وكان بعضهم يقول: إنه لف ونشر، فالصراط المستقيم لقوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) أي هذا حكم العذر في عباده.
قوله تعالى: (قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ).
راجع لقوله (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ) بأن التذكير راجع للاهتداء، وتفصيل الآيات يحتمل أن يكون ابتدائيا، ويحتمل أن يكون مسبوقا بإجمال، فإن كان التفصيل يستلزم تقدم الإجمال فيكون حجة لمن يقول من المبتدعة: إن العلوم كلها تذكيرية.
وحكى الأصوليون الخلاف في البيان يقتضي تقدم الإجمال أم لا.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ... (١٢٧)﴾
إن كان تقديم المجرور لحصر الضمير عاما في المؤمنين طائعهم وعاصيهم؛ أي دار السلام والنجاة ليست إلا لهم لَا لغيرهم، وإن يكن للحصر فيكون الضمير عائدا على المؤمنين الطائعين فدار السلام لهم ولا بد أن يكون ذلك لغيرهم وهم العصاة من المؤمنين.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ... (١٢٨)﴾
قيل: العامل فيه وليهم.
ابن عرفة: فلابد من إضمار بما يعطف عليه، أي: وهو وليهم في الدنيا ويوم نحشرهم.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا ... (١٢٩)﴾
وتبعه في دخول النار، والاثنان راجعان للدنيا
أحدهما: العبادة أيضا بعضهم ولي بعض في الكفر والظلم، والثاني عكسه لابن زيد أن يسلط بعضهم على بعض ويجعله وليا في القهر منتقما منه.
ابن عرفة: فاسم الإشارة على الأول راجع لقوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا)؛ لأنه أمر أخروي، وعلى الوجه الثاني والثالث يرجع لقوله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ)، (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ)؛ لأنه أمر دنيوي، والآية تدل على إطلاق البعض على الأكثر، فإن قلت: قد يكون نفي بعض ثالث مسكوت عنه كما تقدم في قوله تعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) قلنا: هنالك يمكن الجواب بهذا، وأما هنا فهذا تقسيم مستوي.
قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ... (١٣٠)﴾
стр. 632
المعشر هم الجماعة، وتصدير الآية بها توطئة لما رتب عليها وبه يترجم تأويلها، بأن المراد بقوله (رُسُلٌ مِنْكُمْ) أنهم من الإنس فقط، كقوله (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) وهو إنما يخرج من البحر المالح.
قوله تعالى: (قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا).
ابن عطية: هذا إقرار منهم بالكفر.
ابن عرفة: باعتبار شهادة كل واحد على نفسه، ويحتمل أن يكون شهادة حقيقية باعتبار شهادة كل واحد على غيره.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ ... (١٣١)﴾
ابن عطية: حملته على معنيين:
أحدهما: أن الله تعالى لم يكن ليظلم القرى فيهلكهم دون أن يبعث إليهم رسولا يبين لهم الشرائع والأحكام وينذرهم والباء على هذا للسبب، ابن عطية: وهذا هو البين القوي.
ابن عرفة: هذا المعنى لَا يهلك القرى بظلم منه لهم أو بظلم من بعضهم لبعض، ابن عرفة: والتأويل الأول لَا بشيء إلا على قواعد المعتزلة القائلين بوجوب بعثة الرسل عقلا، ونحن نقول: إنما يجب شرعا وهي محض تفضل من الله تعالى ، وفي الجائز أن يعذب الطائع وينعم العاصي وليس ذلك [ظلما*] بوجه؛ لأن الكل ملكه وهم يقولون: ذلك قبيح ويستحيل عليه فعله، ونحن نقول: الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه، وحتى ابن عطية كان يبين هذا.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ ... (١٣٨)﴾
قال ابن عرفة: ذكر ابن العربي هنا في الأحكام والقرافي وغيرهما أن هذه الآية احتج بها من أنكر الاستحسان، ووجه الدليل ما قاله أشهب في كتاب الخيار فيما إذا ورث قوم خيارا فاختلفوا فالقياس أن لهم ألا يأخذوا جميعا أو يردوا جميعا، والاستحسان إن لمن أراد منهم أن يأخذ نصيب الراد إن شاء يفرق بينه وبين القياس وما الفرق بينهما إلا أن القياس مستند إلى حكم شرعي معبر عنه مصرح به، والاستحسان مستند إلى شيء قليل.
стр. 633
ابن عرفة: بل الفرق بينهما أن القياس مستند إلى حكم شرعي معبر عنه مصرح، والاستحسان مستند إلى ذلك لكنه في خاطر المجتهد ولا يقدر على التعبير عنه، فقد خالف بينهما أشهب فجعلهما متباينتين وما قلتموه ليس بمخالفة.
قوله تعالى: (وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا).
قيل لابن عرفة: وهلا قيل: وأنعام يذبحونها لآلهتهم ويذكرون اسم آلهتهم عليها، فقال: ذموا على الوصف الأعم ليدل على الأخص من باب أحرى.
قيل لابن عرفة: أول الآية حكاية من مقالتهم وآخرها خبر عنهم، لقوله تعالى: (هَذِهِ أَنْعَامٌ)، ثم قال (وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا) فقال: هذا التفات في الأخبار وهذا كثير شائع، وعنه قوله تعالى: (افْتِرَاءً عَلَيْهِ).
قال ابن التلمساني في باب الفتح: اختلف في تكذيب من كذب على الله وأجمعوا على تكفير من كذب على الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا ... (١٣٩)﴾
ابن عرفة: إن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا)، فالجواب أن الأول أفاد وجوده للذكور وبقي الأمر محتمل هو مباح للإناث أم لَا، كما قال مالك: واجب لك ولا يمنع أن تعطيه لغيرك هبة أو صدقة أو تبيعه له.
قوله تعالى: (وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ).
ابن عرفة: قد يقال: إن أول الآية مناقض لآخرها فأولها مقتضٍ خلوصه للذكور دون الإناث مطلقا، وآخرها يقتضي اشتراك الكل في الميتة منه شركة التساوي، لكن الجواب قوله تعالى: (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ)، وقال تعالى (سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)، والجواب بأن الأول راجع للذوات وهذا حكم راجع لأوصاف الذوات؛ لأن الأول (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ) (لَا يَطْعَمُهَا) فهذا راجع لذوات الأنعام، وقال هنا: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ) فهو وصف بالمحرمات، وفي حكمها لقوله (وَمُحَرَّمٌ) والتحريم وصف شرعي، وما في بطون وصف في المحرم، وهناك لم يقل: ومحرم إطعامها، وإنما قال: (لَا يَطعَمُهَا) فناسب الأول لفظ الافتراء، والثاني الوصف.
قوله تعالى: ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ... (١٤٠)﴾
стр. 634
القتل قسمان: قتل مستند إلى شبهة، وقتل غير مستند إلى شبهة فهذا تغيير لاحتمال أن يظن أحد أنهم قبل ذلك مهتدين.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ... (١٤٢)﴾
(مِن) إما للتبعيض أو لبيان الجنس.
قيل لابن عرفة: شرطها تقدم الجنس البين، قال؛ إن لم يتقدم لفظا فهو متقدم معنى، والحمولة: ما تحمل الأثقال من الإبل والبقر عند من عادتهم يحملون عليها.
قال أبو حيان: واتفقوا، قال ابن عرفة: إنما يريد واتفقوا أنهم اتفقوا على دخولها هنا معها لَا على أنها تصدق عليها لغة.
قال ابن عرفة: ويحتمل عندي أنه يريد بالحمولة ما يحمل المشقة عن الإنسان بتناول البقر وإلإبل؛ لأنها تحمل عليها مشقة الحرث، فلا يريد بالحمل الحسي بل يريد الحمل المعنوي، قال: وجعلها ابن عطية من عطف الموصوفات، والزمخشري من عطف الصفات.
فعلى قول الزمخشري يرد السؤال؛ لأن القاعدة في الصفات أنها إن كانت متناقضات فالأصل بالواو، كقولك: زيد قائم وقاعد ولا يذكر بغير واو إلا على سبيل المجاز، وإن كانت غير متناقضة فالأصل إثباتها غير معطوفة، كقولك: زيد قائم ضاحك مثلا، وهذه الصفات غير متناقضة فلم جيء بها معطوفة؟، قال: وأجيب بأن الصفات لها اعتباران: اعتبار من حيث ذاتها، واعتبار من حيث نسبتها للموصوف بها؛ فمن حيث نسبتها للموصوف بها هي واحدة فتكون غير معطوفة، ومن حيث ذواتها هي متعددة مختلفة فتأتي معطوفة.
قوله تعالى: (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ).
هذا الأمر للإنسان، وجعلها الفخر حجة للمعتزلة في أن الرزق لَا يطلق إلا على الحلال، وقرره ابن عرفة بالشكل المثالي وهو أن الرزق مأمور بأكله ولا شيء من الحرام مأمور بأكله فينتج لَا شيء من الحرام برزق، وزاده بأن ذلك إذا لم يكن للتبعيض، وإن جعلها للتبعيض لم تكن فيه دليل لهم.
قوله تعالى: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ).
قال ابن عرفة: الخطوة ما بين القدمين، والخطوة ما بين نقل القدم إلى القدم.
قوله تعالى: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).
стр. 635
هذا أخف من قوله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا).
قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ... (١٤٣)﴾
قال ابن عرفة: الزوج هو الواحد باعتبار ما أضيف إليه، ولذلك كانت ثمانية أزواج وإلا أربعة خاصة، ومنه النقيضين داخلين، ولذلك [من سرق لرجل فردة فرق، ولم يكن عنده غيرها، فإنه يغرم له قيمتها مفردة، وإن سرق له فردة واحدة من فردتين فرق كانتا عنده فإنه يغرم له قيمتها باعتبار كونها مع أخرى؛ لأنه أفسده عليه وهو أكثر من قيمتها، وبه يفهم قول إمام الحرمين: الجوهران إذا تآلفا كانا جسمين، وهكذا آخرون؛ لأنه أطلق على كل واحد منهما أنه جسم.
قوله تعالى: (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ).
كأنه يقول الذكرين حرم بالتعيين أم الأنثيين أم أحدهما من غير تعيين، والاستفهام للإنكار، قيل لابن عرفة: قال ابن خروف: إن (أم) المتصلة لَا يتقدمها الاستفهام الحقيقي، قال ابن عرفة: وأخذوا من الآية إبطال الحسي المشكل وأنه ليس في المأخوذ، [فالإنسان*] إما ذكر أو أنثى.
قوله تعالى: (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
يرد عليه أن هذا إنشائي لَا خبري، والصدق والكذب من عوارض الخبر فقط، والجواب أنه خبر عما حكم به آباؤهم من تحريم السائبة والوصيلة والحام.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ... (١٤٤)﴾
قال ابن عرفة: وجه الترتيب في هذا بين الحمولة والفرش مراعاة كون استعمال الإنسان بالنقلة إلى الموضع الذي تعلق غرضه به أنهم عليه من اشتغاله بالأكل فترتيب الانتقال من موضع إلى موضع عن الأكل أولى من العكس، وجه الترتيب بين الضأن والمعز والإبل والبقر أن الضأن فيها منفعة الأكل ومنفعة الأكل عامة. وهي أعم على الإنسان من منفعة الحمل؛ ولأن الأجمل في الضحايا الضأن، ووجه تقديم الإبل والبقر أن الحمل عليها أكثر وأعم من البقر وهي أقوى على الحمل من البقر.
قوله تعالى: (إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا).
قال ابن عرفة: الوصية على الشيء أقوى من الأمر به.
قوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا).
стр. 636
أي لَا أظلم ممن كذب على الله كذبا لَا شبهة له فيه؛ فهذا هو الافتراء وله نظائر في القرآن، وتقدم لنا في الجمع مثلها أن ينتج مساواتها في الظلم إلا ما قام الدليل فيه على عدم المساواة.
قوله تعالى: (لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
كان بعض الشيوخ يقول: إنه لَا يتناول من يقضي بغير علم ومن يدرس بغير علم؛ لأنه يقتدى به في ذلك ويعمل عليه فينتج مفسدة عظيمة، قال: وأما العلم الديني فكان ابن عبد السلام يقول: هو جائز عقلا لكنه لم يقع بوجه، فما رأينا ولا سمعنا وليا صالحا لم يحضر ميعادا قط، ولا قرأ على شيخ صار فقيها بوجه، وإنَّمَا يخلق الله له العلم مسألة مخصوصة معينة فيتكلم فيها بالصواب إما أنه يعلم مسائل المدونة كلها من أولها إلى آخرها، ومسائل البخاري كلها، فهذا أمر جائز عقلا محال عادة لم يقع بوجه.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
إن كانت الألف واللام للعهد يبقى الذي علم دوام ظلمهم فهو عام، وإن كانت للجنس فهو مخصوص.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ... (١٤٥)﴾
قال ابن عرفة: هذا أمر قاض به بخلاف سائر الأمور، مثل (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فإنه أمر لَه ولسائر أمته بالتبعية له، وتقدم الكلام هو مأمور بتتابع الآية بكمالها، أو مأمور بقوله (لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا). إلى آخر الآية، وتقدم أن لَا لنفي المستقبل بالذات وقد ينفي الحال، وهي هنا لنفي الحال؛ لأن الوحي إليه ماض ولا يصح أن يريد ما أوحي إليه به في المستقبل؛ لأنه قد أوحي إليه بعد بتحريم أمر آخر ليست في هذه الآية، قالوا: وأخذوا من الآيتين مطلبين:
أحدهما: أن الأشياء على الإباحة بدليل استثناء ما استثنى منها، والقاعدة أنه إنما يخرج القليل من الكثير ولا يخرج الكثير من القليل، وأجيب بأنه قيل بأنها للحصر، وذكرت المحرمات فكونه استثنى منها حالة الاضطرار.
الأمر الثاني: الآية دالة على أن أحكامه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلها مسندة إلى الوحي لَا إلى الاجتهاد بوجه، وأجيب بأن الاجتهاد مستند أصله إلى الوحي.
стр. 637
ورده ابن عرفة؛ لأن ظاهر الآية استثناؤه في أحكامه إلى الوحي بالنص على كل حكم لَا بالاجتهاد، فإن قلت: ما أفاد قوله: (يَطعَمُهُ) مع أنه لو أسقط لم يختل المعنى.
قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأنه أفاد دخول ما يطعمه الوصي لولده من مال محجوره، وقوله: (عَلَى طَاعِمٍ) إنما يتناول أكله هو بنفسه، ورد بأن ذلك إنما يتجه لو قال: على طاعم يطعمه بالفم، وأجاب ابن عرفة: بأن طاعم [تعدَّى*] بنفسه، وأجاب ابن المنير بأنه أتى به ليدخل فيه المأكول والمشروب، قال تعالى (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي)، ورده ابن عرفة: بأن ذلك مستفاد من لفظ طاعم، فإن قلت: ما أفاد قوله: (إلا أَنْ يَكُونَ). وأنت إنما تقول: أكرم الرجال إلا الجاهل، ولا تقول: إلا أن يكون جاهلا؟ قال: قلت: الجواب أن هذا فيمن اتصف بكون التناول، اتصف بكون الذبح، فهو حلال، أو اتصف بكون موته حتف أنفه، فهو حرام، فهو كون مختلف.
قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ).
غير باغٍ في سفره ولا عاد في أكله في الميتة فوق الحاجة منها مقدار الحاجة فقط.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا ... (١٤٦)﴾
ابن عرفة: إنما استثنى هذه الصعوبة تخليصه من اللحم والعظم لاختلاطه بهما.
قوله تعالى: (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ).
قال ابن عرفة: المراد به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) أي: وإنك لصادق إثباته على المعجزة لَا يصح نسبته إلى السمع؛ إذ لو صح ذلك للزم الدور أو التسلسل.
قيل لابن عرفة: نص المقترح وابن التلمساني على أن الكلام النفسي لَا يقال في صدق ولا كذب، وفرق بين التصديق والصدق، وأنه لَا يلزم من الصدق التصديق بوجه.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ ... (١٤٧)﴾
стр. 638
قال ابن عرفة: تكذيبهم له حق واقع، فإن عبر عنه بأن على جهة التلطف في العبارة؛ لأن في خطابه التكذيب المعبر عنه بما يدل على وقوعه حقيقة إيحاش وجفاء وغلظة، كما تقول لمن مات أخوه: إن أخاك شديد المرض فامض إليه.
قوله تعالى: (ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).
ابن عرفة: منهم من قال الخطاب بذو أبلغ من اسم الفاعل، ومنهم من عكس فحجة الأولين قوله تعالى: (وَفَوْقَ كُل ذِي عِلْم عَلِيمٌ)، وقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) لأنه لو قيل: وفوق كل عالم عليم لم يكن فيه فائدة وإنَّمَا الفائدة في الإخبار بأن من يظن بلوغه النهي في الغاية في العلم فوقه من هو أعلم منه، وكذلك ليس المراد بمن اتصف بمطلق الإعسار إنما المراد من به اعتبار متحقق ثابت فهو الذي قال بإنظاره.
وحمله الزمخشري على أنه ذو رحمة لمن أطاعه وعقابه لمن أجرم، وحمله ابن عطية إلى أنه إشارة إلى إمهاله لهم وعدم معاجلته لهم بالعقوبة، ثم أتى بقوله (وَلَا يُرَدُّ) احتراسا خشية أن يتوهم أنه يرحمهم دائما فأفاد أنه سيعاقبهم بعد إمهالهم.
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ... (١٤٨)﴾
السين إما للتحقيق والاستقبال، والظاهر الأول؛ لأنهم قالوا ذلك في الآية، والآية تقديرها بإضمار مقدمة لابد من تقديره أي: سيقولون إشراكنا مراد الله تعالى فهو غير فهي عنه، وإشراكنا غير منهي عنه، وقرره الزمخشري بمنع الصغرى جريا على مذهبه في أن الله تعالى لم يرد القبائح، وتقديره على مذهب أهل السنة بمنع الكبرى، ورد التكذيب إليها فيعارض من الإقرار لكن دليلنا نحن أنه لو كان راجعا إلى منع الصغرى لقال: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ) بتخفيف الذال من (كَذَّبَ) وإنما التلاوة بتشديد الذال وهو تكذيب لَا كذب إشارة إلى أنهم قالوا: وكل مراد الله غير منهي عنه، وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنهي عن هذه الأشياء المحرمة على اليهود، وبالنهي عن الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير فكذبوه فيما أخبر به، وقالوا: كل مراد الله غير منهي عنه، وقال الله تعالى (بمِثْلِ) تكذيبهم يا محمد كذبت الأمم المتقدمة لأنبيائهم، فإن قلت: قد قرئ في الشاذ (كَذَبَ) بالتخفيف، قلنا: القراءة النادرة ليست معتبرة في الأمور الظنية فأحرى الاعتقادية.
قوله تعالى: (حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا).
стр. 639
إما غاية للتكذيب، أو غاية للاحتمال على إضمار فأهملناهم حتى ذاقوا بأسنا.
قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾
ابن عرفة: أقل الجمع هنا إثباتا لآية جاءت تعجيزا لهم، وتعجيزهم بأن يطلب منهم الإتيان بشاهدين يعجزون عنهما أبلغ مما طلب منهم الإتيان بأكثر من الشاهدين فعجزوا عن ذلك.
قيل له: إنما جمع الشهداء لتعدد أنواع المحرمات فلهم على كل محرم شاهدان، فقال: قد قال الزمخشري: فإِن قلت: لم أضاف الشهداء إليهم، ولم يقل: شهداءه بالإطلاق؟ فأجاب بأن المراد شهداؤكم المتعصبون لكم الذين هم من جهتكم، فرده ابن عرفة: بأنه لَا يلزم من عجزهم عن الشهداء المتعصبين لهم عجزهم عن الشهداء بالإطلاق.
قيل له: يلزم ذلك من باب أحرى، فقال: إنما عادتهم يجيبون بأن المراد شهدائكم الذين تنفعكم شهادتهم، بخلاف ما لو قال: هم شهداء بالإطلاق؛ فإِن حرص الإنسان على طلب الشهادة لمن تنفعه شهادته أقوى من حرصه على شهادته لمن لَا تنفعه شهادته، من قوله (الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا ... (١٥٠) .. فقال: إما المراد الإتيان بلفظ خبر يفيد ذلك المعنى، قال: والآية دلت على تعجيزهم بالدليل العقلي وبالدليل السمعي وإمَّا بالشهادة أو بالخبر كلاهما كما في قوله: (هَلْ عِنْدَكُم مِنْ عِلْمٍ) راجع للدليل العقلي.
وقوله (هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ) راجع للدليل السمعي على قسمين منه ما يستند للشهادة، ومنه ما يستند بخبر الواحد، فلم عجزوا بعلم الإتيان بالشهادة مع أنه أجدر من الإتيان بالخبر، ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، والجواب أن هذا في مقام الخصومة بينه وبينهم، ومقام الخصومة إما طلب فيه الشهادة لَا الخبر، قيل له: وأيضا فمتعلق الخبر عام، ومتعلق الشهادة خاص فهذه شهادة تقوية، ومعناها الخبر الاصطلاحي لعموم متعلقها؛ لأنه تحريم عام في جميعهم، فقال: وكذلك إذا شهد على شخص أنه قال: كل مملوك أملكه حر فهو عام، فكذلك هلا قيل لهم: من يشهد لكم على الله على أنه حرم ذلك عليكم.
قال: قلت: لم قال: (فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ)، فهلا قيل: فإن شهدوا فلا تقبل شهادتهم؛ لأنه نفي الشهادة معهم لَا يستلزم نفي قبولها، والجواب في عدم قبول الشهادة لأحد أمرين:
стр. 640
إما لفسق الشاهد، وإما لظنه أو تهمة كشهادة الولد لأبيه أو لأخيه.
وقوله (فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ)
وهو حاكم، والحاكم يقبل شهادة الشك إما لعلمه بعدالته أو بكونه عدله غيره عنده أو يعلم عدالته الحاكم بعلمه في التعديل والتجريح جائز، ولو قيل: فلا يقبل شهادتهم أمرين:
أحدهما: فسقهم مع احتمال كونهم شهدوا بالحق، أو عدالتهم مع التهمة لمن يتهم العدل على الشهادة له، فلم قال: (فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) أفاد عدم قبولها؛ لأن تعديل الحاكم الشاهد شهادة معه بدليل قوله: (مَعَهُم)، ولم يقل: فلا تشهد بالإطلاق.
قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ... (١٥١)﴾
قال ابن عرفة: المحرم إنما هو الإشراك لَا عدم الإشراك، فكان يقال: أن تشركوا، قال: وجوابه إما أن يكون مفسدة للمحرم فهي بدل من تلك الحجة؛ أي أتل عليكم أن لَا تشركوا بالله شيئا، وعبر عنه منفيا؛ لأن المراد عدم الإشراك فهو مكروه شرعا، وإما أن تكون ناهية معمولة المحرم ولا زائدة، قال: ويؤخذ من الآية أن دليل الوحدانية يصح إثباته بالسمع؛ لأن الآية نهي عن الشرك بالله.
قال: وجوابه أنها خاصة بقريش، وقريش كانوا يتخذون شركاء ليقربوهم إلى الله، قيل له: أو يجاب بأن النهي لَا يدل على عدم وجود المنهي. عنه بل يدل على وجوده، كنهي العصاة عن شرب الخمر والشركاء غير موجودين في نفس الأمر بوجه، قال: وإنما قال: (عَلَيْكُم)، ولم يقل: حرم بالإطلاق مع أنه محرم على الجميع؛ لأن الخطاب وهم الذين كانوا عصوا بذلك وغيرهم لم يعص.
وقوله (شَيْئًا).
مصدر أو نعت لمصدر محذوف، وهو نهي أخص لَا نهي عن أخص فالمصدر دخل على الفعل فأكده؛ لأن النهي دخل على الفعل المؤكد.
قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).
قال ابن عرفة: هذا أبلغ من أن لو نهوا عن عصيان الوالدين؛ لأنه يقبل عدم العقوق وزيادة الأمر بالإحسان إليهم.
قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ).
стр. 641
وقال في سبحان (١) (وَلَا تَقْتُلُوا أَوَّلادَكُم خَشيَةَ إِمْلاقٍ) ووجهه أن الإملاق هنا موجود وهناك متوقع؛ فلما كان موجودا أو الإنسان قبل نزول البلاء به ينوي الخلاص من بغى عليه ويناضل عنه بنفسه، وبعد نزول البلاء إنما الأهم خلاص نفسه؛ كما ذكروا في قصة أصحاب الأخدود في المرأة التي ألقيت في النار أو في الماء أنها كانت ترفع ولدها على عنقها لئلا يناله [الماء*] والماء يعلو لصدرها حتى لا يصل الماء إلى ترائبها، فلذلك قال (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) فقدم ضمير المخاطبين، ودلت هذه الآية على حفظ الكليات الخمس التي اجتمعت الملل على حفظها.
قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
لما كانت مفسدة هذه الأمور ضرورية مدركة بالبديهة يدركها كل أحد لَا تخفى عليه، قال: ولعلكم تعقلون بخلاف مفسدة ما بعدها؛ فإنها خفية لَا تدرك إلا بعد تأمل ونظر.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ ... (١٥٢)﴾
بمبالغة، ولم ينه عن قرب القتل، فالجواب من وجهين:
الأول: أن القتل له صائن؛ لأن كل أحد يصون نفسه منه ومال اليتيم لَا صائن له.
الثاني: أن القتل لَا منفعة فيه للقاتل بل هو مجرد مفسدة تنشأ عن عدم خوف، وأخذ مال اليتيم مفسدة ينشأ عنها منفعة لأخذه في أكله والتلذذ به؛ فبولغ النهي عنه بلفظ القرب.
قوله تعالى: (إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
ليدخل خلط الوصي مال بمال يتيمه، فإنه جائز إذا كانت فيه منفعة لليتيم، وهي الحالة التي هي أحسن، ولو اتجر الوصي بمال اليتيم فربح فيه فالمذهب على أن الربح للوصي، وكذلك الناصب المذهب أن الربح له لَا لليتيم.
قوله تعالى: (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ).
مذهبنا أنه إذا بلغ اليتيم فإن تحقق رشده أو سفهه عمل ذلك، وإن شك في أمره فهو محمول على الرشد حتى يتبين الثقة.
قيل لابن عرفة: إن عندنا يتيم يقرأ في الكتاب وعليه وصي يوفي للمؤدب في أجرته ويزيد على القدر المعتاد، فقال ابن عرفة: إذا كان الوصي ذو مال فللمؤدب قبول تلك الزيادة.
стр. 642
قوله تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ).
فإن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (بِالْقِسْطِ). قلنا: فائدته لو لم يذكر للزم عليه أن لَا يخرج من العهدة إلا بالزيادة الكثيرَة على الواجب، فلما قال (بِالْقِسْطِ) أفاد أن أول جزء زائد يخرجه عن عهدة الوفاء بالعدد الواجب؛ لأن ما لَا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب؛ كأخذ جزء من الرأس في غسل الوجه، والزيادة على المرفقين في غسل الذراعين، وصوم جزء من الليل في رمضان، فإن قلت: عبر في الكيل بالمصدر دون لفظ الآلة التي يقع بها الكيل، وعبر في الوزن باسم الآلة دون المصدر، هلا قيل: فأوفوا المكيال والميزان، أو يقال: أوفوا الكيل والوزن بالقسط؛ فما السر في ذلك؟ فعادتهم يجيبون بوجهين:
الأول: أنه من حذف التقابل، أي وأوفوا الكيل والميزان بالقسط.
والثاني: أن الخبث يقع في الكيل باعتبار الوجود الخارجي أكثر من الخبث في الوزن، والخبث في الميزان باعتبار الوجود الخارجي أكثر من المكيال؛ فالخبث أكثر وجودا يقع في الكيل لَا في المكيال وفي الميزان لَا في الوزن.
قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ظاهره
تكليف ما لَا يطاق غير واقع، وهذه تدل على عدم جوازه أم لا؛ الظاهر أنها دالة على اعتقاد جوازه إذ لو لم يكن جائزا لما احتيج إلى نفيه، وهل هو راجع للجزء الثاني أو للجميع، الظاهر رجوعه للجميع بأن الأحسنية في قرب مال اليتيم مقولة بالتشكيك ولها درجة، ثم أحسن من شيء في أول درجة الحسن، وأن التكليف إنما وقع في الدرجة الأولى في الأحسنية.
قوله تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا).
هذا في حفظ الأعراض وهو واجب، فهو راجع إلى عدم القرب بالقول.
قوله تعالى: (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا).
إما أن المراد الوفاء بالأيمان وعدم الحنث فيها أو العهد هو الحكم (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ... (١٥٣)﴾
ابن عرفة: فيه قراءات:
стр. 643
فمن فتح الهمزة وشدد النون فمعناه: ولأن هذا صراطي مستقيما؛ أي اتبعوه لكونه مستقيما، هذا عطف جملة على جملة.
قال بعضهم: ويحتمل أن يكون هناك مقدر. أي: لأن هذا صراطي مستقيما يتبع فاتبعوه، فلو أن الفاء عاطفة ما بعدها على فعل مقدر وهو أولى من الأول؛ لأنه علة لما بعده فلا يتقدم على الفاء، ابن عطية: وصف الله تعالى طريقا واحدة هو صراطا مستقيما طريق محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرعه ونهايته الجنة، وتتشعب منه طرق في سلك المارة فحال من خرج إلى تلك الطرق ابعث به إلى النار.
ابن عرفة: هذا كما تقدم في أول السورة، في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) فقيل له: كيف تعمل في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) طريق الحق متعددة، فقال: نعم ولكنها مآلها إلى شي واحد وهو التوحيد بالله والتصديق بأنبيائه، وطرق الباطل كل واحد منها مستقل بنفسه لا يؤول إلى شيء واحد؛ لأن قوما يعبدون النجوم، وآخرون يعبدون الأصنام، وآخرون يعبدون الربوبية.
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾
دليل على أن المعاد مستفاد من السمع؛ لأن الإيمان هو التصديق، والتصديق على أنه مصدق به وهو الدليل السمعي الخبري لَا العقلي.
قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ... (١٥٥)﴾
قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق تفضيل بني إسرائيل بإرسال موسى إليهم، وتفضيل موسى بالكتاب المنزل عليه؛ عقبه ببيان تفضيل هذه الأمة بإرسال محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليهم وأنزل القرآن عليه، وظاهر كلام المفسرين أن الإشارة إلى جميع القرآن وليست الآية من آخر ما أنزل، فيكون كقول سيبويه: هذا باب كذا فهو إشارة إلى المستقبل المقدر الوجود، كقول الموثقين: هذا ما أصدق فلان.
قوله تعالى: (فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا).
يحتمل أن يرجع اتبعوه إلى امتثال أوامره، (وَاتَّقُوا) إلى اجتناب مناهيه، ويحتمل أن يكون الأمر بالاتباع عاما في امتثال أوامره واجتناب نواهيه، واتقوا راجعة إلى التحرز من عقاب الله عند عدم امتثال أمره ونهيه.
قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا ... (١٥٦)﴾
стр. 644
أي: أنزلنا القرآن عليكم لئلا تقولوا: أنزلنا الكتاب على موسى ولم ينزل علينا ولا قرأه علينا أحد من الطائفة المنزل عليهم بحيث نسمعه، والكتاب هنا واحد بالنوع فيتناول هنا اليهود والنصارى.
قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ... (١٥٧)﴾
القرآن بينة لكونه بإعجازه شاهدا على صدق الرسول فالرسول مدع له على دعواه، بينة وهدى؛ لأنه مرشد إلى الطريق الحق، ورحمة إشارة إلى أن بعثه الرسل وإنزال الكتاب محض تفضل من الله تعالى أن لَا يجب عليه شيء.
قيل لابن عرفة: أو يريد البينة دليل التوحيد، وبالهدى الأحكام، وبالرحمة المواعظ والمذكرات على الثلاثة.
قوله تعالى: (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ).
قال ابن عرفة: تقدمنا فيها سؤال أن التكذيب بالآية أعم من الصدف عنها؛ لأن المكذب بالآية قد يصدف وقد لَا يصدف، والمصدف هنا مكذب بها لَا محالة، وترتيب الجزاء على الأعم يستلزم ترتيبه على الأخص من باب أحرى، فهلا قيل: سنجزي الذين يكذبون بآياتنا سوء العذاب؟، قال: وعادتهم يجيبون بأن الصدق أعم وبيانه بامتثال إذا سألت عن القراءة على زيد، فتقول: إنه لَا يدري شيئا بوجه، فهذا التكذيب يستلزم الصدق بلا شك، وتارة تقول للسائل بالإجابة لك بالقراءة عليه: اترك ذلك واشتغل بما هو أهم عليك فأنت صدقته ولم تكذب بعلمه، ويحتمل أن يكون معتقدا علمه وكرهت قراءته عليه، ويحتمل أن يكون معتقدا أنه جاهل فظهر أن الصدق أعم من التكذيب.
قيل لابن عرفة: بأن ذلك لو رتب على الأخص مطلق الجزاء فلا يرد السؤال إلا لو قيل: (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا) وهنا إنما رتب على الأخص من العذاب، فقال: بل الأخص هو أخذ سوء العذاب لَا العذاب.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا ... (١٥٨)﴾
قرئ لَا تنفع.
قال ابن عطية: وأنث الفعل؛ لأن فاعله مضاف إلى ضمير النفس وهي مؤنثة، ورده أبو حيان بأن ذلك إذا كان المضاف جزءا من المضاف إليه، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه، قال: وإنما وجهه عندي أنه على تقدير لَا تنفع نفسا ثبوت إيمانها
стр. 645
ومنفعة إيمانها، وأجاب ابن القصار بأنه لما أضيف الفاعل إلى الضمير حصلت بينهما ملابسة بالإضافة فأنث الفعل لأجل ذلك، ونظير قول الشاعر، وقول الآخر:
لما أتَى خبرُ الزبيرِ تواضعتْ ... سورُ المدينةِ والجبالُ الخشعُ
وقوله:
[إذا بعض السنين تعرقتنا*]
فيصح تأنيث الفعل إذا كان فاعله المذكر مضافا إلى مؤنث بشرطين:
أحدهما: أن يكون المضاف بعض المضاف إليه، أو كبعضه.
والثاني: أن يصح إطلاق الثاني، والمراد الأول.
قوله تعالى: (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا).
قال الزمخشري: (أَوْ كَسَبَتْ) عطف على (آمَنَتْ) والمعنى أن اشتراط الساعة إذا جاءت وهي آية ملجئة ذهب أوان التكليف عندنا فلم ينفع الإيمان غير متقدمة إيمانها غير كاسبة خيرا ولا بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان.
قال الطيبي عن صاحب الإنصاف: أراد الزمخشري الاستدلال على أن الكافر والعاصي في الخلق سواء حيث سوَّى بينهما في الآية في عدم الانتفاع إنما يستدرك أنه بعد ظهور الآية ولا يتم ذلك، فإن هذا في البلاغة يلقب في اللف والنشر وأصله: يوم تأتي بعض آيات ربك لَا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة من قبل إيمانها بعد ولا نفس لم تكسب في إيمانها خيرا، قيل: ما تكسب من الخير بعد، ويظهر بذلك أنها لَا تخالف مذهب أهل الحق فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتساب الخير وإن نفع الإيمان المتقدم، انتهى.
قال ابن القصار: وما قاله تفسير بالمعنى وهو حق، وأما ما يقتضيه الإعراب على هذا التغيير فإنه والله أعلم حذف حرف العطف والمعطوف لدلالة ما بعده عليه، والتقدير لَا ينفع نفسا إيمانها أو كسبتها في إيمانها خيرا ما لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، فيكون كما قال: من باب اللف والنشر، فعطف كسبتها على إيمانها الفاعل في ينفع، ثم حذف لدلالة قوله: (أَوْ كَسَبَتْ) وحذف حرف العطف والمعطوف جائز إذا فهم المعنى، قال: (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) أي: والبرد، ومنه قول العبيدي:
فما أدري إذا [وجهت*] وجهاً ... أريد الخير [أيهما*] يليني
стр. 646
[أالخير*] الذي أنا أبتغيه ... [أم*] الشر الذي هو يبتغيني
أي أريد الخير أو الشر.
قال الطيبي، وقال ابن الحاجب: في الأمالي قيل: معنى الآية الإيمان نافع وإن لم يكن معه عمل صالح، ومعنى الآية لَا تنفع نفسا إيمانها ولا كسبها وهو العمل الصالح، (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ) الآية.
قال ابن القصار: هذا ما يقتضي أن قوله: (أَوْ كَسَبَتْ) معطوف على إيمانها فهو فاعل مثله وهذا مذهب كوفي.
ذهبت طائفة من الكوفيين منهم: هشام، ومحمد بن يحيى إلى أن الجملة تكون فاعلا، فأجازوا [يعجبني يقوم زيد، ويسرني قيام عمرو*]، وظهر لي أقام زيد أم عمرو، واحتجوا بقوله تعالى: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ).
قال الشاعر:
[وما راعني إلّا يسير بشرطة*]
ومنع من ذلك البصريون، وتأولوا الآية إذا الفاعل بدا مضمر تقديره: بدا لهم بدا، وليسجننه تفسيرا لذلك البداء المضمر وما قوله: وما راعني الأيسر بشرطه، فالتقدير عندهم الأيسر بشرطه فإن مع الفعل بتأويل المصدر فاعل راع، ابن عرفة: ثم حذفت أن فارتفع الفعل والدليل على حذف أن المصدرية وقعا مع الفعل قول الشاعر:
أَلا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أحْضُرُ الوَغَى ... وَأَن أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْت مُخْلِدِي
التقدير: إن أحضر بدليل عطف المنصوب عليه ويمكن تأويل الآية على هذا التقدير: لَا ينفع نفسا وإن اكتسبت في إيمانها خيرا فحذف إن، كما حذف في قوله: أحضر الوغا، ولا تحذف من الماضي كما حذفت في المستقبل حسبما أنشد عليه ابن عصفور في شرح الإيضاح:
قَالَت أُمَامَة لما جِئْت زائرها ... هلا رميت بِبَعْض الأسهم السود
لَا در دَرك إِنِّي قد رميتهم ... لَوْلَا حددت وَلَا عذرى لمحدود
قال ابن عصفور: لولا جددت فحذف إن والمعنى يدل عليها أي لولا مدى أنشده في لولا أنها لَا تقع بعدها عند البصريين إلا المبتدأ، انتهى.
стр. 647
وقال أبو حيان: قوله تعالى: (أَو كَسَبَتْ) عطف على قوله (آمَنَتْ) والظاهر من الآية أن نفي سبق الإيمان فقط، وإما نفيه مع نفي كسبت الخبر، ومفهومه أنه يقع الإيمان السابق وحده أو سبق ومعه الخبر، انتهى.
قال ابن القصار: معناه أنه إذا انتفى الإيمان السابق قبل ظهور الآية كان معناه الخبر أو لم يكن ينفي أيضا الإيمان الذي معه الخبر لَا ينفعها ما أحدثت منهما بعد ظهور الآية؛ أي من الإيمان المقارن للخير أو غير المقارن، أو من الإيمان المقارن للخير، وانظر كيف يفهم هذا من الآية فإن هذا التفسير بعيد من الأعراب جدا والذي يلتمس له، والله أعلم أنه لما جعل (أَو كسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا) معطوفا على (آمَنَتْ) الذي هو خبر، لقوله: (لَمْ تَكُنْ) فهو منفي مثله صار تقديره: أو لم تكن كسبت في إيمانها خيرا وهو من باب.
عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ
أي لَا يتأوله ولا يقع الهداية، ومنه: هذا يوم لَا ينادي وليده؛ أي لَا يحضر وليد فيناديه، فيكون التقدير: لم يكن لها إيمان فيقع بسببه كسب الخير، قال ابن القصار: والآية يجب تأويلها وإخراجها عن ظاهرها، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من كان آخر قوله لَا إله إلا الله دخل الجنة". أما ما ورد من أحاديث الشفاعة التي كادت أن تبلغ مبلغ التواتر والعموم.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
قال الطيبي: قال الإمام ابن الخطيب يعني أن أشراط الساعة إذا ظهرت ذهب أوان التكليف عندها لَا ينفع الإيمان نفسا ما آمنت من قبل وما كسبت في إيمانها خيرا من قبل ذلك، قال ابن القصار: مراده لَا ينفع الإيمان نفسا لم تجمع بين أمرين لَا ينفعها إيمان بعد ذلك، ولو أراد توزيع الصنفين على شخصين للزمه مذهب المعتزلة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ... (١٥٩)﴾
قال ابن عرفة: أفاد قوله أنهم تنوعوا طوائف طوائف وهو أشنع ممن لو كان كل واحد منهم يتبع دينا؛ لأنهم في هذه الحالة اجتمعوا جماعة الضلال.
قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ... (١٦٠)﴾
стр. 648
قال ابن عرفة: هذا على سبيل الفرض والتقدير لئلا يلزم عليه التسلسل.
قوله تعالى: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ).
لئلا يتوهم أن جزاء السيئة عشرة أمثالها.
قوله تعالى: (وَهُمْ لَا يُظلَمُونَ).
أما بالنسبة إلى السيئة فظاهر، وأما بالنسبة إلى الحسنة فجعل كأن الجزاء عليها بعشرة أمثالها واجب أوجبه الله تعالى على نفسه تفضلا، وكأنه واجب بالأصالة فالنقص منه ظلم فلذلك وهم لَا يظلمون.
قوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا ... (١٦١)﴾
يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه قائم دائم إلى قيام الساعة لَا ينسخه شيء من الأديان.
الثاني: أن برهانه دائم والأدلة الدالة على حقيقته قائمة يوصف هو بوصف دليله ويجعل قائما.
قوله تعالى: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ).
أي المتمسك به إبراهيم، ولذلك قال الأثيري في كشف الحقائق لما تكلم في التوحيد: قال المليون المتمسكون بشريعة ما بالإطلاق.
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
إن قيل: يلزم عليه المفهوم، فهلا قيل: وما كان مشركا، فيجاب بأنه كما قيل (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) والجواب كالجواب أي لو تصور في حقه إشراك لما كان إلا هكذا؛ لأن قليل الذنب من العظيم عظيم.
قوله تعالى: ﴿وَمَحْيَايَ ... (١٦٢)﴾
فيه التقاء الساكنين على قراءة قالون، ومن وافقه في التقاء الساكنين وهو كثير في حروف المد واللين، وأما في غيرها فورد في إدغام أبي عمرو.
وقال الشاطبي في قراءة البزي: [وَفي التَّوْبَةِ الْغَرَّاءِ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُو. . . نَ عَنْهُ وَجَمْعُ السَّاكِنَيْنِ هُنَا انْجَلَى*] وجمع الساكنين هذا بخلاف، كذلك ذكروا في (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ) على أحد الروايتين عن أبي عمرو.
وقوله تعالى: (رَبِّ الْعَالَمِينَ).
стр. 649
ابن عرفة: هذا من المذهب وهو الإتيان بالحكم مقرونا بدليله؛ لأنه إذا كان رب العالمين والصلاة والنسك له لَا لغيره.
قوله تعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ ... (١٦٣)﴾
فيه أن النهي عن الشيء غير الأمر بضده، بقوله (لَا شَرِيكَ لَهُ) فهو منهي عن الإشراك فسمي النهي عن الإشراك أمر بتركه، قيل له: هذا إذا كان مأمورا بهذا اللفظ، وهو أن يقول: (لَا شَرِيكَ لَهُ).
قال ابن عرفة: وفيها أن المندوب غير مأمور به؛ لأن ظاهر الآية وجوب التبري من الشرك، ولو كان المندوب مأمورا به لما اقتضت الآية وجوب التبري من الشرك واللازم باطل، والملزوم مثله.
قوله تعالى: (وَأَنَا أَوَّل الْمُسْلِمِينَ).
الأولية إما حقيقة، وإما باعتبار الشرف، قيل له: إبراهيم هو الأول، فقال: الإسلام راجع للأحكام التكليفية وشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم مخالفة لشريعة إبراهيم صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آلهما وسلم.
قيل له: قد قال (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا) فقال: إسلامه غير إسلام نبينا، وشرعه مخالف لشرعه.
[ ... ] (١)
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ... (١٦٤)﴾
قال ابن عرفة: الغيران أعم من المخالفين ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص.
قوله تعالى: (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ).
يؤخذ من ظاهر الآية مرجوحية إطلاق لفظ أبغي على الله تعالى، ومرجوحية إطلاق لفظ الرب على غير الله تعالى، ولا يقال: رب الجنان ولا رب الدار؛ وقيل الأولى ملك الجنان ومالك الدار.
قيل له: قد قال تعالى (قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)، وقال النبي صَلى الله عليه وعلى آله وسلم: " [تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ*] " وهذا دليل على الجواز، فقال: إنما قلنا الأولى عدمه.
стр. 650
قوله تعالى: (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ).
لا تدخل فيه ذات الله ولا صفاته لئلا يلزم حدوثها.
قوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا).
أخذ منه ابن العربي أن بيع الفضولي لَا يصح وإن أجازه ربه.
ابن عرفة: والمفعول محذوف أي ولا تكسب كل نفس سيئة إلا عليها.
قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
فيكون الفاعل ضميرا عائدا على النفس وهو أحرى؛ لأن النفس الوازرة معلوم أنها لا تحمل؛ لأنها مثقلة، والنفس المثقلة لَا تحمل شيئا شرعا. لأن من أتى بضامن أو حميل إنما يقبل من حميل له ذمة خالية من الدين ولا يقبل منه حميل مديان بوجه، وأما هنا فلأن النفس المثقلة بالحمل لَا يستطيع أن يزاد عليها غيره.
قيل لابن عرفة: ينكر عليك هذا، فيقال: قد التزمت الوازرة الحمل فهي قادرة على الزيادة وعلى الحمل، أو يقول: ولا تزر وازرة أو قابلة الوزر، قلت: الجواب بحديث "من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لَا ينقص من أوزارهم شيئا" فلو لم توازه لتوهم أن النفس لَا تحمل وزر غيرها هي التي لم تتسبب في فعل معصيته ولا حديث ظلما، فلما قال: (وَازِرَةٌ). أفاد أن النفس التي أحدثت المعصية فاتصفت بسببها بالوزر لَا لحمله.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ ... (١٦٥)﴾
يخلف بعضكم بعضا.
قوله تعالى: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ).
ابن عرفة: (بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ) في العلم ودونه في الدين، والآخر فوقه من الدين ودونه من المال إذا لم يكن أخذ في شيء.
قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ).
ابن عطية: أي ليختبر الله تعالى الخلق فيرى المحسن من المسيء.
ابن عرفة: هذا خطأ والصواب أن يقال كما عادة الزمخشري يقول في كل موضع يفعل بكم فعل المختبر.
قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ).
стр. 651
أكد المغفرة باللام ولم يؤكد بها سريع العقاب، لحديث: "سبقت رحمتي غضبي".
قلت: قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الأسماء الحسنى في الاسم الثالث والأربعين، وفي كتابه المسمى بقانون التأويل: كنا يوما بمجلس الكوفي في الثغر فتذاكرنا، فسئل الشيخ أبو بكر بن الفهري والطرطوسي عن الفرق بين قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ) بغير لام، وفي الأعراف (لَسَرِيعُ الْعِقَابِ) باللام؟، فقال الطرطوسي: حكم اللام التأكيد، وآية الأنعام دخلت أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيها في الخطاب وهي أمة مرحومة معصومة في الدنيا لَا تعاقب إلا في الآخرة فسقطت اللام، وآية الأعراف خوطب بها بنو إسرائيل وقد عجلت عقوبتهم في الدنيا بالمسخ والخسف فدخلت اللام المؤكدة للخبر.
وأجاب أبو جعفر أحمد بن الزبير بأن آية الأنعام تقدمها (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ) وهو خطاب له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأمته في الخبر بغير لام التأكيد لكونهم ليسوا بحملتهم ممن استحق عقابا، ومن عوقب من أهل القبلة فعقابه منقطع بفضل الله ، وآية الأعراف قبلها (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) فهي لبني إسرائيل [مفصحة*] بكفرهم وعنادهم؛ فجاءت اللام مؤكدة للجنس المبين بعقابهم كلهم دائما وسوء ما لهم.
* * *
стр. 652
سُورَةُ الْأَعْرَافِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما.
قوله تعالى: ﴿المص (١)﴾
قال ابن عرفة: الظاهر أن هذه الحروف اسم للسورة، واختلف الأصوليون هل يرد في القرآن ما لَا يفهم أو لَا، والظاهر عدمه.
قيل لابن عرفة: إن ابن الحاجب قال: هو بعيد، ولم يجعله من [ ... ] اعتبر الألفاظ؛ لأن الإنزال حقيقة إنما هو في الألفاظ المعبر بها عن الكلام القديم الأزلي بمطابقة الإعجاز؛ لأن المعجزة حادثة وعداه هنا بـ إلى اعتبارا بمنتهى الإنزال، وعداه في موضع آخر بـ على اعتبارا بمبدأ الإنزال، وعدَّاه بـ مِن لكونه من فوق إلى أسفل وهو على المحل المنزل عليه.
قوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ... (٢)﴾
أي ضيق؛ أي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حفظ القرآن ما هو مأمور بتبليغه لأمته فإذا بلغه ولم يؤمنوا مع حرصه على إيمانهم، وتعلق قلبه بذلك يقع في قلبه لأجل ذلك غمَّ، لأجل أن تبليغه ذلك لهم لم ينفع فيهم.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا ... (٤)﴾
احتج به من قال: إن الفاء لَا تفيد الترتيب.
وأجاب ابن عطية أن المراد بقوله تعالى: (أَهْلَكْنَاهَا) خذلان أهلها.
ابن عرفة: وهذه عبارة اعتزالية، والصواب أن يقال: خلقنا في أهل الفسق والمخالفة فجاءها بأسنا.
وأجاب ابن عصفور بـ أو، والمعنى أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا.
وقال الأستاذ أبو زكريا يحيى بن فرج العربي في تفسيره: وهذا الجواب فيه نظر من المتعلق التنجيزي؛ فمجيء البأس مقارن للإرادة فليس يعقبها، وإن أراد التعلق الصلاحي والإرادة القديمة فإن كان مجيء البأس بعقبها لزم عليه قدم العالم، وإن كان متأخرا عنها بمهلة لزم أن يكون بـ ثم، وأجيب بأن الإرادة قديمة مستمرة، وأنه إلى حين مجيء البأس فينقطع مجيء البأس بعقب آخر مدتها.
стр. 653
ورده ابن عرفة بأنك إذا قلت: قام زيد فأكرمته، فالإكرام لَا يلزم أن يكون بعد تمام القيام بل قد يكون قبل كماله.
وأجاب أيضا ابن عصفور: بأن المراد أهلكنا هذا لَا من غير استقبال فجاءنا بأسنا فهلك هلاك استقبال.
قيل لابن عرفة: في الآية تقديم وتأخير والتقدير أهلكنا بياتا وهم قائلون فجاءنا بأسنا بياتا يكون؛ والمراد أهلكناها في الدنيا وجاءها في الآخرة العذاب في الدارين، فقال آخر: الآية تدل على أنه في الدنيا، لقوله تعالى: (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥).
قوله تعالى: (بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ).
قال ابن عرفة: تقدمنا فيها سؤال وهو هلا قيل: فجاءهم بأسنا بياتا أو قيلولة فجاءها بأسنا بياتا وهم بائتون فما السر في ذلك؟ وما الفرق بين قولك: جاء زيد ضاحكاً، وبين قولك: جاء زيد وهو ضاحك؟ قال: وتقدم لنا الجواب بأن قولك: جاء زيد ضاحكا تقييد، وبأن قولك: جاء زيد وهو ضاحك حكم إسنادي، والوصف التقييدي راجع لقسم [التصور*]، والحكم الإسنادي راجع لقسم التصديق، ولا شك أن تأثير مجيء البأس في الليل أشد من تأثير مجيئه في القائلة، فلما كان مجيئه في الليل أشد عبر عنه بالتقييدي الراجع لبأس التصور؛ لأنه متصور بالبديهة، وعبر عن الآخر بالحكم الإسنادي التصديقي لما فيه من احتمال عدم التأثير.
قوله تعالى: (أَوْ هُم قَائِلُونَ).
قال ابن عرفة: الجملة إذا وقعت حالا فإن كان في صدرها ضمير اختلف هل يلزم الواو معها أم لَا؟؛ فنقول: جاء زيد يده على رأسه وإن لم يكن فيها ضمير فلا بد من الواو، ويقال: جاء زيد وعمرو ضاحكا، وعليه نزل سيبويه في قوله تعالى: (يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) أنه حال، وعليه أورد الزمخشري هنا سؤالا، قال: لأي شيء.
قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ... (٦)﴾
وهذا سؤال توبيخ، وقوله (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) هذا استعلام.
قوله تعالى: (وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ).
стр. 654
هذا سؤال شهادة، كقوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ).
قوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ... (٧)﴾
احتراس لأن قوله (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ)
إن ذلك سؤال استعلام فنفاه بهذا، ولذلك أكد الفعل بالنون الشديدة، وفيه رد على المعتزلة القائلين بأن الله عالم لَا يعلم.
قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ).
إشارة إلى أنه علم متيقن شاهد.
قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ... (٨)﴾
والوزن يحتمل معنيين:
أحدهما: أن الوزن يومئذ يقع بالعدل والقسط.
الثاني: أن وزن أعمال العباد يومئذ ثابت وأنه لَا شك فيه بحال، وعرف الحق إشارة إلى أنه الحق اليقين الواضح الذي لَا مراء فيه.
قال: ونسب الثقل والخفة لكفة الحسنات، لقوله تعالى: (مَوَازِينُهُ) فإضافتها إليه على تقدير اللام، وكفة السيئات إنما هي موازين عليه، واختلفوا في ذلك، فقيل: إنه ميزان واحد، وقيل: لكل شخص ميزان أخذ بظاهر الآية، والصحيح الأول، وعندي أنه جمع في هذه الآية.
قال الإمام فخر الدين في (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) جمع [القلب*] لاختلاف حالاته وتقلباته؛ فكذلك يقال هنا.
قال ابن عرفة: ومفهوم أول الآية مناقض لمفهوم آخره، لأن مفهوم قوله تعالى: (فَمَنْ ثَقُلَتْ). يقتضي أن من تساوت كفات موازينه ليس بخاسر نفسه، قيل: بهن (١).
ابن عرفة: [فالأنبياء*]، ومن لَا سيئة لهم بماذا توزن حسناته؟ قال: توضع حسناته في كفة ولا يوضع في الكفة الأخرى شيء، أو يوضع في الأخرى [ ... ] أو حجارة يوزن بها حسناته، فقال: الآية إنما تضمنت وزن الحسنات والسيئات، وقال هنا (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فعبر بجملة اسمية مقرونة بأداة الحصر وهي اسم الإشارة والبنائي المضمر، وتعريف الخبر دون ذكر علة هذا الحكم.
стр. 655
وقال في الجملة: (فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم)، فغير لفظ الفعل مع ذكر علة هذا الحكم.
قال ابن عرفة: وجوابه أن المراد حصول الكلام الثابت اللازم؛ والمراد في الآخر حصول مطلق الخسران فيتناول العاصي والكافر وهي في سورة قد أفلح (فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) فقال: تلك فيها قرينة أخرجت العاصي من اللفظ، وهنا نقول إنه داخل، قال: وإنما علل حصول الخسران لهم بالظلم ولم يعلل حصول الفلاح للآخرين بالطاعة إشارة إلى أن الثواب على الطاعة محض تفضل من الله وحساب الآخرين وخسرانهم معلل بظلمهم إشارة إلى أن ذلك عدل من الله تعالى لأجل كسبهم السيئات.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ ... (١٠)﴾
قال ابن عرفة: فائدة التقسيم تكون المخاطبين ظهرت عليهم مخائل الإنكار لأجل تماديهم على المعاصي وعدم تذكرهم واتعاظهم، وفيها سؤال وهو أن التمكين في الأرض أخص من وجود المعايش بأمة لكل أحد إذ لَا يستغني أحد عن القوت، والتمكين أخص مزيد في الأمراء والسلاطين، والامتنان الأهم أقوى وأعم فائدة فهلا قدم عليه، وأيضا فلأن المعايش أمر حاجي والتمكين في الأرض أمر تكميلي، فالأمر الحاجي أعم على التقوي من الأمر التكميلي، فالامتنان به أعظم منه، وأجيب بأنه قدم لأحد أمرين:
أحدهما: أنه يدل على المعايش دلالتين باللزوم والمطابقة، وقد تقدم نظيره غير ما مرة في عطف الأعم على الأخص بخلاف الخاص على العام والعكس فيهما (فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ).
الثاني: التمكين في الأرض لما كان خاصا بالبعض دون الكل وكانت المعايش أئمة صار نسبتها إليه نسبة الجزء إلى الكل والجزء قبل الكل فكذلك بدأ به في الآية.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ... (١١)﴾
الخلق راجع للقدرة والتصوير للإرادة وهي الكيفية الخاصة.
(ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ).
احتجوا به على أن إبليس من الملائكة.
стр. 656
وأجاب ابن عرفة: بأنه إذا كان في المجلس أشراف واتباع فأمر الأشراف يأمر كأنه يتأول الاتباع من باب أحرى بدلالة الالتزام لَا المطابقة، وكذلك هذا لما أمر الملائكة السجود لآدم على شرفهم فيتناول الأمر إبليس وإن كان إبليس ليس منهم من باب أحرى.
قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ... (١٢)﴾
هذا سؤال توبيخ لَا يستحق جوابا فظن إبليس أنه سؤال حقيقي. فأجاب عنه بمقدمتين حذف أحدهما لدلالة الكلام عليها والتقدير أنا خير، والفاضل لَا يسجد للمفضول فأنا لَا أسجد إما أنا خير منه فبينه بكونه خلق من نار وآدم من طين، وإما أن الفاضل لَا يسجد للمفضول، قيل: وجوابه أن هذا على قاعدة التحسين والتقبيح باطل وإنما يتم على مذهب المعتزلة، لكن جاء بموضع المقدمة الصغرى وموضع كونه خير من آدم، وإلا كان يقول الملائكة: نحن خير منه؛ لأنا خلقنا من نور.
(قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا ... (١٣)
ابن عرفة: أفاد الجنة فيكون باعتبار الوجود لَا باعتبار الحكم؛ لأنه قد وسوس فيها آدم، وإن أريد السماء فيكون باعتبار أي، فما يجوز لك أن تتكبر فيها. لأنه قد امتنع من السجود لآدم.
قوله تعالى: (فَاخْرُجْ).
إما تكرار للتأكيد، وإما تأسيس والأول هبوط حسي، وهذا خروج من حكم الاعتناء والمراعاة إلى حكم الصغار والإذلال والاحتقار.
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾
[الزمخشري: حكي عن طاوس*]: إبليس [أفقه*] بالتورية [من القدرية*].
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ... (١٧)﴾
قال ابن عرفة: إنما لم يقل: ومن فوقهم ومن تحتهم. لأن جهة الفوق منها الرحمة، وجهة التحتية داخلة في الإتيان من باب أحرى؛ لأنها محل إبليس.
قال ابن العربي في سراج المريدين في الاسم الثامن والعشرين: حضرت يوما مجلس الإمام أبي منصور الشيرازي وعادته أن يرقى المنبر ويجيب عن كل سؤال، أو يصعد المنبر ويأخذ القارئ بالقراءة وترمى الرقاع بالأسئلة من كل جانب وتتناولها الأيدي حتى تصل إليه فيجعلها تحت ركبتيه؛ فإذا سمع القارئ أخذها واحدة واحدة،
стр. 657
وهذا يسأل عن كذا وجوابه كذا، فيأتي بأحسن الجواب، فكتبت له وأنا صغير: ما الحكمة في أن الله تعالى قال مخبرا عن إبليس (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) ولم يقل: من فوقهم ولا من تحتهم؟، فلما بلغ إليها، قال: يا حبيبي هكذا قد مكنه الله تعالى من أربع جهات تكون تسعمائة وتسعين إلى النار وواحدة إلى الجنة، فكيف لو جاء من الجهات كلها ما رأى أحد الجنة أبدا، ولكن إذا غشي من الجهات الأربعة غشيت الرحمة من فوقنا وثبتتنا السكينة من أقدامنا فنجونا، فعجبت من قوله: يا حبيبي إذ نادى مناداة الصبيان وهذا يسمونه الكلام على الخواطر.
قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ... (١٨)﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إن كانت الذءامة والدحور أخص من الصغار فهو تأسيس، وإلا فالجواب بأن قوله بـ (إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) مطلق يقتضي اتصافه بذلك وقياما.
قوله تعالى: (مَذْءُومًا مَدْحُورًا).
فإذا اتصافه بذلك في الحال، و (مَذْءُومًا) راجع لأمر حسي، (مَدْحُورًا) لأمر معنوي.
قوله تعالى: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ).
معارض بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إنها تمتلئ حتى يضع الجبار فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ".
أخرجه مسلم، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعن قتادة، عن أنس بن مالك، عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأجيب بأن القاضي عياض، قال: حكوا فيها تأويلات:
أحدها: أن القدم عبارة عن السابق المتقدم حتى يضع فيها من قدم من أهل العذاب، قال تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) وقيل: القدم عبارة عن طائفة يخلقهم الله في الآخرة لها يسميهم قدما فلا تملأ إلا بهم، وقيل: المراد بالجبار السلطان أو أحد الجبابرة المتقدمين، وعلى رواية رجله يحتمل أن يريد الجماعة، يقال: رجل من جراد أي مثل جماعة منه، ويحتمل أن يريد بقوله تعالى: (لأَمْلأَنَّ) كثرة الداخلين لَا ملأها حقيقة.
قوله تعالى: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا ... (٢٠)﴾
стр. 658
قال الفخر: اللام للصيرورة.
ابن عرفة: إن كان الإيراء معنويا فليست للصيرورة؛ لأنه غير مقصود قصد إبليس شيئا، ووجد خلافه.
قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ).
فيها النظر إلى حالتي الإقبال والإدبار، وفيها إشارة إلى أنهما استشعرا حالة الموت إن أريد الخالدين بالإطلاق فيتناول الخلود في الجنة، فإن قلت: ظاهر الآية أن الملائكة أفضل من بني آدم، قلنا: باعتبار الوهم والاعتقاد لَا في نفس الأمر، فإِن قلت: هلا قيل: إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، أو يقال: إلا أن تكونا من الملائكة أو من الخالدين؟ قلنا: لأجل رءوس الآي.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ ... (٢٢)﴾
الذوق هنا أوائل الإحساس بالشيء.
قوله تعالى: (بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا).
الظاهر أنها كلية لَا كل والمراد: بدت لكل واحد منهما سوأة صاحبه، ويحتمل أن يريد بدت لكل واحد منهما سوأة نفسه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ ... (٢٥)﴾
إن أريد مطلق الحياة فالمعنى فيها يدومون على الحياة أحياء، وإن أريد حياة خاصة فيكون الاستقبال على حاله.
قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا ... (٢٦)﴾
قد للتحقيق ويبعد كونها للتوقع.
فإن قلت: الآية خرجت مخرج الامتنان عليهم، واللام للاختصاص أو للملك أو للتعليل أنسب من عطاء؛ لأن الامتنان عليهم أو لأجلهم أقوى بالمنزل عليهم، وأجيب بأنه إشارة إلى بعد المحل المنزل منه على المحل المنزل إليه، قال تعالى (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) لاقتضائه العلو والارتفاع التام، وهذه الآية يعدها ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية مجاز إيقاع السبب برفع المسبب، وقدره بأن أنزلنا موضوع موضع أعطينا لباسا؛ لأن إنزال المنازل في إعطاء اللباس فنزل أنزلنا منزلة أعطينا، وتكون سببا غائبا؛ لأن اللباس سبب في الماء بمعنى أنه باعث عليه، كما أن الاستمكان من الحر والبرد سبب في بناء البيت مع أنه متأخر عنه.
стр. 659
قوله تعالى: ﴿يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ ... (٢٦)﴾
إشارة إلى وجوب ستر العورة دون ما سواها من البدن.
قوله تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ).
إشارة إلى أن من اللباس ما هو محرم كالحرير [وخزه*] واللباس منه مباح، ومنه ما هو مندوب إليه، واللباس الحسن في الأعياد والجمع، فإن أريد اللباس الواجب فخير فعل لأفعل، وإن أريد المندوب فخير أفعل من الخير ذلك خير من المباح.
قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ ... (٢٧)﴾
قال البيانيون: فائدة النداء الاهتمام بالمنادى وتعظيمه.
قوله تعالى: (لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ).
قال الجوهري: فتن إذا اختبر، وقال غيره: إذا امتحن، والفتنة من الشيطان فكيف نهي الإنسان عما ليس من فعله ولا في قدرته؟؛ فأجاب ابن عطية: من باب لألزمنك هاهنا؛ أي لَا تكن هنا فأراك أي لَا تتبعوا الشيطان فيفتنكم.
ابن عرفة: وعادتهم يقولون: ليس مثله أن الرؤية مسببة عن الكون هناك والشيطان سبب في الاتباع، وأجيب بأن المعنى أي لَا تتبعوا هوى لنفسكم، وهوى النفس سبب في الوسوسة. لأنه إذا علم ميل النفس إلى الشهوات حمله ذلك على وسوستها على القدوم فيها، ويحتمل أن يكون من تكليف ما لَا يطاق على القول به؛ فنهى الإنسان عن فتنة الشيطان إياه.
قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم).
قال أبو حيان: الكاف نعت لمصدر محذوف.
قلت: قال ابن عرفة في الختمة الأخرى التي قبل هذه: ويحتمل أن يكون من حذف التعليل أي فتتبعوه فيفتنكم كما فتن أبويكم، فاتبعاه؛ فأخرجهما من الجنة، ونظيره (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ).
قوله تعالى: (يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا).
قال أبو حيان: حكاية حال.
قال ابن عرفة: هذا إن قلنا: إن الدوام ليس كالابتداء، وإن قلنا: إنه كالابتداء فنقول إن النزع دام فليس بحكاية، قال: بل إخبار عن حالتهم الوقتية الدائمة.
стр. 660
قوله تعالى: (لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا).
دل على عدم جواز نظر عورة زوجته؛ لأن الشيطان إنما يوسوس على فعل ما لا يجوز.
قال تعالى (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ).
قرئ بالنصب.
قال أبو حيان: على أنه مفعول معه.
ورده ابن عرفة: بأن ابن السراج فرق بين واو العطف وواو المفعول معه باقتضاء واو العطف الشركة في الفعل دون واو المفعول معه، وواو المفعول معه لَا يقتضيه، نحو: جلست والسارية.
والثاني: أن الأول في المفعول أو تابع وما بعده متبوع والشيطان متبوع لَا تابع، ولأنه يرانا كما نرى قبيله.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا ... (٢٨)﴾
قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون وجدنا عليها بالشخص، أو على الفاحشة بالإطلاق، وإن أريد على شخصها فالضمير عائد لفظا دون معنى من باب عندي درهم ونصف.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ).
فيه سؤالان:
الأول: هلا قيل: قل إن الله ما أمر بالفحشاء فيكون النفي مطابقا للأول لأن الأول معنى ولا يجيء فيه شبهة النسخ؛ لاحتمال أن يكون الله أمر بها في الماضي لَا يعيدها؛ أي ليس يقابل شرعا لأن يأمر بالفحشاء، ولا يجوز ذلك شرعا عليه عندنا وعقلا عند المعتزلة.
السؤال الثاني: نفي الأمر لَا يفيد نفي الإباحة، والآية خرجت مخرج ذمهم في فعلهم ما هو محرم، فهلا قيل: إن الله لَا يبيح الفاحشة لأن نفي الأمر لَا يستلزم نفي الإباحة؟ وأجيب بأن قوله (بِالْفَحْشَاءِ) يفيد نفي الإباحة لأن لفظ الفحشاء إنما يطلق على المحرم.
قيل لابن عرفة: أو يجاب بأن قوله: (يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) بمعنى أوجبها علينا؛ فيرد بنقيضه وهو أنه لم يوجبها عليكم، وأورد الفخر سؤالا، قال: (لَا يَأْمُرُ
стр. 661
بِالْفَحْشَاءِ)، وهلا قال: لَا يأمر بالفاحشة فهو أبلغ في النفي؛ لأن نفي الواجد يستلزم نفي ما عداه.
وأجاب ابن عرفة بأنه لو قال: إن الله لَا يأمر بالفاحشة لأفاد نفي فاحشة مستحقة، فلما قال: الفحشاء أفاد نفي القدر المشترك بين الفواحش كلها فيعم الجميع.
قوله تعالى: (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
قال ابن عرفة: إن قلنا: إن الحاصل للمقلد علم فلا دليل، وإن قلنا: إنه ليس بعلم فيكون دليلا لمن ينفي التقليد، فإن المقلد قال على الله ما لَا يعلم، ويدخل فيه من يفتي في مسألة الحدس وإن صادف الحق وهو بحيث لو سئل عن سنده لتوقف.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ... (٢٩)﴾
معطوف على قوله (بِالْقِسْطِ)، أي: أن أمر أن تقسطوا وتقيموا وجوهكم فأمر بالمصلحة القاصرة والمتعدية فالمتعدية على القسط، والقاصرة ما بعدها.
قوله تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ).
الظاهر أن الكاف للتعليل مثل: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ) أي: لأجل بدايتكم تعودون؛ فالعود للانتفاع والحساب.
قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ ... (٣١)﴾
قال: في القرآن ثلاثة ألفاظ: منها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، (يَا بَنِي آدَمَ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا). أخصها بذكر الحكم في المشتق، و (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) يليها، و (يَا بَنِي آدَمَ) أعمها [ ... ] ببني آدم؛ لأن الخطاب بها على وفق المراد؛ لأن النفوس تتشوق للزينة.
قوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ).
قال ابن العربي: منهم من قال إن الآية عامة في كل مسجد فلا يصح أن يكون سبب نزولها أن قريشا كانت تطوف عراة.
ابن عرفة: خصوص السبب لَا يمنع من عموم الحكم وهذا منافيه على أن المراد بالمسجد ذو البناء الخاص مثل شكل مساجد، ولنا أن نقول: المراد به مواضع السجود فقط فلا يحتاج إلى ما قال.
قال ابن العربي: والصحيح أن ستر العورة مستجد.
стр. 662
ابن عرفة: بل هو واجب أو سنة، ولو كان تعداديا، لقلنا: أراد المستحب السنة.
قال ابن عرفة: والظاهر عندنا أن الأمر هنا للندب؛ لأن خارج من ذلك لأنه أمر بالزينة لَا بستر العورة؛ لكنه يستلزم الستر من باب أحرى، قال: وقول القائل: خذ زينتك أبلغ من قوله: تزين، وإضافة الزينة إشارة إلى أن كل واحد منا يأخذ زينته اللائقة بحاله.
قوله تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا).
قال ابن عرفة: تقدم لنا أن الاستثناء لإخراج الصالح، أو يكون لإخراج الدخول، ومنه ابن التلمساني باستثناء ما زاد على العشرة على وجه البدل من جموع القلة واستشكله الشيوخ؛ والصواب تمثيله بما قاله هو في مواضع أخر، وهو أن الاستثناء من النكرة المطلقة، كقولك: أكرم رجلا من بني تميم إلا زيدا.
قال ابن عرفة: وكذلك التقييدات تكون داخلة، وتكون صالحة للدخول، كقولك: أكرم النَّاس ولا تسرف، وأكرم بنيك ولا تسرف، فالأول: صالح، والثاني: داخل؛ لأن الأمر بإكرام [البنين*] مظنة الإسراف؛ لما في النفس من الشفقة عليهم، وأما هنا فالأكل محبوب للنفس بالطبع فإذا أمر به تأكد وكأنه مظنة للإسراف في الزائد على الشبع إذ لم يتوق النفس الشهوة فإنه محرم، وإن شبع الإنسان ولم تزل شهوته في الطعام فالظاهر أن أكله مكروه وليس بحرام بدليل أن الواحد يأكل الطعام ويشتهي الفواكه ويأكل منها.
قوله تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) النهي للتحريم، كقولهم: لَا حبذا زيد فإنه للذم والذم على فعل الشيء دليل على تحريمه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ... (٣٢)﴾
قال ابن عرفة: الخطابات في القرآن على ثلاثة أنواع: فمنها ما هو صريح العموم، مثل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، ومنها ما هو صريح الخصوص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مثل (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ)، ومنها ما هو محتمل كهذه الآية.
قوله تعالى: (الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ).
إن أريد التي خلق الله لعباده فلا يكون فيه دليل لمن يقول: إن الأشياء على الحصر، وإن أريد التي شرع لعباده فيكون دليلا على أن الأشياء على الحصر.
стр. 663
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ... (٣٣)﴾
الحصر إما بحسب السياق أو على ظاهره. لأن الآية مكية، وقد حرم بعد ذلك أمور أخر، قيل: إن أريد به التحريم فظاهر، وإن أريد الحكم في الأزل فكلها محرمات، فكان لفظ حرم خبر عن ماضي فلا يتناول ما بعد ذلك.
قال ابن عطية: الفواحش ما فحش وشنع فهو إشارة إلى ما نص الشارع على تحريمه.
ابن عرفة: فالمعنى عنده إنما حرم ربي المحرمات. وصوابه أن نقول كلما نهى الشارع عنه، فيكون المراد إنما حرم ربي ما نهى عنه بناء على أن المكروه ليس منهيا عنه.
قوله تعالى: (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ).
ابن عرفة: المراد عندي بما ظهر ما دليله قوي، نص علي وعليه ما ذكر الأصوليون في القياس استعمال العين في العين، وما بطن ما استفيد بالقياس والنظر.
ومنه قول الأصوليين: استعمال الجنس في الجنس:
فالأول: دليل ظاهر، والثاني: قلت: ذكره ابن التلمساني في باب القياس في المسألة الثالثة منه، وحمله المفسرون الظهور والخفاء بالنسبة إلى الفاعل وفعله، وقالوا: في الآية عطف العام على الخاص، وعطف الخاص على العام، والإثم أعم من الفواحش؛ لأنه يشمل الصغائر والكبائر بخلاف الفواحش، والبغي أخص من الإثم.
قوله تعالى: (بِغَيْرِ الحَقِّ).
ليس بتأكيد؛ لأن السيد إذا بغى على عبده فضربه فهو باغ بالحق.
قوله تعالى: (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا).
راجع إلى الدليل العقلي.
(وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
راجع إلى الدليل السمعي النقلي.
стр. 664
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾
استشكل أبو حيان ترتيب يستقدمون جوابا للشرط بأنه أمر بديهي ظاهر؛ وتقديره أنهما شرطان وجوابان حسبما تقرر في المنطق أن الشرطية تتعدد بتعدد تاليها، وأجاب بأن الشرط أمر تقديري وليس بوجودي فيصح ترتيبه عليه بهذا الاعتبار.
قال: أو يجاب بأن العطف للتسوية، أي كما تعلمون أنتم لَا يستقدمون عليه؛ كذلك فاعلموا أنهم لَا يستأخرون عنه.
قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ... (٣٥)﴾
قيل: المراد ببني آدم هذه الأمة، والرسل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجمعه لاختلاف حالاته، كما قال الشاعر: أنشده [الآبذي] في شرح الجزء عليه:
[فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلّها ... يمينا ومهوى النّسر من عن شمالك*]
فإن قلت: إتيان الرسل محقق فهلا عبر بـ إذا؟، قال: فعادتهم يجيبون بأنه إشارة إلى مذهب أهل السنة في أصل بعثه الرسل أنها محض تفضل من الله تعالى، فإن ذلك ممكن جائز وليس بواجب وزيادة فأشار إلى وقوع ذلك وتحققه.
قوله تعالى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ).
التقوى راجعه إلى اجتناب المنهيات والاصطلاح لامتثال المأمورات، ومن موصول الأجواب الأشرطية؛ لأنها لَا تقتضي وقوع الشيء لَا إمكان وقوعه.
قوله تعالى: (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
إن قلت: لم نفى الخوف بالاسم، والحزن بالفعل؟ فأجاب ابن عرفة بوجهين:
الأول: متعلق الحزن ماض، ومتعلق الخوف مستقبل والأمور المستقبلة أكثر من الأمور الماضية فأشبهت غير المتناهي ألا ترى أن الإنسان يخاف العذاب في الدنيا وفي الآخرة، وأمر الآخرة غير متناه لأنه بدخول الجنة يذهب عنه الخوف دائما.
الثاني: أن سبب الخوف يمكن دفعه والتحرز منه؛ لأن متعلقه مستقبل، وسبب الحزن لَا يمكن رفعه والماضي لَا يرتفع.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ... (٣٧)﴾
قال ابن عرفة: هذه الآية إذا كانت في النزول متصلة بما قبلها فالفاء للاستئناف، وعلى الأول في الآية التفات بالخروج من التكلم إلى الغيبة؛ وهذا إن أريد
стр. 665
أنه أظلم منِ غيره على سبيل العموم فيكون مخصوصا، بقوله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ).
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يرد على الجاحظ بهذه الآية، في قوله: إن الكذب إنما يطلق على من تعمده؛ فدلت الآية على أن من أخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه ناسيا فهو كذب، وإن كان عامدا فهو افتراء وأجيب بالفرق بين مطلق الكذب وافتراء الكذب؛ وهو أن من أخبر بمجيء زيد وهو معتقد أنه لم يجئ وصادف في نفس الأمر أنه جاء فليس مفتر بالكذب ولا يسمى كاذبا بوجه؛ كمن حلف عليه بالطلاق أنه قد جاء معتقدا أنه لم يجئ وقد صادف أنه جاء.
قوله تعالى: (أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ).
يحتمل أن يرجع إليهم بمعنى أنهم تارة يقولون على الله ما لم يقله، فيقولون: حرم علينا السائبة والوصيلة والحام، وتارة ينسبون إليه ما هو منزه عنه؛ كجعلهم له شريكا، ونسبتهم إليه الولد؛ فهذا افتراء الكذب، ذكره الفخر.
وتارة يكذبون بالآيات والمعجزات الظاهرة على يد رسوله وهذا تكذيب، ويحتملِ أن تكون الآية خرجت مخرج الإنصاف، كقوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) فالمعنى: قل لهم يا محمد إن كنت أنا مفتريا على الله فلا أَظلم مني، وإن كنت صادقا وأنتم تكذبون بي فلا أظلم.
قوله تعالى: (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ).
قالوا: المراد بذلك الأصنام.
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: يحتمل أن يريد به كل ما يشتمل عن الطاعات من الشهوات والأمور الدنيوية، كما قال تعالى (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا).
وقال تعالى (وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).
إشارة إلى أن أعمالهم الدنيوية تذهب عنهم فلا يجدون لها أثرا بخلاف الأعمال الصالحة.
قوله تعالى: (وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِم).
إن أريد شهادة بعضهم على بعض فهذه شهادة حقيقية، وإن أريد واحد منهم يشهد على نفسه فهو إقرار وليس بشهادة لاستلزامه العقوبة.
стр. 666
قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ ... (٣٨)﴾
كيف نفهم مع حديث: "من سن في الإسلام [سنة*] سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".
وأجاب ابن عرفة بأحد وجهين:
إما أن يراد لكل ضعف ما في اعتقادكم، أو ضعف ما يتوهمون.
قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ ... (٣٩)﴾
الفاء إما للتسبيب فهو معطوف على قوله (لِكُلٍّ ضِعْفٌ)، أو على مقدر؛ أي [مَا دُعَاؤُكُمُ اللَّهَ بِأَنَّا أَضْلَلْنَاكُمْ وَسُؤَالُكُمْ مَا سَأَلْتُمْ *] (١) [فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ*].
قال ابن عرفة: على التقديرين مسألة كانت تقدمت لنا فيما إذا قال عمرو: إن زيدا زنا، فيقول خالد: وسرق، فإن كان معطوفا على كلام عمرو لم يلزمه شيء، وإن كان معطوفا على مقدر؛ أي زنا وسرق لزمه حد القذف.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا ... (٤٠)﴾
قال: الظاهر أن التكذيب أعم من الاستكبار؛ لأن المكذب قد يكون مستكبرا وقد لا يكون.
قوله تعالى: (وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ).
دليل على أن الجنة في السماء.
قوله تعالى: (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ).
ولم يقل: دخول الجنة مع أنه أجلى وأبين تشديدا عليهم في العذاب؛ لأن الرجاء يتعلق بما هو معيبا بزمان، ولو كانت عائبة لَا يمكن كأنه يتطرق إمكانها، فإذا تعلق الرجاء بها على استحالتها عادة، ولم يقع ذلك؛ كان ذلك أشد على الراجي في حينه حسه مطعمه، وإنما قال: يلج الجمل، ولم يقل: الفيل وهو أكبر. لأن العرب إنما يعرفون الجمل.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ ... (٤١)﴾
стр. 667
عبر بـ لهم على جهة التهكم بهم فهو إليهم لَا لهم، والمهاد إنما يطلق في الأمر الملائم للحال الموصوفة؛ فإن كانت حالا حسنة فهو دليل على شدة حسنها، وإن كانت قبيحة فهو دليل على شدة قبحها.
وقال تعالى في سورة (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) فقدم هنا لفظة فوق وأخر هاهنا، وأجيب بأنه هنالك روعي فيه لفظ المهاد. والمهاد غالبا يقتضي المكان الذي يمتهد عليه فهو تحت والظلال من تحت، فعذاب الله تلك أشد؛ لأنها نار تحت المهاد.
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ).
المشبه بالشيء لَا يقوى قوته فدل على أن عذاب هؤلاء أشد من عذاب الظالمين.
قوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (٤٢)﴾
[دليل*] على أن القادر على الشيء يطاق وسعه بلا شك.
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ... (٤٣)﴾
دليل على صحة القول بأن العرض يبقى زمانين؛ لأن الفعل معنى من المعاني ولا عرض ولا ينزع إلا ما هو قابل للبقاء.
فرد عليه ابن عرفة النزع بمعنى الإعدام، والمراد نزع نوع الغل مطلقا لَا شخصه، قال: هذا مجاز والأمثل حقيقة، قيل له: لَا بد في الآية من المجاز. لأنهم أجمعوا على أن العرض لَا يقوم بنفسه، وإذا حملت النزع على حقيقته يلزمك مخالفة الإجماع فلا بد من حمله على معنى الإعدام، فقال: هذا الذي أجمعوا عليه تحمل الآية عليه وتبقى على حقيقتها فيما اختلفوا فيه، قيل له: إنما حملناها على الإعدام زال المعنى الذي قلتم.
قال: والآية دلت على أن كل صدر فيه الغل فهو أمر جلي لَا يقع فيه التكليف. وإنما التكليف بأسنا به؛ ولذلك يقال: ما علا عبد من حسد فواحد يخفيه وآخر يفشيه.
قوله تعالى: [(أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) *].
إسقاط الفاء هنا، وأثبتها الفاء في قوله (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)؛ لأن الإنسان إذا وجد شيئا قد يصدق به، وقد يبقى على شك، وإذا خوف من شيء يستقر في نفسه الخوف منه ويسرع إليه الهلع والفزع،
стр. 668
فثبوت الخوف للنفس أقوى من ثبوت الرجاء لما توعد به، فأدخلت الفاء هناك تحققا لوقوع الموعود به ولم تدخل هنا لثبوته في النفوس.
قال: [ويحتمل أن يكون في الآية حذف التقابل؛ أي من اتقى وأصلح (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) [أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، وَلاَ خَوْفَ عَلَيهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (أي لا حزن عليهم) وَالَّذينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وعليهم الخوف وهم يحزنون*] (١)
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾
قال ابن عرفة: لما كانت حسناتهم مساوية لسيئاتهم فلم يبق لهم سبب إلا الرجاء في دخول الجنة، والرجاء إنما يكون فيما قدم الإنسان سببا فهو خير الطمع لَا في خير الرجاء.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ ... (٤٧)﴾
بناؤه للمفعول دون الفاعل لأن المعرفة إليه مستقرة للنفس دائما، وإنما يقضي حين الاختيار.
قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
ولم يقل: من القوم الظالمين؛ لأن كونه معهم أعم بنفيه يستلزم نفي الأخص أعني الكفر عنهم.
قوله تعالى: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾
فأتاه بالاسم ونفى الحزن بالفعل؛ لأن متعلق الخوف مستقبل، ومتعلق الحزن ماض والأمور المستقبلة غير متناهية، والأمور الماضية متناهية لانقطاعها.
قوله تعالى: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ... (٥٠)﴾
يدخل فيه الماء وغيره.
قوله تعالى: (حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ).
ليس المراد التحريم الشرعي؛ لأنها ليست دار تكليف؛ فيتعين أن المراد به المنع؛ أي منع الكافرين منها.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ... (٥١)﴾
стр. 669
الأمر الباطل إن قصد به [الاشتغال مطلقا*] فهو لهو، وإلا فلعب؛ كما يلعب الشطرنج، ولا يقصد به [التلهي*].
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ... (٥٣)﴾
يحتمل أن يكون إشارة إلى تكذيبهم وأنهم ليس حالتهم حالة من ينتظر المال والعاقبة، وهذا يشمل الشاك للتوهم.
قوله تعالى: (فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا).
إما للتوزيع، وإما لأنه مقام لَا يشفع فيه إلا الشفعاء لَا الشفيع الواحد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾
يحتمل أن يكون تهييجا وحقا للمظلوم في أن يدعو على الظالم لأن دعاه في مظنة الاستجابة والقبول فإن الله لَا يحب المعتدين.
قوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ... (٥٦)﴾
تشنيع على من يفعل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ... (٥٧)﴾
قال: لما تقدمها الأمر بالدعاء والنهي عن الإفساد في الأرض عقبه ببيان الدليل والبرهان على أن الله تعالى هو الفاعل المختار الذي لَا إله غيره، أو يكون إشارة إلى أن الدنيا سبب في الرحمة كما أن الريح الطيب سبب في الرحمة.
قوله تعالى: (سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ).
ولم يقل: أرضٍ ميت، والضرر إنما هو لعمار الأرض لَا للأرض.
قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ... (٥٨)﴾
يحتمل أن يكون مثالا لحال الدعاء فمنه ما يكون من صادق مقال ما منع فهذا يخرج نباته بإذن ربه إشارة إلى قرب الاستجابة، ومنه ما يكون من خبيث غير متصف في مكانه يتذلل ولا خشوع فهذا لَا تحصل له إجابة ولا برجاء؛ فإن قلت: لم قال: (وَالْبَلَدُ) فعبر بالاسم، فقال (وَالَّذِي خَبُثَ) فعبر بالفعل؟ قلت: لأن متعلق الذم على الأعم يستلزم تطبيقه على الأخص فإِذا ثبت الذم على مطلق الخبث فأحرى ما
стр. 670
فرقه، ولا يثبت المدح إلا على أخص الوصف تخصيصا على الاتصاف، قلت: وأورد ابن عرفة: قبل هذا سؤالين:
أحدهما: هذا وأجاب عنه بأن الخبر نص على أن الفعل إنما يطلق على من تناوله الفعل طبعا وغريزة، فمساواة الاسم بهذا الاعتبار في معناه لمعنى الخبيث.
السؤال الثاني: أتى في الثاني بأداة الحصر دون الأول، وأجاب بأن الحصر راجع إما للمشبه أو المشبه به. فإِن الأرض الخبيثة قد تنبت الطيب قليلا؛ فالمراد للمشبه مما لا تنبت إلا خبيثا بالكفر نوع واحد كله مذموم، ولما كان المسلمون نوعين: منهم من أسلم أولا ولم يعاند؛ كأبي بكر، وعلي بن أبي طالب ﵄ والإسلام يجبُّ ما قبله، ومنهم بعد ما أذى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وعاند وكفر، فلم يؤت فيه بالحصر ليعم اللفظ هذين؛ بخلاف الكفر فإِنه نوع واحد كله مذموم، والخبيث في النبات له حالات زمن خروجه، وزمن تمامه، وزمن يبسه؛ فلو قيل: يخرج لكثر التوهم أنه إذا صار إلى حالة التمام يحسن حاله؛ فأتى بالحصر تنبيها على أنه يخرج خروجا لَا يعقبه حسن.
قوله تعالى: ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ... (٥٩)﴾ .. ، وفي آية أخرى (فَقَالَ يَا قَوْمِ) محذوف الياء.
قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ ... (٦١)﴾
قال ابن عرفة: ابتدأ بلفظة (يَا قَوْمِ) على سبيل الترحم عليهم والتلطف في العبارة استجلابا لهم.
قال الزمخشري: فإِن قلت: قال: (لَيسَ بِي ضَلالَة) فأفرد، ولم يقل: ليس بي ضلال، كما قال تعالى (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
قال: قلت: الضلالة أخص من الضلال، كما لو قيل: لك تمر فتقول ما لي تمرة.
ورده ابن عرفة بأن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم إلا أن يكون تجوز في الأخص وأراد به التعليل القليل، ويرد عليه المثال الذي ذكره.
قوله تعالى: (وَلَكِنِّي رَسُولٌ).
قيل: إن ما بعد لكن هنا مخالف لما قبلها لأن ما قبلها منفي وما بعدها مثبت، ومتعلق النفي غير متعلق الإثبات، وقيل: موافق؛ لأن نفي الضلالة يستلزم ثبوت