Полный текст (253 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَالصَّلَاح، ويفشو الظُّلم وَالْفِسْق، وَيفتح حِينَئِذٍ أَبْوَاب الشَّرّ، ويستولى الَّذين لَا أصل لَهُم، وَلَا دين لَهُم، وَلَا صَلَاح لَهُم، على أهل الْحيَاء وَالصَّلَاح، وَالْعُلَمَاء، ويضيع الدّين، واحترام الْعلمَاء، والزهاد، وتزيد كل يَوْم الْبِدْعَة فِي الرّعية، ويتهمون النَّاس بِغَيْر حق، وَلَا يخَافُونَ وزره، ليَأْخُذ الْملك من النَّاس بسب تِلْكَ التُّهْمَة من أَمْوَالهم ومواشيهم، وَيَقَع فِي أَيْديهم شَيْء من ذَلِك الْحَرَام، ويتصرفون حِينَئِذٍ فِي أَمْوَال الْأَيْتَام والأوقاف، تَصرفا مُخَالفا للشَّرْع، وَيمْنَعُونَ الْحق عَن الْمُسْتَحقّين، وَيَأْخُذُونَ الرِّشْوَة، ويقطعون أوقاف الْمدَارِس والمساجد والرباطات، ووظائف الْعلمَاء والسادات وطلاب الْعلم.
فَإِذا كَانَ كَذَلِك، يمْنَع أَرْبَاب الْحَوَائِج عَن أَبْوَاب الْمُلُوك والسلاطين، وَيرْفَع الْعدْل، ويفشو الْجور، وتنفر طباع النَّاس عَن ذَلِك الْملك، وَيكون الْملك محروما عَن أدعية الصَّالِحين، وَيكون إِثْم جَمِيع مَا فعل من تَحت يَده على ذَلِك الْملك، لِأَن الْملك كَانَ سَببا لفعلهم، وَحِينَئِذٍ تخرب الْولَايَة، ويقذف الله تَعَالَى الرعب فِي قُلُوب جَيش الْملك، وَتذهب الْبركَة عَن الأرزاق، وَيكون الْملك خسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، ويستولي على تِلْكَ المملكة الأعادي حِينَئِذٍ.
فَهَذِهِ الوقائع كلهَا تحصل فِي الدُّنْيَا بِسَبَب عدم النَّهْي عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي.
وَأما فِي الْآخِرَة فَيُطَالب الْمُلُوك عِنْد الله تَعَالَى بإيصال الْحُقُوق إِلَى مستحقاتها، يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون، إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم، وَيُحَاسب الْمُلُوك إِلَى مِقْدَار مِثْقَال ذرة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ . (الزلزلة ٧، ٨) .
وَأما الْحَالة الثَّالِثَة: وَهِي الْحَالة الَّتِي بَين الْمُلُوك وَبَين الله تَعَالَى، أما فِي الْعدْل: فَهِيَ أَن يَسْتَقِيم ظَاهره وباطنه وسره وعلانيته مَعَ الله تَعَالَى، وَيكون غَرَض الْمُلُوك فِي الْإِمَارَة والسلطنة رَضِي الله تَعَالَى، وإيصال الْحق إِلَى الْمُسْتَحق، وارتفاع الظُّلم والبدع عَن الْخَلَائق، لإرضاء أنفسهم وأصحابهم وَأَوْلَادهمْ وَأهل بَيتهمْ وأقاربهم.
стр. 107
وَأما فِي الْإِحْسَان: أَن يعبد الْملك الله تَعَالَى بالإخلاص، كَمَا قَالَ النَّبِي ﵇: " الْإِحْسَان: أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ، فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك ". ويشتغل بعد الْفَرَائِض والواجبات وَالسّنَن، بنوافل الطَّاعَات، وَقِرَاءَة الْقُرْآن، ويشتغل بمصالح الْخَلَائق، وَلَا يحرم أَصْحَاب الْحَوَائِج عَن بَابه، وَلَا يغْفل عَن صَلَاح المملكة وفسادها، وَلَا يُعْطي الرّعية فِي أَيدي الظلمَة، ويتفحص عَن أَحْوَال الْبَلَد والعباد كل يَوْم وَلَيْلَة، ويشتغل برعاية حُقُوق الْمُسلمين، ويتصرف بَين عباد الله تَعَالَى بِأَحْكَام الشَّرِيعَة كَأَنَّهُ يرى الله تَعَالَى.
فَإِن لم تقع هَذِه الْحَالة فِي قلبه تَيَقّن فِي اعْتِقَاده وَقَلبه أَن الله تَعَالَى يرَاهُ، وَينظر إِلَيْهِ، ويشاهده، فَإِذا كَانَ كَذَلِك، فَكل حكم يحكم الْملك فِي الرّعية يكون بِمُوجب كَلَام الله تَعَالَى، وَيكون عِنْد الله تَعَالَى من الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فِي شَأْنهمْ: ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونهر فِي مقْعد صدق عِنْد مليك مقتدر﴾ (الْقَمَر ٥٤) .
وَأما فِي إيتَاء ذِي الْقُرْبَى: فَإِنَّهُ صلَة رحم الْعُبُودِيَّة.
يَعْنِي لَا يرفع الْملك رَأسه من الْعُبُودِيَّة فِي اللَّيْل وَالنَّهَار، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا﴾ (الْفَتْح ٢٩) .
وَلَا يكون الْملك مغرورا بزخارف الدُّنْيَا ولذاتها، كي لَا يحرم عَن نعيم الْجنَّة ولذاتها، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور﴾ (لُقْمَان ٣٣) .
وَأما النَّهْي عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي: فَهُوَ أَلا يتكبر، وَلَا يعد نَفسه مستغنيا عَن الله بِكَثْرَة احْتِيَاج الْخَلَائق إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ يتَوَلَّد من ذَلِك الطغيان، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الْإِنْسَان ليطْغى أَن رَآهُ اسْتغنى﴾ (العلق ٦، ٧) بل
стр. 108
ينظر إِلَى عباد الله تَعَالَى بِنَظَر المرحمة، والمسكنة، والحقارة، كي لَا يسْقط الْملك عَن نظر الله تَعَالَى وَرَحمته، كَمَا قَالَ ﵇: " ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء " وَقَالَ النَّبِي ﵇:
" إِذا رَأَيْتُمْ المتواضعين فتواضعوا، وَإِذا رَأَيْتُمْ المتكبرين فتكبروا " لِأَن التكبر على المتكبر صَدَقَة.
وروى عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ: " مَا من عبد إِلَّا وَفِيه سلسلتان مشدودتان:
إِحْدَاهمَا إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة، وَالْأُخْرَى إِلَى الأَرْض السَّابِعَة، فَإِذا تواضع رفع إِلَى السَّمَاء الْعليا، وَإِذا تكبر وضع إِلَى الأَرْض السُّفْلى ".
وَقَالَ ﵇: " إيَّاكُمْ والتكبر، فَإِنَّهُ أهلك من كَانَ قبلكُمْ ".
وَقَالَ النَّبِي ﵇: " لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْكبر ". وَالله الْمُوفق
стр. 109
الْبَاب الْخَامِس
فِي الوزارة
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاجعَل لي وزيرا من أَهلِي هَارُون أخي اشْدُد بِهِ أزري وأشركه فِي أَمْرِي كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إِنَّك كنت بِنَا بَصيرًا﴾ (طه ٢٩ - ٣٥) .
وَقَالَ النَّبِي ﵇: " إِذا أَرَادَ الله بِملك خيرا، جعل لَهُ وزيرا صَالحا، فَإِن نسى ذكره، وَإِن ذكر أَعَانَهُ، وَإِذا أَرَادَ الله بِهِ غير ذَلِك، جعل لَهُ وَزِير سوء، إِن نسى لم يذكرهُ، وَإِن ذكر لم يعنه ".
اعْلَم أَن الوزارة تَابع السلطنة، وركن أعظم المملكة، وَلَا بُد للْملك من وَزِير صَالح ذِي رَأْي، مُشفق للرعية، عَالم، عَادل، لِأَن الْأَنْبِيَاء ﵈ كَانُوا مُحْتَاجين إِلَى الْوَزير، كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَن حَال مُوسَى ﵇، أَنه طلب من الله تَعَالَى وزيرا فَقَالَ - ﴿وَاجعَل لي وزيرا﴾ (طه ٢٩) فبطريق الأولى أَن يكون السلاطين والأمراء مُحْتَاجين إِلَى الْوَزير، وَقَالَ النَّبِي ﵇: " لي وزيران فِي السَّمَاء، ووزيران فِي الأَرْض، أما وزيراي فِي السَّمَاء: فجبريل وَمِيكَائِيل، وَأما وزيراي فِي الأَرْض: فَأَبُو بكر وَعمر "، رضى الله عَنْهُمَا، وَعَن بَاقِي الصَّحَابَة أَجْمَعِينَ. فَإِذا لم يكن للْملك وَزِير كَامِل، ذُو حُرْمَة عِنْد الْملك، فَلَيْسَ لذَلِك الْملك زين، وَشرف، وطراوة، وثبات فِي دولته.
стр. 110
وَيَنْبَغِي للملوك والسلاطين أَن ينصبوا على أَبْوَابهم حاجبا، أَو صَاحب قصَّة، مُعْتَمدًا متدينا، خَالص الِاعْتِقَاد، كي يعرض الْوَزير أَحْوَال أَرْبَاب الْحَوَائِج، وأحوال المظلومين إِلَى الْحَاجِب، والحاجب يعرض جَمِيع ذَلِك، إِمَّا بالقصة أَو بالرسالة إِلَى حَضْرَة الْملك.
وَيَنْبَغِي للْملك أَن يعلم أَن قَضَاء حوائج الرّعية من الْأُمُور الْوَاجِبَة عَلَيْهِ ويعد الْملك قَضَاء حوائج الْخلق غنيمَة عَظِيمَة على نَفسه، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر: " إِذا أحب الله عبدا أَكثر حوائج الْخلق إِلَيْهِ ".
فمهما كَانَ لأحد من الْمُسلمين حَاجَة إِلَى الْملك، يَنْبَغِي للْملك أَلا يشْتَغل بنوافل الْعِبَادَات عَن قَضَائهَا، فَإِن قَضَاء حوائج الْمُسلمين أفضل من نوافل الْعِبَادَات.
وَيَنْبَغِي للملوك والسلاطين، أَن ينصبوا فِي ولايتهم قَاضِيا عَالما، متدينا، محترزا عَن أكل الْحَرَام والشبهات، وَيكون صَالحا، ذَا مُرُوءَة وإنصاف، لَا يطاول يَده على مَال الْأَيْتَام وميراثهم، وَلَا يَأْخُذ الرِّشْوَة، ويقنع بوظيفة نَفسه وَعِيَاله من بَيت المَال، وَيقطع طمعه عَمَّا فِي أَيدي النَّاس.
وَيَنْبَغِي أَيْضا أَن يكون خَادِم القَاضِي عَالما، متدينا، صَالحا، زاهدا، لَا يجور فِي الدَّعَاوَى، وَلَا يطْمع طَمَعا فَاسِدا، وَلَا يبطل الْحق، وَلَا يحِق الْبَاطِل بل يَجْعَل كتاب الله نصب عينه.
سُئِلَ أردشير بن بابك: أَي الْأَصْحَاب يصلح للْملك؟ فَقَالَ: الْوَزير الْعَاقِل، المشفق، الْأمين، الصَّالح، الْمُدبر، ليدبر الْملك مَعَه أَمر المملكة، وَيسر إِلَيْهِ بِمَا فِي نَفسه.
стр. 111
وترتيب الوزراء، أَنهم مهما أمكنهم إصْلَاح أَمر الْملك بالكتب يتجاوبون بالكتب، فَإِن لم يصلح الْأَمر بالمكتب، فبالاحتيال وَالتَّدْبِير، فيجتهدون فِي تأني التَّدْبِير، بإعطال الْأَمْوَال، وبذل الصلات، وَمَتى انهزم عَسْكَر الْملك يَنْبَغِي للوزراء الْعَفو عَن ذنُوب الْجند، وَلم يستعجلوا بِقَتْلِهِم، لِأَنَّهُ قد يُمكن قتل الْأَحْيَاء، وَلَا يُمكن إحْيَاء الْقَتْلَى، فَإِن الرجل يصير رجلا فِي أَرْبَعِينَ سنة، وَمن أَرْبَعِينَ رجلا يصلح رجل لخدمة الْمُلُوك، وَإِن أسر أحد من الْجند، أَو أَخذ من أَصْحَاب الْملك، كَانَ على الْوَزير أَن ينقذه، ويفتديه، وَيُخَلِّصهُ، ويشتريه، ليسمع الْجند بصنيع الْوَزير، فيقوى قُلُوبهم إِذا باشروا حروبهم، وعَلى الْوَزير أَن يحفظ أرزاق الْجند، ويرتب جامكية كل إِنْسَان على قدره، وَأَن يُهَيِّئ الرِّجَال الشجعان بآلات الْحَرْب، وَأَن يخاطبهم بِأَحْسَن الْكَلَام، ويلين للأجناد فِي الْخطاب، ويلطف لَهُم الْجَواب، ويتحمل على فعلهم عَلَيْهِ، فَإِن الْجند قتلوا كثيرا من الوزراء فِي قديم الْأَيَّام، وسالف الأعوام، وَمن سَعَادَة السُّلْطَان، ويمن طالعه، وعلو جده، أَن يَجْعَل الله تَعَالَى لَهُ وزيرا صَالحا، ومشيرا ناصحا، كَمَا قَالَ النَّبِي ﵇: " إِذا أَرَادَ الله - تَعَالَى - بأمير خيرا، قيض لَهُ وزيرا ناصحا، صَادِقا، صبيحا، إِن نسى ذكره، وَإِن اسْتَعَانَ بِهِ أَعَانَهُ.
стр. 112
وَقَالَ العتابي: " من عرض نَفسه للدنية، عرض نَفسه للمنية، وَأَن مِمَّا يعين على الْعدْل ارْتِفَاع من يُؤثر التقى، واطراح من يقبل الرشا، واستكفاء من يعدل فِي الْقَضِيَّة، واستخلاف من يشفق على الرّعية.
وَقَالَ أنو شرْوَان: " مَا عدل من جَار وزيره، وَلَا صلح من فسد مشيره.
وَقَالَ أردشير: حقيق على كل ملك أَن يتفقد وزيره، ونديمه، وكاتبه، وحاجبه، فَإِن وزيره قوام ملكه، ونديمه بَيَان عقله، وكاتبه دَلِيل مَعْرفَته، وحاجبه برهَان سياسته.
قيل: من تعزز بِاللَّه لم يذله السُّلْطَان، وَمن توكل عَلَيْهِ لم يضرّهُ إِنْسَان، من اسْتغنى بِاللَّه عَن النَّاس أَمن عوارض الإفلاس، وَمن صَحَّ دينه صَحَّ يقينه.
قَالَ أنو شرْوَان: شَرّ الْوَزير من جرأ السُّلْطَان على الْحَرْب، وجرأه على الْقِتَال فِي مَوضِع يُمكن أَن يصلح بِغَيْر حَرْب، وَلَا خشونة، لِأَن فِي الْحَرْب تفنى ذخائر الْأَمْوَال، وتفنى كرائم النُّفُوس.
وَقَالَ أَيْضا: " كل ملك كَانَ وزيره جَاهِلا، فَمثله كَمثل الْغَيْم الَّذِي يَبْدُو وَيظْهر وَلَا يمطر.
وعَلى السُّلْطَان أَن يُعَامل الْوَزير بِثَلَاثَة أَشْيَاء:
أَحدهَا: إِذا ظَهرت مِنْهُ زلَّة، أَو وجدت مِنْهُ هفوة، لَا يعالجها بالعقوبة.
وَالثَّانِي: إِذا اسْتغنى فِي خدمَة الْملك لَا يطْمع فِي مَاله وثروته.
وَالثَّالِث: إِذا سَأَلَهُ حَاجَة لَا يتَوَقَّف فِي قَضَاء حَاجته.
стр. 113
وَيَنْبَغِي للْملك أَلا يمْنَع الْوَزير من ثَلَاثَة أَشْيَاء: وَهُوَ أَنه: مَتى أحب أَن يرَاهُ لَا يمنعهُ من رُؤْيَته، وَألا يسمع فِي حَقه كَلَام مُفسد، وَلَا يكتم عَنهُ شَيْئا من سره، لِأَن الْوَزير الصَّالح حَافظ سر السُّلْطَان، ومدبر أَمر الدخل، وَعمارَة الْولَايَة والخزائن، وزينة المملكة، وَله الْكَلَام على الْعمَّال، واستماع الْأَجْوِبَة، وَبِه يكون سرُور الْملك، وقمع أعدائه، وَهُوَ أَحَق النَّاس بالاستمالة، وتعظيم الْأَمر، وتفخيم الْقدر.
وَقَالَ لُقْمَان ﵇ لوَلَده: " أكْرم وزيرك، لِأَنَّهُ إِذا رآك على أَمر لَا يجوز لمملكتك لَا يوافقك عَلَيْهِ ".
وَيَنْبَغِي للوزير أَن يكون مائلا فِي الْأُمُور إِلَى الْخَيْر، متوقيا من الشَّرّ، وَإِذا كَانَ السُّلْطَان حسن الِاعْتِقَاد، مشفقا على الْعباد، كَانَ لَهُ عونا على ذَلِك، وآمرا لَهُ بالازدياد، وَإِذا كَانَ السُّلْطَان ذَا حيف، كَانَ غير ذِي سياسة، كَانَ على الْوَزير أَن يرشده قَلِيلا بألطف وَجه، ويهديه إِلَى الطَّرِيقَة المحمودة، وَيَنْبَغِي للْملك أَن يعلم أَن أول إِنْسَان يحْتَاج الْملك أَو السُّلْطَان إِلَيْهِ الْوَزير الصَّالح.
وَسُئِلَ بهْرَام كور: إِلَى كم من الْأَشْيَاء يحْتَاج السُّلْطَان إِلَيْهِ حَتَّى يتم سلطنته، وتدوم بالسرور دولته؟ فَقَالَ: إِلَى سِتَّة من الْأَصْحَاب: الْوَزير الصَّالح ليظْهر إِلَيْهِ سره، وَيُدبر مَعَه رَأْيه، ويسوس أمره، وَالْفرس الْجواد لينجيه يَوْم الْحَاجة إِلَى النجَاة، وَالسيف الْقَاطِع، وَالسِّلَاح الْحصين، وَالْمَال الْكثير الَّذِي يخف حمله، كالجوهر واللؤلؤ والياقوت، وَالزَّوْجَة الْحَسْنَاء الصَّالِحَة لتَكون مؤنسة لِقَلْبِهِ مزيلة لكربه، والطباخ الْخَبِير الَّذِي إِذا أمسك طبعه دبر شَيْئا يلطف طبعه.
стр. 114
اعْلَم أَن مِثَال المملكة كمثال خيمة، والوزير الْكَامِل كمثال عَمُود الْخَيْمَة، وَمِثَال أطناب الْخَيْمَة كمثال الْأُمَرَاء تَحت يَد الْملك، سَوَاء كَانَ صَغِيرا أَو كَبِيرا، وَمِثَال الأجناد كمثال الْحلق الَّتِي تتصل بأذيال الْخَيْمَة، وَفِي الْحَقِيقَة أوتاد الْخَيْمَة الَّتِي لَا قوام للخيمة إِلَّا بهَا، مثل الْعدْل للمملكة، كَمَا لَا تَسْتَقِر الْخَيْمَة فِي الأَرْض إِلَّا بالأوتاد، كَذَلِك لَا تَسْتَقِر المملكة إِلَّا بِالْعَدْلِ، وَإِن كثرت الأجناد وَالْأَمْوَال.
وَلما كَانَ الْوَزير للْملك مثل العمود للخيمة، كَمَا يَنْبَغِي للعمود أَربع خِصَال: أَحدهَا: أَن يكون مُسْتَقِيمًا. وَالثَّانِي: أَن يكون عَالِيا. وَالثَّالِث: أَن يكون ثَابتا. وَالرَّابِع: أَن يكون متحملا.
يَنْبَغِي للوزير أَيْضا أَن يكون لَهُ ثَلَاثَة أَحْوَال: أول حَاله: أَن يكون بَينه وَبَين الله تَعَالَى. وَثَانِي حَاله: أَن يكون بَينه وَبَين السُّلْطَان. وثالث حَاله: أَن يكون بَينه وَبَين الأجناد والرعايا. فَفِي كل حَال من هَذِه الْأَحْوَال الثَّلَاثَة يَنْبَغِي للوزير أَن يعْمل الْخِصَال الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة مناسبا لذَلِك الْحَال.
أول حَال الْوَزير وَهُوَ أَن يكون بَينه وَبَين الله تَعَالَى:
فِي الْخصْلَة الأولى - وَهِي الاسْتقَامَة - هِيَ أَن يكون كَمَا أَمر الله - تَعَالَى - لنَبيه ﵇: ﴿فاستقم كَمَا أمرت﴾ ﴿هود ١١٢﴾ يَعْنِي: لَا تخرج عَن جادة طَريقَة الشَّرِيعَة، لِأَن طَريقَة الشَّرِيعَة هُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ﴾ (الْأَنْعَام ١٥٣) . يَعْنِي راعو فِي جَمِيع أوقاتكم جَانب الْحق، وَإِن تركْتُم جَانب الْخلق فَلَا ضَرَر عَلَيْكُم، لِأَن من كَانَ لله كَانَ الله لَهُ.
وَأما حَال الْوَزير فِي الْخصْلَة الثَّانِيَة وَهِي الْعُلُوّ: فَيَنْبَغِي للوزير أَن تكون همته عالية وَنَفسه عزيزة عَمَّا فِي أَيدي النَّاس من زخارف الدُّنْيَا والجاه وَالْمَال، فَلَا يغتر الْوَزير بِمَال الدُّنْيَا.
نُكْتَة: يَنْبَغِي للعاقل أَن يتَصَوَّر أَن زخارف الدُّنْيَا بِمَنْزِلَة الزَّاد وَالرَّاحِلَة للْحَاج وَمُدَّة الْعُمر بِمَنْزِلَة أشهر الْحَج، وَوقت الْأَجَل بِمَنْزِلَة يَوْم وَقْفَة عَرَفَة،
стр. 115
وَيتَصَوَّر نَفسه كالحاج الَّذِي يقْصد زِيَارَة بَيت الله تَعَالَى، وَيعلم يَقِينا أَنما أعْطى الزَّاد وَالرَّاحِلَة للعاقل ليقطع الْبَادِيَة، ويزور بَيت الله تَعَالَى، يَعْنِي إِنَّمَا أعْطى الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ زخارف الدُّنْيَا، ووسع أَجله، ليقطع بهما بادية صِفَات النَّفس الأمارة الَّتِي كَانَت حِجَابا بَين العَبْد وَبَين الله تَعَالَى، فَكَمَا لَا يُوصل إِلَى الْكَعْبَة إِلَّا بِقطع الْبَادِيَة، كَذَلِك لَا يُوصل إِلَى رِضَاء الله تَعَالَى وَرَحمته وجنته إِلَّا بِقطع بادية النَّفس الأمارة بالسوء، وَهِي شهواتها النفسانية.
وَأما إِذا صرف الزَّاد وَالرَّاحِلَة لأجل هَوَاهُ، وَهُوَ طرف شط بَغْدَاد، ويشتغل كل يَوْم بِمُقْتَضى نَفسه من شرب الشَّرَاب الْمُسكر، وغفل عَن حَال قوافل الْحَج، وَقد قصد أَولا لِلْحَجِّ، فوصلت الْقَافِلَة إِلَى الْكَعْبَة ووقفوا فِي عَرَفَات، وَحصل مُرَادهم بإتمام الْحَج، فانتبه الرجل عَن نوم الْغَفْلَة كَمَا قيل: " النَّاس نيام فَإِذا مَاتُوا انتبهوا " وتحسر وَنَدم على غفلته، وفوت الْحَج عَنهُ، واشتعل نَار الندامة فِي جَوْفه، فَلم ينفع حِينَئِذٍ النَّدَم والتحسر، كَذَلِك من لم يصرف مَا فِي يَده من نعيم الدُّنْيَا على وُجُوه الْخيرَات، وَلم يصرف جَمِيع عمره وأوقاته إِلَى طَاعَة الله تَعَالَى، فَلَمَّا حَضَره الْأَجَل نَدم على صرف عمره فِي الْغَفْلَة، فَلم ينفع حِينَئِذٍ النَّدَم.
وَأما حَال الْوَزير فِي الْخصْلَة الثَّالِثَة وَهِي الثَّبَات: فَيَنْبَغِي للوزير أَن يكون اعْتِقَاده فِي أَمر الدّين مُسْتَقِيمًا وثابتا، وكل عمل يعمله الْوَزير يَنْبَغِي لَهُ أَن يعمله لرضاء الله تَعَالَى، فَلَا يحول وَجهه عَن ذَلِك الْأَمر لأجل خاطر الْخلق، ورضاء الْخلق، وَلَا يخَاف عَن شَرّ جَمِيع الْخَلَائق، إِذا كَانَ ذَلِك الْأَمر لأجل الله تَعَالَى، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم﴾ (الْمَائِدَة ٥٤) .
стр. 116
وَأما حَال الْوَزير فِي الْخصْلَة الرَّابِعَة وَهِي التَّحَمُّل: فَيَنْبَغِي للوزير أَن يتَحَمَّل الْأَمَانَة الَّتِي عرضهَا الله تَعَالَى على السَّمَاوَات وَالْأَرْض، فعجزوا عَن تحملهَا، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا وَحملهَا الْإِنْسَان﴾ (الْأَحْزَاب ٧٢) .
وَالْمرَاد بالأمانة فِي هَذِه الْآيَة على قَول بعض الْمُفَسّرين: الْفَرَائِض الَّتِي افترضها الله تَعَالَى على الْعباد، وَشرط عَلَيْهِم أَن من أَدَّاهَا جوزي بِالْإِحْسَانِ، وَمن خَان فِيهَا عُوقِبَ.
وَقيل: الْعَهْد الَّذِي يلْزم الْوَفَاء بِهِ، وَلَا يخون الْوَزير فِي ذَلِك الْأَمَانَة كي لَا يخجل عِنْد رد الْأَمَانَة إِلَى أَهلهَا، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا﴾ (النِّسَاء ٥٨) .
واما الْحَالة الثَّانِيَة للوزير، وَهِي الَّتِي بَين الْوَزير والأمير: فَيَنْبَغِي للوزير أَن يُرَاعِي فِي هَذِه الْحَالة أَيْضا أَرْبَعَة خِصَال:
أَحدهَا: الاسْتقَامَة.
وَالثَّانِي: الْعُلُوّ. وَالثَّالِث: الثَّبَات. وَالرَّابِع: التَّحَمُّل.
أما حَال الْوَزير فِي الاسْتقَامَة: فَيَنْبَغِي للوزير أَن يكون ظَاهره وباطنه مَعَ الْأَمِير وَاحِدًا، وَأَن يطهر الْوَزير قلبه عَن الْحَسَد، والخيانة، والغل، والغش، فِي حق الْملك.
وَأَيْضًا يَنْبَغِي للوزير إِذا دخل عِنْد الْملك أَن يسكت، وَلَا يبْدَأ الْكَلَام حَتَّى يتَكَلَّم الْملك، وَكلما تكلم الْملك من الْكَلَام الطّيب والردئ يَقُول الْوَزير: صدق الْأَمِير، ويراعي الْوَزير مزاج الْأَمِير وَالْملك، وَلَا ينافق الْأَمِير وَالْملك بِأَن يَقُول إِذا خرج من عِنْد الْملك مساوئ الْملك للنَّاس، وينكر أَقْوَال الْملك وأفعاله، ويشكو النَّاس عَن الْملك وَيَقُول: إِن الْملك ظَالِم وجاهل، وَلَا يسند الْوَزير طمعه فِي أَمْوَال النَّاس إِلَى الْملك، وَيُبرئ نَفسه عَن ذَلِك الطمع، وكل ذَلِك من النِّفَاق.
стр. 117
وَيَنْبَغِي للوزير إِذا تكلم الْملك أَن يصغي إِلَى كَلَام الْملك، وَلَا يكون عَاشِقًا لكَلَام نَفسه، فَإِذا تكلم الْملك كلمة غير مُوَافق للحق يسمع الْوَزير ذَلِك الْكَلَام، وَيكرهُ فِي قلبه، وَلَا يعْتَرض للْملك فِي ذَلِك الْحَال، فَإِذا وجد فرْصَة فِي الْخلْوَة يرد ذَلِك الْكَلَام فِي نفس الْملك.
فَفِي الْجُمْلَة لَا يستر الْوَزير الْحق، وَلَا يرضى الْمُنكر فِي الشَّرْع، بل يَقُول للْملك قولا لينًا على وَجه التأني والاعتراض، فِي غير حَالَة الْغَضَب، ليرْجع الْملك عَن ذَلِك الْكَلَام الْمُنكر.
وَحكي عَن أردشير أَنه قَالَ: حقيق على الْملك أَن يكون طَالبا أَرْبَعَة أَشْيَاء، فَإِذا وجدهَا يكون الْملك أحفظهم من سَائِر الْأَنْبِيَاء: الْوَزير الْأمين، وَالْكَاتِب الْعَالم، والحاجب المشفق، والنديم الناصح، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْوَزير أَمينا، دلّ على بَقَاء الْملك وسلامته عَن الزَّوَال، وَإِذا كَانَ الْكَاتِب عَالما، دلّ على عقل الْملك ورزانته، وَإِذا كَانَ الْحَاجِب مشفقا، لم يغْضب الْملك على أهل مَمْلَكَته، وَإِذا كَانَ النديم ناصحا، دلّ على انتظام الْأَمر ومصلحته.
وَأما حَال الْوَزير فِي الْخصْلَة الثَّانِيَة وَهِي الْعُلُوّ مَعَ الْملك: فَهِيَ أَن يخْدم الْوَزير الْملك مَعَ علو الهمة، لَا أَن يقْصد الْوَزير فِي خدمَة الْملك الطمع الْفَاسِد من زخارف الدُّنْيَا، وَأَن يكون الْوَزير عَزِيز النَّفس، قانعا بِأَدْنَى شَيْء من المَال، وَلَا يطول يَده فِي أَمْوَال الرّعية بِغَيْر إِذن الْملك، فَإِذا كَانَ الْوَزير على هَذِه الصِّفَات، ينظر الْملك إِلَى الْوَزير بِنَظَر الفراسة، وَيكون الْوَزير فِي نظر الْملك مَقْبُولًا، وَفِي قلبه محبوبا، وموقرا، ومحترما.
وَأما حَال الْوَزير فِي الْخصْلَة الثَّالِثَة، وَهِي الثَّبَات مَعَ الْملك: فَهِيَ أَن يكون الْوَزير فِي خدمَة الْملك صَاحب وَفَاء وعهد، وثابت الْقدَم، بِحَيْثُ لَو اجْتمع جَمِيع معاندي الْملك عِنْد الْوَزير، واجتهدوا، لَا يقدرُونَ على أَن يُغيرُوا الْوَزير عَن خدمته بِالصّدقِ، وَإِن عرضوا للوزير أَمْوَالًا كَثِيرَة.
стр. 118
وَأما حَال الْوَزير فِي الْخصْلَة الرَّابِعَة وَهِي التَّحَمُّل مَعَ الْملك: فَيَنْبَغِي للوزير التَّحَمُّل إِذا غضب الْملك للوزير، وَلَا يَقع فِي قلب الْوَزير كدوره من ذَلِك الْغَضَب، وَلَا يكون الْوَزير عبوس الْوَجْه من ذَلِك الْحَال، وَيتَكَلَّم مَعَ الْأَمِير كَلِمَات ليطفيء نَار غضب الْملك، ويحترز فِي المكالمة مَعَ الْأَمِير عَن الْكَلَام الَّذِي يتَوَلَّد مِنْهُ الْغَضَب والحقد، ويجتهد الْوَزير أَلا يخرج الْملك إِلَى الْقِتَال إِلَّا فِي غَايَة الضَّرُورَة، فَإِن كَانَ جند الْخصم كثيرا وجند الْملك قَلِيلا يَنْبَغِي للوزير أَن يُقَوي قلب الْملك بقوله تَعَالَى: ﴿كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة بِإِذن الله وَالله مَعَ الصابرين﴾ (الْبَقَرَة ٢٤٩) . وَأَن يلقى الْوَزير فِي غَالب الْأَوْقَات على قلب الْملك أُمُور الدّين، والأمور الَّتِي فِيهَا مصلحَة الرّعية وراحة الرّعية، وَلَا يلقى الْوَزير فِي قلب الْملك الْأُمُور الَّتِي فِيهَا فَسَاد الرّعية وَفَسَاد الدّين، وَأَن يدل الْوَزير الْملك على الْخيرَات، فَإِذا كَانَ الْوَزير متصفا بِهَذِهِ الصِّفَات الحميدة، ومتزينا بِهَذِهِ الْآدَاب الشَّرِيفَة (والأخلاق المرضية) ، يكون حِينَئِذٍ عضد السلطنة والمملكة قَوِيا، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿سنشد عضدك بأخيك﴾ . (الْقَصَص ٣٥) ، وَالله الْمُوفق.
وَأما الْحَالة الثَّالِثَة للوزير وَهِي الَّتِي بَين الرّعية والوزير: فَيَنْبَغِي للوزير أَيْضا أَن يُرَاعِي فِي هَذِه الْحَالة أَربع خِصَال أَيْضا: الأول: الاسْتقَامَة. وَالثَّانِي: الْعُلُوّ. وَالثَّالِث: الثَّبَات. وَالرَّابِع: التَّحَمُّل.
أما حَال الْوَزير فِي الاسْتقَامَة مَعَ الرّعية: فَيَنْبَغِي للوزير أَن يعِيش بَين الرّعية بِالْعَدْلِ والإنصاف، وَيكون أشْفق الْخَلَائق فِي كل أَحْوَال الرّعية، ويشتغل فِي جَمِيع عمره بالاعتناء بشأنهم كالحدقة للعين، وَيقبل الْوَزير الزحمة على نَفسه، لتَكون الرّعية فِي الرَّاحَة عَن الْأُمُور الشاقة.
وَهَذِه الْمعَانِي إِنَّمَا تحصل للوزير إِذا كَانَ الْوَزير حَرِيصًا على عمَارَة الْولَايَة، وزراعة الدهاقين، وَالْحَال أَلا يكون الْملك حَرِيصًا فِي جمع المَال، فَإِن كَانَ
стр. 119
الْملك حَرِيصًا على جمع المَال، فَلَا بُد أَن يظلم الْملك على الرّعية، وَيَضَع الْبدع فِي الرّعية، وَينْقص وظائف الأجناد وَالْعُلَمَاء والفقراء، فَحِينَئِذٍ يخرب الرّعية وَالْولَايَة، وَيكون الرّعية حِينَئِذٍ كَالْعَيْنِ بِلَا حدقة، كَمَا قَالَ ﵇: " يكون فِي آخر الزَّمَان الْأُمَرَاء كالأسد، وَالْعُلَمَاء كالنمر، والقضاة كَالْكَلْبِ، وَالْفُقَهَاء كالذئب، وَالنَّاس كالشاة " فَكيف حَال الشَّاة مَعَ هَؤُلَاءِ؟ // (الوافر) //.
(وراعي الشَّاة يحمي الذِّئْب عَنْهَا ... فَكيف إِذا الرُّعَاة لَهَا ذئاب؟)
وَقَالَ ﵇: " سَيَأْتِي على أمتِي زمَان لَا يعْرفُونَ الْعلمَاء إِلَّا بِثَوْب حسن، وَلَا يعْرفُونَ الْقُرَّاء إِلَّا بِصَوْت حسن، وَلَا يعْبدُونَ الله إِلَّا فِي شهر رَمَضَان. وَإِذا كَانَ كَذَلِك سلط الله عَلَيْهِم سُلْطَانا لَا علم لَهُ، وَلَا حلم لَهُ، وَلَا رحم لَهُ، وَلَا عقل لَهُ ".
وَقَالَ ﵇: " سَيَأْتِي على أمتِي زمَان لَا يَأْتِي الْمَسْجِد إِلَّا تَاجر قلبه فِي صندوقه، أَو زارع قلبه فِي مزرعته، فَإِذا سلم الإِمَام وثب كَمَا وثب الصَّيْد، فَإِذا كَانَ كَذَلِك ابْتَلَاهُم الله تَعَالَى بأَرْبعَة أَشْيَاء: أَولهَا سُلْطَان جَائِر، وَالْخَوْف من الْأَعْدَاء، والزلزلة، والقحط، فَإِن تَابُوا تَابَ الله عَلَيْهِم، وَإِن لم يتوبوا زَاد الله عَلَيْهِم ".
стр. 120
فَالْحَاصِل إِذا ظلم الْملك فِي الرّعية خربَتْ الْولَايَة، ويتفرق الرعايا إِلَى الْأَطْرَاف، وَيكون الْملك فِي تزلزل واضطراب، لِأَنَّهَا وَقعت النفرة والتنفير فِي قُلُوب الرّعية بِسَبَب طمع الْملك وظلمه على الرّعية، وَحِينَئِذٍ تقع الْفِتَن الْمُخْتَلفَة فِي الْولَايَة، وَلَا يدْفع ذَلِك الْفِتَن الخزائن الْعُظْمَى، أما إِذا كَانَت المملكة على قراره، وَالْملك يقْعد مَحَله بِالْعَدْلِ والإنصاف، وَيجْرِي أَحْكَام الشَّرِيعَة والسياسة على الرّعية، يكون جَمِيع مَا فِي الدُّنْيَا خَزَائِن ذَلِك الْملك، وَجَمِيع النَّاس وَالْمَلَائِكَة أجناده وأعوانه.
وَلَا يَنْبَغِي للوزير أَن يضع الْبدع على الرّعية ليتقرب بهَا عِنْد الْملك، فَإِن ذَلِك سَبَب عَدَاوَة الْملك، لِأَن بِوَضْع الْبدع ينتشر اسْم الْملك فِي الدُّنْيَا بالظلم، وَيحصل للْملك بِسَبَب الْبدع فِي الْآخِرَة عِقَاب أَلِيم، وَتَدْعُو الرّعية على الْملك بالسوء، فَيحصل حِينَئِذٍ الِاضْطِرَاب فِي المملكة، وتزول دولة الْملك، وتنتزع المملكة من يَده، لِأَن الْحُكَمَاء قَالُوا: يَنْبَغِي للْملك من الأجناد، وأجناد الْملك نَوْعَانِ: جند اللَّيْل، وجند النَّهَار.
أما جند اللَّيْل: فهم الْفُقَرَاء، وَالْمَسَاكِين، وَالْعُلَمَاء والزهاد، والعباد، وَلِهَذَا قَالُوا: دَعْوَة عَجُوز وَاحِدَة وَقت السحر للْملك يزِيد عِنْد الله أَثَره من شجاعة مائَة فَارس.
وَأما أجناد النَّهَار: فهم الَّذين يَجْتَمعُونَ عِنْد الْملك وَقت الْقِتَال.
وَقَالَ حكماء الْهِنْد: " لَا ملك إِلَّا بِالرِّجَالِ، وَلَا رجال إِلَّا بِالْمَالِ، وَلَا مَال إِلَّا بالرعية، وَلَا رعية إِلَّا بِالْعَدْلِ والسياسة " فَيكون الْعدْل أصل جَمِيع ذَلِك.
وَيَنْبَغِي للسلاطين والوزراء أَلا يهملوا السياسة، ويكونوا مَعَ السياسة عادلين، لِأَن السُّلْطَان خَليفَة الله فِي أرضه، يجب أَن تكون هيبته بِحَيْثُ إِذا رَأَتْهُ الرّعية أَو إِذا كَانُوا بَعيدا عَنهُ خَافُوا مِنْهُ، وسلطان هَذَا الزَّمَان يجب أَن يكون أوفى سياسة، وَأتم هَيْبَة، لِأَن أنَاس هَذَا الزَّمَان لَيْسُوا كالمتقدمين، فَإِن زَمَاننَا
стр. 121
هَذَا زمَان السُّفَهَاء والأشقياء، وَإِذا كَانَ السُّلْطَان - وَالْعِيَاذ بِاللَّه - بَينهم ضَعِيفا، أَو كَانَ غير ذِي سياسة وهيبة، فَلَا شكّ أَن ذَلِك يكون سَبَب خراب الْبِلَاد، وَأَن الْخلَل يعود على الدّين وَالدُّنْيَا، وَلم يكن لذَلِك السُّلْطَان فِي أعين النَّاس خطر، وَلَا يسمعُونَ كَلَامه، وَلَا يطيعون أمره، وَيكون الْخلق عَلَيْهِ ساخطين. اعْلَم أَن من أكمل شَرَائِط الوزارة أَن يسْعَى الْوَزير باستزادة الدَّعْوَات الصَّالِحَات، واستزادة الْخيرَات والصلات وَيسْعَى فِي استراحة الرّعية فِي إِجْرَاء أَحْكَام الشَّرِيعَة، وإجراء الْوُقُوف مصارفها، على الشُّرُوط الَّتِي شَرطهَا الواقفون فِي المبرات، ويوصل الصَّدقَات والصلات إِلَى الصادرين من الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء، والفقراء والسادات، والزهاد، والعباد، وَأهل التصوف، والصلحاء، وَغَيرهم ليزِيد المملكة ويستديم السلطنة ببركة دُعَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الْآخِرَة يرفع درجاته وقربته إِلَى الله تَعَالَى.
وَيَنْبَغِي للوزير أَن تكون خيراته أَزِيد من خيرات الْأَمِير، وَيكون بَابه مَفْتُوحًا لأرباب الْحَوَائِج، وَلَا يكون خلقه سَيِّئًا، وَلَا قلبه ضيقا، وَلَا يكون متكبرا على خلق الله تَعَالَى، وَتَكون معاشرته مَعَ الْخَلَائق بالرأفة، وَالرَّحْمَة، والأخلاق الْحَسَنَة، وَالْإِكْرَام، والإعزاز، بِأَن يرحم الصغار، ويوقر الْكِبَار، ويبجل الْعلمَاء، كَمَا قَالَ النَّبِي ﵇: " من لم يرحم صَغِيرنَا، وَلم يوقر كَبِيرنَا، وَلم يبجل عالمنا، فَلَيْسَ منا ".
стр. 122
وايضا يَنْبَغِي للسلاطين والوزراء، أَن يجتهدوا أَولا فِي إحْيَاء الْخيرَات والأوقاف الَّتِي أجريت فِي الزَّمَان الْمَاضِي، ثمَّ بعد ذَلِك يجتهدون فِي ابْتِدَاء وضع الْخيرَات والأوقاف لأَنْفُسِهِمْ.
كَمَا حُكيَ أَن ملكا من الْمُلُوك الْمَاضِيَة كَانَ اسْمه صَلَاح الدّين ﵀ وَكَانَ من عَادَته كلما فتح بَلْدَة ينشيء فِيهَا بِنَاء الْخيرَات، وَكَانَ لَهُ وَزِير مَعَ أَنه كَانَ قَاضِيا لَهُ صَالحا فَاضلا، فَلَمَّا فتح ذَلِك الْملك الْمصر قَالَ لوزيره: أُرِيد أَن أبني فِي الْمصر خانقاها، فَقَالَ الْوَزير للْملك: إِنِّي أُرِيد أَن يبْنى لملك الْإِسْلَام فِي الْمصر ألف بقْعَة خير.
فَقَالَ الْملك: كَيفَ يُمكن أَن يبْنى ألف بقْعَة خير؟ قَالَ الْوَزير: أدام الله - تَعَالَى - دولة الْملك، إِن فِي الْمصر ألف بقْعَة خير كُله خراب الْآن ومندرسة، فَإِن قصد ملك الْإِسْلَام أَن يَأْمر بِأَن يعمروا تِلْكَ الْبِقَاع الخربات، ويأخذوا أوقاف تِلْكَ الْبِقَاع من أيد المستأكلة، وَينصب ملك الْإِسْلَام مُتَوَلِّيًا بارعا متدينا كي يصرف الْأَوْقَاف مصارفها على الشَّرَائِط الَّتِي شَرطهَا الواقفون، يحصل ثَوَاب جَمِيع ذَلِك لملك الْإِسْلَام كثواب الْأَوْقَاف الَّتِي أَنْشَأَهَا ملك الْإِسْلَام، فَأمر ملك الْإِسْلَام صَلَاح الدّين - عَلَيْهِ الرَّحْمَة - بِأَن يعمروا رقبات الْوَقْف، ويصرفوا أوقافها على مصارفها، ثمَّ بعد ذَلِك وفْق الله - تَعَالَى - إِيَّاه أنشأ خيرات كَثِيرَة، تقبل الله مِنْهُ وشكر سَعْيه.
стр. 123
وَالْمَقْصُود من هَذِه الْحِكَايَة: أَنه يَنْبَغِي للوزير أَن يكون مشفقا على أَحْوَال الْخلق كَمَا يكون مشفقا على حَال نَفسه.
وَحكى أَن أَصْحَاب الْوَظَائِف اجْتَمعُوا فِي مَوضِع وَاحِد فِي زمن هَارُون الرشيد ﵀، وَكَتَبُوا كتابا مضمونه: نَحن عباد الله، وبعضنا أَوْلَاد الأكابر، وبعضنا حفاظا، وبعضنا من آل الرَّسُول، وبعضنا من أهل الْعلم، وبعضنا من الْمَشَايِخ، وبعضنا فُقَرَاء، وبعضنا من الْمَسَاكِين، وَلكُل وَاحِد منا نصيب من بَيت المَال، وَأَنت كل يَوْم تَأْكُل وتشرب وتلبس مَا تشْتَهي، وَنحن مَا نجد الْخبز، إِن أَنْت تُعْطِي نصيبنا فبها، وَإِلَّا فنشكو من يدك إِلَى الله تَعَالَى، وندعو الله تَعَالَى ليَأْخُذ بَيت المَال من يدك، وَيُعْطِي الرجل الَّذِي لَا يقطع وظائفنا ونصيبنا ويشفق علينا.
فَلَمَّا علم هَارُون الرشيد مَضْمُون الْقِصَّة تغير لَونه وحزن وَذهب بَيته الْخَاصَّة ثمَّ سَأَلته زَوجته الْمُسَمَّاة زبيدة عَن حَاله فَقَالَت: مَا كَانَ بك الْيَوْم؟ فَأخْبر مَضْمُون الْكتاب فَقَالَت زبيدة: انْظُر وتفكر كَيفَ فعل قبلك الْخُلَفَاء المتقدمون والأمراء والأكابر الماضون الَّذين قضوا بِالْحَقِّ، وَبِه كَانُوا يعدلُونَ، فافعل أَنْت مثلهم، وَلَا شكّ أَن بَيت المَال لمصَالح الْمُسلمين، وَأَنت تتصرف من بَيت المَال أَكثر من نصيبك وحقك مِنْهُ، فَيَنْبَغِي لَك أَن تتصرف فِي بَيت مَال الْمُسلمين، كَمَا يتَصَرَّف الْمُسلمُونَ فِي مَالك، وَإِن كَانُوا يَتَضَرَّعُونَ أَن ينْزع الله تَعَالَى الْملك من يدك، وَيُعْطِيه فِي يَد غَيْرك، فَالْحق فِي أَيْديهم، فَإِن الله تَعَالَى يُجيب دَعْوَة الْمَظْلُوم.
فَلَمَّا نَامَا تِلْكَ اللَّيْلَة رأى هَارُون الرشيد وَزَوجته فِي الْمَنَام أَن الْقِيَامَة قد قَامَت، وَأَن جَمِيع الْمَخْلُوقَات حَضَرُوا فِي مَوضِع الْحساب، وَالنَّبِيّ -[ ﷺ ]- يشفع لأمته، فَلَمَّا قصد هَارُون وَزَوجته إِلَى حَضْرَة الله تَعَالَى لِلْحسابِ، فجَاء ملك، ومنعهم من الذّهاب إِلَى عِنْد النَّبِي ﵇، فَقَالَ هَارُون للْملك: لم تَمْنَعنَا من الذّهاب إِلَى حَضْرَة الله تَعَالَى؟ فَقَالَ الْملك: قَالَ لي النَّبِي ﵇:
стр. 124
امْنَعْ هَارُون الرشيد عَن المجئ عِنْدِي، لِأَنِّي أستحي من الله - تَعَالَى - بِسَبَبِهِ، لِأَن هَارُون أكل مَال الْخَلَائق بِغَيْر حق، وَقطع أنصباء الْمُسْتَحقّين، وجعلهم محرومين عَن حُقُوقهم، وَالْحَال أَنه جلس فِي الدُّنْيَا مَكَاني.
فَلَمَّا انتبها من النّوم حزن هَارُون الرشيد، فَسَأَلت زبيدة عَن حَاله، فَأَخْبرهَا كَمَا رأى فِي الْمَنَام، فَقَالَت زبيدة: إِنِّي رَأَيْت فِي الْمَنَام كَذَلِك، ثمَّ شكر الله تَعَالَى، فَلَمَّا كَانَ الْغَد فتح هَارُون أَبْوَاب الخزائن، ونادى الْمُنَادِي فِي السُّوق، فَقَالَ: يَا أَصْحَاب الْأَوْقَاف والوظائف والأنصباء، احضروا عِنْد هَارُون الرشيد فَحَضَرُوا عِنْده بِغَيْر حِسَاب، فقسم بَيت المَال جَمِيعًا لَهُم، وَلم يبْق شَيْء من بَيت المَال، فَقَالَت زبيدة: إِن بَيت المَال حق الْخَلَائق، فَلَا شكّ أَنهم يطْلبُونَ ذَلِك مِنْك، إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَة، فَمَا أدّيت خرجت بِهِ من عُهْدَة الْبَعْض الَّذِي منعت، وَأما أَنا إِن أنفقت من مَالِي وجهازي فلوجه الله تَعَالَى، فأنفقت ألف ألف دِينَار فِي سَبِيل الله تَعَالَى، وَأمرت أَن يعمر من بَاب " الْكُوفَة " إِلَى الْكَعْبَة منَازِل وآبارا، فَفعلت الْخيرَات فِي طَرِيق الْكَعْبَة الَّتِي لم يَفْعَلهَا قبل ذَلِك أحد، وَأمر لعمالها أَن يشتروا بباقي أموالها آلَات الْغُزَاة، ثمَّ أمرت أَن يشتروا بباقيها الْقرى والضياع والكروم والبيوت، ليَكُون هَؤُلَاءِ وَقفا لمجاوري الْكَعْبَة وَالْمَدينَة والقدس.
قيل: إِن الْقَوْم كتبُوا هَذِه الْحِكَايَة ونقلوها إِلَيْنَا قرنا بعد قرن ليعْمَل بهَا، فَإِذا كَانَ وجوب الْعَمَل ثَابتا بالرؤيا فَمَا جوابك إِن قَالَ الْحَكِيم: أما كَانَ كتابي عنْدك منزلَة الرُّؤْيَا؟ .
وَأما حَال الْوَزير فِي الْخصْلَة الثَّانِيَة وَهِي الْعُلُوّ مَعَ الرّعية: فَيَنْبَغِي للوزير أَن يكون مَعَ الرّعية ذَا همة عالية، وَلَا يتَوَقَّع من الرّعية شَيْئا، وَلَا يَأْخُذ من الرّعية رشوة لأجل قَضَاء حوائجهم، ويبذل مروءته وَكَرمه على الرّعية، ويوصل صلَاته إِلَيْهِم.
стр. 125
وَأما حَال الْوَزير فِي الْخصْلَة الثَّالِثَة وَهِي الثَّبَات مَعَ الرّعية: فَيَنْبَغِي للوزير أَن يكون مَعَ الرّعية ثَابت الْقدَم فِي أَحْوَال الرّعية، يَعْنِي كلما أعْطى الْأَمِير أحدا من الأجناد أَو الرّعية شَيْئا، أَو جعل الْأَمِير أَو السُّلْطَان أحدا على شغل من أشغال الْإِمَارَة، أَو فوض أحدا منصبا، فَلَا يُغير الْوَزير ذَلِك، وَلَا يُبدل، كي لَا يَقع التهاون فِي أَمر السلاطين بل يُقرر وَيثبت مَا أَمر السُّلْطَان، وَلَا يسمع الْوَزير كَلَام صَاحب الْأَغْرَاض على الرّعية بِغَيْر بَيِّنَة، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين﴾ (الحجرات ٦) .
وَإِذا ثَبت جِنَايَة أحد، مثل الْقصاص على أحد أَو وجوب الْحَد على أحد، فَلَا يُؤَخر الْوَزير ذَلِك إِذا ثَبت عِنْد الْحَاكِم أَو عِنْد الْملك لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله﴾ (النُّور ٢) . لِأَنَّهُ إِذا أخر الْوَزير أَو القَاضِي أَو الْملك زواجر الشَّرْع عَن مُسْتَحقّه بالشفاعة أَو بالرشوة يفشو الظُّلم وَالْفساد فِي الرّعية، وَيطول أَيدي الظلمَة فِي الرّعية بِالْفَسَادِ، وَأخذ الْأَمْوَال، وَيفتح أَبْوَاب الْفسق.
وَيَنْبَغِي للسلاطين والوزراء أَن يفوضوا كل أَمر إِلَى مُسْتَحقّه، لِأَنَّهُ إِذا لم يُعْط الْأَمر إِلَى مُسْتَحقّه يفْسد الدّين وَالدُّنْيَا، وَيخرب الْولَايَة ويتفرق الرعايا.
وَأما حَال الْوَزير فِي الْخصْلَة الرَّابِعَة وَهِي التَّحَمُّل مَعَ الرّعية: فَيَنْبَغِي للوزير أَن يكون فِي التَّحَمُّل كعمود الْخَيْمَة، يَعْنِي يتَحَمَّل الْوَزير جَمِيع زحمات الرّعية والمملكة بالهمة والشفقة وَالرَّحْمَة على الرّعية، وَإِن صدر عَن الرّعية ذَنْب صَغِير بالسهو أَو الْخَطَأ يعْفُو الْوَزير ذَلِك عَنْهُم، وَلَا يكون ملولا فِي وَقت عرضهمْ أَحْوَالهم عِنْده، ويعرك أذن الْفُسَّاق والظلمة، ويؤدبهم، ليَكُون نصيحة على غَيرهم، وَيكون فِي قلبه أَنه يفعل جَمِيع الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة لأجل رِضَاء الله تَعَالَى، لَا لأجل رِضَاء الْأَمِير، وَلَا لأجل رِضَاء نَفسه، وَلَا لأجل رِضَاء غَيرهمَا.
стр. 126
اعْلَم أَنه كَمَا يجب على الْوَزير الْأُمُور الْمَذْكُورَة، يجب على الْقُضَاة والنواب وَأَصْحَاب الْقَلَم والعمال أَن يراعوا فِي أُمُورهم الدّيانَة، وَالْأَمَانَة، وجانب الْحق، ويجتهدوا فِي إِجْرَاء أَحْكَام الشَّرِيعَة، وَتَخْفِيف الرعايا من المؤنات والأمور الشاقة، ليستوجبوا بذلك المثوبة والقربة عِنْد الله تَعَالَى، فَإِن الله تَعَالَى يسألهم عَن جَمِيع ذَلِك.
وايضا يَنْبَغِي لَهُم أَن يشتغلوا فِي اللَّيْل وَالنَّهَار بِذكر لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالتَّسْبِيح وَالِاسْتِغْفَار، وَقِرَاءَة الْقُرْآن، وَفِي الصُّبْح بِقِرَاءَة قل هُوَ الله أحد عشر مَرَّات، وبقراءة سُورَة يس، وَسورَة الْوَاقِعَة، وَسورَة ﴿تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك﴾ ، وَسورَة ﴿لَا أقسم بِيَوْم الْقِيَامَة﴾ ، وَلَا يتْركُوا صَلَاة التَّهَجُّد - وَهِي الصَّلَاة فِي جَوف اللَّيْل - وَإِن كَانَت رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَاة الضُّحَى وَإِن كَانَت رَكْعَتَيْنِ، وَيَنْبَغِي لَهُم أَن يعملوا بِمُوجب هَذَا الحَدِيث كل يَوْم وَلَيْلَة، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله -[ ﷺ ]- أَنه قَالَ: " من قَرَأَ حِين يصبح آيَة الْكُرْسِيّ، وآيتين من أول ﴿حم تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ (غَافِر: ٢) ، حفظ فِي يَوْمه ذَلِك حَتَّى يُمْسِي، فَإِن قَرَأَهَا حِين يُمْسِي حفظ فِي ليلته تِلْكَ حَتَّى يصبح ".
стр. 127
وَعَن عَليّ بن أبي طَالب - كرم الله وَجهه - أَنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " إِن فَاتِحَة الْكتاب، وَآيَة الْكُرْسِيّ، وآيتين من آل عمرَان: " شهد الله إِلَى قَوْله: ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ (آل عمرَان: ١٩) و ﴿قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك﴾ (آل عمرَان: ٢٦) ، معلقات، مَا بَينهُنَّ وَبَين الله حجاب، قُلْنَ: يَا رب تهبطنا إِلَى أَرْضك، وَإِلَى من يعصيك، قَالَ الله : بِي حَلَفت لَا يقرؤكن أحد من عبَادي دبر كل صَلَاة، إِلَّا جعلت الْجنَّة مثواه على مَا كَانَ مِنْهُ، وأسكنته حضيرة الْقُدس، وَنظرت بِعَين الْمكنون كل يَوْم سبعين مرّة، ولقضيت كل يَوْم سبعين حَاجَة أدناها الْمَغْفِرَة، ولأعذته من كل عَدو وحاسد، ونصرته مِنْهُم ". وَالله الْمُوفق
стр. 128
الْبَاب السَّادِس
فِي قَوَاعِد الأجناد، وآدابها
اعْلَم أَنه لَا يخفى فِي الْعَالم أَن خدمَة السلاطين والأمراء والملوك أَمر عَظِيم، وكل من يَجْعَل نَفسه فِي خدمَة الْملك، فَإِنَّهُ فِي معرض الْخطر وَالْخَطَأ، وَمن أجل ذَلِك قَالَ النَّبِي ﵇: " من اقْترب أَبْوَاب السُّلْطَان افْتتن ".
وَتقول الْعَرَب: من شرب من كأس الْمُلُوك احترقت شفتاه.
فَفِي الْجُمْلَة إِن قدر الله - تَعَالَى - لرجل خدمَة الْمُلُوك، والتقرب عِنْدهم يَنْبَغِي لَهُ أَلا يخَاف الْملك فِي كل الْأَحْوَال، لِأَن النَّبِي _ ﵇ قَالَ: " إِن الله ليغضب على من خَالف السُّلْطَان ".
وَقَالَ الْحُكَمَاء: من خدم السُّلْطَان خدمه الإخوان، إِذا تغير السُّلْطَان تغير الزَّمَان.
стр. 129
وَاعْلَم أَنما يَلِيق الرجل لخدمة السُّلْطَان إِذا حَافظ عشر قَوَاعِد، فَحِينَئِذٍ يَأْمَن من غضب الْمُلُوك، وَيبعد عَن شرورهم، وَيكون ذَا عزة عِنْد الْمُلُوك:
الْقَاعِدَة الأولى: يَنْبَغِي لأجناد الْملك وخدامه أَلا ينكروا على أَفعَال الْملك وأقواله، وَإِن كَانَت تِلْكَ الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال مُنكرَة فِي الشَّرْع، بل الأجناد يمْنَعُونَ الْملك عَن مُنكرَات الشَّرْع بالتأني والتدريج.
الْقَاعِدَة الثَّانِيَة: هِيَ أَن يشْتَغل الأجناد والخدام جَمِيع أوقاتهم باستمالة قلب الْملك، وكل شَيْء يعْمل الأجناد والخدام، يَنْبَغِي أَن يكون على وَجه الْعُبُودِيَّة والخضوع.
الْقَاعِدَة الثَّالِثَة: هِيَ أَلا يُعَارض الْخَادِم للْملك بِالْحجَّةِ، وَلَا يُخَالف أَمر الْملك.
الْقَاعِدَة الرَّابِعَة: هِيَ أَلا يغتر الأجناد والخدام ببساطة وَجه الْملك واستمالته، وَلَا يَأْمَن من مكر الْملك، بل يعلم محبته من عطائه، فَإِن كَانَ عطاؤه كثيرا يعلم أَن محبته مَعَه كثير، وَإِن كَانَ عطاؤه قَلِيلا يعلم أَن محبته مَعَه قَلِيل، وَقَالَ الْحُكَمَاء:
ثَلَاثَة أَشْيَاء على مِقْدَار عقول أَرْبَابهَا: الْكتاب يدل على مِقْدَار عقل كَاتبه، وَالرَّسُول يدل على مِقْدَار عقل مرسله، والهدية تدل على مِقْدَار همة مهديها.
الْقَاعِدَة الْخَامِسَة: هِيَ أَن يحفظ الْخَادِم لِسَانه عَن الْخُصُومَة فِي حَضْرَة الْملك مَعَ رجل آخر، وَلَا يغْضب رجلا عِنْد الْملك، لِأَنَّهُ إِذا أغضب الْخَادِم رجلا عِنْد الْملك، فَكَأَنَّهُ يغْضب الْملك.
الْقَاعِدَة السَّادِسَة: إِذا كَانَت الأجناد أَو الخدام فِي خضرَة الْملك يتَوَجَّه بِعَيْنِه وإذنه إِلَى أَمر الْملك، ويمتثل بإشارته وَأمره.
الْقَاعِدَة السَّابِعَة: هِيَ أَن الْخَادِم إِذا خَاطب الْملك يَنْبَغِي للخادم أَن يكون لين الْكَلَام، وَيكون كَلَامه أَخفض من كَلَام الْملك، وَلَا يتحاج من الْملك.
стр. 130
الْقَاعِدَة الثَّامِنَة: هِيَ أَلا يكثر الْخَادِم طلب الْحَوَائِج من الْملك كي لَا ينقص حرمته عِنْد الْملك، وَإِن عرض الْخَادِم حَاجَة للْملك، فَلم يقْض الْملك حَاجته، فَيَنْبَغِي للخادم أَلا يغتم بذلك، وَلَا يغْضب الْخَادِم الْملك لذَلِك السَّبَب، وَلَا يبعد عَن خدمَة الْملك لأجل عدم قَضَائِهِ الْحَاجة، لِئَلَّا يكون هَلَاك الْخَادِم فِي ذَلِك الْغَضَب والبعد.
الْقَاعِدَة التَّاسِعَة: هِيَ أَن يعْتَاد الْخَادِم فِي خدمَة الْملك أَن يكون على أطيب خلق وطلاقة وَجه، ويحترز عَن الْحزن وعبوس الْوَجْه عِنْد الْملك.
الْقَاعِدَة الْعَاشِرَة: أَلا يعْقد الْخَادِم مَعَ خدام الْملك الْعَدَاوَة، وَإِن كَانَ بَينه وَبَين خَادِم آخر عَدَاوَة، فَلَا يظْهر تِلْكَ الْعَدَاوَة عِنْد الْملك، وَإِن شكا الْخَادِم من خَادِم آخر إِلَى الْملك، فَيَنْبَغِي للخادم أَن يعرض الشكاية للْملك على طَرِيق النَّصِيحَة والتعريض، ليَقَع كَلَامه مَحل الْقبُول عِنْد الْملك.
فَفِي الْجُمْلَة يَنْبَغِي للأجناد والخدام أَن يكون شعارهم ودثارهم عِنْد الْملك الصَّبْر والرفق والمداراة وَالْأَدب، لِأَن الْأَدَب مُفِيد فِي جَمِيع الْمَوَاضِع، أما فِي مجْلِس الْملك أعظم فَائِدَة.
قَالَ أفلاطون: يَنْبَغِي للعاقل أَلا يكلم الْملك بالمجاهرة وَالْغَضَب، وَلَا يجاري على الْملك فِي الْكَلَام، وَلَا يغتر باستمالة الْمُلُوك، وَلَا بالتقرب عِنْدهم، لِأَن فِي التَّقَرُّب عِنْدهم حُصُول خطر الْبعد عَن الْملك، وَفِي الْقبُول عِنْدهم يحصل الخذلان والهوان.
وَقَالَ سقراط: إِذا عَفا الْملك عَن جرم رجل يَنْبَغِي أَن يعرف الرجل حق ذَلِك الْعَفو، وَلَا يَنْبَغِي للرجل أَن يفعل مرّة أُخْرَى ذَلِك الجرم.
وَقَالَ أفلاطون الْحَكِيم: " لَا يُمكن خدمَة الْملك إِلَّا بِثَلَاثَة أَشْيَاء: أَن يغمض عينه عَن مساوئ الْملك، وَيقصر يَده عَن أَخذ مَال الْملك بِغَيْر أمره، ويحفظ لِسَانه عَن غيبَة الْملك ".
وَقَالَ حكماء اليونان: ثَلَاثَة أَشْيَاء من عَلَامَات عدم السَّعَادَة: الأول: أَلا يرى عَيبه. وَالثَّانِي: أَن يطْلب عيب غَيره، وَالثَّالِث: الْكَذِب فِي القَوْل.
стр. 131
وَقَالَ أنو شرْوَان الْعَادِل: لَا يبلغ الرجل مُرَاده فِي خدمَة الْمُلُوك، فَإِذا لم يبلغ مُرَاده، فَيَنْبَغِي أَلا يمْنَع إحسانه من أصدقائه.
وَيَنْبَغِي للوزير وَالْخَادِم أَلا يرجع السَّائِلين من بَابه محرومين، فَإِنَّهُ من أعظم الْعُيُوب عِنْد الْعُقَلَاء.
عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ لِابْنِهِ مُحَمَّد: " إياك وَالسُّؤَال، فَإِنَّهُ يخلق الْوَجْه وَيذْهب بهاءه، ويطفئ نوره، وَيَضَع الأقدار، ويحط الأخطار، ويكسو الذلة وَالصغَار ".
وَقَالَ الْحسن بن عَليّ ﵁: " من رجا نوالا فقد بَاعَ حَيَاته بِالْمَوْتِ، واستبدل بالعز الذل ".
وَقَالَ الْمُهلب لِبَنِيهِ: " إيَّاكُمْ ورد السَّائِلين، فَإِنِّي مَا رَأَيْت شَيْئا أذلّ من السُّؤَال، فَلَا تجمعُوا عَلَيْهِ ذلين، ذل السُّؤَال، وذل الرَّد ".
وَقَالَ حَكِيم: مَا أحب أَن أرد ذَا حَاجَة، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون كَرِيمًا فأصون وَجهه، أَو لئيما فأصون عرضي عَنهُ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَعْرَابِيًا يُوصي إِلَى وَلَده وَيَقُول: " إِن افْتَقَرت فمت
стр. 132
قبل أَن تسْأَل، وَإِن اسْتَغْنَيْت فأعط قبل أَن تسئل، وَإِيَّاك ورد الطَّالِب، فَإِنَّهُ قد بَاعَ نَفسه ".
وَقَالَ بزرجمهر: " يَنْبَغِي للرجل أَن يعِيش مَعَ الْملك كَمَا يعِيش العَبْد مَعَ سَيّده، لِأَن الْملك لَا يخرج عَن كَونه ظلّ الله، والرعية لَا تخرج عَن ذل الْعُبُودِيَّة ".
وَقَالَ الْحُكَمَاء:
فَسَاد الرّعية بِلَا ملك كفساد الْجِسْم بِلَا روح.
إِذا تغير السُّلْطَان، تغير الزَّمَان.
شعر: // (الوافر) //
(إِذا مَا اللَّحْم أنتن ملحوه ... ونتن الْملح لَيْسَ لَهُ دَوَاء)
وَقَالَ الْحُكَمَاء: " احْذَرُوا من لَا يُرْجَى خَيره، وَلَا يُؤمن شَره ".
قيل لحكيم: " لم لَا تشرب الشَّرَاب؟ قَالَ: أكره أَن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم ".
وَيَنْبَغِي للأجناد والخدام أَن يَكُونُوا أَصْبِر الْخَلَائق على أَذَى الْملك، لِأَن الْعُقَلَاء قَالُوا: إِن فِي الصَّبْر خمس فَوَائِد، كل ذَلِك مستحسن ومطلوب، وَفِي العجلة خَمْسَة أَشْيَاء، كل ذَلِك مَذْمُوم:
الأول: فِي الصَّبْر رَجَاء الْفرج، كَمَا قَالَ النَّبِي ﵇: " الصَّبْر مِفْتَاح الْفرج ". فَعلم من هَذَا الحَدِيث أَن فِي العجلة لَا يُرْجَى الْفرج.
стр. 133
وَالثَّانِي: أَن فِي الصَّبْر رَجَاء الصَّوَاب، وَفِي العجلة رَجَاء الْخَطَأ، كَمَا قَالَ النَّبِي ﵇: " من تأنى أصَاب أَو كَاد وَمن تعجل أَخطَأ أَو كَاد ".
وَالثَّالِث: أَن فِي الصَّبْر رَجَاء النُّصْرَة، كَمَا قَالَ ﵇: " إِن النَّصْر مَعَ الصَّبْر " فَيعلم مِنْهُ أَن فِي العجلة عدم النَّصْر، وَهُوَ الْهَزِيمَة.
وَالرَّابِع: أَن فِي الصَّبْر رَجَاء الْحَسَنَة، لِأَنَّهُ ذكر فِي التَّوْرَاة: " لَا حَسَنَة أَعلَى من الصَّبْر " فَعلم من ذَلِك أَن فِي العجلة السَّيئَة.
وَالْخَامِس: أَن فِي الصَّبْر الِاقْتِدَاء بالرسل ﵈ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فاصبر كَمَا صَبر أولو الْعَزْم من الرُّسُل، وَلَا تستعجل لَهُم﴾ ﴿الْأَحْقَاف ٣٥﴾ .
فَعلم من هَذِه الْآيَة أَن الصَّبْر من المأمورات، والعجلة من قبيل المنهيات، لِأَنَّهَا ضد الصَّبْر.
قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه: " كل رجل يبعد عَن أَرْبَعَة أَشْيَاء، فَإِن ذَلِك الرجل يكون بَعيدا عَن السيء وَالْمَكْرُوه: الأول: العجلة. وَالثَّانِي: الْغَضَب. وَالثَّالِث: الْعجب. وَالرَّابِع: التكاسل ".
وَقَالَ النَّبِي ﵇: " التَّعْجِيل لَا يُبَاح فِي الْمَأْمُور إِلَّا فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء: الأول: فِي تَزْوِيج الْبِنْت، وَالثَّانِي: فِي دفن الْمَيِّت، وَالثَّالِث: فِي إِحْضَار الطَّعَام إِلَى الضَّيْف ".
стр. 134
فصل فِي الموعظة (والنصيحة)
كتب أَبُو الدَّرْدَاء إِلَى مسلمة بن مخلد: " سَلام عَلَيْك، أما بعد:
فَإِن العَبْد إِذا عمل بِطَاعَة الله تَعَالَى، أحبه الله تَعَالَى، وَإِذا أحبه الله تَعَالَى حببه إِلَى عباده، وَإِن العَبْد إِذا عمل بِمَعْصِيَة الله، أبغضه الله، وَإِذا أبغضه بغضه إِلَى عباده ". وَكَانَ رَسُول الله -[ ﷺ ]- يَقُول: " يَا أَبَا ذَر، أوصيك بِوَصِيَّة إِن لزمتها قرت عَيْنك، انْظُر إِلَى من هُوَ دُونك، وَلَا تنظر إِلَى من هُوَ فَوْقك، فَإنَّك إِذا فعلت ذَلِك خشع قَلْبك، وَإِن لم تفعل شمخ قَلْبك، فشمخ مَعَه السّمع وَالْبَصَر ".
شعر: // (الْبَسِيط) //
(من رام عَيْشًا رغيدا يَسْتَفِيد بِهِ ... فِي دينه ثمَّ فِي دُنْيَاهُ إقبالا)
(فلينظرن إِلَى من فَوْقه عملا ... ولينظرن إِلَى من دونه مَالا)
وَقَالَ لُقْمَان الْحَكِيم ﵇ لِابْنِهِ: " لَا تجمع المَال لولدك، فَإِن كَانَ الْوَلَد من الْأَبْرَار، فَإِن الله لَا يضيع الْأَبْرَار، وَإِن كَانَ من الْفجار فَلَا تجمع المَال للفجار ".
стр. 135
شعر: // (الوافر) //
(جرى قلم الْقَضَاء بِمَا يكون ... فسيان التحرك والسكون)
(جُنُون مِنْك أَن تسْعَى لرزق ... فيرزق فِي غشاوته الْجَنِين)
وَقَالَ بعض النصاح: " أما ينفعك موعظة مُشَاهدَة جَنَازَة والدك، وحضورك وَفَاة أَخِيك، وَأَنت بَينهمَا عَارِية ".
وَسَأَلَ مُوسَى ﵇ ربه أَن يَجْعَل فِي كل ألف من بني إِسْرَائِيل واعظا يَعِظهُمْ، فَأوحى الله إِلَيْهِ: " أَن يَا مُوسَى أَنِّي قد أَقمت بَين كل خَمْسَة مِنْهُم واعظا يَعِظهُمْ " يَعْنِي الْأَرْبَعَة الْبَاقِيَة - فَقَالَ مُوسَى ﵇: من ذَلِك الْوَاعِظ يَا رب؟ فَقَالَ: الْمَيِّت على السرير يعظ حامليه الْأَرْبَعَة.
حِكَايَة: يحْكى أَن رجلا كَانَ لَهُ ابْن صَغِير يكون مَعَه فِي الْفراش، فليلة اضْطربَ الابْن وَلم ينم، فَقَالَ لَهُ أَبوهُ: مَا لَك يَا بني؟ أبك وجع؟ قَالَ: لَا يَا أَبَت، وَلَكِن غَدا يَوْم الْخَمِيس، يَوْم يعرض المتعلم على الْمعلم فَأَخَاف من ذَلِك، فَقَامَ الرجل إِلَى صحن الدَّار، وَوضع التُّرَاب على رَأسه وَقَالَ: أَنا أَحَق بِهَذَا الْبكاء، لِأَنِّي أعرض يَوْم الْقِيَامَة على رَبِّي.
قَالَ رجل لحاتم الْأَصَم إِنِّي أُرِيد سفرا فأوصني، فَقَالَ: إِن أردْت الأنيس فَعَلَيْك بِالْقُرْآنِ، وَإِن أردْت الرفيق فالملائكة الْكِرَام، وَإِن أردْت الحبيب فَالله تَعَالَى فَرح قُلُوب أحبابه.
وَعَن الْأَنْطَاكِي ﵀ قَالَ: " خمس من دَوَاء الْقلب: مجالسة الصَّالِحين، وَقِرَاءَة الْقُرْآن، وخلاء الْبَطن، وَقيام اللَّيْل، والتضرع عِنْد الصِّحَّة ".
стр. 136
وَقَالَ رجل لذِي النُّون الْمصْرِيّ: أوصني، فَقَالَ: " إِن أردْت أَن تذْهب قساوة قَلْبك فأدم الصّيام، وَإِن وجدت قساوة، فأطل الْقيام، وَإِن وجدت قساوة فذر الْحَرَام، وَإِن وجدت قساوة فصل الْأَرْحَام، فَإِن وجدت قساوة فالطف بالأيتام ".
اعْلَم أَن الْقلب عبارَة عَن قِطْعَة من دم جامدة سَوْدَاء، وَهُوَ مستكن فِي الْفُؤَاد، وَهُوَ بَيت النَّفس ومسكن الْعقل، وقساوة الْقلب عبارَة عَن عدم قبُول ذكر الله تَعَالَى، وَالْخَوْف، والرجاء، وَغير ذَلِك من الْخِصَال الحميدة، وَعدم هَذِه الْخِصَال لبعد النَّاس من الله تَعَالَى.
وَقَالَ رجل لحامل اللفاف: عظني، فَقَالَ: اجْعَل لدينك غلافا كغلاف الْمُصحف، لِئَلَّا يدنسه الْآفَات، فَقَالَ الرجل: مَا غلاف ذَلِك؟ قَالَ: ترك طلب الدُّنْيَا إِلَّا مَا لَا بُد مِنْهُ، وَترك مُخَالطَة النَّاس إِلَّا مَا لَا بُد مِنْهُ.
حِكَايَة: كَانَ لعمر بن الْخطاب ﵁ صحيفَة يكْتب جَمِيع مَا كَانَ يفعل فِي أُسْبُوع من الْخَيْر وَالشَّر، فَإِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة يعرض أَعمال الْأُسْبُوع على نَفسه، فَلَمَّا بلغ شَيْئا لم يكن فِيهِ رِضَاء الله - تَعَالَى - جعل يضْرب الدرة على نَفسه، وَيَقُول: لم فعلت هَذَا؟ فَلَمَّا مَاتَ وَأَرَادُوا إِخْرَاج ثِيَابه، فَإِذا ظَهره وجنبه مسودة من كثر الضَّرْب.
أوحى الله - تَعَالَى - إِلَى دَاوُد ﵇: يَا دَاوُد، هَل تَدْرِي من أَغفر لَهُ ذنُوبه؟ قَالَ: من هُوَ يَا رب؟ قَالَ: الَّذِي إِذا ذكر ذنُوبه ارتعدت فرائصه، فَذَلِك العَبْد الَّذِي آمُر ملائكتي أَن تمحو عَنهُ ذنُوبه.
стр. 137
وَقَالَ دَاوُد: أَيْن أجدك إلهي إِذا طلبتك؟ قَالَ: عِنْد المنكسرة قُلُوبهم من مخافتي.
وَقَالَ أبوعلي الرُّوذَبَارِي ﵀: إِن الله - تَعَالَى - وضع لِعِبَادِهِ ثَلَاث شبكات: شبكة الْعَفو للمذنبين، وَطرح حواليها حبوب التَّوْبَة، فَإِذا تَابَ العَبْد وَنَدم جرته شبكة الْعَفو إِلَى مغفرته ورضوانه، وَوضع شبكة الْبشَارَة لِلنَّبِيِّينَ، وَطرح حواليها حبوب الطَّاعَة، فَإِذا أطَاع العَبْد ربه، جرته شبكة الْبشَارَة إِلَى التَّوْفِيق والاعتصام والانقطاع عَمَّا سواهُ، وَوضع شبكة بره للعارفين، وَطرح حواليها حبوب الْمحبَّة، فَإِذا طلب الْمُحب مرضاة حَبِيبه، جرته شبكة بره إِلَى أياديه الْقَدِيمَة، وَإِلَى بره الأزلي.
ويروى أَن رجلا أَتَى النَّبِي -[ ﷺ ]- فَقَالَ: يَا رَسُول الله، قد بَارك الله لهَذِهِ الْأمة، فخصني بخصلة خير فَقَالَ: " عَلَيْك بِالصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَة، فَإِن فِيهَا النجَاة، وَإِن علمت أَن فِيهَا الهلكة، وَعَلَيْك بِطَلَب الْعلم، فَإِنَّهُ شرف لَك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَإِذا أردْت أمرا فَتدبر عاقبته، فَإِن كَانَ رشدا فأمضه، وَإِن كَانَ غيا فَأمْسك نَفسك عَنهُ ".
قيل لوَاحِد من الْحُكَمَاء: لماذا لَا تتعلم الْفِقْه وَالْعلم؟ فَقَالَ: تعلمت ثَلَاث مسَائِل من كتب الْفِقْه: من كتاب النِّكَاح: أَن الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ حرَام بِالنَّصِّ، فَقلت: الدُّنْيَا أُخْت الْآخِرَة فَلَا أجمع بَينهمَا.
стр. 138
وَمن كتاب الطَّلَاق: أَن مُطلقَة النَّبِي ﵇ لَا يجوز نِكَاحهَا بِالنَّصِّ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنْكِحُوا أَزوَاجه من بعده أبدا﴾ ﴿الْأَحْزَاب ٥٣﴾ ، فَقلت: الدُّنْيَا مُطلقَة النَّبِي ﵇ فَلَا يجوز أَن أَتَزَوَّجهَا. وَمن كتاب الْبيُوع: " الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ مثلا بِمثل يدا بيد، وَالْفضل رَبًّا، فَقلت: الصَّاع من الْعُمر بِصَاع من الرزق، وَالْفضل رَبًّا حرَام ". قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه: " الفتوة أَرْبَعَة: الْعَفو عِنْد الْمقدرَة والتواضع عِنْد الرّفْعَة، والنصيحة عِنْد الْعَدَاوَة، والعطية بِغَيْر منَّة ".
قَالَ الْأَصْمَعِي: لما حج أَمِير الْمُؤمنِينَ هَارُون الرشيد ﵀ وَانْصَرف إِلَى " الْكُوفَة " بقى بهَا أَيَّامًا، فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَاف، وبدت هوادجه تخرج، خرج النَّاس ينظرُونَ إِلَى بهجة الْخلَافَة، وَبَين يَدَيْهِ الطَّرْد وَالدَّفْع وَالْمَنْع، فَإِذا بهْلُول الْمَجْنُون، وَالصبيان حوله فَقَالَ: من هَذَا الَّذِي يجرء علينا طريقنا هَذِه؟ فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن الْأَحْنَف: هَذَا بهْلُول المشوش يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَخرج إِلَيْهِ هَارُون، فَأخذ بعنان فرسه، وَأَقْبل عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَاجَتك يَا بهْلُول؟ فَقَالَ: النَّصِيحَة لوجه الله، والتذكير لطاعة الله - تَعَالَى - فَقَالَ: بلَى.
قَالَ: يَا هَارُون، حَدثنِي أبي عَن جدي عَن أَحْمد بن وَائِل عَن سمي مولى أبي بكر عَن أبي صَالح السمان، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁، عَن
стр. 139
النَّبِي ﵇: أَنه خرج من مَكَّة يُرِيد الْمَدِينَة على هَذِه المحجة الَّتِي أَنْت عَلَيْهَا، وَهُوَ على بغلته الدلْدل، وَلَيْسَ بَين يَدَيْهِ طرد وَلَا دفع وَلَا منع، وَهُوَ يَقُول: " يَا أَيهَا النَّاس رحمكم الله، ليلطف بَعْضكُم على بعض فَإِن الله لطيف بالعباد ".
قَالَ هَارُون: زِدْنِي يَا بهْلُول، قَالَ: نعم يَا هَارُون، حَدثنِي أَحْمد بن وَائِل، عَن معبد العامري، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله -[ ﷺ ]- يَقُول، وَهُوَ بِعَرَفَات وَبِيَدِهِ قضيبه الممشوق: " من رزقه الله جمالا فِي الدُّنْيَا ومالا، فأتعب جماله فِي طَاعَة الله تَعَالَى، وبذل مَاله فِي مرضاة الله، كَانَ حَقِيقا على الله أَن يسكنهُ فِي ديوَان الْأَبْرَار يَوْم الْقِيَامَة ". قَالَ لَهُ هَارُون: أتأخذ مني جَائِزَة يَا بهْلُول؟ قَالَ: وَالله مَا أرضاها لَك، فَكيف لنَفْسي؟ اصرفها على الَّذِي أَخَذتهَا مِنْهُ، فَهُوَ أَحَق بهَا، قَالَ: فأجري عَلَيْك عطائي من مَالِي يَا بهْلُول، قَالَ: يَا هَارُون، أَلَيْسَ رِزْقِي ورزقك على الله؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: يَا هَارُون فتظن أَنه يذكرك وينساني؟ ثمَّ ركب القصبة وَجعل يكر على الصّبيان ".
حِكَايَة: قيل: لما حج هَارُون الرشيد مَاشِيا فرش لَهُ من الْعرَاق إِلَى الْحجاز اللبود والمرعزي، لِأَنَّهُ قد حلف أَن يحجّ مَاشِيا فاستند يَوْمًا إِلَى ميل من الْحجر - وَقد تَعب تعبا شَدِيدا - فَإِذا سعدون الْمَجْنُون قد غَار مِنْهُ فَأَنْشد شعرًا: // (الهزج) //:
(هَب الدُّنْيَا تواتيك ... أَلَيْسَ الْمَوْت يَأْتِيك؟)
(فَمَا تصنع بالدنيا؟ ... وظل الْميل يَكْفِيك؟)
(أَلا يَا طَالب الدُّنْيَا ... دع الدُّنْيَا لشانيك)
(كَمَا أضْحكك الدَّهْر ... كَذَاك الدَّهْر يبكيك)
فشهق الرشيد، وخر مغشيا عَلَيْهِ، وَقد فَاتَهُ ثَلَاث صلوَات.
قيل: أوحى الله - تَعَالَى - إِلَى دَاوُد ﵇: " انصب كرسيا للقمان، واسمع مِنْهُ الْحِكْمَة، فَفعل ذَلِك، قَالَ: يَا دَاوُد، اسْمَع مني سِتّ كَلِمَات يدْخل فِيهَا علم الْأَوَّلين والاخرين: ليكن همك على الدُّنْيَا بِمِقْدَار مقامك فِيهَا،
стр. 140
وَليكن عَمَلك للآخرة بِقدر لبثك فِيهَا، ولتكن جرأتك على الْمعاصِي بِقدر صبرك على النَّار، وَليكن خدمتك لمولاك بِقدر حَاجَتك إِلَيْهِ، وَليكن انفكاك رقبتك على النَّار بِقدر طَاعَتك وَإِذا اردت أَن تَعْصِي مَوْلَاك، فاختر موضعا لَا يراك.
لما حَان للخضر ومُوسَى ﵉ أَن يَتَفَرَّقَا، قَالَ: يَا مُوسَى، لَو صبرت عَليّ لأتيت على ألف عَجِيبَة كل أعجب مِمَّا رَأَيْت، فَبكى مُوسَى ﵇ على فِرَاقه، وَقَالَ للخضر: أوصني يَا نَبِي الله، فَقَالَ: يَا مُوسَى، اجْعَل همك فِي معادك، وَلَا تخض فِيمَا لَا يَعْنِيك، وَلَا تأمن الْخَوْف فِي أمنك، وَلَا تيأس من الْأَمْن فِي خوفك، وَلَا تذر الْإِحْسَان فِي قدرتك. قَالَ لَهُ مُوسَى ﵇: زِدْنِي - رَحِمك الله - فَقَالَ لَهُ الْخضر: إياك والإعجاب بِنَفْسِك، والتفريط فِيمَا بقى من عمرك، وهم من لَا يغْفل عَنْك. قَالَ لَهُ مُوسَى ﵇: زِدْنِي رَحِمك الله، فَقَالَ لَهُ الْخضر: إياك واللجاج، وَلَا تمش فِي غير حَاجَة، وَلَا تضحك من غير عجب، وابك على خطيئتك يَا ابْن عمرَان. فَقَالَ مُوسَى ﵇: قد بلغت فِي الْوَصِيَّة، فَأَتمَّ الله - تَعَالَى - عَلَيْك نعْمَته، وغمرك فِي رَحمته وكلأك من عدوه. فَقَالَ لَهُ الْخضر: آمين، فأوصني أَنْت يَا مُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى ﵇: إياك وَالْغَضَب إِلَّا فِي أَمر الله تَعَالَى. فَقَالَ لَهُ الْخضر: قد أبلغت فِي الْوَصِيَّة، فأعانك الله على طَاعَته، وحببك إِلَى خلقه، ووسع عَلَيْك من فَضله، فَقَالَ لَهُ مُوسَى ﵇: آمين. ثمَّ قَالَ لَهُ مُوسَى: يَا نَبِي الله من أجل أَي شَيْء أَعْطَاك الله الْحَيَاة من بَين الْعباد، فَلَا تَمُوت حَتَّى تسْأَل الله تَعَالَى ذَلِك، واطلعت على مَا فِي قُلُوب الْعباد؟ فَقَالَ لَهُ: يَا مُوسَى على الصَّبْر على مَعْصِيّة الله تَعَالَى وَالشُّكْر لله فِي نعْمَته، وسلامة الْقلب، لَا أَخَاف وَلَا أَرْجُو غير الله تَعَالَى يَا ابْن عمرَان. وَالله أعلم.
قَالَ النَّبِي ﵇: " ناجى مُوسَى ﵇ ربه فَقَالَ: يَا رب إِنِّي خفت من الْفقر، وَمن عَذَاب الْقَبْر، وَمن سَكَرَات الْمَوْت وَمن أهوال الْقِيَامَة، قَالَ الله تَعَالَى: يَا مُوسَى، إِن خفت من الْفقر فَعَلَيْك بِصَلَاة الضُّحَى، وَإِن خفت من عَذَاب الْقَبْر، فَعَلَيْك بِرَكْعَتَيْنِ بَين الْمغرب وَالْعشَاء، وَإِن خفت من سَكَرَات الْمَوْت فَعَلَيْك بِقِيَام اللَّيْل، وَإِن خفت من أهوال الْقِيَامَة، فَعَلَيْك بإطعام الْمَسَاكِين ". وَالله الْمُوفق
стр. 141
الْبَاب السَّابِع
فِي الْمسَائِل الشَّرْعِيَّة الْمُتَعَلّقَة بالقضاة والسلاطين والأمراء
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾ (المجادلة ١١) ، وَقَالَ لنَبيه ﵇: ﴿وَقل رب زِدْنِي علما﴾ (١١٤ طه) .
وَقَالَ النَّبِي ﵇: " إِذا مَاتَ الْمُؤمن، وَترك ورقة عَلَيْهَا علم، تكون الورقة سترا فِيمَا بَينه وَبَين النَّار، وَأَعْطَاهُ الله بِكُل حرف عَلَيْهَا مَدِينَة أوسع من الدُّنْيَا تسع مَرَّات ".
وَقَالَ النَّبِي ﵇: " من درس مَسْأَلَة من الْعلم - مثلا رجل مَاتَ وَترك ابْنا فَالْمَال كُله لَهُ - أعطَاهُ الله - تَعَالَى - ثَوَاب أَرْبَعِينَ ألف سنة ".
وروى: " أَن الله - تَعَالَى - خير سُلَيْمَان ﵇ بَين الْعلم وَالْملك، فَاخْتَارَ الْعلم، فَأعْطَاهُ الله تَعَالَى الْملك وَالْعلم جَمِيعًا ".
وَقَالَ النَّبِي ﵇: " لَا بُد لكل مُؤمن ومؤمنة من أَرْبَعَة أَشْيَاء: دَار وَاسع، وَفرس جواد، ولباس جيد، وسراج مُنِير ". قيل يَا رَسُول الله، مَا الدَّار الْوَاسِع؟ فَقَالَ ﵇: الصَّبْر. قيل: وَمَا الْمركب الْجواد؟ فَقَالَ ﵇: الْعقل. قيل: وَمَا اللبَاس الْجيد؟ فَقَالَ ﵇: الْحيَاء، قيل: وَمَا السراج الْمُنِير؟ فَقَالَ ﵇: الْعلم ".
стр. 142
وَقَالَ النَّبِي ﵇ " إِن لكل شَيْء عمادا، وعماد هَذَا الدّين الْفِقْه ".
وَقَالَ ﵇: " الْعلمَاء مصابيح الْجنَّة وخلفاء الْأَنْبِيَاء ".
وَقَالَ أَبُو عَليّ ﵀: " من أَرَادَ الدُّنْيَا فَعَلَيهِ بِالْعلمِ، وَمن أَرَادَ الْآخِرَة فَعَلَيهِ بِالْعَمَلِ ".
وروى عَن الشَّافِعِي ﵀ أَنه قَالَ: " الْعلم قلادة، وَالْأَدب إِفَادَة، ومجالسة الْعلمَاء زِيَادَة ".
وَقيل: " الْعلم كنز مؤبد، وَعز سرمد ".
وَقيل: الْعلم نسب لمن لَا نسب لَهُ، وَحسب لمن لَا حسب لَهُ.
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀: " إِن هَذَا الْعلم يزِيد الشريف شرفا، ويبلغ الْمَمْلُوك مجَالِس الْمُلُوك ".
وَقيل: الْعلم أفضل من الْعقل عِنْد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، خلافًا للمعتزلة.
وَعَن عُرْوَة بن الزبير ﵁ أَنه قَالَ لأولاده: " تعلمُوا فَإِنَّكُم إِن تَكُونُوا صغَار قوم، عَسى أَن تَكُونُوا كبار قوم آخَرين ".
وَقَالَ النَّبِي ﵇: " لَا رَاحَة لِلْمُؤمنِ فِي الدُّنْيَا إِلَّا فِي ثَلَاث: فِي ترك الدُّنْيَا، وَطلب الْعلم، وصحبة الصَّالِحين ".
стр. 143
وَعَن أبي يُوسُف ﵀ قَالَ: " اخْتلفت إِلَى أبي حنيفَة ﵀ تسع عشرَة سنة مَا فَاتَنِي صَلَاة الْغَدَاة مَعَ ابْن أبي ليلى.
وَعَن زفر ﵀ قَالَ: " اخْتلفت إِلَى أبي حنيفَة ﵀ خمْسا وَعشْرين سنة مَا فَاتَنِي فطر وَلَا أضحى ".
مَسْأَلَة: قَالَت لَهُ امْرَأَته: يَا نحس، فَقَالَ الرجل: إِن كنت نحسا فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا. قَالَ الْعلمَاء: إِن كَانَ الْحَالِف من أهل خوارزم، ينظر: إِن كَانَ
стр. 144
لَهُ مَال لم يَحْنَث، وَإِن لم يكن حنث، لِأَن من عَادَتهم أَن من لم يكن لَهُ مَال يعدونه نحسا. وَإِن كَانَ من أهل " بُخَارى ": إِن كَانَ لَهُ علم لَا يَحْنَث، وَإِن كَانَ جَاهِلا حنث. وَإِن كَانَ من أهل " خجند ": إِن كَانَ لَهُ جمال لَا يَحْنَث، وَإِن لم يكن حنث. كَذَا يعْتَبر عرف كل بلد.
وَقَالَ النَّبِي ﵇: " الْقُضَاة ثَلَاثَة: اثْنَان فِي النَّار، وَوَاحِد فِي الْجنَّة: رجل عَالم يقْضِي بِمَا علم بِهِ فَهُوَ فِي الْجنَّة، لِأَنَّهُ أظهر الْحق بِعلم، وأنصف الْمَظْلُوم من خَصمه، فَهُوَ فِي الْجنَّة، وَرجل جَاهِل فَقضى بِالْجَهْلِ فَهُوَ فِي النَّار، لِأَنَّهُ قضى بالجور، وَرجل عَالم فَقضى بِغَيْر علمه فَهُوَ فِي النَّار، لِأَنَّهُ كَابر الْحق، وأقدم الْبَاطِل عَن بَصِيرَة ".
إِنَّمَا يسْتَحبّ التَّحَرُّز عَن الدُّخُول فِي الْقَضَاء، إِذا كَانَ وَرَاءه فِي الْبَلَد من يصلح للْقَضَاء، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تحرزه عَن الْقَضَاء لَا يخْتل.
стр. 145
رُوِيَ عَن أبي حنيفَة ﵀: " الْقُضَاة ثَلَاثَة: قَاض يقبل قَوْله مُجملا ومفصلا، وَهُوَ الْفَقِيه الْوَرع. وقاض يقبل قَوْله مفصلا لَا مُجملا، وَهُوَ الْوَرع غير الْفَقِيه. وقاض لَا يقبل قَوْله لَا مُجملا وَلَا مفصلا، وَهُوَ أَلا يكون فَقِيها وَلَا ورعا.
الإِمَام الجائر لَا يقبل قَوْله فِي الْمُحرمَات، نَحْو أَخذ الْأَمْوَال، وَالْقَتْل، إِلَّا إِذا علم.
الْعَدَالَة فِي الْإِمَامَة، والإمارة، وَالْقَضَاء، شَرط الْأَوْلَوِيَّة، لَا شَرط الصِّحَّة.
السُّلْطَان إِذا حكم بَين الْخصم: قَالَ أَبُو الْقَاسِم: لَيْسَ لمن ولى الْحَرْب والحلب من الْقَضَاء شَيْء، إِنَّمَا ذَلِك إِلَى مُتَوَلِّي الْقَضَاء. أَرَادَ بالحلب الرِّشْوَة. وَذكر الْخصاف: أَنه يجوز، لِأَن قَضَاء غَيره إِنَّمَا نفذ، لِأَنَّهُ تقلده، فَلِأَن ينفذ قَضَاؤُهُ كَانَ أولى. وَالْفَتْوَى على قَول الْخصاف، وَإِن كَانَ فِي تَعْلِيله نظر.
مَسْأَلَة:
من قَالَ لسلطان هَذَا الزَّمَان: عَادل، كفر، لِأَنَّهُ لَا شكّ فِي جوره، والجور حرَام بِيَقِين، فَمن جعله حَلَالا وعدلا فقد كفر.
следующие страницы →