قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ).
ابن عرفة: يؤخذ منها صحة العمل بالقياس أنه حكم شرعي، ويؤخذ منه إبطال القياس بوجود الفارق.
أما الأول: فلأن الآية الثانية ذكرت جوابا عن سؤال مقدر؛ وهو أن المؤمنين يقولون: نستغفر لآبائنا قياسا على استغفار إبراهيم لأبيه؛ فرد عليهم ذلك بذكر الفارق، فلولا أن القياس معمول به ما صح ذكره، وإبداء الفارق، قال: وعداه بعن دون اللام المقتضية للعلة؛ لأن العلة في الاستغفار ليست هي الموعدة؛ بل هي دخول الموعدة والجنة، والموعدة سبب لَا علة، فكذلك عداه بعن المقتضية للتجاوز عن الموعدة والتخلص منه.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ... (١٢٠)﴾
ابن عرفة: المجرور متعلق بمحذوف؛ أي ما صح لأهل المدينة، والتخلف إن لم يصدق إلا على القادر فليست مخصوصة، وإن صدق على القادر وغيره فهي مخصوصة بقوله تعالى: (لَيسَ عَلَى الأَعمَى حَرَجٌ) الآية.
قوله تعالى: (وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ).
تأسيس لأن الأولى اقتضت حضورهم أعم من أن يقاتلوا أولا، وهذه اقتضت المقاتلة.
قوله تعالى: (إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ).
هذه عكس ما يقول الأصوليون من أن الكلام على ترك الفعل يستلزم وجوبه، والمدح عليه لَا يقتضي وجوبه، فلو قيل هاهنا: ولا ينالون من عدو نيلا، إلا كتب لهم النجاة من النار، والتخلص من العذاب لاقتضى وجوب هذه الأمور، وأجيب بالفرق بين كون الثناء والمدح يقتضي الوجوب، وبين كونه لَا ينافي الوجوب.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
دليل على أن فاعل هذا أبلغ درجة المحسنين.
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾
وقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا)
قال ابن عرفة: عادتهم يستشكلونها لاقتضائها أن الجزاء على الأحسن لَا على
стр. 772
الحسن، فإِن قلت: إن المباح يصدق عليه أنه حسن فيزول السؤال؛ لأن الجزاء إنما هو على المندوب أو الواجب، أو يقال: إن الله يجزيهم بما فعلوا جزاء أحسن أفعالهم إكراما لهم وإحسانا لذميم لذمهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ... (١٢٧)﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: يحتمل أن يكون هذا تقسيما أو تعميما؛ فإن كان تقسيما فيكون إما باعتبار أحوالهم وأنهم في حالة أخرى عند نزول سورة أخرى، ينظر بعضهم إلى بعض، وإن كان تعميما فهو إشارة إلى أنهم في كل سورة لينذر منهم هذا فبعضهم يقول: أيكم زادته هذه إيمانا، وبعضهم ينظر إلى بعض، إما من الخجل فيطلب الانسلاخ خوف الفضيحة بالذنب الذي عمل، وأنه يسخر فينظر لصاحبه على سبيل السخرية والاستهزاء كما يفعل مردة الطلبة عند تكلم بعضهم بالخطأ في العلم فيسخر به أو يتغامز عليه.
قوله تعالى: (صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ).
ابن عطية: أسند الطبري هنا حديثا عن ابن عباس، أنه قال: "لَا تقولوا انصرفنا من الصلاة، فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا قضينا الصلاة".
ابن عرفة: يؤخذ من هذا أن للأسماء اللغوية أثرا في التسمية في المعنى يجب اعتباره، ولذلك نقلوا في كتاب السلم عن عمر أنه كره تسمية، سلما قال: ويسمى تلفا؛ لأن السلم مشتق من الإسلام.
قوله تعالى: (صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ).
ابن عرفة: تقدم فيها سؤال، وهو أن السبب مخالف لمسببه، و (صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) معناه عن الاهتداء بعدم الفقه، فكأنه يقول: صرفوا عن الاهتداء لعدم أهليتهم، وأجيب بوجهين: إما أن المراد بالفقه التدبر. أي صرفوا عن العلم بعدم تدبرهم وتفقههم [وبسوء*] نظرهم، وإما أن المراد أنهم غير قابلين للعلم، أي صرفوا عن الاهتداء لعدم قبولهم له، فإن قلت: سوءاتهما إنما هو عن رؤية المسلمين لجميعهم، فهلا قالوا: هل يرانا من أحد؟ فالجواب أنهم قالوا لأصحابهم إن ظهر لك منا الضحك والاستهزاء، فكذلك يكون ظهر للمؤمنين؛ لأنهم يرونا لرؤيتكم؛ بخلاف ما لو قال: هل يرانا من أحد.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... (١٢٨)﴾
стр. 773
الخطاب لبني آدم أو لسائر العالم؛ فإن كان لسائر العالم دخل فيه الجن والإنس والملائكة، وكان بعضهم يقول: قراءة [(مِنْ أَنْفَسِكُم) *] تدل على الخطاب لبني آدم فيخرج الجن والملائكة.
قوله تعالى: (رَءُوفٌ رَحِيمٌ).
لأنه مأمور بجهاد الكفار وقتالهم فهو رءوف بالمؤمنين رحيم، والرحمة أخص؛ لأن الرأفة هي مجرد رقة القلب أعم من أن يكون معها رحمة، وإلا فقد يرأف على الشخص ولا يرحمه إنسي؛ بخلاف إيصال الرحمة إليه فإنها تستلزم الرأفة؛ فلذلك بدأ بالرأفة قبل الرحمة.
стр. 774
سُورَةُ يُونُسَ ﵇
قوله تعالى: ﴿الر ... (١)﴾ .. قال الزمخشري: تقرير للحروف عن طريق التحدي بسببها. ابن عرفة: أراد أن دليل النبوة التعجيز بالآيات وتركيب حروفها؛ كالصانع النجار فإنه ليس من شرطه حسن الخشب بل حسن هيئتها في الصنع وشكلها، وكذلك الصلآل ليس من شرط صنعته طينة الطفل بل حسن العمل، وكذلك هنا إشارة إلى أن هذه الآيات أنزلت بحروف معهودة لكم تتكلمون بها إلا أن صيغة تركيبها يعجز كون التحدي بصفة التركيب لَا بالمادة.
قوله تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ).
قال ابن عطية: قيل: المحكم، وقال الزجاج: هو محكم، وهو صفة موصوف بصفة الله تعالى فهو محكم.
ابن عطية: فرجعت إلى قول واحد.
ابن عرفة: لم يفهم عنه مراده وإنما أراد ما قال الزمخشري من أنه من باب إسناد الشيء إلى غير فاعله، كقولهم: ليل قائم ونهار صائم، يوصف القرآن بصفة من هو كلامه كما وصف الليل والنهار بصفة يعتد فيها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ... (٣)﴾
حكى ابن سينا في تأليفه الخلاف هل الأرضين سبع أو لَا؟ والاختيار هو أنها سبع، وقال المازري في المعلم: سألت عنها شيخنا عبد الحميد، فقال: إنها سبع لحديث: " [مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ*] "، ولقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) وتأول ابن رشد هذه الآية في البيان والتحصيل في مسألة سعيد بن المسيب من كتاب الصرف بأنه لا يلزم من لفظ المثل أن يكون قدرها، وبدليل حديث: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن"، ومع أنه لَا يحاكيه في الحيعلة والحوقلة؛ بل يقول: لَا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 775
قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ).
ابن عرفة: [يؤخذ منها الاستدلال*] على وجوده بالإمكان، وهو المناسب في الآية؛ لأنه أظهر والإمكان أغمض، قال: فإن قلت: الفائدة أن الخبر أعم من المبتدأ، كقولك: الإنسان حيوان، وجاء هذا على العكس؛ فيلزم أن يكون كقولك: الحيوان إنسان وهذا لَا يصح، قال: والجواب أن الرب كما لَا يؤخذ منه إلا واحدا كالإله، ومن يعرف المنطق لم يفهم هذا، فيصح الإخبار عنه [بالواجب*] وهو الله.
قوله تعالى: (فَاعْبُدُوهُ).
قال: قد يتمسك به من يقول بوجود شكر المنعم عليه؛ لأن الفاء تقتضي التثبت.
قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ... (٤)﴾
يحتمل أن يريد بالرجوع ما ذكروه في الروح من أنها إذا قبضت يصعد بها إلى السماء حتى توقف بين يدي الجبار، جل وعلا ثم ترجع روح المؤمن إلى الموضع الذي فيه جسده، وترجع روح الكافر إلى سجين، ويحتمل ما ذكره المفسرون.
قوله تعالى: (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا).
معناه لأنه صدق ولا يلزم عليه مذهب المعتزلة في أن الله تعالى لم يخلق الشر ولا أراده.
قوله تعالى: (إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ).
قرأ أنه بالفتح، فقيل: هو فاعل حقا، كقوله (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ)، وقيل: مفعول فعله رباعي. أي أحق أنه يبدأ الخلق.
وقال ابن عطية: أنه بدل من وعد، ابن عرفة: أي بدل اشتمال، ابن عرفة: فيرد عليه أن الوعد إنما يكون بأمر مستقبل، وبدأ الخلق ماض فلا يتعلق به الوعد، قال: وعادتهم يجيبون بوجهين:
الأول: أن المراد بالوعد الكلام القديم الأزلي والإبداء والإعادة مستقلان عنه.
стр. 776
الثاني: أن المراد بالوعد مجموع الإبداء والإعادة؛ لأن في كل واحد منهما نظر، والمجموع مستقل، كما قالوا في حد القياس: أنه حمل معلوم في إثبات حكم السماء وتقف عنهما، فأورد عليه أنه يلزم منه أن يكون حكم الأصل ثابتا بالقياس، وأجابوا بأن المراد ثبوت المجموع لَا ثبوت كل واحد.
وقال ابن عرفة مرة أخرى على هذا يكون الوعد تعلق بأمرين الإبداء والإعادة فمتعلقة بالإعادة ظاهر، وأما تعلقه بالإبداء ففيه نظر؛ لأن الوعد إنما يتعلق بالمستقبل، والجواب إما بأن الوعد قد حصل في الأولى فهو متقدم على الإبداء، وإما بأنه باعتبار المجموع فيكون تعلق بالمجموع من حيث كونه مجموعا.
قوله تعالى: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ).
ابن عرفة: يحتمل أن يكون من باب حذف الفاعل فذكر في الثاني ما يقع به الجزاء، وحذف كيفه كدلالة الأول ما يقع به الجزاء لدلالة الثاني عليه، وذكر كيفه، والتقدير ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصَّالِحَاتِ بالقسط الثواب الجزيل، والذين كفروا بالقسط يجزيهم ولهم شراب من حميم وعذاب أليم.
وقوله: (بِالْقِسْطِ) يحتمل أن يرجع إلى عملهم أو إلى أجزاء عملهم.
وقوله: (وَعَذَابٌ أَلِيمٌ) من باب عطف العام على الخاص، وكان بعضهم يقول: [إنما أتى به*] كذلك؛ لأن الشراب أمر وجودي محسوس، والعذاب أمر معنوي، والوجودي لَا يدخل تحت المعنوي فهما مختلفان.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ... (٥)﴾
قال ابن عطية: النور أضعف من الضياء فكيف صح إسناده إلى الله تعالى في قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وفي الحديث "نورٌ أنَّى أراه" لما سئل هل رأى ربه أم لَا؟ وأجاب بأن الضياء عام يتعلق بكل شيء، والنور خاص ببعض دون بعض، ولذلك وجدنا نور السراج يشرق على موضع دون موضع، فلو نسب [الضياء*] إلى الله تعالى لكان الإيمان اضطراريا، فلأن يكون كل واحد مؤمنا إيمانا ضروريا لظهور الأشياء تأكيد بعضه بهيئة، فلذلك أسند النور إليه تنبيها على أنه تارة يظهر دلائل على وجوده ووحدانيته، وصفات كماله لقوم، وتارة يخفي عن آخرين.
стр. 777
ابن عطية: وهو [أضلنا*]، قيل لابن عرفة: يرد علي أنه إن أريد مطلق الضياء ومطلق النور فهما متساويان، فكما قلتم: إن النور يتعلق بشيء دون شيء، فكذلك الضياء وإن كان ذلك مضافا فيقال ضياء كذا ونور كذا، فهو مجتنب ما يضاف إليه.
ابن عرفة: إنما لَا ينافي مطلق الضياء ومطلق النور، ويقول: إنه في اللغة يعم الضياء ويخص النور.
قوله تعالى: (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ).
ابن عطية: أعاد الضمير على القمر وحده فهو من إطلاق المفرد على الاثنين.
ابن عرفة: وعادتهم يقولون: إنما خص التقدير بالقمر دون الشمس فإن منازلها تعلم بالفصول علما ضروريا ظاهرا؛ لأن سيره في المنازل ظاهر معلوم [يدرك كل أحد ببصره*]؛ حتى البهائم ألا ترى أن كل أحد يعلم دخول الصيف والربيع والشتاء حتى أن الغرنوق يذهب [ ... ] ولا يبقى منه شيئا، والبلائع يأتينا في أول يوم من الربيع وكل حيوان يدرك [ ... ]. فضله [ ... ] القمر، فإن سيره في المنازل لَا يدركه إلا الخواص فكذلك أعاد الضمير عليه وحده دون [ ... ]، وقيل لابن عرفة: الخطاب إنما هو للعرب، والعرب إنما [يحسبون*] بالقمري لَا بالشمسي، فقال: قد تقدم؛ لأن ابن عبد السلام في شرح ابن الحاجب في كتاب الزكاة فيما إذا أخرج الزكاة بالقمري وخالف الشمسي، فكان بينهما أيام هل يعتد بها أو لَا يعتد بها، وتقدم لنا في تأليفنا الرد عليه.
قوله تعالى: (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ).
قدم العدد لأنه هو المتقدم في الوضع بوضع أولا العدد؛ ثم يقع عليه الحساب بعد ذلك.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا).
ابن عرفة: إن أريد بذلك فعل المعاصي فالرجاء بمعنى الخوف، وإن أريد به عدم فعل الطاعة، فالرجاء على بابه، وفسره الفخر بالطمع وهما بمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ... (٧)﴾
стр. 778
أي رضوا بها حال كونهم مطمئنين إليها؛ فيكونوا ثلاثة أقسام: منهم من لم يرض ومنهم تراضى بالدنيا واطمأن، ومنهم من غفل عن الآية فيتناول هذا الوعيد هؤلاء الثلاثة والأولان راجعان لعدم الاهتداء بالدلائل العقلية، والثالث راجع لعدم الاهتداء بالدليل الشرعي.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ ... (٨)﴾
الصواب جعل النار مبتدأ ومأواهم خبر ليفيد حصر النار في مأواهم؛ فيكون حجة لأهل السنة على المعتزلة وتكون الآية في الكافرين.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... (١٣)﴾
ابن عرفة: يؤخذ منها العمل بالقياس لأنه به يحصل التخويف؛ فيأخذ أيضا منها القياس على أفعال الله فتكون حجة لمالك في حكمه في الرجم في اللواط قياسا على الرجم في الزنا.
قوله تعالى: ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾
قلنا: يؤخذ منه أن الوجود مصحح للرؤية.
قوله تعالى (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ... (١٥) .. ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق أن الأمم السالفة أهلكوا بسبب عصيانهم عقبه بعبارات [قال*] هؤلاء لذلك عدل فأنت تغيره؛ لأن القادر عليه قادر على غيره، وإن كان من عند الله [فرده إليه وبدله*] بقرآن آخر، وهذا يدل على أن الدل بمعنى بدل، وكذلك سورة الكهف (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) لقراءة ابن كثير يبدلهما بالتخفيف والباقون بالتشديد.
قوله تعالى: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ).
دليل على نفي القياس والاجتهاد، وأجاب بأن ذلك من الوحي.
قوله تعالى: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ).
دليل على أن تارك المندوب لَا يسمى عاصيا؛ [لأن*] العذاب العظيم على العصيان.
стр. 779
خلافا لما حكى المازري في العلم في كتاب النكاح عن بعض البغداديين في حديث: " [وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ , فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ*] ".
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ... (١٩)﴾
ابن عرفة: إن قلت: لم قال في سورة البقرة (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) بغير أداة حصر، وقال: هنا (وما كان النَّاس إلا أمة واحدة) بأداة الحصر.
فالجواب: أن آية البقرة خرجت مخرج ذكر بعث النبيين فلم يحتج، وبالحصر كونهم أمة واحدة، وهذه الآية خرجت لبيان اختلاف الأمم بعد اتفاقهم، واحتج فيها إلى حصر كونهم أمة واحدة.
ابن عرفة: وتقدمنا فيها آية يؤخذ منها أن الإجماع حجة لَا يجوز مخالفته؛ لأنها اقتضت ذم الاختلاف بعد الاتفاق، ولا معنى مخالفة الإجماع إلا هذا، وقوله: قبل هذا (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي)، قال بعض الطلبة: لَا يبعد أن يؤخذ منها جواز النسخ في القرآن؛ لأن مفهوم قوله: (مِنْ تِلْقَاءِ) يعني أن ذلك جائز من عند الله .
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ... (٢٦)﴾
ابن عرفة: يحتمل أن يريد الإحسان الأعم وهو مطلق الطاعة مع الإيمان، والأخص وهو ما في الحديث: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وسياق الآية يدل على أنه الأخص.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
стр. 780
يؤخذ منه أن الصحابة لَا تستلزم الرؤية؛ لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال، وهم حينئذ لم يروه وإنما يرونها في المستقبل.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)﴾
مناقض لقوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ)، وأجاب ابن عرفة: بأن المراد: ما كنتم إيانا تعبدون عبادة مرضية لنا.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ... (٣١)﴾
يحتمل أن يكون خطابا للنبي صلى الله عليه رسلم، أو خطابا للجميع، فأمر كل واحد بأن يقول ذلك، قال: ولما تقدمها إنذار المشركين بما لحقهم من العذاب عقوبة على فعلهم القبيح، عقبه ببيان البرهان الدال على إبطال [معتقدهم*].
قال: وهذا يحتمل أن يكون كلا أو كلية؛ فيتناول ثلاثة أمور:
الرزق الخاص بالسماء، والرزق الخاص بالأرض، والرزق المشترك بينهما وهو النبات فإِنه من المطر بعد تغذيه بالتراب.
قوله تعالى: (أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ).
بدأ أولا بالأمر الجلي الواضح لكل أحدث لأن كل أحد يحتاج إلى الغذاء، ولا يستطيع الصبر على الجوع بوجه فيظهر له الافتقار إليه بالبديهية في كل زمان بخلاف السمع والأبصار، فإِن دوامها غالب، وطرق الإعراض عنها قليلة ليس في كل زمان ولا لكل النَّاس بل لبعضهم فقط؛ فالافتقار إلى الغوث، ثم إن إخراج الحي من الميت أخفى فلا يدركه كل أحد، ثم تدبير الأمور وإرادتها أخفى من الجميع، ولذلك خالف فيها المعتزلة والقدرية.
ابن عرفة: وأفرد السمع وجمع الأبصار لوجهين: لفظي، ومعنوي؛ أما اللفظي؛ فلأن السمع مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه، والبصر اسم غير مصدري.
وأما المعنوي؛ فلأن السمع يدرك به الإنسان الصوت من الجهات الست، والبصر لا يدرك به إلا ما يقابله فقط، ولذلك قدم؛ لأنه أشرف، وهذا دليل على أن العرض لا يبقى زمنين، وأنه في كل زمن يقدم البصر ويمده بأبصار جديدة كإعدام لون الثوب فسيقولون الله؛ لأنه لم يخالف في ذلك أحد، كما قال (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ... (٣٥)﴾
стр. 781
ابن عرفة: عدا الأول بإلى، والثاني باللام؛ لأن إلى للغاية تقتضي أنها ما قبلها عندها ومخالفته لما بعد، واللام للملك فالله تعالى يملك الحق ويمنحه ويعطفه ويخلقه في قلوبهم، فهدى له كله، والشركاء لَا يملكون شيئا، فعلى تقدير أن تكون لهم الهداية إنما يعدون الطريقة ولمبادئه ومقدماته فقط، قيل لابن عرفة: يبطل هذا بقوله (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ) فقال: هذا تنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأن الشركاء لَا يهدون لحق بوجه، فمعناه إذا كان الذي يهدي لمقدمات الحق وأوائله أحق بالاتباع ممن لَا يستطيع شيئا بوجه، فأحرى أن لَا يكون الذي منح الحق كله، ويعطفه ويخلقه في قلوبكم أحق بالاتباع.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ... (٣٦)﴾
مصدر مولد للفعل المنفي فهو نفي أخص ولا نفي أخص.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ).
ولم يقل: بما يعملون؛ والعمل أبلغ ألا ترى أنهم قالوا في حديث الأعمال بالنيات يستثنى منه النية، وهي القصد إلى النظر، والنظر قبلوا النية عملا.
وأجيب بأنه إشارة إلى تعنتهم وأن حقهم إظهار الحق وفعله.
قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ... (٣٨)﴾
ابن عطية: هي دليل لمن يقول بالصرفة.
ابن عرفة: ومعنى الصرفة أن تقول دليل كرامتي أني أقوم من هناك إلى هنا وتعجزون أنتم عن ذلك، فحاصله أن تعجزهم عن شيء هو من مقدورهم.
وعين الصرفة مثل أن يقول: دليل كرامتي استطاعتي؛ أثبتها المعتزلة، ونفاها أهل السنة.
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ... (٣٩)﴾
الزمخشري: أي بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن وفاجئوه في بديهة السماع قبل أن يفقهوه.
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ).
معناه أنه غير قابل لأن يكون مفترى، وأن يفترى مقدر بالمصدر؛ أي كان ذا افتراء، وما كان افتراء بمعنى مفترى، مثل: قتلته صبرا أي مصبورا، مثل: قال ابن عرفة: وتقدمنا فيها سؤال وهو أن ظاهر الآية أنه لم يكن مفترى على غير الله تعالى،
стр. 782
وفرق بين قولك: هذا افتراء على فلان، أو هذا افتراء من غير فلان، فمعنى الآية أنه افتراء على الله، أي ليس المعنى أنه افتراء غير الله؛ فإِذا كان المعنى ما كان لأن يفتريه غير الله فمفهومه أن غير الله نقوله من غير افتراء، وهذا ممكن، وإنما المعنى ما كان لأن يفتري من غير أمر الله فمفهومه أنه يكون مفترى بأمر الله، وهذا المفهوم غير موجود لاستلزامه التناقض؛ لأنه من حيث كونه مفترى فهو لذنب على الله فكيف يكون بأمر الله. فيكون كما قالوا في قوله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا).
قوله تعالى: (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ).
ابن عرفة: التفضيل إما راجع للكتب السابقة؛ فيرجع التصديق إلى ما أخبر به من الأمور المستقبلة كأشراط الساعة وغيرها، وإما أن يراد بالتفضيل أنه معجزة تتضمن الأحكام الاعتقادية فتوافق الكتب السالفة في أحكامها الاعتقادية لَا الشرعية؛ لأن الشرائع مختلفة وأحكام الاعتقاد متحدة.
قوله تعالى: (لَا رَيبَ فِيهِ).
أي عند من أنصف ونظر النظر السديد فأدرك أنه لَا ريب فيه.
قال أبو حيان: والاستدراك هنا في لكن على أصلها؛ لأنها بين متناقضين.
ابن عرفة: فإن قلت: بل هي بين متماثلين؛ لأنه إذا لم يكن مفترًى فهو مصدق لما بين يديه، فالجواب: أن الثناء باعتبار نفس الفعلين لَا بين الجملتين، كقولك: ما تحرك زيد لكن سكن.
قوله تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ).
وفي البقرة (مِن مِثلِهِ) فالمثلية هنا راجعة للقرآن، وهناك للشخص الآتي.
قال ابن عطية: السورة مأخوذة من سورة النبأ وهي في القرآن القطعة التي لها مبتدأ وبها ختم ابن عرفة، وكذلك الكلمة؛ والصواب: أنها القطعة التي لَا يصدق اسمها إلا على جملتها، ابن عرفة: والإعجاز في الكتب السالفة وقع بجملة كل كتاب منها، والإعجاز في القرآن وقع بكل آية منه.
ابن عرفة: وذكر ابن عطية هنا أن الإعجاز وقع بالكلام القديم الأزلي وهو باطل؛ لأن المعجزة من شروطها الحدوث. فكيف يقول: وقع الإعجاز بالمعاني من الغيب
стр. 783
لما مضى، ولما يستقبل؛ لأنه معلوم أنهم لَا يقدرون على ذلك، وكذلك قال الشاطبي في قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ) [**ومن يقل بعلوم الغيب]، قلت: وأثبته [ ... ]، لأنه فرق بين تكليف ما لَا يطاق وبين الإعجاز بتكليف ما لَا يطاق؛ فلم يعجزوا أصلا بالإتيان بمثل الكلام القديم الأزلي؛ لأنه ليس في قدرتهم ذلك بوجه؛ ولأن المعجزة من [شرطها*] الحدوث، فلو علله بكون المعجزة من شرطها الحدوث لصح له ذلك.
فكلام الشاطبي مثل كلام ابن عطية هنا؛ لأن الشاطبي فهم أن المراد فأتوا بكلام قديم أزلي من عند الله، كما أتى القرآن من عنده فأبطله الشاطبي بأنه من تكليف ما لا يطاق.
قال ابن عرفة: وهو ضعيف؛ لأن تكليف ما لَا يطاق عادة عندنا جائز، فكيف يبطله؟! فإنه من تكليف ما لَا يطاق، وفرق بين التكليف بالحال وبين إلزام الحال.
قوله تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ).
الزمخشري: بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن، وفاجئوه في بداهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا [كنه*] أمره، وذلك لفرط نفورهم مما يخالف دينهم وخروجهم عن دين آبائهم كالناشئ على التقلد من الحشوية.
قيل لابن عرفة: الحشوية هم الحنابلة، والزمخشري حنفي.
ابن عرفة: الحشوية عندهم المخالفون لمذهبه، وعندنا هم المجسمة القائلون بالجثة والمكان، قلت: وفي تلبيس إبليس [لابن الجوزي*] الحشوية طائفة من المرجئة [قالوا بوجوب*] النافلة كالفريضة (١)، وانظر ما قيدت في سورة النمل في قوله تعالى: (قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا) ابن عرفة: وتكذيب الإنسان بما لم يعلم أشد؛ فنجا من تكذيبه بما علم، قدمهم أولا على التكذيب بما علموا ثم أضرب عنه بكونهم كذبوا به قبل العلم به، قال: وكان بعضهم يأخذ من الآية مطلبين أحدهما: أنه لَا يجوز لأحد أن ينكر علما من العلوم فلا يكذب به من يعلمه.
الثاني: إذا بحث ذاك فلا يرد عليه حتى يكرر كلامه ليعلم منه أنه فهمه، وحينئذ يقبل منه الجواب عنه؛ لأن الرد عليه تكذيب له وإبطال.
قوله تعالى: (وَلَمَّا يَأتِهِم تَأوِيلُهُ) أي لم يعلموه من حيث ليكمله لرجل لم يقرأ علم الفلسفة ولكن يعلم خاصيته؛ وهو أن من خصائصه نسبة التأثير لغير الله
стр. 784
فيكذب به من أجل هذا، وقيل إن معناه: ولم يطلعوا على عاقبه، ومثاله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ... (٤٢) .. ابن عرفة: إن قلت: ما السر في جمع ضمير المستمعين وإفراد ضمير الناظر؟
فالجواب: أن الاستماع يقع من الجهات الأربع، والنظر إنما يكون من جهة الأمام فقط، فخلقت العجائب مع كلامه، فيها كل من دار به لَا ينظر إلى أفعاله إلا من هو قبالته، فالسامعون لكلامه أكثر من الناظرين فنقله فكذلك جمعهم.
فإن قلت: لم أفرد السمع وجمع الأبصار مع أن متعلق السمع أكثر؟ فقال: لأن السمع مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه فلا يجمع، والبصر اسم [الجارجة*] التي يبصر بها فصح جمعه.
قوله تعالى: (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ).
قال ابن عرفة: هذا استفهام على سبيل الإنكار فهو في معنى النهي، كقولك (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) قال: ولو إنما تدخل على ما تستبعد وقوعه، أو تستقرب؛ كقولك: أكرم السائل ولو أتاك على فرس؛ لأن إكرامه إذا أتى على فرس مستبعد، ونفي إسماع غير العقلاء أظهروا بين مما نفي سماع الصم العقلاء، فكيف أدخل عليه لو؛ فإنما كان يقال: أفأنت تسمع من يعقل ولو كان أصم فيكون ظاهرا؟ وأجيب بوجهين:
الأول: أنه تنبيه على حرص النبي ﷺ على إسماعهم وإيمانهم.
الثاني: أن لو إنما دخلت في الكلام المثبت غير المنفي، ودخل الاستفهام بعد ذلك على الجملة فهو نفي أخص لَا نفي أعم، فأصله أنت تسمع ولو كانوا لَا يعقلون، فدخل الاستفهام عليه فنفى الجملة، كقولك: ما ضربت زيدا ضربا، فنفيت الفعل المولد. لأنك أكدت الفعل المنفي، كقولك: أفأنت تقوم ولو كنت مقعدا، أنكرت قيامه في هذه الحالة كما نفيت الضرب المولد، وكذلك تقول: أفأنت تكرم زيدا وإن أساء إليك، أنكرت إكرامه في هذه الحالة فأنكر هنا إسماع الصم في حالة عدم العقل.
قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ... (٤٦)﴾
انظر ما الفرق بين هذه، وبين قوله في سورة القتال (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) عطف الثاني هناك بـ إما وعطفه هنا بـ أو، قال: وأجيب بأن إما [للتفصيل*]؛ فتدخل بين المتغايرين وإن لم يكونا متناقضين، وأو لأخذ الشيئين أو الأشياء فتدخل بين النقيضين، ولا شك أن المن والفداء يجتمعان
стр. 785
فيمن على أشخاص ويفدي أشخاصا، فدخلت إما [لتفصيل*] حال هؤلاء من حال هؤلاء ورؤيته بعض الذي وعد لَا يجتمع مع وفاته بل تناقضها فحسنت فيه أوقف له ثم الله شهيد على ما يفعلون، وإما أن يريد في الآخرة فتكون حكاية حال ماضيه، أو يريد شهيد في الدنيا على ما يفعلون فيها؛ لأن الآخرة ليس فيها فعل بوجه يوجد إذ ليست دار تكليف.
وجعل أبو حيان جواب الشرط الأول مقدرا؛ أي: وإمَّا نرينك بعض الذي نعدهم، فذلك يعارض ابن عرفة؛ لأن قوله (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) إنما يجيء جوابا عن الثاني.
ابن عرفة: وهذا لَا يلزم، ونظيره قوله تعالى: (وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ) لأن عذاب النار ثابت لهم مطلقا سواء كتب عليهم الجلاء، أو لم يكتب.
قوله تعالى: ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾
إن أريد لَا يظلمون في القضاء فيكون تأكيد، وإن أريد لَا يظلمون مطلقا فيكون تأسيسا.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ... (٤٩)﴾ وقال في الأعراف (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) ابن عرفة: لما تقدم ذلك (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ) ناسب تعقيبها بقوله (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ) ولما تقدم هذه (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) بقوله (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) قلت: ولهذا أجاب ابن الزبير عن تقدم النفع هناك على الضرر، وتأخيره هنا، فقال: لما تقدم آية الأعراف سؤالهم عن الساعة، وتكرر في قوله (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) أي عالم بها، وظاهر سياق الآية أنهم كانوا يظنون عليه بها، والعلم بالشيء يقع لصاحبه؛ قدم فيها نفي النفع، ولما تقدم لهذه طلبهم تعجيل العذاب، بقولهم (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) استهزاء وتكذيب قدم فيها نفي الضر.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ... (٥٣)﴾
ابن عرفة: يؤخذ منه جواز حلف الشاهد على شهادته، قاله بعضهم وهو يفيد قوله (أَلَا إِن لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ... (٥٥) .. قال: وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدمها (وَلَو أَنَّ
стр. 786
لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ) فقد يتوهم أنه تعالى مفتقر إلى أخذ الفداء؛ فنفى ذلك بقوله (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) الآية.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ... (٥٧)﴾
نقل ابن عرفة هنا كلام الزمخشري وابن عطية، ثم قال: ويحتمل عندي أن يكون المراد بالموعظة المعجزة، وبالشفاء الإيمان، وبالهدى فروعه، وكانت هدى؛ لأنها موصلة للسعادة، وبالرحمة حفظ الأموال والنفوس، وهي عامة بجميع المؤمنين، ووقع العطف على الترتيب والتأخير كما هو في الوجود الخارجي.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ... (٥٩)﴾
يحتمل أن يكون من باب إطلاق السبب على المسبب؛ فيكون الرزق حقيقة في الطعام وأطلق عليه اسم الإنزال، ويحتمل العكس فيكون الرزق مجازا في الماء، والإنزال حقيقة، ولا دليل في الآية على أن الأشياء على الحظر والإباحة.
وقوله (مِنْ رِزْقٍ) قال أبو حيان: للتبعيض أو لابتداء الغاية، قلت: بل لبيان الجنس، ولا يصح التبعيض؛ لأن رزقا مطلق إذ هو في سياق الثبوت فيصدق بصورة وبعض رزق واحد لَا يعينه ليس برزق، فإن قلت: إنه رزق، قلت: أقول لفظ البعض يتناوله، فإذا بعضته لم يكن جزاء رزقا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ ... (٦٠)﴾
قال أبو حيان: العامل في يوم ظن، قلت: هو المفعول الأول، والثاني: محذوفا.
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ).
وقال: في سبأ (وَقَلِيل مِنْ عِبَادِيَ الشكُورُ) فينفي الشكر الخاص عن القليل، وهل الكثير هو الأكثر أم لَا؟ قال ابن عرفة الكثير هو الأكثر.
قلت: بل هو لقوله تعالى: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ)، فسمى النصف قليلا؛ فإذا كان قليلا فليس هو كثير فالكثير أنه إنما يصدق على ما فوق النصف، وكذلك الأكثر.
قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا).
стр. 787
ابن عرفة: يؤخذ منها بأن الأصل في الأشياء الإباحة؛ لأن الذم إنما ترتب على نفس التقسيم من غير اعتبار شيئين من الأقسام.
قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ).
إشارة إلى ذم الاتصاف بأدنى الظلمة.
قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ).
الزمخشري: ما الفائدة في إسرارها؟ وأجاب بأنهم لشدة ما نالهم من الهول لا يقدرون على إظهار الندامة، ورُد بأن مذهبه أن القادر على شيء قادر على ضده، وأجاب ابن عرفة: بأن ذلك عقلا، وهذا أمر عادي فقط.
قوله تعالى: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).
القضاء بالقسط كان تأكيدا، وإن أريد لَا يظلمون مطلقا كان تأسيسا.
قوله تعالى: (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
هذا احتراس؛ لأنه لما تقدمها (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ) أوهم أن المفتدى منه ينتفع بذلك الفداء فنص هنا على أن الفداء به كله ملكة فلا حَاجة له في شيء من ذلك.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ).
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: الموعظة هي المعجزة، والشفاء لما في الصدور هي دليلها، والإيمان بها والهدى هو الأحكام والشرائع التي بيانها، والرحمة حفظ الأموال والنفوس بالإيمان، كما في الحديث: " [أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ*] ".
стр. 788
قوله تعالى: (وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
إشارة إلى أن كذبهم غير مسند إلى ظن ظنوه أو توهم توهموه بل هو مجرد عند وافتراء، أو يكون المعنى: أنهم كذبوا على الله وظنوا أنهم لَا يؤاخذون بذلك إلى يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ... (٦١)﴾
إلى قوله (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا) يؤخذ منه أن الله تعالى عالم بالجزئيات كعلمه بالكليات.
قوله تعالى: (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ).
ابن عرفة: هذا كقولك: أتعصي والله يراك. لأنه أزجر له من أن تنهاه عن العصيان، وإلا فرؤية الله تعالى سابقة قديمة، وتعليقها [بحالة*] العصيان تنفيرا للعاصي عن فعله.
قيل لابن عرفة الرؤية لَا تتعلق بالمعدوم على تقدير وجوده.
وقال الفخر: قوله تعالى: (شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) إن قلت: فيه إيهام، فالجواب أن الشهادة أخص من العلم، فلا يلزم من نفيها نفيه.
ابن عرفة: فيه نظر لبقاء السؤال في القدر الزائد، فإن قلت: الشهادة بمعنى البصر تتعلق بالمعدوم على أنه موجود، والعدم يتعلق به لَا على أنه موجود.
قال بعضهم: قد يجاب بأن الفرق بين العلم والشهادة إنما هو في التسمية فقط، فقيل: الوجود يسمى علما وبعده شهادة واستبعده ابن عرفة.
قوله تعالى: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ).
فيها دليل لمن يقول بنفي الجوهر الفرد عند مثبته، فقوله تعالى: (وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ) يقتضي القيامة.
قوله تعالى: (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).
من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، وإن جعلنا الاستثناء متصلا لأنه يوهم أنه يعزب مع أنه معلوم له.
стр. 789
قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾
على فوات محبوبهم، أو لَا يخافون لأن تفوتهم الجنة، ولا يتعلق عزمهم إلا بطاعة الله لَا يطمعون في جنة، ولا يخافون فواتها، ولا يحزنون على نقص لذاتهم في الدنيا.
قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... (٦٤)﴾
بعصمة دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وفي الآخرة بالنجاة من النار.
قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ... (٦٦)﴾
عبر بمن [ ... ]. إما تغليبا للعاقل، أو لأن العاقل أشرف، فإذا ملكه فأحرى أن يملك غيره، فهو تنبيه على الأعلى بالأدنى، أو لأن ملكه لغير العاقل مقدم التنبيه عليه، بقوله (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) فإن قلت: لم كررت مَن في هذه الآية ولم يكررها في التي قبلها؟ فالجواب: أنه لما كانت أعم من التي قبلها أغنى ذلك العموم من تكرارها.
قوله تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ).
ابن عرفة: هذه سالبة كلية، والسالبة الكلية، قال المنطقيون: إنها تكذب [**إذا فكيف هم]؟ هذا مع أنهم جعلوا لله شريكا، فكان بعضهم يقول: هؤلاء شركاء في اعتقادهم وليسوا شركاء في نفس الأمر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ... (٦٧)﴾
من باب حذف التقابل؛ أي جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه، والنهار مبصرا لتبصروا فيه.
قوله تعالى: (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ).
عبر بالسمع لأنه أشرف وأعم من البصر، والعرب يؤرخون بالليالي [ ... ].
стр. 790
كذا [ ... ]. الأسبق في الأيكة وفي التاريخ؛ فلذلك قال (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) ولم يقل يبصرون؛ لأن الليل محل السماع فقط.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ... (٦٨)﴾
ابن عرفة: هذا أخف من أن لو قالوا: ولد الله ولدا.
قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ... (٧١)﴾
ابن عرفة: إما تسلية له ﷺ بكون قوم نوح كفروا به [وضايقوه*] مضايقة شديدة، وإما تخويفا لقريش أن ينزل بهم ما نزل بقوم نوح.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ ... (٧٩)﴾
فأحرى أن يطلب السحَّار.
قوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ... (٨١)﴾
قيل: ما موصولة مبتدأ والسحر خبر، أو العكس؛ لأن الموصولات في رتبة فاعل مؤخر بالألف واللام فقد تساويا؛ لكن الخبر لَا يكون إلا متاويا للمبتدأ، وأعم منه والسحر يصدق على ما جاءوا به وعلى غيره، فهو أعم لأن ما جاءوا به ليس إلا سحرا إن الله سيبطله.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ).
السين للتحقيق أو للاستقبال، قيل له: بل لهما معا، فقال: يلزم عليه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ لأن كونها للتحقيق مجاز، وكونها للاستقبال حقيقة.
قوله تعالى: (لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ).
ولم يقل: يبطل عملهم، فالجواب: أن ما أتوا به باطل، والباطل قد ينصلح فأخبر عنه أنه يبطل ولا ينصلح.
قوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ ... (٨٢)﴾
أي يظهره.
стр. 791
قوله تعالى (بِكَلِمَاتِهِ) يحتمل معنيين: إما أن المراد بوعده أي الحق الثابت في نفس الأمر بوعده وهو يضرهم على الكفار، وتعجيزه لهم يظهره الآن، ويحتمل أن يكون بكلمته؛ أي بقوله (كُنْ فَيَكُونُ)، وقوله (بِكَلِمَاتِهِ) يحتمل أن يتعلق بحق أو بالحق، لكن قال الزمخشري في قوله تعالى: (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) هل يتعلق (مِنَ الْأَرْضِ) بـ (دَعْوَةً) أو بـ (دَعَاكُمْ)؟ قال [إذا جاء نهر الله*] بطل [نهر*] معقل، وكذلك هنا.
قال ابن عرفة: يحتمل أن يقال ذلك، إنما ذلك إذا اتخذ معنى التعلق فيهما، وهو هنا مختلف؛ لأن معناه في الأول: ويظهر الحق بكلمته الحق الثابت في نفس الأمر، ومعناه الثاني: ويظهر الله الحق المصاحب لكلماته أو نحوه.
قوله تعالى: (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ).
لو بمعنى إن، وليست مثل: أكرم السائل ولو أتاك على فرس؛ لأن تلك دخلت على ما يتوهم نفيه؛ لأنه إذا أتى على فرس لم يكرم، وكذلك (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) وهنا إذا كره المجرمون فإظهار الحق ثابت ولا يتوهم نفيه.
والجواب أن المراد الإخبار بجهلهم وغباوتهم، وأنهم في مقام يظن الظان بهم لو كرهوا ظهور الحق لم يظهر.
قوله تعالى: ﴿آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... (٨٨)﴾
من عطف الخاص على العام.
قوله تعالى: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ).
يؤخذ منها جواز الدعاء على الكافر بالموت على الكفر، وأجيب باحتمال أن يكون أوحى إليه أنهم لَا يؤمنون؛ هذا إن كان (فَلا يُؤمِنُوا) منصوبا بالجواب، قوله (اطْمِسْ) يحتمل أن يعطف على قوله (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) فلا يكون فيه دليل.
قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ... (٩٠)﴾
يؤخذ منه جواز التقليد في العقائد؛ لقوله [(آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) *]: يدل على أنه لو قال هذه الكلمة قبل ذلك لَا ينتفع بها.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ... (٩٤)﴾
стр. 792
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: معناه فإن كنت في شك من كيفية مما أنزلنا إليك من اختلافهم؛ لأنه أنزل إليه الآية التي قبلها، وهي (فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) أي فإن وقع عندك شك في كيفية اختلاف الأمم السالفة، (فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) يخبروك بكيفية اختلافهم، ابن عرفة: ويؤخذ من الآية أحد أمرين: إما أن خبر التوراة يفيد العلم، ولنا جواز العمل بخبر الواحد؛ لأن المسؤلين إما بالغون عدد التواتر أو لا.
قوله تعالى: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).
ابن عرفة: الافتراء أخص من الشك؛ لأن الشك هو التردد في أمر دليل قابل للظهور والخفاء، والافتراء هو التردد في أمر دليله ظاهر قوي لَا يخفى على أحد، ويؤيد ذلك قوله (لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ).
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ... (١٠٢)﴾
إما أن يراد فهل يقصدون في الانتظار بكم إلا مثل ما حل بالأمم السالفة، أو يراد فهل حالهم في الانتظار لما يحل بهم إلا حال الأمم السالفة فهذا انتظار عن غير قصد.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ... (١٠٧)﴾
ابن عرفة: عادتهم يقولون: لم عبر في الأول بالمس وفي الثاني بالإرادة؟ فعادتهم يجيبون بأن المس أبلغ من إرادة المس، فقصد في الأول تعليق الشرط بأقوى الأمور؛ لأنه لَا يفتقر إلى الشفيع والمكاشف إلا [عند*] عظائم الأمور، وسرائرها وأما [الخير*] فقصد فيه التنبيه على أنه إذا وقع بك قليله، فلا راد لفضله، واسع كثير يأتي بأكثر منه [ولا راد له*].
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ... (١٠٨)﴾
يؤخذ منها منع الوصية بالحج مع أن مالكا أجازها ومنع الاستئجار على الحج في الحياة.
قوله تعالى: (وَاتَبعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ).
يؤخذ منه أنه ﷺ ليس بمجتهد، قلت: وتقدم لابن عرفة فيها في الختمة الأخرى بما نصه قوله (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ) أي يظهره، قوله (بكَلِمَاتِهِ) يحتمل معنيين: إما بوعده بالنصر عليهم فيظهرهم الآن، وإما بقوله (كُنْ فَيَكُونُ) قوله (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا
стр. 793
أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ) إما أن الرزق حقيقة في الطعام وأطلق عليه الإنزال من مجاز إطلاق اسم السبب على سببه أو العكس؛ فالإنزال حقيقة في الماء وإطلاق الرزق على الماء مجاز، قوله (وَلَكِنَّ أَكثَرَهُم لَا يَشكرُونَ) نفى عن الكثير مطلق الشكر، وقال في سورة سبأ (وَقَلِيلٌ مِن عِبَادِيَ الشكُورُ) فأثبت للقليل أخص الشكر؛ فدل بالمفهوم على نفيه عن الكثير وإثبات مطلق الشكر له، فهل الكثير هو الأكثر أم لَا؟ فيه نظر.
* * *
стр. 794
سُورَةُ هُودٍ ﵇
قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ... (١)﴾
أشار الزمخشري إلى أن في الآية الطباق واللف والنشر؛ أما الطباق فبين أحكام الآية وتفصيلها، فإن قلت: ليس أحدهما ضد الآخر، قلنا: أحدهما ليس نسب مع ضد الآخر، وأما اللف والنشر ففي (حَكِيمٍ خَبِيرٍ).
قوله تعالى: ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾
قدم النذارة بوجهين. أحدهما: إن وقع المؤلم آكد من طلب الملائم.
الثاني: أن النذارة لمن خالف، والبشارة لمن امتثل، وحالهم ابتداء إنما هي الكفر والمخالفة.
قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ... (٣)﴾
إذا قلت: ما أفاد عطف التوبة على الاستغفار، قلت: الاستغفار الندم على فعل المعاصي وطلب سترها فقط، والتوبة كذلك مع زيادة العزم على ألا يعود، فإن قلت: كيف يفهم يمتع المؤمن متاعا حسنا مع ما ورد أن "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وراحته"، فالجواب: إما بأن ما ناله كل فريق منهما في الدنيا بالنسبة إلى ما يناله في الآخرة ليس بشيء.
الثاني: أن [يمتع*] المؤمن موصوف بكونه حسنا بخلاف الكافر.
قوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ... (١٤)﴾
ابن عرفة: الصواب في معناه أنتم تقولون إنه مفترًى فاعلموا أن الله أنزله عالماً [ ... ].
стр. 795
(فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) قيل: أي منقادون، وقيل: أي مخلصون.
ابن عرفة: وهو أصوب لأنهم كانوا منقادين غير أن عبادتهم لله [أشركوا*] فيها غيره معه، فطلب منهم إخلاصه لله .
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ... (١٥)﴾
ابن عطية: عن قتادة، والضحاك هي خاصة بالكفار، وعن مجاهد هي عامة فيهم، وفي أهل الرياء من المسلمين، قال: فعلى الأول معناه يتعمدها ويقصدها ولا يقصد به، وعلى الثاني معناه يجمعها [ويفضلها*] ويؤثرها على الآخرة.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ... (١٦)﴾
هو في الأول على ظاهره، وفي الثاني عام باق على عمومه ويكون ليس لهم في الآخرة إلا النار مجاز فيتعارض فيه المجاز والتخصيص، وكان بعضهم يقول: معنى قوله (لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) أي ليس لأعمالهم جزاء بوجه؛ لأنها أعمال خالطها الرياء فليس لها ثواب بوجه، كقولك: ليس لفلان عندي إلا السيف، وأنه لا تعاقبه، وإنما تقصد عندك أنك لَا تعظم شيء بوجه.
قوله تعالى: (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
قال ابن عرفة: هذا تأسيس وليس بتأكيد، فقوله (وَحَبِطَ) إشارة إلى ما هو صحيح باعتبار أصله، وعرض له ما أوجب فساده.
وقوله (وَبَاطِلٌ) إشارة إلى ما هو فاسد من أصله، فكذلك أتى بلفظ الاسم، والأول بالفعل هذا كعمل الكافر وعمل المسلم المرائي؛ فمن قوله (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ... (١٧) .. والشرعي هو ما دل عليه كتاب موسى.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ).
إن قلت: ما أفاد قوله (مِنَ الْأَحْزَابِ)؟ فالجواب أن فيه [تبكيتا*] على صناديد الكفار كأبي جهل ونحوه، واختار ابن عرفة في (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) أنها عامة في جميع المؤمنين من الأمم كلهم، فقيل: فكيف يفعل في قوم نوح مع قوله (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى) فقال: يتلوه شاهد منه هو النبي ﵇، ومن قبله عائد على الشاهد لَا على من كان على بينة.
قوله تعالى: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ).
стр. 796
ابن عرفة: يؤخذ منها بأن الشك ليس هو أول الواجبات بل أولها النظر؛ لأنه في الآية منهي عنه، فلو كان واجبا لما صح النهي عنه يقول: الواجب غير منهي عنه فليس بواجب، وأجيب بأن ذلك في الشك المطلق، وهو في الآية مقيد بشيء خاص.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى ... (١٨)﴾
مع قوله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ) متناقض والجمع بينهما بوجهين: إما بتساويهما، وإما بأن أحدهما عام مخصوص.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ).
[لم يقل*] (على الله)، مع أنه المناسب في الآية، فالجواب أن عصيان المحسن إليك أشد وأشنع من عصيان العادل فيك، [فالعرض*] على من أسأت إليه، وهو يحسن إليك أشد بأسا من العرض على من أسأت إليه وهو يعدل فيك.
قوله تعالى: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ... (١٩)﴾
فسر ابن عرفة بوجهين: إما ويبغون العوج فيها، أو ويبغون العوج لغيرهم؛ وهو إبعاده عنها، وقال ابن عطية (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) أي يطلبون الوصول إليها بطريق وهو قولهم (مَا نَعْبُدُهُم إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ... (٢١)﴾
أي خسروا نجاة أنفسهم وهذا مثل ما قالوا في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) إلى قوله (ثُمَّ أنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) فيه الإنباء بما يأتي، أو التهكم بما يأتي؛ لأنه يأتي بلفظ يستدل به على ما يأتي بعده؛ فلذلك قال عبد الله بن سعد بن أبي سرح (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) قيل له: كذا [نزلت*] فارتد عن الإسلام ثم أسلم [وحسن*] إسلامه.
قوله تعالى: (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).
تأسيس والمراد أن الإنسان في الدنيا إذا نالته مشقة فإنه تأتيه أصحابه وأقاربه فيسألونه ويصبرونه، ويأخذون بقلبه، وهؤلاء في الآخرة يذهب عنهم جميع من كانوا يعتقدون أنه ينفعهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ ... (٢٣)﴾
стр. 797
هذا تنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنهم إذا تضرعوا إليه مع استحضارهم رحمته ورأفته عليهم فأحرى مع استحضارهم قهره وعذابه، قيل لابن عرفة: ذكر في فريق الكافرين لازم الجزاء، وذكر هنا نفس الجزاء، فقال في الأول (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) ولم يقل (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُم فِيهَا خَالِدُونَ)، ولم يقل في الثاني (أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فأجيب بوجهين:
الأول: أن في الآية حذف المقابل؛ أي وهم أصحاب النار، وفي الثاني (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وهم المفلحون.
الثاني: أن مقام التخويف يكتفى فيه.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ ... (٣٤)﴾
احتج هنا المقترح لأهل السنة في أن الله تعالى يخلق الخير والشر ويريدهما، وأجيب بما قال ابن الأثير من أن ملازمة الشيء للشيء لَا تدل على وقوعه ولا على إمكان وقوعه حسبما تقدم في قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا)، وتقدم الرد عليه بأن سياق الآية يدل على ذلك لأنها سيقت للمدح؛ وذلك دليل على الوقوع ولذلك هذه سيقت للذم فتدل على الوقوع، وأجاب بعض الطلبة بأن الشرط الثاني جواب للشرط الأول، والتقدير إن كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم، ونصحه وعدم نصحه واقع فوقوع الجواب يدل على وقوع الشرط، ورد ابن عرفة بأن الشرط ملزوم وجوابه لازم، ولا يلزم من وقوع اللازم وقوع ملزومه بوجه؛ بل يقع وقد لَا يقع.
قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ... (٣٧)﴾
جمع الأعين، وقال في طه (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِي) فأفرد الجواب أن الفلك هنا حفظ لنوح ولقومه، فلذلك جمع الأعين والحفظ في طه لموسى فقط.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا ... (٤١)﴾
الضمير عائد على نوح أو على الله وما قبله يدل على أنه لله تعالى، لقوله (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا) ويكون التفاتا بالخروج من التكلم إلى الغيبة، وما بعده يدل على أنه لنوح لقوله (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، فإن قلت: المناسب هنا وصف القهر والغلبة، قلنا: وصف الرحمة أنسب لأنه نسب نوحا إلى عمل السفينة لينجو فيها هو وقومه.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)﴾
стр. 798
ولم يقل: مع المغرقين إشارة إلى أن من له عقل وهمه ينبغي أن يكون تحفظه على صون نفسه؛ لأن حفظ الأديان له من حفظ النفوس، وذكر هنا الزمخشري وابن عطية أن هذا الولد لم يكن ابن رشد، وإنما كان ابن زنا، قال ابن عرفة: وعادتهم ينكرون هذا فإن الأنبياء معصومون من أن ينسبوا لأنفسهم ما ليس لهم، قال: والدليل على ذلك قوله في سورة التحريم (فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) فدل على أنه طلب نجاة زوجته من العذاب، فلم يسعف بمطلبه، فهو بريء من ذلك، ولو كان له في ذلك من ذلك ذنب لما كان في [وسعه*] أن يطلب نجاتها من العذاب.
قوله تعالى: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ... (٤٣)﴾
قال ابن عرفة: هذا على أسلوب المنطق من أن [الموجبة*] الجزئية ترتفع بالسالبة الكلية، قال: ويعصمني إنما هو بمعنى يحفظني، وإن [**جعلنا بمعنى] فيرد فيه إشكال وهو أن المتبادر للفهم إن كان يقال [**بمنع العاصم؛ لأنه هو الذي يتضرر بالماء، ويتسبب فيما يمنع العاصم أن يضره].
قوله تعالى: (لَا عَاصِمَ الْيَومَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ).
استثناء إما منفصل أو متصل؛ فإن كان المراد لَا معصوم؛ أي لأن العصمة [ ... ].
قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ).
[لا عاصم اليوم من الطوفان إلا من رحم الله*] (١)، وإما أن المراد إلا الراحم، والراحم هو الله تعالى لَا غيره، وجعله ابن عطية مستثنى من المفهوم فهو، كما يقول الزمخشري: مستثنى من أعم الأعم؛ لأن نفي العاصم يستلزم نفي المعصوم باستثناء المرحوم من رحم لازم لَا بها، وقيل: إنه استثناء منقطع، قال: وعادة الطلبة يقولون: جاء الحكم في زيادة لفظ اليوم مع أن العاصم من أمر الله منفي مطلقا، قال: فمفهومه أنه موجود في غير ذلك اليوم، قال: وأجيب بأنه مفهوم موافقة؛ لأن الإنسان ما يطلب على العاصم والمنجي إلا عند نزول الشدائد به والمصائب، أما إذا كان بمنجاة منا فلا يطلب عليه بوجه فإذا انتفى العاصم حالة الحرص على طلبه والحاجة إليه فأحرى أن ينتفي حالة عدم الحرص على طلبه والبحث عنه.
قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ... (٤٤)﴾
стр. 799
والماء فيها الجلال في إيضاح بيانه، ابن عرفة: وعادتهم يوردون فيها سؤالا وهو أن العادة المألوفة في الأراضي أن الإنسان يشتغل أولا بدفع الماء الوارد عليها قبل اشتغاله بزوال ما حصل فيها، وجاءت الآية على العكس، وأجيب بوجهين:
أحدهما: أن الماء كان يطلع من الأرض مثلما ينزل من السماء فهو أكثر لأن الأرض فيها ما فيها وما في السماء.
الثاني: أن المقصود حصول استقرار السفينة فكان الأهم البداء بالأرض التي تستقر فيها إذا بلغت ماءها، قال: وكان بعضهم يقول إن في الآية اللف والنشر، فقوله (وَغِيضَ الْمَاءُ) راجع لقوله (وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي).
قوله تعالى: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ... (٤٥)﴾
ابن عرفة: هذا السؤال بعد وقوع ما وقع إنما هو ليبين له فهم ما وقع عنده فيه وهمٌ وإشكال، وأورد الزمخشري هنا سؤالا، قال: كيف عطف هذا بالفاء مع أن الجملة الثانية في معنى الأولى؛ فالمناسب فيها الوصل لَا الفصل؟ وأجاب بأن المعنى أراد النداء (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) فهو من عطف المسبب على السببية ولو أراد النداء نفسه؛ لجاز بغير عطف كقوله (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) ابن عرفة: وكان بعضهم يقول في هذا بإن كان النفع بالنداء راجعا للمنادي فإِنه لَا يؤتى فيه بحرف العطف ولا بلفظ قال، كقوله تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا)، وإن كان النفع راجعا للمنادي؛ فإن لم يَكن فيه بعد وغرابة فإنه يؤتى فيه بقال دون حرف العطف، كقوله (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) إذ لَا غرابة في تضرع المخلوق للخالق، وإن كان فيه بعد وغرابة فإنه يؤتى فيه بقال مع حرف العطف، فهذه الآية إشعار بأن هناك مقدر؛ أي ناداه وخشع له وأظهر الذلة والافتقار (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي).
قوله تعالى: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي).
[على*] معنى مقدمتين، أي وكل أهلي ناج بوعدك الحق الصدق فإنني ناج، قال: وكان بعضهم يقول: في الآية حجة للمعتزلة القائلين بأن الأمر يستلزم الإرادة؛ لأن قبلها (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ) ففهم نوح ﵇ من أمره له بحمل أهله وعده له بسلامة من يحمله معه، فدل ذلك على أن الأمر يستلزم الإرادة إذ لو لم يستلزمها لما قال نوح (وَعْدَكَ الْحَقُّ) وأجيب بأنه إنما فهمه من القرائن
стр. 800
الحالية لَا من لفظ الأمر، وأخطأ ابن عطية هنا في أمرين؛ أحدهما أنه قال: وقرأ بعضهم (٤٦) [ (إنهُ عَمِلَ غَيرَ صَالِحٍ) *] وهي قراءة الكسائي: [وروت*] هذه القراءة أم سَلمة وعائشة عن النبي ﷺ ، وضعفها الطبري وطعن في الحديث؛ لأنه من طريق شهر بن حوشب، قال ابن عرفة: فتح الميم غير متواترة وهذا خطأ، الثاني: قوله في ولد نوح [إنه ليس*] يؤكده، وأن امرأته خائنة فيه، وأخطأ أبو حيان وقال: قرأ حمزة والكسائي (تَسْأَلَنِّ) بالنون والياء وليس [كذلك*]. إنما قرآ بالنون لا غير*] (١).
قوله تعالى: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)
وقال في سورة الأنعام (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) وتكلم عليها ابن عطية هناك، وتقدم لنا نحن الكلام عليها بما فيه كفاية.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ... (٤٧)﴾
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: معناه أن أسألك ما ليس لي به علم بإباحة السؤال عنه، ولا يسأل الإنسان إلا عن ما ليس له به علم، وقال (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ) بلفظ المستقبل، وكذلك في سورة قد أفلح (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ)، وقال في سورة الدخان (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ) بلفظ الماضي، فكان بعضهم يقول: حكمة ذلك أنه إن كان المستعيذ تقدمت منه حالة منافية لحالة الاستعاذة؛ فيؤتى بفعل الاستبعاد مستقبلا، ونوح ﵇ تقدم عنه السؤال، وموسى ﵇ ينتهي عنه سؤال.
قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ).
قال أكثر النحويين على أن حتى حرف غاية، وأن الغاية لازمة لها مطلقا، وقال ابن خروف في شرح سيبويه، قوله تعالى: (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) الزوج يطلق على الذكر وحده وعلى الأنثى وحدها، لقوله تعالى: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ)، ولو كان إنما يطلق على مجموع الزوجين لقال أربعة أزواج، وقدم الحيوان غير العاقل على الأهل؛ لأنه أقل لهم قدرة على القيام بأنفسهم بخلاف غير العاقل.
стр. 801
قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ).
نص ابن عصفور على أنه لَا يجوز استثناء المجهول، فلا يقول: قام القوم إلا رجال، وأجيب بأن من سبق عليه القول مجهول الذات، معلوم الوصف، كما نقول: قام القوم إلا الغفلاء.
قوله تعالى: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا).
ابن عرفة: على مقتضى تركيب هذه الآية يكون قول القائل: بسم الله عند أكله مريدا به آكل بسم الله أبلغ من قوله: بسم الله يريد به أبدأ بسم الله؛ لأنه في الأول ناله بركة التسمية في جميع الطعام، وكذلك اقتضت [أن اسم الله*] مصاحب لها في [الطعام*] من أوله إلى آخره.
قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ... (٥٢)﴾
قال ابن عطية: الاستغفار طلب [طلب المغفرة، وقد يكون ذلك باللسان، وقد يكون بإنابة القلب وطلب الاسترشاد والحرص على وجود المحجة الواضحة]، وهذه أحواله يمكن أن تقع من الكافرين، فكأنه قال لهم: اطلبوا غفران الله بالإنابة، وطلب الدليل في [نبوتي*] ثم توبوا بالإيمان من [كفركم*]، ثم تكلم ابن عطية بكلام كثير، ورده ابن عرفة: بأن التوبة من الكفر لَا يحتاج فيها إلى الندم على الكفر بوجه مغفور له كلما سلف فيه؛ لأن الإسلام يجبُّ ما قبله؛ بخلاف التوبة من المعاصي فإنها مظنونة فلا بد فيها من الندم على ما فات.
قوله تعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ... (٥٥)﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يأخذ منه أنه أعم بالمعجزة؛ لأنه أمرهم بأن يكيدوه فلم يقدروا مع أن الجماعة إذا اجتمعوا على الواحد يغلبونه من غير كيد فأحرى مع الكيد.
قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ... (٥٦)﴾
قال ابن عرفة: هذا من العام الباقي على عمومه، قيل له: إن الناموس والنحلة وغيرهما لَا ناصية لها، فقال: ناصية كل شيء بجنسه، أو ليس المراد حقيقة الناصية بل المراد القدرة على الأشياء والاستيلاء عليها.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ... (٥٧)﴾
стр. 802
أورد الزمخشري هنا أن الجزاء متأخر عن الشرط مع أن التولي متقدم في الآية على التبليغ، وأجاب بأن المراد: فإن تولوا فلا حرج لأني قد أبلغتكم، قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بوجهين:
الأول: أن ذلك إنما هو في الأمر البسيط والتبليغ مركب [فالتبليغ*] متقدم على التولي أو بعده؛ فإن قلتم: إنه [منفي*] قبله فلا فائدة لنفيه بعده، وإن قلتم: إنه مثبت قبل التولي خالفتم الإجماع إذ هو منفي عنه بالإجماع فلا يزال السؤال واردا.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)﴾
قال ابن عرفة: دخلت كل على جبار، ولم يقل: اتبعوا كل أمر جبار عنيد، هذا هو الصواب؛ لأن المراد أنهم اتبعوه فيما فيه مخالفة للشرع فلم يتبعوا كل أمره.
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ... (٦١)﴾
ثم قال (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) عطف استغفروه بالفاء، والتوبة بـ ثم؛ لأن الاستغفار طلب ودعاء، والطلب لما يحتاج فيه الإنسان إلى تردد لَا إلى تأمل، والتوبة فعل، والفعل لَا يقدم عليه الإنسان إلا بعد تأمل وتدبر.
قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ).
ابن عرفة: إن قلت كان الأصل أن يقول: أرأيتم إن كنت على بينة من ربي فيستحيل رجوعي عنها لأن من فهم المقدمتين والنتيجة حصل له علم ضروري بمعلوم يستحيل زواله عقلا، فالجواب أن الدليل البرهاني لَا يجادل به العوام؛ فأتاهم بما يفهمونه وهو الدليل الخطابي.
قوله تعالى: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ... (٦٢)﴾
أخذوا منها أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، قال: لأنه قال لهم: اعبدوا الله، فأجابوه بأنه نهاهم عن عبادة غيره إنكارا عليه، وأجيب بأن النهي راجع لقوله (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ... (٦٣)﴾
هذا الخطاب على سبيل التلطف؛ لأنه لو قال لهم: إنك على بينة من ربي لعائد وإن لم يرجعوا لقوله، وخاطبهم بـ[إن*] المقتضية للشك؛ لأنهم خاطبوه أيضا مخاطبة الشاك من ثلاثة أوجه:
стр. 803
أحدها: خطابهم له بلفظ الرجاء، والثاني: قد المقتضية للتوقع مع الماضي دون التحقيق، فقالوا: (قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا)، والثالث: قولهم (وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) ابن عرفة: الريب أخص من الشك فلذلك وصف به، قلت: وانظر ما تقدم في براءة في قوله تعالى: (وَارْتَابَت قُلُوبُهُمْ).
قوله تعالى: (فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ).
إما أن المراد غير خسارة تنالكم وعدم إيمانكم بلحوق العذاب بكم، والإهلاك وصل فيَّ بالغمِّ اللاحق لي بسبب كفركم، أو يراد الجميع؛ أي خسارة لي ولكم.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ ... (٦٩)﴾
قال ابن عرفة: قالوا [سلام الملائكة بليغ من جهة المصدر*]، وسلام إبراهيم بليغ من جهة إتيانه معبرا عنه بالاسم دون الفعل، والاسم يقتضي الثبوت واللزوم، ولذلك قال الشاعر:
[لَا يأْلَفُ الدرْهَمُ المَضْرُوبُ صُرّتَنا ... لكنِ يمُرُّ عَليها وَهْوَ مُنْطَلِقُ*]
وكان بعضهم يقول: إنما إلى سلام الملائكة بالفعل، وسلام إبراهيم بالاسم من ناحية أن سلام الأشرف بعيد على المشروف فما يتوهم عدم وقوعه بالفعل المقتضي للوقوع والتجرد، وسلام المشروف على الأشرف لَا يستغرق وقوعه، وإنما يتوهم فيه عدم الدوام بحصوله ثابت في الذهن؛ وإنما المتوهم انقطاعه وعدم دوامه فعبر عنه بالاسم المقتضي للثبوت واللزوم دائما، وقيل لابن عرفة: هذا على القول بأن الملائكة أشرف من الأنبياء، فقال: وإذ قلنا إن الأنبياء أشرف؛ فسلام الملائكة مما يستغرب؛ لأنه من سلام الجنس على غير جنسه، أما الرد فلا يستغرب، وانظر ما تقدم في أول سورة الفاتحة، وفي سورة الأنعام قوله (فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ).
قوله تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا).
قال ابن عرفة: جرت عادة المفسرين في القرآن إما تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لتخويف الكفار وزجرهم لما جرى لمن قبلهم.
قوله تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
إشارة إلى كمال افتقارهم؛ لأن الإله هو المفتقر إليه، وقولكم له (لَكُم) إشارة إلى عدم استقلالهم، وكمال احتياجهم إليه.
قوله تعالى: (أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ).
стр. 804
قال الزمخشري: أنشأ آباءكم.
وقال الفخر: أنشأنا من المني، والمني من الدم، والدم من الأغذية، والأغذية من النبات، والنبات من الأرض. قال ابن عرفة: وهذا أحسن ولا يحتاج فيه إلى إضمار.
قوله تعالى: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ).
إما بمعنى أنه أعمركم، وإما من العمر أي أبقاكم فيها، أو جعلكم معمرين غيركم أي [**قصور الجنة]، ورده بأنه ليس في هذا نعمة، والآية خرجت مخرج الامتنان.
قوله تعالى: (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ).
عطف استغفروه بالفاء للسبب؛ أي استغفروه بسبب هذه النعم، وعطف توبوا بـ ثم لأن الاستغفار دعاء وطلب والتوبة فعل، والإنسان ما يحتاج في المطلب إلى تروٍّ، وأما الفعل ولاسيما التوبة فإِنه لَا يقدم عليها حتى يتروى ويفكر.
قوله تعالى: (مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا).
قلت لابن عرفة: إن كان المراد به الزمن القريب من الحال فلا فائدة، فيدفع قوله (قَدْ كُنْتَ)، وإن أراد البعيد فذلك مناقض لمعنى قد، فقال: أتى به ليفيد أنه في الحال غير مرجو.
قوله تعالى: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ).
قال ابن عرفة: وذلك أن الإنسان إذا حصلت له [ ... ] يستحيل له [العلم الضروري*] الذي يستحيل زواله عقلا؛ بخلاف غير هذا، فإن الإنسان قد يكون يشرب الخمر ثم يتركه، ويكون يزني ثم يتوب، وصالح ﵇ قال (إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) قول يقال: كان الأصل أن يقول: إن كنت على بينة من ربي فيستحيل رجوعي عن ذلك؛ لأنه من الأمر الضروري الذي يستحيل زواله، فأجاب ابن عرفة: بأن الدليل البرهاني لَا يخاطب به العوام، فأتى بالدليل الخطابي، لأنه هو الذي يفهمونه.
قوله تعالى: (لَكُم آيَةً).
قال: آية حال، والحال من شرطها عند ابن عصفور الانتقال، وهذه ليست إلا آية، فأجاب بوجهين:
стр. 805
الأول: أن ابن هشام في شرح [الإيضاح*]. نص على عدم اشتراط الانتقال فيها.
والثاني: أنها مثل خلق الله [زيدا أزرق]؛ لأن الناقة من حيث هي يمكن أن تكون آية، [أو لا*].
قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ).
راجع لقوله تعالى: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ).
قوله تعالى: (الْعَزِيزُ).
راجع لقوله (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) لأن الخزي يستلزم الإذلال والإهانة وذلك ضد العز، وعبر بالديار هنا لأن الصيحة صوت عام ليخص كل واحد في خزيه على حدته والرجفة حركة يقال بجميعهم، ولا يتخلف بل هي في حقهم واحدة.
قوله تعالى: (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا).
شبه حالهم بعد الهلاك بحالهم قبل وجودهم، والوصف الجامع بينهم هو قوله تعالى: [(أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ) *] قال أبو طالب في القوت: إن البعد من الله أشد من العقوبة بعذابه، واستدل بأن قصة صالح وقصة هود محتجا بهما، فقيل: ألا بعدا لعاد قوم هود ألا بعدا لثمود.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا)
قيل: الظاهر أن اللام جواب قسم، وظاهر كلام الفخر أنها لام الابتداء، وهو غير صحيح؛ لأنها مع قد.
قوله تعالى: (رُسُلُنَا).
قال [الفخر: الصحيح أنهم ثلاثة لأنه المتعين*]، قال ابن عرفة: بل الصحيح أنهم اثنان؛ لأن أصل الجمع على أحد القولين؛ اثنان فهو يفيد الاثنين على كل مأول.
قوله تعالى: (قَالُوا سَلَامًا).
قال السكاكي وغيره من البيانيين: سلام إبراهيم أبلغ لأنه بالاسم والآخر بالفعل، فرده ابن عرفة بأن سلام الملائكة مؤكد بالمصدر فهو أبلغ؛ فصار كقوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، وأجيب بأن المصدر إنما يؤكد
стр. 806
الفعل المتقدم، والفعل يقتضي التجدد فأكده وبقي على ما هو عليه من اقتضائه التجدد، ورده ابن عرفة بأن قام زيد قياماً أبلغ من زيد قائم، قلت: وهنا ذكر أبو المطرف ابن عمير كلام السكاكي وهو أن الفعل يقتضي التجدد، والإخبار بالاسم يقتضي الثبوت، قال: هذا الرأي غريب ولا مستند له بعلمه إلا أن يكون قد سمع أن في مقولة أن يفعل وأن لَا يفعل، هذا المعنى من التجدد بحسب هذا الفعل القسيم للأسماء فذهب في غير طريق، ثم قال بعد كلام طويل: إن الثبوت صفة لَا بد لها من محل ومحلها السلام إذ هو الثابت، فهذا السلام إن كان المراد به المنطوق به المسموع بالصوت والحروف فقد تساوت السلامات في الحدوث؛ بل سلام الملائكة أسبق، وإن أراد به الكلام النفسي فقد تساوى أيضا في الشعور بدونها أن الإعراب هنالك، وإنما الإعراب للألفاظ المسموعة والمكتوبة، قال ابن عرفة: وهذا كلام في غاية الضعف، وعليه كان الفقيه أبو الطيب الفزاري: قال لي: لو مكني جمع نسخ ابن عميرة كلها لأحرقتها، وتعقبه عليه في قوله: إن الإخبار بالاسم يقتضي الثبوت غير صحيح.
قال الزمخشري: ذكره في قوله هذه السورة (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)، فانظر تجده فيه مستوفى، وذكر أيضا الزمخشري نحوه في أول سورة إبراهيم في قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَاب شَدِيدٍ)، وذكره أيضا الزمخشري في سورة الفاتحة في قوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
قوله تعالى: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ).
قلت له: لَا يصح أن يكون ما موصولة بمعنى الذي؛ لأنكم قلتم: إن المراد هنا إبراهيم فلا يصح أن يقع إلا بها ما لَا يعقل، فإِن قلتم: المراد بها العجل فأين العائد، فإِن قلتم: العائد الذي في لبث، قلت: اللبث من صفة إبراهيم لَا من صفة العجل.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ... (٨١)﴾
قرأ بالرفع والنصب، قال أبو عبد الله: ولو قرئ: ولا يلتفتُ برفع الفعل لصح رفع امرأتك ولكنه نهي؛ فلو استثنيت منه المرأة للزم إباحة الالتفات إليها فيفسد معنى الآية، قال ابن عطية: هذا مردود فإنه مستثنى من (أَحَدٌ) رُفعت التاء أو جزمت، وأجاب ابن عرفة: بأنه على قراءة الجزم يكون نهيا عن الالتفات؛ فيدل على إباحة ضده؛ بخلاف الرفع فإِنه نفي ونفي الشيء لَا يدل على ثبوت ما عداه بوجه.
стр. 807
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ... (٨٧)﴾
ابن عرفة: في الآية دليل على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده؛ لأن الصادر من شعيب ﵇ هو الأمر بعبادة الله سبحانه، فأجابوه بقولهم (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) فلو لم يكن الأمر بالشيء نهيا عن ضده لكان قولهم غير مطابق.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ... (٩٤)﴾
قال ابن عرفة: [إن قيل لأي شيء جاءت هذه الآية بالفاء في قصة هود ﵇*]؟ قالوا: قيل: لما [سيقت*] هذه الآية عقب ذكر الوعد، ناب الإتيان بالفاء المقتضية للتعقيب والإيجاز بخلاف الأخرى، وقال بعضهم: لما كان الوعد سببا في الإتيان بالموعود ناسب الإتيان بالفاء المقتضية للتسبب، وأما الآية الأخرى وهي آية هود ﵇ فليس فيها ذكر الوعيد فجاءت على الأصل، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾
قال ابن عرفة غير منقوص تأسيس لَا تأكيد؛ لأن قولك: أوفيت زيدا حقه محتمل أن يكون أوفيته إياه منقوصا أو غير منقوص.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ... (١١٢)﴾
الكاف إما للتعليل أو للسببية على أن ما موصولة والعائد محذوف؛ أي كما أمرت به، كقول الشاعر:
نُصَلِّي لِلَّذي صَلَّتْ قُرَيْشٌ ... وَنَعْبُدُهُ وَإِنْ جَحَدَ العُمُومُ
أي صلت قريش له، وعلى الأول تكون مصدرية، انتهى ما تقدم لابن عرفة فيها، وفي هذه الختمة قلت: وقدمت عنه في الختمة الأخرى أن ما مصدرية.
قوله تعالى: (استَغفِرُوا رَبَّكُم).
أضاف الرب إليهم، ثم قال (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) فأضافه إلى نفسه؛ لأن الأول طلب فناسب إضافته إلى وصف الربوبية المقتضي لرأفة المطلوب وضآلته على الطالب، ولا يقتضي حصول المطلوب، والثانية خبرية تقتضي حصول المخبر به؛ لأنها سبقته وحصول الرحمة من الله خاصة لشعيب، ولم يحصل منه لقومه؛ فلذلك أضاف الرب إليه فقط.
قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).
стр. 808
قلت لابن عرفة: هلا قال إن مولاي بما تعملون محيط؛ لأنه لفظ يدل على القهر؟ فقال: من نصرك على عدوك فقد رحمك برحمته لشعيب.
قوله تعالى: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ).
قالوا: المراد جميع بنات آدم، وقيل: المراد بنات لوط ﵇؛ فأورد على هذا أنه لم يكن له غير ابنتين فقط، وقد قال: (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) فكيف يعطي ابنتيه للجميع؟ فأجاب ابن عرفة بأن كلام لوط مع الأشراف الحاكمين على قومه، [ولم يخاطب بقوله*] (هَؤُلاءِ بَنَاتِي).
قوله تعالى: [(فَأَسْرِ).
قرئ [فاسر*] من [سرى*]، و (فأسر) من [أَسْرى*]، فقيل: ما الحكمة في قوله: (بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) دون في والسري لَا يكون إلا بالليل؟، فقال: ظاهر لفظ السري أنه في أول أزمنة الليل، فقال: يقطع من الليل ليفيد التوسعة، فإِنه لو سرى قبل انقضاء آخر أزمنة الليل لعد متمهلا.
قوله تعالى: (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ).
قرئ بالرفع بدل من أحد، قال ابن عطية: بل يلزم على القراءتين معا.
قال ابن عرفة: وهذا عندي غير صحيح؛ لأنه على قراءة الجزم يكون نهيا عن الالتفات والنهي عن الشيء يقتضي الإذن في ضده، بخلاف ما لو قرئ بالرفع فإِنه يكون خبرا منفيا، ونفي الشيء لَا يقتضي ما عداه، قال: إنه مثل قولهم: لَا لنهي لوط أي لَا تدع أحد منهم يلتفت، وحينئذ يصح الاستثناء ولا سؤال.
قوله تعالى: (وَاسْتَغفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ).
قال: لم أضاف الرب إليهم أولا ثم إليه ثانيا؟، فالجواب: أن الجملة طلبية فهو طلب منهم الاستغفار فناسب وصف الربوبية المقتضية للحنان والرأفة على طلب ذلك، والطلب لَا يقتضي حصول الجملة، والجملة الثانية خبرية تقتضي حصول المخبر به لأنها مثبتة [ ... ] لهم من الله رأفة ولا حنان فناسب إضافة الرب إليه في الخبر، وإضافته إليهم في الطلب [ ... ] لَا يقتضي حصول المطلوب؛ لأن الإنسان لا يطلب إلا ما لم يكن له حالا وقد يطلب ولا يحصل له شيء.
стр. 809
قوله تعالى: (أَعَزُّ عَلَيْكُم مِنَ اللَّهِ).
قلت: [دليل*] على تفضيلهم رهطه عليه وهو بعيد. [ ... ] العزة مطلقا، كقولهم (وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا) فهلا وبخهم على سلبهم عنه مطلق [العزة*] لا على سلب الأفضلية في العزة مطلقا.
قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى).
أي من أنباء أهل القرى، قيل: إنه من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والبناء أخص من الجر، والجر الذي فيه غرابة، فقال المشاهد: هي القرى لأن أهلها دبروا وانعدموا.
قوله تعالى: (مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ).
قال أبو البقاء: ومنها حصيد، قال ابن عرفة: لم احتاج إلى تقدير ومنها؛ فجعله من عطف الجمل، وهلا عطفه على قائم لكون المعنى أن منها قائم وحصيد فيبقى البعض الآخر غير مخبر عنه بشيء، قوله تعالى: (مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى) ولم يقل: من أنباء أهل القرى؛ لانعدامهم والشاهد إنما هي محالهم.
قوله تعالى: (فَمَا أَغْنَت عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ).
يؤخذ منه أنه ينبغي للإنسان أن يستحضر في جميع أحواله وحي الله.
قوله (وَمَا زَادُوهُم غَيرَ تَتْبِيبٍ) من تأكيد الذم بما يشبه المدح، قيل:
هو الكلبُ إلاَّ أنَّ فيه ملالةً ... وسوءَ مراعاةٍ وما ذاكَ في الكلبِ
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ... (١٠٢)﴾
شبه إهلاكه كل القرى الظالمة بإهلاكه هذه القرى، فهو شبيه الكلي بالجزئي لا يشبه الشيء نفسه.
قوله (زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) .. الزمخشري: الزفير إخراج النفس، والشهيق رده، قال الشاعر يصف حمارا:
بعيدُ مَدَى التَّطْرِيبِ أوّلُ صَوْتِهِ ... زفيرٌ ويتلوه شهيقٌ محشرج
стр. 810
ابن عرفة: لأن الحمار في أول نهاقه ينتج ألقاب القديم تصح عند رفع النفس.
قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ).
قيل: متصل، وقيل: منفصل، وقيل: ليس باستثناء، والقائلون بالاتصال اختلفوا، فقيل: أنه مستثنى من الأزمنة، والمراد أن أهل الشقاوة خالدون في جهنم أبدا إلا في بعض الأزمنة التي شاء وهذا يتناول الكافر [والعاصي*]، خرج الكافر بالإجماع؛ لأن العاصي هذا على مذهب أهل السنة في أن العاصي غير مخلد في النار، وقيل المراد به التي صح وهو ما بين الوجودين، وقيل: المراد زمن الحشر، وهذا لَا يصح؛ لأن زمن الحشر لَا يدخل في المستثنى منه؛ لأن المستثنى منه إنما يتناول زمن الخلود في النار فما بعده، وقال الزمخشري: المراد به الانتقال من العذاب بالنار إلى العذاب بالزمهرير ورد الزمخشري على أهل السنة بقوله تعالى: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) وقال في مقابله (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) فمعناه أنه يفعل بأهل النار ما يريد من العقاب كما يعطي لأهل الجنة عطاء الذي لَا انقطاع له، وأجاب ابن عرفة: بأنه جعل المراد الاستثناء الأول زمان الزمهرير فقد بأن انقطاع العذاب بالنار عنهم، وأن الخلود فيها غير محمول على ظاهره.
قال [الزمخشري: وما ظنك بقوم [نبذوا*] كتاب الله لما روي لهم بعض [النوابت*] عن عمرو بن العاص "ليأتي على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد"]، ابن عرفة، عن الجوهري: [النوابت*] هم [مِنَ الأَحداثِ: الأَغْمارُ*] من الذين، قال: والحديث حملته أهل السنة على الطبقة العليا من جهنم؛ وهي طبقة عصاة المسلمين، ونقل الطيبي، عن ابن الجوزي: أن هذا الحديث موضوع.
ابن عرفة: وهذا عبد الله بن عمرو هو الذي جرت المداولة بينه وبين النبي ﷺ في الصوم؛ لأنه كان صواما قواما، وكان مخلفا على غزوة حنين، يقول: والله ما ضربت فيها بسيف ولا طعنت فيها برمح، وقول [الزمخشري: ما كان لابن عمرو في سيفيه ومقالته بهما علي بن أبي طالب ما شغله عن سوق هذا الحديث]، يحتمل أنه يريد بسيفيه لسانه وسيفه، أو رمحه وسيفه، والأول أظهر لمصاحبة [ ... ] الزمخشري هنا على من تقدم وتأخر وأساء الأدب وعبد الله بن عمرو من الصحابة لا ينفي أن يكلم فيه [ ... ] بخير.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ... (١١٨)﴾