← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96875

تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة

ابن عثيمين

Полный текст (2 447 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الشيخ: الصحيح أنه لا يعطى الفقير لحج فرضه من الزكاة لأننا نقول: إن الفقير إذا لم يكن عنده ما يحج به فليس عليه فرض إذ من شرط الوجوب: الاستطاعة وهذا ليس بمستطيع فحج الفقير الذي لا يقدر على الفريضة كحج النافلة تماماً لأنه حتى الآن لم يجب عليك فإن صح الحديث الذي ساقه المؤلف فإنه لا شك أنه لابد من القول به لكن الحديث لا يتبين لي صحته ولكن إن صح فالقول ما دل عليه الحديث وإن لم يصح فإنه لا يعطى الإنسان الفقير لفرض حجه من الزكاة بل يقال له إنه لا فرض عليك احمد الله على العافية وهذه مسألة صورتها إنسان عنده ما يكفيه لنفسه وعائلته مثلاً عنده راتب ثلاثة آلاف وهو ينفق على نفسه وعلى عائلته كل شهر ثلاثة آلاف وليس بحاجة لكنه لم يؤدِ الفريضة على قول من يقول إنه يعطى نعطيه ما يحج بها الفريضة خمسة آلاف أو عشرة آلاف الذي يكفيه وعلى القول الثاني: لا نعطيه وهذا القول هو الصحيح ما لم يصح الحديث عن رسول ﷺ فإن صح فلا كلام. السائل: هل يلحق بالمجاهدين في سبيل الله طلبة العلم؟

стр. 1087

الشيخ: نعم ألحقهم بعض العلماء بالمجاهدين وقالوا: إذا تفرغ إنسان قادر على التكسب لطلب العلم فإننا نعطيه من الزكاة وإن كان قوياً جلداً نعطيه من الزكاة من أجل أن نفرغه لطلب العلم لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله إذ أن الدين الإسلامي قام بالعلم والسيف كما قال الله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاس) فقرن إنزال الحديد بإنزال الكتب يدل على أنهما قرينان في ظهور دين الله وعلى هذا فنقول: إنه إذا وجد طلبة علم قادرون على التكسب يستطيع الإنسان أن يعمل ويحصل ما تقوم به حياته لكن يريد أن يتفرغ لطلب العلم فهل نعطيه من الزكاة ليتفرغ لطلب العلم؟ الجواب: نعم نعطيه وهل نشتري من الزكاة كتباً للمكتبة التي يرتادها طلبة العلم؟ على القول بأنه يجوز أن نشتري أسلحة للمجاهدين: نعم يجوز أن نشتري كتباً لطلبة العلم أما إذا قلنا إنه لا يجوز أن نشتري بها أسلحة فلا يجوز أن نشتري بها كتباً. القارئ: الصنف الثامن ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به وله اليسار في بلده فيعطى من الصدقة ما يبلغه. الشيخ: سمي ابن سبيل لأنه ملازم للسبيل إلى الآن وهو في طريقه ملازم له فسمي ابن سبيل كما سمي طير الماء ابن الماء دائماً تكون على البحار والماء فيسمونه طير الماء. القارئ: فأما المنشي للسفر من بلده فليس ابن سبيل لأن السبيل الطريق وابنها الملازم لها الكائن فيها والقاطن في بلده ليس بمسافر ولا له حكم السفر فإن كان هذا فقيراً أعطي لفقره وإلا فلا، ومن كان سفره لمعصية فهل يدفع إليه بعد التوبة ما يرجع به؟ على وجهين كما ذكرنا فيمن غرم لمعصية.

стр. 1088

الشيخ: لكن هذا يدفع عنه من باب أولى إنسان مثلاً وجدناها في أثناء الطريق قد سافر والعياذ بالله ليتمتع متعة محرمة في بلد ما فلما علمنا أنه يريد هذا نصحناه أن اتق الله هذا حرام ولا يجوز فقال: والله الآن ما معي شيء أرجع به إلى بلدي الآن تبت إلى الله سأرجع لكن ما عندي مال فهل نعطيه من الزكاة؟ نعم نعطيه هذا أولى من مسألة الرجل إذا تاب من المعصية لأنه واضح أنه يريد أن يرجع عن بلد المعصية. السائل: أحسن الله إليك هل يجوز دفع الزكاة لمن أراد الزواج؟ وما حكم من أخذها ظناً منه أنه تجوز له؟ الشيخ: إذا كان محتاجاً للزواج فلا بأس وليس عنده مهر هذه من أعظم الحاجات. فصل القارئ: ولا يدفع إلى واحد منهم أكثر مما تندفع به حاجته فلا يزاد الفقير والمسكين على ما يغنيهما ولا العامل على أجرته ولا المؤلفة على ما يحصل به التأليف ولا الغارم والمكاتب على ما يقضي دينهما ولا الغازي على ما يحتاج إليه لغزوه ولا ابن السبيل على ما يوصله لبلده لأن الدفع لحاجة فوجب أن يتقيد بها وإن اجتمع في واحد سببان كالغارم الفقير دفع إليه بهما لأن كل واحد منهما سبب للأخذ فوجب أن يثبت حكمه حيث وجد.

стр. 1089

الشيخ: ما قاله المؤلف صحيح هؤلاء المستحقون للزكاة لا يدفع إليهم إلا بقدر الحاجة فالفقير مثلاً نعطيه ما يغنيه لكن لم يبين المؤلف ﵀ حد ما نعطي الفقير وقد بينه الفقهاء وقالوا: يعطى ما يكفيه وعائلته لمدة سنة وخصوها بالسنة لأن الزكاة تجب كل سنة لاسيما إذا كان الناس يعتادون أن يدفعوها في أول محرم كما قال المؤلف فيما مر علينا فيعطى مثلاً ما يكفيه وعائلته إلى سنة ثم نقتصر وقد ذكرت أن أقرب ما يمكن تمثيله في هذه المسألة رجل موظف راتبه ثلاثة آلاف ولكن لا يكفيه وعائلته إلا خمسة آلاف فهنا نعطيه أربعة وعشرين ألفاً أما من كان عنده مال يعني هو غير موظف وليس له مثلاً تجارة يتكسب بها ولا راتب ولا إجارة عقارات فهذا في الحقيقة ما تستطيع أن تقول هذا يكفى لمدة سنة لماذا؟ لأنه قد يعتريه زيادة الأسعار فيكون عنده مثلاً اثناعشر ألفاً وكل شهر له ألف لكن زادت الأسعار وصار يحتاج كل شهر ألفين لهذا نقول: أقرب مثال ما ذكرنا ولا بأس أن نمثل نقول إنسان عنده عشرة آلاف الآن موجودة في صندوقه تكفيه لمدة سنة نقول: هذا ما نعطيه لأن العشرة تكفيه لمدة سنة فإذا قال: ربما يحدث علي مرض أحتاج إلى علاج ربما تزيد السلع قلنا: في هذه الحال إذا جاءت الحاجة أعطيناه وانتهى الإشكال. فصل القارئ: وأربعة يأخذون أخذاً مستقراً لا يرجع عليهم بشيء الفقراء والمساكين والعاملون والمؤلفة. وأربعة يأخذون أخذاً مراعاً الرقاب والغارمون والغزاة وابن السبيل إن صرفوه فيما أخذوا له وإلا استرجع منهم.

стр. 1090

الشيخ: هؤلاء الأربعة الذين يأخذون أخذاً مستقراً لو أنه زالت حاجتهم في أثناء السنة فإنهم لا يردون ما أخذوا فلو أننا أعطينا فقيراً عشرة آلاف ريال بناء على أنه فقير وعشرة آلاف ريال تكفيه لمدة سنة ثم إن الله أغناه في أثناء السنة وملك عشرات الآلاف هل يرد ما أعطيناه؟ لايردها لأنه ملكها: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) وأما الغرم فلو أننا أعطينا هذا الرجل ليقضي دينه فلما ذهب بها إلى الدائن قال الدائن: إني قد أبرأتك هل يردها أو لا؟ نعم يردها لأنه أعطيناه لقضاء الدين وقد أبريء منه ولو أنه أعطيناه لقضاء الدين وقال غريمه: إني إبرأتك لكنه محتاج هو نفس الفقير هل يجوز أن يصرف ما أخذه في فقره؟ لا لأنه أخذه على أنه يقضي به الدين فيجب أن يصرفه في هذا لكن لا بأس أن يقول للذي أعطاه الزكاة: إني قد برئت من الدين ولكني محتاج وفقير حينئذٍ له أن يقول: خذه لك لأنه أحياناً الإنسان يقضي الدين عن الفقير ولا يعطيه للفقير لأن الفقير إذا جاءه المال ولا سيما إن كان كثيراً أفسده لكن إذا قضينا دينه أبرأنا ذمته وصار حراً طليقاً من الديون فكثيراً ما يختار الإنسان قضاء الدين عن دفع الحاجة لأنه يعرف أن الفقير إذا أعطي ولاسيما إذا كان مالاً كثيراً لا يحسن التصرف فيه لكن إذا قضينا دينه انتفع به. القارئ: وإن فضل مع المكاتب شيء بعد أداء كتابته أو مع الغارم بعد قضاء غرمه أو مع الغازي بعد غزوه أو مع ابن السبيل بعد وصوله إلى بلده استرجع منهم فإن استغنوا عن الجميع ردوه وإن عجز المكاتب رجع على سيده بما أخذ لأن الدفع إليهم لمعنى لم يوجد وقال الخرقي إذا عجز المكاتب ورد في الرق وقد كان تصدق عليه بشيء فهو لسيده.

стр. 1091

وأربعة يأخذون مع الغنى الغازي والعامل والغارم للإصلاح والمؤلفة لأنهم يأخذون لحاجتنا إليهم والحاجة توجد مع الغنى وسائرهم لا يعطون إلا مع الفقر لأنهم يأخذون لحاجتهم فيعتبر ذلك فيهم إلا أن ابن السبيل تعتبر حاجته في مكانه وإن كان له مال في بلده لأنه غير مقدور عليه فهو كالمعدوم ولا يستحب إعلام الآخذ أنها زكاة إذا كان ظاهره الاستحقاق لأن فيه كسر قلبه قال أحمد: ولم يبلغه بها يعني: لا يعلمه فإن شك في استحقاقه أعلمه كما أعلم النبي ﷺ الرجلين الجلدين. الشيخ: هذا صحيح يعني إذا علمت أن الرجل أهل للزكاة لا تخبره لا تقل: هذه زكاة وإن شككت فأخبره تقول هذه زكاة (ولا تحل لغني ولا لقوي مكتسب) فإذا قال: إنه ليس بغني فهل يقبل قوله؟ الجواب نعم يقبل قوله ما لم تعرف أنه غير صادق فإن عرفت أنه غير صادق فلا تقبل وإن لم تعرف فاقبل وإن ترددت فتوقف حتى تتيقن ويكفي غلبة الظن فلو دفعت إليه تظن أنه من أهل الزكاة ثم تبين لك أنه ليس من أهلها أجزأت عنك. باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه القارئ: وهم ستة أصناف: الكافر لا يجوز الدفع إليه لغير التألف لقول النبي ﷺ : (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) ولأنها مواساة تجب على المسلم فلا تجب للكافر كالنفقة. الشيخ: إذاً الكفر مانع من إعطاء الزكاة إلا إذا كان للتأليف. القارئ: الثاني: المملوك لأن ما يعطاه يكون لسيده ولأن نفقته على سيده فهو غني بغناه. الثالث: بنو هاشم لا يعطون منها إلا لغزو أو حمالة لأن النبي ﷺ قال: (إنما الصدقة أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد وآل محمد) وسواء أُعطوا حقهم من الخمس أو منعوه لعموم الخبر ولأن منعهم لشرفهم وشرفهم باقٍ فينبغي المنع.

стр. 1092

الشيخ: وقال شيخ الإسلام ﵀: إنهم إذا منعوا الخمس واحتاجوا فإنهم يعطون لأنه لابد من دفع حاجتهم ولكن إذا نظرنا إلى قول الرسول ﵊: (إنما هي أوساخ الناس) قلنا: لا فرق بين أن يعطوا من الخمس أو ألا يعطوا وإذا نظرنا إلى أن إعطاءهم ودفع كفايتهم أمر واجب ماذا نفعل إذا كان الناس لا يتبرعون إلا من الزكاة وهؤلاء من آل البيت وليس لهم شيء من بيت المال هل يموتون جوعاً؟ هم إما أن يموتوا جوعاً وإما أن يتكففوا الناس وإما أن يهدي الله أحداً من الناس يعطيهم صدقة على أن صدقة التطوع أيضاً فيه خلاف هل تحل لهم أو لا؟ وما ذكر الشيخ ﵀ هو الأقرب لأنه كوننا نرى هؤلاء يموتون جوعاً وعطشاً وبرداً وحراً ولا نعطيهم ونقول: أنتم من آل البيت مع أنهم ليس لهم من الخمس شيء هذا فيه نظر أو نقول: خذوا من الصدقة وقد يتصدق عليهم أو لا يتصدق عليهم. القارئ: الرابع: مواليهم وهو معتقوهم وحكمهم حكمهم لما روى أبو رافع أن رسول الله ﷺ : بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع اصحبني كيما نصيب منها فانطلق إلى النبي ﷺ فسأله فقال: (إنا لا تحل لنا الصدقة وإن مولى القوم منهم) وهذا حديث صحيح ولأنهم ممن يرثهم بنو هاشم بالتعصيب فحرمت عليهم الصدقة كبني هاشم. وفي بني المطلب روايتان إحداهما: تحل لهم لأن المنع اختص بآل محمد وهم بنو هاشم فلا يلحق بهم غيرهم والثاني: يحرم عليهم لقول النبي ﷺ : (إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد) رواه البخاري ولأنهم يستحقون من خمس الخمس فأشبهوا بني هاشم. الشيخ: والظاهر أنها تحل لهم وأما قول النبي ﵊ (إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد) هذا في الخمس لأن بني المطلب ناصروا بني هاشم ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهور جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً ... عقوبة شر عاجلاً غير آجل

стр. 1093

أما بنو المطلب فكانوا معهم في النصرة والدفاع فلذلك استحقوا معهم الخمس وصاروا شيئاً واحداً أما الزكاة فلا ولهم أن يأخذوا منها. السائل: إذا أوصى الرجل أبناءه ألا يأخذوا من الصدقة وليسوا من بني هاشم هل نقول أن هذه وصية تنفذ؟ الشيخ: لا ما تنفذ هذا الرجل مات وليس من آل محمد ولهم أن يأخذوا إذا كانوا من أهل الزكاة ولا يجب عليهم تنفيذ وصيته. القارئ: الخامس: الغني لا تحل له الزكاة سوى من ذكرنا لقول النبي ﷺ : (لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) وقوله (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي) وهذا حديث حسن وفي ضابطه روايتان إحداهما: أنه الكفاية على الدوام إما بصناعة أو مكسب أو أجرة أو نحوه اختارها ابن الخطاب وابن شهاب لقول النبي ﷺ في حديث قبيصة: (فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش) مدَّ إباحة المسألة إلى حصول الكفاية ولأن الغنى ضد الحاجة وهي تذهب بالكفاية وتوجد مع عدمها والثانية: أنه الكفاية أو ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب لما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشاً أو خدوشاً أو كدوحاً في وجه فقيل: يا رسول الله ما الغنى؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب) قال الترمذي: هذا حديث حسن. فعلى هذه الرواية إن كان له عيال فله أن يأخذ لكل واحد من عياله خمسين، نص عليه ولو ملك عروضاً تكثر قيمتها لا تقوم بكفايته جاز الأخذ رواية واحدة وإذا كان للمرأة زوج غني فهي غنية لأن كفايتها واجبة عليه وجوباً متأكدا فأما من تجب نفقته على نسيبه فله الأخذ من الزكاة. الشيخ: يعني على قريبه فالنسيب هو القريب. القارئ: لأن استحقاقه للنفقة مشروط بفقره فيلزم من وجوبها له وجود الفقر بخلاف نفقة الزوجة ولأن وجوبها بطريق الصلة والمواساة بخلاف غيرها.

стр. 1094

الشيخ: ولأنه أيضاً ربما يقول لمن تلزمه نفقته أعطني ولا يعطيه ويكون في هذا كسر لقلبه وخجل فيعطى من الزكاة ما يغنيه والصواب أنها ليست مقيدة بخمسين درهماً الصواب أنها مقيدة بالكفاية فإذا قال قائل الإنسان إذا كان عنده أموال كثيرة وقلنا: إنها تكفيه لسنة ربما لا تكفيه لسنة ربما يجتاح ماله شيء أو يحتاج إلى إنفاق أو ما أشبه ذلك فيقال كما قال المؤلف ﵀: إما صناعة وإما أجرة وإما اكتساب وفي وقتنا هذا في الغالب الوظيفة فإذا قدرنا أن هذا الرجل وظيفته ألفا ريال ونفقته في الشهر على عياله ثلاثة آلاف ريال فهنا يحتاج اثني عشر ألفاً فيعطى اثناعشر ألفاً فإن قدر أن المؤنة زادت واحتاج أكثر يعطى وإن قدر أن المؤنة رخصت وزاد عنده شيء فهو له لأن الفقير يملك ما يعطى ملكاً مستقرا. القارئ: السادس من تلزمه مؤنته كزوجته ووالديه وإن علوا وأولاده وإن سفلوا الوارث منهم وغيره ولا يجوز الدفع إليهم لأن في دفعها إليهم إغناءً لهم عن نفسه فكأنه صرفها إلى نفسه وفيمن يرثه غير عمودي نسبه روايتان إحداهما: لا يدفع إليه لأن الله تعالى أوجب نفقته عليه بقوله: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) والثانية: يجوز لأنه ممن تقبل شهادته له فجاز الدفع إليه كالأجانب فإن كان محجوباً عن ميراثه أو من ذو الأرحام جاز الدفع إليه وإن كان شخصان يرث أحدهما صاحبه دون الآخر كالعمة مع ابن أخيها فللموروث دفع زكاته إلى الوارث لأنه لا يرثه وفي دفع الوارث زكاته إلى مورثه الروايتان وهل للمرأة دفع زكاتها إلى زوجها؟ على روايتين إحداهما: يجوز لأن النبي ﷺ قال لزينب امرأة ابن مسعود: (زوجك وولدك أحق من تصدقتِ به عليهم) رواه البخاري ولأنه لا تلزمها نفقته فلم تحرم عليه زكاتها كالأجنبي والثانية لا يجوز لأنها تنتفع بدفعها إليه لوجوب نفقتها عليه وتبسطها في ماله عادة فلم يجز دفعها إليه كالولد.

стр. 1095

الشيخ: هذا المانع الأخير ينبغي أن يقال: المدار فيه على منفعة الدافع إذا كان دفعه إلى أقاربه يحفظ ماله بذلك فإنه لا يجزيء وإذا كان لا يحفظ ماله بذلك فإنه يجزيء وعلى هذا فلو أدى الزكاة في غرم لأبيه أو ابنه أو زوجته أو زوجه فلا بأس لأنه لا يلزمه أن يقضي الدين عنهم فإذا كان لا يلزمه وهم محتاجون لقضاء الديون ودفع الزكاة عنهم فلا حرج أما إذا كان هؤلاء يجب الإنفاق عليهم وليس عندهم شيء ثم دفع الزكاة إليهم فهذا يوفر ماله بهذا الدفع فلا يحل فيكون المدار في مسألة الأقارب هل الإنسان في إعطائهم يوفر ماله؟ إن قلنا: نعم قلنا: لا يجزيء وإذا كان لا يوفر ماله بمعني أنه لا يلزمه أن ينفق عليهم أو يقضي دينهم فحينئذٍ له أن يدفع إليهم الزكاة في قضاء الدين أو النفقة ولنفرض مثلاً أن امرأةً عندها حلي تستعمله وتحتاج إليه وفيه زكاة ولها ولد فقير أيجوز أن تعطيه هذه الزكاة؟ نعم لأنه لا يلزمها أن تنفق عليه ليس عندها إلا هذا الحلي الذي تحتاجه لنفسها فنفقته ليست واجبة عليها فلها أن تعطيه من الزكاة فالضابط إذاً إذا كان الإنسان إذا دفعها إلى قريبه يوفر ماله منع وإن كان لا يوفر ماله فلا بأس، فإذا كان قادراً على الإنفاق فلا يجوز أن يعطيهم للنفقة إذا كانت تلزمهم نفقته وقضاء الدين لا بأس به ولا فرق بين الزوج والزوجة حتى الزوجة لها أن تدفع الزكاة إلى زوجها إذا كان فقيراً لأن الزوجة لا يلزمها أن تنفق على زوجها بكل حال وكونها تعطيه ثم يعود إليها مصلحة منه لا يضر لأنها سوف تطالب الزوج أن ينفق عليها. السائل: أحسن الله إليك كبر الولد واستقل عن أبيه في بيته وافتقر والأب كانت له زكاة فهل يخرجها له أو نقول يجب أن ينفق عليه؟ الشيخ: يجب أن ينفق عليه إذا كان يستطيع أما لو كان الأب عنده عائلة ولا يستطيع أن ينفق على هذا الابن فله أن يعطيه من زكاته ولو استقل لأنه ليس من شرط وجوب الإنفاق أن لا يستقل.

стр. 1096

السائل: الآن بعض القبائل تنتسب إلى نسب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهل مثل هؤلاء إذا أخذوا الزكاة على جهل ولم يدروا أنها لا تجوز لهم ثم تبين لهم هل يضمنون ما أخذوا؟ الشيخ: أولاً الآن ليس فيه خمس فإذا كانوا فقراء فالذي نرى أنه تجوز لهم الزكاة فعلى هذا القول لا إشكال فيه أما على القول الثاني الذي لا تحل مطلقاً فيردون ما أخذوا ولو سنين كثيرة لكنه قول ضعيف. السائل: أحسن الله إليكم هل يلزم للآخذ أن يسأل أهذه من الزكاة أو من الصدقة؟ الشيخ: لا يلزمه إذا كان من أهل الزكاة وإذا لم يكن من أهل الزكاة لكن ظن الدافع أنه من أهل الزكاة فليسأل. فصل القارئ: ويجوز لكل واحد من هؤلاء الأخذ من صدقة التطوع لأن محمد بن علي كان يشرب من ساقيات بين مكة والمدينة وقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة. الشيخ: ويمكن أن يستدل لذلك بقول الرسول ﵊: (إنما هي أوساخ الناس) لأن الذي فيه التنظيف الصدقة الواجبة كما قال تعالي: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) يعني قد يؤخذ من هذا وكثير من العلماء يقول: إنه لا تحل لهم الصدقة الواجبة ولا المستحبة وهذا الأثر المروي عن محمد بن علي ينظر أولاً في صحته فإن صح فهو رأي كرأي غيره من العلماء وإن لم يصح فالأمر واضح على أن هؤلاء لا يمنعون من الشرب من السقايات ونحوها لأنهم لا يُملِّكونها والمقصود الصدقة التي يُملِّكونها أما هذا فهو يشرب كما يشرب الناس ويمشي فهو لم يختص بها ولم يتملكها يعني حتى لو قلنا: بأن صدقة التطوع محرمة على آل البيت فإن مثل هذا لا يحرم عليهم وذلك لأنهم لا يملكونه.

стр. 1097

مسألة: من المهم فيما سبق أننا عرفنا الأصناف الثمانية التي فرض الله لهم الصدقة فأيُّ إنسان يقول عن شخص وهو من الأصناف الثمانية يقول عنه: لا يجزيء دفع الزكاة إليه نقول: عليك الدليل، فمثلاً إذا قال: الوالد لا يجوز دفع الزكاة إليه والوالدة لا يجوز والأخ لا يجوز وهو ممن اتصف بواحد من الأوصاف الثمانية نقول له: عليك الدليل، هذا هو الأصل ومن ثم سبق لنا أنه يجوز للإنسان أن يدفع زكاته إلى والده في قضاء الدين أو إذا كان لا يستطيع أن ينفق عليه لأن ماله قليل لا يستطيع أن ينفق على أبيه لكن عنده زكاة وأبوه فقير يعطى حتى وإن لم يكن في قضاء الدين فالعبرة بما لو وفّر ماله في الزكاة عليهم هذه القاعدة اعرفوها والدليل في هذا واضح: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) فإذا قال: لا تعطي أباك وهو فقير نقول له: هو أدرى هذا فقير مستحق بكتاب الله وهلم جرا. ويتبين مما سبق أن ما قاله المؤلف هو الظاهر وأن المحرم على آل البيت هي الصدقة المفروضة لقوله ﷺ (إنما هي أوساخ الناس) وقال الله : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) فإذا كانت الصدقة تطهر فمعلوم أن الماء الذي يطهر به سوف يتأثر من الوسخ وعلى هذا فالقول الراجح في هذه المسألة أنه لا يحرم على آل البيت إلا صدقة الفريضة فقط أما النافلة فلا بأس.

стр. 1098

القارئ: ويجوز لفقراء ذوي القربى الأخذ من وصايا الفقراء والنذور لأنها صدقة تطوع بها وفي أخذهم من الكفارة وجهان وعنه: منعهم من صدقة التطوع لعموم الخبر والأول أظهر فإن النبي ﷺ قال: (كل معروف صدقة) حديث صحيح ويجوز اصطناع المعروف إليهم وروى أبو سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغازٍ في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل ابتاعها بماله أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين إلى الغني) رواه أبو داود ولو أهدى المسكين مما تصدق به عليه إلى الهاشمي حل له لأن النبي ﷺ (أكل مما تصدق به على بريرة وقال: إنها قد بلغت محلها). الشيخ: كل من أخذ مالاً بحق فله أن يدفعه إلى غيره بحق وإن كان هذا الثاني لا يحل أن يأخذه بالسبب الذي أخذه الأول فالنبي ﷺ لا تحل له الصدقة لا التطوع ولا الواجبة لكنه أكل من الصدقة التي بذلت إلى بريرة لأن بريرة أخذتها بحق ثم أخذها الرسول بحق مع أن الرسول لو أخذها بالسبب الذي أخذته بريرة لم تحل له لكن هذه قاعدة مفيدة أن من أخذ مالاً بحق ثم دفعه إلى آخر بحق حل للثاني وإن كان الثاني لو أخذه بالسبب الأول لم يحل وأما أخذه من الكفارة فيه شيء عندي يعني الوجه الثاني الذي ذكره المؤلف قد يكون أقرب إلى الصواب لأن الكفارة واجبة تشبه الصدقة فهي إلى الزكاة أقرب من الصدقة. فصل

стр. 1099

القارئ: وإذا دفع رب المال الصدقة إلى غني يظنه فقيرا ففيه روايتان إحداهما: لا يجزئه لأنه دفعها إلى غير مستحقها فأشبه دفع الدين إلى غير صاحبه والثانية: يجزئه لأن النبي ﷺ اكتفي بالظاهر لقوله للرجلين (إن شئتما أعطيتكما منها ولاحظ فيها لغني) وهذا يدل على أنه يجزيء ولأن الغنى يخفى فاعتبار حقيقته يشق ولهذا قال الله تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) وإن بان كافر أو عبداً أو هاشميا لم تجزئه رواية وحدة لأن حال هؤلاء لا تخفى فلم يعذر الدافع إليهم بخلاف الغني.

стр. 1100

الشيخ: هذا الفصل معناه إذا دفع الإنسان الزكاة إلى من ظنه أنه من أهلها وتبين أنه ليس من أهلها فإنها لا تجزئه مثل ظن أن هذا ابن سبيل وهو ليس كذلك ظنه حراً فبان عبداً وما أشبه ذلك فإنها لا تجزئه إلا إذا دفعها إلى غني يظنه فقيراً فإنها تجزيء الدليل استدل المؤلف ﵀ بما لا دلالة فيه استدل بأن النبي ﷺ قال للرجلين الجلدين: (إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) فأعطاهما فهل بان أنهما كانا قويين أو غنيين؟ لا إذاً لا يتم الاستدلال لكن هناك دليل واضح وهي قصة الرجل الذي حدَّث عنه النبي ﵊ أنه خرج ذات يوم ليتصدق فتصدق فوقعت في يد سارق فأصبح الناس يتحدثون تُصدِّق الليلة على سارق فقال: الحمد لله على سارق ثم خرج الليلة الثانية فوضع صدقته في يد بغي يعني زانية والعياذ بالله فأصبح الناس يتحدثون تُصدِّق الليلة على زانية فقال: الحمد لله على زانية ثم خرج الليلة الثالثة فتصدق فوقعت صدقته في يد غني فأصبح الناس يتحدثون فقال: الحمد لله سارق وزانية وغني وهو يريد أن تقع في يد فقير متعفف فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت ممن تصدقت عليهم أما السارق فلعله يستغني مما تعطيه وكذلك الزانية تتعفف وكذلك الغني يعتبر فيتصدق لأن نيته طيبة فربما تفيد، هذا واضح أنه إذا أعطى زكاته إلى غني يظنه فقراً فإنها تجزيء بقينا إذا أعطاها لغير الغني ممن تحل لهم الزكاة فبان بخلافه يقول المؤلف: إنها لا تجزيء أعطى عبداً وهو فقير يظنه حراً فتبين أنه عبد يقول لا تجزيء ماذا يصنع؟ يأخذها من العبد وإذا العبد أبى فيضمنها للفقراء وهذه تذهب عليه وإذا أعطاها لكافر يظنه مسلماً ثم تبين أنه كافر والكافر لا تحل له الزكاة إلا في حال واحدة وهي التأليف فلو تبين أنه كافر لا تجزئه ماذا يصنع؟ يسترجعها منه ولو أبى فإنه يضمنها للفقراء ويطالب الكافر يوم القيامة وإذا أعطاها شخصاً من سائر الناس وتبين أنه

стр. 1101

هاشمي والهاشمي من آل البيت وآل البيت لا تصح دفع الزكاة إليهم فماذا يصنع؟ نقول: إنها لا تجزيء استرجعها منه فإن أبى فعليك الضمان وعلَّل المؤلف ﵀ بعلة عليلة قال: لأن حال هؤلاء لا تخفى فلم يعذر الدافع إليهم بخلاف الغني هذا في الواقع فيه نظر ما الذي يعلمنا أن هذا الرجل الذي عليه ثياب متقشفة وظاهر عليه البؤس ما أدري هل هو عبد أو حر ما الذي يعلمنا؟ كذلك أيضاً الكافر فالبلد فيه عمالة كثيرة عمال كثيرون كثير منهم كافر فخرجت بزكاتي وأعطيت هذا الرجل لأني تبين لي حسب ظني أنه مسلم ثم تبين أنه كافر ألا تخفي حاله؟ بلى ولذلك يسأل كثير من الناس يقول هل أسلّم على كل من لقيت من هؤلاء العمال وأنا لا أدري أمسلم هو أو كافر؟ فالحال تخفى كذلك أشد من هذا الهاشمي ألا تخفى حاله؟ أين الرجل الذي يعرف أنساب الناس ثم أين الرجل الذي يعرف أن هذا من بني هاشم فإذا أعطيت رجلاً في المسجد على أنه فقير وهو فقير لكنه من بنى هاشم وبنو هاشم لا تحل لهم الصدقة ثم تبين لي أن هذا الرجل من بني هاشم نقول ما تجزيء والصواب أن الزكاة تجزيء إذا دفعها إلى من يظنه أهلاً بعد التحري عند الشك فإذا غلب على ظنه أن هذا من أهلها فأعطاها أجزأت سواء كان المانع من إعطائه الغنى أو غيره هذا هو الصحيح لأن القياس هنا جلي واضح إذ لا فرق بين شخص غني تظنه فقيراً وبين شخص تظنه ليس من أهل البيت فيتبين أنه من آل البيت لا فرق فالقياس هنا جلي فإذا دلت السنة على أنه إذا تصدق على غني يظنه فقيراً فتبين أنه غني فالصدقة مقبولة فكذلك بقية الأصناف. فصل القارئ: وإذا تولى الرجل إخراج زكاته استحب أن يبدأ بأقاربه الذين يجوز الدفع إليهم لقول النبي ﷺ : (صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة) رواه الترمذي والنسائي ويخص ذوي الحاجة لأنهم أحق ومن مات وعليه دين وزكاة لا تتسع تركته لهما قسمت بينهما بحصصهما لأنهما تساويا في الوجوب فتساويا في القضاء.

стр. 1102

الشيخ: المسألة الأولى واضحة أنه إذا كان أقاربه من أهل الزكاة فهم أولى من غيرهم لأن صدقته عليهم صدقة وصله. المسألة الثانية رجل مات وعليه زكاة ودين عليه مثلاً ألف ريال زكاة وألف ريال دين ولم يخلف إلا ألف ريال فماذا نصنع؟ يقول المؤلف: إنها تقسم بين الزكاة وبين الدين والمثال الذي ذكرنا تقسم نصفين خمسمائة تُعطى للزكاة في أهل الزكاة وخمسمائة تعطى في الدين وهذا الذي ذكره ﵀ هو الأولى وقال بعض العلماء: يقدم حق الله لأن النبي ﷺ قال: (اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) وبعضهم قال: يقدم الدين لأنه حق أدمي وحق الآدمي مبني على المشاحة فيقدم ولا أدرى أفيها قول آخر أن السابق منهما يقدم كما لو كان الدين قد حل قبل وجوب الزكاة أو لا؟ إن كان أحد قد قال بذلك: فهذا قول رابع وأقرب الأقوال ما مشى عليه المؤلف ﵀ أنه يقسم بينهما لأن كلاً منهما دين ثابت في ذمة هذا الميت فتساويا وأما قوله ﷺ : (اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) فالمعنى أنه إذا كان يقضى دين الآدمي فدين الله أولى بالقضاء وليس فيه ذكر التزاحم وكلامنا الآن في مسألة التزاحم. السائل: هل يجوز للغني أن يشتري زكاته من الفقير الذي أعطاه الزكاة؟ الشيخ: لا، لا يجوز فقد حمل عمر بن الخطاب على فرس له فأضاعه الذي أعطاه إياه فأراد عمر أن يشتريه فاستفتى النبي ﷺ في ذلك فقال: (لا تأخذه وإن أعطاك بدرهم لا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) والتعليل أن هذا الفقير إذا كانت الشاة التي دفعتها إليه تساوي مائة سوف يبيعها عليه بثمانين كي يعطيه في العام القادم لأنه حاباه بها. السائل: بارك الله فيك الصدقة على المدين بقدر دينه ألا يدخل في شراء الصدقة وهو لم يشترط عليه قضاء الدين؟

стр. 1103

الشيخ: ما في مانع أبرأ ذمته ولا يدخل في باب الشراء لأن ما فيه محاباة هنا صاحب المال أبرأ ذمة هذا الرجل والرجل الذي أخذها يمكن أن يعطيها غيره لأنه ما قال ردها عليّ. باب صدقة التطوع القارئ: وهي مستحبة لقول الله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً). الشيخ: اليهود عليهم لعائن الله إلى يوم القيامة لما نزلت هذه الآية قالوا للنبي ﵊: إن ربك افتقر وليس بغريب عليهم بأن يسبوا الله ويسبوا رسوله هم آذوا موسى وسبوه وآذوا الله وسبوا الله فيقال: قاتلكم الله أنى تؤفكون هل الدرهم التي أنت تتصدق بها هل تصل إلى الله أو إلى المخلوق؟ تصل إلى المخلوق لكن لكرم الله جعل هذا كالقرض الذي يكون لزاماً عليه أن يثيب عليه ومعروف أن الإنسان إذا استقرض من آخر فإن لزاماً عليه أن يوفيه فجعل الله الصدقة التي ابتغى بها وجه الله جعلها كأنها استقراض لأبد من إيفائه وهذا من كرمه والعجب أنه هو الذي منَّ بالمال ثم يمن بالثواب عليه وهو الذي قال: (هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ) إحساننا نحن من الله هو الذي منَّ علينا به وأحسن علينا به ومع ذلك يقول: (هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ) وهذا من كمال كرمه . القارئ: وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل) متفق عليه. الشيخ: لفظ الحديث (من تصدق بعدل تمرة من طيب) لكن الذين ينقلونها من الأصول يقولون من كسب طيب والأصول فيها من طيب وهو أعم لأن من طيب يشمل ما طاب كسباً وعيناً فهو أعم وقوله

стр. 1104

صلى الله عليه وسلم: (ولا يصعد إلى الله إلا الطيب) وجاء في القرآن: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ). القارئ: وصدقة السر أفضل لقول الله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) وجاء عن النبي ﷺ : (أن صلة الرحم تزيد في العمر وصدقة السر تطفيء غضب الرب) رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. الشيخ: المؤلف ﵀ يقول: إن صدقة السر أفضل ولا شك أنها أفضل لأن فيها فائدتين عظيمتين لا تحصلان في صدقة الجهر:

стр. 1105

الفائدة الأولى: أنها أقرب إلى الإخلاص والفائدة الثانية: أبعد عن كسر قلب المعطى لأنك إذا تصدقت على شخص أمام الناس انكسر قلبه فهاتان الفائدتان لا توجدان في صدقة العلانية وإنما توجدان في صدقة السر ولكن إذا دعي إلى الصدقة على سبيل العموم وتصدق الإنسان مثل أن يقوم شخص يجمع للمجاهدين في سبيل الله أو لفقراء في بلد ما فهل الأفضل أن تكون سراً أو تكون علناً؟ الثاني أفضل وهنا بالنسبة لكسر قلب المعطى لا ينكسر قلبه لأن هذه الصدقة لا تعطى لشخص معين أمام الناس لكن يبقى المصارعة الآن بين إعطائها سراً لأنه أشد إخلاصاً وبين إعطائها جهراً فنقول في هذه الحال إعطاؤها جهراً أفضل وذلك من أجل أن يُقتدى بالإنسان ولهذا لما جاء الأنصاري بِصُرةٍ معه حين دعى النبي ﷺ إلى الصدقة أتى بصرة كثيرة فأخذها النبي ﵊ وقال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) فإذا كان إعطاؤك الصدقة جهراً يحصل به الاقتداء وأن الناس يتسارعون إلى ذلك صارت هنا أفضل من السر حينئذٍ نقول الصدقة سراً أفضل ما لم يكن هناك مصلحة فالعلانية أفضل ولهذا مدح الله الذين ينفقون أموالهم سراً وعلانية ولم يذكر المؤلف ﵀ ما ثبت في الصحيح من (أن سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) الشاهد في الأخير (أخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) هذا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. القارئ: والأفضل الصدقة على ذي الرحم للخبر.

стр. 1106

الشيخ: الخبر هو (أن صلة الرحم تزيد في العمر) وهذا الحديث وأشباهه مما أشكل على بعض أهل العلم وقال كيف تزيد الصلة في العمر والعمر محدد (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ) فكيف تزيد فيه فيقال: هذا لا إشكال فيه والحمد لله هذا جاء في القرآن وجاء في السنة قال نوح لقومه: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) فجعل ذلك من أسباب تأخيرهم إلى أجل مسمى وقال: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ) ولا تناقض بين هذا وما قبله يعنى أن أجل الله إذا جاء بالعذاب لا يؤخر لكن إذا رجعتم إلى الله واستغفرتم الله قبل ذلك أخركم إلى أجل مسمى وكذلك (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) نقول لا تناقض والحمد لله لأن هذا الذي قاله الرسول ﵊ من باب الحث على صلة الرحم وإذا كان الله قد قدر للإنسان أجلاً مسمى مبنياً على صلة الرحم فسوف تكون صلة الرحم وسوف يكون تأخير الأجل لأن القدر سر مكتوم لا نعلمه فمثلاً إذا وفق الإنسان وقبل هذا الحديث ووصل رحمه علمنا أن الله تعالى جعل له سبباً يكون به سعة الرزق وطول العمر وإذا لم يوفق علمنا أن الله تعالى قد أنقص عمره لأنه لم يوفق لذلك فهو قد كتب لا الذي وصل وزاد ولا الذي قطع ونقص عمره (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَاب) فعندي أن المسألة ما فيها إشكال حتى أننا نقول: من أراد أن يكون له أولاد فليتزوج ممكن نقول هكذا ولا لا؟ نعم نقول هذا وإذا قدر أن يتزوج علمنا أن الله قدر له أولاد لأنه سبب وجد فلا إشكال في قوله (صلة الرحم تزيد في العمر) وأما محاولة بعض العلماء أن يقول المراد بالزيادة هنا البركة فلاشك أن البركة فيها زيادة لكن ليست هي المرادة في الحديث.

стр. 1107

القارئ: ولقول الله تعالى: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ) والصدقة في أوقات الحاجة أكثر ثوابا للآية. الشيخ: (فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) معنى المسغبة: المجاعة (يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ) جمع وصفين اليتم والقرابة كأولاد الأخ مثلاً فأولاد الأخ إذا مات أبوهم وهم صغار فهم أيتام وذوو مقربة. القارئ: وكذلك على من اشتدت حاجته ولقول الله تعالى: (أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ). الشيخ: إذا اجتمع فضيلة الوقت وحاجة الفقير يقدم حاجة الفقير فمثلاً إذا كان عند الإنسان زكاة وقدر أن الناس أصيبوا بمسبغة قبل حلول أجلها وكان أجل الزكاة عنده في رمضان وهو وقت فاضل ومحل للصدقة لكن اشتدت حاجة الفقراء قبل رمضان فالأفضل أن نبادر وأن ندفع حاجة الفقراء ولدينا قاعدة تشير إلى هذا إذا اجتمع في العبادة فضيلة تتعلق بمكانها أو زمانها أو في نفس العبادة فأولى بالمراعاة ما يتعلق بنفس العبادة ولهذا أمثلة قال العلماء الرمل في طواف القدوم أولى من الدنو من الكعبة وقال النبي ﷺ : (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) فلو تعارض عند الإنسان أن يصلي الصلاة في أول وقتها لكن مع مدافعة الأخبثين أو أن يؤخرها وتزول المدافعة قلنا أخر. القارئ: والصدقة في الأوقات الشريفة كرمضان وفي الأماكن الشريفة تضاعف كما يضاعف غيرها من الحسنات والنفقة في سبيل الله تضاعف سبعمائة ضعف لقول الله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ).

стр. 1108

الشيخ: الصواب أن التضعيف إلى سبعمائة عام في كل الطاعات كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ فيمن عمل حسنة فإنه يكتب له عشرة حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ولكن لا شك أن الإنفاق في سبيل الله أفضل من الإنفاق في غيره والصدقة في رمضان أفضل من الصدقة في غيره والصدقة في الأماكن الفاضلة كمكة والمدينة أفضل ولهذا عند الفقهاء قاعدة تضاعف الحسنات والسيئات في زمان أو مكان فاضل وتضاعف السيئات بالكيفية ما هو بالعدد فالسيئة ما يمكن أن تُجزى بأكثر من سيئة لكن الفرق بالكيفية كلنا يعلم الفرق بين الضرب الشديد والضرب الخفيف. فصل القارئ: ومن عليه دين لا يجوز أن يتصدق صدقة تمنع قضاءه لأنه واجب (فلم يجز) تركه. الشيخ: عندي في المخطوط (فلا يجوز) نسخة، وهذا واضح يعني إنسان مثلاً عليه دين والدين هذا حال وتصدق نقول: لا تتصدق اقض الدين قال: أنا سأتصدق بعشرة ريالات وأنا علي عشرة آلاف وسأتصدق بعشرة ريالات فقط ماذا نقول له؟ العشرة ريالات هذه اعطها الدائن ويبقى عليك عشرة آلاف إلا عشرة ريالات والمرة الثانية كذلك وكما قال العوام: قطرة مع قطرة تأتي غديراً أو وداياً ففي هذا الشهر عندك عشرة تتصدق بها والشهر الثاني عشرة تتصدق بها أما إذا كان الدين مؤجلاً وإذا حل وعندك ما يوفيه فتصدق ولا حرج لأنك قادر وكذلك نفقة العيال فهي مقدمة على الصدقة ومن نعمة الله أن إنفاقك على أولادك صدقة بل إنفاقك على نفسك صدقة كما ثبت عن النبي صلي ﵊ وهذه من سعة رحمة الله فالإنسان يقضي شيئاً واجباً عليه ومع ذلك يثاب ثواب الصدقة الواجبة لأن إنفاقك على نفسك وأولادك واجب.

стр. 1109

القارئ: ولا يجوز تقديمها على نفقة العيال لأنها واجبة وقد قال النبي ﷺ : (كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت) رواه أبو داود وروى أبو هريرة قال: أمر النبي ﷺ بالصدقة فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي دينار قال: (تصدق به على نفسك قال: عندي آخر قال: تصدق به على ولدك قال: عندي آخر قال: تصدق به على زوجك قال: عندي آخر قال: تصدق به على خادمك قال: عندي آخر قال: أنت أبصر) رواه أبو داود. الشيخ: وهذا واضح أن الواجب البداءة بالواجب وأول ما واجب عليك نفسك ابدا بنفسك ثم بمن تعول ولكن قد تكون هناك أحوال تطرأ يكون تقديم غير أهلك أمراً مؤكداً كدفع ضرورة جائع سيموت مثلاً. إذا أنقذته بطعام وأهلك لا يموتون لو لم تطعهم الآن هنا نقدم الجائع ندفع ضرورته. القارئ: فإن وافقه عياله على الإيثار فهو أفضل لقول الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ). الشيخ: هذا وصف الأنصار ﵃: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) يعني لا يجدون في صدورهم حاجة على المهاجرين مما آتاهم الله من فضل الهجرة والنصرة لأنه ما عندهم حسد: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)

стр. 1110

القارئ: وقال النبي ﷺ : (أفضل الصدقة جهد من مقل إلى فقير في السر) رواه أبو داود ومن أراد الصدقة بكل ماله وكان يعلم من نفسه حسن التوكل وقوة اليقين والصبر عن المسألة أو كان له مكسب يقوم به وذلك أفضل له وأولى به لأن أبا بكر الصديق ﵁ تصدق بكل ماله فروي عن عمر أنه قال: أمرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق مالاً عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً فجئت بنصف مالي فقال رسول الله ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ قلت: أبقيت لهم مثله فأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال رسول الله ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ فقال: الله ورسوله فقلت لا أسابقك إلى شيء ابداً) وإن لم يثق من نفسه بهذا كره له لما روي أن النبي ﷺ قال: (يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس خير الصدقة ما كان عن ظهر غني) وقال النبي ﷺ لسعد: (إنك أن تدع أهلك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس) متفق عليه ويكره لمن لا صبر له على الإضاقة أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة. الشيخ: كل هذا صحيح لأن البداءة بالنفس أولى ثم بمن توجب مؤنتهم ثم بالأجانب. السائل: بعض الناس أحياناً يكون عليه دين ويكون لقريب أو صديق ولو تأخر عنه لما لامه ثم يقول إنه يحرج في بعض المواقف إلى أن يتصدق؟ الشيخ: ليست المسألة أن صاحب الدين يرضى أو يوافق لأن المسألة ذمتك وإلا كثير من الناس يستسلف من أخيه أو صديقه أو ما أشبه ذلك ويعلم أنه لا يهمه لو مكث عشرة سنين لكن العلة هي براءة الذمة لكن قد يقال: إنه إذا صار موقف حرج مثل ما قلت فربما يقال: إنه لا بأس به لأسيما إذا صار قريباً. السائل: توفي شخص عن دين وتعهد آخر بسداده لصاحبه هل تبرأ ذمة الميت بذلك؟

стр. 1111

الشيخ: هذه فيها خلاف وقصة أبي قتادة ﵁ لما تحمل الدينارين تقدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصلى على الميت قالوا: وصلاته عليه يدل على أنه برئت ذمته لكن في بعض روايات الحديث كان الرسول يسأل أبا قتادة حتى قال: (أديتهما قال: الآن بردت عليه جلدته) فهذا يدل على أنه لا يبرأ الميت منها براءة تامة حتى تقضى وذلك لأن الضامن قد يماطل وربما يعسر والأصل أن وجوب الدين على الميت ولو تعهد خطياً أو بشهود أو برضاء صاحب الدين.

стр. 1112

كتاب الصيام القارئ: صيام رمضان أحد أركان الإسلام وفروضه لقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) الآيات، وعن أبي هريرة رضي عنه قال: بينا رسول الله ﷺ يوماً بارزاً للناس إذ أتاه رجل فقال يا رسول الله ما الإسلام؟ قال (أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان) متفق عليه. الشيخ: الصيام في اللغة الإمساك ومنه قوله تعالى (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً) أي إمساكاً عن الكلام بدليل قوله (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً) وقول الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما

стр. 1113

فهو الإمساك لكنه في الشرع هو التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. التعبد لله ليس مجرد الإمساك، التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وفرض في السنة الثانية من الهجرة بالإجماع فصام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسع رمضانات بالإجماع وكان أول فرضه أن الإنسان مخير بين أن يصوم أو يفدي ثم لما اطمأنت النفوس قبلت الفريضة فألزم الله تعالى عباده أن يصوموا وجعل الفدية فيمن لا يستطيع أن يصوم إذا كان عجزه عجزاًُ لا يرجى زواله ثم إن الصيام من حكمة الله حتى يتم أنواع التكليف لأن التكليف الذي كلف الله به العباد منه شيء يكون ببذل ما يحبه الإنسان مثل الزكاة فإن الزكاة بذل ما يحبه الإنسان كما قال تعالى (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً) وقد يكون التكليف بمشقة البدن كالحج وقد يكون التكليف بترك المحبوب مثل الصيام وقول المؤلف إنه أحد أركان الإسلام هذا أمر معروف وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ففي قوله (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) فائدتان الفائدة الأولى تسلية هذه الأمة بأنها لم تلزم بشيء يشق عليها وحدها بل ألزمت به الأمم السابقة والفائدة الثانية بيان استكمال هذه الأمة للفضائل التي كانت لمن سبقها وهذا من نعمة الله على هذه الأمة أن الله تعالى استكمل الفضائل التي سبقت للأمم والآيات شرحها يطول فلا حاجة أن نتعرض لها إلا إجمالاً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) التشبيه هنا للفرض بالفرض ولا يلزم أن يتساوى المفروض قد يكون صيامهم مخالفاً لصيامنا لكن الفرض متفق وقوله (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الجملة

стр. 1114

التعليلية لبيان الحكمة من إيجاب الصيام علينا وهي تقوى الله ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) (أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ) أتى بهذه الصيغة تقليلاً لها لتهون على النفوس فإنها ليست سنين ولا أشهراً ولا أسابيع بل هي أياماً ثم هي معدودات يدركها العد ويحصيها العاد (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) هذا تخفيف آخر فالمريض الذي يشق عليه الصوم والمسافر عليهما عدة من أيام أخر (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) أي يستطيعونه فدية طعام مسكين (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ذكر أن على المطيقين فدية وهي إطعام مسكين ثم بين أن الحكم هو مخير فيه (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) أي تطوع بالفدية (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وأن تصوموا خير لكم من الفدية، وهنا يحسن الوقوف (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) ويحسن الوقوف أيضاً في كل موضع كان شبه هذا الموضع وقوله تعالى (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي إن كنتم من ذوي العلم فافهموا هذا واعلموه وإنما قلنا يحسن الوقوف لأنك لو وصلت وقلت (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) صارت الخيرية مشروطة بعلمنا وليس الامر كذلك ثم بين الله تعالى هذه الأيام المعدودات بأنها شهر فقال (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) وسُمي رمضان لأن تسميته كانت في وقت الحر الشديد والرمضاء فوضعه العرب لمناسبة زمنه وسَمَّوه (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) وكأن هذا والله أعلم بيان للحكمة من تخصيص الصوم بشهر رمضان أنه الشهر الذي

стр. 1115

أنزل الله فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان هدى للناس عموماً وهذا هداية الدلالة وبينات علامات واضحات من الهدى أي من العلم والفرقان: التمييز بين كل ما يحتاج للتمييز بين الحق والباطل والمؤمن والكافر والبر والفاجر والهدى والضلال وغير ذلك (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) سواء شهد الشهر بنفسه في برية لا يقتضي مخالفة الجماعة في صومه فليصمه وإن لم يسمع خبره أو شهده حكماً بأن كان في بلد فشهد بذلك شاهدان أو شاهد واحد وحكم القاضي بذلك فإنه يجب الصوم (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ولم يقل وعلى الذين يطيقونه لأن هذه الآية ناسخة للآية الأولى فأوجب الله الصيام عيناً ثم رخص في الفطر لمن كان مريضاً وبين الله أنه أراد بذلك التيسير على عباده فقال (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) هذه خلاصة يسيرة من الكلام على هذه الآيات العظيمة. القارئ: ولا يجب إلا بشروط أربعة الإسلام فلا يجب على كافر أصلي ولا مرتد. والعقل فلا يجب على مجنون. والبلوغ فلا يجب على صبي لما ذكرنا في الصلاة وقال بعض أصحابنا يجب على من أطاقه لما روى عبد الرحمن بن أبي لبيبة قال: قال رسول الله ﷺ (إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام شهر رمضان)، ولأنه يعاقب على تركه وهذا هو حقيقة الواجب والمذهب الأول: لقول النبي ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ) ولإنه عبادة بدينة فلم يلزم الصبي كالحج وحديثهم مرسل ثم يحمل على تأكيد الندب كقوله (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) لكن يؤمر بالصوم إذا أطاقه ويضرب عليه ليعتاده كالصلاة.

стр. 1116

الشيخ: يقول المؤلف لا يجب إلا بشروط أربعة الأسلام لا يجب على كافر أصلي ولا مرتد لكن هل يأثم بتركه؟ الجواب نعم يأثم بتركه ويعاقب عليه ولا سيما المرتد وعلى هذا فمن لا يصلي لا يجب عليه صوم رمضان ولو صام لم يصح لانه كافر مرتد لكنه يأثم بذلك عند الله . والثانى: العقل فلا يجب على مجنون لأن الصيام نية وإمساك والمجنون لا نية له ولا يعقل ولا يفهم ولهذا رفع القلم عنه كما جاء في الحديث ومثل ذلك من فقد حاسته لكبر أو حادث لا يرجى زواله فإنه لا يجب عليه الصوم مثل المهذري كبير السن الذي بلغ سناً لا يحسن فيه القول فهو بمنزلة الصبي وليس عليه صوم وكذلك من أصيب بحادث أذهب عقله على وجه لا يرجى برؤه أما اذا كان يرجى برؤه بأن أغمي عليه فقط فهذا إذا أفاق فإنه يقضي لكن إذا زال عقله كلياً فإنه لا صوم عليه يعني وإذا لم يكن عليه صوم فلا فدية عليه. الثالث البلوغ فلا يجب على الصبي لأنه مرفوع عنه القلم ولأنه ليس أهلاً لأن يكلف لصغره وعدم تحمله وأما الرواية الثانية أنه يجب فإنها ضعيفة لكن العلماء قالوا يجب على ولي أمره أن يأمره به ويضربه عليه ليعتاده لأنه يحتاج إلى تعويد النفس وترويضها حتى إذا بلغ وإذا هو قد استعد وتهيأ.

стр. 1117

القارئ: فإن أسلم كافر أو أفاق مجنون أو بلغ صبي في أثناء الشهر لزمهم صيام ما يستقبلونه لأنهم صاروا من أهل الخطاب فيدخلون في الخطاب فيه ولا يلزمهم قضاء ما مضى لأنه مضى قبل تكليفهم فلم يلزمهم قضاؤه كرمضان الماضي وإن وجد ذلك منهم في أثناء نهار لزمهم إمساك بقيته وقضاؤه، وعنه لا يلزمهم ذلك لأنه نهارٌ أبيح لهم فطر أوله ظاهراً وباطنا فلم يلزمهم إمساكه كما لو استمر العذر، ولأنهم لم يدركوا من وقت العبادة ما يمكنهم التلبس بها فيه فأشبه ما لو زالت أعذارهم ليلا وظاهر المذهب الأول لأنهم أدركوا جزءاً من وقت العبادة فلزمهم قضاؤها كما لو أدركوا جزءاً من وقت الصلاة ويلزمهم الإمساك لحرمة رمضان كما لو قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار وإن بلغ الصبي وهو صائم لزمه إتمام صومه رواية واحدة لأنه صار من أهل الوجوب فلزمه الإتمام كما لو شرع في صيام تطوع ثم نذر إتمامه قال القاضي ولا يلزمه قضاؤه لذلك وقال أبو الخطاب يلزمه القضاء كما لو بلغ في أثناء الصلاة. الشيخ: هؤلاء الثلاثة حدث سبب الوجوب في حقهم الصبي بلغ والثاني الكافر أسلم والثالث المجنون أفاق يعني أنه حدث سبب الوجوب في حق هؤلاء فما مضى لا يقضونه لأنهم ليسوا أهلاً للوجوب وما يستقبل يصومونه لأنهم صاروا أهلاً للوجوب بقينا في اليوم الذي يحدث فيه سبب الوجوب ماذا عليهم؟ فصارت الأحوال الآن ثلاثة الأولى ما مضى قبل وجود سبب الوجوب فهذا لا يلزمهم قضاؤه لأنهم ليسوا أهلاً لوجوبه. والثاني ما يستقبل يلزمهم فعله لأنهم صاروا أهلاً للوجوب.

стр. 1118

والثالث إذا كان هذا في أثناء النهار مثال ذلك رجل كافر فأسلم في أثناء النهار أسلم قبل الزوال في اليوم العاشر نقول: الأيام التسعة لا يلزمه قضاؤها لأنه ليس أهلاً للوجوب والحادي عشر وما بعده يلزمه صيامها لأنه صار من أهل الوجوب وأما العاشر قال بعض أهل العلم إنه يلزمهم الإمساك والقضاء وهذا هو المذهب قالوا يلزمهم الإمساك لحرمة الزمن ويلزمهم القضاء لأنهم لم يصوموا يوماً كاملاً فلزمهم قضاؤه وقيل إنهم لا يلزمهم الإمساك ولا القضاء لأنهم ليسوا من أهل الوجوب في أول النهار والصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فهم ممن يباح لهم الأكل ظاهراً باطناً في أول النهار فلا يلزمهم إمساك ولا قضاء وهذا عكس القول الأول. القول الثالث يلزمهم الإمساك دون القضاء وهذا هو الراجح أنه يلزمهم الإمساك لأنهم صاروا من أهل الوجوب ولا يلزمهم القضاء لأنهم في أول النهار ليسوا من أهل الوجوب وهذا هو الذي تقوم عليه الأدلة فإنهم في أول النهار ليسوا من أهل الوجوب لا ظاهراً ولا باطناً وفي آخر النهار من أهل الوجوب ظاهراً وباطناً فيلزمهم الإمساك وأما القضاء فلا يلزمهم انتبهوا لهذه المسألة وهذا إذا حدث سبب الوجوب أما إذا ارتفع المانع فسيأتي إن شاء الله الكلام فيه.

стр. 1119

وكلام أبي الخطاب ﵀ حيث قال إنه يلزمه القضاء كما لو بلغ في أثناء الصلاة، فالصبي إذا بلغ في أثناء النهار والصواب كما علمتم أنه لا يلزمه القضاء لكن إذا بلغ في أثناء الصلاة فأبو الخطاب يرى أنه يلزمه قضاؤها لأنه شرع فيها على أنها نافلة والصحيح أنه لا يلزمه قضاؤها وأن الصبي إذا بلغ في أثناء الصلاة فإنه يكملها وتجزئه عن الفريضة لأنه قام بما أمر به وليست نفلاً مطلقاً فصلاة الصبي للظهر مثلاً هل هو يصليها على أنها نفلٌ مطلق أو يصليها على أنها صلاة ظهر؟ على أنها صلاة ظهر ووصفها بأنها نافلة قبل البلوغ وفريضة بعد البلوغ تتعلق بالصلاة نفسها لا يتعلق بالفاعل وعلى هذا فإذا بلغ في أثناء الصلاة فإنه لا قضاء عليه يستمر وتصح صلاته فريضة فإن قال إنسان كيف يبلغ في أثناء الصلاة؟ أما العانة فالظاهر أنه لا يمكن ذلك وأما الإنزال يمكن ولكن لو أنزل بطلت صلاته والزمن وهو تمام خمس عشرة سنة نقول: هذا الإنسان محرر ولادته في الساعة الواحدة من بعد الظهر في اليوم الخامس عشر من شهر محرم مثلاً وفي الساعة الواحدة من شهر محرم الذي يتم فيه خمس عشرة سنة حينئذ يكون بلغ فإذا صادف أن هذه الساعة هو يصلي قلنا هذا الرجل فى أول صلاته كان غير بالغ وفى آخر صلاته أصبح بالغاً والصحيح أنه لا يلزمه القضاء. فصلٌ القارئ: الشرط الرابع الإطاقة فلا يجب على الشيخ الذي يجهده الصوم ولا المريض الميئوس من برئه لقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) وعليه أن يطعم لكل يومٍ مسكيناً لقوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) قال ابن عباس كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما لا يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما عن كل يوم مسكيناً والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا رواه أبو داود فإن لم يكن له فدية فلا شيء عليه للآية الأولى.

стр. 1120

الشيخ: الإطاقة ضدها العجز والعجز نوعان عجز يرجى زواله وعجز لا يرجى زواله فأما العجز الذي لا يرجى زواله فقد بينه الله في كتابه فقال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) هذا نقول: انتظر حتى يزول المانع ثم تقضي الصوم أما العجز الذي لا يرجى زواله كالكبر والمرض الذي لا يرجى برؤه هذا لا يلزمه الصوم لأنه عاجز ولكن ماذا يصنع؟ يطعم عن كل يوم مسكيناً لقول الله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ومعنى يطيقونه قيل معناها يتكلفونه أي يبلغ طاقتهم بحيث لا يحتملونه وقيل وهو الصحيح يطيقونه أي يدخل تحت طاقتهم ويدركونه بلا مشقة والدليل على هذا أنه ثبت في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أنه أول ما فرض الصيام كان الناس يُخيَّرون من شاء صام ومن شاء افتدى حتى أنزل الله تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) فلزم الصوم ويدل على هذا القول وإن كان ثابتاً في الصحيحين أيضاً هو ظاهر الآية (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) إذاً يخاطب الله الذين يستطيعون فقال (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) ولكن وجه قول ابن عباس ﵁ إنها نزلت في الكبير والشيخ والشيخة وجه ذلك والله أعلم أن الله جعل الإطعام عديلاً للصوم حين كان التخيير بينهما فإذا تعذر الصوم رجعنا إلى الإطعام فنقول: لما تعذر الصوم على هؤلاء لزمهم الإطعام ولكن كيف الإطعام هل يطعمون إطعام ثلاثين مسكيناً أو يطعمون ثلاثين مسكيناً؟ يطعمون ثلاثين مسكيناً إن كان الشهر

стр. 1121

ثلاثين أو يطعمون تسعة وعشرين مسكيناً إن كان الشهر تسعة وعشرين والفرق بين العبارتين إذا قلنا إطعام ثلاثين صار يجوز أن نعطيها واحداً وهذا لا يجوز لأن كل يوم له مسكين ولكن هل يعطي المساكين طعاماً يملكونه بأن يعطيهم رزاً أو تمراً أو ما أشبه ذلك أو له أن يطعمهم شيئاً ناضجاً؟ الصحيح أنه مخير وأن ينظر المصلحة إذا كانت المصلحة أن يعطي هؤلاء الفقراء الطعام وهم يطبخونه ويتولونه فهو أفضل وإذا كانت المصلحة في العكس فهو أفضل وهذا يختلف باختلاف الأحوال واختلاف الأزمان يأتي زمان على الناس لا يستطيع الفقير أن يطبخ الطعام فيكون هنا الأولى أن يعطاه ناضجاً فيدعى ثلاثون مسكيناً ويطعمون إما غداءً وإما عشاء وكان أنس بن مالك ﵁ حين كبر كان يدعو ثلاثين فقيراً يطعمهم أدماً وخبزاً وهذا القول هو الصحيح أنه يجوز أن يطعمهم ناضجاً أو نيئاً ولكن الأفضل أن ينظر لمصلحة الفقير. السائل: تارك الصلاة إذا جمع إلى ذلك أنه لايصوم ثم تاب فماذا عليه؟ الشيخ: لا يقضي الصيام لأنه كافر حتى على القول الصحيح لو كان يصلي وهو مسلم ولكن ترك الصوم عمداًَ فإنه لا يقضي لأن القاعدة أن كل عبادة مؤقتة إذا أخرها الإنسان عن وقتها بدون عذر شرعي فإنها لا تقبل منه لقوله ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). السائل: ما معنى (أبيح لهم الفطر ظاهراً وباطناً)؟ الشيخ: ظاهراً وباطناً يعني أصلاً أنه لا يجب عليه الصوم بخلاف ما كان أصلاً يجب عليه الصوم فهذا يباح له ظاهرا وسيأتينا هذا إن شاء الله في وجود الموانع. السائل: لوكرر الإطعام على مسكين واحد فهل يجزيء؟ الشيخ: لا لا يكرره عليه هذا هو معنى قولنا قبل قليل هل يطعم ثلاثين أو يفرق إطعام ثلاثين، لا بد بعدد الأيام. فصل القارئ: ومن لزمه الصوم لم يبح له تأخيره إلا أربعة:

стр. 1122

أحدها الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما فلهما الفطر وعليهما القضاء وإطعام مسكين لكل يوم لما ذكرنا من الآية وإن أفطرتا خوفاً على أنفسهما فعليهما القضاء حسب كالمريض. الثاني الحائض والنفساء لهما الفطر ولا يصح منهما الصيام لما ذكرنا في باب الحيض، والنفاسُ كالحيض فنقيسه عليه ومتى وجد ذلك في جزء من اليوم أفسده وإن انقطع دمها ليلاً فنوت الصوم ثم اغتسلت من النهار صح صومها (لأن النبي ﷺ كان يصبح جُنباً من جماع ثم يغتسل ويتم صومه) متفق عليه وهذه في معناه. الثالث المريض له الفطر وعليه القضاء لقول الله تعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) والمبيح للفطر ما خيف من الصوم زيادته أو إبطاء برئه فأما ما لا أثر للصوم فيه كوجع الضرس والإصبع ونحوه فلا يبيح الفطر لأنه لا ضرر عليه في الصوم ومن أصبح صائماً فمرض في النهار فله الفطر لأن الضرر موجود والصحيح إذا خاف على نفسه لشدة عطش أو جوع أو شبق يخاف أن تنشق أنثياه ونحو ذلك فله الفطر ويقضي لأنه خائف على نفسه أشبه المريض ومن فاته الصوم لإغماء فعليه القضاء لأنه لا يزيل التكليف ويجوز على الأنبياء ﵈ ولا تثبت الولاية على صاحبه فهو كالمريض.

стр. 1123

الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله تعالى الثالث المريض. المريض له الفطر وعليه القضاء وقوله له الفطر اللام هنا للإباحة في مقابلة المنع أي المنع من الفطر فلا يمتنع أن يقول إن الفطر في حقه سنة بل إنه قد يجب الفطر وذلك أن المريض إن تضرر بالصوم لزمه الفطر وإن شق عليه بلا ضرر سن له الفطر وإن كان لا يشق عليه ولا يتضرر به فليس له الفطر وإن كان بعض العلماء قال إن له الفطر لعموم قوله (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ) فكل ما يسمى مرضاً فإنه يبيح الفطر سواء شق عليه أم لم يشق لكن الاحتياط أن يقال لا يفطر المريض إلا إذا كان عليه مشقة فقوله ﵀ له الفطر في مقابل المنع يقول المؤلف وعليه القضاء لقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) والمبيح للفطر ما خيف من الصوم زيادة المرض أو إبطاء برئه هذا هو المبيح فإذا خيف زيادة المرض أو إبطاء برئه أو المشقة بحيث يتعب المريض إذا صام فكل هذا يبيح له الفطر وأما ما لا أثر للصوم فيه كوجع الضرس والإصبع ونحوه فإنه لايبيح الفطر ما لم يكن هناك أشياء تترتب على هذا أما مجرد وجع الضرس فإنه لا يستفيد منه الإنسان إذا أفطر لكن لو قال له الطبيب إنك إذا أفطرت وأكلت الغذاء فإن هذا يهون عليك المرض مرض السن أو الضرس قلنا لا بأس لأنه أحياناً يكون نقص الغذاء سبباً لطول المرض والتألم ووجع العين مثله إذا كان يؤثر عليه الصوم فإنه يفطر وإذا كان لا يؤثر فإنه لا يفطر.

стр. 1124

ومن أصبح صائماً فمرض في أثناء النهار فله الفطر لأن الضرر موجود معناه وإذا حدث ما يمنع الوجوب فهل له الفطر؟ نقول: نعم إذا حدث المرض في أثناء النهار وصار يشق عليه أو يخاف منه الضرر فله أن يفطر لأن الضرر موجود والصحيح إذا خاف على نفسه من شدة العطش أو جوع أو شبق يخاف تشقق الأنثيين أو نحو ذلك فله الفطر لأن هذا بمنزلة المرض إذا خاف العطش لكن ليس المراد مجرد العطش بل العطش الذي يخاف منه الهلاك أو يخاف منه الضرر مثلاً يوجد بعض الناس المصابين بالسّكر يحتاجون إلى الماء كثيراً فإذا كان هو ليس مريضاً يعني ظاهره أنه يروح ويأكل ويشرب نقول: إذا قال الأطباء إن فقد الماء يؤثر عليك وإنه يخشى عيك فله أن يفطر وكذلك الجوع يوجد بعض الناس لا يتحمل لاسيما في أيام الصيف وطول النهار لا يتحمل أن يبقى من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ويخشى على نفسه الضرر فنقول: افطر والأمر واسع والحمد لله وإذا كان يخشى على نفسه من الشبق فإن له الفطر والشبق مرض وليس شدة الشهوة بل هو مرض وقد حدثني بعض المصابين به نسأل الله العافية أنه بمجرد ما يشتهي وتدور شهوته ينزل الماء إلى كيس الخصيتين ثم تنتفخ انتفاخاً عظيماً حتى ينزل ومثل هذا المرض مرض عظيم نسأل الله العافية فإذا كان يخشى تشقق أنثييه فله أن يفطر لأن هذا من أعظم المرض. قال ويقضي لأنه خائف على نفسه لأنه أشبه المريض. القارئ: ومن أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه لأن الصوم الإمساك ولا ينسب ذلك إليه وإن أفاق في جزء من النهار صح صومه لوجود الإمساك فيه وإن نام جميع النهار صح صومه لأن النائم في حكم المنتبه لكونه ينتبه إذا نبه ويجد الألم في حال نومه.

стр. 1125

الشيخ: هذا واضح يعني يفرق بين الجنون والإغماء والنوم فإذا جُنَّ من قبل الفجر إلى غروب الشمس لا شيء عليه لا قضاء عليه وصومه غير صحيح لأنه ليس من أهل التكليف والمغمى إذا أغمي عليه من قبل الفجر إلى غروب الشمس يلزمه القضاء فإن أفاق جزءً من النهار وكان قد نوى الصوم قبل الإغماء فإنه يجزئه. والنائم لو نام قبل طلوع الفجر إلى أن غربت الشمس فصومه صحيح فالنائم ضد المجنون، المجنون ليس عليه قضاء والمغمى عليه قضاء ما لم يفق جزءاً من النهار وكان قد نوى من قبل الفجر والنائم صومه صحيح ولا شيء عليه والفرق ظاهر وهذا بخلاف الصلاة فإن القول الراجح في الصلاة أنه إذا أغمي على الإنسان بغير عمدٍ منه فإنه لا قضاء عليه كما لو أغمي عليه لمرض أو لحادث أو ما أشبه ذلك وإن أغمي عليه بقصد منه كما لو أغمي عليه ببنج فيكون هوالذى قد تعمد فيلزمه قضاء الصلاة. القارئ: الرابع السفر الطويل المباح يبيح الفطر للآية ولايباح الفطر لغيره لما ذكرنا في القصر ولا يفطر حتى يترك البيوت وراء ظهره لما ذكرنا في القصر وللمسافر أن يصوم ويفطر لما روى حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال للنبي ﷺ أصوم في السفر؟ قال (إن شئت فصم وإن شئت فافطر) متفق عليه والفطر أفضل لقول النبي ﷺ (ليس من البر الصوم في السفر) متفق عليه، ولأنه من رخص السفر المتفق عليها فكان أفضل كالقصر.
следующие страницы →