Полный текст (243 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أنوشروان عَابِد الْكَوَاكِب فَقَالَ: (ولدت فِي زمن الْملك الْعَادِل) .
وَحكى ابْن طَبَاطَبَا فِي الْآدَاب السُّلْطَانِيَّة والدول الإسلامية أَنه لما فتح السُّلْطَان هلاكو (وَهُوَ مَجُوسِيّ) بَغْدَاد سنة ٦٥٦، أَمر أَن يستفتي علماؤها أَيهمَا أفضل السُّلْطَان الْكَافِر الْعَادِل أم السُّلْطَان الْمُسلم الجائر، فَاجْتمع الْعلمَاء فِي المستنصرية لذَلِك، فَلَمَّا وقفُوا على الْفتيا احجموا عَن الْجَواب، حَيْثُ كَانَ رَضِي الدّين عَليّ بن طَاوُوس حَاضرا، وَكَانَ مقدما مُحْتَرما، فَتَنَاول الْفتيا وَوضع خطه فِيهَا بتفضيل الْعَادِل الْكَافِر على الْمُسلم الجائر، فَوضع الْعلمَاء خطوطهم بعده.
ثمَّ قَالَ: إِنِّي أَظن أَن السَّبَب الْأَعْظَم لمحنتنا هُوَ انحلال الرابطة الدِّينِيَّة، لِأَن مبْنى ديننَا على أَن الْوَلَاء فِيهِ لعامة الْمُسلمين؛ فَلَا يخْتَص بِحِفْظ الرابطة والسيطرة على الشئون العمومية رُؤَسَاء دين سوى الإِمَام أَن وجد؛ وَإِلَّا فَالْأَمْر يبْقى فوضى بَين الْجَمِيع، وَإِذا صَار الْأَمر فوضى بَين الْكل فبالطبع تختل الجامعة الدِّينِيَّة وتنحل الرابطة السياسية كَمَا هُوَ الْوَاقِع.
وَمن أَيْن لنا حَكِيم (كبسمرك) أَو مُلْزم (كغاريبالدى)
стр. 37
يوفق بَين أمرائنا أَو يلْزمهُم وَيجمع كلمتنا. وَقد زَاد على ذَلِك فَقدنَا الرابطة الجنسية أَيْضا فَإِن الْمُسلمين فِي غير جَزِيرَة الْعَرَب لفيف إخلاط دخلاء، وبقايا أَقوام شَتَّى لَا تجمعهم جَامِعَة غير التَّوَجُّه إِلَى هَذِه الْكَعْبَة المعظمة.
وَمن الْمُقَرّر الْمَعْرُوف انه لَوْلَا رُؤَسَاء الدّين فِي سَائِر الْملَل وروابطهم المنتظمة المطردة، أَو من يقوم مقَام الرؤساء من الدعاة أَو مديري أَو معلمي الْمدَارِس الجامعة المتحدة المبادئ، لضاعت الْأَدْيَان وتشعبت أَخْلَاق الْأُمَم، ونالهم مَا نالنا من أَن كل فَرد منا أصبح أمة فِي ذَاته.
أَجَابَهُ الْمُحَقق الْمدنِي: أَن فقد الرابطة الدِّينِيَّة والوحدة الخلقية لَا يكفيان أَن يَكُونَا سَببا للفتور الْعَام، بل لَا بُد لذَلِك من سَبَب أَعم وأهم.
ثمَّ قَالَ: أما أَنا، فَالَّذِي يجول فِي فكري، أَن الطامة من تشويش الدّين وَالدُّنْيَا على الْعَامَّة بِسَبَب الْعلمَاء المدلسين وغلاة المتصوفين الَّذين استولوا على الدّين فضيعوه، وضيعوا أَهله، وَذَلِكَ أَن الدّين إِنَّمَا يعرف بِالْعلمِ، وَالْعلم يعرف بالعلماء العاملين، وأعمال الْعلمَاء قيامهم فِي الْأمة مقَام الْأَنْبِيَاء فِي الْهِدَايَة إِلَى خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَلَا شكّ
стр. 38
أَن لمثل هَذَا الْمقَام فِي الْأمة شرفا باذخا يتعاظم عل نِسْبَة الهمم فِي تحمل عنائه وَالْقِيَام بأعبائه. فبعض ضعيفي الْعلم وفاقدي الْعَزْم تطلعوا إِلَى هَذِه الْمنزلَة الَّتِي هِيَ فَوق طاقتهم، وحسدوا أَهلهَا المتعالين عَنْهُم، فتحيلوا للمزاحمة والظهور مظهر الْعلمَاء العظماء بالأغراب فِي الدّين وسلوك مَسْلَك الزاهدين؛ وَمن الْعَادة أَن يلجأ ضَعِيف الْعلم إِلَى التصوف، كَمَا يلجأ فَاقِد الْمجد إِلَى الْكبر، وكما يلجأ قَلِيل المَال إِلَى زِينَة اللبَاس والأثاث (مرحى) .
فَصَارَ هَؤُلَاءِ المتعالين يدلسون على الْمُسلمين بِتَأْوِيل الْقُرْآن بِمَا لَا يحْتَملهُ مُحكم النّظم الْكَرِيم، فيفسرون مثلا الْبَسْمَلَة أَو الْبَاء مِنْهَا بسفر كَبِير، تَفْسِيرا مملوءاً بِلَفْظ لَا معنى لَهُ، أَو بِحكم لَا برهَان عَلَيْهِ. ثمَّ جَاءُوا الْأمة بوراثة أسرار أدعوها، وعلوم لدنيات ابتدعوها، وتسنم مقامات اخترعوها، وَوضع أَحْكَام لفقوها وترتيب قربات زخرفوها، وبالإمعان نجدهم قد جَاءُوا مصداقا لما ورد فِي الحَدِيث الصَّحِيح: (لتتبعن سنَن من كَانَ قبلكُمْ شبْرًا بشبر وذراعا بِذِرَاع) ، وَفِي رِوَايَة (حَذْو القذة بالقذة، حَتَّى لَو دخلُوا جُحر ضَب تبعتموهم) ، (قُلْنَا يَا رَسُول الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى، قَالَ هُوَ: فَمن) ؛ وَذَلِكَ أَن هَؤُلَاءِ المدلسين اقتبسوا مَا هُنَالك كُله أَو جله عَن أَصْحَاب التلمود
стр. 39
وتفاسيرهم، وَمن المجامع المسكونية ومقرراتها، وَمن البابوية ووراثة السِّرّ وَمن مضاهاة مقامات البطاركة والكردينالية وَالشُّهَدَاء واسقفية كل بلد، وَمظَاهر القديسين وعجائبهم، والدعاة المبشرين وصبرهم، والرهبنات ورؤسائها، وَحَالَة الأديرة وبادريتها، والرهبنة أَي التظاهر بالفقر ورسومها، وَالْحمية وتوقيتها، وَرِجَال الكهنوت ومراتبهم وتميزهم فِي ألبستهم وشعورهم، وَمن مراسم الْكَنَائِس وَزينتهَا، وَالْبيع واحتفالاتها، والترنحات ووزنها، والترنمات وأصولها، وَإِقَامَة الْكَنَائِس على الْقُبُور وَشد الرّحال لزيارتها والإسراج عَلَيْهَا، والخضوع لَدَيْهَا وَتَعْلِيق الآمال بسكانها. وَأخذُوا التَّبَرُّك بالآثار كالقدح وَالْحريَّة والدستار من احترام الذَّخِيرَة وقدسية العكاز. وَكَذَلِكَ إمرار الْيَد على الصَّدْر عِنْد ذكر بعض الصَّالِحين من امرارها على الصَّدْر لإشارة التصلب؛ وانتزعوا الْحَقِيقَة من السِّرّ، ووحدة الْوُجُود من الْحُلُول، والخلافة من الرَّسْم، والسقيا من تنَاول القربان، والمولد من الميلاد وحفلته من الأعياد؛ وَرفع الْأَعْلَام من حمل الصلبان، وَتَعْلِيق أَلْوَاح الْأَسْمَاء المصدرة بالنداء على الجدران من تَعْلِيق الصُّور والتماثيل؛ والاستفاضة والمراقبة من التَّوَجُّه بالقلوب انحناء أَمَام الْأَصْنَام، وَمنع الاستهداء من نُصُوص الْكتاب وَالسّنة
стр. 40
من حظر الكهنة الكاثوليك قِرَاءَة الْإِنْجِيل على غَيرهم، وسد الْيَهُود بَاب الْأَخْذ من التَّوْرَاة وتمسكهم بالتلمود إِلَى غير ذَلِك مِمَّا جَاءَ بِهِ المدلسون تقليداً لهَؤُلَاء شبْرًا شبْرًا، واقتفاء لأثرهم حجرا حجرا، وَهَكَذَا إِذا تتبعنا الْبدع الطارئة نجد أَكْثَرهَا مقتبسا وقليلها مخترعا.
وَقد فعل المدلسون ذَلِك سحرًا لعقول الجهلاء، واختلابا لقلوب الضُّعَفَاء: كالنساء وَذَوي الْأَهْوَاء والأمراض القلبية أَو العصبية من الْعَامَّة، والأمراء الليني القياد طبعا إِلَى الشّرك، لِأَن التَّعَبُّد رَغْبَة أَو رهبة لما بَين أَيْديهم وَتَحْت أنظارهم أقرب إِلَى مداركهم من عبَادَة آله لَيْسَ بجوهر وَلَا عرض وَلَيْسَ كمثله شَيْء، وَلِأَن التَّعَبُّد باللهو واللعب أَهْون على النَّفس والطبع من الْقيام بتكليفات الشَّرْع، كَمَا وصف الله تَعَالَى عبَادَة مُشْركي الْعَرَب فَقَالَ: (وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية) أَي صفيرا وتصفيقاً، وَهَؤُلَاء جعلُوا عبَادَة الله تصفيقاً وشهيقاً وخلاعة ونعيقاً (مرحى) .
وَالْحَاصِل، أَن بذلك وَأَمْثَاله نجح المدلسون فِيمَا يقصدون، وَلَا سِيمَا بِدَعْوَى فِئَة مِنْهُم الْكَرَامَة على الله وَالتَّصَرُّف بالمقادير، وباستمالتهم الْعَامَّة بالزهد الْكَاذِب والورع الْبَاطِل والتقشف الشيطاني؛ وبتزينهم
стр. 41
لَهُم رسوما تميل إِلَيْهَا النُّفُوس الضعيفة الخاملة، سَموهَا آدَاب السلوك، مَا انْزِلْ الله بهَا من سُلْطَان وَلَا عمل بهَا صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ، ظَاهرهَا أدب وباطنها تشريع وشرك؛ وبجذبهم البلة الْجَاهِلين بتصعيب الدّين من طَرِيق الْعلم وَالْعَمَل بِظَاهِر الشَّرْع، وتهوينه كل التهوين من طَرِيق الِاعْتِقَاد بهم وبأصحاب الفتور. وَقد تجاسروا على وضع أَحَادِيث مكذوبة أشاعوها فِي مؤلفاتهم، حَتَّى الْتبس أمرهَا على كثير من الْعلمَاء المخلصين من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين، مَعَ أَنَّهَا لَا أصل لَهَا فِي كتب الحَدِيث الْمُعْتَبرَة. وجلبوا النَّاس بالترهيب وَالتَّرْغِيب، ترغيباً بالاستفادة من الدُّخُول فِي الرابطات والعصبيات المنعقدة بَين أشياعهم، وترهيباً بتهديدهم معاكسيهم أَو مسيئي الظَّن بهم أَو بإضرارهم فِي أنفسهم وَأَوْلَادهمْ وَأَمْوَالهمْ، ضَرَرا يتعجلهم فِي دنياهم قبل آخرتهم (مرحى) .
وَقد قَامَ لهَؤُلَاء المدلسين أسواق فِي بَغْدَاد ومصر وَالشَّام وتلمسان قَدِيما، وَلَكِن لاكسوقها فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة مُنْذُ أَرْبَعَة قُرُون إِلَى الْآن، حَتَّى صَارَت فِيهَا هَذِه الأوهام السحرية والخزعبلات كَأَنَّهَا هِيَ دين مُعظم أَهلهَا، لَا الْإِسْلَام؛ وَكَأَنَّهُم لما ورثوا عَن الرّوم الْملك، حرصوا على أَن يرثوا طبائعهم أَيْضا حَتَّى التَّوَسُّع فِي هَذِه
стр. 42
المصارع السَّيئَة؛ فاقتبس لَهُم المدلسون كثيراًُ مِمَّا بَيناهُ، وطبقوه على الدّين وَإِن كَانَ الدّين يأباه، وزينه لَهُم الشَّيْطَان بِأَنَّهُ من دقائق الدّين وآدابه، وَمن هَذِه العواصم سرى ذَلِك إِلَى الْآفَاق بالعدوى من الْأُمَرَاء إِلَى الْعلمَاء الأغبياء إِلَى الْعَوام.
فَهَؤُلَاءِ المدلسون قد نالوا بسحرهم نفوذاً عَظِيما، بِهِ أفسدوا كثيرا فِي الدّين، وَبِه جعلُوا كثيرا من الْمدَارِس تكايا للبطالين الَّذين يشْهدُونَ لَهُم زوراً بالكرامات المرهبة، وَبِه حولوا كثيرا من الْجَوَامِع مجامع للطبالين، الَّذين ترتج من دوِي طبولهم قُلُوب المتوهمين وتكفهر أعصابهم، فيتلبسهم نوع من الخبل يَظُنُّونَهُ حَالَة من الْخُشُوع؛ وَبِه جعلُوا زَكَاة الْأمة ووصاياها رزقا لَهُم، وَبِه جعلُوا مداخيل أوقاف الْمُلُوك والأمراء عطايا لاتباعهم، مِمَّا يُسمى فِي الْبِلَاد العثمانية (دعاكو وطعامية) (مرحى) .
стр. 43
وَبِذَلِك ضَاقَ على الْعلمَاء الخناق، لَا رزق وَلَا حُرْمَة، وَكفى بذلك مضيعا للْعلم وللدين؛ لِأَنَّهُ قد الْتبس على الْعَامَّة عُلَمَاء الدّين الْفُقَرَاء الأذلاء من هَؤُلَاءِ المدلسين الْأَغْنِيَاء الأعزاء، فتشوشت عقائدهم وَضعف يقينهم. فضيع الاكثرون حُدُود الله وتجاوزوها، وَفقدُوا قُوَّة قوانين الله ففسدت أَيْضا دنياهم واعتراهم هَذَا الفتور.
أجَاب الْمولى الرُّومِي: أَن كل الديانَات معرضة بالتمادي لأنواع من التشويش وَالْفساد، وَلَكِن لَا تفقد من أَهلهَا حكماء ذَوي نشاط وعزم، ينبهون النَّاس ويرفعون الالتباس، أَو يعوضون قَوَاعِد الدّين إِذا كَانَ أَصْلهَا واهيا فوهنت بقوانين مَوْضُوعَة تقوم بنظام دنياهم؛ ويتحملون فِي سَبِيل ذَلِك مَا يتحملون من المشاق خدمَة لأفكارهم السامية، ويفدون مَا عز وَهَان حفظا لشرفهم، الْقَائِم بشرف قَومهمْ، بل حفظا لحياتهم وحياة قَومهمْ من أَن يصبحوا أَمْوَاتًا متحركين فِي أَيدي أَقوام آخَرين.
وَلَقَد أثبت الْحُكَمَاء المدققون بعد الْبَحْث الطَّوِيل العميق، أَن المنشأ الْأَصْلِيّ لكل شقاء فِي بني حَوَّاء هُوَ أَمر وَاحِد لَا ثَانِي لَهُ: إِلَّا
стр. 44
وَهُوَ وجود السلطة القانونية منحلة وَلَو قَلِيلا لفسادها، أَو لغَلَبَة سلطة شخصية أَو اشخاصية عَلَيْهَا.
فَمَا بَال الزَّمَان يضن علينا بِرِجَال ينبهون النَّاس ويرفعون الالتباس؟ يفتكرون بحزم ويعملون بعزم، وَلَا ينفكون حَتَّى ينالوا مَا يقصدون، فينالون حمداً كثيرا وفخراً كَبِيرا وَأَجرا عَظِيما.
وَعِنْدِي أَن داءنا الدفين: دُخُول ديننَا تَحت ولَايَة الْعلمَاء الرسميين، وَبِعِبَارَة أُخْرَى تَحت ولَايَة الْجُهَّال المتعممين.
نبه السَّيِّد الفراتي الْأُسْتَاذ الرئيس إِلَى قرب وَقت الِانْصِرَاف، وعندئذ جهر الْأُسْتَاذ الرئيس بشعار (لَا نعْبد إِلَّا الله) استلفاتًا للإخوان، وَقَالَ لَهُم: أَن أخانا الْمولى الرُّومِي لفارس مغوار نحب مِنْهُ مَا عودنا من التَّفْصِيل والإشباع، والآن قد آن وَقت الظّهْر وحان أَن نتفرق لندرك الصَّلَاة، وموعدنا غَدا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 45
الِاجْتِمَاع الثَّالِث
يَوْم الْخَمِيس ثامن عشر ذِي الْقعدَة سنة ١٣١٦
فِي الْوَقْت الْمعِين، وَهُوَ بعد طُلُوع الشَّمْس بساعة، تمّ توارد الإخوان لمحفل الجمعية؛ غير أَن الْأُسْتَاذ الرئيس تَأَخّر نَحْو نصف سَاعَة ثمَّ حضر وَاعْتذر بِأَنَّهُ إعاقه عَن الْحُضُور أَن حَضْرَة الشريف الْأَمِير قد طلبه لزيارته، فَمَا وَسعه إِلَّا الْإِجَابَة باكراً، وَمَا يظنّ أَن يسترسل بَينهمَا الحَدِيث فَيتَأَخَّر عَن الميعاد، وَلَكِن صَادف أَن الحَدِيث كَانَ طَويلا.
ثمَّ قَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس: أننا متشوقون لتَمام بحث الْمولى الرُّومِي، وَأمر السَّيِّد الفراتي، كَاتب الجمعية، فَقَرَأَ ضبط مذاكرات الِاجْتِمَاع السَّابِق، حَتَّى بلغ آخِره من عبارَة الْمولى الرُّومِي، وَهُوَ قَوْله: وَعِنْدِي أَن داءنا الدفين دُخُول ديننَا تَحت ولَايَة الْعلمَاء الرسميين، وَبِعِبَارَة أُخْرَى تَحت ولَايَة الجهلة.
стр. 46
المتعممين.
فَحِينَئِذٍ أَفَاضَ الْمولى الرُّومِي فِي الْكَلَام فَقَالَ: وهم المقربون من الْأُمَرَاء على انهم عُلَمَاء وارتباط الْقَضَاء والإمضاء بهم، فَإِن هَؤُلَاءِ المتعممين فِي الْبِلَاد العثمانية كَانُوا اتَّخذُوا لأَنْفُسِهِمْ قانونا سموهُ (طَرِيق الْعلمَاء) ، وَجعلُوا فِيهِ من الْأُصُول مَا انتج، مُنْذُ قرنين إِلَى الْآن، أَن يصير الْعلم منحة رسمية تُعْطى للجهال، حَتَّى للأميين، بل وللأطفال.
ويترقى صَاحبهَا فِي مَرَاتِب الْعلم وَالْفضل والكمال، بِمُجَرَّد تقادم السنين أَو ترادف العنايات، لَا سِيمَا إِذا كَانَ من زمرة (زَاد كَانَ) ، أَي الاصلاء، فَإِنَّهُ يكون طفْلا فِي المهد، وينعت فِي منشوره الرسمي من قبل حَضْرَة السُّلْطَان بِأَنَّهُ: (أعلم الْعلمَاء الْمُحَقِّقين) ؛ ثمَّ يكون فطيما فيخاطب بِأَنَّهُ: (أفضل الْفُضَلَاء المدققين) ؛ ثمَّ يصير مراهقاً فَيعْطى المولوية، وَيشْهد لَهُ بِأَنَّهُ: (أقضى قُضَاة الْمُسلمين، مَعْدن الْفضل وَالْيَقِين، رَافع إِعْلَام الشَّرِيعَة وَالدّين، وَارِث عُلُوم الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ) ثمَّ وَثمّ حَتَّى يصدر فيوصف: (بِأَعْلَم الْعلمَاء المتبحرين، وَأفضل الْفُضَلَاء المتورعين، ينبوع الْفضل وَالْيَقِين) إِلَى آخر مَا فِي المناشير من الْكَذِب المشين!
стр. 47
وَلَا يظنّ ظان أَن هَذَا الإطراء من حَضْرَة السُّلْطَان للمتعممين هُوَ بِقصد أَن يقابلوه بِالْمثلِ، وَصفهم إِيَّاه ومخاطبتهم لَهُ بِنَحْوِ: (الْمولى الْمُقَدّس، ذِي الْقُدْرَة، صَاحب العظمة والجلال، المنزه عَن النظير والمثال، واهب الْحَيَاة، ظلّ الله، خَليفَة رَسُول الله، مهبط الإلهامات، مصدر الكرامات، سُلْطَان السلاطين، مَالك رِقَاب الْعَالمين، ولي نعْمَة الثقلَيْن، ملْجأ أهل الْخَافِقين) . إِلَى غير ذَلِك من مصَارِع الشّرك والكبرياء والمهالك.
هَذَا، وَلَا ريب، أَن التسعين فِي الْمِائَة من الْعلمَاء المتبحرين لَا يحسنون قِرَاءَة نعوتهم المزورة، كَمَا أَن الْخَمْسَة وَالتسْعين من أُولَئِكَ المتورعين، رافعي إِعْلَام الشَّرِيعَة وَالدّين، يُحَاربُونَ الله جهارا، ويستحقون مَا يسْتَحقُّونَ من الله وَمَلَائِكَته وَالْمُؤمنِينَ.
وَيَكْفِي حجَّة عَلَيْهِم بذلك، تمييزهم جَمِيعًا بلباس عروسي، محلى بِكَثِير الْفضة وَالذَّهَب، مِمَّا هُوَ حرَام بِالْإِجْمَاع وَلَا يحْتَمل التَّأْوِيل؛ وَقد اقتبسوا هَذَا اللبَاس من كهنة الرّوم الَّذين يلبسُونَ القباء والقلنسوات المذهبة عِنْد إِقَامَة شعائرهم، وَفِي احتفالاتهم الرسمية. وَهَذَا الْخَطِيب فِي بعض جَوَامِع السلاطين يَسْتَوِي على الْمِنْبَر وَيَقُول: اتَّقوا الله، وعَلى رَأسه وصدره ومنكبيه هَذَا اللبَاس
стр. 48
الْمُنكر، (مرحى) . وَهَؤُلَاء قُضَاة الْقُسْطَنْطِينِيَّة على عهدنا، أَكْثَرهم لَا يعرضون لحضرة السُّلْطَان الْمُعظم نصب خطيب لإِقَامَة الْجُمُعَة، وَلَا ينصبون وَصِيّا على إبِله، أَو مختل الْعقل، أَو مُسْرِف فَاسد التَّدْبِير؛ وَلَا يعزلون مُتَوَلِّيًا أَو وَصِيّا لخيانة فِي مَال الْوَقْف أَو الْيَتِيم؛ وَلَا يقضون فِي مَسْأَلَة خلع زَوْجَة، وَلَا يسمعُونَ بَيِّنَة تَوَاتر؛ إِلَى غير ذَلِك من قضايا وَأَحْكَام شَرْعِيَّة كَثِيرَة لَا يجوز شرعا وَلَا إدارة إهمالها، وَلَا حجَّة لَهُم فِي ارْتِكَاب إِثْم تعطيلها غير مجاراة الأوهام.
ثمَّ أَن هَؤُلَاءِ المتعممين مَا كفاهم هَذَا القانون، فألحقوه بقانون آخر سموهُ قانون (تَوْجِيه الْجِهَات) ؛ جعلُوا فِيهِ التدريس والإرشاد والوعظ والخطابة والإمامة وَسَائِر الخدم الدِّينِيَّة، كالعروض، تبَاع وتشرى، وتوهب وتورث، وَمَا ينْحل مِنْهَا نَادرا عَن غير وَارِث، يَبِيعهَا الْقُضَاة لمن يُرِيدُونَ؛ ويتكرمون بهَا على المتملقين؛ وَبِهَذَا القانون انحصرت الخدم الدِّينِيَّة فِي الجهلاء وَالْمُنَافِقِينَ.
ثمَّ لما وضع قانون (تشكيل الولايات) ، لم يرض المتعممون حَتَّى جعلُوا فِيهِ قَاضِي الْمُسلمين، وَكَذَلِكَ مفتي الْمُؤمنِينَ فِي كل بلد، عضوين فِي مجْلِس الإدارة، يحكمان بأَشْيَاء كَثِيرَة مِمَّا يصادم الشَّرْع
стр. 49
كالربا والضريبة على الْخُمُور، والرسوم الْعُرْفِيَّة، وَغَيرهَا مِمَّا كَانَ الْأَلْيَق والأنسب بالإسلامية أَن يبْقى الْعلمَاء بعيدين عَنهُ. كَمَا أَن القسيس بل الشماس لَا يحضر مَجْلِسا يعْقد فِيهِ زواج أَو تَفْرِيق مدنيان، وَلَا يشْهد فِي صك دين دَاخله رَبًّا، فضلا عَن أَن يقْضِي أَو يمْضِي بِصفة رسمية كهنوتية، أَمْثَال ذَلِك من الْأَعْمَال الَّتِي تصادم دين النَّصْرَانِيَّة.
ثمَّ لما وضع (قانون العدلية) ، تهافت المتعممون على جعل قَاضِي الْمُسلمين رَئِيسا للمحكمة النظامية، الَّتِي تحكم بِمَا لم ينزل الله وَبِمَا يتبرأ الدّين الحنيف مِنْهُ، من نَحْو: رَبًّا صَرِيح، وَمن إبِْطَال حُدُود الله الَّتِي صرح بهَا الْقُرْآن كلياً أَو باستبدالها بعقوبات سياسية، أَو بتغريمات مَالِيَّة؛ وَمن نَحْو: معاقبة الْعباد بِمُجَرَّد الظَّن، والرأي، وَشَهَادَة الْوَاحِد، وَشَهَادَة الْفَاسِق، وَشَهَادَة العاهرة المجاهرة، مِمَّا لَا يلائم الشَّرْع قَطْعِيا. وَمن نَحْو: تَنْفِيذ كل حكم عرفي، حق أَو بَاطِل، بِدُونِ نظر فِيهِ. وَمن تَحْصِيل ضَرَائِب وغرامات. وَمن تَوْقِيف الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة على اسْتِيفَاء الرسوم من الأخصام وأموال الْأَيْتَام.
وَمن أهم دسائس المتعممين، أَنهم ينفثون فِي صُدُور الْأُمَرَاء
стр. 50
لُزُوم الِاسْتِمْرَار على الِاسْتِقْلَال فِي الرَّأْي، وَإِن كَانَ مضراً، ومعاداة الشورى وَإِن كَانَت سنة، والمحافظة على الْحَالة الْجَارِيَة، وَإِن كَانَت سَيِّئَة، ويلقون عَلَيْهِم بِأَن مُشَاركَة الْأمة فِي تَدْبِير شؤونها، وَإِطْلَاق حريَّة الانتقاد لَهَا، يخل بنفوذ الْأُمَرَاء، وَيُخَالف السياسة الشَّرْعِيَّة؛ ويلقنونهم حجَجًا واهنة، لَوْلَا أَن أمامها جهل الْأمة، ووراءها سطوة الْإِمَارَة، لما تحركت بهَا شفتان، وَلَا تردد فِي ردهَا إِنْسَان.
وَالْأَمر الْأَمر أَن أُولَئِكَ الْأُمَرَاء يقتبسون من هَذِه الْحجَج، مَا يتسلحون بِهِ فِي مُقَابلَة من يعْتَرض على سياستهم من الدول الْأَجْنَبِيَّة، بقَوْلهمْ: إِن قَوَاعِد الدّين الإسلامي لَا تلائم أصُول الشورى، وَلَا تقبل النظام والترقيات المدنية، وانهم مغلوبون على أَمرهم، ومضطرون لرعاية دين رعاياهم، ومجاراة ميل الْفِكر الْعَام.
ولنرجع لبحث الْعلمَاء الرسميين، فَنَقُول: بِهَذِهِ القوانين عِنْد العثمانيين، وباشباهها عِنْد اكثر حكومات الْمُسلمين، ضل المتعممون وصاروا أضرّ على الدّين من الشَّيَاطِين.
وبهذه القوانين اسْتَأْثر الجهلاء الْفَاسِقُونَ بمزايا الْعلمَاء العاملين، واغتصبوا أَرْزَاقهم من بَيت المَال وَمن أوقاف الأسلاف؛ فبالضرورة
стр. 51
قلت الرغبات فِي تَحْصِيل الْعُلُوم، وثبطت الهمم، وَصَارَ طَالب الْعلم يضْطَر للاكتفاء ببلغة مِنْهُ، ويشتغل بالاحتراف للارتزاق؛ وَهَكَذَا فسد الْعلم، وَقل أَهله، فاختلت التربية الدِّينِيَّة فِي الْأمة، فَوَقَعت فِي الفتور وعمت فِيهَا الشرور.
أجَاب الرياضي الْكرْدِي: أَن هَذَا الدَّاء خَاص بِبَعْض الْأُمَم الإسلامية، فَلَا يصلح سَببا للفتور الْعَام الَّذِي نبحث فِيهِ، ونتساءل عَنهُ؛ وَعِنْدِي أَن السَّبَب الْعَام، هُوَ أَن علماءنا كَانُوا اقتصروا على الْعُلُوم الدِّينِيَّة وَبَعض الرياضيات، وأهملوا بَاقِي الْعُلُوم الرياضية والطبيعية، الَّتِي كَانَت إِذْ ذَاك لَيست بِذَات بَال وَلَا تفِيد سوى الْجمال والكمال، ففقد أَهلهَا من بَين الْمُسلمين، واندرست كتبهَا، وانقطعت علاقتها، فَصَارَت منفوراً مِنْهَا، على حكم: (الْمَرْء عَدو مَا جهل) ؛ بل صَار المتطلع إِلَيْهَا مِنْهُم يفسق ويرمى بالزيغ والزندقة، على حِين أخذت هَذِه الْعُلُوم تنمو فِي الغرب؛ وعَلى كرّ الْقُرُون، ترقت وَظهر لَهَا ثَمَرَات عَظِيمَة فِي كَافَّة الشئون المادية والأدبية، حَتَّى صَارَت كَالشَّمْسِ، لَا حَيَاة لذِي حَيَاة إِلَّا بنورها؛ فَأصْبح الْمُسلمُونَ مَعَ شاسع بعدهمْ عَنْهَا مُحْتَاجين إِلَيْهَا لمجاراة جيرانهم، احتياجاً يعم الجزئيات والكليات: من تربية الطِّفْل إِلَى سياسة الممالك، وَمن استنبات الأَرْض إِلَى استمطار
стр. 52
السَّمَاء، وَمن عمل الإبرة والقوارير إِلَى عمل المدافع والبوارج، وَمن اسْتِخْدَام الْيَد وَالْحمار إِلَى اسْتِخْدَام الْبَرْق والبخار.
وَلَا شكّ أَن الْمُسلمين أَصْبحُوا بعد الاكتشافات الجديدة، يستفيدون من الْعُلُوم الطبيعية والحكمية فَوَائِد عَظِيمَة جدا، بِالنّظرِ إِلَى كشفها بعض أسرار كتاب الله وَبَالغ الْحِكْمَة المنطوية فِيهِ، مِمَّا كَانَ مَسْتُورا إِلَى الْآن، وَقد خبط فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ خبط عشواء، كظهور حَيَاة الجمادات بِمَاء التبلور؛ وكازدواج النباتات عَامَّة؛ وكقبول الأَرْض الانتقاص وانشقاق الْقَمَر مِنْهَا؛ وكانفتاق الأَرْض من السَّمَاء؛ وكحدوث الجدري الَّذِي نَشأ فِي أَصْحَاب الْفِيل بالمكروب، وكظهور سلسلة خلق الْحَيَوَان من تُرَاب
стр. 53
وطين وصلصال، بقاعدة الترقي الَّتِي أثبتها الْعَلامَة دارون؛ وكظهور صفة الْحَرَكَة الدائمة من الشخوص والهبوط المستمرين فِي الكائنات كلهَا؛ وكظهور سر ضبط الْمَقَادِير فِي التركيبات الكيماوية؛ وكظهور انقسام طَبَقَات الأَرْض إِلَى سَبْعَة على الرَّأْي الْأَصَح؛ وكظهور أَن السَّمَاء فضاء بِالْإِجْمَاع؛ وَبِذَلِك تنْدَفع مشكلة قبُولهَا الفتق والرتق؛ وكظهور امتلاء الْكَوْن بالأثير وَأَنه أصل مَادَّة الكائنات؛ وكالأخبار عَن المركوبات الْبَريَّة البخارية والكهربائية وَغير ذَلِك من الْحَقَائِق الَّتِي كشفها الْعلم أخيراً، واعظم بهَا من براهين قَطْعِيَّة على إعجاز الْقُرْآن، وتجدد إعجازه مَا كرّ الجديدان. بل أضحى الْمُسلمُونَ مُحْتَاجين للحكمة الْعَقْلِيَّة، الَّتِي كَادَت تجْعَل الغربيين أدرى منا حَتَّى فِي مباني ديننَا؛ كاستدلالهم
стр. 54
بالمقايسة على أَن نَبينَا، عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، أفضل الْعَالمين عقلا وأخلاقاً؛ وكإثباتهم بالمقابلة أَن ديننَا أسمى الديانَات حِكْمَة ومزية.
وَعِنْدِي انه لَوْلَا هَذَا الْقُصُور مَا وَقع الْمُسلمُونَ فِي هَذَا الفتور؛ والأمل بعناية الله انهم بعد زمَان قصير أَو طَوِيل، لَا بُد أَن يلتفتوا لهَذِهِ الْعُلُوم النافعة، فيستعيدوا نشأتهم، بل يجلبوا إِلَى دينهم الْعَالم المتمدن، لِأَن نور المعارف، على قدر أبعاده الْعُقَلَاء عَن النَّصْرَانِيَّة وأمثالها، يقربهُمْ من الإسلامية لِأَن الدّين المملوء بالخرافات وَالْعقل المتنور لَا يَجْتَمِعَانِ فِي دماغ وَاحِد (مرحى) .
ثمَّ أَن تبعه هَذَا التَّقْصِير، وَإِن كَانَت تلْحق عُلَمَاء الْأمة الْمُتَقَدِّمين، إِلَّا أَن علماءنا الْمُتَأَخِّرين اكثر قصوراً؛ لأَنهم فِي زمَان ظَهرت فِيهِ فَوَائِد هَذِه الْعُلُوم، وَلم يحصل فيهم ميل لاقتباسها؛ بل نراهم مقتصرين على تدريس اللُّغَة وَالْفِقْه فَقَط، أَو بعلاوة شَيْء من الْمنطق إتماما للعقائد، وَشَيْء من الْحساب إكمالاً للفرائض والمواريث قَلما يُفِيد.
وَكَذَلِكَ نرى وعاظنا مقتصرين على الْبَحْث فِي النَّوَافِل والقربات المزيدة فِي الدّين، وَرِوَايَة الحكايات الْإسْرَائِيلِيات؛ وَمثلهمْ المرشدون أهل الطرائق، مقتصرون على حكايات نَوَادِر الزهاد، من صَحِيح وموضوع، وَرِوَايَة كرامات الإنجاب والنقباء والإبدال،
стр. 55
وعَلى ضبط وزن التمايل وأصول الإنشاد؛ وَلَا ننسى خطباءنا واقتصارهم على تكْرَار عِبَارَات فِي النَّعْت، وَالدُّعَاء للغزاة والمجاهدين، وتعداد فَضَائِل الْعِبَادَات.
وَالْحَاصِل أَن تقصيرات الْعلمَاء الأقدمين، واقتصارات الْمُتَأَخِّرين، وتباعد الْمُسلمين إِلَى الْآن عَن الْعُلُوم النافعة الحيوية، جعلتهم أحط بِكَثِير عَن الْأُمَم. وَلَا شكّ أَنه إِذا تَمَادى تباعدهم هَذَا خمسين عَاما أُخْرَى، تبعد النِّسْبَة بَينهم وَبَين جيرانهم كبعدها مَا بَين الْإِنْسَان وَبَاقِي أَنْوَاع الْحَيَوَان. فبناء عَلَيْهِ، يكون ناموس الارتقاء هُوَ الْمُسَبّب لهَذَا الفتور، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (قل هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ) .
فَأَجَابَهُ الْكَامِل الإسكندري: أَن هَذَا سَبَب من الْأَسْبَاب، وَلَا يَكْفِي وَحده لحل الأشكال، لِأَن فقد الْعُلُوم الْحكمِيَّة والطبيعية لَا يصلح سَببا لفقد الإحساس الملي والأخلاق الْعَالِيَة، لِأَنَّهَا تُوجد فِي أعرق الْأُمَم جَهَالَة , وَإِنَّمَا سَبَب فتور حياتنا الأدبية هُوَ يأسنا من المباراة، وَذَلِكَ أننا كُنَّا عُلَمَاء راشدين، وَكَانَ جيراننا متأخرين عَنَّا، فَعرفنَا الْبَقَاء فنمنا، واجتهدوا فلحقونا، ولبثنا نياما فاجتازوا وسبقونا، وتركونا وَرَاء؛ وَطَالَ نومنا، فَبعد الشوط حَتَّى صَار
стр. 56
مَا بعد وَرَائِنَا وَرَاء، فصغرت نفوسنا، وفترت همتنا، وَضعف إحساسنا، فيئسنا من اللحاق والمجاراة؛ وَخَرجْنَا من ميدان المنافسة والمباراة وألسنتنا تفيض بقولنَا: " سَوَاء علينا أجزعنا أم صَبرنَا مَا لنا من محيص. "؛ فعدنا إِلَى كَهْف النّوم مستسلمين للْقَضَاء، نطلب الْفرج بِمُجَرَّد التَّمَنِّي وَالدُّعَاء، ذاهلين عَن أَن الله تَعَالَى جلت حكمته، رتب هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا على أَسبَاب ظاهرية، وَلم يَشَأْ أَن يَجْعَلهَا كالآخرة عَالم أقدار؛ فَهَذَا الْيَأْس هُوَ سَبَب الفتور، فنسأل الله تَعَالَى اللطف من الْمَقْدُور.
أَجَابَهُ الْعَارِف التاتاري: أَن هَذِه شكاية حَال، وَلَا تفي بِالْجَوَابِ؛ لِأَنَّهُ مَا السَّبَب فِي هَذَا النّوم الَّذِي غشي الْمُسلمين، وَلم يزل يَغْشَاهُم دون كثير غَيرهم من الْأُمَم الَّتِي إنتبهت، وسارت، ولحقها ظعن الْأَحْيَاء، وَمَا الْمُسلمُونَ إِلَّا بعدين المنقطعين كَأَهل الصين، وَلَا هم بالمتوحشين العريقين كَأَهل أمريكا الأصليين.
ثمَّ قَالَ: أَنا أرى أَن عَارَضنَا فَقدنَا السراة والهداة: فَلَا أَمِير عَام حَازِم مطالع ليسوق الْأمة طَوْعًا أَو كرها إِلَى الرشاد؛ وَلَا حَكِيم معترف لَهُ بالمزية وَالْإِخْلَاص، لتنقاد إِلَيْهِ الْأُمَرَاء وَالنَّاس؛ وَلَا تربية قويمة المبادئ، ينْتج مِنْهَا رَأْي عَام لَا يطرقه تخاذل وانقسام؛
стр. 57
وَلَا جمعيات منتظمة تسْعَى بِالْخَيرِ وتتابع السّير. وَلذَلِك حل فِينَا الفتور، وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور.
أَجَابَهُ الْفَقِيه الأفغاني: أَن مَا وَصفته من أَمِير وَحَكِيم لَا يوجدان فِي الْأُمَم المنحطة إِلَّا اتِّفَاقًا، أما الرَّأْي الْعَام والجمعيات فَلَا يفقدان إِلَّا بِسَبَب فقد الإحساس، وَهَذَا مَا نتساءل عَنهُ.
وَذكر أَن الدَّاء الْعَام فِيمَا يرَاهُ هُوَ الْفقر الْآخِذ بالزمام، لِأَن الْفقر قَائِد كل شَرّ، ورائد كل نحس؛ فَمِنْهُ جهلنا، وَمِنْه فَسَاد أَخْلَاقنَا، بل مِنْهُ تشَتت آرائنا حَتَّى فِي ديننَا، وَمِنْه فقد إحساسنا، وَمِنْه إِلَى كل مَا نَحن فِيهِ، أَو نتوقع أننا سنوافيه.
فَهَذِهِ فطرتنا، لَا نقص فِيهَا عَن غَيرنَا، وعددنا كثير، وبلادنا متواصلة، وَأَرْضنَا مخصبة، ومعادننا غنية، وشرعنا قويم، وفخارنا قديم، فَلَا ينقصنا عَن الْأُمَم الْحَيَّة غير الْقُوَّة الْمَالِيَّة، الَّتِي أَصبَحت لَا تحصل إِلَّا بالعلوم والفنون الْعَالِيَة، وَهَذِه لَا تحصل إِلَّا بِالْمَالِ الطائل؛ فوقعنا فِي مُشكل الدّور، وَعَسَى أَن نهتدي لفكه سَبِيلا، وَإِلَّا فيحيق بِنَا ناموس فنَاء الضَّعِيف فِي الْقوي وبيننا الْجَاهِل والعالم.
وَمن اعظم أَسبَاب فقر الْأمة: أَن شريعتنا مَبْنِيَّة على أَن فِي
стр. 58
أَمْوَال الْأَغْنِيَاء حَقًا مَعْلُوما للبائس والمحروم، فَيُؤْخَذ من الْأَغْنِيَاء ويوزع على الْفُقَرَاء؛ وَهَذِه الحكومات الإسلامية، قد قلبت الْمَوْضُوع، فَصَارَت تجبي الْأَمْوَال من الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وتبذلها للأغنياء، وتحابي بهَا المسرفين والسفهاء.
أجَاب السعيد الإنكليزي: أَن الْمُسلمين من حَيْثُ مجموعهم أَغْنِيَاء لَا يعوزهم المَال اللَّازِم للتدرج فِي الْعُلُوم، حَتَّى للسياحات البحرية والقطبية، لِأَن فَرِيضَة الزَّكَاة على مالكي النّصاب وَالْكَفَّارَات الْمَالِيَّة، جاعلة لفقراء الْأمة وَبَعض المصاريف العمومية نَصِيبا غير قَلِيل فِي مَال الْأَغْنِيَاء؛ بِحَيْثُ إِذا عَاشَ الْمُسلمُونَ مُسلمين حَقِيقَة أمنُوا الْفقر، وعاشوا عيشة الِاشْتِرَاك العمومي المنتظم الَّتِي يتَمَنَّى مَا هُوَ من نوعها أغلب الْعَالم المتمدن الإفرنجي، وهم لم يهتدوا بعد لطريقة نيلها، مَعَ أَنه تسْعَى وَرَاء ذَلِك مِنْهُم جمعيات وعصبيات مكونة من ملايين باسم (كومون، وفنيان، ونيهلست، وسوسيالست) ، كلهَا تطلب التَّسَاوِي أَو التقارب فِي الْحُقُوق وَالْحَالة المعاشية؛ ذَلِك التَّسَاوِي والتقارب المقررين فِي الإسلامية دينا بوسيلة أَنْوَاع الزَّكَاة وَالْكَفَّارَات، وَلَكِن تَعْطِيل إيتَاء الزَّكَاة وإيفاء الْكَفَّارَات سَبَب بعض الفتور المبحوث فِيهِ، كَمَا سَبَب إهمال الزَّكَاة فقد الثمرات الْعَظِيمَة
стр. 59
من معرفَة الْمُسلم ميزانية ثروته سنويا، فيوفق نفقاته على نِسْبَة ثروته ودخله، وَلَا شكّ أَن الْوَاحِد من الْأَرْبَعين يَكْفِي أَن يبْذل لأجل هَذِه الثَّمَرَة وَحدهَا.
والشريعة الإسلامية هِيَ أول شَرِيعَة ساقت النَّاس والحكومات لأصول البودجة المؤسس عَلَيْهِ فن الاقتصاد المالي، الإفرادي والسياسي.
ويخيل لي أَن سَبَب هَذَا الفتور، الَّذِي أخل حَتَّى فِي الدّين، هُوَ فقد الاجتماعات والمفاوضات؛ وَذَلِكَ أَن الْمُسلمين فِي الْقُرُون الْأَخِيرَة قد نسوا بِالْكُلِّيَّةِ حِكْمَة تشريع الْجَمَاعَة وَالْجُمُعَة وجمعية الْحَج؛ وَترك خطبائهم ووعاظهم، خوفًا من أهل السياسة، التَّعَرُّض للشؤون الْعَامَّة. كَمَا أَن علماءهم صَارُوا يسترون جبنهم بجعلهم التحدث فِي الْأُمُور العمومية والخوض فِيهَا من الفضول والاشتغال بِمَا لَا يُغني، وَإِن إتْيَان ذَلِك فِي الْجَوَامِع من اللَّغْو الَّذِي لَا يجوز، وَرُبمَا اعتبروه من الْغَيْبَة أَو التَّجَسُّس أَو السَّعْي بِالْفَسَادِ؛ فسرى ذَلِك إِلَى إِفْرَاد الْأمة، وَصَارَ كل شخص لَا يهتم إِلَّا بخويصة نَفسه وَحفظ حَيَاته
стр. 60
فِي يَوْمه، كَأَنَّهُ خلق أمة وَاحِدَة، وسيموت غَدا، جَاهِلا أَن لَهُ حقوقا على الجامعة الإسلامية والجامعة البشرية، وَإِن لَهما عَلَيْهِ مثلهَا، ذاهلاً عَن أَنه مدنِي الطَّبْع، لَا يعِيش إِلَّا بالاشتراك، نَاسِيا أَو جَاهِلا أوَامِر الْكتاب وَالسّنة لَهُ بذلك (مرحى) .
ثمَّ بتوالي الْقُرُون والبطون على هَذِه الْحَال، تأصل فِي الْأمة فقد الإحساس، إِلَى دَرَجَة انه لَو خربَتْ هَذِه الْكَعْبَة وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى لما تقطبت الْحَيَاة أَكثر من لَحْظَة، وَلَا أَقُول لما زَاد تلاطم النَّاس على سَبْعَة أَيَّام، كَمَا ورد فِي الإثر، لِأَن المُرَاد بأولئك النَّاس أهل خزينة الْعَرَب إِذْ ذَاك.
وَإِذا دققنا النّظر فِي حَالَة الْأُمَم الْحَيَّة المعاصرة، وَهِي لَيْسَ عِنْدهَا مَا عندنَا من الْوَسَائِل الشَّرِيفَة للاجتماعات والمفاوضات، نجدهم قد احْتَالُوا للاجتماعات ولاسترعاء السّمع والاستلفات بوسائل شَتَّى:
١ - مِنْهَا تخصيصهم يَوْمًا فِي الْأُسْبُوع للبطالة والتفرغ من الأشغال الْخَاصَّة، لتحصل بَين النَّاس الاجتماعات، وتنعقد الندوات، فيتباحثون ويتناجون.
٢ - وَمِنْهَا تخصيصهم أَيَّامًا، يتفرغون فِيهَا لتذاكر مهمات الْأَعْمَال لأعاظم رِجَالهمْ الماضين، تشويقا للتمثل بهم.
стр. 61
٣ - وَمِنْهَا إعدادهم فِي مدنهم ساحات ومنتديات، تسهيلا للاجتماع والمذاكرات وإلقاء الْخطب وإبداء التظاهرات.
٤ - وَمِنْهَا إيجادهم المنتزهات الزاهية العمومية، وإجراء الاحتفالات الرسمية والمهرجانات بِقصد السُّوق للاجتماعات.
٥ - وَمِنْهَا إيجادهم محلات التشخيص الْمَعْرُوف (بالكوميديا) و (التياترو) ، بِقصد أراءة العبر واسترعاء السّمع للْحكم والوقائع، وَلَو ضمن أَنْوَاع من الخلاعة الَّتِي اتَّخذت شباكا لمقاصد الْجمع والإسماع، ويعتبرون أَن نَفعهَا أكبر من ضَرَر الخلاعة.
٦ - وَمِنْهَا اعتناؤهم غَايَة الاعتناء بتعميم معرفَة تواريخهم الملية، المفصلة المدمجة بالعلل والأسباب، تمكينا لحب الجنسية.
٧ - وَمِنْهَا حرصهم على حفظ العاديات المنبهة، وادخار الْآثَار الْقَدِيمَة المنوهة، واقتناء النفائس المشعرة بالمفاخر.
٨ - وَمِنْهَا إقامتهم النصب، المفكرة بِمَا نصبت لَهُ من مهمات
стр. 62
الوقائع الْقَدِيمَة.
٩ - وَمِنْهَا نشرهم فِي الجرائد اليومية كل الوقائع والمطالعات الفكرية.
١٠ - وَمِنْهَا بثهم فِي الأغاني والنشائد الحكم والحماسات؛ إِلَى غير ذَلِك من الْوَسَائِل الَّتِي تنشئ فِي الْقَوْم نشأة حَيَاة اجتماعية، وتولد فِي الرؤوس حمية وحماسة، وَفِي النُّفُوس سموا ونشاطاً.
أما الْمُسلمُونَ فَإِنَّهُم كَمَا سبق بَيَانه، أهملوا اسْتِعْمَال تِلْكَ الْوَسَائِل الشَّرِيفَة، المؤسسة عِنْدهم للشورى والمفاوضات والتناصح والتداعي، أَعنِي بذلك الْجَمَاعَة وَالْجُمُعَة وجمعية الْحَج؛ حَتَّى كَأَن الشَّارِع لم يقْصد مِنْهَا أَدَاء الْفَرِيضَة فَقَط بِصُورَة تعبدية بسيطة، وَالْحَال حِكْمَة الشَّارِع أبلغ من ذَلِك، وَعِنْدِي أَن هَذَا أعظم أَسبَاب الفتور (مرحى) .
فَأَجَابَهُ الإِمَام الصيني: أَن هَذَا أشبه بالعوارض مِنْهُ بالأسباب، فَهُوَ أليق بِأَن يكون دَوَاء للداء، وَنحن مهتمون ابْتِدَاء بِمَعْرِِفَة سَبَب الفتور.
ثمَّ قَالَ: أَنِّي أرى أَن السَّبَب الْأَكْبَر للفتور هُوَ تكبر الْأُمَرَاء،
стр. 63
وميلهم للْعُلَمَاء المتملقين الْمُنَافِقين، الَّذين يتصاغرون لديهم، ويتذللون لَهُم، ويحرفون أَحْكَام الدّين ليوفقوها على أهوائهم؛ فَمَاذَا يُرْجَى من عُلَمَاء يشْتَرونَ بدينهم دنياهم، ويقبلون يَد الْأَمِير لتقبل الْعَامَّة أَيْديهم، ويحقرون أنفسهم للعظماء ليتعاظموا على أُلُوف من الضُّعَفَاء، اكبر هَمهمْ التحاسد والتباغض والتخاذل والتفاشل، لَا يحسنون أمرا من الْأُمُور حَتَّى وَلَا الْخُصُومَة، فتراهم لَا يتراغمون إِلَّا بتكفير بَعضهم بَعْضًا عِنْد الْأُمَرَاء والعامة.
وَهَذَا دَاء عياء صَعب المداواة جدا، لِأَن كبر الْأُمَرَاء يمنعهُم من الْميل إِلَى الْعلمَاء العاملين، الَّذين فيهم نوع غلظة لَا بُد مِنْهَا، ولنعما هِيَ مزية لولاها لفقد الدّين بِالْكُلِّيَّةِ (مرحى) .
فَلَا شكّ أَن فِي هَذَا الزَّمَان، أفضل الْجِهَاد فِي الله الْحَط من قدر الْعلمَاء الْمُنَافِقين عِنْد الْعَامَّة، وتحويل وجهتهم لاحترام الْعلمَاء العاملين؛ حَتَّى إِذا رأى الْأُمَرَاء انقياد النَّاس لهَؤُلَاء أَقبلُوا هم أَيْضا عَلَيْهِم رغم أنوفهم. وأذعنوا لَهُم طَوْعًا أَو كرها؛ على أَنه يجب على حكماء الْأمة الْمُجَاهدين فِي الله أَن يعتنوا بالوسائل اللينة لتثقيف عقول الْعلمَاء العاملين، لِأَن الْعلم رَافع للْجَهْل فَقَط، وَلَا يُفِيد عقلا وَلَا كياسة؛ فَيلْزم تعليمهم وتعريفهم كَيفَ تكون سياسة الدّين، وَهَكَذَا
стр. 64
يفعل الْحُكَمَاء عندنَا معاشر إِسْلَام الصين، وَلَا تفقد أَيَّة بَلْدَة كَانَت رجَالًا حكماء نبلاء يمتازون طبعا على الْعَامَّة، لَهُم نوع من الْوَلَاء حَتَّى على الْعلمَاء.
وَهَؤُلَاء الَّذين نسميهم عندنَا بالحكماء هم الَّذين يُطلق عَلَيْهِم فِي الإسلامية اسْم أهل الْحل وَالْعقد، الَّذين لَا تَنْعَقِد شرعا (الْإِمَامَة) إِلَّا ببيعتهم؛ وهم خَواص الطَّبَقَة الْعليا فِي الْأمة، الَّذين أَمر الله عز شَأْنه نبيه بمشاورتهم فِي الْأَمر، الَّذين لَهُم شرعا حق الاحتساب والسيطرة على الْأَمَام والعمال، لأَنهم رُؤَسَاء الْأمة ووكلاء الْعَامَّة، والقائمون فِي الْحُكُومَة الإسلامية مقَام مجَالِس النواب والإشراف فِي الحكومات الْمقيدَة، ومقام الأسرة الملوكية الَّتِي لَهَا حق السيطرة على الْمُلُوك فِي الحكومات الْمُطلقَة كالصين وروسيا؛ ومقام شُيُوخ الأفخاد فِي إزاء أُمَرَاء العشائر الْعَرَبيَّة، أُولَئِكَ الْأُمَرَاء الَّذين لَيْسَ لَهُم من الْأَمر غير تَنْفِيذ مَا يبرمه الشُّيُوخ.
وَإِذا دققنا النّظر فِي أدوار الحكومات الإسلامية من عهد الرسَالَة إِلَى الْآن، نجد ترقيها وانحطاطها تابعين لقُوَّة أَو ضعف احتساب أهل الْحل وَالْعقد واشتراكهم فِي تَدْبِير شؤون الْأمة.
وَإِذا أرجعنا الْبَصَر إِلَى التَّارِيخ الإسلامي، نجد أَن النَّبِي عَلَيْهِ
стр. 65
السَّلَام كَانَ أطوع الْمَخْلُوقَات للشورى امتثالا لأمر ربه فِي قَوْله تَعَالَى: (وشاورهم فِي الْأَمر) ، حَتَّى أَنه ترك الْخلَافَة لمُجَرّد رَأْي الْأمة.
ثمَّ كَانَ أول الْخُلَفَاء ﵁ أشبه النَّاس بِهِ حَتَّى أَنه أَخذ رَأْي سراة الصَّحَابَة فِيمَن خلف؛ ثمَّ الْخَلِيفَة الثَّانِي اتبع أثر الأول، وَإِن اسْتَأْثر فِي تَرْتِيب الشورى فِيمَن يخلفه؛ ثمَّ الْخَلِيفَة الثَّالِث اجْتهد فِي مُخَالفَة رُؤَسَاء الصَّحَابَة فِي بعض الْمُهِمَّات، فَلم يستقم لَهُ الْأَمر، وَظَهَرت الْفِتَن كَمَا هُوَ مَعْلُوم؛ ثمَّ مُعَاوِيَة ﵀ كَانَ قَلِيل الِاسْتِقْلَال بِالرَّأْيِ فحسنت أَيَّامه عَن قبل. وَهَكَذَا كَانَت دولة الأمويين تَحت سيطرة أهل احل وَالْعقد لَا سِيمَا من سراة بني أُميَّة، فانتظمت على عَهدهم الْأَحْوَال، كَمَا كَانَ ذَلِك كَذَلِك على عهد صدر العباسيين، حَيْثُ كَانُوا مذعنين لسيطرة رُؤَسَاء بني هَاشم، ثمَّ لما استبدوا فِي الرَّأْي وَالتَّدْبِير، فخالفوا أَمر الله وَاتِّبَاع طَريقَة رَسُول الله، ساءت الْحَال حَتَّى فقد الْملك.
هَكَذَا عِنْد التدقيق فِي كل فرع من الدول الإسلامية الْمَاضِيَة والحاضرة، بل فِي تَرْجَمَة كل فَرد من الْمُلُوك والأمراء، بل فِي حَال كل ذِي عائلة أَو كل إِنْسَان فَرد، نجد الصّلاح وَالْفساد دائرين مَعَ سنة الاستشارة أَو الِاسْتِقْلَال فِي الرَّأْي.
стр. 66
فَإِذا تقرر هَذَا، علمنَا أَن سَبَب الفتور الْعَام المبحوث فِيهِ هُوَ استحكام الاستبداد فِي الْأُمَرَاء شِيمَة وتكبرا، وَترك أهل الْحل وَالْعقد والاحتساب جهلا وجبانة؛ وَهَذَا عِنْد بعض الأقوام الْمُسلمين كإيران، وَأما الْأَكْثَر فقد أَمْسوا لَا عُلَمَاء هداة وَلَا سراة أباة، بل هم فوضى فِي الدّين وَالدُّنْيَا. وَلَا بدع فِيمَن يكونُونَ على مثل هَذَا الْحَال، أَن لَا يُرْجَى لَهُم دَوَاء إِلَّا بعناية بعض الْحُكَمَاء، الَّذين ينجبون من أَي طبقَة كَانَت من الْأمة، وَقد قَضَت سنة الله فِي خلقه أَن لَا تَخْلُو أمة من الْحُكَمَاء.
فَأجَاب الْعَالم النجدي: أَن شؤون السياسة فِي الصين تخْتَلف كثيرا عَنْهَا فِي غَيرهَا، وَلَيْسَ فِي الصين مُلُوك كَثِيرَة وأمراء جبابرة كَمَا عِنْد غَيرهم، فالحكماء فِي الصين آمنون؛ وَمن جِهَة أُخْرَى لم يزل الْإِسْلَام فِي الصين حَنِيفا خَفِيفا، لم يُفْسِدهُ التفنن وَالتَّشْدِيد، وَمَعَ ذَلِك نرى الفتور شاملهم أَيْضا. وَنحن الْآن نبحث عَن السَّبَب الْعَام لهَذَا الدَّاء، وَلَيْسَ كل السَّبَب أَحْوَال الْأُمَرَاء وَالْعُلَمَاء.
ثمَّ قَالَ أَنِّي أَجْزم، وَلَا أَقُول أَظن أَو أخال، أَن سَبَب الفتور الطَّارِئ الملازم لجامعة هَذَا الدّين هُوَ هَذَا الدّين الْحَاضِر ذَاته، وَلَا
стр. 67
برهَان أعظم من الْمُلَازمَة، وَمَا جَاءَ الخفاء إِلَّا من شدَّة الوضوح؛ فَهَل بَقِي من شكّ بعد هَذِه الأبحاث الَّتِي سبقت فِي جمعيتنا، وَلَا سِيمَا مَا بَينه الْمُحَقق الْمدنِي، فِي أَن الدّين الْمَوْجُود الْآن بِالنّظرِ إِلَى مَا ندين بِهِ لَا بِالنّظرِ إِلَى مَا نقرره، وَبِاعْتِبَار مَا نفعله لَا بِاعْتِبَار مَا نقُوله، لَيْسَ هُوَ الدّين الَّذِي تميز بِهِ أسلافنا مئين من السنين على الْعَالمين، كلا بل طرأت على الدّين طوارئ تَغْيِير غيرت نظامه. " وَذَلِكَ أَن الإخلاف تركُوا أَشْيَاء من أَحْكَامه: كإعداد الْقُوَّة بِالْعلمِ وَالْمَال، وَالْجهَاد فِي الدّين، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَإِزَالَة الْمُنكر، وَإِقَامَة الْحُدُود، وإيتاء الزَّكَاة؛ وَغير ذَلِك مِمَّا أوضحه الإخوان الْكِرَام، وَزَاد فِيهِ الْمُتَأَخّرُونَ بدعا وتقليدات وخرافات لَيست مِنْهُ، كشيوع عبَادَة الْقُبُور، وَالتَّسْلِيم لمُدعِي علم الْغَيْب وَالتَّصَرُّف فِي الْمَقْدُور.
وَهَذِه الطوارئ من تغييرات أَو متروكات أَو مزيدات أَكْثَرهَا يتَعَلَّق بأصول الدّين، وَبَعضهَا بِأَصْل الْأُصُول أَعنِي التَّوْحِيد، وَكفى بِأَن يكون سَببا للفتور، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ . (مرحى) .
وَلقَائِل أَن يَقُول: إِذا سلمنَا أَن الدّين تغير عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، فَمَا
стр. 68
تَأْثِير ذَلِك فِي الفتور الْعَام الَّذِي هُوَ من شئون الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَهَا نَحن نجد أَكثر الْأُمَم الْحَيَّة الَّتِي نغبطها قد طَرَأَ على دينهَا التَّغْيِير والتبديل فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع، وَلم يُؤثر ذَلِك فِي الفتور؛ بل زعم كثير من حكماء تِلْكَ الْأُمَم انهم مَا أخذُوا فِي الترقي إِلَّا بعد عزلهم شئون الدّين عَن شئون الْحَيَاة، وجعلهم الدّين أمرا وجدانياً مَحْضا لَا علاقَة لَهُ بشؤون الْحَيَاة الْجَارِيَة على نواميس الطبيعة.
فَالْجَوَاب على ذَلِك بِأَنَّهُ كَمَا يُطَالب كل إِنْسَان بَان يكون صَاحب ناموس، أَي مُتبعا على وَجه الاطراد فِي أخلاقه وأعماله قانونا مَا، مُوَافقا وَلَو فِي الْأُصُول فَقَط لقانون الْهَيْئَة الاجتماعية الَّتِي هُوَ مِنْهَا، وَإِلَّا فَيكون لَا ناموس لَهُ، منفوراً مِنْهُ مضطهداً؛ فَكَذَلِك كل قوم مكلفون بِأَن يكون لَهُم ناموس عَام بَينهم، ملائم نوعا لقوانين الْأُمَم الَّتِي لَهَا مَعَهم علاقات جوارية أَو تجارية أَو مناسبات سياسية، وَإِلَّا فيكونون قوما متوحشين لَا خلاق لَهُم وَلَا نظام، منفوراً مِنْهُم مضطهدين.
وَذَلِكَ أَن الناموس الطبيعي فِي الْبشر هُوَ ناموس وَحشِي لَا خير فِيهِ، لِأَن مبانيه هِيَ تنَازع الْبَقَاء، وَحفظ النَّوْع، والتزاحم على الأسهل، والاعتماد على الْقُوَّة، وَطلب الغايات، وَحب الرِّئَاسَة،
стр. 69
وحرص الإدخار، ومجاراة الظروف، وَعدم الثَّبَات على حَال، إِلَى غير ذَلِك. وَكلهَا قَوَاعِد شَرّ ومجالب ضرّ، لَا يلطفها غير ناموس شرِيف وَاحِد، مودوع فِي فطْرَة الْإِنْسَان، وَهُوَ: إذعانه الفكري للقوة الْغَالِبَة، أَي معرفَة الله بالإلهام الفطري، الَّذِي هُوَ الْهَام النَّفس رشدها، وإلهامها فجورها وتقواها (مرحى) .
وَلَا ريب فِي أَن لهَذِهِ الْفطْرَة الدِّينِيَّة فِي الْإِنْسَان علاقَة عظمى فِي شؤون حَيَاته، لِأَنَّهَا أقوى وَأفضل وازع يعدل سَائِر نواميسه الْمضرَّة، ويخفف مرَارَة الْحَيَاة الَّتِي لَا يسلم مِنْهَا ابْن أُنْثَى، وَذَلِكَ بِمَا يؤمله الْمُؤمن من المجازاة والمكافأة، والانتقام مِنْهُ وَله (مرحى) .
وَعند تدقيق حَالَة جَمِيع الْأَدْيَان والنحل تدقيقاً تاريخياً، تُوجد كلهَا ناشئة عَن اصل صَحِيح بسيط سماوي، لَا ترى فِيهِ عوجا وَلَا أمتا، يُوجد أَن كل دين كَانَ فِي أوليته باثا فِي أَهله النظام والنشاط، وراقياً بهم إِلَى أوج السَّعَادَة فِي الْحَيَاة، إِلَى أَن يطْرَأ عَلَيْهِ التَّأْوِيل والتحريف والتفنن والزيادات رُجُوعا إِلَى اصلين اثْنَيْنِ: (الْإِشْرَاك بِاللَّه، وَالتَّشْدِيد فِي الدّين) . فَيَأْخُذ فِي الانحطاط بالأمة، وَلم يزل نازلا بهَا إِلَى أَن تبلغ حَالَة أقبح من الْحَالة الْأَصْلِيَّة الهمجية، فتنتهي
стр. 70
بالانقراض أَو الاندماج فِي أمة أُخْرَى. أَو يتدارك الله تِلْكَ الْأمة بعناية بَالِغَة، فيبعث لَهُم رَسُولا يجدد دينهم، أَو يخلق فيهم أَنْبيَاء أَو حكماء يصلحون لَهُم مَا فسد من دينهم، كَمَا حصل ذَلِك فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة: كعاد وَثَمُود، وكالسريان وَإِسْرَائِيل وكنعان وَإِسْمَاعِيل، وكما قَالَ الله تَعَالَى: (وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ .
وَعند التَّأَمُّل يُوجد الشّرك وَالتَّشْدِيد كَأَنَّهُمَا أَمْرَانِ طبيعيان فِي الْإِنْسَان، يسْعَى وراءهما جهده بسائق النَّفس وقائد الشَّيْطَان؛ لِأَن النَّفس تميل إِلَى عبَادَة الْمَشْهُود الْحَاضِر أَكثر من ميلها إِلَى عبَادَة الْمَعْقُول الْغَائِب، ومفطوره على التَّشْدِيد رَغْبَة فِي التميز؛ والشيطان يسعف النَّفس بالتسويل والتأويل، والتحويل والتضليل، إِلَى أَن يفْسد الدّين (مرحى) .
ثمَّ إِذا دققنا حَالَة الإسلامية فِي الْقُرُون الخالية، نجدها عِنْد أَكثر أهل الْقبْلَة قد أَصَابَهَا بعض مَا أصَاب قبلهَا غَيرهَا من الْأَدْيَان؛ كَمَا أخبرنَا الله تَعَالَى بقصصها فِي كِتَابه الْمُبين، ووعدنا بوقوعنا فِيهِ سيد الْمُرْسلين، وأرشدنا إِلَى طرائق التَّخَلُّص مِنْهُ إِن كُنَّا راشدين.
стр. 71
أَعنِي بذلك ماطراً على الإسلامية من التَّأْوِيل والتحريف فِي بعض أُصُولهَا وَكثير من فروعها، حَتَّى استولى عَلَيْهَا التَّشْدِيد والتشويش، وتطرق لَهَا الشّرك الْخَفي والجلي من يَمِينهَا وشمالها، فأمست محتاجة إِلَى التَّجْدِيد بتفريق الغي من الرشد، وَعِنْدِي أَن هَذِه الْحَال أَعم وَأعظم سَبَب للفتور المبحوث فِيهِ، قَالَ الله تَعَالَى: (وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا) . (مرحى) . وَأَنْتُم أَيهَا السَّادة الأفاضل، فِي غناء عَن إِيضَاح ذَلِك لكم بِوَجْه التَّفْصِيل.
قَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس: إِنِّي أرى أَن الْبَحْث فِي أَعْرَاض الدَّاء وأسبابه وجرائمه وَمَا هُوَ الدَّوَاء وَكَيف يسْتَعْمل قد نضج أَو كَاد؛ وَقد قَررنَا فِي اجتماعنا الأول أننا سنبحث فِي: مَا هِيَ الإسلامية؟ وَمَا يتبع ذَلِك مِمَّا أدرجناه فِي برنامج المباحث، وَإِنِّي أرى أَن تَقْرِير أخينا الْعَالم النجدي نعم الْمدْخل لنقل الْبَحْث، وَلَا سِيمَا إِذا تكرم بتفصيل مَا أجمله؛ لِأَن مسَائِل منشأ الديانَات، وَسنَن الله فِي مسراها، وَأَسْبَاب طوارئ التَّغْيِير والتحريف عَلَيْهَا، كلهَا مسَائِل مهمة تَقْتَضِي تدقيق النّظر واستقصاء التَّحْقِيق، وَيحسن فِيهَا الإطالة والاستيعاب. بِنَاء عَلَيْهِ، نرجو من الْعَالم النجدي أَن يتكرم بِإِعَادَة مَا قَرَّرَهُ بِصُورَة مفصلة فِي اجتماعنا الْآتِي، إِذْ الْيَوْم قد أذن لنا الْوَقْت بالانصراف.
стр. 72
فارغ
стр. 73
الِاجْتِمَاع الرَّابِع
يَوْم السبت الْعشْرين من ذِي الْقعدَة سنة ١٣١٦
انتظمت الجمعية فِي الْيَوْم الْمَذْكُور صباحاً، وقرىء الضَّبْط السَّابِق حسب الْعَادة، وَأذن الْأُسْتَاذ الرئيس بِالشُّرُوعِ فِي الْبَحْث.
فَقَالَ الْعَالم النجدي: إِنِّي استسمح السَّادة الإخوان عَن إملالهم بمقدمات وتعريفات هم أعلم مني بهَا، بل هِيَ عِنْدهم فِي رُتْبَة البديهيات، وَلَكِن لَا بُد مِنْهَا للباحث رِعَايَة لقاعدة التسلسل الفكري وَالتَّرْتِيب القياسي، فَأَقُول.
أَن النَّوْع الإنساني مفطور على الشُّعُور بِوُجُود قُوَّة غالبة عَاقِلَة، لَا تتكيف، تتصرف فِي الكائنات على نواميس منتظمة، فالعامة يعبرون عَن هَذِه الْقُوَّة بِلَفْظ (الطبيعة) ؛ والراشدون من النَّاس مهتدون إِلَى أَن لهَذِهِ الْقُوَّة من هُوَ قَائِم بهَا، يعبرون عَنهُ بِلَفْظ (الله) ثمَّ أَن هَذَا الشُّعُور يخْتَلف قُوَّة وضعفاً، حسب ضعف النَّفس
стр. 74
وقوتها؛ وَيخْتَلف النَّاس فِي تصور وتوصيف مَاهِيَّة هَذِه الْقُوَّة حسب مَرَاتِب الْإِدْرَاك فيهم، أَو حَسْبَمَا يصادفهم من التلقي عَن غَيرهم، وَذَلِكَ هُوَ (الضلال وَالْهِدَايَة) . على أَن الضلال غَالب لِأَن مَوَازِين الْعُقُول البشرية مهما كَانَت وَاسِعَة قَوِيَّة، لَا تسع وتتحمل وزن جبال الأزلية والأبدية، والامتثال، والأزمان، والإمكان، وَنَحْو ذَلِك، مِمَّا لصعوبته سمي الْعلم بِهِ علم مَا وَرَاء الْعقل؛ وَلِهَذَا لَا يُقَال فِي حق الضَّالّين أَنهم منحطون عقلا عَن المهتدين، بل كثير مِنْهُم، فِي الماضين والحاضرين، أسمى عقلا بمراتب كَبِيرَة من المهتدين، وَلَكِن صعوبة التَّصَوُّر وَالْحكم أوقعتهم فِي بحار من الأوهام وظلمات من الضلال، على أَن البارئ تَعَالَى قدر اللطف بِبَعْض عباده، وَأَرَادَ إِقَامَة الْحجَّة على الآخرين، فأوجد بعض أَفْرَاد من الْبشر يميزون فِي تصور توصيف مَاهِيَّة هَذِه الْقُوَّة تمييزاً كَبِيرا، فصاروا هداة للنَّاس وهم (الْأَنْبِيَاء) عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام.
ثمَّ بعض الْأَنْبِيَاء الْكِرَام قَامُوا فِيمَن حَولهمْ من النَّاس مقَام المشرعين؛ واثبتوا، ببراهين خرق الْعَادَات على يدهم عِنْد التحدي أَي عِنْد طلب ذَلِك مِنْهُم، أَن مخاطبيهم مكلفون من قبل الله تَعَالَى باتبَاعهمْ وهم (المُرْسَلُونَ) ، فَآمن بهم من آمن، أَي شهدُوا لَهُم
стр. 75
بالرسالة واتبعوهم فِي هديهم مستسلمين، فأخرجوهم من بحار الأوهام إِلَى سَاحل الْحِكْمَة، وَمن ظلمات الضلال إِلَى نور الْهِدَايَة، وَهَؤُلَاء (الْمُؤْمِنُونَ) ، فَهَذِهِ مُقَدّمَة أولى. (مرحى) .
وَمن الْمُؤمنِينَ: نَحن معاشر (الْمُسلمين) ؛ علمنَا، بِمَا علمنَا، أَن مُحَمَّدًا بن عبد الله الْهَاشِمِي الْقرشِي الْعَرَبِيّ أجل الْبشر حِكْمَة وفضيلة، وصدقناه بِأَنَّهُ رَسُول الله للْعَالمين كَافَّة، مصححاً مِلَّة إِبْرَاهِيم، دَاعيا لعبادة الله وَحده، هاديا إِلَى مَا يُكَلف الله لَهُ عبَادَة من أَمر وَنهي كافلين لكل خير فِي الْحَيَاة وَبعد الْمَمَات.
وَمن أُمَّهَات قَوَاعِد ديننَا، أَن نعتقد: أَن مُحَمَّدًا ﵇ بلغ رسَالَته، لم يتْرك وَلم يكتم مِنْهَا شَيْئا، وَأَنه أتم وظيفته بِمَا جَاءَ بِهِ من كتاب الله، وَبِمَا قَالَه أَو فعله أَو أقره على سَبِيل التشريع إكمالاً لدين الله.
وَمن أهم قَوَاعِد ديننَا أَيْضا: أَنه مَحْظُور علينا أَن نزيد على مَا بلغنَا إِيَّاه رَسُول الله أَو ننقص مِنْهُ أَو نتصرف فِيهِ بعقولنا، بل متحتم علينا أَن نتبع مَا جَاءَ بِهِ الصَّرِيح الْمُحكم من الْقُرْآن، والواضح الثَّابِت مِمَّا قَالَه الرَّسُول أَو فعله أَو أقره، وَمَا أجمع عَلَيْهِ الصَّحَابَة، أَن أدركنا حِكْمَة ذَلِك التشريع أَو لم نقدر على إِدْرَاكهَا، وَأَن تتْرك
следующие страницы →