Полный текст (2 447 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
القارئ: ولا يجوز الأكل من الهدي المنذور في الذمة لأنه نذر إيصاله إلى مستحقيه فلم يجز أن يأكل منه كما لو نذر لهم طعاماً وما ساقه تطوعا استحب الأكل منه سواء عينه أو لم يعينه لقول الله تعالى (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) وأقل أحوال الأمر الاستحباب وقال جابر أمر النبي ﷺ من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فأكل منها وحسا من مرقها ولأنه دم نسك فأشبه الأضحية قال ابن عقيل حكمه في الأكل والتفريق حكمها وقال جابر كنا لا نأكل من بدننا فوق ثلاث فرخص لنا النبي ﷺ فقال كلوا وتزودوا فأكلنا وتزودنا رواه البخاري ومسلم نحوه والمستحب الاقتصار على اليسير في الأكل لفعل النبي ﷺ في بدنه وإن أطعمها كلها فحسن فإن النبي ﷺ نحر خمس بدنات ثم قال من شاء اقتطع رواه أبو داود وظاهر هذا أنه لم يأكل منها شيئا ويجوز للمهدي تفريق اللحم بنفسه ويجوز إطلاقه للفقراء استدلالا بهذا الحديث.
стр. 1612
الشيخ: كلام المؤلف أن الهدي المنذور لا يجوز الأكل منه ولو قيل بجواز الأكل منه لأن الناذر إذا قال لله علي نذر أن أهدي هديا وهدي التطوع يؤكل منه فهو يريد الهدي الذي يتطوع به الإنسان لكن هنا مسألة غير مسألة الهدي لو نذر الإنسان أن يذبح شاة أو بعيرا لحصول نعمة أو زوال نقمة كما يفعل بعض الناس يقول إن شفى الله مريضي فلله علي نذر أن أذبح شاة أو أن أذبح بعيرا فهل يأكل منه أو لا يأكل؟ نقول الأصل أن ما كان في مقابلة نعمة فالمراد به شكر النعمة وإذا كان المراد به الشكر صار حقا للفقراء والمساكين فلا يأكل منه شيئا إلا لو دلت القرينة على أن المراد أن يطعم الجيران وأن يفعل حفلا كما لو قيده بالعرس مثلا مثل أن يقول إن تزوج ابني فلله علي نذر أن أذبح بعيرا فهذا نعلم أنه لا يريد بهذا التقرب إلى الله بالبعير أو شكر النعمة وإنما أراد أن يوسع الحفل ويكبره فهذا له أن يأكل والحاصل أن النذر في مقابلة النعمة أو اندفاع نقمة الأصل فيه أنه شكر لله فيكون للفقراء كقوله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) إلا إذا قامت قرينة على أن المراد بذلك الذبح العرفي يعني غير القربة فيعمل بهذه القرينة.
فصل
(فيمن نذر هديا دون تحديده)
стр. 1613
القارئ: إذا نذر هديا مطلقا فأقل ما يجزئه شاة أو سبع بدنة أو بقرة لأن المطلق يحمل على أصله في الشرع ولا يجزئ إلا ما يجزئ في الأضحية ويمنع فيها من العيب ما يمنع فيها وإن عينه بنذره ابتداء أجزأه ما عينه كبيرا أو صغيرا أو حيوانا أو غيره لقول النبي ﷺ (فكأنما قرب دجاجة وكأنما قرب بيضة) وإذا أطلق بالنسبة إلى مكانه وجب إيصاله إلى فقراء الحرم لأن ذلك المعهود في الهدي وإن عين الذبح بمكان غيره في نذره لزمه ذلك ما لم يكن فيه معصية لما روي أن رجلا قال يا رسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة قال هل بها صنم قال لا قال أوف بنذرك رواه أبو داود.
فصل
(فيما يجزئ من وجب عليه هدي)
القارئ: ومن وجب عليه دم أجزأه ذبح شاة أو سبع بدنة أو بقرة لقول ابن عباس في هدي المتعة شاة أو شرك في دم فإن ذبح احتمل أن يكون جميعها واجب كما لو اختار التكفير بأعلى الكفارات واحتمل أن يكون سبعها واجبا وباقيها تطوعا لأن سبعها يجزئه فأشبه ما لو ذبح سبع شياه.
الشيخ: إذا وجب عليه دم أجزأه شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة فإن ذبح بدنة عن الشاة فهل يكون الواجب السُبع أو تكون هي كلها واجبة؟
ذكر فيها احتمالين والظاهر أنه على حسب ما نوى إذا ذبح بدنة فنوى سبعها فقط صار الواجب السُبع والباقي لحم يفعل به ما شاء وإن نواها مطلقا عما وجب في ذمته فهل يقال إنه يثاب ثواب الواجب على سُبع منها والباقي يثاب ثواب التطوع أو يقال ينسحب حكم الواجب على جميعها لأن الواجب لم يتميز؟
الظاهر أنه ينسحب على جميعها لأنه لم يخصص السُبع للواجب فهذا هو الأقرب والفرق بينه وبين ما إذا عين شاة من سبع شياه ظاهر جدا لأن الشاة من سبع شياه متميزة منفصلة.
стр. 1614
القارئ: ومن وجب عليه بدنة بنذر أو قتل نعامة أو وطء أجزأه سبع من الغنم لأنها معدولة بسبع والشياه أطيب لحماً وقد روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ أتاه رجل فقال إن علي بدنة وأنا موسر لها ولا أجدها فأشتريها فأمره النبي ﷺ أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن رواه ابن ماجه، وقال ابن عقيل إنما يجزئ ذلك مع عدم البدنة لأنها بدل فيشترط فيه عدم المبدل والأول أولى لما ذكرنا.
الشيخ: لكن قال بعض أهل العلم هذا صحيح أن سبعة شياه تجزئ عن البدنة والبقرة لأنها أطيب لحما وأكثر نفعا إلا في جزاء الصيد فإن الشياه لا تجزئ عن البدنة وذلك لأن المعتبر في جزاء الصيد المثلية وهذه تفوت فلو ذبح سبع شياه عن النعامة فإنه لا يجزئ لأن النعامة الواجب فيها البدنة لكن المذهب مطلقاً أنه تجزئ سبع شياه عن البدنة أو البقرة حتى في جزاء الصيد.
القارئ: وإن وجبت عليه بدنة فذبح بقرة أجزأته لما روى جابر قال كنا ننحر البدنة عن سبعة فقيل له والبقرة فقال وهل هي إلا من البدن رواه مسلم وقال ابن عقيل إن نذر بدنة لزمه ما نواه فإن لم ينو شيئا ففيه روايتان إحداهما هو مخير على ما ذكرناه والثانية إن لم يجد البدنة أجزأته بقرة فإن لم يجد فسبعا من الغنم وعنه عشر لأنه بدل فلا يجزئ مع وجود الأصل فأما من وجب عليه سبع من الغنم فإنه يجزئه بدنة أو بقرة لأنها تجزئ عن سبع في حق سبعة ففي حق واحد أولى.
الشيخ: إذا وجب عليه بدنة فذبح عنها بقرة تجزئ لكن ينبغي أن يقال إلا في جزاء الصيد لأن جزاء الصيد لا بد فيه أن يكون مثله.
стр. 1615
وقال ابن عقيل إن نذر بدنة لزمه ما نواه فإن لم ينو شيئا ففيه روايتان إحداهما مخير على ما ذكرناه أي بين البدنة والبقرة والثانية إن لم يجد البدنة أجزأته بقرة وهذه الرواية أولى لأنه إذا نذر البدنة ثم قلنا تجزئ البقرة فقد أجزأ الأدون عن الأعلى فالبعير أكثر لحما والبقر أيضا عند بعض الناس لا يؤكل فالصواب أنها لا تجزئ اللهم إلا إذا كان الناس يحبون أكل لحم البقر أكثر مما يحبون أكل لحم الإبل فحينئذ قد يقال بالإجزاء لأنه وإن كانت أقل حجما فهي أرغب عند الناس وأطيب.
وإذا وجب عليه سبع من الغنم فهل تجزئه بقرة أو بدنة؟
الجواب نعم وقيل إنها لا تجزئ ولكن ينبغي أن يقال بالإجزاء ما لم يكن ذلك في جزاء الصيد فإن جزاء الصيد لا بد فيه من المماثلة وقوله وعنه عشر من الغنم لأن بعض العلماء ﵏ قال إن البعير عن عشر وإن البقرة عن سبع وقال بعضهم البعير عن عشر في الأضحية والبقرة عن سبع أما في الهدي فكلتاهما عن سبع لأنه ورد في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ ضحى مع أصحابه وأنهم ذبحوا عن البدنة عشرة لكن المشهور عند أكثر أهل العلم أن البدنة والبقرة كلتاهما عن سبع.
السائل: إذا هرب الهدي فرماه ومات أيجزئ؟
الشيخ: الجواب نعم يجزئ لأن لها أوابد كما قال رسول الله كأوابد وحش فما ند فاصنعوا به هكذا.
باب الأضحية
القارئ: وهي سنة مؤكدة لما روى أنس ﵁ قال ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما متفق عليه قال أبوزيد الأملح الأبيض الذي فيه سواد وقال ابن الأعرابي هو الأبيض النقي.
стр. 1616
الشيخ: أفادنا المؤلف ﵀ في هذه الجملة أن الأضحية سنة مؤكدة فاستفدنا أن السنن قد تكون مؤكدة وقد تكون غير مؤكدة وللعلماء في هذا اصطلاح فعند الحنفية إذا قالوا سنة مؤكدة فهذا يعني أنه واجب ولكن الجمهور على أن السنة المؤكدة لا تصل إلى حد الواجب وهو كذلك في كلام المؤلف ﵀ واستدل على كونها سنة مؤكدة بفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث ضحى بكبشين أملحين أقرنين الكبش هو العظيم من الخراف من الضأن والأقرن هو ذو القرون وذو القرون أكمل خلقة مما فقدهما والأملح بينه المؤلف ﵀ أنه الأبيض النقي وقيل الذي فيه سواد يعني أن بياضه مختلط بالسواد.
القارئ: والتضحية أفضل من الصدقة بقيمتها لأن النبي ﷺ آثارها على الصدقة.
الشيخ: هذا صحيح التضحية أفضل من الصدقة بثمنها حتى وإن كان في الناس مجاعة فإن الأضحية أفضل ولهذا لما حصلت مجاعة في المدينة في عام من الأعوام أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن لا يدخروا فوق ثلاث يعني أن يوزعوا اللحم كله لا يزيد على ثلاثة أيام وفي العام الثاني بيّن لهم أنه إنما نهاهم عن الادخار فوق ثلاث من أجل الدافة التي دفت وأن لهم أن يأكلوا ويدخروا ما شاؤوا فدل هذا على أن ذبح الأضحية أفضل من الصدقة ولو كان هناك مجاعة وهو كذلك لأن ذبح الأضحية أهم ما فيه التقرب إلى الله بالذبح قال الله تعالى (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) فيحصل بالأضحية التقرب إلى الله بالذبح والصدقة ويدل لذلك أن الله قرن النحر بالصلاة فقال (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وقال تعالى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) فذبحها أفضل من الصدقة بثمنها لما يترتب على الذبح من القربان والتقرب إلى الله .
стр. 1617
القارئ: وليست واجبة لأنه روي عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما كانا لا يضحيان عن أهلهما مخافة أن يرى ذلك واجبا وروت أم سلمة عن رسول الله ﷺ أنه قال (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي) رواه مسلم.
الشيخ: أولا نفى المؤلف الوجوب والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم وقد بسطنا ذلك في كتابنا كتاب الأضحية والذكاة فمن أراد أن يتوسع في هذا فليرجع إليه وظاهر كلام شيخ الإسلام ﵀ أنها واجبة لأنها شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة ولأن الله تعالى عوض بها المسلمين في بلادهم عن الهدي الذي يشرع للحجاج فهناك آيات وأحاديث تدل على الوجوب وأما ما ذكره ﵀ عن أبي بكر وعمر ﵄ فمن المعلوم أن قولهما حجة لكن إذا خالف النص فالعبرة بالنص.
ثم اعلم أن من العلماء من استدل بالحديث الذي أورده المؤلف عن أم سلمة على أن الأضحية ليست واجبة لقوله (وأراد أحدكم أن يضحي) ولكن هذا لا ينفي الوجوب كما لو قلت إذا دخل وقت الظهر وأردت الصلاة فتوضأ هل أحد يقول إن مثل هذه العبارة تدل على أن الصلاة غير واجبة؟ فقوله (أراد أن يضحي) من المعلوم أن إرادتي تابعة لمراد الشرع فإذا دلت الأدلة على وجوب الأضحية فإن هذا لا يعد معارضا لها ولا مانعاً للوجوب.
وقوله (فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا) فيه زيادة الثالث وهو البشرة يعني الجلد فلا يأخذ من هذه الأشياء الثلاثة الشعر والأظفار والبشرة.
القارئ: قال القاضي هذا نهي كراهية لا تحريم بدليل قول عائشة كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم يقلدها بيده ثم يبعث بها ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي متفق عليه.
стр. 1618
الشيخ: هذا غريب من بعض العلماء أن يستدل بمثل هذا الحديث على أنه ليس للتحريم لأن الحديثين غير واردين على شيء واحد هذا في الهدي وحديث أم سلمة في الأضحية ولا يصح نقل أحدهما للآخر ثم إن هذا أيضا مقيد بالعشر والهدي الذي يبعثه الرسول ﵊ غير مبين في الحديث فكيف يعارض به حديث أم سلمة لكن يفتح الله على من يشاء وأشد ما يكون في مثل هذا الاستدلال الذي لا وجه له إذا اعتقد الإنسان الشيء قبل أن يستدل وهذه آفة عظيمة تحصل لطالب العلم المستدل أن يحاول حمل النصوص على ما كان يعتقد فتجده يستدل استدلالا مستكرها أو بعيدا ولهذا الموفق ﵀ عارض من استدل به.
القارئ: ويمكن حمل الحديث على ظاهره في التحريم ولا تعارض بين الحديثين لأن أحدهما في الأضحية والآخر في الهدي المرسل ولو تعارضا لكان حديث أم سلمة خاصا في الشعر والظفر فيجب تقديمه فإن فعل استغفر الله تعالى ولا فدية عليه.
الشيخ: هذا أيضاً وجه آخر لو فرض التعارض فعائشة تقول ﵂ (ولا يحرم عليه شيء أحله الله له) هذا عام وحديث النهي عن الأخذ من الشعر والظفر والبشرة خاص.
واختلف العلماء لماذا نهي عن أخذ الشعر والظفر فقيل لأن الأضحية فدية تفدي الإنسان من النار فينبغي أن يكون الفداء واقعا على جميع أجزاء البدن.
وهذا التعليل عليل أولا لأن كونها فدية يتقي بها الإنسان النار فيه حديث ضعيف لا تقوم به حجة.
وثانيا أن نقول إذا أعتق الله العبد عتق كله سواء أخذ من أظفاره أم لم يأخذ.
وقال بعض أهل العلم إن الحكمة من ذلك هو أن يشارك الناس الحجاج في بعض خصائص الإحرام لأن الإحرام لا يؤخذ من الشعر ولا من الظفر فمن أجل المشاركة نهي عن الأخذ من ذلك.
وقيل إنه تعبدي بمعنى أن العلة في ذلك هو نهي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهذا أسلم أما أن يتمحل الإنسان عللا غير مطردة فهذا لا ينبغي.
فصل
(فيما يجزئ في الأضحية)
стр. 1619
القارئ: ولا يجزئ إلا بهيمة الأنعام لقول الله تعالى (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ).
الشيخ: وهي ثلاثة وهي الإبل والبقر والغنم وسميت بهيمة لأنها لا تتكلم.
القارئ: ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني من غيره لقول رسول الله ﷺ (لا تذبحوا إلا مسنة فإن عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن) رواه مسلم والثنية من البقر هي المسنة ومن الإبل ما كمل لها خمس سنين قاله الأصمعي.
الشيخ: الجذع من الضأن ما تم له نصف سنة وله علامة وهو أن ينام الشعر على ظهره أما الثني من الغنم فما له سنة ومن البقر سنتان ومن الإبل خمس سنوات إذن عندنا شرطان الشرط الأول أن تكون من بهيمة الأنعام والشرط الثاني أن تبلغ السن المحددة شرعا.
القارئ: وأفضلها البياض لأنه صفة أضحية رسول الله ﷺ ثم ما كان أحسن لونا.
فصل
(في إجزاء البدنة والبقرة عن سبعة)
القارئ: وتجزئ البدنة عن سبعة وكذلك البقرة لقول جابر كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ نذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها رواه مسلم ويجوز أن يشتركوا فيها سواء أراد جميعهم القربة أو بعضهم القربة والباقون اللحم لأن كل سبع مقام شاة ويجوز أن يقسموا أنصباءهم لأن القسمة إفراز حق والحاجة داعية إليه.
الشيخ: وهل المراد سبعة أشخاص أو سبع من الغنم؟
الثاني هو المراد أي أن السُبع يقوم مقام شاة وبناء على ذلك لو أن الإنسان ضحى بسُبع من البقر أو الابل عنه وعن أهل بيته لكفى حتى لو كان أهل بيته ألفا ولهذا قال المؤلف ﵀ لأن كل سُبع مقام شاة يعني يقوم مقام الشاة.
ولا فرق بين أن يريد الجميع القربة أو بعضهم يريد القربة وبعضهم يريد اللحم فلو كان أحدهم يريد أضحية والثاني يريد هديا والثالث يريد فدية والرابع يريد لحما فلا بأس به.
стр. 1620
ولا بد أن يكونوا مشتركين فيها من قبل الذبح فلو ذبحها ثلاثة عنهم ثم جاء إنسان بعد الذبح وقال أشركوني فأشركوه فإن ذلك لا يصح لأنها قد ماتت بالذبح ولا يمكن الاشتراك فيها بعد ذبحها.
وهل لو اشترك ثلاثة فاشتروها ثم جعلوا ينتظرون الناس فجاء أناس بعد الشراء وقبل الذبح وشاركوا الثلاثة والثلاثة لم يعينوها عن أنفسهم فهل يجوز؟
نعم يجوز لأن ثلاثة لم يعينوها عن ثلاثة ولم يذبحوها فهم ينتظرون الناس فإذا جاء الناس وتلاحقوا فيما بينهم فجائز.
ولو تبين زيادة واحد ذبحوها على أنهم سبعة وتبين زيادة واحد أنهم ثمانية فماذا يصنع؟
قال الفقهاء يذبحون شاة لأحدهم وفي هذه الحال صارت الشاة الآن مشاعة بين الثمانية لكن هذا للضرورة وإلا فإن الغنم لا يشترك فيها اثنان على وجه الشيوع أبداً.
فصل
(في استحباب نحر الهدي بيد صاحبه)
القارئ: ويستحب أن ينحر الهدي والأضحية بيده لحديث أنس ويجوز أن يستنيب فيه لما ذكرنا في الهدي ويجوز أن يستنيب كتابياً لأنه من أهل الذكاة ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم لأنها قربة فالأفضل أن لا يليها كافر بالله وعنه لا يجوز أن يليها كافر لذلك.
الشيخ: والصحيح أنه لا يصح إلا عند الضرورة.
القارئ: ويستحب لمن استناب أن يحضرها لما روى أبوسعيد أن رسول لله ﷺ قال لفاطمة احضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها ويقول عند الذبح بسم الله والله أكبر لحديث أنس وإن قال اللهم هذا منك ولك اللهم تقبل مني أو من فلان فحسن لما روى جابر أن النبي ﷺ قال على أضحيته (اللهم هذا منك ولك عن محمد وأمته بسم الله والله أكبر) ثم ذبح وفي رواية قال (بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد) ثم ضحى رواه مسلم وليس عليه أن يقول عن فلان لأن النية تجزئ.
الشيخ: وإن قال عن فلان فهو جيد كما يقول اللهم تقبل هذا عن محمد وآل محمد يقول هذا عن فلان.
فصل
(في وقت ذبح الهدي والأضحية)
стр. 1621
القارئ: وأول وقت الذبح في حق أهل المصر إذا صلى الإمام وخطب يوم النحر لما روى البراء قال قال رسول الله ﷺ (من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى) متفق عليه وفي حق غير أهل المصر قدر الصلاة والخطبة لأنه تعذر في حقهم اعتبار حقيقة الصلاة فاعتبر قدرها وقال ....
стр. 1622
كتاب البيع
القارئ: البيع حلال لقول الله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) وهو نوعان.
الشيخ: البيع حلال كما قال المؤلف ﵀ واستدل له بقول الله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) وتحليل البيع من محاسن الشريعة وذلك لأن الإنسان ربما يحتاج إلى دراهم وليس عنده إلا عروض فكيف يحصل الدراهم؟ يحصلها إذا باع ما عنده من العروض من عقارات أو سيارات أو أقمشة أو أطعمة فيحصل الدراهم كذلك أيضاً ربما يكون الإنسان الذي عنده الدراهم محتاجاً إلى شيء معين من الأموال كسيارة أو نحوها بماذا يحصلها؟ يحصلها بالبيع فالبيع من محاسن الشريعة وقد يجب البيع أحياناً وقد يجب الشراء أحياناً فيجب الشراء مثلاً على من وجد ماء يباع وليس معه ماء وهو يريد الصلاة فهنا يجب عليه أن يشتري ويجب البيع على من كان عنده فضل وأحتاج إليه آخر كإنسان عنده ماء يحتاج إليه آخر فيبيعه عليه وجوباً فالمهم أن البيع الأصل فيه الحل لكن قد يجب أحياناً وقد يجب الشراء أحياناً ولم يعرفه المؤلف لأنه ظاهر لكن عرفه غيره من الفقهاء فقالوا هو (مبادلة مال بمال على التأبيد غير ربا وقرض) فقولنا (على التأبيد) خرج به الإجارة لأن الإجارة غير مؤبدة وقولنا (غير ربا) خرج به الربا فليس ببيع ولو صار فيه تبادل مال بمال وقولنا (وقرض) خرج به القرض أيضاً فإن القرض وإن كان مبادلة مال بمال لكنه ليس بيعاً فأنت تعطيني ريال قرضاً وأعطيك بدله ريالاً هذا تبادل ولكن ليس على سبيل المعاوضة بل هو على سبيل الإحسان والإرفاق فلا يكون بيعاً.
القارئ: وهو نوعان أحدهما الإيجاب والقبول فيقول البائع بعتك أو ملكتك أو لفظاً بمعناهما.
الشيخ: قوله وهو نوعان ليس المراد به البيع نوعان وإنما ما ينعقد به البيع نوعان الإيجاب وهو اللفظ الصادر من البائع والقبول وهو اللفظ الصادر من المشتري أو من يقوم مقامه.
القارئ: فيقول البائع بعتك أو ملكتك أو لفظاً بمعناهما ثم يقول المشتري ابتعت أو قبلت أو نحوهما.
стр. 1623
الشيخ: أفادنا المؤلف ﵀ أن البيع ليس له صيغة معينة بل كلما دل على البيع أنعقد به والصواب أن هذا ثابت في جميع العقود تنعقد بما دل عليها دون تحديد لفظ معين حتى النكاح لو قال مثلاً لشخص ملكتك بنتي فقال قبلت يصح مع أنه ما ذكر التزويج وكذلك الوقف لو قال هذا على فلان وعياله ليس هناك حاجة أن يقول وقفت لأن هذا معروف على فلان وعياله يعني وقف فالصواب إذاً أن الجميع العقود تنعقد بما دل عليها عرفاً بدون تحديد لفظ.
القارئ: فإن تقدم القبول الإيجاب بلفظ الماضي فقال ابتعت هذا منك بكذا فقال بعتك صح لأن المعنى حاصل فأشبه التعبير بلفظ آخر.
الشيخ: إذا حصل المقصود سواء تقدم الإيجاب أو تأخر مع أن الأصل أن الإيجاب هو المتقدم لكن لو حصل العكس مع فهم المعنى فلا بأس.
القارئ: وإن تقدم بلفظ الطلب فقال بعني فقال بعتك صح لأنه تقدم القبول أشبه لفظ الماضي وعنه لا يصح لأنه لو تأخر عن الإيجاب لم يصح فلم يصح متقدماً كلفظ الاستفهام.
الشيخ: هذه الرواية ضعيفة لأن الرجل إذا قال بعتك كذا فقال بعني ما أحد يقول هذا أي إذا تقدم الإيجاب وقال بعتك كذا ماذا يقول المشتري؟ يقول اشتريت أما قوله بعني ما أحد يقول ذلك وقياس بعني السابقة للإيجاب على بعني التابعة للإيجاب قياس مع الفارق العظيم بعني هذا بمائة فقال نصيبك ولم يقل بعتك ولا بعت عليك بل قال نصيبك فينعقد البيع ومعنى نصيبك يعني هذا نصيبك ولا يكون نصيباً له إلا بعد تمام عقد البيع فالمهم أننا لا ننظر إلى اللفظ بكل لفظ دل عليه سواء كان سابق أو لاحق.
القارئ: وإن أتى بلفظ الاستفهام فقال أبعتني ثوبك فقال بعتك لم يصح متقدماً ولا متأخرا لأنه ليس بقبول ولا استدعاء.
стр. 1624
الشيخ: هكذا قال المؤلف ﵀ لكن هذا في خرم للقاعدة لأنك إذا قلت ابعتني ثوبك بعشرة فقال بعتك ماذا يفهم الناس؟ أنه تم البيع فالصواب أن هذه الصورة لا ينبغي أن تخرج عما سبق فيقال كل ما دل على العقد فهو نافذ لكن على كل حال كلما كان العقد أبين وأضح كان أحسن لئلا يحصل نزاع في المستقبل فيحصل خصومة وملاحاة.
القارئ: الثاني المعاطاة مثل أن يقول أعطني بهذا خبزا فيعطيه ما يرضيه أو يقول خذ هذا الثوب بدينار فيأخذه فيصح لأن الشرع ورد بالبيع وعلق عليه أحكاماً ولم يعين له لفظا فعلم أنه ردهم إلى ما تعارفوه بينهم بيعا والناس في أسواقهم وبيعاتهم على ذلك وحكي عن القاضي أنه يصح في الأشياء اليسيرة دون الكثيرة لأن العرف إنما جرى في اليسير والحكم في الهبة والهدية والصدقة كالحكم في البيع وذلك لاستواء الجميع في المعنى.
الشيخ: المعاطاة ذكر المؤلف لها صورتين الأولى أن يقول أعطني بهذا خبزاً والخبز كم بالريال؟ أربعة فأخذ أربعة خبز وأعطاه إياه فالآن عندنا معاطاة من جانب البائع لأن المشتري قال أعطني الصيغة صيغة قبول أو قال خذ هذا الثوب بدينار فأخذه وهذه تقع كثيراً في المزيادة يقول من يأخذ هذا من يأخذ هذا الثوب بريال من يأخذ بعشرة فيجيء واحد يأخذه ويسلم العشرة فالمعاطاة هنا من المشتري وقد تكون المعاطاة من الجانبين يكون مثلاً سلعة مكتوب عليها الثمن ريال موضوعة على الدكان فيأتي إنسان فيأخذ السلعة ويضع الريال بدون كلام لا من البائع ولا من المشتري فهذا معاطاة من الجانبين البائع ما تكلم والمشتري ما تكلم لكن هذا معروف فهذا الرجل ما وضع هذه السلعة أمام دكانه وكتب على كل سلعة رقم ثمنها إلا وهو يريد أن يَسْلَمَ من أعطني لا تعطني بكم وما أشبه ذلك إذن البيع ينعقد بالمعاطاة وهي كل فعل دل
стр. 1625
على العقد كما إن الإيجاب والقبول كل لفظ دل على الإيجاب أو دل على القبول فالمعاطاة كل فعل دل على العقد وأما تقيد القاضي بأنه في الشيء اليسير فهذا في الحقيقة وإن لم يقيد لأن الناس لا يبيعون بالمعاطاة الشيء الكثير فلا يجئ واحد عنده مثلاً عقار يسوى مليون ريال يبيعه بالمعاطاة بل يبيعه بالإيجاب والقبول والكتابة والإشهاد فالناس دون أموالهم وإنما نحن نقول ينعقد بالمعاطاة هذا في الأصل لأنه لم يرد لفظ معين من الشرع حتى نتبعه.
فصل
القارئ: ويشترط له الرضا لقول الله تعالى (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) إلا فيما يجب فإن أكره على بيع غير واجب لم يصح لعدم الرضا المشترط وإن أكره على بيع واجب صح لأنه قول حمل عليه بحق فصح كإسلام المرتد ولا يصح من غير عاقل كالطفل والمجنون والسكران والنائم والمبرسم لأنه قول يعتبر له الرضا فلم يصح من غير عاقل كالإقرار.
стр. 1626
الشيخ: يقول إلا فيما يجب والذي يجب مر علينا في زاد المستقنع وذلك في المحجور عليه المحجور عليه لفلس يجبر على أن يبيع ماله ويستوفى دينه إذن الرضا لابد منه والرضا شرط في جميع العقود حتى في النكاح على القول الراجح حتى في البكر حتى في أبيها لا يجوز أن تزوج امرأة إلا برضاها بكراً كانت أم ثيبة وسواء كان الولي أباها أم غيره جميع العقود لابد فيها من الرضا قال تعالى (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) فإذا أكره الإنسان على البيع فإنه لا يصح ولا ينعقد ومثله الإجارة وعلى هذا فلو أن الحكومة فرضت على المؤجر سنوات معينة وتمت وقال صاحب الملك للمستأجر أخرج فقال أبداً عندي قانون أني ما أخرج فهل يحل لهذا المستأجر أن يبقى بغير رضا المؤجر؟ لا لأنه يوجد الآن في بلاد أخرى غير بلادنا أنه إذا أستأجر الإنسان العقار مدة معينة لا يخرج فنقول للمستأجر أنت إن بقيت بعد تمام المدة التي قدرها المؤجر فإنك غاصب ولا تصح صلاتك على قول كثير من العلماء في هذا البيت لأن من شرط صحة الصلاة أن لا تكون في بقعة مغصوبة فصلاته غير صحيحة ويُخشى إن مِتَّ فيه ألا يختم لك بحسن الخاتمة لأنك غاصب والغاصب آثم فلا يحل لك أن تبقى فإذا قال هذا القانون القانون في المادة الثالثة والخمسون مثلاً أن من أجر بيتاً فإنه لا يمكن أن يُخرٍج المستأجر إلا برضا المستأجر فماذا نقول؟ نقول هل هذا القانون قانون سماوي؟ لا إذن أضرب به عرض الحائط أو اجعله تحت القدمين أنت الآن لا يمكن أن ينفعك واضع هذا القانون يوم القيامة إذا قيل لك لما سكنت في بيت أخيك بغير حق لا ينفعك فالقانون لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال أبداً إلا ما كان موافقاً للكتاب والسنة قوله ولا يصح من غير عاقل كالطفل والمجنون والسكران إلى أخره المراد بالطفل من لم يصل إلى حد التميز فإن كان مميزاً صح تصرفه فيما جرت به العادة كالبيضة والرمانة والبطيخة وما أشبه ذلك مما جرى به
стр. 1627
العرف والمجنون لا يصح بيعه ولا شرائه
مطلقاً لأنه لا عقل له ولا يمكن أن تتأتى منه الإرادة والسكران كذلك لا يصح بيعه ولا شرائه لأن السكران فاقد العقل والنائم كذلك لا يصح بيعه ولا شرائه لأنه لا عبرة بقوله حتى لو سمعنا النائم يقول إني بعت مالي الفلاني على زيد فإنه لا عبرة بهذا الإقرار وكذلك أيضاً المبرسم البِرْاسَم داء يصيب الإنسان في رأسه فيهذي ويكون كلامه غير منضبط هذا أيضاً لا يصح تصرفه بيعه ولا شرائه ولا غيره قال (لأنه قول يعتبره الرضا فلم يصح من غير عاقل).
باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز
القارئ: كل عين مملوكة يباح نفعها واقتناؤها من غير ضرورة يجوز بيعها كالمأكول والمشروب والملبوس والمركوب والعقار والعبيد والإماء لقوله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) وقد أشترى النبي ﷺ من جابر بعيرا ومن أعرابي فرسه ووكل عروة بن الجعد في شراء شاة وباع مدبراً وحلساً وقدحا وأقر أصحابه على بيع هذه الأعيان وشرائها.
الشيخ: الضابط فيما يجوز بيعه (كل عين مملوكة) احترازاً مما لا يملك كالماء في نقع البئر فالماء في نقع البئر ليس مملوكاً لصاحبه حتى صاحب البئر لا يملكه و (يباح نفعها) احترازاً مما لا يباح نفعها كالكلاب لغير ما سيذكر ويباح أيضاً اقتنائها (من غير ضرورة) احترازاً مما يباح اقتنائه للضرورة ككلب الماشية والصيد والحرث هذه أيضاً لا يجوز بيعها لأنه لا يباح اقتنائها إلا عند الضرورة وقوله (يجوز بيعها) هذا خبر قوله (كل عين) يعني كل عين متصفة بهذه الصفات يجوز بيعها إذن الشروط هي أن تكون العين مملوكة مع إباحة النفع وإباحة الاقتناء من غير ضرورة يعني أو حاجة ثم مثل لذلك ثم ذكر الأدلة على جواز بيع الأعيان المملوكة المتصفة بهذه الصفات.
القارئ: ويجوز بيع دود القز وبزره لأنه منتفع به.
стр. 1628
الشيخ: دود القز هي دودة معروفة تنسج الحرير الطبيعي الأصلي فلو نظرنا إلى الدودة ليس لها قيمة لكن لها مصلحة عظيمة وهي الانتفاع بها في المآل كذلك أيضاً بزر هذا الدود وهو معروف عند أهل الصنف فهو حبات تنمى ثم تكون دودة ثم يخرج منها القز الذي هو الحرير وقوله (لأنه منتفع به) يعني في المآل.
القارئ: وبيع النحل في كوارته ومنفرداً عنها إذا رؤيا وعلم قدره وبيع الطير الذي يقصد صوته كالهزار والبلبل والببغة لأنه يشتمل على منفعة مباحة أشبه الأنعام ويجوز بيع الهر
الشيخ: يقول المؤلف ﵀ في النحل لابد أن يرى ويعلم قدره وهذا فيه صعوبة لكن يقال العلم هنا بقدر الإمكان إذ أن كوننا نعلم بعدد النحلات بعسيبها وما أشبه ذلك فيه صعوبة لكن يكفي أن يغلب على الظن أن مقداره كذا أو مقداره كذا فيصح للحاجة وكذلك الطير الذي يقصد صوته كالهِزَار والبلبل والببغة.
القارئ: ويجوز بيع الهر وسباع البهائم والطير التي تصلح للصيد.
الشيخ: قوله (يجوز بيع الهر) هذا إحدى الروايتين عن أحمد والرواية الثانية أنه لا يجوز بيع الهر لأنه ورد فيه حديث عن النبي ﵊ أنه (نهى عن بيع السنور) والسنور هو الهر وعلله ابن رجب ﵀ وغيره من أهل العلم بأن الهر ليس له ثمن في الواقع لأنه من الأشياء الدارجة بين الناس فهو يشبه الحطب ويشبه الماء يبتذل عادة فلا يجوز بيعه نعم لو أن الهر أنفرد بشيء معين واشتُريَ من أجله بأن كان هذا الهر يصيد الفأر لأن بعض الهرر يصيد الفأر وكذلك أيضاً يقتل العقرب ويقتل الوذق ويقتل الصراصر فإذا اتُخذَ لهذا فقد يقال بأنه جائز لأن فيه منفعة مباحة.
стр. 1629
القارئ: وسباع البهائم والطير التي تصلح للصيد كالفهد والبازي ونحوهما غير الكلب في إحدى الروايتين وهي اختيار الخرقي والأخرى لا يجوز واختارها أبو بكر وابن أبي موسى فقالا لا يجوز بيعها لنجاستها فأشبهت الكلب والأول أصح لأنه حيوان أبيح نفعه واقتنائه من غير وعيد في جنسه فجاز بعيه كالحمار وبهذا يبطل ما ذكراه.
الشيخ: الصحيح ما ذكره المؤلف ورجحه وهو جواز بيع السباع التي تصلح للصيد لأن فيها منفعة مباحة إلا الكلب واستثني الكلب لأنه ثبت عن النبي ﵊ (أنه نهى عن بيع الكلب) وهو الذي أراد المؤلف إخراجه بقوله (واقتنائه من غير وعيد في جنسه) لأن الكلب فيه الوعيد على ما اقتناه بلا حاجة وهو أنه ينقص من أجره كل يوم قيراط إذن جميع السباع الصالحة للصيد يجوز بيعها إلا الكلب لكن لو أحتاج الإنسان إلى كلب ووجده عند شخص وأبى هذا الشخص أن يبيعه فما الحكم؟ هل يجوز لمن احتاجه أن يشتريه؟ نعم يجوز لكن لا على أنه بيع وشراء ولكن على أنه استنقاذ لهذا الكلب من هذا الرجل فالذي أخذه وأعطى القيمة يجب أن يعتقد بأن هذا ليس بيعاً ولا شراءاً لأنه لو أعتقد أنه بيع وشراء لكان في ذلك معصية للرسول ﵊ فهذا الذي باعه وأبى أن يبيعه إلا بدراهم هل تحل له هذه الدراهم؟ لا لأننا نقول لهذا الرجل إن لم يكن لك به حاجة فالواجب عليك إرساله لأنه لا يجوز اقتناء الكلب إلا للأمور الثلاثة فإذا لم يكن لك به حاجة فالواجب إرساله وإن كان لك به حاجة فإنه لا يجوز أن تأخذ عن ذلك ثمناً لأن الرسول نهى عنه وإلا فقد يقول أنا لا أخذ ثمن لكن أنا أريد أن أتنازل عن حقي في هذا الكلب لهذا الرجل نقول هذا تحيل وهو في الحقيقة بيع إذن جميع السباع التي يصطاد بها أو يحترز بها الإنسان فإنه يجوز بيعها إلا الكلب فهذه قاعدة مفيدة.
стр. 1630
القارئ: ويجوز بيع الجحش الصغير والفهد الصغير وفرخ البازي لأنه يصير إلى حال ينفع فأشبه طفل العبيد وما ينفع من بيض الطير لمصيره فرخاً فهو كفرخه لأن مآله إلى النفع وقال القاضي لا يجوز بيعه لعدم نفعه في الحال قال أحمد أكره بيع القرد قال ابن عقيل هذا محمول على بيعه للإطافة به واللعب فأما بيعه لحفظ المتاع فيجوز لأنه منتفع به وقال أحمد أكره بيع لبن الآدميات فيحتمل التحريم لأنه مائع خرج من آدمية أشبه العرق ويحتمل كراهة التنزيه لأنه طاهر منتفع به أشبه لبن الشاة.
стр. 1631
الشيخ: بيع القرد يقول أحمد أكره بيعه بيع القرد ومن مصطلحات أصحاب الإمام أحمد أنه إذا قال أكره فيعني به التحريم وعلى هذا فيكون بيع القرد حرام وما أجدر هذا القول بالصحة وهو أنه يحرم بيعه لأن القرد يشبه الآدمي حتى في الشهوة إذا رأى المرأة الجميلة تحس أنه يحب أن يأتيها وربما فعل ذلك فلهذا القول بتحريم بعيه قول وجيه وفائدة الفرد قليلة المؤلف يقول (يحمي المتاع) لكن لعله يحميه وهو حراميه لأنه قد يأكل المتاع فلا يُأمن عليه أما بيع لبن الآدميات الإمام أحمد يقول أكره بيع لبن الآدميات فيحتمل كما قال المؤلف التحريم ويحتمل الكراهة لكن حتى لو احتمل التحريم فإنه غير مُسلّم لأن لبن الآدميات مائع ينتفع به فأشبه لبن البهائم الأخرى وأما تشبيهه بالعرق فمن أبعد ما يكون من التشبيه لأن العرق له رائحة منتنة ولا يتغذَّى به ولا ينتفع به أما اللبن فإنه شراب طيب ينتفع به ويتغذَّى به بل إن الله تعالى جعل للبن الآدمية ثمناً فقال (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) والمعقود عليه على القول الراجح في باب الإجارة هو اللبن وأما قول بعض العلماء إن المعقود عليه عمل المرضعة من حمل الصبي وإلقامه الثدي وما أشبه ذلك فهذا قول بعيد لأن حمل هذا الطفل وإلقامه الثدي هل هو مقصود لذاته أو لغيره؟ لغيره بلا شك ولهذا إذا لم يكن بها لبن هل يمكن للإنسان أن يعطي طفله لهذه المرأة التي ليست لها لبن من أجل أن تضعه على فخذيها وتلقمه الثدي؟ لا فالصواب أنه يجوز بيع لبن الآدميات لكن كيف يمكن يبيع لبن الآدمي؟ يمكن بأن تحلبه فربما تكون امرأة عندها لبن كثير وليس عندها من يشربه فتحلبه في أواني وتبيعه ويقال هذا لبن الآدمية ويشربه الطفل.
السائل: إذا اشترينا لبن امرأة وأرضعناه الطفل فهل تكون أُمّاً له؟
стр. 1632
الشيخ: نعم إذا أرضعناه خمس مرات تكون أماً وهذه المسألة في الحقيقة التنبه لها طيب فلابد أن نعرف لبن أيُّ امرأة هو؟ لأنه ربما تكون المرأة قد أرضعت أطفالاً آخرين فيكونوا إخوة للطفل الذي اشتري له هذا اللبن ونحن لا نعلم فلذلك لابد أن نعلم من أين هذا الحليب من فلانة بنت فلان.
السائل: هل العبرة بالطاسة؟
الشيخ: العبرة بالشربة يعني مثلاً إذا أرضعناه الآن ولو قليلاً ثم ترك اللبن ثم بعد ساعتين أو ثلاث أرضعناه فهذه رضعة ثانية ولو كانت طاسة واحدة.
السائل: هل اللبن ملك للمرأة وهل يجوز لها أن تمتنع من الإرضاع؟
الشيخ: هذا معلوم إذا خرج اللبن فهو ملك لها ويجوز للمرأة أن تمتنع من الرضاع إلا لضرورة مثل إذا لم يقبل ثدي غيرها وخيف عليه التلف وجب أن ترضع.
القارئ: فصل ويجوز بيع العبد المرتد لأنه مملوك منتفع به وخشية هلاكه لا يمنع بيعه كالمريض فإن علم المشتري حاله فلا شيء له لأنه رضي بعيبه وإن لم يعلم فله الرد أو الأرش قتل أو أسلم كالمعيب.
الشيخ: واضح هذا مثل إنسان أشترى عبداً مرتداً والمرتد معروف إن لم يعد للإسلام وجب قتله فهل يجوز؟ نقول نعم يجوز إذا قال قائل إذا قتل ما منفعة المشتري؟ نقول منفعته أنه ربما يعتقه وربما يكون له مال فيرثه يعني بالولاء فلابد أن يكون له مصلحة ويقول المؤلف ﵀ (خشية هلاكه لأنه بائع كالمريض) بقي أن يقال هل للذي أشترى المرتد الخيار خيار العيب؟ فيه تفصيل إن علم بأنه مرتد فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة وإن لم يعلم فله الخيار.
القارئ: ويصح بيع العبد الجاني عمداً أوخطأً على النفس أو ما دونها لأنه حق تعلق برقبته غير متحتم فأشبه القتل بالردة فإن كانت الجناية موجبة للقصاص فهي كالردة وإن كانت موجبة للمال فهو على السيد لأنه رضي بالتزام ما عليه فإن كان معسراً فللمجني عليه رقبة العبد إن شاء فسخ العقد ورجع به وإن شاء رجع على البائع بالأرش.
الشيخ: يعني أرش الجناية.
стр. 1633
القارئ: وإن كان قاتلاً في المحاربة فكذلك في قول بعض أصحابنا لأنه ينتفع به إلى قتله ويعتقه فيجر ولاء ولده فصح بيعه كالزَّمِن وحكمه حكم المرتد وقال القاضي لا يصح بيعه لأنه متحتم القتل فلا منفعة فيه فأشبه الميت.
الشيخ: الأول أصح وهو أنه يصح بيعه وهذا إذا وصل إليه الحاكم أما إذا تاب قبل القدرة عليه فقد انتفى عنه القتل.
فصل في رباع مكة
القارئ: وفي بيع رباع مكة وإجارتها روايتان إحداهما يجوز لأن عمر ﵁ أشترى من صفوان بن أمية دار بأربعة آلاف وأشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة ولأنها أرض حية لم ترد عليها صدقة محرمة فجاز بعيها كغيرها والثانية لا يجوز لأنها فتحت عنوة ولم تقسم بين الغانمين فصارت وقفاً على المسلمين فحرم بيعها كسواد العراق والدليل على فتحها عنوة قول النبي ﷺ (إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنما أحلت لي ساعة من نهار) متفق عليه وقالت أم هاني يا رسول الله أني أجرت حموين لي فزعم ابن أم علي أنه قاتلهما فقال النبي ﷺ (قد أجرنا من أجرتي) وقتلت ابن خطل ومِقْيس بن صبابة ولو فتحت صلحاً لم يجوز قتل أهلها.
الشيخ: هذه المسألة من المسائل المهمة لأن الناس واقعون فيها بيع رِباع مكة وإجارتها أولاً مكة تنقسم إلى قسمين:
стр. 1634
قسم محل مشعر للمسلمين فهذا لا يجوز بيعه ولا إجارته كعرفة ومزدلفة ومنى لأن هذه مشاعر فلا يجوز بعيها ولا إجارتها كالمساجد إذ أن الناس لابد أن يكونوا فيها فلا يمكن لأي إنسان أن يتملك فيها ويبيع ويشتري أو يؤجر وهذا فيما أظن متفق عليه بين العلماء لم يختلف فيه أحد لأن هذه مشاعر محل عبادة للمسلمين فلا يجوز لأحد أن يتملكها لا ببيع ولا إجارة ولكن إذا كان قد سُلّط عليها من سُلّط وتملكوها وأبو أن يمكنوا المسلمين منها إلا بأجرة فإنه يدفع الأجرة والإثم على الآخذ قلّت الأجرة أو كثرت وسوف يجد حسابه يوم القيامة حين لا يجد ولياً ولا نصيراً لأن هذا في الحقيقة مثل من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه.
قسم آخر من مكة ليس مشعراً إذ أن الإنسان يمكن أن يحج ويعتمر بدونه فهذا أختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول أنها كغيرها من البلاد تملك بيعاً وشراءاً وتأجيراً وهذا هو مذهب الشافعي ﵀ وعليه عمل الناس اليوم من قديم الزمان أن بيوت مكة تملك ملكاً تاماً تباع وتؤجر كسائر البلدان.
والقول الثاني أنها لا تملك ولا يجوز بيعها ولا إجارتها وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ ولكن يقال من استغنى عن بيته فليتركه بدون أجرة ومن احتاجه فهو أحق.
القول الثالث اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول هي تباع وتملك وتوقف ولكن لا تؤجر لأن من استغنى عن منفعتها وجب عليه بذلها لمحتاج إليها وأما الملك فهي تملك ولهذا قال النبي ﵊ (هل ترك لنا عقيل من دور أو رِباع) وهذا يدل على أنها تملك بالإرث وتملك كذلك بالبيع والشراء
стр. 1635
لكن منفعتها هي التي نقول لصاحبها إن استغنيت عنها فأبذلها للحجاج فإن قال أنا مستغن عنها ومادمتم تحرمون علي الأجرة سأغلقها لأن الحجاج إذا نزلوا أفسدوها فهل له عذر في ذلك؟ الجواب نعم له عذر لأن بعض الحجاج يدمرون المسكن ويكتبون عليه الحاج فلان بن فلان والمرأة كذلك تكتب اسمها وقد أريت حجاج يكتبون أسمائهم على أبواب الحجر ويدمرون المنزل وقول شيخ الإسلام قول قوي لا شك في ذلك قال شيخ الإسلام وكانت بيوت مكة على عهد عبد الله بن الزبير رضي الله حين كان خليفة على الحجاز مطبقاً للسنة كانت البيوت مفتوحة من استغنى عن حجرة أو غرفة دخلها الحجاج وسكنوا فيها لكن العمل الآن على القول بأنها مملوكة وتباع وتشترى وترهن وتؤجر أما التعليل الذي علل المؤلف به ذلك فهو عليل يعني التعليل بأنها فتحت عنوة عليل جداً وإنما العلة أنها حرم يأوي الناس إليها من كل فج عميق وقد قال الله تعالى (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ) يعني المقيم (وَالْبَادِ) يعني الأفقي ولهذا لو استشارنا أحد وقال ماذا تشيرون علي أنا عندي دراهم أريد أن أشتري به عقاراً أستغله هل تشيرون أن أضعه في مكة أو في المدينة أو بلد آخر؟ نقول لا تضعه في مكة ولا تساهم في شركة تستغل بالتأجير مادمت المسألة ذات خلاف بين العلماء ومن العلماء المحققين كابن تيمية ﵀ من منع التأجير فأنت في سعة أشتري عقار في المدينة أو في مكان آخر حتى تبرأ ذمتك وفي (حديث أم هانيء) أم هانيء هذه ما صلتها بالرسول أنها بنت عمه لأن أباها أبو طالب وقالت له (زعم ابن أمي) تعني علي فهو أخوها الشقيق لكن قالت (ابن أمي) لأن العرب جرت عادتهم إذا أرادوا الاستعطاف الكامل ينسبون ذلك إلى الأم كقول هارون لموسى (يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي) مع أن موسى وهارون أخوان وفي الحديث دليل على جواز تأمين الواحد من المسلمين
стр. 1636
بمعنى أن من أجار كافراً فإنه ينفذ إجارته.
القارئ: فصل ولا يجوز بيع أرض الشام وسواد العراق ونحوهما مما فتح عنوة لأن عمر ﵁ وقفه على المسلمين وأقره في يد أربابه بالخراج الذي ضربه يكون أجرة له في كل عام ولم يُقدّر مدتها لعموم المصلحة فيها وقد أشتهر ذلك في قصص نقلت عنه وعن أحمد أنه كره بيعها لأنه يأخذ ثمن الوقف وأجاز شرائها لأنه كالاستنقاذ لها فجاز كشراء الأسير وتجوز إجارتها لأنها مستأجرة في يد أربابها وإجارة المستأجر جائزة فأما المساكن في المدائن فيجوز بيعها لأن الصحابة ﵃ اقتطعوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر ﵁ وبنوها مساكن وتبايعوها من غير نكير فكان إجماعا.
الشيخ: من المعلوم أن المسلمين إذا فتحوا البلاد بلاد الكفر فأموالهم غنيمة وذراريهم ونسائهم سبي ورجالهم المقاتلة والمعينون يخير الإمام فيهم بين أمور أربعة (فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) هذا أثنين يعني إما يمن عليهم ويطلقهم وإما أن يفيدهم إما بمال وإما بأسير مسلم وإما أن يقتلهم وإما أن يسترقهم فهذه أربعة أحكام في هؤلاء الرجال المقاتلون أو من يعين على القتال برأي أو نحوه أما الأراضي فالأراضي يخير الإمام
стр. 1637
بين قسمها بين الغانمين كما فعل النبي ﷺ في خيبر وبين وقفها للمسلمين كما فعل عمر في أرض الشام والعراق إذاً المغنوم يكون على النحو التالي الأموال تكون غنيمة وتقسم أما النساء والذرية فهم سبايا يعني يكونوا أرقاء بمجرد السبي والثالث الرجال المقاتلون أو من يعين على القتال يخير الإمام فيهم بين أمور أربعة القتل أوالمن بدون ثمن أوالفداء إما بمال وإما بأسير مسلم والرابع الاسترقاق وفي الرابع خلاف بين العلماء ماذا يفعل الإمام من هذه الأربعة؟ عندنا قاعدة مهمة كل من خُيّر لمصلحته هو فهو مخير يفعل ما يراه أصلح لنفسه اختيار تشهي وكل من خُيّر لولاية فإنه يجب عليه أن يفعل الأصلح يعني من خُيّر وهو متصرف لغيره فالواجب أن يفعل ما هو أصلح أما الأراضي فقلنا أن الإمام يخير فيها بين أمرين إما أن يقسمها بين الغنامين ويقول مثلاً أنت يا فلان لك القطعة هذه وفلان له القطعة هذه إلى أخره وإما أن يقفها فيجعلها وقفاً ويضرب عليها خراجاً يشبه الأجرة كل عام يُسلّم من انتفع بهذه الأرض كذا وكذا كالأجرة تماماً لكن بقي أن يقال كيف تقول إنها أجرة وهي لم تحدد بمدة؟ أجابنا المؤلف ﵀ قال للمصلحة فيقال كل من ملك هذه الأرض بشراء أو هبة أو إرث فعليه خراجها وهذه الأراضي الفقهاء يرون أنه لا يجوز بيعها وأما المساكن التي عمرت والمزارع والأشجار فتباع لكن نفس الأرض ما تباع لأنها وقف والوقف لا يجوز بيعه والمسألة أيضاً فيها خلاف ومازال الناس من قديم الزمان يتبايعون هذه الأراضي لأن الخراج الآن لا يُسلّم وإذا لم يُسلّم الخراج فالأنفع البيع حتى يتوسع الناس فيها ويبثون فيها ويعمرونها
السائل: قوله يتبايعوها من غير نكير فكان إجماعاً، ماذا يقصد؟
الشيخ: أي إجماع عملي مادام لا يوجد أحد منكر والعلماء يرونها تباع وتشترى.
السائل: ما الأصل في تحريم بيع الموقوف والخلاف الموجود بين أهل العلم؟
стр. 1638
الشيخ: الأدلة موجودة مرصودة في زاد المعاد في هدي خير العباد وأنا ذكرت دليلاً شرعياً (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد) ودليل نظري وهو أن هذا محل الحج والعمرة للمسلمين ولا يمكن للإنسان أن يتحجره لكن ذكرنا أيضاً رأياً آخر أنه يجوز البيع وهذا غير المشاعر المشاعر لا يجوز مطلقاً.
القارئ: فصل قال أحمد لا أعلم في بيع المصحف رخصة ورخص في شرائه وقال هو أهون وذلك لأن ابن عمر وابن عباس وأبا موسى كرهوا بيعه ولأنه يشتمل على كلام الله فيجب صونه عن الابتذال والشراء أسهل لأنه استنقاذ له فلم يكره كشراء الأسير وقال أبو الخطاب يجوز بيعها مع الكراهة وفي شرائها وإبدالها روايتان فإن بيعت لكافر لم يصح رواية واحدة لأن النبي ﷺ نهى عن المسافرة بالقرآن إلي أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم فلم يجوز تمليكهم إياه وتمكينهم منه ولأنه يمنع من استدامة ملكه فمنع ابتداء كنكاح المسلمة.
الشيخ: هذه المسألة فيها خلاف هل يجوز بيع المصحف أم لا؟ فمن العلماء من قال لا يجوز بيعه لأنه ابتذال له ولهذه الآثار التي أشار إليها المؤلف ﵀ والقول الثاني أنه يجوز بيعه وشرائه والصحابة كرهوا ذلك
стр. 1639
لسبب وهو وجوب نشر القرآن بين المسلمين والمصاحف في ذلك الوقت قليلة عثمان ﵁ كم كتب من مصحف؟ وبعث إلى الآفاق وقل من يكتب المصحف فإذا قلنا أنه تباع صار الإنسان يحتكرها ولا يبيعها إلا بغالي الثمن وحينئذ يحرموا المسلمين من قراءة القرآن أما في وقتنا والحمد الله فالأمر بالعكس المصاحف كثيرة جداً وإذا أبى أحداً أن ننتفع بمصحفه إلا بشراء وجدنا من يبذله ويبيعه ولهذا كان الصواب أن بيعه وشرائه لا بأس به ومازال المسلمون يعملون بذلك من أزمنة متطاولة وكنا ونحن صغار نسمع الذي ينادي على المصحف لا يقول من يشتري المصحف يقول من يشتري البطاعة والبطاعة الجلاد الذي يكون على المصحف وذلك لورع السابقين الأولين وسلامة قلوبهم ظنوا أنه إذا قال من يشتري البطاعة وبعت عليك البطاعة واشتريت البطاعة يعني أنني لم أبيع المصحف ولكن الصواب الذي لا شك فيه أنه جائز وأنا لم أبيع القرآن ونظير ذلك لو أن إنسان قال يقرأ عليك القرآن بدراهم قلنا هذا حرام ولو قال أعلمكم القرآن بدراهم يجوز والآن حينما نبيع المصحف لسنا نبيع كلام الله كلام الله لو نبيع أنفسنا ما بعناه لكن نبيع الورق الحبر التعب أما القرآن فلا نبيعه ولذلك نرى أنه لا بأس به ولا إشكال فيه.
فصل
القارئ: ولا يجوز بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام لما روى جابر سمعت رسول الله ﷺ يقول (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) متفق عليه.
стр. 1640
الشيخ: هذه الأشياء الأربعة الخمر لا يجوز بيعه والخمر كلما أسكر كما ثبت ذلك عن النبي ﵊ والميتة كل ما مات حتف أنفه أو بغير ذكاة شرعية وإن شئت فقل كلما مات بغير ذكاة شرعية فيدخل ما مات بمرض ويدخل ما مات بخنق وما أشبه ذلك والخنزير معروف حيوان خبيث والأصنام كذلك يعني كلما أتخذ صنماً يعبد من دون الله فإنه حرام لأن الأول مخل بالعقل والثاني مخل بالبدن وكذلك الثالث لكن الفرق بين الثاني والثالث أن إضرار الثاني عارض وإضرار الثالث لازم والأصنام مخلة بالدين وممكن أن نأخذ من هذا أن كل ما أخل بالعقل أو بالبدن أو بالدين وإن لم يكن من هذه الأصناف الأربعة فإن بيعه حرام وفي الحديث (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر) بهذا اللفظ وفيه إشكال أولاً أن الجمع بين الرب وبين رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالواو والثاني أن الخبر جاء مفرداً مع أن المبتدأ مركب من شيئين فيقتضي أن يكون خبره مثنى أما الأول فيقال ما كان طريقه التشريع فلا بأس أن يُقرن بين الله وبين الرسول ﷺ بالواو وجه ذلك أن ما أقره الرسول أو حكم به فهو من حكم الله وليس ذلك من باب الند أو الضد لأن حكم الرسول حكم لله قال الله تعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وقال تعالى (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) وأما الثاني (حَرَّم) فيقال إن حَرَّم خبر للأول (إن الله حرم) ويكون الثاني من باب عطف الجملة على الجملة تكون رسوله مبتدأ والخبر محذوف أي
стр. 1641
ورسوله حرم وهذا أحسن شيء أو يقال لما كان حكم الله ورسوله واحداً صح أن يخبر عنهما بواحد ويستثنى من الميتة ما كان مباحاً فهل يقال إنه مستثنى أو يقال إنه لم يدخل من الأصل؟ إن قلنا بالأول صار من باب العام المخصوص وإن قلنا بالثاني صار من باب العام الذي أريد به الخصوص وهل الحكم يختلف أو لا يختلف؟ الحكم لا يختلف لأن كل منهما إذا ادعاه مدعي قلنا عليك الدليل لو أدعى مدعي أن العام قد خص قلنا هات الدليل ولو أدعى مدعي أن العام يراد به الخصوص قلنا هات دليل والمهم أنه يستثنى من الميتة الميتة المباحة كميتة السمك.
القارئ: ولا يجوز بيع مالا نفع فيه كالحشرات وسباع البهائم والطير التي لا يصاد بها ومالا يؤكل من الطير ولا بيضه لأنه لا نفع فيه فأشبهت الخنزير.
الشيخ: هذا التعليل الذي ذكر المؤلف تعليل واضح أنه غير صحيح تعليل عليل لأن الخنزير حرم لضرره وخبثه هذه الأشياء لا نقول لأنه ليس فيها نفع فأشبهت الخنزير بل نقول لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نهى عن إضاعة المال) وبذل المال فيما لا نفع فيه إضاعة له لا شك فيعلل في منع بيع هذه الأشياء بأنه من باب إضاعة المال وقد نُهي عنه.
القارئ: ولا يجوز بيع الحر لأن النبي ﷺ قال قال الله تعالى (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ذكر منهم رجلاً باع حراً فأكل ثمنه) متفق عليه.
الشيخ: وهذا لا شك أنه حرام بل هو من كبائر الذنوب فإذا قال قائل هؤلاء قوم جياع باعوا أولادهم ليأكلوا وينقذوا أنفسهم من الهلاك فهل يجوز أن أشتري منهم؟ الجواب لا يجوز هذا حرام حتى وإن كانوا لا يحيون إلا بذلك فليموتوا لأنه لا يجوز أن يباع الحر.
القارئ: ولا يجوز بيع مالا ليس بمملوك كالمباحات قبل حيازتها لأنها غير مملوكة أشبهت الحر.
стр. 1642
الشيخ: هذا صحيح والمباحات يعني مثلاً الأعشاب والكمأة وغيرها مما يجنيه الإنسان من الأرض فإنه لا يبيعه حتى يملكه فلو جاء رجل إلى بدوي وحوله أرض واسعة وقال له البدوي أشتري مني كلاء هذه الأرض فإنه لا يجوز لماذا؟ لأنه لا يملك الكلاء إلا إذا حشه وحازه وقبل ذلك ليس ملكاً له.
القارئ: ولا يجوز بيع الدم ولا السرجين النجس لأنه مجمع على تحريمه ونجاسته أشبه الميتة.
الشيخ: هذا التعليل يدل على أن الدم المباح يجوز بيعه كالكبد والطحال ودم القلب يجوز بيعه لأنه مباح أما بيع الدم لغير أكله ليحقن في المريض كما يوجد الآن إذا احتاج الإنسان إلى دم حقنوا به دماً فهل يجوز أو لا؟ ظاهر الأدلة أنه حرام لا يجوز لكن إذا لم يوجد إلا بعوض فهنا يدفع العوض ويكون الآثم الآخذ وأما الدافع فليس بآثم وأما السرجين النجس يعني ما تدفن به الأرض عند زرعها ويسمى عند الناس السماد فالنجس لا يجوز بيعه مثل سرجين الحمر وسرجين الآدمي عذرة الآدمي مع أن القول الراجح أنه يجوز يعني أن يسمد بها لكن لا يجوز بيعها لأنها نجسة العين وأما السرجين المتنجس فيجوز بيعه لأن تطهيره
ممكن فهو كالثوب المتنجس السرجين المتنجس مثل سماد بال عليه رجل أو بال عليه حمار وأراد إنسان أن يبيعه نقول لا بأس بعه لأنه يمكن تطهيره فهو كالثوب المتجنس وأما قوله ﵀ (لأنه مجمع على تحريمه) فهذا في الدم صحيح أن الدم حرام بالنص والإجماع وأما السرجين النجس فليس مجمع على تحريمه أكثر العلماء على جواز السماد بالسرجين النجس.
القارئ: ولا يجوز بيع شحم الميتة لأنه منها وفي حديث جابر (قيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه تدهن بها الجلود وتطلى بها السفن ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام) متفق عليه.
стр. 1643
الشيخ: الصحابة هل سألوا الرسول ﵊ عن هذه المنافع أو عن بيعها؟ هم سألوا عن بيعها لأنه لما حرم ﵊ بيع الميتة قالوا هذه الأشياء ينتفع بها أيجوز بيعها أم لا؟ قال (لا هو - أي البيع - حرام) هذا هو الصواب في معنى الحديث وقال بعض أهل العلم (لا) أي لا تنتفعوا بها (هو) أي الانتفاع (حرام) وبناءاً على هذا فإنه لا يجوز دهن الجلود بها ولا طلي السفن ولا الاستصباح بها ودهن الجلود معروف لأن الجلد إذا دهن بالدهن صار ليناً ولم يتكسر وطلي السفن بها أيضاً مفيد لأن الخشب إذا كان قد روي بالدهن لا يدخله الماء والثالث الاستصباح الاستصباح يجعلون الشحوم في إناء وفي الإناء فتيلة ثم يوقدون النار في هذه الفتيلة ومادام الدهن باقياً فإنها تبقى هذه الفتيلة مضيئة بدلاً عن بدلاً عن اللمبات في وقتنا فكانوا يفعلون هذا فقال (لا هو حرام) وعلى تفسيرنا وهو الصحيح فإنه يجوز أن تدهن بها الجلود لكن الجلود غير التي تستعمل في لبس ونحوه لأنك إذا استعملتها في لبس ونحوه والدهن لم يزل صرت مستعملاً لثوب نجس أو ما أشبه ذلك وتطلى بها السفن لا بأس لا بأس أن تطلى بها السفن ولا تفسد على الناس ويستصبح الناس أيضاً لا بأس ولكن منع العلماء ﵏ من الاستصباح بها في المساجد لأنه إذا استصبح بها في المساجد وثار الدخان منها وعلق بالجدران تنجست وهذا المنع مبني على أن النجاسة لا تطهر بالاستحالة أما على قول من يقول إن النجاسة إذا استحالت إلى شيء آخر طهرت فلا بأس بالاستصباح بها إلا إن يخشى أن تتسرب النجاسة إلى المسجد فهنا تمنع من أجل ذلك وهنا يمكن التحرز عنها بأن يوضع في طشت حتى إذا تسرب شيء فإنه يتسرب في هذا الطشت.
стр. 1644
القارئ: وما نجس من الأدهان كالزيت فظاهر المذهب تحريم بيعها قياساً على شحم الميتة لقول رسول الله ﷺ (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) وعنه يباع لكافر ويعلم بحاله لأنه يعتقد حله في جواز الاستصباح بها روايتان إحداهما لا يجوز لأنه دهن نجس فأشبه شحم الميتة والثانية يجوز لأنه أمكن الانتفاع بها من غير ضرر أشبه الانتفاع بالجلد اليابس.
الشيخ: هذه مسائل أولاً ما تنجس من الادهان كالزيت فظاهر المذهب تحريم بيعها قياساً على شحم الميتة لكن هذا القياس قياس مع الفارق لأن الميتة نجسة بعينها وهذا الدهن أصله طاهر طرأت عليه النجاسة لكن
نقول إن قلنا بأن الأدهان المتنجسة لا يمكن تطهيرها فالقول بمنع بيعها واضح لأنه لا يمكن أن تطهر وإذا قلنا بأنه يمكن أن تطهر فإن بيعها يجوز لأنها تشبه الثوب النجس والثوب النجس يجوز بيعه والصحيح أنه يمكن تطهيرها بأن تلقى النجاسة وما حولها فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن الدهن تموت فيه الفأرة فقال ﵊ أو السمن فقال ﷺ (ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم) أيضاً يقول ﵀ (وفي جواز الاستصباح بها روايتان) والصحيح أن الاستصباح بها جائز من باب أولى لأننا قلنا إن الصحيح جواز الاستصباح بالنجس فالمتنجس من باب أولى طيب قال أبو الخطاب.
السائل: لماذا يجوز بيع الضبع وهو يفترس؟
الشيخ: الضبع حلال ليست لها ناب ولا يفترس إلا عند الضرورة القصوى يعني ليس من طبعه العدوان يقولون ما يفترس إلا عند الضرورة القصوى أو إذا أحد هاجمه ولهذا جعلها النبي ﵊ من الصيد فأوجب على المحرم إذا قتلها شاة.
стр. 1645
القارئ: وفي جواز الاستصباح بها روايتان إحداهما لا يجوز لأنه دهن نجس فأشبه شحم الميتة والثانية يجوز لأنه أمكن الانتفاع بها من غير ضرر أشبه الانتفاع بالجلد اليابس قال أبو الخطاب ويتخرج على جواز الاستصباح بها جواز بيعها قال القاضي ولا تطهر بالغسل لأنه لا يتأتى فيها العصر ويتخرج أنها تطهر بصبها في ماء كثير ثم تترك حتى تطفوا فتأخذ والعصر إنما يعتبر فيما يتأتى العصر فيه بدليل الحجر والأخشاب اختاره أبو الخطاب فأما غير الأدهان كالخل واللبن فلا تطهر وجهاً واحداً.
الشيخ: هذه مسألة أختلف فيها العلماء ﵏ الماء سبق أنه يطهر على المذهب فيطهر الماء بواحد من أمور ثلاثة إما أن يضاف إليه ماء كثير حتى يزول التغير هذه واحدة وإما أن ينزح منه حتى يزول التغير وهذا يكون في الآبار لأن الآبار كلما نزح منها تجدد الماء وإما أن يزول تغير الماء بنفسه لكن غير الماء هل يمكن تطهيره؟ الصحيح أنه يمكن فقد قال النبي ﷺ في الأدهان ماذا قال؟ قال في الفأرة تموت في السمن قال (ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم) إذاً يمكن أن تطهر فإذا كان يمكن في الأدهان أن تطهر جاز بيعها لأنها تكون كالثوب المتنجس الذي إذا غسلته صار طاهراً فالصواب أن جميع المائعات يمكن أن تطهر حتى اللبن حتى المرق يمكن أن يطهر لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً فإذا زالت النجاسة طعمها وريحها ولونها ولم يبقى شيء فهو طهور.
القارئ: فصل ولا يجوز بيع الكلب وإن كان معلماً لما رواه أبو مسعود الأنصاري إن رسول الله ﷺ (نهى عن ثمن الكلب وقال ثمن الكلب خبيث) متفق عليه ولا غُرمَ على قاتله لأنه لا قيمة له وقد أساء من قتل كلباً يباح اقتنائه ولا يباح اقتنائه.
стр. 1646
الشيخ: إذا بيع الكلب حرام حتى المعلم وأما قول بعض العلماء ﵏ إن النهي عن بيع الكلب محمول على الكلب الذي لا يباح اقتنائه فهذا فيه نظر لأن الكلب الذي لا يباح اقتنائه لا يبيعه أحد إنما الذي يمكن أن يقع عليه عقد البيع والكلب الذي يباح اقتنائه المعلم بالصيد أو بالحرث أو بالماشية ولا يمكن أن يحمل الحديث على شيء نادر ويترك ما هو كثير فهذا خطأ في التصرف في الأدلة إذاً نقول الكلب لا يجوز بيعه سواء كان معلماً أم غير معلم لأن الرسول ﷺ نهى عن بيعه وهل يضمنه من قتله يقول المؤلف أنه (لا يضمنه) لأن نهي الشارع عن بيعه يستلزم ألا قيمة له وما ليس له قيمة فليس بمضمون ولكن هل يجوز قتله؟ الجواب لا لا يجوز لأنه عدوان على صاحبه ولأنه ربما يسبب فتنة ولهذا حكم المؤلف بأنه مسيء فقال (وقد أساء من قتل كلباً يباح اقتنائه) وهل يعزر؟ نعم يعزر ولكن بماذا؟ يعزر على القول الراجح بما يكون رادعاً له فإن شاء الحاكم قال يحبس وإن شاء قال يضرب في السوق وإن شاء قال يضمن أكثر من قيمته لو يباع فالمهم أن له أن يعزره بما يردعه وأمثاله عن العدوان على حق الغير.
القارئ: ولا يباح اقتناء كلب إلا لصيد أو حفظ ماشية أو حرث لما روى أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال (من أتخذ كلباً إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع نقص من أجره كل يوم قيراط) متفق عليه ويجوز تربية الجرو.
стр. 1647
الشيخ: كيف أخذ المؤلف أنه لا يباح؟ لأن العقوبة قد تكون بحصول مكروه وقد تكون بفوات محبوب وهنا من النوع الثاني فوات المحبوب فكونه ينقص كل يوم من أجره قيراط فهذا لا شك أنه فوات محبوب فيكون هذا دليلاً على أنه حرام ولا يجوز والعجب أن الكفار سبحان الله العظيم يقتنون الكلاب ويعتنون بها ويغسلونها كل يوم بالمنظف والصابون والشامبو ويطيبونها يضعون فيها الطيب وعلى كل حال سبحان الله الخبيثات للخبيثين لما كان هؤلاء خبثاء أنجاس صارت نفوسهم تألف النجس الخبيث لكن هل إذا غسلوه وطيبوه ونظفوه هل يطهر؟ لا لأن نجاسته عينية فلا يمكن أن يطهر أبداً إلا في مسألة واحدة على خلاف بين العلماء وهي لو سقط في مملحة وصار ملحاً فهذا الكلب سقط في مملحة والمملحة إذا سقط فيها شيء يكون ملحاً حتى الحديد لو تضع فيها حديدة تأتيها بعد مدة تجدها قطعة ملح فهذا الكلب سقط في مملحة وصار ملحاً فهل يبقى نجساً أو طاهراً؟ على الخلاف بعض العلماء يقول إن النجاسة إذا استحالت طهرت لأن هذا ما يقال له كلب بل يقال هذا ملح وبعضهم يقول لا مادام أصله نجساً فهو نجس وعلى كل حال فإنه لا يباح اقتناء الكلب مع أنه يوجد من اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار من يقتني الكلاب وهذا ليس بغريب لأن الخبيثات للخبيثين لكن المشكل أن فينا نحن المسلمين من صار يقتني الكلاب بدون حاجة وصار يفعل بها ما يفعل هؤلاء النصارى حتى قيل لي أنه يوجد في سيارات بعض الناس كلب وراء المرتبة وهذا حرام ولا يحل لأنه تشبه بهؤلاء الكفرة وقوع فيما حذر منه الرسول عليه
الصلاة والسلام لكن لو قال قائل أنا في قصر نائي بعيد عن البلد وأحتاج إلى كلب يحرسني ويحرس أهلي أيجوز اقتنائه؟ نقول نعم يجوز اقتنائه لأنه إذا جاز اقتناء الكلب لحراسة الماشية والزرع فالإنسان من باب أولى ولا إشكال في هذا.
القارئ: ويجوز تربية الجرو الصغير لذلك لأنه قصد به ما يباح فيأخذ حكمه كالجحش الصغير.
стр. 1648
الشيخ: التشبيه بالجحش الصغير غريب لأن الجحش الصغير يباع حتى أبوه وأمه فهذا قياس مع الفارق لكن نعم التعليل الأول صحيح أنه إنما رُبِّيَ من أجل مصلحة مباحة.
القارئ: ولأنه لو لم يقتني غير المعلم لم يمكن تعليمه فتعذر اقتناء المعلم وفيه وجه آخر أنه لا يجوز اقتناء لأنه ليس من الثلاثة.
الشيخ: لماذا ليس من الثلاثة؟ لأنه صغير لا يحرس الماشية ولا الحرث ولا يصيد.
القارئ: فإن اقتنى كلب الصيد من لا صيد به جاز للحديث وفيه وجه آخر أنه لا يجوز لأن اقتنائه لغير حاجة أشبه من اقتنائه للماشية ولا ماشية له.
الشيخ: وهذا الوجه أقرب للمعنى لأن قول الرسول ﷺ (إلا كلب صيد) ليس معناه إلا كلب صيد لمن لا يصيد وكلب ماشية أيضاً ليس معناه كلب ماشية لمن لا ماشية عنده فالصواب أن من لا يحتاجه لا يجوز له أن يقتنيه حتى وإن كان من كلاب الصيد المعروفة وإن كان من كلاب الماشية أو كلاب الحرث.
السائل: لو أن الحاكم ضمَّنَ قاتل الكلب هل نقول يأخذ صاحبه أم يوضع في بيت المال؟
الشيخ: لا إذا ضمن الحاكم القاتل الكلب فيكون في بيت المال إلا إذا خاف الفتنة وأن صاحبه بدوي ما يعرف يقول هذا الذي قتل كلبي لابد أقتله هو وهذه قد تقع من بعض البادية فهنا لا بأس أن يعطي صاحبه ما يرضى به.
السائل: حديث جواز اتخاذ (كلب الصيد والماشية والزرع) كيف يتخذ الكلب إذا لم يشترى؟
الشيخ: يتخذ الكلب بأن يكون هو أخذ من الصحراء كلباً فعلمه.
السائل: إذا لم يتيسر ذلك؟
الشيخ: وربما يتيسر فإذا وجدت كلباً عند شخص وقلت أعطني قال أنا أصيد به فهو معذور لكن إذا كان لا يصيد به فيجب عليه أن يبذله لك فإن لم يفعل فلك أن تعطيه شيئاً ويكون هو الآثم.
السائل: كيف نعزر من قتل الكلب مع أن الشرع أمر بقتل الكلب؟
الشيخ: أمر الرسول بقتل الكلاب ثم نهى عنه إلا الكلب الأسود.
فصل
стр. 1649
القارئ: ولا يجوز بيع المعدوم لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ (نهى عن بيع الغرر) رواه مسلم وبيع المعدوم بيع غرر ولأن تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها تنبيه على تحريم بيعها قبل وجودها فلا يجوز بيع الثمرة قبل خلقها ولا بيع الماء العد الذي له مادة كماء العيون والآبار لأنه بيع لما يتجدد وهو في الحال معدوم.
الشيخ: ماء العد يعني ماء الآبار فالآبار يسمى ماءها ماء عد والبرك ليس ماءها ماء عد لأنها يحقن فيها الماء وقوله (بيع لما يتجدد وهو معدوم) مثل أنت عندك بئر تِبِش بالماء وتريد أن تبيع الماء وهو لم يوجد بعد في البئر فهذا لا يجوز لأنه بيع معدوم لأنك بعت ما يتجدد كما لو قلت أبيع عليك ما تحمله هذه الشجرة من الثمر فهذا بيع بما يتجدد وهو غير معلوم بل هو معدوم وسيأتينا إن شاء الله أن بيع نقع البئر لا يصح لأن الناس شركاء فيه.
والمهم أن حديث أبي هريرة يعتبر قاعدة في البيوع (نهى عن بيع الغرر) فمثلاً اللبن في الضرع لا يجوز لأنه غرر والحمل في البطن لا يجوز لأنه غرر والسمك في الماء لا يجوز لأنه غرر وهلم جرا.
فصل
القارئ: ولا يجوز بيع مالا يقدر على تسلميه كالطير في الهواء والسمك في الماء والعبد الآبق والجمل الشارد الفرس العائر والمغصوب في يد الغاصب لحديث أبي هريرة.
стр. 1650
الشيخ: هنا أحال على حديث أبي هريرة لأنه بيع غرر يقول المؤلف (لا يجوز بيع مالا يقدر على تسلميه كالطير في الهواء) مثاله إنسان عنده حمام في الهواء قال سأبيع عليك الحمام نقول ما يجوز وهو في الهواء وقال بعض العلماء إن ألفت الرجوع جاز ثم إن رجعت فهو على بيعه وإن لم ترجع فله الفسخ وهذا القول أقرب للصواب لأن الآن ما فيه ضرر فكثير من الطيور الأليفة إذا صار في الصباح ذهبت تطلب الرزق ثم رجعت في آخر النهار فإذا كانت معلومة بأن كان المشتري قد راءها بالأمس وليست مشكلة عليه ولكنها الآن غير موجودة في عُشها وقال أبيعها عليك ليس في ذلك مانع ثم إن رجعت فالبيع بحاله وإن لم ترجع فللمشتري الخيار وأما السمك في الماء أيضاً فإنه لا يجوز أن يبيع السمك في الماء إلا إذا كان الماء محصوراً
كَبِرْكَة وكان الماء صافياً بحيث يشاهد السمك فلا بأس لأن هذا معلوم مقدور على تسليمه لكنه فيه نوع من التعب أما إذا كان يريد أن يبيع عليه سمكة تتصل بالمحيط الأطلسي فهذا لا يجوز لأنها تهرب في البحر لكن إذا كان في شيء محصور والماء صافي وهي مشاهدة يشاهدها المشتري والبائع فلا بأس لأن العلة هو ما جاء في الحديث هي الغرر وهنا لا غرر لكن صحيح أن فيه نوع مشقة في إمساكه وهذا لا يضر.
فصل
القارئ: ولا يجوز بيع مالا يقدر على تسلميه كالطير في الهواء والسمك في الماء والعبد الآبق والجمل الشارد والفرس العائر والمغصوب في يد الغاصب لحديث أبي هريرة.
следующие страницы →