنشد ابن الصائغ في باب الاشتغال ورد به على ابن عصفور وقوله: أنا ابن ماوية (إذا جدّ النقر) قال أبو حيان: وقيل: نعت لمصدر محذوف أي كتابا حقا أو (إيماء) وقيل منصوب ب «المتقين» وهو بعيد لتقدمه على عامله الموصول وعدم تبادره إلى الذهن. قال ابن عرفة: العلوم النظرية كلها كذلك لأنها توصل إلى فهم المعاني الدقيقة التي لا تفهم بأول وهلة. قيل لابن عرفة: إنمّا (يراد) أن الظاهر خلافه؟ فقال: إن أراد أن ظاهر

стр. 199

اللّفظ ينفيه فليس كذلك وإن أراد أن ظاهر اللّفظ لا يقتضيه ولا يدل عليه فكذلك المعاني الدقيقة كلها. أبو حيان: (والأولى) أنه مصدر من معنى «كتب» لأن معناه وجب وحق مثل قعدت جلوسا. قال ابن عرفة: الّذي فر منه وقع فيه لأنه ألزم غيره امتناع عمل المصدر المؤكد لغيره، وكذلك يلزمه هو. قيل لابن عرفة: هل يؤخذ من الآية عدم وجوب الوصية كما قالوا في ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين﴾ ويقال له: إن كنت محسنا أو متقيا (فمتّع)؟ فقال: إنه يتم لك هذا لو وقع الاتفاق على عدم وجوب المتعة. قوله تعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ ... ﴾. ابن عرفة: إن أريد به الموصى فالمعنى: فمن لم يمتثله، لأن تبديل حكم الله تعالى غير معقول. وأن أريد به الوارث الأجنبي فالتبديل حقيقة بَاقِ على ظاهره. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال ابن عرفة: كان بعضهم يفهم فيقول فائدة الحصر أنّ الموصي للفقراء بوصية ثم منعهم منها سلطان ظالم فالأجر ثابت للموصي والإثم خاص بالظالم. قال: (وكذلك) أخذ منه بعضهم، أنّ الموصي إذا اعترف بدين عليه وحبسه الوارث عن ربّه فقد برىء الموصي من عهدته وإثمه على المانع. ففي الآية ثلاثة أسئلة: - الأول: لم خص الحصر بإنَّما ولم يقل: فإثمه إلا على الذين يبدلونه مع أنه أصرح؟ والجواب أنهم قالوا: إنّ «إنما» تقتضي ثبوت ما بعدها بخلاف (إلاّ) فتقتضي وجود الإثم وثبوته. - السؤال الثاني: قال «يبدلونه» بلفظ المضارع «ومن بدله» بلفظ الماضي؟ والجواب عنه ما أجاب الزمخشري في قوله الله تعالى ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ وهو أنه لما كان القتل عمدا ممنوعا شرعا عبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل إشعارا بكراهيته (والتنفير) عنه حتى كأنه غير واقع، وكذلك يقال هنا. قلت: لأنه ذكر لفظ الإثم في الثاني مقرونا بأداة الحصر أتي بالفعل مستقبلا زيادة في (التنفير) عن موجب الإثم.

стр. 200

- السؤال الثالث: هلا استغنى على إعادة الظاهر فيقال: فإنما إثمه عليه؟ والجواب عن ذلك! أنه تنبيه على العلة التي لأجلها كان مأثوما وهي التبديل. قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ... ﴾. كرر النداء لبعد النداء المتقدم وكثرة ما بين النداءيْن من الفصل فكرره تطرئة. ابن عطية: الصيام مجمل لأنه لم يعين مقداره ولا زمنه. قال ابن العربي: بل هو معين في الآية لقوله ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾. (قال ابن عرفة: إنما هو تشبيه حكم بحكم والحكم لا يتبدل ولا يتفاوت فهو تشبيه وجوب بوجوب). ابن عرفة: وهذا التشبيه وإن رجع إلى الأحكام فهو تسلية لنا لأن الإعلام بفرضيته على من مضى يوجب خفته عل النفوس وقبولها إياه، وإن رجع إلى الثواب فهو تنظير نعمة بنعمة، أي: أنعم عليكم بالصوم المحصل للثواب الأخروي، كما أنعم على من قبلكم من أن ثوابكم أعظم. وحذف الفاعل للعلّم به وزيادة «مِنْ» تنبيه على عموم ذلك في كل أمة من الأمم السالفة إلى حين: تزول هذه الآية. قوله تعالى: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ... ﴾. زيادة/ (في التسلية) والتخفيف، أي هو أيام قلائل تعد عدا. قلت: كما في قوله تعالى ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ قاله الزمخشري. قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً ... ﴾. ابن عطية: قال قوم: متى صدق على المكلف أنه مريض صحّ له (الفطر)، وقاله ابن سيرين فيمن وجعته أصبعه (فأفطر) وحكاه عنه ابن رشد في مقدماته والجمهور: المراد المرض الذي يشق معه الصوم. قال ابن عرفة: سبب الخلاف ما يحكيه المازري وابن بشير من الاختلاف في الأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها فظاهر الآية عندي حجة للجمهور لقول الله ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً﴾ ولم يقل: فمن مرض فظاهره، أنه لا يفطر بمطلق المرض بل مرض محقق ثابت يصدق أن يقال في صاحبه كان مريضا لأن «كان» تقتضي الدوام. قوله تعالى: ﴿أَوْ على سَفَرٍ ... ﴾. ولم يقل: مسافرا.

стр. 201

قال ابن عرفة: يؤخذ منه في الحاضر إذا عزم على السفر (أن له أن يبيت على الفطر ويفطر، ولا يلزمه كفارة لأنهم قالوا في الحاضر إذا عزم على السفر وبيت) على الصوم ثم أفطر فالمشهور عندنا أنه لا كفارة عليه. وقال المغيرة المخزومي: تلزمه الكفارة فإذا كان لا يكفر إذا أفطر بعد أن يبيت على الصوم فأحرى أن لا يكفر إذا أفطر بعد أن يبيت على الفطر. تقول: هذا الحائظ على سقوط وهو لم يسقط أي على حالة السفر. فقوله: ﴿أَوْ على سَفَرٍ﴾ مما يصحح ما قلناه بخلاف المرض، فإنه لايباح الفطر إلا لمن وقع به المرض وهما في المدونة مسألتان متعاكستان. قال: في الحاضر يفطر مريدا للسفر يقضي فقط. فقال المخزومي وابن كنانة: يقضي ولا يكفر. قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ... ﴾. ولم يقل فعدة أيام أخر، إشارة إلى ما أجاب به الزمخشري في قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت﴾ وذكر «أَيَّامٍ» إشارة إلى أنه يجزي فيها الصوم في النهار القصير قضاء عنه في النهّار الطويل وإنما المطلوب عدة أيام (كعدد) الأيام الأول لا كقدرها وصفتها. قال أبو حيان: أجازُوا نَصب ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ على الظرف والعامل فيه «كُتِب» أو يكون مفعولا على السعة والعامل فيه كتب ورد بأن الظرف محل الفعل وليست الكتابة واقعة في الأيام وإنما الواقع فيها متعلقها وكذا النصب على المفعول مبني على وقوعه ظرفا انتهى. قال المختصر: في هذا الأخير نظر. قلت: يريد أنه لا يلزم من منع جعله ظرفا ل «كتب» ان لا يكون مفعولا كما قيل: إن يوم الجمعة مبارك (فجعلوه) اسم يوم مع امتناع كونه ظرفا فليس (هو) مبنيا عليه. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ ... ﴾. حكى أبو حيان في «يُطِقُونَه» خمسة أقوال. الأول: أنه على تقدير: لايطيقونه، مثل قولهم: فخالف خلا والله تهبط تلعة ... من الأرض إلا أنت للذل عارف وضعفه بأنّه لا دليل عليه. قال ابن عرفة: والجواب بأن السياق هنا يدل عليه كما قالوا في ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ أن «لا» زائدة وفي ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ أنها زائدة أيضا. وأيضا، فيجاب بقوله قبله، ويحتمل قراءة التشديد أنها بمعنى يتكلفونه أو يكلفونه ويكون من تصويب قول بقول. ونقل ابن عطية في تأويل الآية خلافا. ثم قال: والآية

стр. 202

عند مالك إنما هي فيمن يدركه رمضان وعليه صوم من رمضان المتقدم فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم فتركه فعليه الفدية. قال ابن عرفة: ويبقى القضاء عنده مسكوتا (عنه). فإن قلنا: إن القضاء بالأمر الأول فلا يحتاج إلى تقدير. وإن قلنا: بأمر جديد فلا بد من تقديره في الآية، ويكون حذف لفهم المعنى. (﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ﴾ استدلوا به على أنّ المرضع مأمورة بالصوم بدليل إيجاب الفدية عليها). قوله تعالى: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ ... ﴾. قال أبو حيان: إضافته للتخصيص وهي إضافة الشيء إلى (جنسه) لأن الفدية اسم للقدر الواجب والطّعام يعم الفدية وغيرها. قال ابن عرفة: إضافة الشيء إلى جنسه هي إضافة أمرين بينهما عموم وخصوص من وجه دون وجه مثل خاتم حديد، وثوب خز. قوله تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً ... ﴾. إن كانت «مَنْ» شرطية فظاهر وإن كانت موصولة فمشكل لأنه كقولك: إن الذاهبة جارية مالكها. وأجيب: بأن الخير الأول هو المال والثاني فعل ما هو أفضل من غيره، أو الخير الأول (فضل) والثاني أفضل فعل. قوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ... ﴾. استدلو به على أن الصوم للمسافر خير وأفضل. قلت: وقال لي سيدي الشيخ الصالح الفقيه أبو العباس أحمد ابن إدريس البجائي: لا دليل فيها لأن قوله ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ... ﴾ إلى قوله ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ مسنوخ بقوله الله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ (ويدلّك) على النّسخ قوله تعالى ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ وهو جمع قلة ولا يتناول الشهر حسبما قال الزّمخشري معناه: أياما (مؤقتات) (بعدد) ملعوم أو قلائل كقوله ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ.﴾ قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن ... ﴾. ابن عطية انظره وأبا حيان.

стр. 203

قال ابن عرفة: نقل الآمدي في شرح/ الجزولية عن السهيلي أنك إذا قلت: صمت رمضان كان العمل في كله، قال ﷺ َ: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». وإذا قلت: صمت في شهر رمضان كان العمل في بعضه بدليل هذه الآية. قال ابن عرفة: يرد بأن الفعل في الآية لم يتعد إليه بنفسه بل بواسطة «في» لقوله ﴿الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ وما كان يتم له الاستدلال إلا لو كان تعدى إليه الفعل بنفسه. ونقل بعضهم عن شرح المقرب لابن عصفور أنك إذا قلت صمت رمضان أو شهرا، فالعمل في كله وإن قلت: صمت شهر رمضان فهو محتمل لتخصيصه بالإضافة ولم يرضه ابن عطية. قال الضحاك: أُنزِلَ القُرآنُ في (فرضه) وتعظيمه والحض عليه، وقيل: الذي أنزل القرآن فيه. قال ابن عرفة: ولا يبعد أن يراد الأمران فيكون أنزل القرآن فيه تعظيما له وتشريفا ولم يمدح القرآن بما مدح به الشهر لأن فضله معلوم. وقيل: أنزل فيه القرآن جملة إلى سماء الدنيا. قال ابن عرفة: فالقرآن على هذا الاسم للكل وعلى القول الثاني بأنه أنزل فيه بعضه يكون القرآن اسم جنس يصدق على القليل والكثير. قوله تعالى: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهدى ... ﴾. قال ابن عطية: الألف وللام في «الهدى» للعهد والمراد به الأول. قال ابن عرفة: إن كانت «مِنَ» لبيان الجنس فالألف (واللاّم) للعهد في الشخص وإن كانت للتبعيض فهي للعهد في جنس فيكون القرآن نوعا من أنواع جنس الهدى. قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ... ﴾.

стр. 204

قال الزمخشري: فمن حضر المدينة في الشهر. قال ابن عرفة: خشي أن يترك الآية على ظاهرها لأن ظاهرها وجوب الصوم على حاضر الشهر مع أنه ينقسم إلى حضري وإلى مسافر (فتأولها) على أن المراد حاضر المصر في الشهر والّذي فر منه وقع فيه، لأن حاضر المصر في الشهر ينقسم (أيضا) إلى صحيح وإلى مريض، وظاهر الآية وجوب الصوم على الجميع فإن قال: خرج ذلك بالنّص عليه في الآية الثانية. قلنا: وكذلك المسافر خرج بالنّص عليه. وقيل: من شهد هلال الشهر. قال ابن عطية: وقال علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃ من حضر دخول الشهر وكان مقيما في أوله فليكمل صيامه سافر بعد ذلك أو أقام، وإنّما يفطر في السّفر من دخل عليه رمضان وهو مسافر. قال ابن عرفة: انظر هذا مع قول ابن بشير: «لا خلاف بين لأمة أن السفر من مقتضيات الفطر على الجملة». قلت: وكان سيدنا الشيخ أبو العباس أحمد بن ادريس رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى يقول: هذه الآية تدل على أن المسافر غير مأمور بالصّوم لأن «شهد» بمعنى حضر والمسافر ليس بحاضر وقالوا إذا صامه فإنه يجزيه ويكون أداء، وقالوا في العبد: إنّ الحج ساقط عنه فإن حج ثم عتق لم يجزه عن حجة الفريضة، فحينئذ نقول: فعل العبادة قبل وجوبها إن كانت عندكم نفلا سدّ مسدّ الفرض. قال: والجواب عن ذلك أن المسافر مأمور بالقضاء لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وذلك دليل على أن اباحة الفطر له (إنما هو رخصة) لا لكون السفر مانعا من الصوم بخلاف العبد فإنه إن عتق فلا يزال مطلوبا بالحج وإذا فعله بعد العتق كان أداء لأنّه أوقعه في وقته وهذا إن أدركه الصوم في السفر ثم حضر وفعله كان قضاء. قلت: هذا لا يلزم إلا إذا جعلنا الشّهر من قوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ظرف زمان لأنه على تقدير «في» والمسافر لم يحضر في الشهر، ويحتمل أن يكون «الشهر» مفعولا به فلا يلزم هذا السؤال لأن المسافر حضره وفرق بين قوله حضره وحضر فيه. وذكرته لشيخنا ابن ادريس فوافقني عليه. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر﴾.

стр. 205

قال ابن عرفة: المتعذر هو الذي لايمكن فعله ولو بمشقة والمتعسر هو الذي يمكن فعله بمشقة. قال: في الآية إشكال وهو أن متعلق الإرادة إما فعل أو حكم. والأول: باطل بالمشاهدة لأن الله تعالى يفعل الخير والشر وقد رأينا بعض الناس في الخير وبعضهم في الشر. والثاني، باطل لأنه يلزم عليه أن يكون حكم الله تعالى مرادا فيكون حادثا (إذ) من شأن الإرادة التخصيص، مع أن الحكم راجع إلى كلامه القديم الأزلي والتخصيص يستلزم الحدوث. (قيل) لابن عرفة: يقال المراد الحكم باعتبار متعلقه وهو الحكم المتعلق التنجيزي لا (الصلوحي)؟ قال ابن عرفة: قد تكرر أنّ الصحيح أنّ التعلق صفة نفسية والتعلق التنجيزي حادث، فإن حكمنا لموصوف بحكم صفته لزم عليه حدوث حكم الله تعالى، وإن لم يحكم له بحكمها لزم عليه مفارقة الصفة (النفسية) لموصوفها، والأمران باطلان. قيل له: نقول إن الإرادة متعلقة بالحكم؟ فقال: قد تقرر الخلاف في الإرادة هل هي مؤثرة؟ والتحقيق أنه إن أريد به التعلق التنجيزي فهي/ مؤثرة كالقدرة، ومعنى التخصيص فيها كون الشيء على صفة خاصة في وقت معين، وإن أريد به التعلق الصلاحي فهى غير مؤثرة كالعلم فإنه يتعلق ولا يؤثر وهو اختيار المقترح. قيل لابن عرفة: لعل المراد الحكم التكليفي وهو يسر لاعسر؟ فقال: هذا تخصيص والآية عامة. قيل له: (الحكم) أبدا لايمكن أن يكون إلا مرادا، وليس هناك حكم غير مراد، تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد؟ فقال: الحكم موافق (للارادة) أي مقارن لها لأنه مراد كما نقول العلم مقارن للارادة وليس متعلقا بها. قال ابن عرفة: الجواب عن الإشكال لا يكون إلا بأنّ (يشرب) يريد معنى يحكم أي يحكم الله عليكم باليسر لا بالعسر ولا سيما إن قلنا: إن تكليف ما لا يطاق غير جائز أو جائز غير واقع. فإن قلت: قوله ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر﴾ عام فيقتضي عموم متعلق الإرادة باليسر. فقوله تعالى: ﴿وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر﴾ تأكيد فلا فائدة له. قلنا: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ﴾ ليس جملة مثبتة، فهي مطلته لا تعم، ﴿وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ﴾، (فعل منفي) فيعم. قال: والعسر واليسر (تجنيس) مختلف مثل ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْئَوْنَ عَنْه﴾

стр. 206

قال ابن عطية: وقال مجاهد (والضحاك): اليسر الفطر في السفر والعسر الصوم في السفر. قيل لابن عرفة: يلزم أن يكون الصوم في السفر غير مأمور به. فقال: هذا مذهب المعتزلة، لأنهم يجعلون الأمر نفس الإرادة وإنّما معنى الآية: يريد الله بكم إباحة الفطور ولا يريد بكم وجوب الصوم. لأن الوجوب والإباحة قسمان من أقسام الحكم الشرعي. قلت: وتقدم في الختمة الأخرى لابن عرفة أنه لا يمكن أن تحمل الإرادة هنا على حقيقتها لأنّ المريض (الذي) بلغ الغاية في المرض والمحبوس المعسر بالنفقة، قد أريد بهم العسر فترجع الإرادة إلى باب التكليف وقد قال ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبِّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. منهم من قال: إنه أمر. قيل لابن عرفة: قول الله ﷻ ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يغني عنه لأنه يفيد أنه (يقضي) أياما على عدد ما فاته؟ فقال: أفاد هذا الأمر بإكمالها وهو الإتيان بها على وجهها موفاة كما قالوا: إنّ (الصائم) يأخذ جزءا من أول الليّل في أول النّهار وجزْءا من آخره يتحرّاه لأنه مما لا يتوصل إلى الواجب إلا به. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ... ﴾. قال ابن عطية: قال عطاء لما نزلت ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قال قوم: في أي ساعة ندعو؟ فنزلت. (وروى أنّ أعرابيّا قال: يارسول الله أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت). قال ابن عرفة: هذا يوهم اعتقاد التجسيم والجهة وهو صعب. وقد كان بعض الناس يستشكله فكنت (أقرّبه) له بالمثال، فنقول له: لو فرضنا رجلا لم يشاهد قطّ في عمره إلا الحيوان الماشي على الأرض فإنه إذا سئل عن حيوان يطير لا هو في السماء ولا هو في الأرض بل بينهما بالفضاء فإنه يظن ذلك محالا، وكذلك النملة لو كان لها عقل وسئلت عن ذلك لأحالته. وظاهر ما ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن لفظ «عِبَادِي» عام ولكن آخر الآية يدل على أنه خاص بالمؤمنين. وقوله «فَإِنِّي قَرِيبٌ» قال أبو حيان: أي فاعلم أني قريب.

стр. 207

قال ابن عرفة: لأن الأمور الواقعة الموجودة لا يصح ترتيبها على الشّرط إلا على مَا ذكر المنطقيون في القضية الاتفاقية مثل كلّما كان الإنسان ناطقا كان الحمار ناهقا هي لا تفيد شيئا. قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ ... ﴾. قال ابن عرفة: «أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع» فيه سؤالان: الأول: ما الفائدة في زيادة لفظ «دعوة» مع أنه مستغنى عنه؟ قيل له: إنّه إذا أجاب الدّعوة الواحدة فأحرى أن يجيب الدّعوات (المكررة المؤكدة)؟ فقال: العكس أولى لا، إذ لا يلزم من أجابة الدعوة الواحدة إجابة الدعوات. قال: وعادتهم يجيبون عنه بأنّ «أجاب» تطلق على (الإجابة) بالموافق والمخالف و «استجاب» خاص بالموافق، فلو قال: أُجِيبُ الدّاعِي، لأوهم العموم، وقوله «أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع» صريح في الإسعاف بالمقصود، كما نقول: أجيب طلبة فلان وأجيب دعوته، أي أسعفه بمطلوبه. السؤال الثاني: ما الفائدة في قوله «إِذَا دَعَانِ» مع أنّه أيضا مستغنى عنه. قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأنّ الدّعاء على قسمين دعاء بنية وعزيمة، والداعي مستجمع لشرائطه، ودعاء دون ذلك، فأفاد قوله «إِذَا دَعَانِ» إجابة الداعي بنية وحضور. وذكروا أنّ الدّعاء على أقسام فالمستحيل عقلا والمحرم لا يجوز، وكذلك الدعاء بتحصيل الواجب لأنه من تحصيل الحاصل، وكذا قالوا في قوله تعالى ﴿وَلاَ تعتدوا إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين﴾ أي المعتدي في الدعاء بالمستحيل عقلا كالدعاء بالجمع بين النقيضين وأما المحال في/ العادة كالطيران في الهواء والمشي على الماء فمنهم من أجازه ومنهم من منعه. والمختار عندهم أنه إن كان في الداعي أهلية لذلك وقابلية له جاز له الدعاء وإلا لم يجز كدعاء شيخ ابن ثمانين سنة أن يكون فقيها عالما، ودعاء رجل من سفلة الناس بأن يكون ملكا. قلت: في الجامع الثالث من العتبية قال الإمام مالك ﵁: صلى رجل في المسجد ثم انصرف ولم يدع كثيرا فدعاه عروة بن الزبير ﵁ فقال له (أما) كانت لك حاجة عند الله. والله إني لأدعو الله في حوائجي حتى في الملح. قال الإمام ابن رشد: الدعاء عبادة فيها الأجر العظيم استجيب أَمْ لا، لأنه لا (يجتهد) في الدعاء إلا بإيمان صحيح ولن يضيع له عند الله. قال ﷺ َ: «ما من داع يدعو إلاّ كان بين إحدى ثلاثة: إما أن يستجاب له، وإمّا أن يدّخر له، وإمّا أن يكفر عنه» إلاّ أن هذا الحديث ليس فيه ما يدل

стр. 208

عنه على أنه لا يدّخر له ولايكفر عنه إذا استجيب له لأن معناه: إلا كان بين إحدى ثلاثة، إما أن يستجاب له مع أن يدخر له أو يكفر عنه مع أن يستجاب له. وفي شرح الأسماء الحسنى للشيخ ابن العربي: الدّعاء لغة الطّلب. «اغفر لنا»، ويطلق على النداء وعلى الترغيب مثل: ﴿والله يدعوا إلى دَارِ السلام﴾ وعلى التكوين مثل: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأرض﴾ قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي ... ﴾. قال الزمخشري: فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي، إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة. قال ابن عرفة: يلزم التكرار في الآية لغير فائدة، والتقديم والتأخير لأن الطاعة مُتأخرة عن الإيمان وما معناه عندي: أَلاَ فلينظروا في الأدلة التي ترشدهم للايمان ويؤمنوا بالفعل. قيل لابن عرفة: هذا إذا قلنا إن ارتباط الدليل بالمدلول عادي أمّا إن قلنا: إنه عقلي فيجري فيه تحصيل الحاصل لأنّهم إذا نظروا آمنوا فلا فائدة في أمرهم بالإيمان؟ (فقال): إنّما (أمروا) بالإيمان قبل كمال النظر كما تقول لغيرك: انظر في كذا واعلمه، فإنما أمرته بالعلم قبل أن يحصل منه النظر. قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. أي لعلهم يحصل لهم الفوز والفلاح، وليس المراد لعلهم يهتدون (بطريق) الفوز لأنه من تعليل الشيء بنفسه. قلت: وجدت هذه الآية في ميعاد القاضي أبي علي عمر بن عبد الرفيع فنقلوا عن ابن الخطيب أن الجواب (هنا): وقع بالفاء فقط إشارة إلى أنه قريب مطلقا وقربه من العبد مع الدعاء لا يعقبه، وقيل: أمر محمد ﷺ َ بأن يقول لهم ذلك (وب «قل» وحدها) في ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (وبهما) معا في ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ الآية، ونسفها إعدامها إشارة إلى الأمر بالمبادرة بالجواب عقب السؤال ردا على من قال بقدمها لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه. ونقلوا عن أبي حيان أنّ التقدير «فَقُلْ إنِي قَرِبٌ» لأنه لا يترتب على الشرط القرب بل الإخبار عن القرب، فقال الحسّاني: لا حاجة إلى إضمار «قُلْ» وقد أبدى ابن الخطيب حكمه ذلك. فقال بعضهم: لعل مراد أبي حيان أن هذا شرط والشروط اللّغوية أسباب عقلية والسبب العقلي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، فليزم إذا عدم السؤال أن يعدم مطلق

стр. 209

القرب. فأجاب الطالب: بحديث: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» قالوا فيه: إنه قد تصير له بالملك من غير إحياء فترى الإحياء انعدم والملك موجود. فرد عليه ابن التلمساني في المسألة السادسة من باب الأوامر قال: قال (مالك) في الإحياء إنه غير موجود وإنّما الموجود ملك الشراء. قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ ... ﴾. قال الزمخشري: إن قلت لم كنّى الجماع بالرفث الدال على القبح أي على معنى القبح بخلاف قوله ﴿وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ وقوله ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ﴾ وأجاب عن ذلك بأن ذلك تقبيح لما صدر منهم قبل الإباحة، كما سماه (اختيانا). ابن عرفة: والجواب عندي بعكس هذا وهو أنّه مبالغة في الإباحة والتحليل فعبر عنه باللّفظ الصّريح حتى لا يبقى عندهم فيه شك ولا توهم بوجه. قال ابن عرفة: وعدّي الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء. وقال ابن جني في سر الصناعة في مثل هذا: إنّ الرفث يتعدّى بالباء والإفضاء بإلى فذكر الرّفث ولم يذكر معموله، وذكر معمول الإفضاء ولم يذكر عامله إشعارا بإرادة الجميع وأن الكل مقصود بالذكر. قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ... ﴾. ابن عرفة: ليس هذا من (النّسب) المتعاكسة مثل: زيد أخوك وأخوك زيد، إذ لا يلزم من كونهنّ لباسا للرّجال أن يكون الرجال لباسا لهن وهذا تأكيد في التحليل. قوله تعالى: ﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ... ﴾. قال ابن عرفة: هذا من باب القلب مثل كسر الزجاج الحجر لأنّ النفس هي الخائنة قال تعالى ﴿إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء﴾

стр. 210

قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المساجد ... ﴾. ابن عطية: قال: الإمام مالك/ الاعتكاف إلا في مساجد الجماعات. وروي عنه أن ذلك في كل مسجد. ابن عطية: وروي عنه أنّ ذلك في كل مسجد من المساجد. ابن عرفة: لو نذر أن يعتكف فإنه يجزيه عند مالك الاعتكاف في أي مسجد أراد ويخرج به من العهدة وشرط الجامع غير واجب. وكذا قال الشيخ ابن العربي عن الإمام مالك ﵁. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله ... ﴾. الإشارة (راجعة) إلى الأحكام أو إلى النواهي المتقدمة. قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقْرَبُوهَا ... ﴾. نهى عن القرب لحديث «الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه». قيل لابن عرفة: تقرر أن اتقاء الشبهات غير واجب بل مستحب؟ فقال: هي أقسام: مظنون، ومشكوك فيها، ومتوهمة، فالوهم مرجوح، والظن راجح فينتج وجوب الاجتناب، والشك فيه خلاف (ومحمل النهي) في الآية على تحريم المظنون والمشكوك فيه وقال في الآية الأخرى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ ابن عرفة: يحتمل أن تكون تلك قبل هذه فنهينا أولا عن تعدي الحدود، ثم نهينا ثانيا عن قربها؛ أو يكون الأمر الأول للعوام والثاني للخواص. وأجاب أبو جعفر الزبير بأن قرب النساء بالمباشرة يدعو إلى المواقعة فقل من يملك نفسه، فنهى عن القرب ونظيره: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ﴾ ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى﴾ ولذلك منع المحرم من الطيب. فإن قصد البيان العام الفارق بين الحلال والحرام لم ينه عن المقاربة بل عن التعدي فقط، مثل ﴿الطلاق مَرَّتَانِ﴾ الى قوله ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ فحرم أموالهم على الأزواج بغير حق ما لم يقع نشوزٌ أو ما يمنع عن القيام بحقوقهم. وأجاب بعضهم بأنّ تلك تقدمها «الطلاق مَرَّتَانِ» وهو أمر مباح، فناسب النهي عن تعديه لا عن قربه، وهذه تقدمها النهي عن المباشرة وهو محرم فناسب النهي عن قربه. قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ الله آيَاتِهِ ... ﴾.

стр. 211

قيل لابن عرفة: هذا يؤخذ منه أن النبي ﷺ َ غير مجتهد؟ فقال: الآيات هي القرآن والمعجزات، وأما السنة كلها فلا تسمى آيات. قوله تعالى: ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام ... ﴾. قيل لابن عرفة: إن المازري حكى في تعليقه عن الشعبي أنّ الفقيه إذا علم من نفسه أنه ما في بلده من يصلح للفضل غيره فلا بأس أن يتسبب في الولاية ويعطي عليها الأجرة والرّشوة لولاة الأمر؟ فأنكره ابن عرفة وقال: هذا من أكل المال بالباطل والمشاركة فيه على الخطإ والّذي أدركت القضاة عليه أن بعضهم كان يتسبب في ذلك بالكلام فقط. وقد قسّم المازري في شرح التلقين القضاء على أربعة أقسام: مندوب ومكروه وحرام وواجب، ولم يذكر هذا بوجه ولو كان جائزا لذكره. قيل لابن عرفة: وقال المازري في تعليقه: إنّه كان ببلدهم مفتيان أحدهما يطلب الأجر على الفتوى، والآخر لا يأخذ أجرة فأجاز ذلك (شيخنا) عبد الحميد الصائغ ومنع ذلك الشيخ أبو الحسن علي اللخمي. فقال ابن عرفة: وكان بتونس الفقيه أبو علي ابن علوان يأخذ الأجرة على الفتوى ممن يستفتيه. وحكى الشيخ أبو الحسن محمد البصريني قال: أخبرني أبو العباس سيدي أحمد بن فرحون اليقربي أنّ رجلا من أصحابه كان يهدي إليه كل عام خروفين وزنبيلين فولا، وزيرين لبنا فيعطي لسيدي الشيخ الصالح أبي محمد المرجاني نصف ذلك ويأخذ هو نصفه، فجرت على الرجل مظلمة فتسبّب له الشيخ المرجاني في زوالها فأهدى ذلك العام للشيخ ابن فرحون مثله ما عادته يهدي له فبعث نصفه للمرجاني كعادته فأمره أن يقبل منه مقدار العادة ويرد له الزائد على ذلك. قوله تعالى: ﴿بالإثم ... ﴾. إما مصاحبين للاثم أو بسبب اقتراف الإثم، أو بسبب الإثم. وجعل الإثم على هذا كأنه السبب في ذلك الفعل تقبيحا له وتنفيرا منه. قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. تنبيها على أنّ الجاهل لايناله ذلك (أو) أنّ ذلك لايقع إلا على هذه الصفة فلا يقع من الجاهل بوجه. قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج ... ﴾.

стр. 212

أي عن حال الأهلة. وجمع الأهلة إما لتعددها بتعدد الأشهر أو لاختلاف أحواله وإن كان واحدا فهو كالمتعدد. قال ابن عطية: الهلال ليلتان بلا خلاف، وقيل ثلاث. الأصمعي هو هلال حتى يحجّر، ويستدير له كالخيط الرقيق. وقيل: هو هلال حتى (يعم ضوؤه) السّماء وذلك ليلة سبع. وأنشد الآمدي شاهدا على ذلك لاختلاف أحواله. قال ابن عرفة: وجواب السؤال في القرآن كله بغير «فاء» مثل ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض قُلْ هُوَ أَذًى﴾ ومثل ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ إلا قوله ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن الكل أمور دنيوية فالسؤال عنها ثابت واقع في الوجود/ وقوله «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال» فأمر أخروي والكفار منكرون للبعث فالسؤال غير واقع لكنه مقدر الوقوع في المستقبل أي إِنْ «(يَسْأَلُوكَ) عَنِ الجِبَالِ»، فهو جواب لشرط مقدر فحسنت فيه الفاء. قال ابن عرفة: وهذا على سبيل الإعراض عن الشيء والإقبال على غيره، لأنهم سألوا عن سبب تغيير الهلال ونقصه وزيادته في أيام الشهور، فأجيبوا بالسبب عن ذلك ونتيجته. وأنّ فائدة ذلك معرفة أوقات الناس، وأوقات الحج، أي ذلك سؤال عما لا (يعني) فلا حاجة لكم بالجواب عنه، وإنما حقكم أن تسألوا عن نتيجته وهو كذا. قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا ... ﴾. كانوا إذا حجوا واعتمروا يلتزمون أن لا يحول بينهم وبين السماء شيء فيدخلون بيوتهم من خلفها ينقبون الحائط أو من سقفها أو يطلعون بسلم على السطح فينزلون في وسط الدار، وهذا عند ابتداء الدخول فإذا تكرر ذلك تركوه. قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ ... ﴾.

стр. 213

قلت لابن عرفة في الختمة الأخرى: قاتل مفاعلة لا يكون إلا من الجانبين فما الفائدة في قوله «الذين يُقَاتِلُونَكُمْ» ومعلوم أنّه لا يقاتل إلاّ من قتله؟ فأجاب بوجهين: الأول أنهم لا يقاتلون إلا من بدأهم بالقتال. الثاني: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين﴾ هذا (النفي) يحتمل أن يكون على الكراهة لأن عدم محبة الشيء لا يقتضي تحريمه لأن المحبّ هذا إما مباح أو مكروه) وإنّما يدل على التحريم الذّم على الفعل وعلى الوجوب الذم على الترك. ويحتمل أن يكون هذا النهي (على) التحريم لأن النحاة قالوا: إذا أردت مدح زيد قلت: حبذا زيد، وإن أردت ذمه قلت: لا حبذا زيد (فسمُّوا) نفي المحبة (ذما). قوله تعالى: ﴿واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ... ﴾. هذا (احتراز) لأنه لمّا تقدم الأمر بقتال من قاتل أمكن أن يتوهم أنّه لا يقاتل إلاّ من قاتل، فهذا إما نسخ له أو تخصيص. ابن عطية عن الطبري: الخطاب للمهاجرين والضمير لكفار قريش. واختار ابن عطية أنّ الخطاب لجميع المؤمنين، أي أَخرِجوهم إذا أخرجوا بعضكم. قال ابن عرفة: يلزمه استعمال اللّفظ في حقيقته ومجازه. قيل لابن عرفة: في ظاهر الآية تناف لأن «اقتلوهم حيث ثقفتموهم» يقتضي الأمر باستِئْصالِهِم وعدم إحياًء أحد (منهم) فلا يبق للاخراج محل. وقوله: «وَأَخْرِجُوهُم» يقتضي إحياء بعضهم حتى يتناوله الإخراج. فأجاب بوجهين: الأول منهما: أنّ الاستيلاء عليهم تارة يكون عاما بحيث لا تبقى لهم ممانعة بوجه، فهنا يقتلون وتارة يكون (دون) ذلك بحيث يتولّى المسلمون على وطنهم (ويمتنعون) هم منهم في حصن ونحوه، حتى لا يكون لهم قوة على المسلمين ولا للمسلمين قدرة على قتلهم فهنا يصالحونهم على أن يخرجوا لينجوا بأنفسهم خاصة. انتهى. الثاني: أنهم يخرجون أولا ثم يقتلون بعد الإخراج والواو لا تفيد رتبة ففي الآية التقديم والتأخير.

стр. 214

قال ابن عرفة: في الآية عندي إيماء إلى كون فعل الطاعة إذا (وافق) غرضا دنيويا فلا يقدح ذلك فيه ولا ينقص ثوابه لقوله: ﴿مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾. قلت: وتقدم لنا في الختمة الأخرى عن ابن عرفة أنه تقرر أن الإمام مخير في الجهاد بين ثلاثة أشياء: إما القتل، وإما الفدية وإما الأسر، والآية تقتضي تحتم القتل من غير تخيير. وأجاب بأنه قد يكون تخصيصا. قوله تعالى: ﴿فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم ... ﴾. وقرىء «فَإِن قَتَلُوكُمْ» أي فإن قتلوا بعضكم أو فإن أرادوا قتلكم، وقول الله ﷻ : ﴿كَذَلِكَ جَزَآءُ الكافرين﴾ بعد أن قال ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ فظاهره أن الكافرين ليس لهم (جزاء إلا هذا، مع أن جزاءهم) أن يقاتلوهم حيث (ثقفوهم) حتى يُسلموا، فيجاب بهذا إما منسوخ أو مخصوص. قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انتهوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. إما أن يراد إنّ انتهوا عن الكفر فالله غفور رّحيم ﴿قُل لِّلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ وإن انتهوا عن قتالكم، فالله غفور لكم في ترككم قتالهم، أو غفور لهمْ بالستر على نسائهم وعلى صبيانهم من كشفكم لهم وسبيكم (إياهم). قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدين لِلَّهِ ... ﴾. في الأنفال: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وأجاب بعضهم: بأن هذه في قتال كفار قريش وتلك في قتال جميع الكفار لأن قبلها ﴿قُل لِّلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ فالمراد في آية البقرة ويكون الدّين (الّذي) هم عليه لله ودينهم بعض الدين لا كله بخلاف آية الأنفال. قال ابن عرفة: هذا (ينتج) له العكس لأن الأمر بقتال جميع الكفار يقتضي أنّ المراد صيرورة جميع الدّين لله فلا يحتاج إلى التأكيد بكل، والأمر بقتال بعضهم لا يقتضي ذلك فهو أحق أن يؤكد (بكل). قوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام ... ﴾.

стр. 215

ابن عطية: عن ابن عباس ﵁ وجماعة (صد) النبي عن البيت سنة ست ودخلها سنة سبع فنزلت آية: «الشهر الحرام» الذي دخلتم فيه الحرم «بالشهر الحرام» الذي صدوكم فيه عنه. وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: سأله الكفار هل يقاتل في الشهر الحرام؟. فقال: لا، فهمُّوا بالهجوم عليه فيه فنزلت، أي هو عليكم كما هو عليهم إن تركوا فيه القتال فاتركوه وإلا فلا. قال ابن عرفة: الأول: بناء على أنهما شهران من سنتين، والثاني: على أنه شهر واحد من سنة واحدة وتعدده لأجل تعدد حالاته. قوله تعالى: ﴿فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عرفة: فاعتدوا اعتداء جائزا شرعيا فلا يجوز لمن زني بأخته أو ابنته أن يزني بأخت الزاني أو ابنته. قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله ... ﴾. قال ابن عرفة: (هو عندي يتناول النفس والمال، أي أنفقوا ما يعز عليكم في سبيل الله) لقول الزمخشري في غير هذا: إن المفعول قد يحذف قصدا للعموم. (قلت: أظنّه ذكره في قوله تعالى ﴿فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى﴾ قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ... ﴾. قل الزمخشري: الباء زائدة أي لا تجعلوا التهلكة آخذة بأيديكم مالكة لكم، والمعنى النهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله لأنه سبب الهلاك أو عن الإسراف في النفقة حتى (يفقر) نفسه ويضيع عياله. قلت لابن عرفة: إن أريد النهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله يكون في الآية دليل على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده إذ لو كان قوله ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ ملزوما للنهي عن ترك النفقة (في سبيل الله) لما احتيج إلى قوله ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾؟ فقال لي: إن قلنا إن الأمر يفيد التكرار فيتم ما قلت، وإن قلنا إنه لا يفيده فيقال إنه مطلق والمطلق يصدق بصورة، فمهما أنفق في سبيل الله ولو مرة واحدة كان ممتثلا. وأتى بالنهي بعده ليفيد التكرار. قوله تعالى: ﴿وأحسنوا إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين﴾.
следующие страницы →