Полный текст (151 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
(مُقَدّمَة)
﴿وَإِذ ابتلى إِبْرَاهِيم ربه بِكَلِمَات فأتمهن قَالَ إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا، قَالَ: وَمن ذريتي، قَالَ لَا ينَال عهدي الظَّالِمين﴾ ﴿٢: ١٢٤﴾ .
﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذِي من قبلهم، وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لَا يشركُونَ بِي شَيْئا، وَمن كفر بعد ذَلِك فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿٢٤: ٥٥﴾ .
﴿وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ لخائف الأَرْض وَرفع بَعْضكُم فَوق بعض دَرَجَات ليَبْلُوكُمْ فِيمَا آتَاكُم، إِن رَبك سريع الْعقَاب وَإنَّهُ لغَفُور رَحِيم﴾ ﴿٦: ١٦٥﴾ . .
هدَانَا الْكتاب الْحق، وَالنَّظَر فِي تَارِيخ الْخلق، إِلَى الِاعْتِبَار بخلافة الشعوب بَعْضهَا لبَعض، فِي السِّيَادَة وَالْحكم فِي الأَرْض، وبخلافة الْأَفْرَاد والبيوت فِي الشعوب، وَمَا فِيهَا من حق مَشْرُوع وتراث مَغْصُوب، وَإِلَى مَا لله تَعَالَى فِي ذَلِك من الحكم وَالسّنَن الاجتماعية، وَالْأَحْكَام وَالسّنَن الشَّرْعِيَّة وَمن الْعَهْد بِالْإِمَامَةِ الْعَامَّة لبَعض الْمُرْسلين، والوعد باستخلاف وإرث الأَرْض لِعِبَادِهِ الصَّالِحين، وَمن تِلْكَ السّنَن الْعَامَّة ابتلاء بعض الشعوب بِبَعْض ليظْهر أَيهَا أقوم وَأقرب إِلَى الْعدْل وَالْحق فَيكون حجَّة لَهُ على الْخلق ولينتقم من الظَّالِمين، تَارَة بأمثالهم من المفسدين، وَتارَة بأضدادهم من المصلحين، وَتَكون عَاقِبَة التَّنَازُع لِلْمُتقين، فالمتقون هم الَّذين يَتَّقُونَ بَاب الخيبة والفشل، ويسيرون على سنَن الله الشَّرْعِيَّة والكونية فِي الْعَمَل، والصالحون هم الَّذين يجتنبون الْفساد، ويسلكون سَبِيل الرشاد، ويقومون مَا اعوج من أَمر الْعباد.
стр. 2
عهد الله تَعَالَى بِالْإِمَامَةِ الْعَامَّة لنَبيه وخليله إِبْرَاهِيم وللعادلين من ذُريَّته غير الظَّالِمين، فوعد بهَا قوم مُوسَى من بني إِسْرَائِيل، وَقوم مُحَمَّد من بني إِسْمَاعِيل، قَالَ تَعَالَى فِي الْوَعْد الأول ٢٨: ٥ ﴿ونريد أَن نمن على الَّذين استضعفوا فِي الأَرْض ونجعلهم أَئِمَّة ونجعلهم الْوَارِثين﴾ وَقَالَ فِي الْوَفَاء بِهِ ٧: ١٣٧ ﴿وأورثنا الْقَوْم الَّذين كَانُوا يستضعفون مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا الَّتِي باركنا فِيهِ وتمت كلمة رَبك الْحسنى على بني إِسْرَائِيل بِمَا صَبَرُوا﴾ الْآيَة وَقَالَ فِي الْوَعْد الثَّانِي ٢٤: ٥٥ ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم﴾ . . وَقد صدق الله هَذِه الْأمة وعده ووفى لَهَا، كَمَا وفى لمن قبلهَا، ثمَّ سلبها جلّ مَا أَعْطَاهَا، كَمَا عاقب بذلك سواهَا، إِذْ نقضت عهدها كَمَا نقضوا، وفسقت عَن أَمر بهَا كَمَا فسقوا، واغترت بنسبها وبكتابها كَمَا اغتروا، وَإِنَّمَا ناط تَعَالَى إِرْث الأَرْض، بِإِقَامَة الْحق وَالْعدْل، وبالصلاح والإصلاح لأمور الْخلق، وَاسْتثنى من نيل عَهده الظَّالِمين، وتوعد بسلبه من الْفَاسِقين، وَكَانَ الْوَاجِب عَلَيْهَا أَن تعْتَبر بذلك فتثوب إِلَى رشدها، وتتوب إِلَى رَبهَا، عَسى أَن يرحمها، وَيتم لآخرها، مَا أنْجز من عَهده لأولها، وَلكنهَا لما تفعل، وَعَسَى أَن تفعل.
إِن الْمَرِيض الْجَاهِل بمرضه لَا يطْلب لَهُ علاجا، وَإِن من يطْلب العلاج من غير الطَّبِيب الْعَارِف بمرضه لَا يُصِيب نجاحا، وَإِن دَاء الْمُسلمين ودواءه مُبين فِي كِتَابهمْ الْمنزل، وَلَكنهُمْ حرمُوا على أنفسهم الْعلم وَالْعَمَل بِهِ، اسْتغْنَاء عَنْهُمَا بِفقه المقلدين وكتبهم، وَيُمكن الْعلم بهما مِمَّا أرشدهم إِلَيْهِ الْكتاب من السّير فِي الأَرْض، للنَّظَر فِي أُمُور الْأُمَم وَالِاعْتِبَار بسنن الله فِي الْخلق، وَلَكنهُمْ قَلما كَانُوا يَسِيرُونَ، وَإِذا سَارُوا فقلما ينظرُونَ ويعتبرون.
стр. 3
وَالْإِسْلَام هِدَايَة روحية، وسياسة اجتماعية مَدَنِيَّة، أكمل الله بِهِ دين الْأَنْبِيَاء، وَمَا أَقَامَ عَلَيْهِ نظام الِاجْتِمَاع البشري من سسن الارتقاء، فَأَما الْهِدَايَة الدِّينِيَّة الْمَحْضَة فقد جَاءَ بهَا تَامَّة أصلا وفرعا، وفرضا ونفلا، إِذْ مدارها على نُصُوص الْوَحْي، وَبَيَان الرَّسُول ﷺ لَهَا بالْقَوْل وَالْفِعْل، وَلما طَرَأَ الضعْف على الْمُسلمين جهلوا هَذَا الأَصْل، فغلا بَعضهم فِي الدّين، فَزَاد فِي أَحْكَام الْعِبَادَات والمحرمات الدِّينِيَّة، والمواسم والأحزاب والأوراد الصُّوفِيَّة، مَا ألفت فِيهِ المجلدات، ويستغرق الْعَمَل بِهِ جَمِيع الْأَوْقَات، ويستلزم جعله من الدّين نُقْصَان دين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِذْ لم يكن لديهم شَيْء مِنْهُ، وَلَو اشتغلوا بِمثلِهِ لما وجدوا وقتا لفتح الْبِلَاد، وَإِصْلَاح أُمُور الْعباد. . وَأما السياسة الاجتماعية المدنية فقد وضع الْإِسْلَام أساسها وقواعدها، وَشرع للْأمة الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد فِيهَا، لِأَنَّهَا تخْتَلف باخْتلَاف الزَّمَان وَالْمَكَان وترتقي بارتقاء الْعمرَان وفنون الْعرْفَان، وَمن قَوَاعِده فِيهَا أَن سلطة الْأمة لَهَا، وأمرها شُورَى بَينهَا، وَأَن حكومتها ضرب من الجمهورية، وَخَلِيفَة الرَّسُول فِيهَا لَا يمتاز فِي أَحْكَامهَا على أَضْعَف أَفْرَاد الرّعية، وَإِنَّمَا هُوَ منفذ لحكم الشَّرْع ورأي الْأمة، وَأَنَّهَا حافظة للدّين ومصالح الدُّنْيَا، وجامعة بَين الْفَضَائِل الأدبية، وَالْمَنَافِع المادية، وممهدة لتعميم الْأُخوة الإنسانية، بتوحيد مقومات الْأُمَم الصورية والمعنوية. . وَلما طَرَأَ الضعْف على الْمُسلمين قصروا فِي إِقَامَة الْقَوَاعِد وَالْعَمَل بالأصول، وَلَو أقاموها لوضعوا لكل عصر مَا يَلِيق بِهِ من النّظم وَالْفُرُوع. .
ظَهرت مَدَنِيَّة الْإِسْلَام مشرقة من أفق هِدَايَة الْقُرْآن، مَبْنِيَّة على أساس البدء بإصلاح الْإِنْسَان، ليَكُون هُوَ المصلح لأمور الْكَوْن وشئون الِاجْتِمَاع، فَكَانَ جلّ إصْلَاح الْخُلَفَاء الرَّاشِدين إِقَامَة الْحق وَالْعدْل، والمساواة بَين النَّاس فِي الْقسْط، وَنشر الْفَضَائِل وقمع الرذائل، وَإِبْطَال مَا أرهق الْبشر من استبداد الْمُلُوك والأمراء، وسيطرة الكهنة ورؤساء الدّين على الْعُقُول والأرواح، فبلغوا بذلك حدا من الْكَمَال، لم يعرف لَهُ نَظِير فِي تَارِيخ الْأُمَم والأجيال، واستتبع ذَلِك مَدَنِيَّة سريعة السّير، جَامِعَة بَين الدّين والفضيلة، وَبَين التَّمَتُّع بالطيبات والزينة، ارتقت فِيهَا الْعُلُوم والفنون بِسُرْعَة غَرِيبَة، حَتَّى قَالَ الفيلسوف المؤرخ موسيو غوستاف لوبون فِي كِتَابه (تطور الْأُمَم) : إِن ملكة الْفُنُون لم تستحكم لأمة من الْأُمَم فِيمَا دون الثَّلَاثَة أجيال الطبيعية إِلَّا للْعَرَب، وَيَعْنِي بِالثَّلَاثَةِ أجيال: الجيل الْمُقَلّد، والجيل المخضرم، والجيل المستقل. .
стр. 4
لقد أَتَى على النَّاس حِين من الدَّهْر وهم يظنون أَن المدنية الإسلامية قد مَاتَت وبليت، فَلَا رَجَاء فِي بَعْضهَا، وَأَن المدنية الإفرنجية قد كسبت صفة الخلود فَلَا مطمع فِي مَوتهَا، ثمَّ اسْتَدَارَ الزَّمَان وَظهر خطأ الحسبان، وَكثر فِي حكماء أوروبة وعلمائه من يرتقب اقتراب أجل مدنيتها، بِمَا يفتك بهَا من أوبئة الأفكار المادية، وَالروح الحربية، والمطامع الأشعبية، والإسراف فِي الشَّهَوَات الحيوانية، وَقد كَانَ من أساطين أهل هَذَا الرَّأْي شيخ فلاسفة الْعَصْر هربرت سبنسر الإنكليزي مؤسس علم الِاجْتِمَاع، وَكثر أَهله بعد الْحَرْب الْكُبْرَى، لما ترَتّب عَلَيْهَا من الْمَفَاسِد الَّتِي لَا تحصى، فقد أرثت الأحقاد والأضغان بَين الشعوب الأوروبية، وضاعفت الْمَفَاسِد والمشاكل الْمَالِيَّة والسياسية، وَلكنهَا قد هزت الْعَالم الإسلامي والشرق كُله هزة عنيفة، وأحدثت فِي شعوبه توارث لم تكن مألوفة، فسنحت لَهُ فرْصَة للْعَمَل، هِيَ منَاط الرَّجَاء وَقُوَّة الأمل. .
وَإِن أعظم مظَاهر هَذِه الفرصة نهضة الشّعب التركي من كبوته الَّتِي قَضَت على السلطنة العثمانية، وتوثيقه عرى الإخاء بَين الدولتين الإيرانية والأفغانية، وبثه دَعْوَة الِاعْتِصَام مَعَ سَائِر الشعوب الإسلامية الأعجمية، ونجاحه فِي إِلْغَاء الامتيازات الْأَجْنَبِيَّة، وَالنَّقْص من سَائِر الْقُيُود والأغلال السياسية والمالية، فرجاؤنا فِيهِ أَن يشد أواصر الإخاء مَعَ الْأمة الْعَرَبيَّة، ويتعاون مَعهَا على إحْيَاء المدنية الإسلامية، بتجديد حُكُومَة الْخلَافَة على الْقَوَاعِد المقررة فِي الْكتب الكلامية والفقهية، وَألا يرضى بِمَا دون ذَلِك من الْمظَاهر الدُّنْيَوِيَّة، وَلَا يغتر بتحبيذ عوام الْمُسلمين لما قَرَّرَهُ فِي أَمر الْخلَافَة الروحية، فَمَا أضاع على الْمُسلمين دنياهم وَدينهمْ، إِلَّا تحبيذ دهمائهم لكل مَا تَفْعَلهُ حكوماتهم ودولهم، ناهيك بشعور الْمُسلمين، الَّذين يئطون من أثقال حكم المستعمرين، إِنَّه شُعُور شرِيف، وَإِنَّمَا يعوزه الرَّأْي الحصيف، فقد كَانَ السوَاد الْأَعْظَم من هَؤُلَاءِ الملايين، يَرْمِي من يُخَالف أهواء السُّلْطَان عبد الحميد بالخيانة أَو المروق من الدّين، وَهُوَ السُّلْطَان الَّذِي أقنع جُمْهُور ساسة التّرْك بِإِسْقَاط سلطة السلاطين، الَّذِي تحمده الْيَوْم هَذِه الملايين، وَمَا لَهُم بِهَذَا وَلَا ذَاك من علم وَلَا سُلْطَان مُبين. .
أَيهَا الشّعب التركي الْحَيّ: إِن الْإِسْلَام أعظم قُوَّة معنوية فِي الأَرْض وَإنَّهُ هُوَ الَّذِي يُمكن أَن يحيي مَدَنِيَّة الشرق وينقذ مَدَنِيَّة الغرب، فَإِن المدنية لَا تبقى إِلَّا
стр. 5
بالفضيلة، والفضيلة لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِالدّينِ، وَلَا يُوجد دين يتَّفق مَعَ الْعلم والمدنية إِلَّا الْإِسْلَام، وَإِنَّمَا عاشت المدنية الغربية هَذِه الْقُرُون بِمَا كَانَ فِيهَا من التوازن بَين بقايا الْفَضَائِل المسيحية، مَعَ التَّنَازُع بَين الْعلم الاستقلالي والتعاليم الكنسية، فَإِن الْأُمَم لَا تنسل من فَضَائِل دينهَا، بِمُجَرَّد طروء الشَّك فِي عقائده على أذهان الْأَفْرَاد وَالْجَمَاعَات مِنْهَا، وَإِنَّمَا يكون ذَلِك بالتدريج فِي عدَّة أجيال، وَقد انْتهى التَّنَازُع بفقد ذَلِك التوازن، وَأصْبح الدّين والحضارة على خطر الزَّوَال، واشتدت حَاجَة الْبشر إِلَى إصْلَاح روحي مدنِي ثَابت الْأَركان، يَزُول بِهِ استعباد الأقوياء للضعفاء، واستذلال الْأَغْنِيَاء للْفُقَرَاء، وخطر البلشفية على الْأَغْنِيَاء، وَيبْطل بِهِ امتياز الْأَجْنَاس، لتتحقق الْأُخوة الْعَامَّة بَين النَّاس، وَلنْ يكون ذَلِك إِلَّا بحكومة الْإِسْلَام، الَّتِي بيناها بالإجمال فِي هَذَا الْكتاب، وَنحن مستعدون للمساعدة على تفصيلها، إِذا وفْق الله للْعَمَل بهَا. .
أَيهَا الشّعب التركي الباسل: إِنَّك الْيَوْم أقدر الشعوب الإسلامية على أَن تحقق للبشر هَذِه الأمنية، فاغتنم هَذِه الفرصة لتأسيس مجد إنساني خَالِد، لَا يذكر مَعَه مجدك الْحَرْبِيّ التالد، وَلَا يجرمنك المتفرنجون على تَقْلِيد الإفرنج فِي سيرتهم، وَأَنت أهل لِأَن تكون إِمَامًا لَهُم بمدنية خير من مدنيتهم، وَمَا ثمَّ إِلَّا المدنية الإسلامية، الثَّابِتَة قواعدها المعقولة على أساس العقيدة الدِّينِيَّة، فَلَا تزلزلها النظريات الَّتِي تعبث بالعمران، وتفسد نظم الْحَيَاة الاجتماعية على النَّاس. .
أَيهَا الشّعب التركي المتروي: انهض بتجديد حُكُومَة الْخلَافَة الإسلامية، بِقصد الْجمع بَين هِدَايَة الدّين والحضارة لخدمة الإنسانية، لَا لتأسيس عصبية إسلامية تهدد الدول الغربية، فَإِن فعلت ذَلِك وَأثبت إخلاصك وَصِحَّة نيتك فِيهِ، فَإنَّك تَجِد من عُلَمَاء الإفرنج وفضلائهم وأحرارهم من يشد أزرك، وَيرْفَع ذكرك، وَيدْفَع عَنْك تهم الساسة المفترين، وإغراء الطامعين المغررين. .
أَيهَا الشّعب التركي الْعَاقِل: إِنَّنِي أهدي إِلَيْك هَذِه المباحث الَّتِي كتبتها فِي بَيَان حَقِيقَة الْخلَافَة وأحكامها، وَشَيْء من تَارِيخه وعلو مكانتها، وَبَيَان حَاجَة جَمِيع الْبشر إِلَيْهَا، وَجِنَايَة الْمُسلمين على أنفسهم بِسوء التَّصَرُّف فِيهَا، وَالْخُرُوج بهَا عَن موضوعها، وَمَا يعْتَرض الْآن فِي سَبِيل إحيائها، مَعَ بَيَان الْمخْرج مِنْهَا، بِمَا أشرع السَّبِيل، وأنار الدَّلِيل، بمقال وسط بَين الْإِجْمَال وَالتَّفْصِيل، جَامع لآراء العارفين
стр. 6
بمصالح الدُّنْيَا وَحَقِيقَة الدّين، فَخذ مَا آتيتك وَكن من الشَّاكِرِينَ، وَإِنَّمَا الشُّكْر لَهَا، بِالْعَمَلِ بهَا ﴿وَإِذ تَأذن ربكُم لَئِن شكرتم لأزيدنكم وَلَئِن كَفرْتُمْ إِن عَذَابي لشديد﴾ ...
стр. 7
الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الْمُتَعَلّقَة بالخلافة الإسلامية
لقد كَانَت الْخلَافَة والسلطنة فتْنَة للنَّاس فِي الْمُسلمين كَمَا كَانَت حُكُومَة الْمُلُوك فتْنَة لَهُم فِي سَائِر الْأُمَم والملل. . وَكَانَت هَذِه الْمَسْأَلَة نَائِمَة فأيقظتها الْأَحْدَاث الطارئة فِي هَذِه الْأَيَّام، إِذْ أسقط التّرْك دولة آل عُثْمَان، وأسسوا من أنقاضها فيهم دولة جمهورية بشكل جَدِيد، من أُصُولهَا أَنهم لَا يقبلُونَ أَن يكون فِي حكومتهم الجديدة سلطة لفرد من الْأَفْرَاد لَا باسم خَليفَة وَلَا باسم سُلْطَان، وَأَنَّهُمْ قد فصلوا بَين الدّين والسياسة فصلا تَاما وَلَكنهُمْ سموا أحد أَفْرَاد أسرة السلاطين السَّابِقين خَليفَة روحياً لجَمِيع الْمُسلمين، وحصروا هَذِه الْخلَافَة فِي هَذِه الأسرة، كَمَا بَينا ذَلِك بالتفصيل فِي هَذَا الْجُزْء وَمَا قبله من الْمنَار. لذَلِك كثر خوض الجرائد فِي مَسْأَلَة الْخلَافَة وأحكامها، فَكثر الْخَلْط والخبط فِيهَا، وَلبس الْحق بِالْبَاطِلِ، فَرَأَيْنَا من الْوَاجِب علينا أَن نبين أَحْكَام شريعتنا فِيهَا بالتفصيل الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمقَام، ليعرف الْحق من الْبَاطِل، وَأَن نقفى على ذَلِك بمقال آخر فِي مَكَان نظام الْخلَافَة من نظم الحكومات الْأُخْرَى، وسيرة الْمُسلمين فِيهِ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُم فِي هَذَا الزَّمَان.
وَإِن تأييدنا للحكومة التركية الجديدة، لمما يُوجب علينا هَذَا الْبَيَان والنصيحة، وَنحن إِنَّمَا نؤيدها لمَكَان الدّين، ومصلحة الْمُسلمين، وَمَا أَضْعَف ديننَا وَأَهله، إِلَّا محاباتهم للأقوياء فِيهِ، فَكَانَت مُحَابَاة الْعلمَاء للملوك وَالْخُلَفَاء وبالا عَلَيْهِم وعَلى النَّاس، وَقد أَخذ الله الْمِيثَاق على الْعلمَاء ﴿لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتموا الْحق وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ وَمن الله نستمد الصَّوَاب، ونسأله الْحِكْمَة وَفصل الْخطاب:
стр. 8
فارغة
стр. 9
التَّعْرِيف بالخلافة الإسلامية ووجوبها شرعا
стр. 10
فارغة
стр. 11
التَّعْرِيف بالخلافة
الْخلَافَة، والإمامة الْعُظْمَى، وإمارة الْمُؤمنِينَ، ثَلَاث كَلِمَات مَعْنَاهَا وَاحِد، وَهُوَ رئاسة الْحُكُومَة الإسلامية الجامعة لمصَالح الدّين وَالدُّنْيَا.
قَالَ الْعَلامَة الأصولي الْمُحَقق السعد التَّفْتَازَانِيّ فِي متن مَقَاصِد الطالبين، فِي علم أصُول عقائد الدّين: الْفَصْل الرَّابِع - أَي من العقائد السمعية - فَفِي الْإِمَامَة، وَهِي رئاسة عَامَّة فِي أَمر الدّين وَالدُّنْيَا خلَافَة عَن النَّبِي [ ﷺ ]
وَقَالَ الْعَلامَة الْفَقِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة: الْإِمَامَة مَوْضُوعَة لخلافة النُّبُوَّة فِي حراسة الدّين وسياسة الدُّنْيَا.
وَكَلَام سَائِر عُلَمَاء العقائد وَالْفُقَهَاء من جَمِيع مَذَاهِب أهل السّنة لَا يخرج عَن هَذَا الْمَعْنى، إِلَّا أَن الإِمَام الرَّازِيّ زَاد قيداّ فِي التَّعْرِيف فَقَالَ: هِيَ رئاسة عَامَّة فِي الدّين وَالدُّنْيَا لشخص وَاحِد من الْأَشْخَاص. . وَقَالَ: هُوَ احْتِرَاز عَن كل الْأمة إِذا عزلوا الإِمَام لفسقه. . قَالَ السعد فِي شرح الْمَقَاصِد بعد ذكر هَذَا الْقَيْد فِي التَّعْرِيف وَمَا علله بِهِ: (وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِكُل الْأمة أهل الْحل وَالْعقد وَاعْتبر رئاستهم على من عداهم أَو على كل من أحاد الْأمة) .
стр. 12
حكم الْإِمَامَة أَو نصب الْخَلِيفَة
أجمع سلف الْأمة، وَأهل السّنة، وَجُمْهُور الطوائف الْأُخْرَى على أَن نصب الإِمَام - أَي تَوليته على الْأمة - وَاجِب على الْمُسلمين شرعا لَا عقلا فَقَط كَمَا قَالَ بعض الْمُعْتَزلَة، وَاسْتَدَلُّوا بِأُمُور لخصها السعد فِي متن الْمَقَاصِد بقوله: لنا وُجُوه: (الأول) الْإِجْمَاع وَبَين فِي الشَّرْح أَن المُرَاد إِجْمَاع الصَّحَابَة قَالَ: وَهُوَ الْعُمْدَة، حَتَّى قدموه على دفن النَّبِي [ ﷺ ] (الثَّانِي) أَنه لَا يتم إِلَّا بِهِ مَا وَجب من إِقَامَة الْحُدُود وسد الثغور وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يتَعَلَّق بِحِفْظ النظام (الثَّالِث) أَن فِيهِ جلب مَنَافِع وَدفع مضار لَا تحصى وَذَلِكَ وَاجِب إِجْمَاعًا (الرَّابِع) وجوب طَاعَته ومعرفته بِالْكتاب وَالسّنة، وَهُوَ يَقْتَضِي وجوب حُصُوله وَذَلِكَ بنصبه اهـ. وَمعنى الْأَخير أَن مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ من وجوب طَاعَته فِي الْمَعْرُوف شرعا وَوُجُوب مَعْرفَته بِالْكتاب وَالسّنة وَكَونهَا من أهم شُرُوطه يَقْتَضِي أَن نَصبه وَاجِب شرعا، وَقد أَطَالَ السعد فِي شرح الْمَقَاصِد فِي بَيَان هَذِه الْوُجُوه وَمَا اعْترض بِهِ بعض المبتدعة الْمُخَالفين عَلَيْهَا وَالْجَوَاب عَنْهَا.
وَقد غفل هُوَ وَأَمْثَاله عَن الِاسْتِدْلَال على نصب الإِمَام بالأحاديث الصَّحِيحَة الْوَارِدَة فِي الْتِزَام جمَاعَة الْمُسلمين وإمامهم، وَفِي بَعْضهَا التَّصْرِيح بِأَن
" من مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقه بيعَة مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة " رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث لِابْنِ عمر مَرْفُوعا، وَسَيَأْتِي حَدِيث حُذَيْفَة الْمُتَّفق عَلَيْهِ وَفِيه قَوْله [ ﷺ ] لَهُ
" تلْزم جمَاعَة الْمُسلمين وإمامهم ".
من ينصب الْخَلِيفَة ويعزله ؟ :
اتّفق أهل السّنة على أَن نَصْبَ الْخَلِيفَة فرض كِفَايَة، وَأَن المطالب بِهِ أهل الْحل وَالْعقد فِي الْأمة، وَوَافَقَهُمْ المغتزلة والخوارج على أَن الْإِمَامَة تَنْعَقِد ببيعة أهل الْحل وَالْعقد. . وَلَكِن اضْطربَ كَلَام بعض الْعلمَاء فِي أهل الْحل وَالْعقد من هم؟ وَهل تشْتَرط مُبَايَعَتهمْ كلهم أم يَكْتَفِي بِعَدَد معِين مِنْهُم؟ أم لَا يشْتَرط الْعدَد؟ وَكَانَ يَنْبَغِي أَن تكون تسميتهم بِأَهْل الْحل وَالْعقد مَانِعَة من الْخلاف فيهم، إِذْ الْمُتَبَادر مِنْهُ أَنهم زعماء الْأمة وأولو المكانة وَمَوْضِع الثِّقَة من سوادها الْأَعْظَم، بِحَيْثُ تتبعهم فِي
стр. 13
طَاعَة من يولونه عَلَيْهَا فينتظم بِهِ أمرهَا، وَيكون بمأمن من عصيانها وخروجها عَلَيْهِ، قَالَ السعد فِي شرح الْمَقَاصِد كَغَيْرِهِ من الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء: هم الْعلمَاء والرؤساء ووجوه النَّاس زَاد فِي الْمِنْهَاج للنووي الَّذين يَتَيَسَّر اجْتِمَاعهم. وَعلله شَارِحه الرملى بقوله لِأَن الْأَمر يَنْتَظِم بهم ويتبعهم سَائِر النَّاس. وَهَذَا التَّعْلِيل هُوَ غَايَة التَّحْقِيق منطوقاً ومفهوماً فَإِذا لم يكن المبايعون بِحَيْثُ تتبعهم الْأمة فَلَا تَنْعَقِد الْإِمَامَة بمبايعتهم. . وَهَذَا هُوَ الْمَأْخُوذ من عمل الصَّحَابَة ﵃ فِي تَوْلِيَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، فَإِن عمر عَدّ البدء فِي بيعَة أبي بكر فلتة لِأَنَّهُ وَقع قبل أَن يتم التشاور بَين جَمِيع أهل الْحل وَالْعقد إِذْ لم يكن فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة أحد من بني هَاشم وهم فِي ذروتهم، وتضافرت الرِّوَايَات بِأَن أَبَا بكر ﵁ أَطَالَ التشاور مَعَ كبراء الصَّحَابَة فِي ترشيح عمر فَلم يعبه أحد لَهُ بِشَيْء إِلَّا شدته، وَإِن كَانُوا يعترفون أَنَّهَا فِي الْحق، فَكَانَ يُجِيبهُمْ بِأَنَّهُ يرَاهُ يلين فيشتد هُوَ - وَهُوَ وزيره - ليعتدل الْأَمر، وَأَن الْأَمر إِذا آل إِلَيْهِ يلين فِي مَوضِع اللين ويشتد فِي مَوضِع الشدَّة، حَتَّى إِذا رأى أَنه أقنع جُمْهُور الزعماء - وَفِي مقدمتهم عَليّ كرم الله وَجهه - صرح باستخلافه فقبلوا وَلم يشذ مِنْهُم أحد، وَلما طعن عمر رأى حصر الشورى الْوَاجِبَة فِي الزعماء السِّتَّة الَّذين مَاتَ الرَّسُول [ ﷺ ] وَهُوَ عَنْهُم رَاض لعلمه بِأَنَّهُ لَا يتَقَدَّم عَلَيْهِم أحد وَلَا يخالفهم فِيمَا يتفقون عَلَيْهِ أحد، لأَنهم هم المرشحون للْإِمَامَة دون سواهُم (وهم عُثْمَان وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَلما أخرج نَفسه عبد الرَّحْمَن بن عَوْف مِنْهُم وَجعلُوا لَهُ الِاخْتِيَار بَقِي ثَلَاثًا لَا تكتحل عينه بِكَثِير نوم وَهُوَ يشاور كبراء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَلما رَجَعَ عُثْمَان دَعَا الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وأمراء الأجناد فَلَمَّا اجْتَمعُوا عِنْد مِنْبَر رَسُول الله [ ﷺ ] بعد صَلَاة الْفجْر صرح لَهُم بِاخْتِيَارِهِ لعُثْمَان وَبَايَعَهُ هَؤُلَاءِ كلهم، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَغَيره. . وَالْمرَاد بأمراء الأجناد وُلَاة الأقطار الْكُبْرَى مصر وَالشَّام وحمص والكوفة وَالْبَصْرَة وَكَانُوا قد حجُّوا مَعَ عمر فِي ذَلِك الْعَام وحضروا مَعَه الْمَدِينَة. وَلما شَذَّ أحد هَؤُلَاءِ الْوُلَاة - وَهُوَ مُعَاوِيَة فَلم يُبَايع عليا كرم الله وَجهه مَعَ إِجْمَاع سَائِر الْمُسلمين على مبايعته - كَانَ من الْفِتْنَة وتفرق الْكَلِمَة مَا كَانَ. . وَإِنَّمَا تصح الْمُبَايعَة باتفاقهم، أَو اتِّفَاق الرؤساء الَّذين يتبعهُم
стр. 14
غَيرهم، وَمن لم يتبعهُم بِالِاخْتِيَارِ، سهل عَلَيْهِم إكراهه بِقُوَّة الْأمة على الطَّاعَة والانقياد. . وَمن رُؤَسَائِهِمْ فِي هَذَا الْعَصْر قواد الْجَيْش كوزيرى الحربية والبحرية وأركان الْحَرْب لَهما. . وَمَتى تمت الْبيعَة فِي العاصمة وَجب أَن تتبعها الولايات بمبايعة ولاتها إِذا كَانُوا يتبعُون فِيهَا، وَإِلَّا وَجب أَن يَنْضَم إِلَيْهِم زعماء أَهلهَا من الْعلمَاء والقواد وَغَيرهم. .
وَغلط بعض الْمُعْتَزلَة وَالْفُقَهَاء فَقَالُوا: إِن الْبيعَة تَنْعَقِد دَائِما بِخَمْسَة مِمَّن يصلح للْإِمَامَة بِدَلِيل مَا أَشَارَ بِهِ عمر إِذْ حصر الشورى فِي المرشحين السِّتَّة وَقبل جَمِيع الصَّحَابَة مِنْهُ ذَلِك فَكَانَ إِجْمَاعًا. . نعم كَانَ إِجْمَاعًا على الشورى وعَلى أُولَئِكَ السِّتَّة فِي تِلْكَ الْوَاقِعَة، لَا إِجْمَاعًا على ذَلِك الْعدَد فِي كل مبايعة، وَقَالُوا إِن مَذْهَب الأشعرى أَنَّهَا تَنْعَقِد بِعقد وَاحِد مِنْهُم إِذا كَانَ بمشهد من الشُّهُود وَهُوَ غلط وَاضح؟ وَقد ذكر هَذَا القَوْل الْفُقَهَاء مُقَيّدا بِمَا إِذا انحصر الْحل وَالْعقد فِيهِ بِأَن وثق زعماء الْأمة بِهِ وفوضوا أَمرهم إِلَيْهِ، وَهَذَا لم يَقع وينذر أَن يَقع. . وإمامة عُثْمَان لم تكن بمبايعة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَحده بل كَانَت عَامَّة لَا خَاصَّة بِهِ، وَكَذَلِكَ مبايعة عمر لأبي بكر، فَإِن الْإِمَامَة لم تَنْعَقِد بمبايعته وَحده، بل بمتابعة الْجَمَاعَة لَهُ، وَقد صَحَّ أَن عمر أنكر على من زعم أَن الْبيعَة تَنْعَقِد بِوَاحِد من غير مُشَاورَة الْجَمَاعَة وَكَانَ بلغه هَذَا القَوْل فِي أثْنَاء حجه فعزم على بَيَان حَقِيقَة أَمر الْمُبَايعَة وَمَا يشْتَرط فِيهَا من الشورى على جَمَاهِير الْحجَّاج فَذكره بَعضهم بِأَن الْمَوْسِم يجمع أخلاط النَّاس وَمن لَا يفهمون الْمقَال، فيطيرون بِهِ كل مطار، وَأَنه يجب أَن يرجئ هَذَا الْبَيَان إِلَى أَن يعود إِلَى الْمَدِينَة فيلقيه على أهل الْعلم والرأي فَفعل ...
قَالَ على مِنْبَر الرَّسُول [ ﷺ ] : بَلغنِي أَن قَائِلا مِنْكُم يَقُول وَالله لَو مَاتَ عمر لبايعت فلَانا، فَلَا يغترن امْرُؤ أَن يَقُول إِن بيعَة أبي بكر كَانَت فلتة فتمت، أَلا وَإِنَّهَا قد كَانَت كَذَلِك وَلَكِن وقى الله شَرها، وَلَيْسَ فِيكُم من تتطلع إِلَيْهِ الْأَعْنَاق مثل أبي بكر، من بَايع رجلا من غير مشورة من الْمُسلمين فَلَا يُبَايع هُوَ وَلَا الَّذِي بَايعه لغرة أَن يقتلا. ثمَّ سَاق خبر بيعَة أبي بكر وَمَا كَانَ يخْشَى من وُقُوع الْفِتْنَة بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار لَوْلَا تِلْكَ الْمُبَادرَة بمبايعته للثقة
стр. 15
بِقبُول سَائِر الْمُسلمين، رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَقد أقرَّت جمَاعَة الصَّحَابَة عمر على ذَلِك فَكَانَ إِجْمَاعًا فتقرر بِهَذَا، إِن الأَصْل فِي الْمُبَايعَة أَن تكون بعد استشارة جُمْهُور الْمُسلمين وَاخْتِيَار أهل الْحل وَالْعقد وَلَا تعْتَبر مبايعة غَيرهم إِلَّا أَن تكون تبعا لَهُم. . وَأَن عمل عمر ﵁ خَالف هَذَا الأَصْل الْقطعِي فَكَانَ فلتة لمقتضيات خَاصَّة لَا أصلا شَرْعِيًّا يعْمل بِهِ، وَمن تصدى لمثله فَبَايع أحدا فَلَا يَصح أَن يكون هُوَ وَلَا من بَايعه أَهلا للمبايعة، بل يكون ذَلِك تغريراً بأنفسهما قد يُفْضِي إِلَى قَتلهمَا إِذْ أحدث فِي الْأمة شقاقا وفتنة.
سلطة الْأمة وَمعنى الْجَمَاعَة
قَالَ الله تَعَالَى فِي وصف الْمُؤمنِينَ ﴿وَأمرهمْ شُورَى بَينهم﴾ وَالْقُرْآن يُخَاطب جمَاعَة الْمُؤمنِينَ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي يشرعها حَتَّى أَحْكَام الْقِتَال وَنَحْوهَا من الْأُمُور الْعَامَّة الَّتِي لَا تتلعق بالأفراد كَمَا بَيناهُ فِي التَّفْسِير، وَقد أَمر بِطَاعَة أولي الْأَمر - وهم الْجَمَاعَة - لَا ولي الْأَمر، وَذَلِكَ أَن ولي الْأَمر وَاحِد مِنْهُم، وَإِنَّمَا يطاع بتأييد جمَاعَة الْمُسلمين الَّذين بَايعُوهُ لَهُ وثقتهم بِهِ، وَيدل على هَذَا الْمَعْنى مَا ورد من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي الْتِزَام الْجَمَاعَة وَكَون طَاعَة الْأَمِير تَابِعَة لطاعتهم واجتماع الْكَلِمَة بسلطتهم كَحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ:
" من رأى من أميره شَيْئا فليصبر عَلَيْهِ فَإِن من فَارق الْجَمَاعَة شبْرًا فَمَاتَ مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة " وَلما أخبر النَّبِي [ ﷺ ] حُذَيْفَة بن الْيَمَان بِمَا يكون فِي الْأمة من الْفِتَن فِي الحَدِيث الصَّحِيح الْمَشْهُور قَالَ: فَمَا تَأْمُرنِي إِن أدركني ذَلِك؟ قَالَ [ ﷺ ] : " تلْزم جمَاعَة الْمُسلمين " وإمامهم " قَالَ قلت: فَإِن لم يكن لَهُم جمَاعَة وَلَا إِمَام؟ قَالَ " فاعتزل تِلْكَ الْفرق كلهَا " إِلَخ. . وَفِي بعض الْأَحَادِيث بَيَان أَن الْجَمَاعَة وهم السوَاد الْأَعْظَم أَي بِالنِّسْبَةِ إِلَى صدر الْإِسْلَام.
وَمن الْأَدِلَّة على سلطة الْأمة - وَاسْتَدَلُّوا بِهِ على الْإِجْمَاع - حَدِيث " لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضَلَالَة - وَفِي لفظ لن تَجْتَمِع - وَفِي رِوَايَة زِيَادَة وَيَد الله على الْجَمَاعَة فَمن شَذَّ شَذَّ فِي النَّار " وَفِي أُخْرَى " سَأَلت رَبِّي أَلا تَجْتَمِع على ضَلَالَة وأعطانيها " وَهُوَ فِي مُسْند أَحْمد وجامع التِّرْمِذِيّ وَالْكَبِير للطبراني ومستدرك الْحَاكِم ...
стр. 16
قَالَ الطَّبَرِيّ بعد ذكر الْخلاف فِي الْجَمَاعَة، وَمِنْه حصر بَعضهم إِيَّاه فِي الصَّحَابَة: وَالصَّوَاب لُزُوم الْجَمَاعَة الَّذين فِي طَاعَة من اجْتَمعُوا على تأميره، فَمن نكث بيعَته خرج عَن الْجَمَاعَة (قَالَ) وَفِي الحَدِيث أَنه مَتى لم يكن للنَّاس إِمَام فافترق النَّاس أحزاباً فَلَا يتبع الْمُسلم أحدا فِي الْفرْقَة ويعتزل الْجَمِيع إِن اسْتَطَاعَ ذَلِك خشيَة من الْوُقُوع فِي الشَّرّ. . نَقله عَنهُ الْحَافِظ فِي شرح البُخَارِيّ وَأقرهُ. .
هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة هم أولو الْأَمر من الْمُسلمين وَأهل الْحل وَالْعقد وَالْإِجْمَاع المطاع. . وَمِنْهُم كبار الْحُكَّام، وَأهل الشورى لَدَى الإِمَام، وَمَتى خُوطِبَ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْكتاب وَالسّنة وآثار الصَّحَابَة فِي أَمر من الْأُمُور الْعَامَّة فهم المعنيون المطالبون بتنفيذ الْأَمر، ومراقبة المنفذ: وَمن الْآثَار الدَّالَّة على الْإِجْمَاع فِي ذَلِك قَول أبي بكر ﵁ فِي خطبَته الأولى بعد الْمُبَايعَة: " أما بعد فقد وليت عَلَيْكُم وَلست بِخَيْرِكُمْ فَإِذا اسْتَقَمْت فَأَعِينُونِي، وَإِذا زِغْت فقوموني ". . وروى نَحوه عَن عمر وَعُثْمَان: وهم الَّذين فرضوا لَهُ راتب الْخلَافَة كَرجل من أوساط الْمُهَاجِرين لَا أعلاهم وَلَا أَدْنَاهُم. .
وَفِي متن المواقف للعضد: وللأمة خلع الإِمَام وعزله بِسَبَب يُوجِبهُ، وَإِن أدّى إِلَى الْفِتْنَة احْتمل أدنى المضرتين. . وَقَالَ شَارِحه السَّيِّد الْجِرْجَانِيّ فِي بَيَان السَّبَب: مثل أَن يُوجد مِنْهُ مَا يُوجب اختلال أَحْوَال الْمُسلمين، وانتكاس أُمُور الدّين. . كَمَا كَانَ لَهُم نَصبه وإقامته لإنتظامها وإعلائها. . وَسَيَأْتِي مثله لإِمَام الْحَرَمَيْنِ.
وَقد تقدم فِي التَّعْرِيف بالخلافة قَول الرَّازِيّ إِن الرِّئَاسَة الْعَامَّة هِيَ حق الْأمة الَّتِي لَهَا أَن تعزل الإِمَام (الْخَلِيفَة) إِذا رَأَتْ مُوجبا لعزله، وَقد فسر السعد معنى هَذِه الرِّئَاسَة لِئَلَّا تستشكل فَيُقَال إِذا كَانَت الرِّئَاسَة للْأمة فَمن المرءوس؟ فَقَالَ إِنَّه يُرِيد بالأمة أهل الْحل وَالْعقد أَي الَّذين يمثلون الْأمة بِمَا لَهُم فِيهَا من الزعامة والمكانة، ورئاستهم تكون على من عداهم أَو على جَمِيع أَفْرَاد الْأمة. . وَالثَّانِي هُوَ الصَّحِيح، وَيُؤَيّد هَذَا تَفْسِير الرَّازِيّ لأولى الْأَمر فِي قَوْله تَعَالَى ٥٨: ٤ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ فقد حقق أَن المُرَاد بأولي الْأَمر أهل الْحل وَالْعقد الَّذين يمثلون سلطة الْأمة. وَقد تَابعه على هَذَا النَّيْسَابُورِي وَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذ الإِمَام، ووضحناه فِي التَّفْسِير مستدلين عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى (وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه
стр. 17
مِنْهُم﴾ وَمن الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَن أولي الْأَمر الَّذين كَانُوا مَعَ الرَّسُول يرد إِلَيْهِم مَعَه أَمر الْأَمْن وَالْخَوْف وَمَا اشبههما من الْمصَالح الْعَامَّة لَيْسُوا عُلَمَاء الْفِقْه وَلَا الْأُمَرَاء والحكام، بل أهل الشورى من زعماء الْمُسلمين.
شُرُوط أهل الِاخْتِيَار للخليفة:
اشْترط الْعلمَاء فِي جمَاعَة الْمُسلمين أهل الْحل وَالْعقد شُرُوطًا بَينهَا الْمَاوَرْدِيّ فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة بقوله:
(فصل) فَإِذا ثَبت وجوب الْإِمَامَة ففرضها على الْكِفَايَة كالجهاد وَطلب الْعلم فَإِذا قَامَ بهَا من هُوَ أَهلهَا سقط فَرضهَا عَن الكافة وَإِن لم يقم بهَا أحد خرج من النَّاس فريقان (أَحدهمَا) أهل الِاخْتِيَار حَتَّى يختاروا إِمَامًا للْأمة (وَالثَّانِي) أهل الْإِمَامَة حَتَّى ينْتَصب أحدهم للْإِمَامَة. .
فَأَما أهل الِاخْتِيَار فالشروط الْمُعْتَبرَة فيهم ثَلَاثَة (أَحدهَا) الْعَدَالَة الجامعة لشروطها (وَالثَّانِي) الْعلم الَّذِي يتَوَصَّل بِهِ إِلَى معرفَة من يسْتَحق الْإِمَامَة على الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة فِيهَا (وَالثَّالِث) الرَّأْي وَالْحكمَة المؤديان إِلَى اخْتِيَار من هُوَ للْإِمَامَة أصلح، وبتدبير الْمصَالح أقوم وَأعرف. . وَلَيْسَ لمن كَانَ فِي بلد الإِمَام على غَيره من أهل الْبِلَاد فضل مزية يقدم بهَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا صَار من يحضر بِبَلَد الإِمَام مُتَوَلِّيًا لعقد الْإِمَامَة عرفا وَشرعا لسبوق علمهمْ بِمَوْتِهِ، وَلِأَن من يصلح للْإِمَامَة فِي الْأَغْلَب مَوْجُود فِي بَلَده اه (فتح الْبَارِي) . .
أَقُول: لهَذِهِ الشُّرُوط مَأْخَذ من هدى السّلف فقد قَالَ الطَّبَرِيّ: لم يكن فِي أهل الْإِسْلَام أحد لَهُ من الْمنزلَة فِي الدّين وَالْهجْرَة والسابقة وَالْعقل وَالْعلم والمعرفة بالسياسة مَا للستة الَّذين جعل عمر الْأَمر شُورَى بَينهم.
стр. 18
أما الْعَدَالَة الَّتِي هِيَ الشَّرْط الأول فَهِيَ عِنْد الْفُقَهَاء عبارَة عَن التحلي بالفرائض والفضائل، والتخلي عَن الْمعاصِي والرذائل، وَعَما يخل بالمروءة أَيْضا، وَاشْترط بَعضهم فِيهَا أَن تكون ملكة لَا تكلفاً، وَلَكِن التَّكَلُّف إِذا الْتزم صَار خلقا. .
وَأما الْعلم فيعنون بِهِ علم الدّين ومصالح الْأمة وسياستها وَإِذا أَطْلقُوهُ كَانَ المُرَاد بِهِ الْعلم الاستقلالي الْمعبر عَنهُ بِالِاجْتِهَادِ، وَيفهم من كَلَام بَعضهم أَن الِاجْتِهَاد فِي الشَّرْع شَرط فِي مجموعهم لَا فِي كل فَرد مِنْهُم، فقد قَالَ فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا أَنه يشْتَرط أَن يكون فيهم مُجْتَهد. . وتقييده شَرط الْعلم بِمَا قَيده بِهِ يدل على أَنه يخْتَلف باخْتلَاف الزَّمَان فَإِن اسْتِحْقَاق الْإِمَامَة فِي هَذَا الْعَصْر يتَوَقَّف على عُلُوم لم يكن يتَوَقَّف عَلَيْهَا فِي العصور الْقَدِيمَة، وَقد ذكر بعض الْعلمَاء أَن من مرجحات اخْتِيَار الصَّحَابَة لأبي بكر (رض) أَنه كَانَ أعلمهم بأنساب الْعَرَب وبأحوالهم وقواتهم، وَلأَجل هَذَا لم يهب من قتال أهل الرِّدَّة مَا هابه عمر، ولابد الْآن للْإِمَام وَجَمَاعَة الشورى (أهل الْحل وَالْعقد) الَّذين هم قوام إِمَامَته وأركان حكومته من الْعلم بالقوانين الدولية والمعاهدات الْعَامَّة، وبأحوال الْأُمَم والدول الْمُجَاورَة لبلاد الْإِسْلَام وَذَات العلاقات السياسية والتجارية بهَا من حَيْثُ سياستها وقوتها وَمَا يخَاف ويرجى مِنْهَا، وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ لَا تقاء ضررها وَالِانْتِفَاع بهَا. .
وَمن الْآثَار فِي ذَلِك قَول الْحَافِظ فِي الْكَلَام على مبايعة عُثْمَان من (الْفَتْح) : وَالَّذِي يظْهر من سيرة عمر فِي أمرائه الَّذين كَانَ يؤمرهم فِي الْبِلَاد أَنه كَانَ لَا يُرَاعِي الْأَفْضَل فِي الدّين فَقَط بل يضم إِلَيْهِ مزِيد الْمعرفَة بالسياسة مَعَ اجْتِنَاب مَا يُخَالف الشَّرْع فِيهَا فلأجل ذَلِك اسْتخْلف (أَي أمَّر) مُعَاوِيَة والمغيرة بن شُعْبَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ مَعَ وجود من هُوَ أفضل مِنْهُم فِي أَمر الدّين وَالْعلم كَأبي الدَّرْدَاء فِي الشَّام وَابْن مَسْعُود فِي الْكُوفَة. . وسيرة أبي بكر وَعمر فِي الْخلَافَة يقْتَدى بهَا وَلَا سِيمَا فِي الْأُمُور الْعَامَّة الْكُلية الَّتِي تسمى سنة بِدَلِيل اشْتِرَاط عبد الرَّحْمَن إِيَّاهَا مَعَ سنة الرَّسُول على عَليّ وَعدم تَرْجِيحه لعدم جزمه فِي الْجَواب أَو تَقْيِيده بالاستطاعة وترجيحه لعُثْمَان لجزمه بِغَيْر قيد لِأَن سنتهما نَالَتْ الاجماع وَلقَوْله ( [ ﷺ ] )
" اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر " رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن حُذَيْفَة وصححوه، وَبَالغ فُقَهَاء
стр. 19
الْمذَاهب الْمُدَوَّنَة فعدوا أَعمال عمر قَوَاعِد فِي الجزئيات كالخراج ومعاملة أهل الذِّمَّة وَهِي أَعمال اجتهادية تتبع الْمصلحَة. .
وَهَذَا الْعلم هُوَ الْمَادَّة لما ذكر فِي الشَّرْط الثَّالِث من الْحِكْمَة وجودة الرَّأْي. وَلم يشْتَرط قُوَّة العصبية فيهم لِأَن الْمَفْرُوض أَنهم أهل الْحل وَالْعقد الَّذين تعتمد عَلَيْهِم الْأمة فِي أمورها الْعَامَّة، وَأَن أَحْكَام الشَّرْع فِيهَا هِيَ الحاكمة والنافذة، وَأَن الْمُسلمين لَا يدينون إِلَّا بهَا، وَلَا يخضعون إِلَّا لمن ينفذها، وَأما التغلب بعصبية الْجِنْس فَلَيْسَ من هدى الْإِسْلَام فِي شَيْء، بل هُوَ خُرُوج عَن هدايته، وَحكمه فِيهِ سَيذكرُ بعد. .
فَعلم مِمَّا تقدم أَن لقب أهل الْحل وَالْعقد مُرَاد بِهِ معنى المصدرين فِيهِ بِالْقُوَّةِ وبالفعل وهم الرؤساء الَّذين تتبعهم الْأمة فِي أمورها الْعَامَّة، وأهمها نصب الإِمَام الْأَعْظَم وَكَذَا عَزله إِذا ثَبت عِنْدهم وجوب ذَلِك، وَمن يملك التَّوْلِيَة يملك الْعَزْل، كَمَا تقدم بَيَانه فِي مَسْأَلَة سلطة الْأمة، قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الإِمَام الَّذِي " جَار وَظهر ظلمه وغشمه وَلم يرعو لزاجر عَن سوء صَنِيعه: فلأهل الْحل وَالْعقد التواطؤ على ردعه وَلَو بِشَهْر السِّلَاح وَنصب الحروب " وَمن ظن أَن كل من يُوصف بِالْعلمِ والوجاهة تَنْعَقِد ببيعتهم الْإِمَامَة وَيجب على الْأمة اتباعهم فِيهَا فقد جهل معنى الْحل وَالْعقد وَمعنى الْجَمَاعَة وَالْإِجْمَاع، وَمَا تقدم من الْأَخْبَار والْآثَار، وَمن كَلَام الْمُحَقِّقين فِي الْمَسْأَلَة وَلَا سِيمَا شُرُوط أهل الِاخْتِيَار. .
الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة فِي الْخَلِيفَة:
قَالَ السعد: وَقد ذكر فِي كتبنَا الْفِقْهِيَّة أَنه لابد للْأمة من إِمَام يحيى الدّين وَيُقِيم السّنة وينتصف للمظلومين ويستوفي الْحُقُوق ويضعها موَاضعهَا. وَيشْتَرط أَن يكون مُكَلّفا مُسلما عدلا حرا ذكرا مُجْتَهدا شجاعا ذَا رَأْي وكفاية سميعا بَصيرًا ناطقا قرشيا. . فَإِن لم يُوجد فِي قُرَيْش من
стр. 20
يستجمع الصِّفَات الْمُعْتَبرَة ولى كنانى، فَإِن لم يُوجد فَرجل من ولد إِسْمَاعِيل فَإِن لم يُوجد فَرجل من الْعَجم اه.
وَالْمرَاد بقوله مُجْتَهدا الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، بِالْعلمِ بأدلتها التفصيلية. . وَالتَّفْصِيل الْأَخير فِي حَال فقد القرشى للشَّافِعِيَّة وَقيل إِنَّه من فرض مَالا يَقع، وكل مَا قبله مُتَّفق عَلَيْهِ عِنْد أهل السّنة، إِلَّا الْحَنَفِيَّة فقد أجَاز بَعضهم تَوْلِيَة غير الْعَالم الْمُجْتَهد لِأَنَّهُ يَسْتَعِين بالمفتين الْمُجْتَهدين كالقضاء، وَقد قَالَ الشَّيْخ قَاسم بن قلطوبغا فِي حَاشِيَته على المسايرة لشيخه الْكَمَال بن الْهمام إِن الشُّرُوط الَّتِي لَا تَنْعَقِد الْخلَافَة بِدُونِهَا عِنْد الْحَنَفِيَّة هِيَ الْإِسْلَام والذكورة وَالْحريَّة وَالْعقل وأصل الشجَاعَة وَأَن يكون قرشيا. ا. هـ أَي وَمَا عدا هَذِه فشروط تَقْدِيم فِي الِاخْتِيَار لَا شُرُوط انْعِقَاد ووضح الْمَاوَرْدِيّ هَذِه الشُّرُوط بقوله:
وَأما أهل الْإِمَامَة فالشروط الْمُعْتَبرَة فيهم سَبْعَة (أَحدهَا) الْعَدَالَة على شُرُوطهَا الجامعة (وَالثَّانِي) الْعلم الْمُؤَدِّي إِلَى الِاجْتِهَاد فِي النَّوَازِل وَالْأَحْكَام (وَالثَّالِث) سَلامَة الْحَواس من السّمع وَالْبَصَر وَاللِّسَان ليَصِح مَعهَا مُبَاشرَة مَا يدْرك بهَا (وَالرَّابِع) سَلامَة الْأَعْضَاء من نقص يمْنَع من اسْتِيفَاء الْحَرَكَة وَسُرْعَة النهوض (وَالْخَامِس) الرَّأْي المفضى إِلَى سياسة الرّعية وتدبير الْمصَالح (وَالسَّادِس) الشجَاعَة والنجدة المؤدية إِلَى حماية الْبَيْضَة وَجِهَاد الْعَدو (وَالسَّابِع) النّسَب وَهُوَ أَن يكون من قُرَيْش لوُرُود النَّص فِيهِ، وانعقاد الْإِجْمَاع عَلَيْهِ، وَلَا اعْتِبَار بضرار حِين شَذَّ فجوزها فِي جَمِيع النَّاس لِأَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ احْتج يَوْم السَّقِيفَة على الْأَنْصَار فِي دفعهم عَن الْخلَافَة لما بَايعُوا سعد بن عبَادَة عَلَيْهَا (أَي أَرَادوا مبايعته) بقول النَّبِي [ ﷺ ]
" الْأَئِمَّة من قُرَيْش " فأقلعوا عَن التفرد بهَا، وَرَجَعُوا عَن الْمُشَاركَة فِيهَا حِين قَالُوا: منا أَمِير ومنكم أَمِير، تَسْلِيمًا لروايته، وَتَصْدِيقًا لخبره، وَرَضوا بقوله: نَحن الْأُمَرَاء، وَأَنْتُم الوزراء وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ]
" قدمُوا
стр. 21
قُريْشًا وَلَا تقدموها " - أَي وَلَا تتقدموها - وَلَيْسَ مَعَ هَذَا النَّص شُبْهَة لمنازع فِيهَا، وَلَا قَول لمخالف لَهُ. .
أَقُول: قد تقدم الْكَلَام فِي الْعَدَالَة وَالْعلم المشترطين فِي أهل الِاخْتِيَار للخليفة وَيَأْتِي مثله هُنَا بِالْأولَى، أما الْإِجْمَاع على اشْتِرَاط القرشية فقد ثَبت بِالنَّقْلِ وَالْفِعْل، رَوَاهُ ثقاة الْمُحدثين، وَاسْتدلَّ بِهِ المتكلمون وفقهاء مَذَاهِب السّنة كلهم. وَجرى عَلَيْهِ الْعَمَل بِتَسْلِيم الْأَنْصَار وإذعانهم لنَبِيّ قُرَيْش ثمَّ إذعان السوَاد الْأَعْظَم من الْأمة عدَّة قُرُون حَتَّى إِن التّرْك الَّذين تغلبُوا على العباسيين وسلبوهم السلطة بِالْفِعْلِ لم يتجرأ أحد مِنْهُم على ادِّعَاء الْخلَافَة وَلَا التصدي لانتحالها حَتَّى بالتغلب الَّذِي يجِئ الْكَلَام فِيهِ بعد، وَمَا ذَلِك إِلَّا لِأَن الْأمة كلهَا مجمعة على مَا ذكر، معتقدة لَهُ دينا، بل كَانَ الْمُلُوك والسلاطين المتغلبون يستمدون السلطة مِنْهُم، أَو كَانُوا يدعونَ النِّيَابَة عَنْهُم. .
وَأما الْأَحَادِيث فِي ذَلِك فكثيرة مستفيضة فِي جَمِيع كتب السّنة، وَقد أخرجوها فِي كتب الْأَحْكَام وأبواب الْخلَافَة أَو الْإِمَارَة والمناقب وَغَيرهَا، وَلم يَقع خلاف فِي مَضْمُون مجموعها بَين أهل السّنة من عرب وَلَا عجم، وَلم يتصد أحد من عُلَمَاء التّرْك لتأويلها، وَقد طبع بعض الْكتب المثبتة لَهَا فِي الآستانة بِإِذن نظارة المعارف حَتَّى فِي زمن السُّلْطَان عبد الحميد الَّذِي لم يهتم بلقب الْخَلِيفَة أحد مثله، وَمِنْهَا شرح الْمَقَاصِد الَّذِي نقلنا عَنهُ هُنَا مَا نقلنا، وَكَذَا المواقف مَعَ شَرحه وحواشيه. . وَحَدِيث
" قدمُوا قُريْشًا وَلَا تقدموها " الَّذِي ذكره الْمَاوَرْدِيّ رَوَاهُ الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة بلاغا وَابْن عدي فِي الْكَامِل من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَالْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث عَليّ كرم الله وَجهه وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث عبد الله بن السَّائِب بأسانيد صَحِيحَة. . وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَرْفُوع فِي الصَّحِيحَيْنِ
" النَّاس تبع لقريش فِي هَذَا الشَّأْن " وَلَا نُرِيد ذكر بَقِيَّة الْأَحَادِيث وَإِنَّمَا خرجنَا الحَدِيث الَّذِي اعْتَمدهُ الْمَاوَرْدِيّ وَذكرنَا مَا يقرب مِنْهُ فِي لَفظه لِأَنَّهُ لم يُخرجهُ
وحسبنا من قُوَّة حَدِيث
" الْأَئِمَّة من قُرَيْش " من حَيْثُ الرِّوَايَة قَول الْحَافِظ بن حجر فِي فتح الْبَارِي عِنْد ذكره فِي المناقب من صَحِيح البُخَارِيّ مَا نَصه: قد جمعت طرقه عَن نَحْو أَرْبَعِينَ صحابيا لما بَلغنِي أَن بعض فضلاء الْعَصْر ذكر أَنه لم يرو إِلَّا عَن أبي بكر الصّديق. . وَذكر الْحَافِظ أَن لفظ
стр. 22
أبي بكر لسعد بن عبَادَة فِي السَّقِيفَة فِي مُسْند أَحْمد: وَالله لقد علمت يَا سعد أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ وَأَنت قَاعد
" قُرَيْش وُلَاة هَذَا الْأَمر " فَقَالَ لَهُ سعد: صدقت.
فَمن علم هَذَا لَا يلْتَفت إِلَى مَا يذكرهُ بعض أهل هَذَا الْعَصْر من تَأْوِيل تِلْكَ الْأَحَادِيث والبحث فِي أَسَانِيد بَعْضهَا، أَو من أَن شَرط القرشية من الشُّرُوط الخلافية وَإِن قَالَ هَذَا بعض كبار الْمُتَكَلِّمين فَإِن هَؤُلَاءِ يذكرُونَ أَمْثَال هَذِه الخلافات الشاذة عَن بعض المبتدعة لأجل الرَّد عَلَيْهَا، لَا لِأَنَّهَا كالخلاف بَين أَئِمَّة الْحق من الْمسَائِل الاجتهادية، وغرض من يُمَارِي أَو يكتم شَرط القرشية فِي هَذَا الْعَصْر تَصْحِيح خلَافَة سلاطين بني عُثْمَان، وَهَذَا مَالا سَبِيل إِلَيْهِ عندأهل السّنة المشترطين للقرشية بِإِجْمَاع مذاهبهم إِلَّا بقاعدة التغلب، وَأما عِنْد الْخَوَارِج فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ الْبَتَّةَ، لأَنهم إِنَّمَا أَنْكَرُوا شَرط القرشية منعا لحصر الْإِمَامَة فِي بَيت معِين. . وماذا يضر العثمانيين أَن تكون خلافتهم بالتغلب وَقد قَالَ بعض الْفُقَهَاء فِي بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس كلهم أَو جلهم مثل ذَلِك. .
وَأما حِكْمَة حصر النَّبِي [ ﷺ ] الْخلَافَة الشَّرْعِيَّة فيهم أَو سَببه فقد ذكر المتكلمون وَالْفُقَهَاء فِيهِ مَا روى من قَول أبي بكر الصّديق. . للْأَنْصَار فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة: من أَنهم أَوسط الْعَرَب نسبا ودارا، وأعزهم أحسابا. . وَزَاد بَعضهم مَا كَانَ الصّديق فِي غنى عَنهُ فِي ذَلِك الْوَقْت وَأجْمع كَلَام لَهُم فِي هَذَا مَا ذكره الشَّيْخ أَحْمد ولى الله الدهاوي فِي كِتَابه (حجَّة الله الْبَالِغَة) وَفِي بعضه نظر قَالَ:
" وَالسَّبَب المفضى لهَذَا أَن الْحق الَّذِي أظهره الله على لِسَان نبيه [ ﷺ ] إِنَّمَا جَاءَ بِلِسَان قُرَيْش وَفِي عاداتهم، وَكَانَ أَكثر ماتعين من الْمَقَادِير وَالْحُدُود مَا هُوَ عِنْدهم، وَكَانَ الْمعد لكثير من الْأَحْكَام مَا هُوَ فيهم، فهم أقوم بِهِ، وَأكْثر النَّاس تمسكا بذلك وَأَيْضًا فَإِن قُريْشًا قوم النَّبِي [ ﷺ ] وَحزبه وَلَا فَخر لَهُم إِلَّا بعلو دين مُحَمَّد [ ﷺ ] ، وَقد اجْتمع فيهم حمية دينية، وحيمة نسبية، فَكَانُوا مَظَنَّة الْقيام بالشرائع والتمسك بهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يجب أَن يكون الْخَلِيفَة مِمَّن لَا يستنكف النَّاس من طَاعَته لجلالة نسبه
стр. 23
وحسبه، فَإِن من لانسب لَهُ يرَاهُ النَّاس حَقِيرًا ذليلا، وَأَن يكون مِمَّن عرف مِنْهُم الرئاسات والشرف، ومارس قومه جمع الرِّجَال وَنصب الْقِتَال، وَأَن يكون قومه أقوياء يحمونه وينصرونه ويبذلون دونه الْأَنْفس، وَلم تَجْتَمِع هَذِه الْأُمُور إِلَّا فِي قُرَيْش، ولاسيما بعد مابعث النَّبِي [ ﷺ ] وَنبهَ بِهِ أَمر قُرَيْش، وَقد أَشَارَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ إِلَى ذَلِك فَقَالَ: " وَلنْ يعرف هَذَا الْأَمر إِلَّا لقريش هم أَوسط الْعَرَب دَارا ... الخ ".
" وَإِنَّمَا لم يشْتَرط كَونه هاشميا مثلا لوَجْهَيْنِ (أَحدهمَا) أَلا يَقع النَّاس فِي الشَّك فيقولوا إِنَّمَا أَرَادَ ملك أهل بَيته كَسَائِر الْمُلُوك فَيكون سَببا للارتداد، ولهذه الْعلَّة لم يُعْط النَّبِي الْمِفْتَاح (أَي مِفْتَاح الْكَعْبَة) للْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁ (وَالثَّانِي) أَن المهم فِي الْخلَافَة رِضَاء النَّاس بِهِ واجتماعهم عَلَيْهِ وتوقيرهم إِيَّاه وَأَن يُقيم الْحُدُود ويناضل دون الْملَّة وَينفذ الْأَحْكَام، واجتماع هَذِه الْأُمُور لَا يكون إِلَّا فِي وَاحِد بعد وَاحِد، وَفِي اشْتِرَاط أَن يكون من قَبيلَة خَاصَّة تضييق، وحرج فَرُبمَا لم يكن فِي هَذِه الْقَبِيلَة من تَجْتَمِع فِيهِ الشُّرُوط وَكَانَ فِي غَيرهَا ".
وَأَقُول: إِن الله تَعَالَى ختم دينه وأتمه وأكمله بكتابه الْحَكِيم الَّذِي أنزلهُ ﴿قُرْآنًا عَرَبيا﴾ و ﴿حكما عَرَبيا﴾ على خَاتم رسله الْعَرَبِيّ الْقرشِي، واقتضت حكمته أَن يكون نشره فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا بدعوة قُرَيْش وزعامتهم، وَقُوَّة الْعَرَب وحماية هَذِه الدعْوَة بسيوفهم، وكل من دخل فِي الْإِسْلَام من الأعجام وَكَانَ لَهُ عمل صَالح فِيهِ كَانَ تَابعا لَهُم متلقيا عَنْهُم، على مُسَاوَاة الشَّرْع فِي أَحْكَامه بَينهم، ونبوغ كثير من مواليهم الَّذين استعربوا بالتبع لَهُم، وَكَانَت قُرَيْش فِي جملَة بطونها أكمل الْعَرَب خلقا وأخلاقا وفصاحة وذكاء وفهما وَقُوَّة عارضة، كَمَا كَانَت أصرح نسبا فِي سلالة إِسْمَاعِيل وأشرف تَارِيخا فِي الْعَرَب بفضائلها وفواضلها وَخدمتهَا لبيت الله تَعَالَى، فَكَانَ مَجْمُوع هَذِه المزايا الَّتِي كملت بِالْإِسْلَامِ مؤهلا لَهَا لِاجْتِمَاع كلمة الْعَرَب عَلَيْهَا، ثمَّ كلمة من يدْخل فِي الْإِسْلَام من شعوب الْعَجم بِالْأولَى، وَلَا سِيمَا بعد النَّص من الرَّسُول [ ﷺ ] بذلك وَإِجْمَاع أصحابة
стр. 24
عَلَيْهِ، فحكمة جعله صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ خلَافَة نبوته فِيهَا وَسَببه أَمْرَانِ (الأول) كَثْرَة المزايا الَّتِي تَنْتَشِر بهَا الدعْوَة، وَتَكون بِسَبَب طباع الْبشر سَببا لجمع الْكَلِمَة، وَمنع الْمُعَارضَة والمزاحمة أَو ضعفها، وَكَذَلِكَ كَانَ، فَإِن النَّاس أذعنوا لَهُم على تنازعهم وَكَثْرَة من لم يقم بأعباء الْخلَافَة مِنْهُم وَلَا أَخذهَا بِحَقِّهَا فَلم يَكُونُوا يَبْتَغُونَ بديلا من فَرد أَو بَيت مِنْهُم، إِلَّا إِلَى آخر مِنْهُم، وَكَانَ افتئات بعض الْأَعَاجِم على بعض العباسيين فسقا على الشَّرْع واعتداء على الْحُقُوق الْعَامَّة كَسَائِر أَنْوَاع الاعتداء على الْأَمْوَال والأعراض (وَالثَّانِي) أَن تكون إِقَامَة الْإِسْلَام متسلسلة فِي سلائل أول من تلقاها ودعا إِلَيْهَا ونشرها حَتَّى لَا يَنْقَطِع اتِّصَال سَيرهَا الْمَعْنَوِيّ والتاريخي، فَإِن الْحُقُوق الْخَاصَّة من الْملَل والأمم وليدة التَّارِيخ وربيبته.
ألم تروا أَن سيرة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين تعد هِيَ الْمثل الْأَعْلَى لأحكام الْكتاب وَالسّنة النَّبَوِيَّة وهديهما، وَأَن سيرة الْخُلَفَاء الْمَدَنِيين من الأمويين والعباسيين الَّذين نشرُوا الْفُنُون والعلوم ورقوا الحضارة فِي الشرق والغرب تعد أصل المَدنِيَّة الإسلامية وسندها؟ أَو لم تروا أَن صلَة الْعَالم الإسلامي بمهد الْإِسْلَام الموضعي (الْحجاز) تعد فِي الدرجَة الثَّانِيَة لصلته بكتابه وسنته، حَتَّى إِن الْخَلِيفَة الَّذِي نصبته الدولة التركية الجديدة فِي الآستانة، قد لقب نَفسه بخادم الْحَرَمَيْنِ الشريفين كالسلاطين الَّذين كَانَ الْحجاز خاضعا لَهُم؟
ألم تعلمُوا أَن الْإِسْلَام على حُرِّيَّته وسماحته قد خص الْحجاز أَو جَزِيرَة الْعَرَب بألا يبْقى فِيهَا دينان وَأوصى بذلك النَّبِي [ ﷺ ] فِي آخر حَيَاته؟ ألم يبلغكم أَن بعض المؤرخين من غير الْمُسلمين قَالَ: لَو أَن الْجَيْش الَّذِي فتح جنوب فرنسا بعد فتح الأندلس كَانَ كُله أَو أَكْثَره عَرَبيا لملك أوربا كلهَا ودان لَهُ أَهلهَا، وَإِنَّمَا انْتقض الإفرنج عَلَيْهِ لِأَن أَكْثَره كَانَ من البربر الَّذين لم يفهموا الْإِسْلَام وَلم يلتزموا أَحْكَامه فِي حفظ العهود وَالْعدْل وَعدم الاعتداء على الْأَمْوَال والأعراض كالعرب، أَفَرَأَيْتُم لَو جعل الْإِسْلَام خلَافَة النُّبُوَّة مشَاعا وتغلب عَلَيْهَا الْعَجم من الْقُرُون الأولى أَكَانَ يحفظ الْإِسْلَام ولغته كَمَا حفظ بنشر خلفاء قُرَيْش لَهُ من برهم وفاجرهم؟ وَهَذَا بحث يَتَّسِع المجال لشرحه وَلَكِن فِي غير هَذَا الْمقَال الَّذِي نُرِيد أَن يكون بِقدر الْحَاجة الطارئة.
стр. 25
وَقد أورد بعض فضلاء الْعَصْر شُبْهَة على جعل الْخلَافَة فِي قُرَيْش بِأَنَّهَا تعَارض مَا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَام من الْمُسَاوَاة وَمن نزع العصبية وتسييد طَائِفَة مُعينَة على سَائِر الْمُسلمين بل جعلهَا كالشبهة الَّتِي أوردهَا بعض الْعلمَاء على الشِّيعَة الَّذين يحصرونها فِي العلويين من أَنَّهَا تفتح بَاب الطعْن فِي الْإِسْلَام لغير الْمُؤمنِينَ بزعمهم أَن النَّبِي [ ﷺ ] إِنَّمَا أسس ملكا لأهل بَيته، وكل ذَلِك ظَاهر الْبطلَان، كَمَا بَيناهُ فِي مَوضِع آخر من الْمنَار. فَإِن قُريْشًا بطُون كَثِيرَة مُتَفَرِّقَة وَكَانَ بَينهَا من التعادي فِي الْجَاهِلِيَّة مَا بَين غَيرهَا من قبائل الْعَرَب وبطونها وَمِنْه عَدَاوَة بني عبد شمس لبني هَاشم الَّتِي خفيت بعد فتح النَّبِي [ ﷺ ] لمَكَّة وتأليفه لأبي سُفْيَان كَبِير بني أُميَّة وَفِي خلَافَة أبي بكر وَعمر، وَبَدَأَ الاستعداد لإظهارها فِي خلَافَة عُثْمَان وأظهرها مُعَاوِيَة بعده. وَلم يَتَجَدَّد لقريش شَأْن فِي زمن الرَّاشِدين لم يكن لَهَا وَلَا فِي زمن الأمويين والعباسيين، إِلَّا أَن الأمويين كَانَت عِنْدهم عصبية لأهل بَيتهمْ ثمَّ للعربية فمقتهم الْعَالم الإسلامي وقلبهم قبل أَن يستكمل ملكهم قرنا وَاحِدًا.
وَلم يكن لبني تَمِيم فِي خلَافَة أبي بكر وَلَا لبني عدي فِي خلَافَة عمر أدنى امتياز على أحد من أقرانهم، ونزوان بني أُميَّة على مصَالح الْأمة فِي زمَان عُثْمَان كَانَ بِسَبَب ضعفه، بنعرة عصبية مِنْهُ، وَلم يغْفر لَهُ الرَّأْي الإسلامي الْعَام هَذَا بل هاج النَّاس عَلَيْهِ حَتَّى كَانَ ذَلِك تمهيداً لتمكن أَصْحَاب الدسائس الْخفية فِي الْإِسْلَام من قَتله، أعنى دسائس حزب عبد الله بن سبأ الْيَهُودِيّ. . وَالْمَجُوس مثيري الْفِتَن فِي الْإِسْلَام. وَقد روى أَن الإِمَام الْعَادِل الْعَاقِل عمر حذر عُثْمَان وعلياً وَعبد الرَّحْمَن من مثل هَذَا الإيثار للأقارب الْمنَافِي لهدى الْإِسْلَام والمفضي إِلَى فَسَاد الْأَمر. . فَقَالَ لَهُم لما جعل الْأَمر من السِّتَّة: إِن النَّاس لن يعدوكم أَيهَا الثَّلَاثَة، فَإِن كنت يَا عُثْمَان فِي شَيْء من أَمر النَّاس فَاتق الله وَلَا تحملن بني أُميَّة وَبني أبي معيط على رِقَاب النَّاس، وَإِن كنت يَا عَليّ فَاتق الله وَلَا تحملن بني هَاشم على رِقَاب النَّاس، وَقَالَ لعبد الرَّحْمَن مثل ذَلِك. . ذكره الْحَافِظ فِي شرح البُخَارِيّ، وَقَوله إِن النَّاس لن يعدوكم مبْنى على الْقَاعِدَة الَّتِي قررناها وَهِي أَن أَمر الْخلَافَة للْأمة لَا للستة الزعماء الَّذين أَرَادَ عمر جمع كلمة الْأمة بِجمع كلمتهم، لعلو مكانتهم فِيهَا بمناقبهم، على أَن النَّبِي [ ﷺ ] قد أوعد قُريْشًا فِي بعض الْأَحَادِيث بانتقام الله مِنْهُم إِذا لم يقيموا الْحق وَالْعدْل وَالرَّحْمَة كَمَا
стр. 26
شرعها، وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك مُتعَدِّدَة مِنْهَا قَوْله [ ﷺ ]
" يَا معشر قُرَيْش إِنَّكُم أهل هَذَا الْأَمر مالم تحدثُوا فَإِذا غيرتم بعث الله عَلَيْكُم من يلحاكم كَمَا يلحى الْقَضِيب " رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى عَن ابْن مَسْعُود بِسَنَد رِجَاله ثِقَات وَله طَرِيق آخر بِلَفْظ آخر وشواهد وَمِنْهَا " الْأُمَرَاء من قُرَيْش مَا عمِلُوا فِيكُم بِثَلَاث - مَا رحموا إِذا استرحموا، واقسطوا إِذا قسموا، وَعدلُوا إِذا حكمُوا " رَوَاهُ الْحَاكِم عَن أنس بِسَنَد حسن. .
هَذَا وَإِن العباسيين لم يحملوا بني هَاشم على رِقَاب النَّاس بل كَانُوا أَشد من بني أُميَّة وَطْأَة على العلويين الَّذين هم خيارهم وفضلوا الْفرس ثمَّ التّرْك على الْعَرَب، وَأما العلويون فَكَانُوا أزهد النَّاس فِي الدُّنْيَا وملكها، وَلَوْلَا ذَلِك لسعوا لَهَا سعيها، وَمن صَحَّ مِنْهُ الْهوى أرشد للحيل، وَلم يتول أحد مِنْهُم الْإِمَامَة بعد أَن نزل عَنْهَا الإِمَام الْحسن السبط ﵇ إِلَّا أَئِمَّة الزيدية فِي الْيمن فَكَانُوا وَمَا زَالُوا أفضل وَأَعْدل أهل بَيت تولوها بعد الرَّاشِدين. . وَأما أدارسة الْمغرب فيلقبون بالسلاطين وَأما العبيديون فَكَانُوا أدعياء فِي النّسَب وَفِي الْإِسْلَام أَيْضا. .
وَجُمْلَة القَوْل أَن الشعوبية أوردوا شُبُهَات كَثِيرَة على الْعَرَب وعَلى قُرَيْش وَأجَاب عَنْهَا الْعلمَاء كَابْن قُتَيْبَة وَغَيره، وَلكُل قوم محامد ومساوئ وَدين الله فَوق كل شَيْء وَمَا صَحَّ دَلِيله وأجمعت عَلَيْهِ الْأمة أَو سوادها الْأَعْظَم فِي خير الْقُرُون لَا نقبل رَأيا وَلَا بحثا فِي نقضه، وَإِلَّا لم يبْق لنا شَيْء من ديننَا، وَمَا كَانَت أهواء العصبية والمحاباة فِي الدّين إِلَّا فتْنَة لنا، وضارة بعربنا وعجمنا، وَإِن جهل ذَلِك الكثيرون منا، وَإِن حِكْمَة الشَّارِع [ ﷺ ] فِي جعل خلَافَة نبوته فِي قُرَيْش منزهة عَن العصبية الْجَاهِلِيَّة الَّتِي حرمهَا، ولبابها مَكَان قُرَيْش من هَذَا الدّين وَكتابه وَنبيه ولغته وَأَهْلهَا. . إِذْ لم تقم لَهُ قَائِمَة إِلَّا بدعوتهم ولغتهم، ثمَّ لم يَخْدمه أحد من الْأَعَاجِم إِلَّا من أتقنها، فخدمه أَولا من استعرب من الْفرس وَغَيرهم، ثمَّ جدد قُوَّة دولته العثمانيون من التّرْك، بعد أَن مزق شَمله وأضعفه سلفهم، وسنبين بعد مَا يجب لَهُ علينا وَعَلَيْهِم. .
صِيغَة الْمُبَايعَة:
الْإِمَامَة عقد تحصل بالمبايعة من أهل الْحل وَالْعقد لمن اختاروه إِمَامًا للْأمة بعد التشاور بَينهم، وَالْأَصْل فِي الْبيعَة أَن تكون على الْكتاب وَالسّنة وَإِقَامَة الْحق وَالْعدْل من قبله وعَلى السّمع وَالطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف من قبلهم. فَفِي الصَّحِيح أَن عبد الرَّحْمَن
стр. 27
ابْن عَوْف قَالَ فِي مبايعته لعُثْمَان: أُبَايِعك على سنة الله وَرَسُوله والخليفتين من بعده، وَبَايَعَهُ النَّاس على ذَلِك. وَإِن النَّاس لما اجْتَمعُوا على عبد الْملك بن مَرْوَان بعد قتل عبد الله بن الزبير بَايعه عبد الله بن عمر ﵁ بعد أَن امْتنع عَن مبايعتهما مَعًا لأجل الْخلاف والتفرقة. فَكتب إِلَيْهِ: إِنِّي أقرّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة لعبد الله عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ على سنة الله وَرَسُوله فِيمَا اسْتَطَعْت، وَإِن بَنِى ّ قد أقرُّوا بذلك.
وَكَانَ الصَّحَابَة يبايعون النَّبِي [ ﷺ ] على السّمع وَالطَّاعَة فِي المنشط وَالْمكْره وَقَول الْحق وَالْقِيَام بِهِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا وَعدم عصيانه فِي الْمَعْرُوف، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مبايعة النِّسَاء لَهُ (وَلَا يعصِينك فِي مَعْرُوف) وَقد صَحَّ أَن النَّبِي [ ﷺ ] هُوَ الَّذِي كَانَ يلقنهم قيد الِاسْتِطَاعَة عِنْد الْمُبَايعَة وَقد بَايعُوهُ أَيْضا على الْإِسْلَام وعَلى الْهِجْرَة وعَلى الْجِهَاد وَالصَّبْر وَعدم الْفِرَار من الْقِتَال وعَلى بيعَة النِّسَاء المنصوصة فِي الْقُرْآن. وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا مَعْرُوفَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن. نخص بِالذكر مِنْهَا حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت الْمُتَّفق عَلَيْهِ وَلَفظه كَمَا فِي كتاب الْفِتَن من البُخَارِيّ: دَعَانَا النَّبِي [ ﷺ ] فَبَايعْنَا فَقَالَ فِيمَا أَخذ علينا أَن بَايعنَا على السّمع وَالطَّاعَة فِي منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثره علينا وَألا ننازع الْأَمر أَهله
" إِلَّا أَن تروا كفرا بواحا عنْدكُمْ من الله فِيهِ برهَان " وَلَفظه فِي بَاب الْمُبَايعَة من كتاب الْأَحْكَام " بَايعنَا رَسُول الله [ ﷺ ] على السّمع وَالطَّاعَة فِي المنشط وَالْمكْره وَألا ننازع الْأَمر أَهله، وَأَن نقوم وَأَن نقُول بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَاف فِي الله لومة لائم " قَالَ الْحَافِظ فِي شرح حَدِيث البُخَارِيّ فِي الْمُبَايعَة على السّمع وَالطَّاعَة الَّذِي تقدم فِي الأَصْل عِنْد قَوْله فِيهِ من كتاب الْفِتَن " وَألا ننازع الْأَمر أَهله " أَي الْملك والإمارة. .
وَجُمْلَة القَوْل أَن الْعلمَاء اتَّفقُوا على وجوب الْخُرُوج على الإِمَام بالْكفْر وَاخْتلفُوا فِي الظُّلم وَالْفِسْق لتعارض الْأَدِلَّة وَمِنْهَا سد ذَرِيعَة الْفِتْنَة وَالتَّحْقِيق الْمُخْتَار أَن على الْأَفْرَاد الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بشروطهما دون الْخُرُوج على ولي الْأَمر بِالْقُوَّةِ، وَأما أهل الْحل وَالْعقد فَيجب عَلَيْهِم مَا يرَوْنَ فِيهِ الْمصلحَة الراجحة حَتَّى الْقِتَال وَقد تقدم النَّقْل فِي هَذَا فِي مَسْأَلَة سلطة الْأمة وسنعود إِلَيْهِ فِي بحث مَا يخرج بِهِ الإِمَام عَن الْخلَافَة. .
стр. 28
مَا يجب على الْأمة بالمبايعة:
وَمَتى تمت الْمُبَايعَة وَجب بهَا على الْمُبَايِعين وَسَائِر الْأمة بالتبع لَهُم الطَّاعَة للْإِمَام فِي غير مَعْصِيّة الله والنصرة لَهُ، وقتال من بغى عَلَيْهِ أَو استبد بِالْأَمر دونه، وَسَيَأْتِي الْكَلَام على دَار الْعدْل وَالْجَمَاعَة، وَمَا يتَعَلَّق بهَا كَحكم الْهِجْرَة. .
وأهم مَا يجب التَّذْكِير بِهِ من طَاعَة الإِمَام الْحق على كل مُسلم وَكَذَا إِمَام الضَّرُورَة أَو التغلب على كل من بَايعه بِالذَّاتِ وَمن لَزِمته بيعَة أهل الْحل وَالْعقد - أَدَاء زَكَاة المَال والأنعام وَالزَّرْع وَالتِّجَارَة - وَالْجهَاد الْوَاجِب وجوبا كفائيا على مَجْمُوع الْأمة وَالْوَاجِب وجوبا عينيا على أفرادها رجَالًا وَنسَاء على مَا هُوَ مُبين فِي كتب الْفِقْه، كَمَا يجب عَلَيْهِم طَاعَة من ولاهم أَمر الْبِلَاد من الْوُلَاة السياسيين والقضاة وقواد الجيوش دون غَيرهم، وَيجب على هَؤُلَاءِ الخضوع لَهُ فِيمَا يُقيد بِهِ سلطتهم وَفِي عَزله إيَّاهُم إِذا عزلهم، وَالشّرط الْعَام فِي الطَّاعَة أَلا تكون فِي مَعْصِيّة لله تَعَالَى وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي هَذَا مَعْرُوفَة وَمجمع على مَعْنَاهَا. .
وَمن الْأَخْبَار والْآثَار الَّتِي يحسن إيرادها هُنَا مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد رب الْكَعْبَة قَالَ: دخلت الْمَسْجِد فَإِذا عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ جَالس فِي ظلّ الْكَعْبَة وَالنَّاس مجتمعون عَلَيْهِم فأتيتهم فَجَلَست إِلَيْهِ فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] فِي سفر فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه وَمنا من ينتضل وَمنا من هُوَ فِي جشره إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُول الله [ ﷺ ] " الصَّلَاة جَامِعَة " فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] فَقَالَ:
" إِنَّه لم يكن نَبِي قبلي إِلَّا كَانَ حَقًا عَلَيْهِ أَن يدل أمته على خير مَا يُعلمهُ لَهُم وَيُنْذرهُمْ شَرّ مَا يُعلمهُ لَهُم، وَإِن أمتكُم هَذِه جعل عَافِيَتهَا فِي أَولهَا، وسيصيب آخرهَا بلَاء وَأُمُور تنكرونها، وتجئ فتْنَة فيرقق بَعْضهَا بَعْضًا وتجئ الْفِتْنَة فَيَقُول الْمُؤمن هَذِه مهلكتي ثمَّ تنكشف وتجئ الْفِتْنَة فَيَقُول الْمُؤمن هَذِه هَذِه، فَمن أحب أَن يزحزح عَن النَّار وَيدخل الْجنَّة فلتأته منيته وَهُوَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وليأت إِلَى النَّاس الَّذِي يجب أَن يُؤْتى إِلَيْهِ. . وَمن بَايع إِمَامًا فَأعْطَاهُ صَفْقَة يدة، وَثَمَرَة
стр. 29
قلبه. . فليطعه إِن اسْتَطَاعَ فَإِن جَاءَ آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر " فدنوت مِنْهُ فَقلت لَهُ: أنْشدك الله آنت سَمِعت هَذَا من رَسُول الله [ ﷺ ] ؟ فَأَهوى إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَلبه بيدَيْهِ وَقَالَ سمعته أذناي ووعاه قلبِي، فَقلت لَهُ هَذَا ابْن عمك مُعَاوِيَة يَأْمُرنَا أَن نَأْكُل أَمْوَالنَا بَيْننَا بِالْبَاطِلِ ونقتل أَنْفُسنَا وَالله يَقُول ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما﴾ قَالَ فَسكت سَاعَة ثمَّ قَالَ: أطعه فِي طَاعَة الله وأعصه فِي مَعْصِيّة الله. .
وَقد أعز الله الْبشر بِالْإِسْلَامِ، وَمُقْتَضى الْكتاب وَالسّنة أَنه لَا طَاعَة وَلَا خضوع فِيهِ إِلَّا لله تَعَالَى، وَطَاعَة الرَّسُول من طَاعَته لقَوْله: ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾ وَطَاعَة أولى الْأَمر كَذَلِك لقَوْله: ﴿وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ وَلذَلِك اشْترط فِيهَا أَن تكون فِي تَنْفِيذ أصُول شَرعه أَو فروعه. . وَقد قَالَ بعض أُمَرَاء بني أُميَّة لبَعض عُلَمَاء التَّابِعين: أَلَيْسَ الله قد أَمركُم بِأَن تطيعونا فِي قَوْله: ﴿وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ ؟ فَقَالَ لَهُ: أَلَيْسَ قد نزعت عَنْكُم - يَعْنِي الطَّاعَة - إِذْ خالفتم الْحق بقوله: ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ ؟ نَقله الْحَافِظ فِي الْفَتْح: قَالَ وَمن بديع الْجَواب وَذكره. . على أَن أولى الْأَمر هُنَا الْجَمَاعَة أَي الْأمة كَمَا تقدم. .
مَا يجب على الإِمَام للملة وَالْأمة:
يجب على الإِمَام نشر دَعْوَة الْحق، وَإِقَامَة ميزَان الْعدْل، وحماية الدّين من الاعتداء والبدع، والمشاورة فِي كل مَا لَيْسَ فِيهِ نَص، وَهُوَ مسئول عَن عمله يُرَاجِعهُ كل أحد من الْأمة فِيمَا يرَاهُ أَخطَأ فِيهِ، يحاسبه عَلَيْهِ أهل الْحل وَالْعقد، وَقد قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ]
" الإِمَام الَّذِي على النَّاس رَاع وَهُوَ مسئول عَن رَعيته " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ من حَدِيث لِابْنِ عمر وَغَيرهمَا. . وَقد بَين الْمَاوَرْدِيّ مَا يجب عَلَيْهِ فِي متأخرها أَشد مِمَّا قبله، فيعد الْمُتَقَدّم رَقِيقا بِالْإِضَافَة إِلَى مَا بعده. . عشر قَوَاعِد كُلية لم يذكر مِنْهَا مَسْأَلَة الْمُشَاورَة، على كَثْرَة النُّصُوص فِيهَا، واستفاضة آثَار الرَّاشِدين فِي الجري عَلَيْهَا، اتبَاعا لما صَحَّ من عمل النَّبِي [ ﷺ ] بهَا، قَالَ: " وَالَّذِي يلْزمه من الْأُمُور الْعَامَّة عشر أَشْيَاء:
стр. 30
أَحدهَا حفظ الدّين على أُصُوله المستقرة، وَمَا أجمع عَلَيْهِ سلف الْأمة، فَإِن نجم مُبْتَدع أوزاغ ذُو شُبْهَة عَنهُ، أوضح لَهُ الْحجَّة وَبَين لَهُ الصَّوَاب، وَأَخذه بِمَا يلْزمه من الْحُقُوق وَالْحُدُود، ليَكُون الدّين محروسا من خلل، وَالْأمة مَمْنُوعَة من زلل (وَالثَّانِي) تَنْفِيذ الْأَحْكَام بَين المتشاجرين، وَقطع الْخِصَام بَين المتنازعين حَتَّى تعم النصفة فَلَا يتَعَدَّى ظَالِم، وَلَا يضعف مظلوم (الثَّالِث) حماية الْبَيْضَة والذب عَن الْحَرِيم، ليتصرف النَّاس فِي المعايش وينتشروا فِي الْأَسْفَار، آمِنين من تغرير بِنَفس أَو مَال (وَالرَّابِع) إِقَامَة الْحُدُود لتصان محارم الله تَعَالَى عَن الانتهاك، وَتحفظ حُقُوق عباده من إِتْلَاف واستهلاك (وَالْخَامِس) تحصين الثغور بالعدة الْمَانِعَة، وَالْقُوَّة الدافعة، حَتَّى لَا يظْهر الْأَعْدَاء بغرة ينتهكون فِيهَا محرما، أَو يسفكون فِيهَا لمُسلم أَو معاهد دَمًا (وَالسَّادِس) جِهَاد من عاند الْإِسْلَام بعد الدعْوَة، حَتَّى يسلم أَو يدْخل فِي الذِّمَّة، ليقام بِحَق الله تَعَالَى فِي إِظْهَاره على الدّين كُله (وَالسَّابِع) جباية الفئ وَالصَّدقَات على مَا أوجبه الشَّرْع نصا واجتهادا من غير خوف وَلَا عسف (وَالثَّامِن) تَقْدِير العطايا وَمَا يسْتَحق فِي بَيت المَال من غير سرف وَلَا تقتير، وَدفعه فِي وَقت لَا تَقْدِيم فِيهِ وَلَا تَأْخِير (التَّاسِع) استكفاء الْأُمَنَاء، وتقليد النصحاء، فِيمَا يفوضه إِلَيْهِم من الْأَعْمَال، ويكله إِلَيْهِم من الْأَمْوَال، لتَكون الْأَعْمَال بالكفاءة مضبوطة، وَالْأَمْوَال بالأمناء مَحْفُوظَة، (الْعَاشِر) أَن يُبَاشر بِنَفسِهِ مشارفة الْأُمُور وتصفح الْأَحْوَال لينهض بسياسة الْأمة، وحراسة الْملَّة، وَلَا يعول على التَّفْوِيض تشاغلا بلذة أَو عبَادَة، فقد يخون الْأمين ويغش الناصح، وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله﴾ فَلم يقْتَصر الله سُبْحَانَهُ على التَّفْوِيض دون الْمُبَاشرَة، وَلَا عذره فِي اتِّبَاع الْهوى حَتَّى وَصفه بالضلال. . وَهَذَا وَإِن كَانَ مُسْتَحقّا عَلَيْهِ بِحكم الدّين ومنصب الْخلَافَة فَهُوَ من حُقُوق السياسة لكل مسترع. . قَالَ النَّبِي ﵇ " كلكُمْ رَاع وكلكم مسئول عَن رَعيته " وَلَقَد أصَاب الشَّاعِر فِيمَا وصف بِهِ الزعمي الْمُدبر حَيْثُ يَقُول: (الْبَسِيط)
стр. 31
(وقلدوا أَمركُم لله دركم ... رحب الذِّرَاع بِأَمْر الْحَرْب مضطلعا)
(لَا مترفا إِن رخاء الْعَيْش ساعده ... وَلَا إِذا عض مَكْرُوه بِهِ خشعا)
(وَلَيْسَ يشْغلهُ مَال يثمره ... عَنْكُم وَلَا ولد يَبْغِي لَهُ الرفعا)
(مَا زَالَ يحلب در الدَّهْر أشطره ... يكون متّبعا يَوْمًا ومتَبَعا)
(حَتَّى اسْتمرّ على شزر مريرته ... مستحكم الرَّأْي لافخما وَلَا ضرعا)
(أَقُول) عِبَارَته فِي الْوَاجِب الأول فِي مُنْتَهى التَّحْقِيق، وَهُوَ الْمُحَافظَة على مَا أجمع عَلَيْهِ السّلف الصَّالح من الدّين وَإِطْلَاق الْحُرِّيَّة للْأمة فِيمَا سواهُ من الْمسَائِل الاجتهادية من حَيْثُ الْعلم وَعمل الْأَفْرَاد فِي الْعِبَادَات، وَأما مَا يتَعَلَّق بالسياسة وَالْقَضَاء المنوط بالحكومة فَلهُ أَن يرجح بعض الْأَحْكَام الاجتهادية على بعض، باستشارة الْعلمَاء من أهل الْحل وَالْعقد، وَلَا سِيمَا إِذا لم يكن هُوَ من أهل الِاجْتِهَاد فِي الشَّرْع، وَلَقَد كَانَ أَئِمَّة الدّين يطيعون الْخُلَفَاء فِيمَا يُخَالف اجتهادهم من أُمُور الْحُكُومَة إِذا لم يُخَالف النَّص الْقطعِي من الْكتاب وَالسّنة وَلَكنهُمْ لم يطيعوهم فِي القَوْل بِخلق الْقُرْآن لِأَنَّهُ من أُمُور العقائد الَّتِي خالفوا فِيهَا السّلف. .
وَالْجهَاد الَّذِي ذكره فِي الْوَاجِب السَّادِس أَرَادَ بِهِ الْقِتَال الْعَيْنِيّ والكفائي وَإِنَّمَا يجب على كل مُكَلّف إِذا استولى الْعَدو على بعض بِلَاد الْمُسلمين وَتوقف دَفعه على ذَلِك وَإِلَّا اكْتفى بِمن يستنفرهم الإِمَام بِحَسب الْحَاجة، وَالْجهَاد قد يكون بِالْمَالِ وَاللِّسَان وَمِنْه الدعْوَة إِلَى الْإِسْلَام بالبرهان. وَتجب طَاعَة الإِمَام فِي التَّعْلِيم العسكري بنظام الْقرعَة وَغَيره، وَعَلِيهِ أَن يعد للأعداء مَا يَسْتَطِيع من قُوَّة ليقاتلهم بِمَا يقاتلوننا بِهِ أَو يفوقهم، وَمِنْه إنْشَاء البوارج والغواصات والطيارات الحربية وأنواع الأسلحة الخ وَتجب طَاعَته فِي ذَلِك كُله بِالْمَالِ وَالنَّفس، بِنَصّ قَوْله تَعَالَى ﴿وأَعِدُّوا لَهْم مَا اسْتطَعْتُم من قُوَّة﴾ وَالْخطاب للْأمة وَإِنَّمَا الرئيس هُوَ الَّذِي يوحد النظام فِيهَا. وعَلى هَذَا تكون الْعُلُوم والفنون الطبيعية والكيماوية والآلية كلهَا من الْوَاجِبَات الكفائية وَمَا لَا يتم الْوَاجِب الْمُطلق إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب. وَلَيْسَ فِي الْإِسْلَام جِهَاد يجب بِهِ قتال كل مُخَالف وَإِن كَانَ معاهدا أَو ذِمِّيا.
стр. 32
الشورى فِي الْإِسْلَام
(أَقُول) وأهم مَا يجب على الإِمَام الْمُشَاورَة فِي كل مَالا نَص فِيهِ عَن الله وَرَسُوله، وَلَا إِجْمَاعًا صَحِيحا يحْتَج بِهِ، أَو مَا فِيهِ نَص اجتهادي غير قَطْعِيّ، وَلَا سِيمَا أُمُور السياسة وَالْحَرب المبنية على أساس الْمصلحَة الْعَامَّة، وَكَذَا طرق تَنْفِيذ النُّصُوص فِي هَذِه الْأُمُور إِذْ هِيَ تخْتَلف باخْتلَاف الزَّمَان وَالْمَكَان. فَهُوَ لَيْسَ حَاكما مُطلقًا كَمَا يتَوَهَّم الكثيرون بل مُقَيّد بأدلة الْكتاب وَالسّنة وسيرة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين الْعَامَّة وبالمشاورة، وَلَو لم يرد فِيهَا إِلَّا وصف للْمُؤْمِنين بقوله تَعَالَى: ﴿وَأمرهمْ شُورَى بَينهم﴾ وَقَوله لرَسُوله: ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ لكفى، فَكيف وَقد ثبتَتْ فِي الْأَخْبَار والْآثَار قولا وَعَملا، وَسبب هَذَا الْأَمر للرسول [ ﷺ ] بالمشاورة فِي أَمر الْأمة، جعله قَاعِدَة شَرْعِيَّة لمصالحها الْعَامَّة، فَإِن هَذِه الْمصَالح كَثِيرَة الشّعب وَالْفُرُوع وَلَا يُمكن تحديدها، وتختلف باخْتلَاف الزَّمَان وَالْمَكَان فَلَا يُمكن تقييدها، وَقد ذهب بعض عُلَمَاء السّلف إِلَى أَن النَّبِي [ ﷺ ] كَانَ غَنِيا عَن الْمُشَاورَة فلولا إِرَادَة جعلهَا قَاعِدَة شَرْعِيَّة لما أَمر الله بهَا، روى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ فِي تَفْسِيره قَوْله تَعَالَى ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ أَنه قَالَ: قد علم الله أَنه مَا بِهِ إِلَيْهِم من حَاجَة وَلَكِن أَرَادَ أَن يستن بِهِ من بعده. وروى فِي الْمَرْفُوع مَا يُؤَيّدهُ فقد أخرج ابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ بِسَنَد حسن عَن ابْن عَبَّاس أَن الْآيَة لما نزلت قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ]
" أما إِن الله وَرَسُوله لَغَنِيَّانِ عَنْهَا وَلَكِن جعلهَا الله رَحْمَة لأمتي فَمن اسْتَشَارَ مِنْهُم لَا يعْدم رشدا، وَمن تَركهَا لم يعْدم غيا " أَي شرعها الله تَعَالَى لتحقيق الرشد فِي الْمصَالح وَمنع الْمَفَاسِد فَإِن الغي هُوَ الْفساد والضلال، وَلَكِن الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ناطقة بِأَن النَّبِي [ ﷺ ] لم يكن مستغنيا عَن غَيره من النَّاس إِلَّا فِيمَا ينزل عَلَيْهِ فِيهِ الْوَحْي وَقَالَ
" أَنْتُم أعلم بِأَمْر دنياكم " رَوَاهُ مُسلم عَن عَائِشَة وَأنس وَقَالَ
" مَا كَانَ من أَمر دينكُمْ فَإلَى، وَمَا كَانَ من أَمر دنياكم فَأنْتم أعلم بِهِ " رَوَاهُ أَحْمد، وَفِي حَدِيث رَافع بن خديج فِي صَحِيح مُسلم أَيْضا أَنه [ ﷺ ] قَالَ:
" إِنَّمَا أَنا بشر، إِذا أَمرتكُم بشئ من أَمر دينكُمْ فَخُذُوا بِهِ وَإِذا أَمرتكُم بِشَيْء من رَأْيِي فَإِنَّمَا أَنا بشر " وَهَذَا هُوَ الْمُوَافق لقَوْله تَعَالَى ﴿قل إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ يُوحى إِلَيّ﴾ فَهُوَ ممتاز على الْبشر بِالْوَحْي إِلَيْهِ وَلكنه فِيمَا عداهُ وَعدا مَا يستلزمه بشر يجوز عَلَيْهِ الْأَعْرَاض البشرية، وَيحْتَاج إِلَى غَيره فِي الْأُمُور الكسبية، وَكَونه أكمل لَا يَقْتَضِي أَن يُحِيط بِكُل
стр. 33
شَيْء علما وَيقدر على كل عمل فَإِن هَذَا لله وَحده ﴿قل لَا أَقُول لكم عِنْدِي خَزَائِن الله وَلَا أعلم الْغَيْب وَلَا أَقُول لكم إِنِّي ملك﴾ . .
وَلذَلِك كَانُوا إِذا راجعوه فِي أَمر أَمر بِهِ وَرَأَوا الْمصلحَة فِي غَيره سَأَلُوهُ أقاله أَو فعله بِوَحْي من الله أم من رَأْيه؟ فَإِذا قَالَ إِنَّه من رَأْيه ذكرُوا رَأْيهمْ وَقد يعْمل بِهِ ويرجحه على رَأْيه كَمَا فعل فِي يَوْم بدر فقد جَاءَ [ ﷺ ] أدنى مَاء فَنزل عِنْده فَقَالَ الْحباب بن الْمُنْذر: يَا رَسُول الله أَرَأَيْت هَذَا الْمنزل أمنزل أنزلكه الله لَيْسَ لنا أَن فتقدمه وَلَا أَن نتأخر عَنهُ؟ أم هُوَ الرَّأْي وَالْحَرب والمكيدة؟ قَالَ
" بل هُوَ الرَّأْي وَالْحَرب والمكيدة " فَقَالَ يَا رَسُول الله لَيْسَ هَذَا بمنزل فانهض بِالنَّاسِ حَتَّى نأتي أدنى مَاء من الْقَوْم فننزله ثمَّ تغور مَا وَرَاءه الخ فَقَالَ لَهُ النَّبِي [ ﷺ ]
" لقد أَشرت بِالرَّأْيِ " وَعمل بِرَأْيهِ، وَفِي رِوَايَة إِبْنِ عَبَّاس عَن ابْن سعد أَن جِبْرِيل نزل فَقَالَ للنَّبِي [ ﷺ ] الرَّأْي مَا أَشَارَ بِهِ الْحباب بن الْمُنْذر:
وَقد اسْتَشَارَ [ ﷺ ] أَبَا بكر وَعمر ﵄ فِي أسرى بدر فَاخْتلف رأيهما فَقَالَ
" لَو اجتمعتما مَا عصيتكما " وَكَانَ رَأْيه مُوَافقا لرأي أبي بكر فأنفذه ثمَّ نزل الْوَحْي بِمَا يُؤَيّد رَأْي عمر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض﴾ . الْآيَتَيْنِ فَقَالَ [ ﷺ ] لعمر
" كَاد يصيبنا فِي خِلافك شَرّ " وَالرِّوَايَات فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كَثِيرَة. . وكل هَذَا كَانَ قبل أَمر الله تَعَالَى إِيَّاه بمشاورتهم فَإِنَّهُ نزل فِي غَزْوَة أحد وفيهَا رجح رَأْي الْأَكْثَرين على رَأْيه [ ﷺ ] ورأي كثير من كبراء الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم، وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عَليّ كرم الله وَجهه قَالَ سُئِلَ رَسُول الله [ ﷺ ] عَن الْعَزْم أَي قَوْله تَعَالَى: ﴿وشاورهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل على الله﴾ فَقَالَ
" مُشَاورَة أهل الرَّأْي ثمَّ اتباعهم ".
وَقد حققنا مَسْأَلَة الشورى فِي الْحُكُومَة الإسلامية بالتفصيل فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة من سُورَة آل عمرَان وَتَفْسِير: ﴿أطعيوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ من سُورَة النِّسَاء. وَبينا فِي الأول الْحِكْمَة فِي ترك الرَّسُول [ ﷺ ] نظام الشورى للْأمة وَعدم وضع أَحْكَام لَهَا، وَمُلَخَّصه أَن النظام يخْتَلف باخْتلَاف أَحْوَال الْأمة فِي كثرتها وقلتها وشئونها الاجتماعية ومصالحها الْعَامَّة فِي الْأَزْمِنَة الْمُخْتَلفَة، فَلَا يُمكن أَن تكون لَهُ أَحْكَام مُعينَة توَافق جَمِيع الْأَحْوَال فِي كل زمَان وَمَكَان، وَلَو وَضَع لَهَا أحكاما مُؤَقَّتَة لخشى أَن يتَّخذ النَّاس مَا يَضَعهُ لذَلِك الْعَصْر وَحده دينا مُتبعا فِي كل حَال
стр. 34
وزمان وَإِن خَالف الْمصلحَة، كَمَا فعلوا فِي الْأَخْذ بظواهر مبايعة أبي بكر وَعُثْمَان واستخلاف عمر. فَاكْتفى بشرع الله للمشاورة وتربيته [ ﷺ ] الْأمة عَلَيْهَا بِالْعَمَلِ. على أَن أولي العصبية خالفوا مَا شَرعه الله بِاتِّبَاع أهوائهم ومطامعهم لتقصير أولي الْأَمر فِي وضع هَذَا النظام لكل زمَان بِمَا يُنَاسِبه، كَمَا ضبط عمر ﵁ الْأَمر فِي زَمَنه بِمَا يُنَاسِبه، بل عَنى عُلَمَاؤُنَا بمسائل النَّجَاسَة وَالْحيض والبيوع أَشد من عنايتهم بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة، حَتَّى قَالَ إِمَام كَبِير مثل الْأَشْعَرِيّ إِن بيعَة رجل وَاحِد من أهل الْحل وَالْعقد تلْزم الْأمة إِذا أشهد عَلَيْهَا فَأنى يَسْتَقِيم أَمر أمة تعْمل بِهَذَا القَوْل فِي رياستها الْعَامَّة؟ .
وَأما الْآثَار عَن الرَّاشِدين فِي الْمُشَاورَة فكثيرة (مِنْهَا) مَا رَوَاهُ الدَّارمِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن مَيْمُون بن مهْرَان أَن أَبَا بكر كَانَ يسْأَل عَامَّة الْمُسلمين عَمَّا لَا يجد فِيهِ نصا من الْكتاب وَلَا سنة عَن النَّبِي [ ﷺ ] هَل يعلمُونَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] فِيهِ شَيْئا فَرُبمَا قَامَ إِلَيْهِ الرَّهْط فَقَالُوا نعم قضى فِيهِ بِكَذَا فَيَأْخُذ بِهِ ويحمد الله تَعَالَى (قَالَ) وَإِن أعياه ذَلِك دَعَا رُءُوس الْمُسلمين وعلماءهم فاستشارهم فَإِذا اجْتمع رَأْيهمْ على أَمر قضى بِهِ، وَإِن عمر بن الْخطاب كَانَ يفعل ذَلِك، وَزَاد أَنه كَانَ بعد النّظر فِي الْكتاب وَالسّنة ينظر فِيمَا قضى بِهِ أَبُو بكر أَيْضا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يقْضى إِلَّا بِنَصّ أَو مُشَاورَة. وَانْظُر إِلَى الْفرق بَين سُؤال عَامَّة الْمُسلمين عَن الرِّوَايَة واختصاص الرؤساء وَالْعُلَمَاء بالمشاورة، ذَلِك بِأَنَّهُم هم جمَاعَة أولي الْأَمر وَأهل الْحل وَالْعقد الَّذين أَمر الْكتاب بطاعتهم بعد طَاعَة الله وَرَسُوله وَقَالَ فِي إِحَالَة أَمر الْأمة إِلَيْهِم ﴿وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولى الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ .
(وَمِنْهَا) مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَأَبُو سعيد فِي الْقَضَاء عَن عَليّ قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِن عرض لي أَمر لم ينزل قَضَاء فِي أمره وَلَا سنة كَيفَ تَأْمُرنِي؟ قَالَ:
" تجعلونه شُورَى بَين أهل الْفِقْه والعابدين من الْمُؤمنِينَ وَلَا تقضي فِيهِ بِرَأْيِك خَاصَّة ".
(وَمِنْهَا) مَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس: وَكَانَ الْقُرَّاء أَصْحَاب مجْلِس عمر ومشاروته كهولا كَانُوا أَو شبَابًا. وَذكر وَاقعَة فِي رُجُوع عمر إِلَى قَول من يذكرهُ بِالْقُرْآنِ، وَقَالَ: وَكَانَ وقافا عِنْد كتاب الله وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من
стр. 35
استشارة عمر فِي مَسْأَلَة الوباء لما خرج إِلَى الشَّام وَأَخْبرُوهُ إِذْ كَانَ فِي (سرغ) أَن الوباء وَقع فِي الشَّام، فَاسْتَشَارَ الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين ثمَّ الْأَنْصَار فاختلفا. ثمَّ طلب من كَانَ هُنَالك من مشيخة قُرَيْش من مهاجرة الْفَتْح، فاتفقوا على الرُّجُوع وَعدم الدُّخُول على الوباء، فَنَادَى عمر بِالنَّاسِ: إِنِّي مصبح على ظهر: (أَي مُسَافر، وَالظّهْر الرَّاحِلَة) فَأَصْبحُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أفرارا من قدر الله؟ فَقَالَ عمر: لَو غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة؟ نعم نفر من قدر الله إِلَى قدر الله، أَرَأَيْت لَو كَانَت لَك إبل فَهَبَطت وَاديا لَهُ عدوتان إِحْدَاهمَا خصبة وَالْأُخْرَى جدبة أَلَيْسَ إِن رعيت الخصبة رعيتها بِقدر الله، وَإِن رعيت الجدبة رعيتها بِقدر الله؟ ثمَّ جَاءَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَأخْبرهُ بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوع الْمُوَافق لرأي شُيُوخ قُرَيْش.
التَّوْلِيَة بالاستخلاف والعهد:
اتّفق الْفُقَهَاء على صِحَة اسْتِخْلَاف الإِمَام الْحق والعهد مِنْهُ بالخلافة إِلَى من يَصح الْعَهْد إِلَيْهِ على الشُّرُوط المعتبره فِيهِ أَي فِي الإِمَام الْحق، فالعهد أَو الِاسْتِخْلَاف لَا يَصح إلَاّ من إِمَام مستجمع لجَمِيع شُرُوط الْإِمَامَة لمن هُوَ مثله فِي ذَلِك. هَذَا شَرط الْعَهْد إِلَى الْفَرد، وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك باستخلاف أبي بكر لعمر، وَأما الْعَهْد إِلَى الْجَمِيع وَجعله شُورَى فِي عدد مَحْصُور من أهل الْحل وَالْعقد، فَاشْتَرَطُوا فِيهِ أَن تكون الْإِمَامَة متعينة لأَحَدهم، بِحَيْثُ لَا مجَال لمنازعة أحد لمن يتفقون عَلَيْهِ مِنْهُم، وَهُوَ الْمُوَافق لجعل عمر إِيَّاهَا شُورَى فِي السّنة ﵁ قَالَ الْمَاوَرْدِيّ: وانعقد الْإِجْمَاع عَلَيْهَا أصلا فِي انْعِقَاد الْإِمَامَة بالعهد وَفِي انْعِقَاد الْبيعَة بِعَدَد يتَعَيَّن فِيهِ الْإِمَامَة لأَحَدهم بِاخْتِيَار أهل الْحل وَالْعقد
وَقد تمسك بِهَذَا أَئِمَّة الْجور وخلفاء التغلب والمطامع وَلم يراعوا فِيهِ مَا راعاه من احْتَجُّوا بِعَمَلِهِ من استشارة أهل الْحل وَالْعقد وَالْعلم برضاهم أَولا وإقناع من كَانَ
стр. 36
توقف فِيهِ، وَالرِّوَايَات فِي هَذَا مَعْرُوفَة فِي كتب الحَدِيث وَمن أجمعها (كنز الْعمَّال) وَكتب التَّارِيخ والمناقب، وَأي عَالم أَو عَاقل يقيس عهد أبي بكر إِلَى عمر فِي تحري الْحق وَالْعدْل والمصحلة بعد الاستشارة فِيهِ ورضاء أهل الْحل وَالْعقد بِهِ على عهد مُعَاوِيَة واستخلافة ليزِيد الْفَاسِق الْفَاجِر بِقُوَّة الإراهاب من جِهَة ورشوة الزعماء من جِهَة أُخْرَى؟ ثمَّ مَا تلاه وَاتَّبَعت فِيهِ سنته السَّيئَة من احتكار أهل الْجور والطمع فِي السُّلْطَان، وَجعله إِرْثا لأولادهم أَو لأوليائهم كَمَا يُورث المَال وَالْمَتَاع؟ إِلَّا إِن هَذِه أَعمال عصبية الْقُوَّة الْقَاهِرَة الْمُخَالفَة لهدي الْقُرْآن، وَسنة الْإِسْلَام.
ذكر الْفَقِيه ابْن حجر فِي التُّحْفَة اخْتِصَاص اسْتِخْلَاف بقسميه (الفردي والجمعي) بِالْإِمَامِ الْحق واعتماده، ثمَّ قَالَ وَقد يشكل عَلَيْهِ مَا فِي التواريخ والطبقات من تَنْفِيذ الْعلمَاء وَغَيرهم لعهود بني الْعَبَّاس مَعَ عدم استجماعهم للشروط، بل نفذ السّلف عهود بني أُميَّة مَعَ أَنهم كَذَلِك، إِلَّا أَن يُقَال هَذِه وقائع مُحْتَملَة إِنَّهُم إِنَّمَا نفذوا للشوكة وخشية الْفِتْنَة لَا للْعهد بل هُوَ الظَّاهِر.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي الْعَهْد الْمشَار إِلَيْهِ فِي أول هَذِه الْمَسْأَلَة: وَيعْتَبر شُرُوط الْإِمَامَة فِي الْمولى من وَقت الْعَهْد إِلَيْهِ. وَإِن كَانَ صيغراً أَو فَاسِقًا وَقت الْعَهْد وبالغاً عدلا عِنْد موت الْمولى لم تصح خِلَافَته حَتَّى يسْتَأْنف أهل الِاخْتِيَار بيعَته اهـ وَنقل الْحَافِظ بن حجر فِي شَرحه لحَدِيث عبَادَة فِي الْمُبَايعَة - وَقد تقدم - أَنه لَا يجوز عقد الْولَايَة لفَاسِق ابْتِدَاء، وَأَن الْخلاف فِي الْخُرُوج على الْفَاسِق فِيمَا إِذا كَانَ عادلاً وإمامته صَحِيحَة ثمَّ أحدث جوراً اهـ وَقد علم مِمَّا أسلفنا أَن الْعَهْد والاستخلاف بِشُرُوطِهِ مُتَوَقف على إِقْرَارا أهل الْحل وَالْعقد لَهُ. واستدلالهم يقتضية وَإِن لم يصرحوا بِهِ، وَأما المتغلبون بِقُوَّة العصبية فعهدهم واستخلافهم كإمامتهم، وَلَيْسَ حَقًا شَرْعِيًّا لَازِما لذاته، بل يجب نبذه كَمَا تجب إِزَالَتهَا، واستبدال إِمَامَة شَرْعِيَّة بهَا، عِنْد الْإِمْكَان والأمان من فتْنَة أَشد ضَرَرا على الْأمة مِنْهَا، وَإِذا زَالَت بتغلب آخر فَلَا يجب على المسملين الْقِتَال لإعادتها. .
стр. 37
طَالب الْولَايَة لَا يُولى
من هدى الْإِسْلَام أَن طَالب الْولَايَة والإمارة لأجل الجاه والثروة لَا يُولى فقد قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] لِرجلَيْنِ طلبا أَن يؤمرهما:
" لن نستعمل على عَملنَا من أَرَادَهُ " وَفِي رِوَايَة
" إننا لَا نولي هَذَا من سَأَلَهُ وَلَا من حرص عَلَيْهِ " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ البُخَارِيّ بِهَذَا اللَّفْظ وَمُسلم بِلَفْظ
" إِنَّا وَالله لَا نولى على هَذَا الْعَمَل أحدا سَأَلَهُ وَلَا أحداُ حرص عَلَيْهِ " وَفِي رِوَايَة للْإِمَام أَحْمد
" إِن أخونكم عندنَا من يَطْلُبهُ " فَلم يستعن بهما فِي شَيْء حَتَّى مَاتَ. . وَسبب هَذَا الْمَنْع الْقطعِي الْمُؤَكّد بالقسم أَن طلاب الولايات وَلَا سِيمَا أَعْلَاهَا وَهِي الْإِمَامَة والحريصون عَلَيْهَا هم محبو السلطة للعظمة والتمتع والتحكم فِي النَّاس، وَقد ظهر أَنهم هم الَّذين أفسدوا أَمر هَذِه الْأمة وأولهم من الْجَمَاعَات بَنو أُميَّة وَإِن كَانَ فيهم أَفْرَاد، بل مِنْهُم رجل الرِّجَال وَوَاحِد الْآحَاد - عمر بن عبد الْعَزِيز خَامِس الرَّاشِدين - وَلكنه لم يكن حَرِيصًا على الْإِمَامَة وَلَو أمكنه لأعادها إِلَى العلويين.
وَذكر الْحَافِظ فِي شرح الحَدِيث الْمَذْكُور آنِفا كلمة حق عَن الْمُهلب قَالَ: الْحِرْص على الْولَايَة هُوَ السَّبَب فِي اقتتال النَّاس عَلَيْهَا حَتَّى سفكت الدِّمَاء واستبيحت الْأَمْوَال والفروج وَعظم الْفساد فِي الأَرْض بذلك. وهنالك أَحَادِيث أُخْرَى. .
وَلَو حَافظ الْمُسلمُونَ على أصل الشَّرْع الَّذِي قرر فِي عهد الرَّاشِدين فِي أَمر الْخلَافَة لما وَقعت تِلْكَ الْفِتَن والمفاسد ولعم الْإِسْلَام الأَرْض كلهَا. . وَقد قَالَ عَالم ألماني لشريف حجازي فِي الآستانة: إِنَّه كَانَ يَنْبَغِي لنا أَن نضع لمعاوية تمثالاً من الذَّهَب فِي عواصمنا، لِأَنَّهُ لَو لم لم يحول سلطة الْخلَافَة عَمَّا وَضعهَا عَلَيْهِ الشَّرْع وَجرى عَلَيْهِ الراشدون لملك الْعَرَب بِلَادنَا كلهَا وصيروها إسلامية عَرَبِيَّة. .
إِمَامَة الضَّرُورَة والتغلب بِالْقُوَّةِ:
اتّفق محققو الْعلمَاء على أَنه لَا يجوز أَن يُبَايع بالخلافة إِلَّا من كَانَ مستجمعا لما ذَكرُوهُ من شرائطها وبخاصة الْعَدَالَة والكفاءة والقرشية، فَإِذا تعذر وجود بعض الشُّرُوط تدخل الْمَسْأَلَة فِي حكم الضرورات. . والضرورات تقدر بِقَدرِهَا، فَيكون الْوَاجِب حِينَئِذٍ مبايعة من كَانَ مستجمعا لأكْثر الشَّرَائِط من أَهلهَا، مَعَ الِاجْتِهَاد
стр. 38
وَالسَّعْي لاستجماعها كلهَا. قَالَ الْكَمَال بن الْهمام فِي المسايرة: والمتغلب تصح مِنْهُ هَذِه الْأُمُور للضَّرُورَة كَمَا لَو لم يُوجد قرشي عدل، أَو وجد وَلم يقدرعلى تَوليته لغَلَبَة الجورة. . قَالَ هَذَا ردا على الْحَنَفِيَّة فِي استدلالهم على عدم اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الْأَئِمَّة بِقبُول بعض الصَّحَابَة للولاية وَالْقَضَاء من ظلمَة بني أُميَّة كمروان وصلاتهم مَعَهم، فمراده بالأمور: الْقَضَاء والإمارة وَالْحكم كَمَا قَالَه شَارِح المسايرة. .
وَقَالَ السعد فِي شرح الْمَقَاصِد: وَهَهُنَا بحث وَهُوَ أَنه إِذا لم يُوجد إِمَام على شَرَائِطه، وَبَايع طَائِفَة من أهل الْحل وَالْعقد قرشياً فِيهِ بعض الشَّرَائِط من غير نَفاذ لأحكامه، وَطَاعَة من الْعَامَّة لأوامره، وشوكة بهَا يتَصَرَّف فِي مصَالح الْعباد، ويقتدر على النصب والعزل لمن أَرَادَ هَل يكون ذَلِك إتيانا بِالْوَاجِبِ؟ وَهل يجب على ذَوي الشَّوْكَة الْعَظِيمَة من مُلُوك الْأَطْرَاف، المتصفين بِحسن السياسة وَالْعدْل والإنصاف أَن يفوضوا إِلَيْهِ الْأَمر بِالْكُلِّيَّةِ، ويكونوا لدية كَسَائِر الرّعية، وَقد يتَمَسَّك بِمثل قَول الله تَعَالَى: ﴿أطِيعُوا الله وأَطيعوا الرسولَ وأُوليِ الأَمْر مِنْكُم﴾ وَقَوله [ ﷺ ] :
" من مَاتَ وَلم يعرف إِمَام زَمَانه مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة " فَإِن وجوب الطَّاعَة والمعرفة يَقْتَضِي الْحُصُول اهـ أَي يجب عَلَيْهِم ذَلِك.
وَإِنَّمَا فرض أَن الْمُبَايِعين فِي هَذِه الصُّورَة بعض أهل الْحل وَالْعقد لِأَنَّهُ إِذا بَايعه جَمِيعهم وَمِنْهُم الْمُلُوك الَّذين ذكرهم تمت شوكته وَنفذ حكمه قطعا، وَهَذِه الصُّورَة تصدق على بعض خلفاء بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس الَّذين كَانَت تنقصهم الْعَدَالَة أَو الْعلم الاجتهادي، وَكَانَ الْجُمْهُور يوجبون طاعتهم، ويصححون للضَّرُورَة إمامتهم، إِذا لم تتيسر بيعَة أمثل مِنْهُم وَإِن كَانَ مَوْجُودا، وَالْمُعْتَمد عِنْد الْحَنَفِيَّة أَن إمامتهم صَحِيحَة مُطلقًا، لِأَن الْعلم وَالْعَدَالَة عِنْدهم لَيست من شُرُوط الِانْعِقَاد كَمَا تقدم فِي مَحَله. . قَالَ الْكَمَال بن الْهمام مُحَقّق الْحَنَفِيَّة فِي المسايرة تبعا للغزالي: (الأَصْل الْعَاشِر) لَو تعذر وجود الْعلم وَالْعَدَالَة فِيمَن تصدى للْإِمَامَة - بِأَن تغلب عَلَيْهَا جَاهِل بِالْأَحْكَامِ أَو فَاسق - وَكَانَ فِي صرفه إثارة فتْنَة لَا تطاق حكمنَا بانعقاد إِمَامَته كَيْلا نَكُون كمن يَبْنِي قصراً ويهدم مصرا، وَإِذا قضينا بنفوذ قضايا أهل البغى فِي بِلَادهمْ الَّتِي غلبوا عَلَيْهَا لمسيس الْحَاجة فَكيف لَا نقضي بِصِحَّة الْإِمَامَة عِنْد
стр. 39
لُزُوم الضَّرَر الْعَام بِتَقْدِير عدمهَا. . وَإِذا تغلب آخر على ذَلِك المتغلب وَقعد مَكَانَهُ انْعَزل الأول وَصَارَ الثَّانِي إِمَامًا اه.
وَقَالَ السعد فِي شرح الْمَقَاصِد بعد ذكر شُرُوط الْإِمَامَة وَآخِرهَا النّسَب الْقرشِي مانصه: وَأما إِذا لم يُوجد فِي قُرَيْش من يصلح لذَلِك أَو لم يقتدر على نَصبه لاستيلاء أهل الْبَاطِل وشوكة الظلمَة وأرباب الضَّلَالَة فَلَا كَلَام فِي جَوَاز تقلد الْقَضَاء تَنْفِيذ الْأَحْكَام وَإِقَامَة الْحُدُود وَجَمِيع مَا يتَعَلَّق بِالْإِمَامِ من كل ذِي شَوْكَة. . كَمَا إِذا كَانَ الإِمَام الْقرشِي فَاسِقًا أَو جائراً أَو جَاهِلا فضلا عَن أَن يكون مُجْتَهدا. . وَبِالْجُمْلَةِ مَبْنِيّ مَا ذكر فِي بَاب الْإِمَامَة على الِاخْتِيَار والاقتدار. . وَأما عِنْد الْعَجز والاضطرار، واستيلاء الظلمَة وَالْكفَّار والفجار، وتسلط الْجَبَابِرَة الأشرار، فقد صَارَت الرِّئَاسَة الدُّنْيَوِيَّة تغلبية، وبنيت عَلَيْهَا الْأَحْكَام الدِّينِيَّة المنوطة بِالْإِمَامِ ضَرُورَة، وَلم يعبأ بِعَدَمِ الْعلم وَالْعَدَالَة وَسَائِر الشَّرَائِط، والضرورات تبيح الْمَحْظُورَات، وَإِلَى الله المشتكي فِي النائبات، وَهُوَ المرتجي لكشف الملمات اهـ. بِحُرُوفِهِ.
وَالْفرق بَين هَذِه الْخلَافَة وَمَا قبلهَا بعد كَون كل مِنْهُمَا جَائِزا للضَّرُورَة أَن الأولى صدرت من أهل الْحل وَالْعقد باختيارهم لمن هُوَ أمثل الفاقدين لبَعض الشَّرَائِط، وَلذَلِك فَرْضه الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ قرشيا إِذْ القريشيون كَثِيرُونَ دَائِما وَجزم بِوُجُوب طَاعَته مَعَ فرض كَونه ضيعفا. . وَأما الثَّانِيَة فصاحبها هُوَ المعتدي على الْخلَافَة بِقُوَّة العصبية لَا بِاخْتِيَار أهل الْحل وَالْعقد لَهُ، لعدم وجود من هُوَ أجمع للشرائط مِنْهُ، فَذَاك يطاع اخْتِيَارا، وَهَذَا يطاع اضطراراً.
وَمعنى هَذَا أَن سلطة التغلب كَأَكْل الْميتَة وَلحم الْخِنْزِير عِنْد الضَّرُورَة تنفذ بالقهر وَتَكون أدنى من الفوضى. . وَمُقْتَضَاهُ أَنه يجب السَّعْي دَائِما لإزالتها عِنْد الْإِمْكَان، وَلَا يجوز أَن توطن الْأَنْفس على دوامها، وَلَا أَن تجْعَل كالكرة بَين المتغلبين يتقاذفونها ويتلقونها، كَمَا فعلت الْأُمَم الَّتِي كَانَت مظلومة وراضية بالظلم لجهلها بقوتها الكامنة فِيهَا، وَكَون قُوَّة مُلُوكهَا وأمرائها مِنْهَا، ألم تَرَ إِلَى من استناروا بِالْعلمِ الاجتماعي مِنْهَا كَيفَ هبوا لإِسْقَاط حكوماتها الجائرة وملوكها المستبدين، وَكَانَ آخر من فعل ذَلِك الشّعب التركي، وَلكنه أسقط نوعا من التغلب بِنَوْع آخر عَسى أَن
стр. 40
يكون خيرا مِنْهُ، وَإِنَّمَا فعله تقليدا لتِلْك الْأُمَم الأبية، إِذْ كَانَ جَمَاهِير عُلَمَاء التّرْك والهند ومصر وَغَيرهَا من الأقطار، يوجبون عَلَيْهِ طَاعَة خلفاء سلاطين بني عُثْمَان، ماداموا لَا يظهرون الْكفْر وَالرِّدَّة عَن الْإِسْلَام، مهما يكن فِي طاعتهم من الظُّلم وَالْفساد، وخراب الْبِلَاد، وإرهاق الْعباد، عملا بالمعتمد عِنْد الْفُقَهَاء بِغَيْر نظر وَلَا اجْتِهَاد! وَهَذَا أهم أَسبَاب اعْتِقَاد الْكثير مِنْهُم، إِن سلطة الْخلَافَة الشَّرْعِيَّة، تحول دون حفظ الْملك والحياة الاستقلالية، وسنفصل الْكَلَام فِي هَذَا بعد وَفِيمَا يجب لجعل الحكم شَرْعِيًّا إسلاميا. .
مَا يخرج بِهِ الْخَلِيفَة من الْإِمَامَة:
قَالَ الْمَاوَرْدِيّ بعد بَيَان مَا يجب على الإِمَام - وَقد تقدم - وَإِذا قَامَ الإِمَام بِمَا ذَكرْنَاهُ من حُقُوق الْأمة فقد أدّى حق الله تَعَالَى فِيمَا لَهُم وَعَلَيْهِم وَوَجَب لَهُ عَلَيْهِم حقان الطَّاعَة والنصرة - مالم يتَغَيَّر حَاله.
" وَالَّذِي يتَغَيَّر بِهِ حَاله فَيخرج بِهِ عَن الْإِمَامَة شَيْئَانِ أَحدهمَا جرح فِي عَدَالَته وَالثَّانِي نقص فِي بدنه، فَأَما الْجرْح فِي عَدَالَته فَهُوَ على ضَرْبَيْنِ (أَحدهمَا) مَا تَابع فِيهِ الشَّهْوَة. . (الثَّانِي) مَا تعلق فِيهِ بِشُبْهَة، فَأَما الأول مِنْهُمَا فمتعلق بِأَفْعَال الْجَوَارِح وَهُوَ ارتكابه للمحظورات، وإقدامه على الْمُنْكَرَات، تحكيما للشهوة وانقيادا للهوى، فَهَذَا فسق يمْنَع من انْعِقَاد الْإِمَامَة وَمن استدامتها، فَإِذا طَرَأَ على من انْعَقَدت إِمَامَته خرج مِنْهَا، فَلَو عَاد إِلَى الْعَدَالَة لم يعد إِلَى الْإِمَامَة إِلَّا بِعقد جَدِيد. .
وَأما الثَّانِي مِنْهُمَا فمتعلق بالاعتقاد والمتأول بِشُبْهَة تعترض فيتأول لَهَا خلاف الْحق فقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهَا فَذهب فريق مِنْهُم إِلَى أَنَّهَا تمنع من انْعِقَاد الْإِمَامَة وَمن استدامتها، وَيخرج بحدوثه مِنْهَا ". الخ (ص ١٦)
الْمنَار: وَبعد تَفْصِيل الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهِي الابتداع بالتأول ذكر الْقسم الثَّانِي مِمَّا يمْنَع من الْخلَافَة وَهُوَ نقص الْبدن فَجعله ثَلَاثَة أَقسَام: نقص الْحَواس وَنقص الْأَعْضَاء وَنقص التَّصَرُّف وَقسمهَا أَيْضا إِلَى أَقسَام وَأطَال فِي بَيَان أَحْكَامهَا، وَالَّذِي تَقْتَضِي الْحَال نَقله مِنْهُ نقص التَّصَرُّف وَقد عقد لَهُ فصلا خَاصّا قَالَ فِيهِ مَا نَصه:
следующие страницы →