قول تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ... (١٥٧) .. قال - ابن عرفة: النبي هو اختصاص الله لبعض خلقه بالوحي على لسان الملك؛ فإن أمر بالتبليغ فهو رسول، فالرسول أخص من النبي، وقيل: هما سواء، ونقل الإمام الغزالي، وابن العربي في بعض تعاليقه قولان: بأن النبي أخص ووجهه؛ بأنك تقول: فلان رسول فلان، ولا تقول: فلان نبي، وجاءت هذه الآية على العكس؛ لأن ثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم، فما السر في تقديم الرسول على النبي؟ وأجيب: بأن اتباعه من حيث كونه مرسلا لَا يلزم منه اتباعه من حيث كونه نبيا فقط، ولا يلزم منه اتباعه من حيث كونه أميا فقط فكان العطف ترقيا في المدح، فهو من باب الانتقال من الدليل الأوضح إلى الدليل الواضح، ثم إلى الدليل الخفي، - فالإيمان به من حيث كونه رسولا يستلزم الإيمان به من حيث كونه نبيا فقط، والإيمان به من حيث كونه نبيا فقط لا يستلزم الإيمان به من حيث كونه أميا فقط، والمراد هنا الاتباع الاصطلاحي؛ وهو أن يفعل مثل ما فعل المتبوع لأجل أنه فعله، وهذا على سبيل التوزيع؛ لأن الذي يجدونه عندهم في التوراة هم اليهود، وأهل الإنجيل هم النصارى.
قوله تعالى: (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ).
قد يقال: فيه دليل على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده، لقوله تعالى: (وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ).
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ... (١٥٨)﴾
قال ابن عرفة: كثيرا ما يقع هذا في القرآن فهو مأمور بأن يقول: يا أيها النَّاس، ويسقط لفظ قل، ولكنه هنا مأمور بتبليغ الجميع آيات القرآن، هو مأمور بتبليغها للناس، وكان بعضهم يقول: اختصاص بعضها بلفظ قل نبه على أنه أمران: يقول ذلك ليكون إبراء لساحته وأقلع لنفي التوهم عنه و (النَّاسُ).، قيل: يشمل الجن والإنس، وقيل: خاص بالإنس، والفرق بين هذا وبين رسالة نوح بوجهين:
أحدهما: أن رسالة نوح كانت للإنس فقط.
الثاني: أنها كانت لأهل زمانه فقط؛ وهذه عامة إلى قيام الساعة.
قوله تعالى: (الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ).
قال الزمخشري: قيل: هي الكلمة التي تكون عند عيسى وجميع خلقه وهي كن.
قال ابن عرفة: هذا غير جار على مذهبه؛ لأنه ينفي الكلام، ولذلك قالوا: إنه ضعيف في أصول الدين.
стр. 702
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾
قال ابن عرفة: يحتمل أن يهدون غيرهم وبه يعدلون في القسم أو العكس، أو يرجع الأول للأمور الاعتقادية، والثاني للأعمال؛ فيحتمل أن يكون من العدل، أو من العدول، قال: الذين هم بربهم يعدلون، ولذلك كان رجل دلال في سوق الكتبيين يسمى عدلان، وكان ابن عبد السلام يمزح معه: أنت عدلك عن الحق إلى الباطل أو العكس، وإما لأن الحق يصدق على ما في الاعتقاد، وإن كان في نفس الأمر، قال: وعادتهم يوردون سؤالا مذكورا في نفس الائتلاف وهو لم قال (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ). وهلا قال: من أمة موسى قوم، فإن الأمة أكثر من القوم والقوم أقل، وعادتهم يجيبون بأن [لفظ الأمة يشعر بالاجتماع*] واتحاد الكلمة أكثر مما يشعر به لفظ قوم، ولذلك يجمع على أمم، ولذلك قال: "ستفترق هذه الأمة على اثنتين وسبعين فرقة"؛ والافتراق دليل على ما تقدم الاجتماع.
قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ ... (١٦٠)﴾
قال: معطوف على محذوف؛ أي: فضرب فانبجست قيل له: قال ابن عصفور إن المحذوف ضرب والفاء المتصلة بـ انبجست، وأما الفاء الملفوظ بها فهي داخلة على ضرب مقدر بين الفاء وبين انبجست، فقال: ليتأتى له ما يعطفه عليه مثل (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) ..
قال الزمخشري: فإن قلت: ما فائدة هذا الحذف؟ فأجاب: بأنه إشعار بسرعة الانبجاس بنفس الأمر حتى كأنه سابق على الضرب، قال ابن عرفة: ويذكر فيه جوابا آخر لبعض المتقدمين؛ وهو أنه مشبهة على إسناد الكائنات إلى الله تعالى، وأن الضرب إنما هو سبب عادي، والانبجاس عنده لَا به.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ... (١٦١)﴾
قال ابن عطية: العامل في إذ فعل مقدر تقديره: واذكر إذا قيل لهم، قال ابن عرفة: فعلى هذا يكون إذ مفعولا به، والصواب أن يقدر أن يكون ظرفا، لأن وقت القول لهم متقدم الأمر والسكن، قال: وقد ذكر الوجهان في غير ما وضع إذ هي منصرفة، فالجواب أن يقدر بها فعل يعمل فيها على أنها ظرف تقديره: أنعمنا عليهم، إذ قيل لهم: اسكنوا، قال: والدخول أعم من السكن فهو من التعبير بالأعم مطلقا، أو بالأعم من وجه دون وجه فيستلزم الأخص، وعبر في البقرة بالدخول، لقوله: (رَغَدًا) والرغد يستلزم دوام الإقامة؛ واستغنى عنها بلفظ اسكنوا.
стр. 703
قال ابن عرفة: (وَكُلُوا). إن قلنا: أن أصل الأشياء على الحصر فيكون الأمر في كلوا على الإباحة، وإن قلنا: أن أصل الأشياء على الإباحة فيكون الأمر به الامتنان.
قوله تعالى: (وَقُولُوا حِطَّةٌ).
أخذوا منها مع آية البقرة أن الواو لَا تفيد الترتيب، وأجاب ابن التلمساني: بأنا إذا قلنا: أن المراد بقوله (حِطَّةٌ). كلمة التوحيد فيكونوا أمروا بأن يقولوها قبل الدخول وبعده، قال ابن عرفة: وكذلك إذا لم يكن المراد بها كلمة التوحيد، فأجيب بأنها إن كانت كلمة التوحيد فيكون دوامها ضروريا وغيرها ليس بضروري.
قوله تعالى: (سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ).
هو هنا بإسقاط الواو، وفي البقرة بالواو، وقال البيانيون: إن كان الفعل الثاني قريبا من معنى الأول جدا وبعيدا منه جدا أو دخلت الواو بينهما، وإن كانت منافاته له في حيز التوسط حذف الواو وهناك عبر بالدخول، وهو أعم من السكنى فقد ثبت لهم المعنى الأخص فحذفت الواو.
قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ... (١٦٢)﴾
ابن عطية: يدل معناه غير اللفظ دون أن يذهب بجميعه، وأبدل إذا ذهب به وجاء بلفظ آخر، فرد عليه أبو حيان، بقوله تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ)، وبقوله (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)، وبقوله (عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا) قال ابن عرفة: هذا يقتضي كله تبديل الذات، وإنما حقه أن يرد عليه، بقوله تعالى: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) فإن التبديل هناك تغيير بعض اللفظ دون أن يذهب بالمعنى، قيل له: بنو إسرائيل غيروا اللفظ كله والمعنى لأنهم أمروا أن يقولوا حطة فدخلوا يزحفون على استاههم وقالوا: حبة في شعيرة.
قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ ... (١٦٣)﴾
قال ابن عرفة: هذا مخالف لما يقول المنطقيون والنحويون من أن الطلب من الأعلى للأدنى يسمى أمرا، أو عكسه يسمى مسألة؛ فكان يقول على هذا: أو أمرهم بأن يخبروك بخبر القرية التي كانت حاضرة البحر.
قوله تعالى: (حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ).
стр. 704
ليست إضافة ملك ولا استحقاق؛ لأنهم لَا يملكون الحيتان ولا يستحقونها في السبت، والظاهر إضافة ملابسة.
قوله تعالى: (وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ).
ابن عرفة: عبر في الأول بالاسم، وفي هذا بالفعل، وهلا قال: وغير يوم سبتهم لا تأتيهم؟ قال ابن عرفة: وأجيب بوجهين؛ الأول:
أن الجملة الأولى مثبتة وهذه منفية، والفعل أعم من الاسم، وثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص.
الثاني: أن قوله (وَيَومَ لَا يَسْبِتُونَ). يشعر باشتغالهم بالأعمال؛ أي: ويوم اشتغالهم وإقبالهم على العمل الذي من جملته الاصطياد لَا تأتيهم؛ بخلاف ما لو قيل: ويوم غير سبتهم فإنه لَا يشعر بذلك.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ... (١٦٥)﴾
قال ابن عرفة: عبر في (يَنْهَوْنَ). بالفعل المضارع، وفي (ظَلَمُوا).
بالماضي؛ لأنهما متلازمان؛ فالنهي إنما هو لمن ظلم.
قال: والجواب ظلموا لأنه أخص، وينهون أعم لأنه مضارع محتمل للحال والاستقبال، فناسب استعمال الأخص في العذاب ليدل على أنهم إنما عذبوا بما صدر منهم، واستعمال الأخف في الإنجاء ليدل على إنجاء من اتصف بما فوق ذلك من باب أحرى.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ ... (١٦٦)﴾
أتت هذه كالتفسير لما قبلها، وأن هذا هو العذاب الذي عذبوا به في الدنيا.
قوله تعالى: (خَاسِئِينَ).
إشارة إلى عذاب يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ... (١٦٧)﴾
فسره ابن عطية بأربعة أمور: إما [أعلم، وإما قال، وإما أمر، تألَّى*]
стр. 705
وقال الزمخشري: [عزم ربك*]، وتقدم النقد على مسلم في مقدمة كتابه، وظننت حين سألني أن لو عزم الله لي عليه؟ قال المازري: هناك لَا يظن أن لو عزم الله عليه لأراده الله تعالى منهم عزما، فالحاصل أن نسبة العزم إلى الله تعالى لَا تصح، قال المازري: إنما أراد لو سهل لي سبيل العزم؛ أو خلق لي قوة عليه.
قال عياض: قالت أم سلمة في كتاب الجنائز: ثم عزم الله لي فقتلتها، وأصل العزم القوة ويكون بمعنى الصبر وتوطين النفس؛ وحملها على الشيء والمعنى متقارب، ومنه قوله تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).
قال ابن عرفة: والصواب عندي في قوله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ). أن معناه زاد مواعد ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ... (١٦٨)﴾
قال ابن عرفة: عبر بالتقطيع دون التفريق؛ لأن لفظ التقطيع أصرح وأشفع لاقتضائه تفريقا بعد كمال اتصال، فإن قلت: لم قال: أمما، وتقطيعهم آحاد مفترقين أنحى وأبلغ من تقطيعهم؟ فالجواب: أن هذا أبلغ في كمال الإعجاز؛ لأن كونهم أمما يقتضي الطمع في وقوع القلب، ولكنهم بعجزهم في هذه الحالة أبلغ وأدل على كمال العجز.
قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ).
قال ابن عطية: إما أن المراد ومنهم غير الصالحين أي: من الكفار، وإما أن المراد ومنهم من اتصف بما دون الصلاح.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ... (١٦٩)﴾ .. ابن عرفة: هذا على سبيل الاحتراس لما استغفروا وتابوا؛ اقتضى ذلك عدم رجوعهم إلى العصيان، ومن تاب عن المعصية يبعد رجوعه إليها كمن زنا بامرأة جميلة فإنه لَا يسترجع زناه بعد ذلك بامرأة جميلة الصورة، وكذلك من تاب عن سرقة دينار إذا وجدها بعد ذلك، وهؤلاء لو قيل في حقهم، ويقولون: سيغفر لنا قوله استغفارهم من ذلك الذنب، وأنهم لم يرجعوا إلى مثل الذنب الذي استغفروا منه بل إلى ما هو أخف إلى النفس منه، فقيل: لا يأتيهم من حيث لو آتاهم عرض مثله لأخذوه.
قوله تعالى: (أَلَمْ يُؤخَذ عَلَيهِم مِيثَاقُ الْكِتَابِ).
إما تقرير لأخذ الميثاق عليهم وإنكار لما ادعوه من عدم أخذ الميثاق عليهم.
стр. 706
قوله تعالى: (أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ).
قال ابن عرفة: تقدم فيها سؤال وهو أنه قد رد المدح في حقهم بما اتصفوا به من فعل وقول، فقال: يأخذون عرض هذا الأدنى، ويقولون: سيغفر لنا، وأكد تقرير الذم بالفعل بتكراره، لقوله (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ). ثم لما انتقل لمقام الرد عليهم ذكر فيه تقبيح قولهم دون فعلهم وهو: (أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)، قال: وأجيب بوجهين: الأول:
أن القول يستلزم الفعل وهو سبب فيه، فاكتفى بالسبب عن مسبه.
الثاني: قوله (وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ). وتلك الجملة هي معمولة لقوله (وَدَرَسُوا مَا فِيهِ). أيضا أن الدار الآخرة خير ولم يعملوا بها بل عملوا بنقيضها، وهذا هو الفعل وهو أخذهم عرض الدنيا ونبذهم عرض الآخرة.
قوله تعالى: (وَدَرَسُوا مَا فِيهِ).
ولم يقل ودرسوه إشارة إلى أنهم حفظوه، ولو قال: ودرسوه لكانوا حفظوا لفظه ولم يتدبروا معناه.
قوله تعالى: (وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ).
وذلك أنهم مأثورون بأن يتصفوا بالجودة والطاعة وعدم المخاِلفة؛ فاتصفوا بالعصيان ورجاء المغفرة؛ لقوله تعالى: (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ... (١٧٢)﴾
ورد في الحديث الصحيِح أن الله تعالى لما خلق آدم أخرج ذريته من ظهره كالذر فاستعهدهم على أنفسهم (ألَسْتُ بِرَبَكُم قَالُوا بَلَى). فهذه الآية اقتضت الإخراج من بني آدم، والحديث اقتضى أن الإخراج من ظهر آدم لَا من ظهر ذريته، والجمع بينهما بأن المخرج من المخرج من الشيء مخرج من الشيء، فإذا خرجت سلعة من الصندوق فيها دنانير، قلت: أخرجت هذه الدنانير من الصندوق، والآية اقتضت إخراج ذرية بني آدم، وزاد الحديث بإخراج الوسط وهم بنو آدم من ظهره وإشهادهم على أنفسهم.
قوله تعالى: (وَأَشْهَدَهُم).
стр. 707
إما اشهد بعضهم على بعض، أو أشهد كل واحد على نفسه.
قوله تعالى: (قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
أي: حملناكم ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)
قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ ... (١٧٣)﴾
ابن عرفة: فيه دليل على أن التقليد غير كاف في الأمور الاعتقادية.
قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ... (١٧٥)﴾
ابن عرفة: انظر هل ذكر المتلو أم لَا؛ فيحتمل أنه ذكر المتلو وأن هنالك مضمر تقديره: الذي آتيناه آياتنا انسلخ منها، ابن عرفة: ولم يقل: انقطع عنها لأن الانسلاخ أبلغ كانسلاخ الجلد من الجسد فلا يرجع إليه أصلا بخلاف الانقطاع.
قوله تعالى: (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ).
أتبعه أي: ساواه؛ بخلاف أتبعه فإنه من رواية متبع له ولا يراه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾
احتراس لأنه لما تكرر ذمهم في الآية بوصف التكذيب، وأنهم صدوا غيرهم؛ احترس من ذلك بأن حال تكذيبهم راجع عليهم.
قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ... (١٧٨)﴾
قال ابن عرفة: الهداية قسمان: فالهداية الأعمية هي مجرد الإلهام والإعلام بطريق الحق.
والأخصية هي الإعلام بها، والحمل على سلوكها بالفعل، كما يقول الشخص: هذه طريق الحق وهذه طريق الباطل، وتارة يقول له: هذه طريق الحق فاسلكها وتجعله سالكا فيها بالفعل، فالأعمية هي قوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، والأخصية (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم)، وبقي هنا أخصية قوله تعالى: (وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). عبر في الأولى بالملزوم وهي الهداية، وفي الثاني باللازم وهو الخسران؛ ففيه حذف التقابل. أي: من يهدي الله فهو المهتدي الراجح، ومن يضلل فهو الضال الخاسر، وأولئك هم الخاسرون، فإِن قلت: لم أفرد المعتدي وجمع الضال. وجوابه عند النحويين: أنه جاء على الأصل في معلولة لفظ
стр. 708
من أولا ومعناها ثانيا، وعند البيانيين: أن المهتدي أقل من الضال فناسب منه الإفراد، وأتى في الأول بالضمير الدال على القرب، وفي الثاني باسم الإشارة الدال على البعد.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا ... (١٧٩)﴾
يؤخذ منه أن البصر أشرف من القلب فهو ترق، أو يقال: أن هذه الحواس كلها خدمة القلب؛ فالقلب أشرفها.
قوله تعالى: (بَلْ هُمْ أَضَلُّ).
قال ابن عطية: فيها الشهوة ولا عقل لها، فليس لها منع يمنعها عن شهوتها والإنس والجن فيهم الشهوة، والعقل المانع من اتباعها، فالعصاة منهم أضل إذ لم يمنعهم عقلهم من شهوتهم.
قيل لابن عرفة: كان القاضي ابن حيدرة يأخذ من هذه الآية أن بني آدم أفضل من الملائكة؛ لهم العقل ولا شهوة فيهم؛ فليس لهم داعٍ يدعوهم إلى المعصية، وبنو آدم فيهم الشهوة التي تحضهم على المعصية، فإِذا أطاعوا الله وتركوا شهواتهم كانوا أفضل من الملائكة.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ... (١٨٠)﴾
المراد إما المسميات أو التسميات على الخلاف في ذلك، والفاء في قوله (فَادْعُوهُ بِهَا). إما للتعدية؛ والمراد فتوسلوا إليه بها، وقال: وحديث الترمذي تعيين الأسماء الحسنى حسن لكن تلقته الأمة بالقبول فكان كالتصحيح له، وليس في التصحيح تعيينها، وإنما قال في الصحيح: "إن لله تسعة وتسعين اسما" من غير تعيين، [لكن ذكر المتكلمون*] أن من أسمائه واجب الوجود، ولم يرد ذلك في الحديث وجوزوا إطلاقه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾
стр. 709
هو الإنعام عليهم بنعمة استدراجا لهم في المعاصي.
قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ ... (١٨٣)﴾
هو عدم مؤاخذتهم بالذنب في الحال وتأخيرهم إلى أجل مسمى، فإن قلت: عبر في (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ). بالنون الدالة على المتكلم ومعه غيره، وفي (أُمْلِي لَهُم). بهمزة المتكلم وحده، فأجيب بوجوه؛ الأول: قال ابن عرفة: المشاهد في الدنيا أن إعطاء النعم في الملوك أكثر من الحلم والصفح والعفو عن [المجرم؛ فلا نجد منهم من يعفو عن المجرم*] إلا القليل بحيث يعد عدًّا كمعاوية ونحوه، ونجد الكثير منهم يعطي العطاء الجزيل فلما كان الإنعام أكثر ناسب أن يعبر عنه بالنون التي للمتكلم ومعه غيره، وكانت هنا للعظمة فقط.
الثاني: أن الاستدراج نعم دنيوية والإملاء تأخير إلى أن يعذبوا عذابا أخرويا.
الثالث: أن الاستدراج فعل يستدعي فاعلا فناسب نون العظمة والإملاء ترك وتأخير وعدم مؤاخذة، والعدم لَا يتعلق به القدرة فناسب همزة المتكلم وحده.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾
قال ابن عرفة: وتقدم المبالغة في النفي بأربعة أوجه: الأول: إدخال لفظه من، الثاني: إفراد لفظة جنة فهو أعم من لو قيل: جنون، الثالث: بلفظ صاحب المضاف إليهم فهو إشارة إلى أنهم غافلون به وهو بين أظهرهم قديما وحديثا.
قوله تعالى: (إنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ).
الحصر بحسب السياق؛ أي: هذين لمن كذب وخالف وطعن فيه بالجنون.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... (١٨٥)﴾
قال القرافي: الملك راجع للأمر الظاهر، والملكوت راجع للأمر الباطن، وهو ظاهر كلام البيضاوي؛ لقوله في خطبة كتابه الطوالع المطلع بشواهد الملك وغياهب الملكوت، فالملك ما تعلق بظواهر الملك الأمر، والملكوت ما تعلق بخفياتها.
وقال ابن عرفة: بل الفرق بينهما أن المخلوقات إن نظرناها باعتبار ذواتها فقط فهو نظر في ملك، وإن نظرناها من جهة افتقارها إلى موجد أوجدها فهذا نظر في ملكوت؛ فيستدل به على وحدانية الصانع وقدرته وإرادته وغير ذلك، فإن قلت: لم قرن الأول بالتفكر والثاني بالنظر؟، فالجواب: أن الأول ماض فناسب التفكر كما يتفكر الإنسان شيئا نسيه، والثاني حالي فناسب النظر.
стр. 710
وقال بعض الطلبة: إن الأول معنوي وهو الجنون، والثاني حسي، قال: وعطف هذه المذكورات ترق لأن الأول خاص بمن نسب النبي ﷺ إلى الجنون والثاني عام في النَّاس أجمعين بالنظر في ملكوت السماوات والأرض ليهتدوا إلى توحيد الله وعبادته، والثاني بمن حصل الإيمان بالله لأنه مأمور بطاعة الله خشية أن يموت قبل استيفاء ما كلفه به من العبادة، قال: وجمع السماوات وأفرد الأرض؛ لأن دليل تعدد السماوات ظاهر مدرك بالرصد والهندسة، ودليل تعدد الأرض خفي لا تدركه إلا من جهة السمع.
قوله تعالى: (قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ).
قال: الفرق بين قرب، واقترب أن القرب يقتضي مقاربة الشيء مع كون ذلك الشيء طالبا للمقاربة، فكان أجلهم يطلبهم ويستدعي أن يقرب منهم، وهذا مبالغة في طلبه لهم وقربه منهم.
ابن عرفة: وقال هنا (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا). لأنه موضع المستقبل، وقال قبلها (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا) لأن متعلقه ماض بحيث بعد.
قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ... (١٨٦)﴾
قال ابن عرفة: لم يفصل هذه الجملة عما قبلها بالواو، إما لكمال المباينة بينهما أو لكمال المقاربة بينهما في المعنى، ولو كانتا في مقام التوسط لفصلا بالواو، وهذه الآية احتج بها أهل السنة على المعتزلة في أن الضلالة خلق الله تعالى؛ لأن ما المراد هنا إلا الإضلال بالفعل، وقد يجيب الآخرون بما أجابه سراج الدين الإمام الفخر: حيث استدل على وقوع النسخ في القرآن، بقوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) فقال السراج: ولقائل أن يقول: ملزومية الشيء للشيء لَا تدل على وقوعه ولا على إمكان وقوعه، فأجاب شمس الدين الجزري: بأن تلك الآية سيقت مساق المدح، والمدح إنما يكون بالواقع لَا بالمنكر، يجيب أهل السنة بمثل هذا الجواب؛ لأن سياق الآية دل على أنها جاءت في معرض المدح، قال: ولا بد فيها من تقييد السنة، ولا يصح بقاؤها على الإطلاق، فإن أريد فلا هادي له بالإطلاق تكون حينئذ حينية؛ أي من يضلل الله حين إضلاله فلا هادي أو فلا هادي له وقت إضلاله، وإن لم تكن مطلقة فالمعنى فلا هادي له غير الله ولا ينفي عنه نفي الهداية مطلقا؛ لأنه فريضة في وقت، والمراد من يضله عند الخاتمة فلا هادي له، وهذه القضية تعكس عكس النقيض؛ أي من له هاد فلا مضل له.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ... (١٨٧)﴾
стр. 711
هذا دليل على أن الأمور الاعتقادية لَا يصح أن يكتفي فيها بغلبة الظن بوجه؛ لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) فالمحصول إنما هو العلم فدل على أن الظن يشاركه فيه الغير، قال: ويجيب الآخرون بأن السؤال في الآية إنما وقع عن علمها؛ أعني عما يفيد علمها لَا عما يحصل طلبها، فلذلك أجابوا بإسناد علمها الله تعالى، قيل له: قد ذكر السهيلي أنها تعلم بأوائل السور فأسقط مدتها منها بعد أن جمع حروف، وأسقط المكرر منها، وذكر نحوه ابن إسحاق في السير عن اليهود، وذكره السكوكي وأسنده حديثا، فقال ابن عرفة: هذا كله غير صحيح.
قوله تعالى: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
الثقل فيها لأحد وجهين: إما لشدة أمرهما بأن النفس تنفر منها، إذ لَا يعلم أنها تخلد في النار أو في الجنة، وإما لنقل الدلائل والطرق إلى العلم بتوقيتها، فليس ثم دليل موصل إلى ذلك بوجه بخلاف غيرها.
قوله تعالى: (لَا تَأتِيكُم إِلَّا بَغْتَةً).
حكم على الغائب بحكم المخاطب مع أن الإتيان إنما هو لذرية المخاطبين النافين لآخر الزمان؛ فغلب المخاطب الحاضر.
قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا).
قال ابن عرفة: فصلت هذه الجملة عما قبلها لكمال مفارقتها لها في المعنى.
قال الزمخشري: فإِن قلت: لم كرر (يَسْأَلُونَكَ)، و (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) قلت: للتأكيد لما جاء بزيادة كأنك حفي عنها، وعلى هذا تقرير العلماء الحذاق في كتبهم لَا يخلو المكرر من فائدة زيادة، قال ابن عرفة: وكان يمشي لنا نحن أنها ليست مكررة، وأن الأول سؤال من العوام، والثاني سؤال من الخواص على أن فيه تفكيك الضمائر لكنه مغتفر وهو أولى من التكرار، ومما يؤيد هذا ويستأنس به بعض تأنيس العقيب الأول، بقوله (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي)، والعقيب الثاني، بقوله (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) فالعوام بجهلهم قوبلوا بلفظ الرب المستضيء للإحسان والرحمة والحنان، والعلماء قوبلوا باللفظ المستضيء للحلال والقهر والغلبة.
قوله تعالى: (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا).
هل معناه شبيه بالحقير عنها، أو أنه مشبه بالحفي عنها إيمانهم يعتقدون شبهه بالحفي، أو أنه في نفس الأمر شبيه بالحفي، والظاهر الأول.
стр. 712
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
إن أريد أنهم لَا يعلمون وثبتها؛ فالأكثر بمعنى الكل، وإن أريد لَا يعلمون خفيات ولا يعلمون دقائق المعلومات؛ فالأكثر على بابه لأن الخواص من الأنبياء والعلماء يعلمون ذلك.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ... (١٨٨)﴾
قال ابن عرفة: هذا أبلغ من لو قيل: لَا أملك نفعا ولا ضرا بالإطلاق؛ لو كان كذلك لأمكن تخصيصهم بالغير، فيقال: إنه يملك النفع والضر لنفسه ولا يملك لغيره، فلما قال: (لَا أَمْلِكُ لِنَفسِي) دل باللزوم على أنه لَا يملك ذلك لغيره من باب أحرى، والمراد بالضر هنا دفعه لَا جلبه؛ لأن لَا أملك جلب نفع ولا دفع ضرر، والمنفي هنا الملك الفعلي.
قيل لابن عرفة: فالقابلية، قال: القابلية العرضية منافية والذاتية ثابتة.
قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ).
إن أريد الملك الأعم من الاستقلالي والكسبي فالاستثناء متصل، وإن أريد الملك الاستقلالي فقط فالاستثناء منفصل؛ لأن الذي يملك عندنا هو الكسبي ولا يملك إلا بقدرة الله تعالى وخلق الداعي عليه له.
قوله تعالى: (لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ).
فسر بوجهين. أحدهما: لتحررك في قتالهم واستكثرت من الخير فكنت غالبا وما مسني السوء، ولم أكن مغلوبا قط.
الثاني: لاستكثرت بالتجر في المال والربح فكنت رابحا وما مسني السوء؛ أي وما كنت خاسرا في تجارتي قط.
ووجد مناسبتها لما قبلها أنهم لما سألوا عن الساعة، قال: هذا أمر مغيب، ولا طريق لي إلى العلم بالمغيبات؛ لأني لو كنت أعلم عواقب الأمور لجزت منها في أحوالي كلها.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ... (١٨٩)﴾
الخطاب لقريش، وقيل: المراد بالنفس آدم أو قصي بن كلاب [وعبَّر*] في الأول بـ خلق، وفي الثاني بـ[جعل*] لأن الخلق في اللغة هو التقدير.
قال الشاعر:
стр. 713
ولأَنْتَ تَفْري ما خَلَقْتَ وبَعْ ... ضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لاَ يَفْري
والأول: مستند إلى جماعة فناسب الخلق؛ لأنه قدرهم على صفات عظيمة مختلفة، وأوصاف منوعة.
والثاني: يتعلق بشيء واحد وهو حواء.
قوله تعالى: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوجَهَا).
إن أريد به آدم فهو على ظاهره، وإن أريد به قصي بن كلاب فالمعنى: وجعل من أمثالها زوجها، وكلام الزمخشري هنا حسن، وكلام ابن عطية فيه تسامح، وكذلك حكاية وسوسة الشيطان فإنها من الخرائف الباطلة.
قوله تعالى: (لِيَسْكُنَ إِلَيهَا).
اختلفوا فيما الأولى في النكاح، هل النكاح القرابات أو الأجانب؟، واستحسن الإمام الغزالي نكاح الأجانب فإن الولد منها يكون أكمل حلية وأحسن؛ لأن الشهوة إلى الأجنبية أشد من الشهوة إلى القريبة، والآية حجة لترجيح نكاح القرابات، لقوله تعالى: (وَجَعَلَ مِنْهَا) وعلله، بقوله (لِيَسْكنَ إِلَيهَا).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا ... (١٩٠)﴾
ابن عرفة: قالوا: إذا تقدم الاسم النكرة فأعيد ذكره، فإنما يعاد معرفا بالألف واللام، كقوله تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)، وكذلك قال سيدنا عمر ﵁ في قوله تعالى: (مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) لن يغلب عسر يسرين؛ لأنه إنما أعيد العسر معرفا كان شيئا واحدا، فيرد السؤال هنا لم أعيد هنا نكرة؟ قال: وتقدم الجواب بأن ذلك إذا كان في كلام واحد، وهنا في كلامين لقائلين.
قوله تعالى: (جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا).
قال ابن عرفة: اختلفوا في لفظ شرك هل يحمل على النصف فيقتضي التساوي، أو على ما هو أعم، وهذه الآية حجة لمن يحمله على المعنى الأعم، ومسألة كتاب القرض في المدونة دليل على أنه عنده أعم لأنه جعله فاسدا، فقال: وإن أقرضت على أن له شركاء في المال لم يسمه كان على قراض مثله إن عمل، وقال غيره: له النصف.
стр. 714
وقال في كتاب السلم الثالث: وإن ابتاع رجلان عبدا فسألهما رجل أن يشركاه فالعبد بينهم ثلاثا، فهذه تدل على التساوي، وفرق بأن لفظ اشتركا يقتضي التسوية، ولفظ شرك مرادف للتصريف والنصيب مجهول، قال ابن عرفة: وحكى لي الفقيه الأعدل ابن العباس أحمد بن سليمان البرمكي، قال: كنت أتلو القرآن في زاوية بجامع الزيتونة بإزاء سيدي سليمان الزيات؛ فمرت به هذه الآية فوقع في النفس إشكال في فهمها بالنسبة إلى آدم، فقال لي سيدي سليمان: في الحال لم يحتمل الشرك آدم وإنما ذلك منسوب لذريته فعددتها له كرامة ومكاشفة.
قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾
قيل: الضمير عائد على الأصنام، وأجراهم مجرى من يعقل لمعاملتهم إياه معاملة من يعقل، قيل: على المشركين.
ابن عرفة: فعلى الأول يكون وهم يخلقون علة مانعة من الإشراك؛ أي المشركون أصناما مخلوقين مفتقرين إلى موجود أوجدهم، والإله من شرطه ألا يكون مفتقرا لغيره، وعلى الثاني يكون دليلا للتوحيد راجعا لدلالة التمانع، أي أتشركون أصناما لَا تخلق شيئا، والغرض إن هؤلاء الكفار في ذواتهم مخلوقين فمن الخالق لهم ليس هو أحد إلا الله تعالى وقال في هذه الآية: إيماء لتكفير بعض غلاة المعتزلة في قولهم: إن العبد يخلق أفعاله فسموا ذلك خلقا.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا ... (١٩٢)﴾
لا يلزم من عدم القدرة على نصرة الغير أن لَا يقدر على النصرة لنفسه.
قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ ... (١٩٣)﴾
أي لَا يجيبوكم.
قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ).
فإن قلت: لم عبر في الأول بالفعل وفي الثاني بالاسم؟ فأجاب بأنه يفيد بأنهم صامتون دائما على الدعاء إليهم.
قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بما ذكر المنطقيون في العكوسات من أنه إذا لم يستلزم الأخص أمرا لم يستلزم الأعم، وإذا ثبت استلزام الأخص أمرا لم يلزم منه ثبوت استلزام الأعم له بوجه، فكما انتفى لزوم العلم للإنسان انتفى لزومه للحيوان،
стр. 715
ولا يلزم من ثبوته للإنسان ثبوته للحيوان، وكذلك هذا إذا ثبت أن مطلق الدعاء لمطلق الصمت، وهو الأعم في عدم الإجابة من باب أحرى.
قيل لابن عرفة: ينتفي أخص الدعاء، فقال: ما ثبت عنهم أنهم كانوا يدعونهم، عرفة إلا بمطلق الدعاء لَا بأخصه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا ... (٢٠١)﴾
هذه دليل لسيبويه في مسألة كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ... (٢٠٣)﴾
يؤخذ منها أنه ﷺ لَا يحكم بالاجتهاد، وأن أحكامه كلها مستندة للوحي.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ... (٢٠٤)﴾
حكى الفخر في الأصول الخلاف في القرآن هل هو اسم جنس يصدق على القليل والكثير، أو اسم كل، وتظهر ثمرة الخلاف في قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) .. قال: وهذه الآية دليل علَى أنه اسم جنس؛ لاتفاقهم على أن من سمع أنه من القرآن يؤمر بالإنصات يتناول القارئ بعينه؛ لأنا نجد بعض الصناع يعمل صنعة وهو يقرأ ويأمر وينهى في قراءاته، قال: كان ذلك خفيفا فهو مفتقر وإلا لم يجز، قال: والإنصات متقدم على الاستماع وسبب فيه فهلا قدم عليه في الآية.
قال: وعادتهم يجيبون لأن الاعتناء بطلب فعل ما لم يكن فعل أقوى من الاعتناء لطلب المداومة على فعل ما كان واقفا؛ لأن هذا أخف على النفوس من الأول، ومجرد الإنصات شأن الإنسان، والاستماع هو استحضار الذهن لسماع القرآن فلم يكن هذا مفعولا، قيل بوجه، قيل لابن عرفة: هذا إن سلمنا أن الإنصات والصمت بمعنى واحد، ولنا أن نقول: الإنصات هو القصد إلى الصمت لَا مجرد الصمت، فقال: لا بل هما بمعنى واحد.
قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
لفظ الآية يدل على أن الإنصات والاستماع مطلوبان طلبا لَا ينتهي إلى الوجوب، ومفهومهما يدل على أنهما واجبان، وإذا لم ينصتوا لم يرحموا، وترتيب الثواب على
стр. 716
الفعل لَا يدل على وجوب، وترتيب الذم على تركه يدل على وجوبه وإذا لم يرحموا عذبوا.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ... (٢٠٥)﴾
قال ابن عرفة: قالوا: تناقض الشاطبي في قوله: [وَلاَ عَمَلٌ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِهِ. . . غَدَاةَ الْجَزَا مِنْ ذِكْرِهِ مُتَقَبَّلَا*] مع قوله وَمَا أَفْضَلُ الأَعْمَالِ إِلاَّ افْتِتَاحُهُ. . . مَعَ الْخَتْمِ حِلاًّ وَارْتِحاَلاً مُوَصَّلَا فدل قوله ولا عمل إنجاء له على أن ذكر الله هو أفضل الأعمال، وأفضل الأعمال قال: والجواب أن مجرد الذكر هنا قبل الأعمال، ودل البيت الثاني أن الافتتاح بالقرآن هو أفضل الأعمال، وأفضل من القراءة، ومجموع الافتتاح بالقراءة بها أفضل من الذكر.
قوله تعالى: (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).
إشارة إلى استحضار الإنسان حالتي الإيجاد والإعدام إنما هو حالة القيام من القيام؛ فكأنه تغير من موت إلى حياة فالأصل حالة التغيير من حاله إلى الموت.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾
تنبيه على إمكان القدرة على الذكر دائما فإن الذي أقدر الملائكة على المداومة على الذكر من غير فتور قادر على أن يقدرك على المداومة عليه من غير فتور.
* * *
стр. 717
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الزمخشري: مدنية، وقال ابن عطية: إلا قوله (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ) ابن عرفة: وذكروا في سبب نزولها أنها نزلت لأجل خروجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة مهاجرا إلى المدينة فمن رأى أن اسم الهجرة إنما يصدق عليه بعد استقراره في المكان الذي هاجر إليه جعلها مكية، ومن رأى أنه حين خروجه من مكة يسمى مهاجرا جعلها مدنية؛ لأن المدني هو ما نزل بعد الهجرة، والمكي ما نزل قبل الهجرة.
[قال ابن عطية: أسند الطبري عن سعد بن أبي وقاص، قال: لما كان يوم بدر وقتل أخو عبيد قتلت [سعيد*] ابن العاصي وأخذت سيفه، [فطلبته*] من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: ليس ذلك إلي فاطرحه في [القبض*]، قال ابن عرفة: [القبض*] للغنيمة مثل الحمول للتمر، وهو [**المخل] الذي توضع فيه الغنائم.
ابن عرفة: وسمي ثقلا لأنه عن غير عوض فأشبه النافلة، قال أبو حيان: قرئ (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ (١) .. بإسقاط عن وبإثباتها؛ فعلى الأول يكون سؤالها بمعنى طلبتم أخذها، وعلى الثاني [يكون*] يسألون عن حكمها.
قال ابن عرفة: فالمسئول عنه إن كان ذاتا تعدى الفعل إليه بنفسه، وإن كان معنى تعدى إليه بحرف الجر، ابن عرفة: قال بعضهم: وعرف الأقران أيضا أنه إن كان المسئول عنه معنى، فإن كان ناشئا عن اختلاف تعدي الفعل إليه بعن، وإن لم يكن ناشئا عن اختلاف تعدى إليه الفعل بنفسه، كقوله (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) قلت: والسؤال هنا نشأ عن اختلاف، لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) وقال شيخنا أيضا: المعدى بعن يكون إلى الحسي وإلى المعنوي، وقال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُل هُوَ أذًى)، (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَينِ)، (وًيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ)، (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ)، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا).
قوله تعالى: (قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ).
стр. 718
والأصل أن يقال: قل هي لله وللرسول، كما قال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُل هُوَ أَذًى) لكنه أعيد الظاهر هنا، والمعنى حكمها لله والرسول فحكمها لله باعتبار أصل الشريعة؛ لأنه يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء، والرسول باعتبار التبليغ لأنه هو المبلغ [عن*] الله، فإن قلت: السؤال عن إعطائها فكيف طابق الجواب، قلنا؛ هو [بمنزلة*] من سأل رجلا أن يعطيه العبد الفلاني، فيقول له: كيف نعطيك وهو شركة بيني وبين فلان؟.
قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ).
البين من أسماء الأضداد يطلق على الاجتماع وعلى الافتراق.
قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
ابن عرفة: وعادتهم يوردون سؤالا وهو: لما أتى بالرسول أولا معرفا بالألف واللام وثانيا مضافا إلى الضمير بما ليس فيه، وعادتهم يجيبون بأن الحكم لَا يستدعي الإضافة، والطاعة الامتثال فناسب إضافة الرسول، كما تقول: امتثلت أمر رسول الخليفة فإن ذكره معين على الامتثال ومسبب فيه؛ لأنه يفيد التهييج على الطاعة من حيث كونه من عند الله فهو أبلغ من كونه مضافا، وأما في الأول فإنه أتى به لمجرد الإخبار فلم يفتقر إلى إضافة.
قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
إما أن يراد به مطلق الإيمان فيكون من خطاب التهييج والإلهاب مثل: إن كنت ولدي فبرني، وإما أن يراد بالإيمان الكامل فيكون الشرط على بابه.
قوله تعالى: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... (٢)﴾
وقال تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، وقال تعالى (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) والجمع بين هذه الآيات.
قوله تعالى: (ذِكْرِ اللَّهِ).
منه يحدث الطمأنينة واللين، وأسند الوجل هنا للقلب، وقال تعالى (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)، وقال تعالى (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ)، وقال تعالى (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ
стр. 719
أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) فأسنده إلى الفؤاد، فإما أن يقول أن الفؤاد يجمع أعم الجميع، أو المراد به القلب، أو المراد هنا بالقلب باطنه وهناك ظاهره وباطنه، فكذلك عبر عنه بالفؤاد، وقال تعالى فى آخر سورة النور (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) قال ابن عرفة: فعادتهم يوردون فيها سؤالين؛ الأول: كيف الجمع بينها وبين هذه الآية؟، وهل هما متساويتان أم لَا في والجواب: أن المراد: إنما المؤمنون الكاملون الإيمان، ووصف الكمال يحتمل تناوبهما فيه ويحتمل التفاوت.
السؤال الثاني: لم خص الإيمان هنا بمن اتصف بالوجل؛ ولم يقل: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله؟ قال: وعادتهم يجيبون بأن الوصف المجرد هنا معنى راجع للقلوب وهو أمر باطن فلذلك أسنده إلى الوجل، والوصف هنا ظاهر حسي؛ فلذلك علقه بالإيمان القولي الظاهر وهو النطق باللسان لأن ما بعده أمر ظاهر وهو الاستئذان.
قوله تعالى: (زَادَتْهُمْ إِيمَانًا).
ابن عرفة: الإيمان إن أريد به مجرد التصديق والاعتقاد القلبي؛ فهذا لا يزيد ولا ينقص، وإن أريد الإيمان باعتبار فعل العمل البدني فهذا يزيد وينقص، واختلفوا في تقرير زيادته فمنهم من جعله يزيد باعتبار المتعلقات مثل أن يكلف بشيء فيؤتى به، ثم يكلف بآخر فيؤتى به، ومنهم من جعله يزيد باعتبار كثرة الأعمال الصالحة، ومنهم من جعله يزيد بكثرة الأدلة وزيادة باعتبار الأدلة إنما تفعل عند من يجعل العلوم متفاوتة، وأما من يقول: إنها لَا تتفاوت فيمنع الزيادة، قال: والنقص فيه إنما يعقل باعتبار الأدلة وقلتها، وأما باعتبار المتعلقات فلا يعقل فيه النقص؛ لأن من لَا يؤمن ببعض التكاليف هو كافر؛ اللهم لو كان ذلك قبل البلوغ، فكلف بأمرين أمر بأخذهما دون الآخر فهذا يعقل.
قوله تعالى: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
عبر هنا بلفظ الرب المقتضي للرحمة والحنان والشفقة، وعبر في الأول، بقوله (إذَا ذُكِرَ اللَّهُ) لما عقبه بالخوف والوجل، فإن قلت: لم قال (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) و (زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) فعبر فيهما بلفظ الماضي، وقال (يتوَكلُونَ) فعبر بالمستقبل؟ قلنا: الماضي يقتضي التحقيق والحصول؛ فناسب الأولين؛ لأنه أبلغ في المدح إشارة إلى سرعة الحصول، وعبر في الثالث بالمستقبل إشارة إلى التجرد والتصوير، كقوله
стр. 720
تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) ولا يقال: يؤخذ من الآية أن الذكر أفضل من التلاوة لأجل تقديمه لجواز أن يكون العطف في الآية من باب الترقي.
قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾
احتج بها الفخر للمعتزلة في قولهم: إن الرزق إنما يطلق على الحلال؛ لأن الآية خرجت مخرج الثناء على المؤمنين، ولا يصح الثناء إلا بإنفاق المال الحلال، ورده ابن عرفة: بقوله: (وَمِمَّا) وهي للتبعيض، فهم أنفقوا بعض الرزق وذلك البعض هو الحلال.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ... (٤)﴾
الجمع إما للتوزيع، أو يكون لكل واحد درجات.
قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾
لا يبعد أن يؤخذ منها أن الموت أمر وجودي، وفيه دليل على أن الوجود مصحح للرؤية وإلا لزم منه التشبيه بالمحال؛ هذا إن كان مفعول ينظرون ضميرا محذوفا عائدا على الموت، وإن لم يكن كذلك لم يؤخذ منه ما ذكر.
قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ... (٧)﴾
قلت: هذا تحصيل الحاصل إذ الحق لَا يحق قبل إحقاقه بمعنى إظهاره؛ أي يظهر الحق ويظهر الباطل؛ أي يظهر إبطاله.
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾
قال ابن عرفة: ما الفائدة في إمدادهم بالملائكة مع أن الله قادر على نصرتهم من غير إمداد، قال: فمنهم من أجاب بأنه إشارة إلى ترجيح اتخاذ الأسباب واعتبار الأمور العادية، وأن الإنسان إذا رأى عدوا لَا قدرة له عليه لم ينبغ له أن يقدم على قتاله حتى يكون معه من يعضده عليه، إلا أن تدعوه الضرورة إلى ذلك، ومنهم من قال: ليظهر امتنان الله تعالى على نبيه، وقيل: إن ذلك خشية أن لو اقتصروا عليهم من غير إمداد بالملائكة لتوهم شأن المسلمين ومن فيه نجدة أن ذلك بمجرد قدرتهم في ذواتهم، ولذلك حكى الزمخشري تلك الحكاية هنا، وإنما عبر بالاسم في قوله (مُمِدُّكُم) إشارة إلى ثبوت الإمداد وتحققه.
стр. 721
قوله تعالى: (مُرْدِفِينَ).
أي يردف بعضهم بعضا، وبهذا يجاب عن المعارضة بينها، وبين قوله تعالى: في آل عمران (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ).
قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾
احتراس خشية أن يتوهموا أن النصر بالملائكة، فأفاد أن هذه أمور عادية، والنصر عندها لَا بها.
قوله تعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾
ولم يقل: أقدامكم.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... (١٣)﴾
قال ابن عرفة: يؤخذ منها جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين. لأن سياق الكلام يدل على أن هذا الحكم المذكور معلل بالحكم؛ لأن ذلك الحكم عقب المناسب يشعر بالغلبة، والعلة الثانية قوله (ذَلِكَ بِأَنَّهُم).
قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
أدغم في سورة الحشر وأظهر هنا فأجاب صاحب المثل السائر: بأنه زاد هنا (وَرَسُولَهُ) فبالغ بالعطف فناسب المبالغة [بالتضعيف*]، وهناك حذف ورسوله، قال ابن عرفة ﵀: ووجه الإدغام إن تأولت منه الحركات لازمة جاز الأمران، مثل هذا فإن أصله يشاقق؛ فمن نظر إلى أنه يكسر إذا التقى مع ساكن جاء فيه توالي الحركات في بعض الأحوال فيدغم، ومن نظر إلى أن أحد الحرفين ساكن والكسر عارض، فلا يعتد به أظهر ولم يدغم.
والإدغام لغة أهل الحجاز، وليس عندهم إلا الإدغام، وبنو تميم يجيزون الأمرين.
قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
قال أبو حيان: هنا ضمير مستتر لَا بد منه، أي شديد العقاب له، ورده ابن عرفة بأنه اعتقد أنه خبر مَن، وتقرر في باب الأفعال أن خبرها إنما هو فعل الشرط، فالرابط إنما هو الضمير في يشاقق، قيل لابن عرفة: إنما قدره؛ لأن المعنى يقتضي أن المراد شديد العقاب له، فقال: لم يعتبر هو هذا.
стр. 722
قال ابن عرفة: واستدل الأصوليون بهذه الآية على أن الإجماع حجة.
قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوهُ ... (١٤)﴾
إذا كان هذا ذواقا فما بالك بما فوقه من العذاب، والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ).
قوله تعالى: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾
ولم يقل: أدباركم إشارة إلى أن الإنسان كلف بفعل نفسه وبفعل غيره فهو أبلغ؛ لأنه إذا ولى هو دبره كان ذلك سببا لتولي غيره، فصح نفيه عن فعل غيره بهذا المعنى، فينبغي له إذا رأى غيره ولى دبره أن لَا يولى هو بل يقف ويقاتل ويناضل عمن ولى دبره ليرجع ويقاتل، فما حكاه ابن عطية هنا لَا يناسب، وغزوة القادسية وغزوة مؤتة إنما ولوا فيها لقلة النَّاس حينئذ، ولم يكن لهم قدرة على المقاتلة فلهم عذر حينئذ، وإذا ولَّى أحد متحيزا إلى فئة مقاتلة لَا شيء عليه، وإن ولى إلى فئة واقفة غير مقاتلة فهو [مذموم*].
قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ... (١٧)﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون لأي شيء لم يقل فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم ولكن الله قتلهم، كما قال (وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ) قال: والجواب أنه إنما خصص الثاني تشريفا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في إسناد الرمي إليه، وأما القتل هنا فهو مستتر لغيره، قال: ونظير إسناد الفعل لغير الله تعالى أن القاضي إذا رأى رجلا قتل آخر بأن استحضر مقام التوحيد لم يوجب عليه قصاصا؛ لأن الأشياء كلها بخلق الله وقدرته، وإن استحضر مقام التكليف واعتبر الأسباب العادية أوجب عليه القصاص أو الدية، قال: ومعنى الآية وما رميت الرمي المؤثر إذ رميت الرمي العادي ولكن الله رمى الرمي المؤثر، وإن لم يفهم كذلك لزم التناقض لتوارد النفي والإثبات على شيء واحد في حالة واحدة.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ... (١٩)﴾
ابن عرفة: الصواب في الآية أنها خطاب للكافرين.
قال الزمخشري: على سبيل التهكم بهم، أي إن تطلبوا الفتح فقد جاءكم ما طلبتم؛ لأنهم دعوا الله؛ فقالوا: إن كان محمد على الحق فانصره وإن كنا على حق فانصرنا.
стр. 723
قال ابن عرفة: لأن الآية تكون على وتيرة واحدة؛ أي: وإن تنتهوا عما أنتم عليه، وعلى التأويل الآخر وهو أنها خطاب للمؤمنين يختلف التقدير؛ فيكون المراد: إن تطلبوا الحكم بينكم وبين الكفار فقد جاءكم الفتح، وإن تنتهوا عن المشاجرة والمخاصمة في أمر الغنائم فهو خير لكم، فمتعلق الفعل الثاني على هذا غير متعلق الفعل الأول ويؤيده أيضا قوله (وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... (٢٠)﴾
دليل على أن الإيمان غير الطاعة.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾
الظاهر أيضا في المنافقين، ويحتمل أن يراد بها اليهود؛ لقوله تعالى: (قَالُوا سَمِعنَا وَعَصَينَا) والمراد السماع النافع.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾
هذه الآية رد بها ابن هشام على كون الخبر أعم من المبتدأ؛ لأن الصم البكم أخص من شر الدواب على الصم البكم العمي، وعلى البكم العمي.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾
إن قلت: من شرط المقدمين في علم المنطق أن يصدقا في النتيجة وهي هنا كاذبة؛ لأنها تنتج: لو علم الله فيهم خيرا لتولوا وهم معرضون، قال ابن عرفة: والجواب بأن القياس عند الأصوليين على ثلاثة أقسام: افتراضي، وشرطي، واستثنائي، مثل الاستثنائي: لو كان هذا إنسانا حيوانا لكنه ليس بحيوان فليس إنسانا، أو لكنه حيوان فهو إنسان؛ لأنه ينتج نقيض المقدم أو عينه وهو في الآية قياس اقتراني أن سور الكبرى فيه إن كان كليا أنتج، وإن كان مهملا لم ينتج مثال الأول لو كان هذا إنسانا لكان حيوانا، وكلما كان حيوانا كان جسما ينتج كلما كان إنسانا جسما، والمهمل هل هو مثل هذه الآية؛ لأن المهمل في قوة الجزية فلا ينتج فلا يرد علينا ما أورده فيها، قلت: وأجاب ابن عرفة وغيره: بأن الإسماع مختلف، فالإسماع الأول: بمعنى الإجابة، والثاني: بمعنى إفهام القول المأخوذ من السماع، وأيضا فشرط إنتاج الشكل الثاني في المنطق قول المقدمة الثالثة كلية، وأما إن كانت جزئية فلا يجتمعان.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ... (٢٤)﴾
стр. 724
كان بعضهم يقول: يحتمل رجوع الخيانة هنا إلى أمرين: خيانة فيما هو حق الله كقتل الحرابة فإنه حق لله لَا يجوز فيه العفو.
وخيانة فيما هو حق لآدمي كقتل القصاص فإنه يجوز فيه العفو، ويحتمل رجوعها إلى ثلاثة أمور: خيانة في حق الله الراجع للاعتقاد القطعي العقلي القلبي؛ كقول المعتزلة: إن العبد يستقل بفعله.
خيانة في حق الله الراجع للاعتقاد الظني كاعتقاد صحة المعاد.
وخيانة فيما هو حق الآدمي مستفاد من الشرع.
ابن عرفة: كقتل القصاص، والخيانة يتعدى إلى المخون بنفسه، وإلى المخون فيه بحرف الجر، كقوله: خان زيد عمرو في ماله، فإن قلت: فلم عدى الفعل أولا للمخون له وثانيا للمخون فيه؟؛ لأنه قال (لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ (٢٧) .. فعداه للمخون، ثم قال (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) فعداه للمخون فيه بنفسه، فما السر في ذلك؟ قال: والجواب أن الأول لما كان حقا لله كان كالمستعظم فيه ذا الحق فذكر ذو الحق وهو المخون دون المخون فيه، ولما كان الثاني حقا للآدمي كان الاستعظام فيه أوقع في النفوس من استعظام صاحب الحق؛ لأن حرمة المال ومحبته أوقع في النفوس من محبة صاحبه، أو تقول في الأول لما كان المخون له أعظم مما فيه الخيانة وأشرف كان ذكره أبلغ في النفس بخلاف الثاني، أو يجاب بأنه على حذف مضاف؛ أي وتخونوا ذوي أماناتكم.
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ... (٢٨)﴾
قال ابن عرفة: قدم المال على البنين وهو عرف القرآن في غير ما موضع، ولم يرد ما يخالفه في سورة آل عمران في قوله تعالى: (مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ) ابن عرفة: وكان بعض الشيوخ يحكي أنه رأى بعض أهل السواد يمشي بأولاد كثيرين بعضهم يحمله على عنقه، وبعضهم بين يديه، وبعضهم يمشي معه، ويقول: ارحموا من خالف كتاب الله عن ذلك، فقال: الله يقول (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ) فقدم المال على البنين، وخالفت أنا نصه فقدمت البنين على المال.
قال ابن عرفة: وأخذوا من هذه الآية تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر؛ لأن المال سبب في الفتنة.
قوله تعالى: [(وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) *].
стр. 725
لأن المال زينة الحياة الدنيا التي هي زائلة منفصلة والآخرة فيها الثواب الباقي.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ... (٢٩)﴾
دليل على أن التقوى أخص من الإيمان خلافا لقول الإمام مالك ﵀ في المتعة، ويجيب الآخرون بأن المراد: تدوموا على إيمانكم.
قوله تعالى: (وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ).
راجع إلى [الستر*]؛ ولذلك سمي الحراث كافرا، والمغفرة راجعة إلى عدم المؤاخذة [بالذنب فقط*]، فإن جعلنا العاصي متقيا لاجتنابه الكبائر كان داخلا في هذه الآية، وإن قلنا: إن التقوى إنما على التوبة من الذنوب لم يدخل فيها العاصي.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ ... (٣٢)﴾
قال ابن عرفة: يدعى الباطل تارة يدعيه من غير تسمية، وتارة يدعيه على صفة، فهؤلاء اعتقدوا أنه باطل ودعوا على أنفسهم إن كان حقا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ ... (٣٣)﴾
قال ابن عرفة: نفى الأول بالاسم، والثاني بالفعل، قال: فعادتهم يجيبون بأنه لما كان الاسم أبلغ من الفعل كان أخص منه، ونفي الأخص أعم من نفي الأعم، ونفي الأعم أخص من نفي الأعم، مثل: ليس في الدار إنسان وليس فيها حيوان؛ فنفى الأول بلفظ الفعل فكان نفيا أخص؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهم بوجوده فهم موجب لدفع العذاب عنهم مجرد فعلهم وكسبهم وهو الاستغفار فكان أضعف فعبر فيه بالنفي الأعم فهو دون النفي الأول، فإن قلت: أول الآية اقتضى نفي العذاب عنهم، وآخرها اقتضى صحة وقوع العذاب بهم، فالجواب: أن الأول اقتضى نفي عذاب الاستئصال عنهم، والثاني: ثبوت مطلق العذاب المهلك.
قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾
إن قلت: هو من باب تعليل الحكم لعلتين: أحدهما: وصف الكفر، والآخر: صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، فالأولى منصوصة، والثانية موحى إليها لأن ذكر الحلم عقب الوصف المناسب يشعر بأنه علة له، وأيضا فإن الفاء للسبب.
قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ... (٣٧)﴾
стр. 726
قال: ما وجه الجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) فإن هذه الآية تقتضي أن الخبيث أكثر من الطيب؛ لأن الأَقل مخرج من الأكثر، والأخرى بالعكس.
فالجواب أن تلك شرطية على سبيل الفرض والتقدير، فلا يلزم منها الوقوع وهذه جملة [فعلية*]، ويؤخذ من الآية في باب التعديل والتجريح فيمن [دلت*] حاله أنه محمول على العدالة، خلاف مذهب مالك.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ... (٣٨)﴾
قال الزمخشري: الحربي إذا أسلم لم يبق عليه تباعة، وأما الذمي فلا يلزمه قضاء حقوق الله تعالى وتبقى عليه حقوق الآدميين.
قال ابن عرفة: هذا مذهب أبي حنيفة؛ لأن الزمخشري حنفي المذهب.
وقال ابن العربي: إن الحربي إذا أسلم حفظت عنه الحقوق كلها إلا حد القذف، قال أشهب: وحد السرقة، قال ابن عرفة: وهذا غير صحيح والذي في المدونة أنه يسقط عنه الحدود كلها وهي مشكلة في المدونة؛ لأنه قال: سقط عنه حد القذف كما لا يطالب بالقتل، وتقدمنا مفارفتها للقتل بأنه إذا قذف وقتل فإنه يحد للقذف ثم يقتل فلم يجعل القتل مستلزما حد القذف، وتقدم الجواب بأنه إنما سقط عنه حد القذف وحد القتل يقتضي الآية؛ لأن سقوط القتل يستلزم سقوط ما دونه من باب أحرى؛ ولأن حصوله يستلزم حصول غيره.
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ... (٤١)﴾
ابن عرفة: يؤخذ منها من لوازم العلم العمل؛ لأنه المقصود في الآية لأنه إذا انتفى الملزوم فليس المراد علم ذلك على العلم به، فلولا أن العلم بالشيء يستلزم العمل به لما صح الاكتفاء به عنه، ويلزم من عدم العمل به عدم العلم به، ويلزم من نفي اللازم نفي الملزوم، وهل المراد العلم حقيقة أو المراد اعتقاد ذلك علما أو ظنا؟ قال: إما بالنسبة إلى الصحابة فهو علم حقيقة، وإما بالنسبة إلى من بعدهم فتقرر الخلاف في دلالة القرآن هل هي قطعية أو ظنية، والظاهر أنه علم حقيقة لما تقرر من أن أهل أصول الدين يحتجون بآية القرآن في المطالب العلمية، فلولا أنه يفيد العلم لما صح احتجاجهم بذلك، والغنيمة ما أخذ بمجادلة وتكتسب من غير بيع ولا شراء، وقيل: ما أوجف عليه بالخيل والركاب، والعطف في الآية تدل، وقوله: (مَا
стр. 727
[غَنِمْتُمْ) الظاهر في أن (مَا) شرطية فتعم*] كل غنيمة تأتي بعدها ولو كانت موصولة لما تناولت إلا ما نص قبلها فقط.
قوله تعالى: (وَالْمَسَاكِينِ).
إن الفقير هو المسكين، وأشد منه حاجة ليدخل في الآية من باب أحرى، ولو كان العكس أضعف منه لخرج الفقير من الآية.
قوله تعالى: (وَابْنِ السَّبِيلِ).
هو الملازم للسبيل، وهو المسافر، [إذا قدم على بلد هو فيها فقير ويكون في بلده غنيا، فإن كان فقيرا في بلده فهو (مسكين) *].
قوله تعالى: (يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ).
كان في غزوة أحد وغزوة بدر وغيرهما، فقال: الألف واللام للعهد، فالمراد الجمعان الخاصين، وذكر الزمخشري حديثا فيه "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد" بالشين المعجمة، وذكر ابن دقيق العيد في الإلمام [بالسين المهملة*]، والشيء في اللغة: المثل؛ أي مثل واحد، والمراد هما متساويان.
قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ... (٤٣)﴾
ابن عرفة: وأنهم قليلين في العدد أو في القوة والنجدة.
قوله تعالى: (لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ).
إن قلت: التنازع والاختلاف سبب في القتل فهلا قدم عليه، فأجيب بأن القتل المراد به الجبن الطبيعي والهلع والخوف الحاصل في النفس، وهو سابق على التنازع، وإنما تتمة السؤال أن لو أريد القتل باعتبار الفعل وهو الكف عن المقاتلة لَا لخوف في النفس، قيل: لعدم الناصر والمعين.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا ... (٤٤)﴾
ابن عرفة: في ظاهر الآية تناقض؛ لأن تقليل الكفار في أعين المسلمين نعمة على المسلمين، وسبب في هجومهم على الكفار وغلبهم لهم، ورؤية الكفار للمسلمين قليلين منافية لذلك؛ لأنها أيضا سبب في شدة الكفار وغلبتهم للمسلمين فيلزم التناقض، قال: وأجيب بأن تقليل كل فريق في أعين الفريق الآخر موجب لاجتماع الفريقين للحرب والقتال فيقع ما وعد الله به وأراده من نصرة المسلمين، وتقليل أحد
стр. 728
الفريقين في عين صاحبه دون الآخر موجب لهروب الفريق القليل من الكثير فلا يقع الاجتماع للحرب بوجه، وإنما جاء التناقض من جعل القليل موجب للغلبة؛ بل هو موجب للاجتماع الموجب للغلبة، قال: وعبر في الأول بالاسم وهو قوله تعالى: (فِي أَعْيُنِكُم قَلِيلًا) وقال في الثاني (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) فعبر عن تقليل المسلمين بالفعل، [وهنا*] إشارة أن تقليل [الكفار*] مستمر ثابت ليدوموا على القتال، ولا يدركهم هلع ولا قتل، وتقليل المسلمين في أعين الكفار [إنما يكون في أول الأمر؛ فإِذا التقى الجمعان ونشأ الحرب فإهم يرونهم حينئذٍ كثيرين فينهزموا*] ويدركهم الرعب والخوف.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾
قال ابن عرفة: الذكر مأمور به مطلقا، وهذا المحل مخصوص بكثرته؛ لقوله (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لأن الطاعة مأمور بها مطلقا، ولا يؤخذ من الآية أن الأمر لا يقتضي التكرار، ولما احتيج إلى قوله (كَثِيرًا) لأن الكثرة أخص من مطلق التكرار.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ... (٤٦)﴾
قال ابن عرفة: جعل التنازع سبب في القتل، وقال قبلها: (وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) وتقدم الجواب بأن القتل أمر نفي جلي طبيعي وهو الخبر، والتنازع أمر فعلي ظاهر وهو المقابلة؛ فالفشل سبب في التنازع هنالك وأصابنا فالفشل ناشئ عن التنازع، وأنهم إما تنازعوا أو اختلفوا يقع الانهزام من طائفة منهم فيقع الفشل بالأخرى بقتلها.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ... (٤٨)﴾
ابن عرفة: التحسين هو حالة ذاتية توجب الميل إلى الشيء لذاته، والتزيين حالة عرضية توجب الميل إلى الشيء؛ لأن التزيين يزول والتحسين ثابت، تقول: أعجبني حسن الجارية وأعجبتني زينتها؛ فحسنها بإجمالها، وزينتها جمال ثيابها وحليها.
قوله تعالى: (وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ).
стр. 729
ابن عرفة: صفة حيث لم يأت بالنفي الأبلغ، فلم يقل: أنتم تغلبون عدوكم ليلا يكذب في مقالته، فأتى كلام متوسط ليكون أدعى إلى القبول، فقال (لَا غَالِبَ لَكُمُ) فهو يحتمل لأن يغلبوا عدوهم أو لَا؛ فيغلبونه ولا يغلبهم.
وقوله تعالى: (مِنَ النَّاسِ) إشارة أنه فهم أن الملائكة قد يعينون المسلمين عليهم فينغلبونهم أن يكون رأى الملائكة أو لم يرهم.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ ... (٤٩)﴾
هم الكافرون.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ ... (٥٠)﴾
اختلفوا في فاعل يتوفى، فقيل: الملائكة، وقيل: هو الله، وقيل: الملائكة مبتدأ.
ابن عرفة: والظاهر الأول لوجهين؛ أحدهما: أنه قرئ [ترى بالتاء*] والفاعل فيها الملائكة، وإحدى القرائتين [تُفَسِّرُ*] الأخرى.
الثاني: أن في إسناد توفيهم إلى الله تعظيم لهم، فإسناده إلى الملائكة أولى [لتحقير*] الكافرين؛ فإذا كان الفاعل الملائكة، فقد يقال: كان الأولى تقدير على المفعول؛ لأنه الأصل، ولأنه الأشرف، فيجاب بأنه إنما قدم لأنه الأهم بالذكر.
قوله تعالى: (يَضرِبُونَ وُجُوهَهُم وَأَدْبَارَهُمْ).
هذا مثل: ضربته الظهر والبطن، ومطرنا السهل والجبل إشارة إلى العموم.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ ... (٥٣)﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: ما أفاد قوله تعالى: (أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ)؟ قال: وعادتهم يجيبون بأنه إشارة إلى تلك النعمة محض تفضل من الله تعالى [وليست*] جزاء بوجه فإذا لم يغير ما تفضل به عليهم من النعم، فأحرى إذا كانت نعمة عن سبب، ولذلك قال: لم يكن ليدل على نفي القابلية إن لم يفعل وليس هو قابلا لأن يفعل ذلك.
قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ... (٥٤)﴾
стр. 730
إن قلت: لم خص آل فرعون بالذكر دون غيرهم؟ قلنا: تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنهم كانوا كثيرا ما يؤذون موسى ﵊ فهم أشد أذية من قريش لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن غيرهم.
قوله تعالى: (فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ).
فيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، بقوله تعالى: (بِذُنُوبِهِمْ) وفي ذلك أربعة أقوال: قيل: إنهم مخاطبون بالفروع، وقيل: لَا، وقيل: [مخاطبون فيما عدا الجهاد*]، وقيل: [الْفَرْقُ بَيْنَ النَّوَاهِي، فَهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا دُونَ الْأَوَامِرِ*] (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ ... (٥٥)﴾
هذا مثل ما تقدم عن ابن هشام في أن شرط الجزاء أن يكون أعم من المبتدأ.
قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ... (٥٧)﴾
أي فرق بهم وأبعدهم عن مقاتلتك من خلفهم، والمراد: وأبعدهم مسافتك ومخالفتك، فالإبعاد إما حسي وعليه جملة المفسرين، أو معنوي فإن كان الأولى دليل على أن قتل الأسارى هو المطلوب، وإن كان الثاني كان بارز في تخيير في الوجوه الخمسة، إما الأمر، وإما القتل، والمن والاسترقاق، أو ضرب الجزية.
قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).
إشارة إلى تقدم الأدلة الدالة على الإيمان فكأن الإيمان كان حاصلا، قلت: وقيد بعضهم عن ابن عرفة هنا ما نصه قوله تعالى: (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) ليعذبهم من خلفهم عن مسافتك ومقاتلتك، قال: فعلى هذا القسم هذه الآية تخصيص لما ورد من التخيير بين القتل والأسر والفداء والمن وغير ذلك، فما يراد صلاحا وسدادا أو يتعين القتل في حق هؤلاء؛ لأنه هو البعد عن مقاتلته من سواهم، وقيل: معناه فأبعدهم عن الكفر وعدم الإيمان بك فلا تخصيص على هذه، ويكون التخيير بين ما تقدم باقيا، ويكون أمر الفعل الأصلح، فإن قلت: أن لَا تدخل إلا على غير المحقق؛ فهلا قيل: فإذا تثقفنّهم؛ لأنه محقق الوقوع، ابن عرفة: فعادتهم يجيبون بأن تأكيد الفعل بالنون الشديدة اعتناء عن ذلك وغيره؛ كالمحقق لأنه المشكوك فيه لَا يؤكد وأيضا فترتيب الأمر بالتشديد عليه بغيره محقق الوقوع، قلت: وأجاب بعض الطلبة إنما هو الغلبة لا النفاق لأنهم في الممكن أن يمتربوا ويؤخذوا.
قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ... (٦٠)﴾
стр. 731
ابن عرفة: هذا تسمية احتراس لأنه قد تقدم، قوله (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا) فقد يتوهم أن ضعفهم وعدم قوتهم يوجب عدم الاستعداد لهم.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى ... (٦٧)﴾
ابن عرفة: ما ذكره ابن عطية وغيره عن أبي بكر وعمر ينبغي حمله على وجهين؛ أحدهما: أن الخطأ في الجهاد ملزوم للتأثم، الثاني: ما ذكره ابن الحاجب من أنه قد تعرض له صلى الله عليه وعلى آله وسلم الخطأ في اجتهاده ولكنه لا يقر.
وقال الفخر في المحصول: الأكثرون على منع ذلك في حقه وهو الصحيح؛ لأن المعصية تمنع منه، وهذا كله إذا قلنا: إن كل مجتهد مصيب، قال: واحتجوا بهذه الآية على أن المصيب واحد؛ فدلت على أن عمر هو المصيب في اجتهاده، وأجاب الآخرون بأن أبا بكر أقره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ما فعله فهر مصيب بإقراره له، وفرق بعضهم بين الحكم بالفداء، وبين أخذ الفداء. فأبو بكر حكم [بالفداء*] وغيره من الصحابة أخذه فوقع العتب على من أخذ الفداء؛ لأنه عرض دنيوي فأخذوه لمجرد ذلك فقط، وأبو بكر إنما حكم بالفداء لمصلحة الآخرة؛ وهو رجاء إسلامهم.
قوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ).
أبلغ من قول القائل: لَا يفعل النبي كذا ولا يفعل كذا؛ لاقتضائه نفي القابلية للفعل.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
راجع للأمر الباطن وهو اختيار الفداء لأنه جائز في نفس الأمر، لقوله (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا ... (٦٩) .. راجع للأمر الظاهر وهو التوبيخ على أخذ الفداء، ثم بعد ذلك نسخ بالجواز.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾
[أخَّرُ*] (وَجَاهَدُوا مَعَكُم) وقال تعالى قبلها: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فذكر بأموالهم وأنفسهم الأولى دون الثانية.
ابن عرفة: فقدم الجواب بوجهين؛ الأول: أنه حذف من الثاني لدلالة الأول عليه إذ الآية الأولى في الميراث، قلت: فيها حذف المال لتناول جهاد الغني والفقير.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ... (٧٣)﴾
стр. 732
ابن عرفة: يؤخذ منه أن الكفر علة واحدة، وفيه قولان.
قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ... (٧٥)﴾
هذه الآية منسوخة عند مالك وأصحابه، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وصلى الله على مولانا وسيدنا محمد وعلى آله الطيبين وسلم.
* * *
стр. 733
سُورَةُ التَّوْبَةِ (بَرَاءَة)
تكلم ابن رشد في البيان على ترك البسملة من أولها في أوائل الجامع الأول وذكروا وجوه في سبب إسقاط التسمية من أولها، من ذلك قول ابن عباس: سألت عليا عن ذلك، فقال: لأن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أمان، وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهد وليس فيها أمان، قلت: وهذا هو الذي اختار الشاطبي في قوله [وَمَهْمَا تَصِلْهَا أَوْ بَدَأْتَ بَرَاءَةً ... لِتَنْزِيْلِهاَ بالسَّيْفِ لَسْتَ مُبَسْمِلَا*].
ابن هشام المصري: هذا البيت من المشكل وبيانه أن (مَهْمَا) في كلامه لَا يجوز أن يكون مفعولا لـ تصل؛ لاستيفائه مفعوله، ولا مبتدأ لعدم [الرابط*]، فإن قيل: [قدر مهما واقعة*] على براءة؛ [فيكون*] ضمير [تصلها راجعا*] إلى براءة، وحينئذ فهي مبتدأ، أو مفعول لمحذوف يفسره تصل، قلنا: اسم الشرط عام، وبراءة اسم خاص، [فضميرها*] كذلك فلا يرجع إلى العام، وبالوجه الذي بطل به ابتدائية مهما، بطل كونها [مشتغلا عنها*] العامل بالضمير، وهذه بخلافها في قوله: "ومهما تصلها مع أواخر سورة" فإنها هناك واقعة على البسملة التي في أول كل سورة فهي عامة، [فيصح*] فيها الابتداء [أو*] النصب بفعل يفسره تصل أي: [وأي*] بسملة [تصل*] تصلها، والظرفية بمعنى، وأي وقت تصل البسملة على القول بجواز ظرفيتها، [وأما هُنَا فَيتَعَيَّن*] كونها ظرفا لـ تصل بتقدير، وأي وقت تصل براءة أو مفعولا به [حذف عَامله*]، أي ومهما [تفعل*] ويكون تصل [وبدأت*] بدل تفصيل من ذلك الفعل، وأما ضمير تصلها؛ فلك أن [تعيده*] على اسم مظهر قبله محذوف، أي ومهما [تفعل*] في براءة تصلها أو بدأت بها، وحذف بها وَلما [خَفِي*] الْمَعْنى بِحَذْف [مرجع*] الضمير ذكر براءة بيانا له إما على أنها بدل منه، أو على إضمار، أعني، ولك أن [تعيده*] على ما بعده، وهو براءة، إما على [أنه*] بدل منه، مثل: رأيته زيدا؛ [فمفعول*] بدأت [محذوف*]، وإما على أن الْفِعْلَيْنِ تنازعاها، فأعمل الثاني [متسعا فيه بِإِسْقَاط الْبَاء*]، [وأضمر*] الفضلة في الأول على حد قوله: إِذا كنت ترضيه ويرضيك صَاحب ... [جهازا*] فَكُن [فِي الْغَيْب*] أحفظ [للود*]
الزمخشري؛ سأل ابن عباس عثمان ﵄ عن ترك التسمية أول هذه، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا نزلت عليه السورة أو الآية، قال: " [اجعلوها في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا، وتوفى رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أين نضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، «٢» فلذلك قرنت بينهما، وكانتا تدعيان القرينتين*]. الطيبي: غير أنه غير مطابق للسؤال [فيجاب*] عن بيان عدم تصدير السورة بالبسملة، وأجاب من موقع السورة مع أختها، ويمكن أن يقال إن السؤال كان عن شيئين؛ فأولها ترى في السؤال على أحدها وفي الجواب عن الآخر يدل عليه ما روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، والترمذي وأبو داود في سننهما، عن ابن عباس، قال: [قُلْتُ
стр. 734
لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةٌ، وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا - قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: بَيْنَهُمَا - سَطْرًا: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ، مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟
قَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، وَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ يَدْعُو بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ عِنْدَهُ يَقُولُ: "ضَعُوا هَذَا فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا" وَيُنْزَلُ عَلَيْهِ الْآيَاتُ، فَيَقُولُ: "ضَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا" وَيُنْزَلُ عَلَيْهِ الْآيَةُ، فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا"، وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا أُنْزِلَ بِالْمَدِينَةِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ، فَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهًة بِقِصَّتِهَا، فَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، وَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ ثَمَّ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرًا: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ*].
قلت: في الحديث دليل ظاهر على بيان ترتيب الآي والسور.
الزمخشري: وعن أبي وهب: إنما توهموا ذلك لأن في الأنفال ذكر اليهود وفي براءة نبذ اليهود، الطيبي: الأول إشارة إلى قوله (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)، والثاني: ما ذكره في آية السيف.
(١)
الزمخشري: فإن قلت: لم علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة بالمسلمين.
الطيبي: كان المناسب ترتيب المعاهدة والبراءة كليهما إما إلى المؤمنين معا، أو إلى ذاته معا، قال: ما سبب [الترتيب*]، [ولماذا*] [خص*] البراءة بالله ورسوله مع أن المعاهدة مع المسلمين، وحق البراءة أن تنسب إلى المعاهدة؛ لأن الله تعالى أذن في المعاهدة فكأنه خاص وبريء، وأجاب الزمخشري بأن ذلك إعلام بحسب الوقوع وترتيب الوجوه، أذن الله لرسوله والمؤمنين أولا بالمعاهدة فعاهدوا ثم لما نقض المشركون العهد خبره الله إعلاما آخر، وقال: اعلموا أن الله ووسوله بريء منهم فتبرأوا منهم أنتم أيضا، ويمكن أن يقال: المعاهدة لم تكن إلا بإذن الله وإباحته، فلما نبذ المشركون العهد نسب الله تعالى البراءة إلى نفسه وضم معه ذكر الرسول غضبا عليهم وتهديدا شديدا فيطلق عليه قول الزمخشري أولا أذن الله، وثانيا: أوجب الله النية]، وقال صاحب الانتصاف (١): فيه شيء وذلك أنه لا يستند العهد إلى الله تعالى في مقام توهم فيه شائبة النقص إجلالا وتعظيما لكبريائه، ألا ترى وصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأمير السرايا، فإذا نزلت [بحصن فطلبوا*] النزول على حكم الله
стр. 735
تعالى، فأنزلهم على حكمك، فإنك لَا تدري [أصادفت حكم الله فيهم أولا؟ *]، وإن طلبوا ذمة الله فأنزلهم على ذمتك، [فلأن تخفر ذمتك خير من أن تخفر ذمة الله*]، فتوقير عهد الله واجب، وقد تحقق من المشركين النكث، وتبرأ الله ورسوله منه، فأحرى أن لَا ينسب العهد [المنبوذ*] إلى الله تعالى.
الزمخشري: قال علي يوم النحر، قال: أمرت بأربع:
أن لَا يقرب هذا البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا [كل*] نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.
الطيبي: قوله: أمرت بأربع؛ أي أن أنادي بأربع، فإن قلت: ما فائدة النداء بقوله: ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، قلت: الإعلام بأن المشرك لَا يقبل منه بعد هذا غير الإيمان، لقوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ) إلى قوله (سَبِيلَهُم) وهو من باب [لا أرينك هاهنا*]؛ يعني أمرت بأن يتصفوا بما [يستحقوا*] به أن يكون أهلا إذ لَا يقبل منهم سواه].
قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ ... (٢)﴾
إما أن يكون في الكلام حذف أي فقيل لهم: سيحوا، وهذا التفات خرج من الغيبة إلى الحضور وجعل الفرد في هذه الأربعة الأشهر المذكورة مناهي الأشهر الحرم المعلومة وليس كذلك.
قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ ... (٣)﴾
عبر بالأذان دون الإعلام لما في الآذان من الاستغفار برفع الصوت.
الزمخشري: ارتفاعه كارتفاع براءة ولا وجه لقول من قال: معطوف على براءة، كما يقال: عمرو معطوف على زيد، في قولك: زيد قائم وعمرو قاعد.
الطيبي: ولقائل أن يقول: لم لَا يجوز أن يعطف على (براءة) على أن يكون من عطف الخبر على الخبر؛ لكن الأحسن كونه من عطف الجمل لئلا [تخلو*] من الحصر [بين*] جمل كثيرة أجنبية، ويفوت التطابق بين المبتدأ والخبر تأنيثا وتذكيرا.
الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين معنى الجملة الأولى والثانية، قلت: تلك إخبار ثبوت البراءة وهذه إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت، فإن قلت: لم علقت البراءة بالذين عاهدوا من المشركين وعلق الأذان بالنَّاس؟ قلت: لأن البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم، وأما الأذان فعام بجميع النَّاس من عاهد ومن لم يعاهد،
стр. 736
ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث، وجعل الفخر البراءة الأولى بمعنى البراءة من العهد، والثانية في قوله: (بَرِيء) نقيض الموالاة، قال: ويدل على هذا الفرق أنه في الأولى بريء إليهم وفي الثانية منهم.
الزمخشري: حذفت الفاء التي هي صلة الأذان تخفيفا؛ يعني أن التقدير: فإِن الله بريء، قال: وقرئ إن بالكسر لأن الأذان في معنى القول، ورسوله عطف على المنوي [في*] (بريء)، أو على محل إن المكسورة.
ابن هشام المصري: العطف على المحل له عند المحققين ثلاثة شروط:
إمكان ظهور ذلك المحل في الفصيح، فلا يجوز: مررت بزيد وعمرو خلافا لابن جني؛ لأنه لَا يجوز مررت زيدا، وأما تمرون الديار فضرورة، وأجاب الفارسي في قوله تعالى: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ) أن يكون عطفا على محل هذه.
الشرط الثاني: أن يكون الموضع بحق الأصالة فلا يجوز في ضارب زيدا وأخيه لأن الوصف المستوفي لشروط العمل، الأصل إعماله وأجازه البغداديون.
الشرط الثالث: وجوز المجوز أي الطالب بذلك المحل على هذا يمتنع مسائل منها أن زيدا قائم وعمرو إذا قدر معطوفا على المحل لَا مبتدأ؛ لأن الطالب لرفع زيد هو الابتداء الذي هو التجرد، وقد جاء بدخول أن وأجاز هذا بعض البصريين؛ لأنهم لم يشترطوا المجوز، وأجازه الكوفيون ولم يشترطوا المجوز.
قال: ومن الغريب قول أبي حيان إن من شرط العطف على الموضع أن يكون المعطوف عليه لفظ وموضع، فجعل صورة المسألة شرطا، ثم إنه أسقط الشرط الأول الذي ذكرنا، انتهى.
أبو البقاء: لَا يجوز عطف (وَرَسُولُهُ) على موضع أن المفتوحة؛ لأنها بتأويل المفسرة.
ونقل الطيبي، عن ابن الحاجب، أنه قال: النحاة يطلقون هذا، وليس بصحيح، قيل: هي قسمان، فإن كانت في تأويل الجملة صح العطف: كعلمت أن زيدا قائم وعمرو بالرفع؛ لأنه في تقدير أن زيد قائم وعمرو؛ بدليل أنك إذا قلت: علمت أن زيدا لقائم بكسر أن تدل على أنها في تأويل الجملة.
وإما يمتنع العطف في مثل: عجبت من أنك قائم إذ لَا يصح تقديره بالجملة، انتهى. قوله إنها في معنى إن المكسورة إن أراد بها في تأولها لجريان المسند والمسند
стр. 737
إليه في صلتها، فمسلم، [ويمتنع العطف*] (١) إذ لَا موضع لها إلا النصب لكونها مفعولا لعلمت، وإذ أراد أنها في تأويل المكسورة بمعنى أنها جملة فلا نسلمه هي في معنى المفرد، وأما تنظيره بعلمت إذا علقت عن أن لدخول اللام في خبرها، فليست مثل المفتوحة؛ لأن هذه الجملة لَا عمل لعلمت فيها، قال: وقال ابن الحاجب في غير هذا الموضع: إنما لم تعطف على المفتوحة لفظا، ومعنى لأنها واسمها وخبرها بتأويل خبر واحد؛ فلو قدرت أنها في حكم العدم [**لأحكمت بموضع] بخلاف المكسورة لأنها لا تغير المعنى، فجاز تقدير عدمها؛ لكونها للتأكيد المحض؛ كما جاز تقدير عدم الباء المؤكدة في قوله: فلسنا بالجبال ولا الحديد.
قوله تعالى: (وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ).
الزمخشري: عن التوبة، أو تبتم عن التولي والإعراض عن الإسلام والوفاء، قلت: فعلى هذا التفسير الثاني يدل على أن الدوام كالإيتاء.
قوله تعالى: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... (٥)﴾
فيه دليل على أن العام في الأشخاص غير عام في الأمكنة.
قوله تعالى: (كُلَّ مَرْصَدٍ).
الزمخشري: انتصابه على الظرف.
الطيبي على الانتصاف، ويحتمل أن يكون المرصد مصدر؛ لأن اسم الزمان والمكان والمصدر من فعله واحد، (وَاقْعُدُوا) في معنى ارصدوا، وتقرب الظرفية قوله (حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم) ليطابق الظرفية في المكانين.
قوله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ).
الفخر: احتج بها الشافعي على قتل تارك الصلاة، قال: لأنه تعالى أباح دماء الكفار مطلقا، ثم حرمها عند مجموع هذه الثلاثة: وهي التوبة عن الكفر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ فعندما يحصل هذا المجموع وجبت أن يبقى [إِبَاحَةُ*] الدم على الأصل، فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد [الْإِقْرَارَ بِهِمَا وَاعْتِقَادَ وُجُوبِهِمَا*] ويدل عليه أن [الزَّكَاةِ لَا يُقْتَلُ*]؟ فالجواب أن هذا عدول [عن*] الظاهر، وأما في تارك [الزَّكَاةِ*] فقد دخله التخصيص، فإن قيل: حمل الكلام على التخصيص؛ [أَوْلَى*] من حمله على اعتقاد وجوب الصلاة والزكاة؟ قلنا: لأنه ثبت في أصول الفقه مهما وقع التعارض بين المجاز [والتَّخْصِيصِ*] فإن [التَّخْصِيصَ أَوْلَى بِالْحَمْلِ*]، انتهى.
стр. 738
فمن حمله على اعتقاد قلنا: وأصل هذا الاستدلال يتقرر على ما تقرر في علم المنطق من أن المقدمة الشرطية لَا تتعدد بتعدد مقدمها، هنا مثله بتأصله، وقد يقال: إن هذا الاستدلال إنما ينتج أنه لَا يخلى سبيلهم، وذلك أعم من القتل، وما ذكره معه في أول الآية ولم يذكر في الآية الصوم والحج، فمع كونها من آخر ما أنزل، وكان الحج فذكر هو لأن المذكور أهمها.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ ... (٦)﴾
الزمخشري: (أَحَدٌ) مرتفع بفعل الشرط مضمرا يفسره الظاهر؛ تقديره: وإن استجارك أحد.
الفخر: (١) فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا كَانَ التَّقْدِيرُ مَا ذَكَرْتُمْ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي تَرْكِ هَذَا التَّرْتِيبِ الْحَقِيقِيِّ؟، قلنا: الحكمة فيه ما ذكر سيبويه وهو أنهم يقدمون الأهم، ولما كان ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم كل واحد من المشركين، فقدم ذكره ليدل على مزيد العناية لصون دمه عن الإهدار، وفي الآية دليل على أن التقليد [غَيْرُ كَافٍ فِي الدِّينِ*]، وأنه لَا بد من النظر والاستدلال؛ لأنه لو كان التقليد كافيا لوجب أن لَا [يُمْهَلَ*]؛ بل يقال إِمَّا أَنْ تُؤْمِنَ، وَإِمَّا أَنْ [نَقْتُلَكَ*]، وليس في الآية ما يدل على مقدار هذه المسألة المهملة، ويرجع في ذلك إلى العرف بحسب حال الشخص، والمذكور في الآية كونه طالبا لسماع الدلائل، والجواب عن الشبهات؛ والدليل عليه أنه تعالى علل وجوب تلك [الإجارة*] بكونه غير عالم، والمعنى [فَمَتَى ظَهَرَ عَلَى الْمُشْرِكِ عَلَامَاتُ كَوْنِهِ طَالِبًا*] للعلم مسترشدا للحق، وكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت [إجارته*]، وليس في الآية ما يدل، هل المراد سماعه جميع القرآن أو بعضه؟ والظاهر ما يحصل لديه العلم غالبا، والحربي إذا دخل دار الإسلام كان [معصوما*] مع ماله إلا أن يدخل مستجيرا لغرض شرعي أو لتجارة أو رسولا أو ليأخذ ماله بدار الإسلام، وكما له أمان فأمان ماله أمان له، وانظر كلام مكي في الهداية في هذا الوجه حيث تكلم على إضافة كلام الله فهو مشكل؛ لأنه قال: إضافة [تخصيص*] بمعنى القيام به ليست إضافة ملك لملك ولا خلق لخالق، ولا إضافة تشريف؛ بل بمعنى إرادته غير متعدية عنه؛ فافهمه. قوله بمعنى إرادته؛ أي بمعنى إضافة الإرادة إليه في كونها غير متعدية عنه لا كما تقوله المعتزلة أنه تعالى خلق الكلام في السجود، هذا تقدير كلامه وبيانه على مذهب أهل السنة، وانظر ما ذكر أبو حيان من لزوم تقدير الضمير بعد حتى هو غير لازم بل القدر الفعل، ونص كلامه: حتى متعلقه بـ (أَجِرْهُ) ولا يصح تعلقها بـ (اسْتَجَارَكَ) على أنه من باب الشارع؛ لأنه لو أعمل الأول لَا ضمير في الثاني، وحتى لا يجر المضمر وعند من يجر بها يصح كونه من باب الشارع، انتهى.
стр. 739
وتنظر هل معنى الآية: وإن أحد من المشركين استجارك لكي يسمع كلام الله فأجره، والمعنى: استجارك لما هو أهم من ذلك.
قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ... (٧)﴾
يترجح كون ما مصدرية بوجهين؛ أحدهما: الدلالة على اتصال الأمر بالاستقامة لهم في جميع مدة استقامتهم لنا.
الثاني: أن الأصل في القضايا [الحملية*] لَا الشرطية.
قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ (١٢)﴾
يؤخذ منها أن دين الكافر لَا يلزمه خلافا للمغيرة حكاه ابن رشد، وهذه الجملة اعتراضية بين قوله (فَقَاتِلُوا) وبين قوله (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).
قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ ... (١٣)﴾
ابن عرفة: إن أريد إخراجه من مكة، فيكون في الآية تقديم وتأخير؛ لأن نكثهم إيمانهم بعد ذلك، وإن أريد من المدينة، فالآية على ترتيبها، وإنما لم يقل وهموا بإخراج رسولهم؛ لأنهم خالفوه من حيث كونه رسولا، فخالفوا الرسول [بالنكران وهو أشد*].
قوله تعالى: (وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ).
ولم يقل: وهموا بإخراج الرسول، الفرق الحاصل بين الجملتين؛ لأن الجملتين الأولتين ترجعان إلى تكذيبهم بالرسول، والثانية: راجعة إلى قتالهم للمؤمنين، فهذه الثانية تحريض للمؤمنين على قتالهم، فإن قلت: ما أفاد قوله (أَوَّل مَرَّةٍ)، ولفظ البدء يقتضي الأولية، قال: فالجواب أن البداية تقتضي الكمية المنفصلة، لقولك: إذا كان بين بني تميم وبني قيس غير حروب، فتقول: بنو تميم هم البادئون بالقتال في الحرب الأول.
قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ... (١٤)﴾
هذا صريح في مذهب أهل السنة القائلين بأن أفعال العباد كلها مخلوقة لله ، ولما تقدم الأمر بالقتل بلفظ العرض والتحضيض عقبه بصيغة الأمر بالقتال ضربا، أو ذكر الأمر بالقتال ليرتب عليه الوعد بالنصرة عليهم في قوله (يُعَذِّبْهُمُ)، فإن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ) بعد قوله (يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ)؟ قلت: لأنهم إذا عذبوا بأيديهم قد يساومهم فلا يغلبوا أو لَا يغلبوا.
стр. 740
قوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ... (١٥)﴾
يؤخذ منها أن العرض يبقى زمانين؛ لأن ذهاب الشيء يمكن ألا تعد حصوله فهو إذ استلزم لزمنين زمن الحصول وزمن الإذهاب، فإن قلت: لم أسند الغيظ إلى القلوب والشفاء للصدور، قلت: لما كان الغيظ سبب الحسد أو نحوه وهو مذموم شرعا وطبعا أسنده إلى محله وهو القلب خاصة تتغير عنه، ولما كان الشفاء محبوبا شرعا وطبعا أسنده إلى جميع الصدر وتخفيفا عليه، والشفاء أمر ملائم والغيظ أمر مؤلم، فسلك في الآية مسلك الترقي، قلت: ونظرة قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) أسند الزيغ للقلوب والهداية لجميع الذات، وتقدم الكلام عليه.
قوله تعالى: (وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
في الآية رد على المعتزلة القائلين بوجوب مراعاة الأصلح للعبد.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ ... (١٧)﴾
يؤخذ منها أن الكافر لَا تقبل صدقته على المسجد.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ... (٢٤)﴾
إلى (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ) فيه سؤال وهو أنهم توعدوا على تفضيل محبة هؤلاء على محبة الله، فهلا توعدوا على التسوية بينهما فهو أبلغ، ويفيد التوعد على التوهم من باب أحرى، فأجيب بأن محبة الله تعالى ليس بينهما وبين محبة غيره مساواة بخلاف من سواه؛ فإنه قد يستوفي المحبة فيهم، وبيانه أن الإنسان إن رجح الجهاد فقد أحب الله، وإن رجح القعود وترك الصلاة فقد أحب غير الله، فلهذا قيد بصنيعة المحل.
قوله تعالى: ﴿فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ... (٢٥)﴾
قال الزمخشري: إن قلت: لم عطف (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) وهو ظرف مجرور على منصوب على المجرور، وأجيب بثلاثة أوجه:
الأول: قال [ابن عرفة*]: لَا يجوز أن يقول: جلست في الدار ويوم الجمعة؛ لأن العطف يقتضي المغايرة ولا [مغايرة بين الجلوس*] في الدار، والجلوس يوم الجمعة لاحتمال الجلوس في الدار كان يوم الجمعة، واستشكله أبو حيان وقال: في العربية يجوز عطف ظرف الزمان على ظرف المكان.
قوله تعالى: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ).