← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96853

رفع الاشتباه من مسائل المياه

ابن قطلوبغا

Полный текст (55 стр.). Показаны 36–55 · переход к 41.

стр. 36

قال محمد: ويعتبر ذلك عندنا أن ذلك إذا أصابه القذر فغسل ذهب ذلك عنه، فلم يحمل قذراً وإنما معناه في الماء إذا كان كثيراً أو جارياً أنه لم يحمل خبثاً، هذا في (ق١٠/ أ) الراكد، وأما الجاري قال محمد في كتاب "الأشربة": في الأصل ولو صب رجل خابية خمر في نهر مثل الفرات أو أصغر منه، ورجل أسفل منه فمر به الخمر فلا بأس بأن يشرب من ذلك الماء، إلا أن يجد فيه ريحها أو طعمها، فلا يحل له في هذا لفظ (١)، وإن كانوا كلهم قالوا ورجل يتوضأ ... الخ ما قدمته عنهم وتقدم عن أبي حنيفة في الجاهل يبول في الماء الجاري أنه لا بأس بالوضوء من أسفل منه، فصار الاتفاق على أن الجاري لا ينجس إلا بظهور النجاسة فيه إذا كانت غير مرئية، وأما المرئية فقال الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن رمضان (٢) في كتابه المسمى بـ "الينابيع": "وقال أبو يوسف في ساقية صغيرة فيها كلب ميت قد سد عرضها فيجري الماء فوقه وتحته أنه لا بأس بالوضوء أسفل من الكلب، وهذا هو المختار أيضاً، وتقدمت التفاصيل في مثل هذا على قول أبي حنيفة، فاستدلوا في كثير من الكتب بقول أبي حنيفة بما قدمت بطلانه، وقال الرازي في "أحكام القرآن": والذي يحتج به لقول أصحابنا قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والنجاسة لا محالة من الخبائث، وقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقال في الخمر: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، ومر النبي ﷺ بقبرين، فقال: "إنهما لا (٣) يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر كان يمشي بالنميمة" (٤)، فحرم الله هذه الأشياء تحريماً

стр. 37

مبهما، ولم يفرق بين اختلاطها وانفرادها بالماء، فوجب تحريم استعماله كلما تيقن فيه جزءٌ من النجاسة، ويكون جهة الحذر من طريق النجاسة أولى من جهة الإباحة من طريق الماء المباح في الأصل بأنه متى اجتمع في شيء جهة الحذر والإباحة، فجهة الحذر أولى ألا ترى أن الجارية بين رجلين لو كان لأحدهما فيها مائة جزء وللآخر جزء واحد أن جهة الحذر فيها أولى من جهة الإباحة، وأنه غير جائز لواحد منهما وطؤها، وأيضاً لا نعلم خلافاً بين الفقهاء في سائر المائعات إذا خالطه اليسير في النجاسة كاللبن والأدّهان (ق١٠/ ب) والخمر ونحوها أن حكم اليسير في ذلك كحكم الكثير، وأنه محذور عليه أكل ذلك وشربه والدلالة من هذا الأصل على ما ذكرنا من وجهين أحدهما: لزوم اجتناب النجاسات بالعموم الذي قدمنا في حالات المخالطة والانفراد، والآخر أن حكم الحذر وهو النجاسة كان أغلب من حكم الإباحة، وهو الذي خالطه من الأشياء الطاهرة ولا فرق في ذلك من أن يكون الذي خالطه من ذلك ماء أو غيره إذا كان عموم الرأي والسنن شاملة له، وإذا كان المعنى وجود النجاسة فيه، وحظر استعمالها، ويدل على صحة قولنا من جهة السنة قوله ﵇: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه من الجنابة"، وفي لفظ آخر: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة" (١)، ومعلوم إذ البول القليل في الماء الكثير لا يغير طعمه ولا لونه ولا ريحه، وقد منع النبي ﷺ منه. قال: ويدل عليه قوله ﵇ "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها الإناء، فإنه لا يدري أين باتت يده" (٢)، فأمر بغسل اليد احتياطاً من نجاسة أصابته من موضع الاستنجاء (٣)، ومعلوم أن مثلها إذا حلت [بـ] (٤) الماء لم تغيره. ولو أنها تفسده لما كان الأمر بالاحتياط معنا، وحكم النبي -

стр. 38

صلى الله عليه وسلم - بنجاسة ولوغ الكلب؛ لقوله: طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعاً (١) وهو لا يغيره. قلت: تقدم أن هذا هو المعتمد عندي، وأن ما سواه .... (٢) تقدم. ثم قال: وأيضاً العلم بوجود النجاسة فيه كمشاهدتنا كما أن علمنا بوجودها في سائر المائعات كمشاهدتنا. هذا حاصل ما استدل به وهو أبسط مما في كتب الفقه، وهو منتهض على من يرى أن الماء لا ينجس إلا بظهور النجاسة فيه قليلاً كان أو كثيراً وعلى ما زعموه من مذهب أصحاب الظاهر، واستدلوا بقول أبي يوسف بما تقدم من أن الضرورة تقتضي العفو، وأقول: يدل عليه ما روى الدارقطني عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ (ق١١/ أ) وسلم: "الماء طهور إلا ما غلب على ريحه أو طعمه" (٣)، وفيه رشيد بن أبي سعد (٤)، ورواه راشد بن سعيد (٥)، قال قال رسول الله ﷺ : "لا ينجس الماء إلا ما غير طعمه أو ريحه"، وهذا مرسل، وصله رشيد بن أبي سعد (٦) عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ قال: "لا ينجس الماء شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه"، ورواه موقوفاً على راشد بن سعد [و] (٧) أبي عون (٨)، وحاصل ما فيه ضعف راشد بن سعد (٩)، والإرسال وكلاهما غير مضر عندنا؛ لأن علمائنا ﵃ قد احتجوا لمن هو أضعف من رشد بن سعد وعملوا بالمرسل والمنقطع على أن لرشدين متابعا عند البيهقي، فقد أخرجه طريق عطية بن بقية عن أبيه عن ثور عن

стр. 39

راشد بن سعد عن أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الماء طاهر إلا أن يغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة" (١) تحدث فيه ولصدره شاهد من حديث أبي سعيد الخدري في بئر بُضاعة، ولفظه "الماء طهور لا ينجسه شيء" (٢) قال الترمذي: حديث حسن، وقد جوزه أبو أمامة، وصححه أحمد بن معين وأبو محمد بن حزم، وقال ابن القطان: له طريق حسن، وأورده من طريق سهل بن سعد (٣)، وعلي عجزه انعقد الإجماع نقله البيهقي في المعرفة عن الشافعي (٤)، وليس فيه تخصيص بجانب دون جانب، ولا قام دليل على اجتناب جانب الوقوع من غير تغيير ليحمل عليه، فإن قلت أنه عام، وأبو يوسف لا يقول بعمومه، قلت: قد عارضه حديث الولوغ، والاستدلال به بلفظ "طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعاً" (٥) لا كما ذكره صاحب البدائع، وهذه رواية مسلم في صحيحه وحديث المستيقظ فإنهما يدلان على أن ماء الأواني (ق١١/ ب) ينجس، وإن لم يتغير فبقي محمولاً على ماء الغدران والمصانع، وقد صرح الشافعي بأن ماء بئر بضاعة كان كبيرا

стр. 40

والله أعلم. ويدل عليه ما رواه ابن ماجه عن جابر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فانتبهنا إلى غدير فيه جيفة، فكففنا وكف الناس حتى أتانا رسول الله ﷺ فقال: "ما لكم تستبقون؟ " فقلنا: يا رسول الله هذه الجيفة. فقال: "استقوا فإن الماء لا ينجسه شيء"، فاستبقنا وارتوينا (١). ورواه أبو يعلى الموصلي من حديث أبي سعيد وفيه أنها جمل -يعني الجيفة- (٢)، وهذا كما ترى ليس فيه بيان اجتناب جانب الجيفة، ولو كانت لتوفرت الدعاوي على نقله، ويدل عليه ما أخرجه ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: مر رسول الله ﷺ بغدير فقالوا: يا رسول الله إن الكلاب تلغ فيه والسباع! فقال رسول الله ﷺ : "للسبع ما أخذ في بطنه وللكلب ما أخذ في بطنه فاشربوا وتوضئوا" قال: فشربوا وتوضئوا (٣). وأصحابنا ﵃ يحتجون بالمرسل. قال الأخسيكثي (٤) في "منتخب الأصول" أنه

стр. 41

فوق المسند (١)، ويدل عليه ما أخرجه عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد الأسلمي عن داود ابن حصين عن أبيه عن جابر. قلت: يا رسول الله أنتوضأ من ما أفضل الحمر؟ قال: "وبما أفضلته السباع كلها" (٢)، وإبراهيم يضعف (٣) إلا أن محمد بن الحسن قد احتج به ورواه مشايخ،

стр. 42

ورواه الشافعي من حديث ابن أبي ذئب [و] (١) من حديث ابن أبي حبيبة عن داود، وله شاهد من حديث أبي سعيد رواه ابن ماجه (٢)، وأخرجه الدارقطني عن ابن عمر قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فخرج ليلاً، فمروا على رجل جالس عند مقراة له، فقال ابن عمر: يا صاحب المقراة أولغن السباع الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي ﷺ : "يا صاحب المقراة لا تخبره هذا (ق١٢ / أ) تكلف، لها ما حملت في بطونها، ولنا ما يقي شراب وطهور" (٣) وطريق الاستدلال بهما على نحو ما تقدم في حديث "الماء طهور" (٤)، ويدل عليه ما رواه ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب أنه مر بحوض مجنة، فقال: استقوا منه فقالوا: إنه ترده السباع

стр. 43

الكلاب والحمير، فقال لها: ما حملت في بطونها، وما بقي فهو شراب وطهور (١). وأخرجه من طريق آخر عن عكرمة أن عمر بن الخطاب أتى على حوض من الحياض فأراد أن يتوضأ ويشرب، فقال أهل الحوض: أنه يلغ فيه الكلاب والسباع، فقال عمر: إن لها ما بلغت في بطونها، قال: فشرب وتوضأ (٢). وعن أم سلمة أنها كانت تمر بالغدير فيه الجعلان والبعر، فيستقي لها منه فتتوضأ وتشرب (٣)، وقال لنا ابن علية عن حبيب بن شهاب عن أبيه أنه سأل أبا هريرة عن سؤر الحوض ترده السباع وتشرب منه الحمر فقال: لا يحرم الماء شيء (٤)، وهذا إسناد صحيح؛ لاتصاله وثقه رجاله، فأبن عليه ثقة حافظ اشتهر من أن يذكر أخرج له الشيخان محتجين به، وحبيب بن شهاب ابن مدلج قال ابن معين ثقة، وقال النسائي ثقة، وقال أحمد بن حنبل لا بأس، وذكره ابن حبان في ثقاته، وقد سمع أباه. وأبو شهاب بن مدلج سمعه (٥) أبا هريرة وابن عباس وأبا موسى قال أبو زرعة الرازي ثقة، وقاله النسائي وذكره ابن حبان في ثقاته وأبو هريرة هو من جملة من يروي عن النبي ﷺ أنه

стр. 44

قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" الحديث (١) وقال: ثنا ابن علية عن إسرائيل عن الزبرقان: قال: ثنا كعب بن عبدالله قال: كنا مع حذيفة فانتهينا إلى غدير فيه الميتة وتغسل في الحائض، فقال: الماء لا يخبث (٢)، وقال: ثنا وكيع عن الأعمش عن ابن عمرو النهواني (٣) عن ابن عباس قال: الماء طهور لا ينجسه شيء (٤)، وقد تقدم تفسيره عن محمد بن الحسن في كتاب الآثار، وأخرج عن الحسن في الجب يقطر فيه القطرة من الخمر والدم، قال: يهراق (٥)، وعن طاووس أنه كرهه (٦)، فيثبت أن ماء الأواني تنجس بوقوع النجاسة وإن لم يتغير، وماء الغدران ونحوها لا ينجس إلا بالتغيير (ق١٢ / ب) سواء كان الواقع فيه مرئياً أو غير مرئي، فالجاري أولى وما كان في غدير أو مستنقع، وهو نحن (٧) ماء الأواني، فهو ملحق بها؛ إذ لا أثر للمحل والله أعلم، فإن قلت: لم أطلق ما الغدران مع ما ورد من تقديره شرعاً بالقلتين، وحديث القلتين (٨) قد صححه ابن حبان وابن خزيمة، الحاكم.

стр. 45

قلت: من صححه اعتد (١) بعض طرقه ولم ينظر إلى ألفاظه ومفهومها؛ إذ ليس وظيفة المحدث، النظر في ذلك من وظيفة الفقيه؛ إذ عرضه بعد صحة الثبوت الفتوي والعمل بالمدلول، وقد أعل حديث القلتين من الجهتين، وأنا أورد ذلك مستعيناً بالله فأقول: قال ابن عبد البر (٢) في كتاب "التمهيد": هذا حديث يرويه محمد ابن إسحاق والوليد بن كثير أنه قال فيه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه يرفعه، ومحمد بن إسحاق يقول فيه عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه مرفوعاً أيضاً، فالوليد يجعله عن عبد الله بن عبد الله، ومحمد بن إسحاق يجعله عن عبيد الله بن عبدالله (٣)، ورواه عاصم بن المنذر فاختلف عليه أيضاً قال فيه حماد بن سلمة: إذا كان الماء قلتين أو ثلاثاً (٤) لم ينجسه شيء، وبعضهم يقول: إذا كان قلتين لم يحمل الخبث (٥)، وهذا لفظ محتمل للتأويل، ومثل هذا الاضطراب في الإسناد يوجب التوقف عن القول بهذا الحديث على أن القلتين غير

стр. 46

معروفتين، ومجال أن يتعبد الله عباده بما لا يعرفونه (١).انتهى قلت: قد تكلف بعض الناس لدفع اضطراب السند باحتمال أن يكون الحديث عند كل راوٍ اختلف عليه من جميع من اختلف عليه فيه لوروده عن بعض رواته فالوجهين جميعاً (٢)، لكن بقي هنا شيء آخر وهو ما أشار إليه ابن عبد البر أن القلتين غير معروفتين، قال الدارقطني: قال ابن عرفة: سمعت هيثماً يقول: تفسير القلتين يعني الجرتين الكبار. وروى إسحاق بن راهُويه ومن طريقة الدارقطني عن عاصم ابن المنذر قال: القلال الخوابي العظام (٣)، وعاصم بن المنذر هو راو الحديث عن عبيد الله عن عبد الله بن عمر، وأخرج أبو قاسم (ق١٣/ أ) البغوي عن مجاهد أنه قال: القلتان الجرتان (٤)، وأخرج عن ابن إسحاق راوي الحديث أنه سُئل القلتين فقال هذه الجرار الذي يسقى فيها الماء والدواريق، وروى البيهقي عن وكيع القلة الجرة، وروى الشافعي عن ابن جريج أن كل قلة تأخذ قلتين وشيئا، وفيه بحث آخر. قال الحافظ أبو العباس بن تيمية (٥): يشبه أن يكون الوليد

стр. 47

ابن كثير غلط في رفع الحديث (١)، ويدل على أن هذا لم يكن عن ابن عمر عن النبي ﷺ أن هذا الغسل من الماء من الحلال والحرام من أعظم الأمور التي يحتاج الناس إليها في دينهم لحاجتهم إلى الماء في طهورهم وشرابهم، والناس أحوج إلى الماء منهم في سائر الأشياء، ووقوع النجاسة فيه من الأمور الغالبة، وابن عمر دائماً يفتي الناس ويحدثهم عن النبي ﷺ والسنن التي رواها معروفة عند أهل المدينة وغيرهم لاسيما عند سالم ابنه ونافع مولاهم لا العمل به مذهب أحد من أهل المدينة، بل قولهم المستفيض عنهم مخالف لهم، ثم ذكر أن إسماعيل بن إسحاق القاضي روى بإسناده عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وسالم بن عبد الله بن عمر أنهما سُئلا عن الماء الذي [لا] (٢) يجري تموت فيه الدابة هل يشرب منه ويغتسل وتغسل فيه الثياب؟ فقال: لا، إن الماء إذا كان لا يدنسه ما وقع فيه، فنرجوا أن لا يكون به بأس (٣)، وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أنه قال: كل ما فيه فضل عما يصيبه من الأذى حتى لا يغير ذلك طعمه ولا ريحه ولا لونه

стр. 48

طاهر يتوضأ به (١). قال وابن شهاب من أخص الناس بسالم، وأعلم الناس بحديثه وحديث أبيه، وهذه فتواه وفتوى سالم، وروى إسماعيل بإسناده عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب في هذه الآية، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] قال: أنزل الله الماء طهوراً (ق ١٣ / ب) لا ينجسه شيء (٢). قال: والآثار بذلك معروفة عن أهل المدينة، ولم يعرف أحدٌ من متقدميهم ولا متأخريهم فرق بين الماء الذي ينجس ولا يتنجس بقدر القلتين، فكيف يكون هذه سنة لرسول الله ﷺ من (٣) عموم البلوى بها، ولا ينقلها عنه أحدٌ عن أصحابه ولا التابعين لهم بإحسان إلا رواية مختلفة مضطربة عن ابن عمر لم يعمل بها أحد من أهل المدينة ولا عمل بها أهل البصرة، بل مذهب أهل البصرة أن قليله وكثيره لا ينجس إلا بالتغيير ولا أهل الشام عملوا به ولا أهل الكوفة وأطال الكلام ﵀ بما لا يتحمله هذا الموضع. قلت: وقد أخرجه الدارقطني من طريق الزهري عن عبيد بن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة، وقال المحفوظ عن ابن عياش عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عبيد الله عن أبيه (٤)، وأخرجه من طريق عبد الوهاب ابن عطاء عن ابن إسحاق عن الزهري عن سالم عن أبيه (٥)، وكان الحافظ لم يعتبر هذا للضعْف، وفيه أن جابراً رواه عن النبي ﷺ ، فقال: "إذا بلغ الماء أربعين قلة لا

стр. 49

يحمل خبثاً" رواه الدارقطني (١). قال: وهم القاسم العمري في إسناده وخالفه روح بن المقسم وسفيان الثوري ومعمر بن راشد رووه عن ابن المنكدر من قوله: "لم يجاريه" (٢)، ثم أخرجه من طريق من تقدم ذكره، ورواه عن أبي هريرة بلفظ "إن كان الماء أربعين قلة لم يحمل خبثاً" (٣)، وقد خالفه غير واحد فقالوا: أربعين غربا، فظهر ما قال الحافظ الغرب (٤) والله أعلم، فإن قلت: أليس أن الطحاوي والرازي أجابا عن حديث بئر بضاعة بأنها كانت طريقاً للماء إلى البساتين،

стр. 50

وروى ذلك الطحاوي عن الواقدي. قلت: الواقدي ضعيف، والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب والمحل، ونحن جعلنا حديث بئر بضاعة شاهدا لصدر حديث ثوبان وأبي أمامة، والله أعلم. فإن قلت أن الرازي قد قال: وأما قصة الغدير فجائز أن (ق ١٤ / أ) يكون الجيفة في جانب منه، فأباح ﵇ الوضوء من الجانب الآخر. قلت: أما تجويز أن يكون في جانب منه فمسلم، بل جاء ذلك في رواية ابن أبي شيبة، وأما أنه أباح لهم من جانب آخر، فليس في الحديث ولو كان لتوفرت الدواعي على نقله، فلما لم يروا لنا أنه أمرهم بجانب دون جانب كان على إطلاقه، فإن قلت: قال الرازي: قوله "الماء طهور لا ينجسه شيء" لا دلالة له فيه على جواز استعماله، وإنما كلامنا في جواز استعماله بعد حلول النجاسة فيه، فليس يجوز الاعتراض به على موضع الخلاف؛ لأنا نقول أن الماء طهور لا ينجسه شيء، ومع ذلك لا يجوز استعماله إذا حلت نجاسته، ولم يقل النبي ﷺ أن الماء إذا وقعت فيه نجاسة، فاستعملوه حتى يحتج به. قلت: هذا إنما يتوجه منه على من يقول بأن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه قليلاً كان أو كثيراً؛ لأنه يقول يجوز استعمال الجانب الآخر، ثم هو قاصر على لفظ حديث بئر بضاعة، ولا يتوجه عليه لفظ حديث الغدير؛ حيث قال ﷺ : "استقوا، فإن الماء لا ينجسه شيء" (١) فإن قلت: ما الفرق بين الماء والمائعات التي قاس عليها الرازي، وإن كان كلامه مع من ذكرت. قلت: الفرق من جهة المعنى بعد ورود النص أن المائعات تصان بالأواني، فلم يكن فيها ضرورة بخلافها الغدران ونحوها. وقد علمت أن قوله علمنا بوجود النجاسة كمشاهدتنا لها إنما يتوجه على من زعموه مذهباً لأصحاب الطاهر وعليه مالك في القليل، فإن ألزمنا به في ماء الغدران عارضناه بالنص، وأما الماء المستعمل فهو كل ماء أسقط فرض التطهير عن عضو واستعمل على وجه القرية. قال شمس الأئمة السرخسي وأبو عبد الله الجرجاني (٢) لا خلاف بين الثلاثة

стр. 51

في هذا، واختلف في صفته، فروي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵁ أن مغلظ النجاسة وروى أبو يوسف (ق ١٤ / ب) عنه أن مخففها وروى محمد عنه أنه طاهر غير طهور، وبه يفتي مشايخ العراق، لم يحققوا الخلاف فقالوا: طاهر غير طهور عند أصحابنا، وهو اختيار المحققين من مشايخ ما وراء النهر، قال القاضي أبو حازم (١): أرجو أن رواية التنجس لم تثبت، وإنما يأخذ الماء حكم الاستعمال بعد انفصاله عن أعضاء المتطهر في الصحيح، ولسنا بصدد الوجوه في هذه الرسالة، وإنما المراد بيان الأحكام، فإذا عرفت أن الفتوى على طهارته فاعلم أنه إذا اختلط بالمطلق لا يقيده ما لم يغلب على المطلق. قال في البدائع في الكلام على حديث "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" لا يقال أنه ينهى لما فيه من إخراج الماء من أن يكون مطهراً من غير ضرورة وذلك حرام؛ لأنا نقول: الماء القليل إنما يخرج عن كونه مطهراً باختلاط غير المطهر به إذا كان غير المطهر غالبًا كماء الورد واللبن ونحو ذلك، فأما إذا كان مغلوباً فلا، وههنا الماء المستعمل ما يلاقي البدن، ولاشك أن ذلك أقل من غير المستعمل فكيف يخرج به من أن يكون مطهراً. انتهى وقال في موضع آخر فيمن وقع في البئر: فإن كان على بدنه نجاسة حكمية بأن كان محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو نفساء، فعلى قول من لا يجعل هذا الماء مستعملا (٢) لا ينزح شيئاً؛ لأنه طهور، وكذا على قول من جعله مستعملاً وجعل المستعمل طاهرا؛ لأن غير المستعمل أكثر، فلا يخرج عن كونه طهورا، أما إذا لم يكن المستعمل غالباً عليه كما لو صب اللبن في البئر بالإجماع أو بالت شاة فيها عند محمد. انتهى وقال في موضع: ولو اختلط الماء المستعمل بالماء القليل قال بعضهم: لا يجوز التوضؤ به، وإن قل وهذا فاسد، أما عند محمد فلأنه طاهر لم يغلب على الماء المطلق فلا يغيره عن صفة الطهورية

стр. 52

كاللبن وأما عندهما فلأن القليل مما لا يمكن التحرز عنه [يجعل] (١) عفوا، ثم الكثير عند محمد ما يغلب على الماء المطلق وعندهما (ق ١٥ / أ) أن يستبين موضع القطرة في الإناء. انتهى وقد علمت أن الصحيح المفتي به رواية محمد عن أبي حنيفة -رحمهما الله تعالى-، وقال محمد في كتاب "الآثار" بعد رواية حديث عائشة (٢): "ولا بأس أن يغتسل الرجل مع المرأة بدأت قبله أو بدأ قبلها" إذا عرفت هذا لم يتأخر عن الحكم بصحة الوضوء في الفساقي الموضوعة في المدارس عند عدم غلبة الظن بغلبة الماء المستعمل أو وقوع نجاسة في الصغار منها، فإن قلت: إذا تكرر الاستعمال هل يمنع ويجمع؟ قلت: الظاهر اعتبار هذا المعنى في النجس، فكيف بالطاهر؟! قال في "المبتغى" (٣) قوم يتوضئون صفاً على شط نهر جار فكذا في الحوض؛ لأن ماء الحوض في [حكم] (٤) ماء جار. انتهى وقد روى عن أبي شيبة عن الحسن في الجنب يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها. قال: يتوضأ إن شاء (٥). عن سعيد بن المسيب: لا بأس أن يغمس الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها (٦). وعن عائشة بنت سعد قالت: كان سعد يأمر الجارية فتناوله الطهور من الحيض (٧)، فتغمس يدها فيها، فيقال أنها حائض، فيقول أن حيضتها ليست في يدها (٨)، وعن عامر قال: كان أصحاب النبي ﷺ يدخلون أيديهم في الإناء وهم جنب والنساء وهنّ حيض لا يرون بذلك بأسا يعني قبل أن

стр. 53

يغسلوها (١)، وعن ابن عباس ﵄ في الرجل يغتسل عن الجنابة، فينضح في إنائه من غسله، فقال: لا بأس به (٢)، وعن الحسن وإبراهيم والزهري وأبي جعفر وابن سيرين نحوه، فإن قلت: فما محل حديث "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة" قلت: استدل به الكرخي على عدم جواز التطهير بالمستعمل ولا يطابق عمومه فروعهم المذكورة في الماء الكثير، فيحمل على الكراهة، وبذلك أخبر راو الحديث، فأخرج ابن أبي شيبة عن جابر ابن عبد الله قال: كنا نستحب أن نأخذ من ماء الغدير (ق ١٥ / ب) ويغتسل به [في] (٣) ناحية (٤)، وما ذكر من الفروع مخالفاً لهذا فتبنى على رواية النجاسة كقولهم: لو أدخل جنب أو محدث أو حائض يده في الإناء قبل أن يغسلها فالقياس أن يفسد الماء وفي الاستحسان لا يفسد للاحتياج إلى الاعتراف حتى لو أدخل رجله يفسد الماء؛ لانعدام الحاجة ولو أدخلها في البئر لم يفسد؛ لأنه يحتاج إلى ذلك في البئر؛ لطلب الدلو فجعل عفواً ولو أدخل في الإناء أو البئر (٥) [بعض] (٦) جسده سوى اليد والرجل أفسده؛ لأنه لا حاجة إليه وأمثال هذه. وقد سئلت عن مسائل وأجوبتها منقولة، فلا بأس نذكرها تتميماً منها، قال في "البدائع": وأما حوض الحمام الذي يخلص بعضه إلى بعض إذا وقعت فيه نجاسة روى عن أبي يوسف أنه إذا كان الماء يجري من الميزاب والناس يغترفون منه لا يصير نجساً، وكذا روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأنه بمنزلة الماء الجاري، وذكر في المنية اختلافاً في اشتراط تدارك الغرف لكن عن

стр. 54

المتأخرين، وفي كتب الفروع وألحقوا بالجاري حوض الحمام حتى لو أدخلت القصعة النجسة أو اليد النجسة فيه لا يتنجس ويتوضأ من الحوض الذي يخاف فيه قذراً ولا يتقه (١) ولا يجب أن يسأل، وكذا إذا وجده متغيراً ما لم يعلم أنه من نجاسته، وكذا اليد إذا يدلي فيها الدلو والجرار الدنسة بحملها الصغار والعبيد الذين لا يعلمون الأحكام ويمسها الرُّسْتَاقِيُّونَ (٢) بالأيدي الدنسة ما لم يعلم يقيناً النجاسة، ولا بأس بالتوضؤ من جب موضع كوزه في نواحي الدار ويشرب منه ما لم يعلم به قذر، ويكره للرجل أن يستخلص لنفسه إناء يتوضأ منه، ولا يتوضأ منه غيره، وذكر بعضهم أنه يكره استعمال ما مسه الصغير، وفيه تأمل. روى ابن أبي شيبة عن مجاهد (٣) قال: قلت للشعبي: أكوز عجوز مخمر (ق ١٦ / أ) أحب إليك أن تتوضأ منه أو المطهرة التي يدخل الجزار يده قال من المطهرة التي يدخل الجزار فيها يده (٤)، وعن رجاء قال البراء بن عازب: بال ثم جاء إلى مطهرة المسجد، فتوضأ منها (٥)، وعن ابن جريج قلت لعطاء: رأيت رجلاً يتوضأ في ذلك الحوض منكشفاً، فقال: لا بأس به، قد جعله ابن عباس وقد علم أنه يتوضأ منه الأبيض والأسود (٦)، وفي رواية: وكان ينكسب من وضوء الناس في جوفها (٧) وكأنهم رأو الحديث (٨) المستيقظ خاص به أو أنه أمر تعبدي على إن ابن أبي شيبة قد روى عن ابن معاوية عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله إذا

стр. 55

ذكر عندهم حديث أبي هريرة قالوا: كيف يصنع أبو هريرة بالمهراس التي بالمدينة (١) والله أعلم. تمت الرسالة الموسومة برفع الاشتباه عن مسألة المياه والله أعلم.