وزيتونًا ونخلاً * وحدائق غلبًا * وفاكهةً وأبًّا * متاعًا لكم ولأنعامكم (١)﴾ (٢).
إنك إذا تدبّرت هذه الآيات علمت أن الملاحدة ليسوا بعقلاء ولا بذوي سمع وبصر وفكر، ويقال للملاحدة الذين يسندون الأشياء إلى الطبيعة: هل هذه الطبيعة خالقة أم مخلوقه؟ قال الله : ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (٣)﴾.
لما كان العرب الذين نزل القرآن في عصرهم يفهمون الألفاظ العربية، قال جبير بن مطعم -وكان آنذاك مشركًا-: لما سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأ: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾. قال: كاد قلبي أن يطير، وفي رواية: فوقع الإيمان في قلبي.
أما هؤلاء فذاك أعجميّ، وذاك مخمور العقل، وذاك مخدّر بآلات الّلهو والطّرب، وذاك مخدّر بالفتيات الفاتنات، وذاك بليد، وذاك مشغول ببطنه، وصدق الله إذ يقول في وصفهم بأنّهم لا يعقلون ولا يسمعون ولا يهتدون ولا يتفكرون.
إنه يقال لهم: مال هذه الطبيعة لا تخلق الآن جبالاً، ولا تخلق للناس زرعًا عند حاجتهم إليه؟ ﴿كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلاّ
стр. 142
كذبًا (١)﴾.
أليس البعرة تدل على البعير؟ والأثر يدل على المسير؟ فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدل على اللطيف الخبير؟! ونسألهم: هل تستطيع الطبيعة أن تعلم ما في صدر المخلوق؟ وهل تستجيب للدعاء؟ أما الله فإنه يخبر نبيّه ببعض ما في صدور عباده، كما في دلائل النبوة.
والمسلم يدعو الله فيستجيب له ويرى الإجابة أمامه. فهل تستطيع الطبيعة أن تجيب الدعاء؟ وهل تستطيع الطبيعة أن تكثّر الماء القليل الذي هو قدر صاع حتى يروي ويتوضأ منه الخلق الكثير؟ وهل تستطيع الطبيعة أن تكثّر الطعام القليل الذي لا يكفي ثلاثة فيكفي الخلق الكثير، وقد أجْري هذا الخير الكثير وغيره على يدي نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما ذكرناه في "الصحيح المسند من دلائل النبوة.
هل تستطيع الطبيعة أن تخالف سنة الله أو أن تخلق إنسانًا لا ينام؟ هؤلاء الطبائعيون أشبه بالحمر.
ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون (٢)﴾.
فهم لو نظروا في تصرف الله فيهم، وفي قلوبهم وإرادتهم لما كابروا، فليأمروا الطبيعة أن تخلق لنا إنسانًا لا يبول ولا يتغوط!! أولست تريد أمرًا وتصمم عليه ويريد الله أمرًا غيره فتنصرف إلى ما يريده الله؟ وهذا أمر يحس
стр. 143
به كل أحد منا، ولكن صدق الله إذ يقول: ﴿فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب الّتي في الصّدور﴾ (١).
العاقل تتوارد على قلبه الدلائل الإلهية حتى إنه لا يدري بأيّها يبدأ كما قيل:
فيا عجبًا كيف يعصى الإله وفي كلّ شيء ... له آية ... أم كيف يجحده الجاحد تدلّ ... على أنه ... الواحد
نحن نأسف لبعض الملاحدة المخذولين الذين منّ الله عليهم وجعلهم من ذوي اللسان العربي ثم لا يشكرون الله على هذه النعمة، ويتّبعون أناسًا كالأنعام بل هم أضل، ذاك كوبي، وذاك روسي، أعاجم لا يفهمون الإسلام على حقيقته ولا يفهمون قول الله ولا قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولعل بعضهم لم يبلغه الإسلام على حقيقته.
جدير بأبناء اليمن أن لا يودّعوا عقولهم لماركس ولينين ومن جرى مجراهم من أئمة الضلال، فأنتم أيها اليمنيون لكم مواقف طيّبة في الدفاع عن الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفي الفتوحات الإسلامية، ثم بعد هذا تلحقون بأنفسكم الخزي وتحرمون نعيم الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
أي خير تحرمونه أيها الملاحدة؟ وأي خطر تعرّضون له أنفسكم؟ إنّها النار التي وقودها الناس والحجارة، وهناك لا تنفع المكابرة ولا ينفعك
стр. 144
ماركس ولينين، بل يكونان أمامك في النار أعاذنا الله وإياكم من عمى البصيرة، وثبّتنا بالقول الثابت في الدنيا والآخرة وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والملاحدة الذين يقولون: حوادث طبيعية. ينكرون القيامة، كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا.
قال الله : ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفًا * فيذرها قاعًا صفصفًا * لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا (١)﴾.
وقال : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدّث أخبارها * بأنّ ربّك أوحى لها * يومئذ يصدر النّاس أشتاتًا ليروا أعمالهم * فمن يعمل مثقال ذرّة خيرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرّة شرًّا يره﴾.
وقال : ﴿ياأيّها النّاس إن كنتم في ريب من البعث فإنّا خلقناكم من تراب ثمّ من نطفة ثمّ من علقة ثمّ من مضغة مخلّقة وغير مخلّقة لنبيّن لكم ونقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمًّى ثمّ نخرجكم طفلاً ثمّ لتبلغوا أشدّكم ومنكم من يتوفّى ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئًا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربتْ وأنبتت من كلّ زوج بهيج * ذلك بأنّ الله هو الحقّ وأنّه يحي الموتى وأنّه على كلّ شيء قدير * وأنّ السّاعة آتية لا ريب فيها وأنّ الله يبعث من في القبور * ومن النّاس من يجادل في الله بغير علم ولا
стр. 145
هدًى ولا كتاب منير * ثاني عطفه ليضلّ عن سبيل الله له في الدّنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (١)﴾.
وقال : ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثمّ جعلناه نطفةً في قرار مكين * ثمّ خلقنا النّطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغةً فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثمّ أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين * ثمّ إنّكم بعد ذلك لميّتون * ثمّ إنّكم يوم القيامة تبعثون (٢)﴾.
وقال : ﴿أولم ير الإنسان أنّا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين * وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم * قل يحييها الّذي أنشأها أوّل مرّة وهو بكلّ خلق عليم * الّذي جعل لكم من الشّجر الأخضر نارًا فإذا أنتم منه توقدون * أوليس الّذي خلق السّموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاّق العليم * إنّما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون * فسبحان الّذي بيده ملكوت كلّ شيء وإليه ترجعون﴾ (٣).
وقال : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * ق * والقرآن المجيد * بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافر ون هذا شيء عجيب * أئذا متنا وكنّا ترابًا ذلك رجع بعيد * قد علمنا ما تنقص الأرض منهم
стр. 146
وعندنا كتاب حفيظ * بل كذّبوا بالحقّ لمّا جاءهم فهم في أمر مريج * أفلم ينظروا إلى السّماء فوقهم كيف بنيناها وزيّنّاها وما لها من فروج * والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كلّ زوج بهيج * تبصرة وذكرى لكلّ عبد منيب * ونزّلنا من السّماء ماءً مباركًا فأنبتنا به جنّات وحبّ الحصيد * والنّخل باسقات لها طلع نضيد * رزقًا للعباد وأحيينا به بلدةً ميتًا كذلك الخروج (١)﴾.
وقال : ﴿وكانوا يقولون أئذا متنا وكنّا ترابًا وعظامًا أئنّا لمبعوثون * أو آباؤنا الأوّلون * قل إنّ الأوّلين والآخرين * لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم * ثمّ إنّكم أيّها الضّالّون المكذّبون * لآكلون من شجر من زقّوم * فمالئون منها البطون * فشاربون عليه من الحميم * فشاربون شرب الهيم * هذا نزلهم يوم الدّين * نحن خلقناكم فلولا تصدّقون * أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدّرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدّل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون * ولقد علمتم النّشأة الأولى فلولا تذكّرون * أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزّارعون * لو نشاء لجعلناه حطامًا فظلتم تفكّهون * إنّا لمغرمون * بل نحن محرومون * أفرأيتم الماء الّذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشاء جعلناه أجاجًا فلولا تشكرون * أفرأيتم النّار الّتي تورون * أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون * نحن جعلناها تذكرة ومتاعًا للمقوين *
стр. 147
فسبّح باسم ربّك العظيم (١)﴾.
وقال : ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون * فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونها إن كنتم صادقين (٢)﴾.
وقال : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنّفس اللّوّامة * أيحسب الإنسان ألّن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوّي بنانه * بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسأل أيّان يوم القيامة * فإذا برق البصر * وخسف القمر * وجمع الشّمس والقمر * يقول الإنسان يومئذ أين المفرّ * كلا لاوزر * إلى ربّك يومئذ المستقرّ * ينبّأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخّر (٣)﴾.
وقد سمّى الله القيامة بالحاقة، والواقعة، والطامة، والصاخة، والنبأ العظيم. ولو حصرتْ آيات البعث لكانت كتابًا مستقلاً، وما أحوج القارئ إلى تدبّرها من كتاب الله، وأما السّنة فقد ألّف الحافظ البيهقي كتابًا في البعث.
فالمؤمن إذا آمن بالبعث وبالميزان والصراط والجنة والنار، وعلم أنه مسئول عن عمله؟ انكفّ عن المعاصي وأقبل على الطاعات، وأيضًا يصبر على المظالم إذا ظلم ويعلم أن تلك المظالم ستلقاه عند الله.
أما الملاحدة فإنّهم ينكرون البعث لإشباع رغباتهم البهيمية، وأيضًا
стр. 148
البعث يدعو إلى الإيمان بالله وهم لا يريدون أن يؤمنوا إلا بالإلحاد.
قتلوا الأنفس البريئة المسلمة، وأخذوا أموال المسلمين ظلمًا وقهرًا، وهتكوا الأعراض، وأفسدوا البلاد والعباد، وهم أيضًا يزيّنون ذلك، وإذا عجزوا عن مقاومة قبيلة أرسلوا من يسمّم لهم المياه، فتنوا بحب السلطة الجائرة الظالمة، وغطّى الخمر على عقولهم عن تدبر الآيات التي فيها البعث والجزاء والحساب، ثم يشكّكون الناس بشبه داحضة من تلبيس إبليس، فإبليس في هذا الموضع أقل منهم مكابرة: ﴿قال ربّ فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنّك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم﴾ (١).
ويقول الشيطان يوم القيامة ما حكاه الله عنه بقوله: ﴿وقال الشّيطان لمّا قضي الأمر إنّ الله وعدكم وعد الحقّ ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ إنّي كفرت بما أشركتموني من قبل إنّ الظّالمين لهم عذاب أليم﴾ (٢).
والملاحدة الذين لا يؤمنون بالبعث أقل من القليل، وغالب أتباعهم إمّا أن يتّبعوهم خوفًا منهم، وإمّا عدم مبالاة بالدّين، إني أذكّر الجميع بقوله تعالى: ﴿وبرزوا لله جميعًا فقال الضّعفاء للّذين استكبروا إنّا كنّا لكم تبعًا فهل أنتم مغنون عنّا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم
стр. 149
سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ (١).
وبقوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ الظّالمون موقوفون عند ربّهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الّذين استضعفوا للّذين استكبروا لولا أنتم لكنّا مؤمنين * قال الّذين استكبروا للّذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين * وقال الّذين استضعفوا للّذين استكبروا بل مكر اللّيل والنّهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادًا وأسرّوا النّدامة لمّا رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الّذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿ولو يرى الّذين ظلموا إذ يرون العذاب أنّ القوّة لله جميعًا وأنّ الله شديد العذاب * إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب * وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّة فنتبرّأ منهم كما تبرّؤا منّا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النّار﴾ (٣).
هؤلاء الملاحدة رءوس الكفر والضلال سيتبرّءون من أتباعهم يوم القيامة.
والآيات التي ذكرناها في البعث والنشور كافية لمن أراد الله هدايته، ومن يضلل فما له من هاد.
стр. 150
ثم وجدت للحافظ ابن القيم ﵀ كلامًا قيمًا حول الطبيعة في "مفتاح دار السعادة (ج٢ ص ١٩٤) بتحقيق أخينا الفاضل: علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد حفظه الله، قال ﵀:
كرر النظر في نفسك فارجع الآن إلى نفسك، وكرر النظر فيك، فهو يكفيك.
وتأمل أعضاءك وتقدير كل عضو منها للأرب والمنفعة المهيأ لها: فاليدان للعلاج والبطش والأخذ والإعطاء والمحاربة والدفع، والرجلان لحمل البدن والسعي والركوب وانتصاب القامة، والعينان للاهتداء والجمال والزينة والملاحة ورؤية ما في السموات والأرض وآياتهما وعجائبهما، والفم للغذاء والكلام والجمال وغير ذلك، والأنف للنّفس وإخراج فضلات الدماغ وزينةً للوجه، واللسان للبيان والترجمة عنك، والأذنان صاحبتا الأخبار تؤدّيانها إليك، واللسان يبلّغ عنك، والمعدة خزانة يستقر فيها الغذاء فتنضجه وتطبخه، وتصلحه إصلاحًا آخر وطبخًا آخر غير الإصلاح والطبخ الذي توليته من خارج، فأنت تعاني إنضاجه وطبخه وإصلاحه حتى تظن أنه قد كمل، وأنه قد استغنى عن طبخ آخر وإنضاج آخر، وطبّاخه الداخل ومنضجه يعاني من نضجه وطبخه ما لا تهتدي إليه ولا تقدر عليه، فهو يوقد عليه نيرانًا تذيب الحصى وتذيب ما لا تذيبه النار، وهي في ألطف موضع منك لا تحرقك ولا تلتهب عليك، وهي أشد حرارةً من النار، وإلا فما يذيب هذه الأطعمة الغليظة الشديدة جدًّا حتى يجعله ماءً ذائبًا! وجعل الكبد للتّخليص وأخذ صفو الغذاء وألطفه، ثم رتّب منها مجاري وطرق يسوق بها الغذاء إلى كل عضو وعظم وعصب ولحم وشعر وظفر، وجعل
стр. 151
المنافذ والأبواب لإدخال ما ينفعك وإخراج ما يضرك. وجعل الأوعية المختلفة خزائن تحفظ مادة حياتك: فهذه خزانة للطعام، وهذه خزانة للحرارة، وهذه خزائن للدم، وجعل منها خزائن مؤديات لئلا تختلط بالخزائن الأخر، فجعل خزائن للمرة السوداء، وأخرى للمرة الصفراء، وأخرى للبول، وأخرى للمني.
فتأمل حال الطعام في وصوله إلى المعدة، وكيف يسري منها في البدن، فإنه إذا استقر فيها اشتملت عليه وانضمت، فتطبخه وتجيد صنعتة، ثم تبعثه إلى الكبد في مجار دقاق، وقد جعل بين الكبد وبين تلك المجاري غشاء كالمصفاة الضيّقة الأبخاش تصفّيه، فلا يصل إلى الكبد منة شيء غليظ خشن، فينكؤها لأن الكبد رقيقة لا تحمل الغليظ، فإذا قبلته الكبد أنفذته إلى البدن كله في مجار مهيأة له بمنْزلة المجاري المعدة للماء ليسلك في الأرض فيعمها بالسقي، ثم يبعث ما بقي من الخبث والفضول إلى مغايض ومصارف قد أعدّت لها، فما كان من مرّة صفراء بعثت به إلى المرارة، وما كان من مرّة سوداء بعثت به إلى الطحال، وما كان من الرطوبة المائية بعثت به إلى المثانة.
فمن ذا الذي تولى ذلك كله وأحكمه ودبّره وقدّره فأحسن تقديره؟.
وكأني بك أيها المسكين تقول: هذا كله من فعل الطبيعة، وفي الطبيعة عجائب وأسرار فلو أراد الله أن يهديك لسألت نفسك بنفسك، وقلت: أخبريني عن هذه الطبيعة، أهي ذات قائمة بنفسها لها علم وقدرة على هذه الأفعال العجيبة؟ أم ليست كذلك؟ بل عرض وصفة قائمة بالمطبوع تابعة له محمولة فيه.
стр. 152
فإن قالت لك: بل من ذات قائمة بنفسها، لها العلم التام والقدرة والإرادة والحكمة.
فقل لها: هذا هو الخالق البارئ المصوّر، فلم تسمّيه طبيعةً!؟ ويالله من (١) ذكر الطبائع ومن يرغب فيها! فهلاّ سميته بما سمّى به نفسه على ألسن رسله ودخلت في جملة العقلاء والسعداء، فإن هذا الذي وصفت به الطبيعة صفته تعالى.
وإن قالت لك: بل الطبيعة عرض محمول مفتقر إلى حامل، وهذا كله فعلها بغير علم منها ولا إرادة ولا قدرة ولا شعور أصلاً، وقد شوهد من آثارها ما شوهد!
فقل لها: هذا ما لا يصدقه ذو عقل سليم، كيف تصدر هذه الأفعال العجيبة والحكم الدقيقة التي تعجز عقول العقلاء عن معرفتها وعن القدرة عليها ممن لا عقل (٢) له ولا قدرة ولا حكمة ولا شعور؟ وهل التصديق بمثل هذا إلا دخول في سلك المجانين والمبرسمين (٣).
ثم قل لها بعد: ولو ثبت لك ما ادّعيت، فمعلوم أن مثل هذه الصفة ليست بخالقة لنفسها ولا مبدعة لذاتها، فمن ربها ومبدعها وخالقها؟ ومن طبعها وجعلها تفعل ذلك؟ فهي إذاً من أدلّ الدلائل على بارئها وفاطرها
стр. 153
وكمال قدرته وعلمه وحكمته، فلم يجد بك تعطيلك رب العالم وجحْدك لصفاته وأفعاله إلا مخالفتك العقل والفطرة.
ولو حاكمناك إلى الطبيعة لأريناك أنك خارج عن موجبها، فلا أنت مع موجب العقل ولا الفطرة ولا الطبيعة ولا الإنسانية أصلاً، وكفى بذلك جهلاً وضلالاً، فإن رجعت إلى العقل وقلت: لا يوجد حكمة إلا من حكيم قادر عليم، ولا تدبير متقن إلا من صانع قادر مختار مدبّر عليم بما يريد قادر عليه، لا يعجزه ولا يصعب عليه ولا يؤوده.
قيل لك: فإذا أقررت -ويحك- بالخلاّق العظيم الذي لا إله غيره، ولا رب سواه فدع تسميته طبيعة أو عقلاً فعالاً أو موجبًا بذاته، وقل: هذا هو الله الخالق البارئ المصور رب العالمين وقيّوم السموات والأرضين ورب المشارق والمغارب الذي أحسن كل شيء خلقه وأتقن ما صنع، فما لك جحدت أسماءه وصفاته بل وذاته.
وأضفت صنعه إلى غيره وخلقه إلى سواه، مع أنك مضطّر إلى الإقرار به وإضافة الإبداع والخلق والربوبية والتدبير إليه ولا بد، فالحمد لله رب العالمين.
على أنك لو تأملت قولك: (طبيعة) ومعنى هذه اللفظة، لدلك على الخالق البارئ لفظها كما دل العقول عليه معناها، لأن (طبيعة) فعيلة بمعنى مفعولة، أي: مطبوعة، ولا يحتمل غير هذا البتّة، لأنّها على بناء الغرائز التي ركّبت في الجسم ووضعت فيه كالسجيّة والغريزة والبحيرة والسليقة والطبيعة، فهي التي طبع عليها الحيوان وطبعت فيه.
стр. 154
ومعلوم أن طبيعةً من غير طابع لها محال، فقد دل لفظ الطبيعة على الباري تعالى كما دل معناها (١) عليه.
والمسلمون يقولون: إن الطبيعة خلق من خلق الله مسخّر مربوب، وهي سنته في خليقته التي أجراها عليه، ثم إنه يتصرف فيها كيف شاء وكما شاء، فيسلبها تأثيرها إذا أراد ويقلب تأثيرها إلى ضده إذا شاء ليري عباده أنه وحده البارئ المصور، وأنه يخلق ما يشاء كما يشاء: ﴿إنّما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون (٢)﴾.
وأن الطبيعة التي انتهى نظر الخفافيش إليها إنما هي خلق من خلقه بمنزلة سائر مخلوقاته.
فكيف يحسن بمن له حظ من إنسانية أو عقل أن ينسى من طبعها وخلقها ويحيل الصنع والإبداع عليها؟!
ولم يزل الله سبحانه يسلبها قوتها ويحيلها ويقلبها إلى ضد ما جعلت له حتى يري عباده أنّها خلقه وصنعه مسخرة بأمره: ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين (٣)﴾. اهـ
وقال ﵀ (ج٢ ص٢١٣):
من أين للطبيعة هذا الاختلاف والفرق الحاصل في النوع الإنساني بين
стр. 155
صورهم؟ فقلّ أن يرى اثنان متشابهان من كل وجه، وذلك من أندر ما في العالم، بخلاف أصناف الحيوان كالنعم والوحوش والطير وسائر الدواب، فإنك ترى السّرب من الظّباء، والثلّة من الغنم، والذود من الإبل، والصوار من البقر، تتشابه حتى لا يفرق بين أحد منها وبين الآخر إلا بعد طول تأمّل أو بعلامة ظاهرة، والناس مختلفة صورهم وخلقتهم، فلا يكاد اثنان منهم يجتمعان في صفة واحدة وخلقة واحدة، بل ولا صوت واحد ولا حنجرة واحدة.
والحكمة البالغة في ذلك أن الناس يحتاجون إلى أن يتعارفوا بأعيانهم وحلاهم، لما يجري بينهم من المعاملات، فلولا الفرق والاختلاف في الصور لفسدت أحوالهم، وتشتت نظامهم، ولم يعرف الشاهد من المشهود عليه، ولا المدين من ربّ الدّيْن، ولا البائع من المشتري، ولا كان الرجل يعرف عرْسه (١) من غيرها للاختلاط، ولا هي تعرف بعلها من غيره، وفي ذلك أعظم الفساد والخلل، فمن الذي ميّز بين حلاهم وصورهم وأصواتهم، وفرّق بينها بفروق لا تنالها العبارة ولا يدركها الوصف؟!
فسل المعطل: أهذا فعل الطبيعة؟ وهل في الطبيعة اقتضاء هذا الاختلاف والافتراق في النوع؟
وأين قول الطبائعيين: إن فعلها متشابه لأنّها واحدة في نفسها، لا تفعل بإرادة ولا مشيئة، فلا يمكن اختلاف أفعالها!
فكيف يجمع المعطل بين هذا وهذا؟!
стр. 156
﴿فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب الّتي في الصّدور﴾ (١).
وربما وقع في النوع الإنساني تشابه بين اثنين لا يكاد يميز بينهما، فتعظم عليهم المؤنة في معاملتهما، وتشتد الحاجة إلى تمييز المستحق منهما والمؤاخذ بذنبه ومن عليه الحق، وإذا كان (٢) يعرض هذا في التشابه في الأسماء كثيرًا ويلقى الشاهد والحاكم من ذلك ما يلقى، فما الظن لو وضع التشابه في الخلقة والصورة؟!
ولما كان الحيوان البهيم والطير والوحوش لا يضرها هذا التشابه شيئًا لم تدع الحكمة إلى الفرق بين كل زوجين منها، فتبارك الله أحسن الخالقين الذي وسعت حكمته كل شيء. اهـ
стр. 157
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، وصلى الله وسلّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليمًا كثيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن في قصص المتقدمين، وما أنزل الله بهم من غضبه وعقابه بسبب إعراضهم عن ما جاءت به رسلهم عبرةً وعضة.
يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وكأيّن من قرية عتت عن أمْر ربّها ورسله فحاسبناها حسابًا شديدًا وعذّبناها عذابًا نكرًا﴾ (١).
ويقول في كتابه الكريم: ﴿فأمّا ثمود فأهلكوا بالطّاغية * وأمّا عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية * سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيّام حسومًا فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية (٢)﴾.
وقال تعالى حاكيًا عن موسى: ﴿وقال موسى ربّنا إنّك آتيت فرعون وملأه زينةً وأموالاً في الحياة الدّنيا ربّنا ليضلّوا عن سبيلك ربّنا اطمس على أموالهم واشْدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتّى يروا العذاب الأليم (٣)﴾.
стр. 158
وقال تعالى حاكيًا عن قوم يونس: ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لمّا آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدّنيا ومتّعناهم إلى حين (١)﴾.
وقال تعالى: ﴿ونخوّفهم فما يزيدهم إلا طغيانًا كبيرًا (٢)﴾.
فقصص الأولين تعتبر عبرة لنا وزاجرًا لنا، أن نرد شيئًا مما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعلينا أن نتوب إلى الله.
وقصة الثلاثة النفر الذين انطبقت عليهم الصخرة ثم فرجت عنهم بسبب أن تضرعوا إلى الله بصالح أعمالهم.
ففي "الصحيحين" عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((بينما ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم، إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم. فقال بعضهم لبعض: إنّه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصّدق، فليدْع كلّ رجل منكم بما يعلم أنّه قد صدق فيه. فقال واحد منهم: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرزّ فذهب وتركه، وأنّي عمدّت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أنّي اشتريت منه بقرًا، وأنّه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنّما لي عندك فرق من أرزّ. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنّها من ذلك الفرق، فساقها. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنّا. فانساخت عنهم الصّخرة. فقال الآخر: اللهمّ إن
стр. 159
كنت تعلم أنّه كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت آتيهما كلّ ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ليلةً فجئت وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت لا أسقيهم حتّى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما فيستكنّا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتّى طلع الفجر. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنّا. فانساخت عنهم الصّخرة حتّى نظروا إلى السّماء. فقال الآخر: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي ابنة عمّ من أحبّ النّاس إليّ، وأنّي راودّتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتّى قدرْت فأتيتها بها، فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلمّا قعدت بين رجليها فقالت: اتّق الله ولا تفضّ الخاتم إلا بحقّه، فقمت وتركت المائة الدينار. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنّا. ففرّج الله عنهم فخرجوا)).
فعلينا أن نتضرّع إلى الله أن يحفظ بلدنا، وعلينا أن نتضرّع إلى الله أن ينتقم ممن يريد نشر الفساد والفتن في بلدنا.
فبلاد المسلمين كلها على خطر، والفساد فيها منتشر.
أما أولئك الذين قدّر الله عليهم في هذا الزّلزال بالهدم فإنّهم إذا كانوا صالحين ولم يكونوا شيوعيّين، ولا بعثيّين، ولا ناصريّين، ولا حداثيّين، ولا علمانيّين، فإنّهم شهداء، ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((الشّهداء خمسة -وذكر منهم:- صاحب الهدم)).
لكن من كان متعلقًا بحزبيّة خبيثة كالشيوعيّين وغيرهم، أو كانت له نيّة
стр. 160
سوء، فإنه يبعث على نيّته الخبيثة.
فعلينا أن نتوب وأن نرجع إلى الله ، فإن الله يقبل التوبة من عبده، وأن نعلن الكفر بما أتانا من قبل أعداء الإسلام مما يخالف دين الإسلام.
فيجب ألا نكون إمّعة، فقد أصبح المسلمون إمّعة، أصبحوا تبعًا: إما لحكامهم، وإما لعلماء السوء: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم ولا تتّبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكّرون (١)﴾.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
стр. 161
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿ياأيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون﴾
﴿ياأيّها النّاس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرًا ونساءً واتّقوا الله الّذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيبًا﴾.
﴿ياأيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفرْ لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾.
أما بعد: فيقول الله في كتابه الكريم: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسّنين ونقص من الثّمرات لعلّهم يذكّرون * فإذا جاءتْهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيّئة يطّيّروا بموسى ومن معه ألا إنّما طائرهم عند الله ولكنّ أكثرهم لا يعلمون * وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين * فأرسلنا عليهم الطّوفان والجراد والقمّل والضّفادع
стр. 162
والدّم آيات مفصّلات فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين (١)﴾.
في هؤلاء الآيات المباركات بيان انتقام الله من الظالمين، إنّها سنة الله في خلقه وإن لله جنودًا: ﴿وما يعلم جنود ربّك إلا هو (٢)﴾.
فجميع ما خلقه الله هو مسخر لإرادة الله وتحت أمره، فقد يبتلي الله الناس بالجوع، وأنت إذا قرأت في "المدهش" ص (٦٤ - ٧٠) لابن الجوزي ﵀ وجدت أممًا تموت من الجوع.
وفي "مسند الإمام أحمد" عن صهيب ﵁ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا صلّى همس شيئًا لا نفهمه، ولا يحدّثنا به. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((فطنتم لي))؟ قال قائل: نعم. قال: ((فإنّي قد ذكرت نبيًّا من الأنبياء أعطي جنودًا من قومه فقال: من يكافئ هؤلاء، أو من يقوم لهؤلاء، قال: فأوحى الله إليه: اختر لقومك بين إحدى ثلاث: إمّا أن أسلّط عليهم عدوًّا من غيرهم أو الجوع أو الموت. قال: فاستشار قومه في ذلك. فقالوا: أنت نبيّ الله نكل ذلك إليك فخر لنا. قال: فقام إلى صلاته. قال: وكانوا يفزعون إذا فزعوا إلى الصّلاة. قال: فصلّى. قال: أمّا عدوّ من غيرهم فلا، أو الجوع فلا، ولكن الموت. قال: فسلّط عليهم الموت ثلاثة أيّام فمات منهم سبعون ألفًا. فهمسي الّذي ترون أنّي أقول: اللهمّ يا ربّ بك أقاتل وبك أصاول ولا حول ولا قوّة إلا بالله)).
فإذا قرأت في التاريخ تجد أممًا قد ماتت من الجوع، وربما ينتهي بهم
стр. 163
الحال إلى أن يأكل بعضهم بعضًا، ومن الذي يستطيع أن يقاوم الله؟ وأن يفرض إرادته على الله ؟!
ومن الأمم أيضًا: من مات بسبب المرض، أو بسبب من الأسباب، بل ربما تنْزل حجارةً من السماء، وكل هذا بسبب الذنوب.
يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنّةً يأتيها رزقها رغدًا من كلّ مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (١)﴾.
إن هذه الأمة قد ارتكبت الجرائم التي ارتكبتها الأم المتقدمة.
فعلينا أن نرجع إلى الله لعله يرحمنا.
ويقول في كتابه الكريم: ﴿لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنّتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربّكم واشكروا له بلدة طيّبة وربّ غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدّلناهم بجنّتيهم جنّتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل (٢)﴾.
نذكر هذا حتى لا يغتر أحد بما آتاه الله : ﴿قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورًا فمن يأتيكم بماء معين (٣)﴾.
﴿وأحيط بثمره فأصبح يقلّب كفّيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على
стр. 164
عروشها (١)﴾.
وهكذا أيضًا جنة أصحاب (ن) وما حدث لها.
فعلينا أن نرجع إلى الله ، فإن عذاب الله شديد، وانتقام الله شديد، فهو وإن كان غفورًا رحيمًا فإنّه شديد العقاب.
علينا أن نرجع إلى الله تعالى قبل أن يحلّ بنا ما حلّ بغيرنا.
فإخواننا (بالعدين) أصبحوا مصرفًا للزكاة، وأصبحوا محتاجين إلى مد يد العون، ولكن أن ترسل مع يد أمينة، أو تذهب بما أعطاك الله من المال إلى أولئك المنكوبين الذين قد حلّت لهم المسألة. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((إن المسألة لا تحلّ إلاّ لثلاثة -وذكر-: رجلاً أصابته جائحة)).
فقد أصابتهم جائحة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
وهذا أمر يعتبر موعظة وذكرى، وهو أن ترى البيوت المهدمة والمشققة إلى غير ذلك، فإن الله ينتقم لنفسه، فقد أصبح الناس لا ينتقمون لدين الله، ولكن ينتقمون لأنفسهم فالحدود معطلّة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معطّل في كثير من البلاد الإسلامية الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في "سنن أبي داود" من حديث أبي بكر الصديق ﵁: ((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثمّ يقدرون على أن يغيّروا، ثمّ لا يغيّروا، إلا يوشك أن يعمّهم الله منه بعقاب)).
وقد أخبرت أن في بعض البلاد المجاورة إذا كان الشخص عنده حملة
стр. 165
حطب، قد وضعها عند الباب، أو عنده كبش من الغنم، أو عنده سيارة إلى غير ذلك، فإنه يحتاج إلى أن يحرس هذا، فقلت للأخ: لعلها عصابة؟ قال: لا، ولكن عصابة الجوع.
فعلينا أن نحمد الله ، وأن نؤدي الزكاة، وأن نصل الرحم، ونساعد المنكوب، علينا أن نتقي الله، حتى يحفظنا الله في أنفسنا وأموالنا، وأولادنا وديننا، لا تقل: أنا ارتكبت ذنبًا صغيرًا ففي الناس من يرتكب الكبائر، لا، ولكن عليك نفسك وإصلاح نفسك، ثم أن تحاول إصلاح الآخرين: ﴿ولولا دفع الله النّاس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرنّ الله من ينصره إنّ الله لقويّ عزيز * الّذين إن مكّنّاهم في الأرض أقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (١)﴾.
فهل هذه الخصال متوفرة فينا؟ وهل هي متوفرة في مسئولينا؟ وهل هي متوفرة في مجتمعاتنا؟: ﴿الّذين إن مكّنّاهم في الأرض أقاموا الصّلاة﴾ فربما تقوم تصلي، وولدك نائم بين الفراش، ﴿وآتوا الزّكاة﴾، صرفوها في مصارفها الثمانية: ﴿وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر (٢)﴾ الأمر بالمعروف الذي يعتبر قطب رحى الإسلام، والرحى دائرة عليه، فقد أصبح ميّتا ومعدومًا في يمننا، ولو أنك أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر، فأول من يعارضك الشيعة هداهم الله، أو قطع دابرهم.
стр. 166
وسأذكر قصة لا بد من ذكرها، فقد كان الأخ (محمد القعيصي) يدعو يهوديًّا إلى الإسلام، فجاء شاب شيعيّ يدخل بينه وبين اليهودي، والناس مجتمعون، والعساكر محيطون، وإذا هو يريد أن يعارض (القعيصي) فأخذ يده ولطمه حتى خرّ على قفاه، وانتقده الحاضرون كلهم، وقالوا: هذا اللئيم يسوؤه أن يسلم اليهودي.
اللهم عليك بالشيعة فإنّهم وقفوا في وجه الدعوة، وأخّروا الدعوة إلى الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر أمانًا لمجتمعاتنا أصبح ميّتًا، وأصبحت الشيعة يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف. فهم يأمرون بمحاربة أهل السنة وهو منكر، فماذا عمل بهم أهل السنة؟ وهم ينهون عن المعروف الذي هو دعوة أهل السنة إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولسنا ننافسهم على كراسيهم، ولسنا نستحل دماءهم، ولا أعراضهم، ولا أموالهم. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 167
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليمًا كثيرًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فيقول الله في كتابه الكريم: ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضّرّاء لعلّهم يتضرّعون * فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ولكن قست قلوبهم وزيّن لهم الشّيطان ما كانوا يعملون * فلمّا نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتّى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الّذين ظلموا والحمد لله ربّ العالمين (١)﴾.
إننا نخشى معشر المسلمين أن يكون ما فتحه الله على كثير من البلاد استدراجًا من الله ، هل نشكر نعمته أم نكفرها؟
إن المسلمين الآن أصبحوا يهرولون بعد أعداء الإسلام، ويظنون أن أعداء الإسلام تقدّموا بسبب الكفر والإلحاد، وبسبب المعاصي، والواقع أن أعداء الإسلام تقدّموا بسبب جدّهم واجتهادهم.
стр. 168
والمسلمون وخصوصا في الشعب اليمني، الثلثان من الوقت يضيّعونهما، لأن الطيّب منهم يشتغل إلى الظهر، ومن بعد الظهر على الشجرة الأثيمة (القات) إلى الساعة الرابعة من بعد العشاء وقد وجدت بعينيّ من يصلي المغرب والعشاء الساعة الرابعة بعد ما انتهى من مجلس القات ألستم مسئولين عن هذه الأوقات؟!
إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يسْأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم وضعه، وعن علمه ماذا عمل فيه)).
ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((احْرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزْ)).
فينبغي أن تحرص على ما ينفعك في أمر دينك ودنياك، وألاّ تكون كسولاً، وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالله من العجز والكسل.
شباب في خيرة أعمارهم يضيّعون أوقاتهم في هذه الشجرة الأثيمة. علينا أن نتقي الله، وأن نحرص على تعلّم العلم النافع، ونحرص على صلة الرحم، ونحرص على الإحسان إلى الجار، وقبل هذا كله على تعلم العقيدة الصحيحة.
إذا أردتم أن يرفعكم الله فلا تكونوا إمّعة، فإن الذي يكون إمّعة لا يزال منهزمًا.
انظروا إلى الذين صفّقوا (لصدام) أصبحوا منهزمين نفسيًا.
إن تلك الشجرة الأثيمة أخذت عقول كثير من اليمنيين، وأنتم تعرفون، فبعضهم يذْهب به إلى (تعز) قد اختلّ عقله، وبعضهم يصبح مجنونًا، ينتظر
стр. 169
متى يقتل شخصًا أو يقتل نفسه.
شجرة خاطئة ابتلى الله اليمنيين بها، وابتلى الله الحبشة بها.
فعلينا أن نصرف أوقاتنا فيما ينفعنا في طلب العلم حتى نعبد الله على بصيرة، وحتى نقول: نعم ولا، على بصيرة، فإذا قلت: نعم، تكون على بصيرة، وإذا قلت: لا، تكون على بصيرة. لا تكن إمّعة إن أحسن الناس أحسنّا وإن أساءوا أسأنا.
فالشأن كل الشأن هو الرجوع إلى الله ، حتى إذا حدثت حادثة أو آية من الآيات يصير الشخص إن نجا نجا، وإن لم ينج فإنه يبعث على نيّته، وقد كنت نقلت شيئًا من هذا في "المخرج من الفتنة" فيما ابتلى الله به أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بعد نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى عصر ابن الجوزي، وهذا شيء قليل ذكره ابن الجوزي في المدهش" ولم يستوعب، وبقي من زمن ابن الجوزي إلى زمننا هذا لو أن شخصًا تتبّعه لكان أكثر وأكثر، ومما ينبغي أن يعلم أن الزّلزال لم يحدث على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا على عهد أبي بكر، وحدث على عهد عمر. قلنا: وقد سرد الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه "المدهش" بعض الحوادث التي مرّت على أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من جوع وزلزال فرأيت إثباته لما فيه من العبرة قال ﵀:
فصل في الجدوب وعموم الموت
أجدبت الأرض في سنة ثماني عشرة، فكانت الريح تسفي ترابًا كالرّماد، فسمّي عام الرمادة، وجعلت الوحوش تأوي إلى الإنس، فآلى عمر ألاّ يذوق
стр. 170
سمنًا ولا لحمًا حتى يحيا الناس، واستسقى بالعباس فسقوا. وفيها كان طاعون عمواس، مات فيه أبوعبيدة، ومعاذ، وأنس.
وفي سنة أربع وستين وقع طاعون بالبصرة، وماتت أم أميرهم فما وجدوا من يحملها.
وفي سنة ست وتسعين كان طاعون الجارف، هلك في ثلاثة أيام سبعون ألفًا، ومات فيه لأنس ثمانون ولدًا، وكان يموت أهل الدار فيطيّن الباب عليهم-أي يصير البيت قبرًا لهم لأنه لا يوجد من يخرجهم إلى المقبرة ويحفر لهم قبرًا-.
وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة مات أول يوم في الطاعون سبعون ألفًا، وفي اليوم الثاني نيّف وسبعون ألفًا، وفي اليوم الثالث خمد الناس.
وفي السنة التاسعة عشرة وثلاثمائة كثر الموت، وكان يدفن في القبر الواحد جماعة.
وفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ذبح الأطفال، وأكلت الجيف، وبيع العقار برغفان، واشْتري لمعز الدولة كرّ دقيق بعشرين ألف درهم.
وفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة عمّت الأمراض البلاد فكان يموت أهل الدار كلهم.
وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة أصاب أهل البصرة حرّ فكانوا يتساقطون موتى في الطرقات.
وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة عم القحط فأكلت الميتة وبلغ المكوك -كتنور: مكيال- من برز البقلة سبعة دنانير والسفرجلة والرمانة دينارًا
стр. 171
والخيارة واللينوفرة دينارًا، وورد الخبر من (مصر) بأن ثلاثةً من اللصوص نقبوا دارًا فوجدوا عند الصباح موتى أحدهم على باب النقب والثاني على رأس الدرجة والثالث على الثياب المكورة. وفي السنة التي تليها وقع وباء فكانت تحفر زبية -بالضم: الرابية، وحفيرة الأسد- لعشرين وثلاثين فيلقون فيها، وتاب الناس كلهم وأراقوا الخمور ولزموا المساجد.
وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة وقع الوباء وبلغ الرطل من التمر الهندي أربعة دنانير.
وفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة اشتدّ الجوع والوباء بـ (مصر) حتى أكل الناس بعضهم بعضًا، وبيع اللوز والسكر بوزن الدراهم، والبيضة بعشرة قراريط، وخرج وزير صاحب (مصر) إليه فنزل عن بغلته فأخذها ثلاثة فأكلوها فصلبوا، فأصبح الناس لا يرون إلا عظامهم تحت خشبهم وقد أكلوا.
وفي سنة أربع وستين وأربعمائة وقع الموت في الدواب، حتى إن راعيًا قام إلى الغنم وقت الصباح ليسوقها فوجدها كلها موتى.
فصل في الزلازل والآيات
زلزلت الأرض على عهد عمر في سنة عشرين.
ودامت الزلازل في سنة أربع وتسعين، أربعين يومًا، ووقعت الأبنية الشاهقة، وتهدّمت (أنطاكية).
وفي سنة أربع وعشرين ومائتين زلزلت (فرغانة) فمات فيها خمسة عشر
стр. 172
ألفًا.
وفي السنة التي تليها رجفت (الأهواز) وتصدّعت الجبال، وهرب أهل البلد إلى البحر والسفن، ودامت ستة عشر يومًا.
وفي السنة التي تليها مطر أهل (تيما) مطرًا وبردًا كالبيض، فقتل بها ثلاثمائة وسبعين إنسانًا، وسمع في ذلك صوت يقول: ارحم عبادك اعف عن عبادك، ونظروا إلى أثر قدم طولها ذراع، بلا أصابع، وعرضها شبر، ومن الخطوة إلى الخطوة خمسة أذرع أو ست، فاتبعوا الصوت فجعلوا يسمعون صوتًا ولا يرون شخصًا.
وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين رجفت (دمشق) رجفةً حتى انقضّت منها البيوت وسقطت على من فيها، فمات خلق كثير وانكفأت قرية في (الغوطة) على أهلها فلم ينج منهم إلا رجل واحد، وزلزلت (أنطاكية) فمات منها عشرون ألفًا.
وفي السنة التي تليها هبّت ريح شديدة لم يعهد مثلها فاتّصلت نيفًا وخمسين يومًا، وشملت (بغداد) و (البصرة) و (الكوفة) و (واسط) و (عبّادان) و (الأهواز)، ثم ذهبت إلى (همذان) فأحرقت الزرع، ثم ذهبت إلى (الموصل) فمنعت الناس من السعي فتعطلت الأسواق، وزلزلت (هراة) فوقعت الدور.
وفي سنة ثمان وثلاثين وجّه طاهر بن عبد الله إلى المتوكل حجرًا سقط بناحية (طبرستان) وزنه ثمانمائة وأربعون درهمًا أبيض فيه صدع، وذكروا أنه سمع لسقوطه هدة أربعة فراسخ في مثلها وأنه ساخ في الأرض خمسة
стр. 173
أذرع.
وفي سنة أربعين ومائتين خرجت ريح من بلاد الترك فمرت بـ (مرو) فقتلت خلقًا كثيًرا بالزكام، ثم صارت إلى (نيسابور) وإلى (الرّي) ثم إلى (همذان) و (حلوان) ثم إلى (العراق)، فأصاب أهل (بغداد) و (سرمن رأى) حمّى وسعال وزكام، وجاءت كتب من المغرب أن ثلاث عشرة قرية من قرى (القيروان) خسف بها فلم ينج من أهلها إلا اثنان وأربعون رجلاً سود الوجوه، فأتوا القيروان فأخرجهم أهلها، وقالوا: أنتم مسخوط عليكم. فبنى لهم العامل حظيرةً خارج المدينة فنزلوها.
وفي سنة احدى وأربعين ماجت النجوم في السماء وجعلت تتطاير شرقًا وغربًا كالجراد من قبل غروب الشمس إلى الفجر، ولم يكن مثل هذا إلا عند ظهور رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وفي السنة التي تليها رجمت قرية يقال لها: (السويدا) ناحية (مصر) بخمسة أحجار، فوقع حجر منها على خيمة أعرابي فاحترقت، ووزن منها حجر فكان فيه عشرة أرطال، وزلزلت (الرّي) و (جرجان) و (طبرستان) و (نيسابور) و (أصفهان) و (قم) و (قاشان) كلها في وقت واحد، وزلزلت (الدامغان) فهلك من أهلها خمسة وعشرون ألفًا، وتقطّعت جبال، ودنا بعضها من بعض، وسمع للسماء والأرض أصوات عالية فهلك من أهلها.
وسار جبل باليمن عليه مزارع حتى أتى مزارع قوم آخرين، ووقع طائر أبيض دون الرّخمة وفوق الغراب على دلبة -شجرة - بـ (حلب) لسبع مضين من رمضان، فصاح: يا معشر الناس اتقوا الله الله الله حتى صاح
стр. 174
أربعين صوتًا ثم طار، وجاء من الغد فصاح أربعين صوتًا ثم طار، فكتب صاحب البريد بذلك، وأشهد خمسمائة إنسان سمعوه، ومات رجل في بعض (كور الأهواز) فسقط طائر أبيض على جنازته فصاح بالفارسية والخورية: إن الله قد غفر لهذا الميّت ولمن شهده.
وفي سنة خمس وأربعين ومائتين زلزلت (أنطاكية) فسقط منها ألف وخمسمائة دار، ووقع من سورها نيّف وتسعون برجًا، وسمع أهلها أصواتًا هائلة من كوى المنازل، وسمع أهل (تنّيس) صيحةً هائلةً دامت فمات منها خلق كثير، وذهبت (جبلة) بأهلها.
وفي سنة خمس وثلاثين ومائتين مطرت قرية حجارة بيضاء وسوداء.
وفي سنة ثمان وثمانين زلزلت (دنبل) في الليل فأصبحوا ولم يبق من المدينة إلا اليسير، فأخرج من تحت الهدم خمسون ومائة ألف ميّت.
وفي سنة تسع عشرة وثلاثمائة عدل حجاج عن الجادة خوفًا من العرب، فرأوا في البرية صور الناس من الحجارة، ورأوا امرأةً قائمة على تنور وهي من حجارة، والخبز الذي في التنور من حجارة.
وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة هبّت ريح بـ (فم الصلح) شبهت بالتّنين، خرقت (دجلة)، حتى ذكر أنّها بانت أرضها وأهلكت خلقًا كثيرًا واحتملت زورقًا منحدرًا وفيه دواب فطرحته في أرض (جوخى) - قرية من عمل بغداد-.
وفى سنة عشرين وأربعمائة جاء برد هائل، ووقعت بردة حزرت بمائة وخمسين رطلاً فكانت كالثور النائم.
стр. 175
وفي سنة أربع وثلاثين زلزلت (تبريز) فهدم سورها وقلعتها، وهلك تحت الهدم خمسون ألفًا.
وفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة كانت بـ (أذربيجان) زلازل انقطعت منها الحيطان، فحكى من يعتمد على قوله أنه كان قاعدًا في إيوان فانفرج حتى رأى السماء من وسطه ثم عاد.
وفي سنة ستين وأربعمائة كانت زلزلة بـ (فلسطين) هلك فيها خمسة عشر ألفًا، وانشقت صخرة بيت المقدس، ثم عادت فالتأمت، وغاب البحر مسيرة يوم فساخ في الأرض فدخل الناس يلتقطون فرجع عليهم فأهلك خلقًا كثيرًا منهم.
وفي سنة اثنتين وستين خسف بـ (أيلة) -بلد بين (ينبع) و (مصر) -. وفي سنة ست وخمسمائة سمع ببغداد صوت هدة عظيمة في أقطار بغداد في الجانبين، قال شيخنا أبوبكر بن عبد الباقي: أنا سمعتها، فظننت حائطًا قد وقع، ولم يعلم ما ذاك، ولم يكن في السماء غيم فيقال: رعد!
وفي سنة سبع وقعت زلزلة بناحية الشام، ووقع من سور (الرهاء) -بلد بنواحي الشام- ثلاثة عشر برجًا، وخسف بـ (سميساط) -بلد على الفرات- وقلب بنصف القلعة.
وفي سنة إحدى عشرة زلزلت الأرض ببغداد يوم عرفة فكانت الحيطان تمر وتجئ.
وفي سنة خمس عشرة وقع الثلج ببغداد فامتلأت منه الشوارع والدروب ولم يسمع قبله بمثله.
стр. 176
وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة كانت زلزلة بـ (جنزة) -بلدة عظيمة بإيران- أتت على مائتي ألف وثلاثين ألفًا فأهلكتهم، وكانت في مقدار عشرة فراسخ في مثلها.
وفي السنة التي تليها خسف بـ (جنزة) وصار مكان البلد ماءً أسود، وقدم التجار من أهلها فلزموا المقابر يبكون على أهليهم. وزلزلت (حلوان) فتقطّع الجبل وهلك خلق كثير.
وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة كانت زلازل بالشام في ثلاث عشر بلد من بلاد الإسلام، فمنها ما هلك كله ومنها ما هلك بعضه. اهـ ما ذكره ﵀.
وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في كتاب "البداية" جلّ هذا مفرقًا على حوادث السنين وزاد عليه ما حدث بعد الحافظ ابن الجوزي ﵀.
وفي هذا عبرة وذكرى فعسى الله أن يوفق المسلمين إلى الرجوع إلى الله، والتوبة الصادقة، ونبذ التقاليد الأجنبية المخالفة للكتاب والسنة. آمين.
فائدة:
كثرة الزلازل بضوران بذمار زمن الملك الظالم إسماعيل بن القاسم
قال عبد الله بن علي الوزير في كتابه "طبق الحلوى" ص (٣١١):
وقبل ذلك اتفق بضوران خاصةً قريب من ثلاثين رجفة، قال بعض أقارب الإمام، وكان قد تضاعف على أهل اليمن الأسفل مطالب غير الزكاة والفطرة، والكفارة مثل مطلب الصلاة على المصلي وغيره، ومطلب
стр. 177
التنباق، ومطلب الرباح، ومطلب الرصاص والبارود، ومطلب سفرة الوالي، ومطلب العيد، فقال: وللإمام مندوحات (١) بما كان يأخذه، وقد كان حازمًا عالماً متيقّظًا فيحمل على السلامة، ولعل ذلك بسبب التظالم والمعاصي وقد ذكر السيوطي في كتاب "الصلصلة في الزلزلة" مايقضي بذلك، وقد وقع في القرآن العظيم ذكر الرجفة في قوم شعيب، وبعض أصحاب موسى وغيرهم لأسباب مختلفة يشملها سلوك ما لايرضاه الله حسبما تقضي به التفاسير.
قال أبوعبد الرحمن: وهذا يدل على شؤم ذلك الملك الظالم كما قال ربنا عزوجل: ﴿وكذلك أخْذ ربّك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إنّ أخذه أليم شديد (٢)﴾.
стр. 178
الخاتمة
تحصل مما تقدم أن الزّلزال قد يكون ابتلاءً من الله، وقد يكون بسبب الذنوب، ويكون مع هذا كله مقدرًا من الله، وقد تقدمت الأدلة على ذلك، والقائلون: إنّها براكين، إن أرادوا أنّها بقدر الله وبسبب الذنوب أو الابتلاء فلا تنافي بين هذا وما تقدم، وإن أرادوا أنّها حوادث طبيعية فهذا هو الذي يخالف الكتاب والسنة ويخالف أيضًا السنن الكونيّة في انتقامه سبحانه من أعدائه، وقد تقدم تفنيد ذلك وأنه إلحاد في آيات الله، وفي "الصحيحين" عن عائشة ﵂ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إذا رأيتم الّذين يتّبعون ما تشابه منه، فأولئك الّذين سمّى الله فاحذروهم)).
آمنا بالله وبكتابه وقدره، وكفرنا بما يقول الملحدون، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 179
الرسالة الخامسة: ذم المسألة
стр. 180
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله حمدًا مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإني لما رأيت أقوامًا ممن يزعمون أنّهم دعاة إلى الله تخصصوا للتسول، وتركوا الإحتراف، فرب زرّاع يأكل أكلاً حلالاً من كسب يده، بل عمله من أفضل القربات، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: ((ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلاّ كان له به صدقة)).
ورب شخص يعمل في التجارة، وهي أيضًا من أفضل القربات، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنّه سئل: أيّ الكسب أطيب؟ قال: ((عمل الرّجل بيده، وكلّ بيع مبرور)).
بل ربما يكون الرجل بدويًّا يأكل مما تنتجه غنمه وإبله، فيرى المتسولين يفتحون المعارض، ويبنون العمائر، فيعفو لحيته ويتشبه بالدعاة إلى الله، ويحترف التسول، أفّ لها من وظيفة مشينة مزرية، وأقبح من هذا أن أناسًا يزعمون أنّهم دعاة إلى الله تخصّصوا للتسوّل باسم الدعوة، والله عزوجل يقول في نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿ولا يسألكم أموالكم * إن يسألكموها