← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96875

تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة

ابن عثيمين

Полный текст (2 447 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

الشيخ: هكذا قال المؤلف والصحيح العموم أنه لا يجوز إذا كان في ذمته دين لأحد أن ينتفع بشيء من ماله إلا إذا نوى مكافئته أو احتسابه من دينه لأننا لو قلنا يجوز صار هذا الدائن يستمتع بشيء من ماله ويسقط لا يستوفي وحينئذ يكون كالذي يزيد الدين بمرور الأيام فلا يحل فالصواب أن غير دين القرض كدين القرض ولا فرق وقد كان بعض الناس فيما سبق يستدين الفلاحون منهم ثم فإذا أرادوا أن يخرجوا للنزهة ونحو ذلك أرسلوا للفلاح وقالوا أعطنا الحمار نريد أن نخرج عليه في نزهة فيعطيهم الحمار كل أسبوع مرة أو كل شهر مرة وهذا حرام لأن منفعة الحمار الآن صارت زائدة عن الدين الذي وجب على المدين وكما قلت أن ذلك يفضي إلى أن يسكت الدائن عن المدين في مقابل أن ينتفع بماله أو ما أشبه ذلك. القارئ: وإن أذن له في الانتفاع بعوض مثل أن أجره إياه فإن حاباه في الأجرة فهو كالانتفاع بغير عوض. الشيخ: قوله (كالانتفاع بغير عوض) أي في التحريم وإلا فبينهما فرق ولا شك لأن الانتفاع بغير عوض لا يستفيد المطلوب شيئاً وبأجرة أقل يستفيد لكن قصده قوله (فهو كالانتفاع بغير عوض) أي في التحريم. القارئ: وإن لم يحابه فيها جاز في القرض وغيره لكونه ما انتفع بالقرض إنما انتفع بالإجارة وقال القاضي ومتى استأجره المرتهن أو استعاره خرج من الرهن في مدتهما لأنه طرأ عليه عقد أوجب استحقاقه في الإجارة برضاهما فإذا انقضى العقد عاد الرهن بحكم العقد السابق والصحيح أنه لا يخرج بذلك عن الرهن لأن القبض مستدام فلا تنافي بين العقدين لكنه في العارية يصير مضمونا لكون العارية مضمونة. الشيخ: كلام الموفق أصح كلام القاضي ﵀. فصل القارئ: وإن انتفع به بغير إذن الراهن فعليه أجرة ذلك في ذمته فإن كان الدين من جنسها تقاصت هي وقدرها من الدين وتساقطا وإن تلف الرهن ضمنه لأنه تعدى فيه فضمنه كالوديعة.

стр. 1962

الشيخ: في هذه المسألة إذا أنتفع به بغير إذنه وبدون إجارة فإنه إذا تلف ضَمِنَهُ لأنه متعدى. باب جناية الرهن والجناية عليه القارئ: إذا جنى الرهن على أجنبي تعلق حق المجني عليه برقبته وقدم على المرتهن لأنه يقدم على المالك فأولى أن يقدم على المرتهن فإن سقط حق المجني عليه بعفو أو فداء بقي حق المرتهن لأنه لم يبطل دائما وإنما قدم حق المجني عليه لقوته فإذا زال ظهر حق المرتهن وإن كان الحق قصاصاً في النفس اقتص منه وبطل الرهن وإن كان في الطرف اقتص له وبقي الرهن في باقيه وإن كان مالاً أو قصاصاً فعفي عنه إلى مال فأمكن إيفاء حقه ببيع بعضه بيع منه بقدر ما يقضي به حقه وباقيه رهن وإن لم يمكن إلا ببيع جميعه بيع فإن استغرق ثمنه بطل الرهن وإن فضل منه شيء تعلق به حق المرتهن وإن كان أرش الجناية عليه أكثر من ثمنه فطلب المجني عليه تسلميه للبيع وأراد الراهن فداؤه فله ذلك لأن حق المجني عليه في قيمته لا في عينه ويفديه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته في أحد الوجهين لأن ما يدفعه عوض عنه فلم يلزمه أكثر من قيمته وفي الآخر يلزمه أرش الجناية كلها أو تسلميه لأنه ربما رغب فيه راغب فاشتراه بأكثر من قيمته فينتفع به المجني عليه وإن أبى الراهن فداؤه فللمرتهن فداؤه بمثل ما يفديه به الراهن وحكمه في الرجوع بذلك حكم ما يقضي به دينه فإن شرط جعله رهناً بالفداء مع الدين الأول لم يصح لأنه رهن فلم يجز رهنه بدين سواه وأجازه القاضي لأن المجني عليه يملك إبطال الرهن بالبيع فصار كالجائز قبل القبض والزيادة في دين الرهن قبل لزومه جائزة ولأن الحق متعلق به وإنما ينتقل من الجناية إلى الرهن بخلاف غيره.

стр. 1963

الشيخ: سبق لنا أن الصحيح جواز زيادة الدين في الرهن يعني مثلاً لو رهن داراً بعشرة آلاف ريال ثم استدان من المرتهن وقال هذا الدين يلحق الدين السابق فالمذهب أنه لا يجوز والصواب أنه جائز لأن هذا لا يبطل حق أحد إذ أن العين المرهونة الآن مرهونة لواحد في الدين الأول وفي الدين اللاحق. فصل القارئ: فإن جنى على سيده جناية لا توجب قصاصاً فهي هدر لأنه مال لسيده فلا يثبت له مال في ماله كما لو لم يكن رهناً. الشيخ: هذه القضية لا نحب أن يطلع عليها العبيد لأنهم لو اطلعوا عليها لجنوا على أسيادهم فبدل من أن يقطع يد سيده يشق بطنه مثلاً لأن شق البطن على المذهب ليس فيه قصاص وهذه مشكلة فلعلهم لا يطلعون على هذا. القارئ: وإن كانت موجبة للقود فيما دون النفس فَعَفَى على مال سقطت مطلقاً لذلك وإن أحب القصاص فله ذلك لأن القصاص يجب للزجر والحاجة تدعو إلى زجره عن سيده. الشيخ: لكن الضرر سيكون على السيد فمثلاً لو أن العبد قطع يد سيده قطعاً يوجب القصاص فقال أريد أن تقطع يده نقول أقطع يده وإذا قطع يده سوف تنقص قيمته كثيراً لكن ربما يقول السيد أنا أريد أن أتشفى من هذا العبد الذي كفر النعمة لأني أنفق عليه بكسوة ونفقة وسكن وغير ذلك وهو يفعل هكذا أنا أريد التشفي. القارئ: وإن كانت على النفس فللورثة القصاص وليس لهم العفو على مال في أحد الوجهين لما ذكرنا في السيد ولأنهم يقومون مقام الموروث ولم يكن له العفو على مال فكذلك وارثه والثاني لهم ذلك لأن الجناية حصلت في ملك غيرهم فأشبه الجناية على أجنبي. الشيخ: ما هي الفائدة على هذا القول؟ نقول الفائدة تتعلق بذمة العبد فمتى عتق بأي سبب من الأسباب ألزم بأرش الجناية أو بالدية مادام أن المسألة قتل. فصل

стр. 1964

القارئ: فإن جنى على موروث سيده ولم ينتقل الحق إلى سيده فهي جناية على أجنبي وإن انتقل إليه وكانت الجناية موجبة للقصاص في طرف فمات المجني عليه فللسيد القصاص والعفو على مال لأن المجني عليه ملك ذلك فملكه وارثه وإن كانت على النفس فكذلك في أحد الوجهين والثاني ليس له العفو على مال كما لو كانت الجناية على نفسه وأصلهما هل يثبت للمورث ثم ينتقل إلى الوارث أم للوارث ابتداء؟ فيه روايتان فإن قلنا يثبت للوارث ابتداء فليس له العفو على مال كالجناية على طرف نفسه وإن قلنا يثبت للموروث فله العفو على مال لأن الحق ينتقل إليه على الصفة التي كان لموروثه لكون الاستدامة أقوى من الابتداء وإن كانت الجناية موجبة للمال أو كان الموروث قد عفي على مال ثبت ذلك للسيد لذلك فيقدم به على المرتهن. فصل

стр. 1965

القارئ: وإن جنى على عبد لسيده غير مرهون فحكمه حكم الجناية على طرف سيده وإن كان مرهوناً عند مرتهن القاتل بحق واحد والجناية موجبة للمال أو عفا السيد على مال ذهبت هدرا كما لو مات حتف أنفه وإن كان رهناً بحق آخر تعلق دين المقتول برقبة القاتل إن كانت قيمة المقتول أكثر من قيمة القاتل أو مساوية لها وإن كانت أقل تعلق برقبة القاتل بقدر قيمة المقتول فأي الدَّيْنَين حل أولاً بيع فيه فيستوفى من ثمنه وباقيه رهن بالآخر وإن كان المقتول رهناً عند غير مرتهن القاتل وكانت الجناية موجبة للقصاص فللسيد الخيرة بين القصاص والعفو على مال لأنه يتعلق به حق غيره ويثبت المال في رقبة العبد فإن كان لا يستغرق قيمته بيع منه بقدر أرش الجناية ويكون رهناً عند مرتهن المجني عليه وباقيه رهن بدينه وإن لم يمكن بيع بعضه بيع كله وقسم ثمنه بينهما على حسب ذلك وإن كانت الجناية تستغرق قيمته فالثاني أحق به وهل يباع أو ينقل فيجعل رهناً عنده؟ فيه وجهان أحدهما لا يباع لعدم الفائدة في بيعه والثاني يباع لأنه ربما زاد فيه مزايد فاشتراه بأكثر من قيمته فكل موضع قلنا للسيد القصاص أو لوارثه فاقتص فقال بعض أصحابنا عليه قيمته تجعل مكانه لأنه أتلف الرهن باختياره ويحتمل أن لا يجب عليه شيء لأنه اقتص بإذن الشارع فلم يلزمه شيء كالأجنبي. فصل القارئ: وجنايته بإذن سيده كجنايته بغير إذنه إلا يكون صبياً أو أعجمياً لا يعلم تحريم الجناية فيكون السيد هو الجاني يتعلق به القصاص والدية كالمباشر لها ولا يباع العبد فيها وقيل يباع إذا كان معسراً لأنه باشر الجناية والأول أصح لأن العبد آلة ولو تعلقت به الجناية بيع فيها وإن كان سيده موسراً.

стр. 1966

الشيخ: قصد المؤلف ﵀ لو أن السيد قال لهذا للعبد أقتل هذا الرجل والعبد لا يدري عن قتله أنه حرام كأعجمي أو لا يعلم التحريم فهنا المخاطب السيد لأن العبد عند سيده بمنزلة الآلة فيكون هو المخاطب أي السيد وهذه المسألة تحتاج إلى تحرير وبحث لأنها يتعلق بها مسائل مثل لو أن السلطان أمر بالقتل من لا يعلم ظلمه فيه؟ وغير ذلك من المسائل التي ذكرها العلماء. فصل القارئ: وإن جُنِيَ على الرهن فالخصم الراهن لأنه مالكه ومالك بدله فإن كانت الجناية موجبة للقصاص فله أن يقتص أو يعفو فإن اقتص ففيه وجهان أحدهما عليه قيمته تجعل مكانه لأنه أتلف مالاً استحق بسبب إتلاف الرهن فغرم قيمته كما لو كانت الجناية موجبة للمال والثاني لا شيء عليه لأنه لم يجب بالجناية مال ولا أستحق بحال وليس على الراهن السعي للمرتهن في اكتساب مال وإن عفا على مال أو كانت الجناية موجبة للمال كان رهناً مكانه فإن عفا الراهن عن المال لم يصح عفوه لأنه محل تعلق به حق المرتهن فلم يصح عفو الراهن كما لو قبضه المرتهن وقال أبو الخطاب يصح وتؤخذ منه قيمته وتكون رهناً لأنه أتلفه بعفوه وقال القاضي تؤخذ قيمته من الجاني فتجعل مكانه فإذا زال الرهن ردت إلى الجاني كما لو أقر على عبده المرهون بالجناية وإن عفا الراهن عن الجناية الموجبة للقصاص إلى غير مال انبنى على مُوجَبِ العمد فإن قلنا أحد شيئين فهو كالعفو عن مال وإن قلنا القصاص فهو كالاقتصاص فيه وجهان. فصل

стр. 1967

القارئ: إذا أقر الراهن أن العبد كان جنى قبل رهنه فكذبه المرتهن وولي الجناية لم يسمع قوله وإن صدقه ولي الجناية وحده قُبِلَ إقراره على نفسه دون المرتهن فيلزمه أرش الجناية لأنه حال بين المجني عليه وبين رقبة الجاني بفعله فأشبه ما لو قتله فإن كان معسراً فمتى أنفك الرهن كان المجني عليه أحق برقبته وعلى المرتهن اليمين أنه لا يعلم ذلك فإن نكل قضي عليه وفيه وجه آخر أنه يقبل إقرار الراهن لأنه غير متهم لأنه يقر بما يخرج الرهن من ملكه وعليه اليمين لأنه يبطل بإقراره حق المرتهن فيه وإن أقر أنه كان أعتقه عتق لأنه يملك عتقه فملك الإقرار به فيخرج العبد من الرهن ويؤخذ من الراهن قيمته تجعل مكانه ولا يقبل قوله في تقديم عتقه لأنه يسقط به حق المرتهن من عوضه. فصل القارئ: وإن أقر رجل بالجناية على الرهن فكذبه الراهن والمرتهن فلا شيء لهما وإن صدقه الراهن وحده فله الأرش ولا حق للمرتهن فيه لإقراره بذلك وإن صدقه المرتهن وحده أخذ الأرش فجعل رهناً عنده فإذا خرج من الرهن رجع إلى الجاني ولا حق للراهن فيه والله وسبحانه وتعالى أعلم. باب الشروط في الرهن الشيخ: الشروط في الرهن تخالف شروط الرهن تخالفها من وجهين الأول الشروط في الرهن من وضع المتعاقدين وشروط الرهن من وضع الشرع ثانياً شروط الرهن شروطٌ لصحته والشروط في الرهن شروطٌ للزومه لأن من فات غرضه بفوات الشرط فله الخيار وهذه في جميع العقود.

стр. 1968

القارئ: يصح شرط جعل الرهن في يد عدل فيقوم قبضه مقام قبض المرتهن لأنه قبض في عقد فجاز التوكيل فيه كقبض الموهوب ومادام العدل حاله فليس لأحدهما ولا للحاكم نقله عن يده لأنهما رضياه ابتداء وإن اتفقا على نقله جاز لأن الحق لهما لا يعدوهما وإن تغيرت حاله بفسق أو ضعف عن الحفظ أو عداوة لهما أو لأحدهما فمن طلب نقله منهما فله ذلك لأنه متهم في حقه ففي بقائه في يده ضرر ثم إن اتفقا على من يضعانه عنده جاز وإن اختلفا وضعه الحاكم في يد عدل وإن اختلفا في تغير حاله بحث الحاكم وعمل بما يظهر له وإن مات العدل لم يكن لوارثه إمساكه إلا بتراضيهما لأنهما ما ائتمناه وإن رده العدل عليهما لزمهما قبوله لأنه متطوع بحفظه فلم يلزمه المقام عليه فإن أمتنع أجبرهما الحاكم فإن تغيبا أو كانا غائبين نصب الحاكم أميناً يقبضه لهما لأن للحاكم ولاية على الغائب الممتنع من الحق وإن دفعه الحاكم إلى أمين من غير امتناعهما ولا غيبتهما ضمن الحاكم والأمين معاً لأنه لا ولاية له على غير الممتنع والغائب فإن امتنعا أو غابا فلم يجد حاكماً فتركه عند عدل آخر لم يضمن لأنه حال حاجة وإن أودعه مع قدرته على الحاكم ضمن لأنه يقوم مقامهما. الشيخ: قوله ﵀ (وإن دفعه الحاكم إلى أمين من غير امتناعهما ولا غيبتهما ضمن الحاكم والأمين معاً) نقول أما ضمان الحاكم فواضح لأنه تصرف تصرفاً لا يملكه لكن الأمين كيف نضمنه والأمين إنسان يغلب على ظنه أن تصرف الحاكم صحيح فكيف نضمنه فهذا حاكم معروف بالعدالة أعطى أمينه هذا الرهن ثم نقول إذا تلف ضمن الحاكم والأمين هذا فيه نظر! نعم لو علم الأمين أن الحاكم تصرف تصرفاً لا يملكه حينئذ نقول يظهر أنه يشارك الحاكم الضمان أما إذا كان لا يعلم فالضمان على الحاكم فقط ويؤيده قولهم في باب الجنايات إن أمر به الحاكم أي بالقتل ظلماً من لا يعرف ظلمه فيه فالضمان على الحاكم.

стр. 1969

القارئ: وكذلك لو أودعه من غير امتناعهما ولا غيبتهما ضمن هو والقابض معاً وإن امتنع أحدهما ولم يجد حاكماً لم يكن له دفعه إلى الآخر فإن فعل ضمن لأنه يمسكه لنفسه والعدل يمسكه لهما فإن رده إلى يده زال الضمان. الشيخ: كل هذا مبني على أن قبض الرهن شرط للزوم أما على القول الذي رجحنا سابقاً أنه يجوز أن يكون الرهن عند الراهن ويبقى لازماً فكل هذه التفريعات تنتهي ويقال إن الحاكم يجعله عند المرتهن أو عند الراهن ولا حرج بل للاثنين جميعاً أن يتفقا على جعله إما عند المرتهن أو عند الراهن وإذا كان هناك عرف مطرد كما هو موجود عندنا الآن بأن الرهن يكون في يد الراهن اتبع العرف لأن الإنسان الآن يرهن سيارته وهو يعمل عليها يعمل ويرهن بيته وهو ساكنه وهذا الذي عليه العمل وهو الصواب. فصل القارئ: وإن شرط جعله في يد اثنين صح الشرط ولم يكن لأحدهما الانفراد بحفظه لأن المتراهنين لم يرضيا إلا بحفظهما معا فلم يجز لأحدهما الانفراد به كالوصيين فإن سلمه أحدهما إلى صحابه ضمن نصفه لأنه القدر الذي تعدى فيه فإن مات أحدهما أو تغير حاله أقيم مُقَامُهُ عدل. فصل القارئ: وكل من جاز توكيله جاز جعل الرهن على يديه مسلماً كان أو كافراً عدلاً أو فاسقا ذكراً أو أنثى لأنه جاز توكيله في غير الرهن فجاز فيه كالعدل ولا يجوز أن يكون صبياً أو

стр. 1970

مجنوناً لأنه غير جائز التصرف فإن فعلا كان قبضه له وعدمه واحداً وإن كان عبداً فله حفظه بإذن سيده ولا يجوز بغير إذنه لأن منافعه لسيده فلا يجوز تضييعها في الحفظ من غير إذنه وإن كان مكاتباً وكان بغير جعل لم يجز لأنه ليس له التبرع وإن كان بجعل جائز لأنه له الكسب بغير إذن سيده فإن لم يشرط جعله في يد أحد فهو في يد المرتهن لأنه المستوجب للعقد فكان القبض له كالمتهب فإن قبضه ثم تغيرت حاله في الثقة أو الحفظ أو حدث بينهما عداوة فللراهن دفعه إلى الحاكم ليزيل يده ويجعل في يد عدل لأنه لم يرض بحفظه في هذه الحال وإن اختلفا في تغير حاله بحث الحاكم وعمل بما بان له وإن مات المرتهن نقل عن الوارث إلى عدل لأن الراهن لم يرض بحفظه. فصل القارئ: إذا شرط أن يبيعه المرتهن أو العدل عند حلول الحق صح شرطه لأن ما صح توكيل غيرهما فيه صح توكيلهما فيه كبيع عين أخرى فإن عزلهما الراهن صح عزله لأن الوكالة عقد جائز فلم يلزم المقام عليها كما لو وكل غيرهما أو وكلهما في بيع غيره ولو مات المرتهن لم يكن لوارثه البيع لأنه لم يؤذن له ويتخرج أنه لا يملك عزلهما لأنه يفتح باب الحيلة فإن عزل المرتهن العدل عن البيع لم يملكه إلا في الحال الذي يملكه الراهن لأنه وكيله خاصة وإن أذنا في بيع الرهن فتلف بجناية وجعلت قيمته مكانه فقال القاضي قياس المذهب أن له بيعها لأنه يجوز له بيع نمائه تبعا فيبع قيمته أولى والصحيح أنه لا يملك بيعها لأنه لم يؤذن له فيه ولا هي تبعاً لما أذن فيه بخلاف النماء. الشيخ: لكن إذا جعلت قيمته مكانه فالقياس أن له أن يبيعه لأنه لما أتلف العبد مثلاً أو الشاة أو البعير وضمنت بالقيمة صارت القيمة تحل محل الأصل. السائل: ما الفرق بين قولنا (المُوجِب) وقولنا (المُوجَب)؟ الشيخ: المُوجِب ما أَوجَبَ الشيء والمُوجَب ما أَوجَبَه غيره فالدليل مُوجِب والحكم مُوجَب مثل قولنا المُقتضِي والمُقتضَى. السائل: حكم بتضمين الأمين؟

стр. 1971

الشيخ: كما قلنا سابقاً تضمين الأمين إن علم فلا بأس أن يُضَمَّن لكن إذا لم يعلم فالأصل أن تصرف الحاكم تصرف جائز. فصل القارئ: وإن إذنا له في البيع بنقد لم يكن له خلافهما لأنه وكيلهما وإن أطلقا أو اختلفا باع بنقد البلد لأن الحظ فيه فإن كان فيه نقود باع بأغلبها فإن تساوت باع بما يرى الحظ فيه لأن الغرض تحصيل الحظ. الشيخ: الذي ينبغي إذا اختلفت النقود أن يبيع بجنس الدين لأنه أخصر وأسلم من الخسارة فمثلاً إذا كان الدين فضة فإنه لا يبيع بذهب وفي الأوراق النقدية إذا كان الدين بالدراهم السعودية فإنه لا يبيع بالدولار وإذا كان بالدولار فإنه لا يبيع بالدراهم السعودي والمهم أنه إذا كان هناك نقود متعددة فإنه يبيع بجنس الدين، وقوله ﵀ (إن أذنا له) الضمير في (له) يعود على العدل الذي بيده الرهن والفاعل في (أذنا) يعود على الراهن والمرتهن. القارئ: فإن تساوت باع بجنس الدين لأنه يمكن القضاء منه فإن لم يكن فيها جنس الدين عين له الحاكم ما يبيع به وحكمه حكم الوكيل في وجوب الاحتياط في الثمن على ما سنذكره فإذا باع وقبض الثمن فتلف في يده من غير تعد فلا ضمان عليه لأنه أمين. الشيخ: قوله (من غير تعد) يجب أن يضيف فيقول ولا تفريط والفرق بين التعدي والتفريط أن التعدي فعل مالا يجوز والتفريط ترك ما يجب إلا أن يقال يمكن أن يحمل كلام المؤلف ﵀ بقوله (من غير تعد) أي من غير عدوان فيشمل التفريط والتعدي لكن على كل حال المعنى أي من غير تعدٍ ولا تفريطٍ. القارئ: وهو من ضمان الراهن لأنه ملكه فإن أنكر الراهن تلفه فالقول قول العدل مع يمينه لأنه أمين فهو كالمودع فإن قال ما قبضته من المشتري فالقول قول العدل لذلك ويحتمل أن لا يقبل قوله لأن هذا إبراء للمشتري وإن خرج الرهن مستحقا فالعهدة على الراهن دون العدل لأنه وكيل.

стр. 1972

الشيخ: الاحتمال الذي قاله المؤلف ضعيف والصواب أنه يقبل قوله وكونه يستلزم إبراء المشتري يقال هذا مقتضى الأمانة. القارئ: وإن استحق بعد تلف الثمن في يد العدل رجع المشتري على الراهن دون العدل لأنه قبض منه على أنه أمين في قبضه وتسلميه إلى المرتهن وإن كان الثمن باقياً في يد العدل أو المرتهن رجع المشتري فيه لأنه عين ماله قبض بغير حق وإن وجد المشتري بالمبيع عيباً فرده بعد قبض المرتهن ثمنه لم يرجع عليه لأنه قبضه بحق ولا علىلعدل لأنه أمين ويرجع على الراهن إلا أن يكون العدل لم يُعلِم المشتري أنه وكيل فيكون رجوعه عليه ثم يرجع هو على الراهن فإن تلف المبيع في يد المشتري ثم بان مستحقا فلمالكه تضمين من شاء من الراهن والعدل والمرتهن لأن كل واحد منهم قبض ماله بغير حق ويستقر الضمان على المشتري لأن التلف حصل في يده ويرجع على الراهن بالثمن الذي أخذ منه وإذا باع العدل الرهن بيعاً فاسداً وجب رده فإن تعذر رده فللمرتهن تضمين من شاء من العدل والمشتري أقل الأمرين من قيمة الرهن أو قدر الدين لأنه يقبض ذلك مستوفياً لحقه لا رهنا فلم يكن له أكثر من دينه وما بقي للراهن يرجع به على من شاء منهما وإن وفى الراهن المرتهن رجع بقيمته على من شاء منهما ويستقر الضمان على المشتري لحصول التلف في يده. فصل القارئ: وإذا ادعى العدل دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره ففيه وجهان أحدهما القول قول العدل لأنه أمين فإذا حلف برئ ويرجع المرتهن على الراهن والثاني القول قول المرتهن لأنه منكر والعدل إنما هو أمينه في الحفظ لا في دفع الثمن إليه فإذا حلف رجع على من شاء منهما فإذا رجع على العدل لم يرجع العدل على الراهن لأنه يقر ببراءة ذمته منه ويدعي أن المرتهن ظلمه وغصبه وإن رجع على الراهن رجع الراهن على العدل لتفريقه في القضاء بغير بينة إلا أن يكون قضاؤه بحضرة الراهن أو ببينة فماتت أو غابت فلا يرجع عليه لعدم تفريطه.

стр. 1973

الشيخ: الصحيح أنه إذا فرط رجع عليه كما هو المذهب لكن إذا كان الشيء يسيراً لم تجر العادة بالإشهاد عليه فإنه لا يعد مفرطاً لأنه ليس من الممكن إذا أوفى مائة ريال لرجل ذي شرف وسيادة أن يشهد عليه وحينئذ لا يعد مفرطاً. القارئ: وعنه لا يرجع على العدل بحال لأنه أمين ولو غصب المرتهن الرهن من العدل ثم رده إليه زال الضمان لأنه رده إلى وكيل الراهن في إمساكه فأشبه ما لو أذن له في دفعه إليه ولو كان الرهن في يده فتعدى فيه ثم زال التعدي لم يزل الضمان لأن استئمانه زال بذلك فلم يعد بفعله. الشيخ: هذه قاعدة في كل شيء حتى في المُودَع لو أنه أخرج الوديعة من حرزها ثم ردها إلى الحرز لم يكن أميناً لأنه تعدى في الأول وكل أمين تعدى فإن ائتمانه يزول وتكون يده يد غاصب. فصل القارئ: وإذا رهن أمةً رجلاً وشرط جعلها في يد امرأة أو ذي رحم لها أو ذي زوجة أو أمة جاز لأنه لا يفضي إلى الخلوة بها وإن لم يكن كذلك فسد الرهن لإفضائه إلى خلوة الأجنبي بها. الشيخ: بهذا نعرف خطورة ما يفعله بعض الناس اليوم في الخدم تجده يأتي بالخادم عنده في البيت وتكون امرأته موظفة في تدريس أو غيره ثم يخلو معها في البيت وهذا خطر فهو في الحقيقة نار وضع فيها ملح لابد أن يكون هناك شر فالواجب الحذر من هذا والتحذير منه أيضاً. القارئ: ولو اقترض ذمي من مسلم مالاً ثم رهنه خمراً لم يصح لأنها ليست مالا وإن باعها الذمي أو وكيله وأتاه بثمنها فله أخذه فإن امتنع لزمه وقيل له إما أن تقبض أو أن تبرئ لأن أهل الذمة إذا تقابضوا في العقود الفاسدة جرى مجرى الصحيح. الشيخ: هذا صحيح ومن ذلك مسائل الخلاف بين العلماء فمثلاً إذا قبضها الإنسان معتقداً حلها ثم أعطاها أحداً فهي له حلال. فصل

стр. 1974

القارئ: فإن شرط ما ينافي مقتضى الرهن نحو أن يشترط أن لا يسلمه أو لا يباع عند الحلول أو لا يستوفى الدين من ثمنه أو شرط أن يبيعه بما شاء أو لا يبيعه إلا بما يرضيه فسد الشرط لأن المقصود مع الوفاء به مفقود وإن شرط أنه متى حل الحق ولم توفني فالرهن لي بالدين أو بثمن سماه فسد لما روي عن النبي ﷺ أنه قال (لا يغلق الرهن) رواه الأثرم ومعناه استحقاق المرتهن له لعجز الراهن عن فكاكه ولأنه علق البيع على شرط مستقبل فلم يصح كما لو علقه على قدوم زيد. الشيخ: الصحيح في هذه المسألة جواز ذلك وفعله الإمام ﵀ حيث رهن نعليه عند رجل وقال له إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالنعلان لك وهذا ليس فيه محظور شرعي وهو من مصلحة الطرفين ومن المعلوم أن الراهن لا يمكن أن يقول إن النعلين لك وهو يرى أنهما أكثر من دينه هذا لا يمكن أن يكون وكذلك أيضاً صاحب الدين الذي له الدين لن يقبل هذا إلا وهو يعلم أن هذا الرهن الذي قيل له إن لم يأتِ بالدين صحابه فهو لك إلا وهو يعلم أنه سيكفيه فالصواب أن ذلك جائز ولا محظور فيه إطلاقاً ثم إن قياسه على البيع المعلق أيضاً هو قياس على شيء متنازع فيه وشرط القياس أن يتفق الطرفان على حكم الأصل وإلا فلا يصح القياس فالصواب في هذا أيضاً وهو البيع المعلق أنه جائز إذا علق بشيء معلوم مضمون. القارئ: وإن قال أرهنك على أن تزيدني في الأجل لم يصح لأن الدين الحال لا يتأجل وإذا لم يثبت الأجل فسد الرهن لأنه في مقابلته. الشيخ: الصحيح جواز هذا فإذا حل دينه وقال الدائن أعطني الدين فقال المدين ما عندي شيء لكن أرهنك وتؤجل الدين مرة ثانية فلا بأس وليس في هذا محظور إطلاقاً بل فيه مصلحة للطرفين المدين يُنَفَّسُ له بزيادة الأجل والدائن يكون له توثقة.

стр. 1975

القارئ: وإن شرط أن ينتفع المرتهن بالرهن في دين القرض لم يجز وإن كان بدين مستقر في مقابلة تأخيره عن أجله لم يجز لأنه بيع للأجل وإن كان في بيع فعن أحمد جوازه إذا جعل المنفعة معلومة كخدمة شهر ونحوه فيكون بيعاً وإجارة وإن لم تكن معلومة بطل الشرط للجهالة وبطل البيع لجهالة ثمنه وماعدا هذا فهو إباحة لا يلزم الوفاء به، وإن قال رهنتك ثوبي هذا يوما ويوماً لا أو وقته فالرهن فاسد لأنه ينافي مقتضاه وكل شرط يسقط به دين الرهن يفسده ومالا يؤثر في ضرر إحداهما كاشتراط جعل الأمة في يد أجنبي عزب لا يفسده وفي سائر الشروط الفاسدة وجهان أحدهما يفسد بها الرهن والآخر لا يفسد بناءً على الشروط الفاسدة في البيع ويحتمل أن ما ينقص المرتهن يبطله وجهاً واحداً وفي سائرها وجهان أحدهما يبطل الرهن لأنه شرط فاسد فأبطله كالأول والثاني لا يبطله لأنه زائد فإذا بطل بقي العقد بأحكامه. الشيخ: الصواب ما بينه الرسول ﵊ في القاعدة العظيمة (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) وفي كتاب الله أن جميع الشروط جائزة إلا ما دل الدليل على منعه لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وهذا يشمل الوفاء بأصل العقد وبوصفه وهو الشروط ولقوله تعالى (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) ولقوله في مدح عباد الله الصالحين (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) فالصواب أن الأصل في الشروط الحل والصحة واللزوم إلا ما دل دليل على منعه وهذه الأمثلة التي ذكرها المؤلف منها ما هو مُسَلَّم ومنها ما هو غير مُسَلَّم وإذا شككنا في الأمر في كل شيء نرجع إلى الأصل. السائل: الأمين إذا فرط أوتعدى فهل يزول وصفه بالأمانة على الإطلاق أم في هذه الأمانة فقط؟

стр. 1976

الشيخ: لا بل في هذه الأمانة فقط فلو فرضنا أن شخصاً أعطاك وديعة صرة من ذهب فحفظتها وصرة من فضة فاستنفقتها فهنا زالت الأمانة في صرة الفضة فقط. باب خلاف المتراهنين القارئ: إذا قال رهنتني كذا فأنكر أو اختلفا في قدر الدين أو قدر الرهن فقال رهنتني هذين قال بل هذا وحده أو قال رهنتني هذا بجميع الدين قال بل نصفه أو قال رهنتنيه بالحال قال بل بالمؤجل فالقول قول الراهن لأنه منكر والأصل عدم ما أنكره ولأن القول قوله في أصل العقد فكذلك في صفته. الشيخ: كلها هذه واضحة المسائل ولا يخفى أن كل مَنْ قلنا القول قوله فلابد من اليمين. القارئ: فإن قال رهنتني عبدك هذا قال بل ثوبي هذا لم يثبت الرهن في الثوب لرد المرتهن له. الشيخ: الاختلاف في رد الدين قلنا فيما سبق أنه إذا أدعى أحدهما ما كان بعيداً فلابد من البينة أما مالا يحتمل فهو أصلاً مرفوض لا تسمع الدعوة فيه. القارئ: فإن قال رهنتني عبدك هذا قال بل ثوبي هذا لم يثبت الرهن في الثوب لرد المرتهن له وحلف الراهن على العبد وخرج بيمينه وإن قال أرسلت وكيلك فرهن عبدك على ألفين قبضها مني فقال ما أذنت له في رهنه إلا بألف سئل الرسول فإن صدق الراهن حلف على أنه ما رهنه إلا بألف ولا قبض غيرها ولا يمين على الراهن لأن الدعوى على غيره وإن صدق المرتهن حلف الراهن وعلى الرسول ألف لأنه أقر بقبضها ويبقى العبد رهناً على ألف واحدة ومن توجهت عليه اليمين فنكل فهو كالمقر سواء. الشيخ: يقصد أنه يقضى عليه بالنكول كأنه أقر إذ أنه لا يندفع الحق عنه إلا باليمين قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (اليمين على من أنكر). فصل القارئ: فإن قال رهنتني عبدك هذا بألف فقال بل بعتكه بها أو قال بعتنيه بألف فقال بل رهنتكه بها حلف كل واحد منهما على نفي ما أدعي فسقط ويأخذ السيد عبده وتبقى الألف بغير رهن. فصل

стр. 1977

القارئ: وإن قال الراهن قبضت الرهن بغير إذني فقال بل بإذنك فالقول قول الراهن لأنه منكر وإن قال أذنت لك ثم رجعت قبل القبض فأنكر المرتهن فالقول قوله لأن الأصل عدم الرجوع وإن كان الرهن في يد الراهن فقال المرتهن قبضته ثم غصبتنيه فأنكر الراهن فالقول قوله لأن الأصل معه وإن أقر بتقبيضه ثم قال احلفوه لي أنه قبض بحق ففيه وجهان أحدهما يحلف لأن ما ادعاه محتمل والثاني لا يحلف لأنه مكذب لنفسه وإن رهنه عصيراً ثم وجد خمرا فقال المرتهن إنما اقبضني خمرا فلي فسخ البيع وقال الراهن بل كان عصيرا فقال أحمد ﵁ فالقول قول الراهن لأنه يدعي سلامة العقد وصحة القبض فظاهر حال المسلم استعمال الصحيح فكان القول قول من يدعيه كما لو اختلفا في شرط يفسد المبيع ويحتمل أن القول قول المرتهن بناءً على اختلاف المتبايعين في حدوث العيب.

стр. 1978

الشيخ: وهذه قاعدة مفيدة وهي أنهما إذا اختلفا في صحة العقد أو فساده فالقول قول من يدعي الصحة لأن الأصل في عقود المسلمين السلامة لكن اختلفوا فيما إذا أدعى أحد المتعاقدين أنه عقد وهو صغير لم يبلغ فقال بعضهم إن القول قول من يدعي الصِّغَر لأن الأصل عدم البلوغ وقال بعضهم القول قول من يدعي الصحة لأن الأصل السلامة وهذا فيما إذا كان الصغير حين الإدعاء بالغاً أما إذا كان صغيراً فالأمر ظاهر لا يزال صغيراً لكن لو قال أنا بعتك سيارتي وأنا لم أبلغ فقال بل إنك بالغ فمنهم من يقول القول المشتري لأنه يدعي سلامة العقد وصحته وهذا هو الأصل في عقود المسلمين ومنهم من يقول القول قول البائع الذي يدعي الصِّغَر لأن الأصل عدم البلوغ وهنا الاختلاف في شرط سابق أما لو كان الاختلاف في شرط لاحق مثل أن يقول بعتنيه بعد آذن الجمعة الثاني فلا يصح والثاني قال بل قبله فيصح فالقول قول من يدعي أنه قبله لأن الأصل الصحة والسلامة والراجح عندي في مسألة الصغر أنه ينظر إلى القرائن إذا كانت مدة العقد بعيدة ويمكن أن يكون قد باعه قبل أن يبلغ فالقول قول من يدعيه وأما إذا كانت قريبة والاحتمال قوي فالأصل الصحة. القارئ: ولو كان الرهن حيواناً فمات واختلفا في حياته وقت الرهن أو القبض فحكمه حكم العصير وإن أنكر المرتهن قبضه فالقول قوله لأن الأصل معه وإن وجده معيباً واختلفا في حدوثه ففيه وجهان مبنيان على الروايتين في البيع. فصل القارئ: إذا كان لرجل على آخر ألف برهن وألف بغير رهن فقضاه ألفا وقال قضيت دين الرهن فقال هي عن الألف الآخر فالقول قول الراهن سواء اختلفا في لفظه أو نيته لأنها تنتقل منه فكان القول قوله في صفة النقل وهو أعلم بنيته ولو دفعها بغير لفظ ولا نية فله صرفها إلى أيهما شاء كما لو دفع زكاة أحد الألفين فإن أبرأه المرتهن من أحدهما فالقول قول المرتهن لذلك وإن أطلق فله صرفها إلى أيهما شاء ذكره أبو بكر.

стр. 1979

الشيخ: من أوضح ما يكون طيب هذا الراهن قضاء ألف وكان عليه ألفان أحدهما برهن والثاني بغير رهن فقال الدائن أنت دفعت الألف الذي بغير رهن ليبقى الألف الثاني برهن ويكون الرهن عند المدفوع إليه عند الدائن وقال الدافع وهو الراهن بل قضيت الألف التي فيها الرهن من أجل أن يفك الرهن ويأخذ رهنه فالقول قول الراهن لأنه هو الغارم ولأنه أعلم بنيته وعكس هذه المسألة إذا كما لو كان للمرتهن دينان أحدهما برهن والرهن في يد المرتهن والثاني بلا رهن فأبرأه من أحد الألفين ثم قال المرتهن بعد ذلك أبرئتك من الألف التي ليس فيها رهن ليبقى الألف الباقي برهن وقال الراهن بل ابرئتني من الألف التي فيها الرهن لأجل أن يفك رهنه فالقول قول المرتهن لأنه هو الذي أبرئه فالقول قوله فإذا قال أنا أريد الدين الذي فيه رهن قلنا القول كقولك ويبقى الدين الثاني في مقابل الرهن. فصل القارئ: وإن كان عليه ألفان لرجلين فأدعى كل واحد منهما أنه رهنه عبده بدينه فأنكرهما حلف لهما وإن صدق أحدهما أو قال هو السابق سلمه إليه وحلف للآخر وإن نكل والعبد في يد أحدهما فعليه للآخر قيمته تجعل رهنا لأنه فوته على الثاني بإقراره للأول أو بتسليمه إليه وقال القاضي هل يرجح صاحب اليد أو المقر له يحتمل وجهين فإن قال لا أعلم المرتهن منهما أو السابق حلف على ذلك والقول قول من هو في يده منهما مع يمينه وإن كان في أيديهما أو يد غيرهما فالحكم في ذلك كالحكم فيما إذا ادعيا ملكه. فصل القارئ: فإن ادعى على رجلين أنهما رهناه عبدهما بدينه فأنكراه فالقول قولهما وإن شهد كل واحد منهما على الآخر قبلت شهادته لأنه لا يجلب بهذه الشهادة نفعاً ولا يدفع بها ضرراً وإن أقر أحدهما وحده لزم في نصيبه وتسمع شهادته على صاحبه لما ذكرناه. فصل

стр. 1980

القارئ: وإن ادعى المرتهن هلاك الرهن بغير تفريط فالقول قوله لأنه أمين فأشبه المودع وإن ادعى الرد ففيه وجهان أحدهما يقبل قوله لذلك والثاني لا يقبل لأنه قبضه لنفسه فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر. الشيخ: هذا فيه إشارة لمن يقبل قوله في الرد والذي يقبل قوله في الرد إن كانت العين عنده لمصلحة مالكها المحضة فالقول قوله في الرد كالوديعة وإذا كانت لمصلحة القابض المحضة فلا يقبل قوله كالعارية فالعارية بيد المستعير لمصلحة المستعير فإذا أدعى الرد لم يقبل قوله والثالث أن تكون لمصلحتهما جميعاً كالعين المستأجرة فالعين المستأجرة فيها مصلحة للمؤجر وهو مالك العين وفيها مصلحة للمستأجر وهو مالك المنفعة فهل يقبل قوله في الرد؟ فيه قولان في المذهب منهم من رجح بأن القول قول من هي بيده ومنهم من قال بالعكس ومثل هذا ينبغي أن يقال إنه ينظر إلى القرائن ولو ضعفت فمن شهدت له قرينة بالصدق قبل قوله فالأحوال ثلاثة. القارئ: وإن أعتق الراهن الجارية أو وطئها فأدعى أنه بإذن المرتهن فأنكره فالقول قول المرتهن لأن الأصل معه فإن نكل قضي عليه وإن صدقه فأتت بولد فأنكر المرتهن مدة الحمل فالقول قوله لأن الأصل عدمها وإن وطئها المرتهن بإذن الراهن وادعى الجهالة وكان مثله يجهل ذلك فلا حد عليه لأن الحد يدرأ بالشبهات ولا مهر لأنه حق للسيد فسقط بإذنه والولد حر يلحقه بنسبه لأنه من وطء شبهة ولا تصير أم ولد لأنه لا ملك له فيها وإن لم تكن له شبهة فعليه الحد والمهر وولده رقيق. السائل: إذا اتفقت القرائن فكيف نرجح بين أقوال المدعين؟ الشيخ: لا يمكن أن تتفق القرائن أبداً فلابد أن أحدهما يكون أقوى أمناً وإيماناً من الآخر واتفاقها نادر جداً. السائل: لو تلفت العارية واتفقا في سبب التلف لكن اختلفا هل حدث ذلك بتفريط أو لا فما هو الحكم؟

стр. 1981

الشيخ: المذهب في العارية أنه ضامن بكل حال سواء فرط أم لم يفرط والصحيح أن العارية كغيرها من الأمانات إن تعد أو فرط ضمن وإلا فلا ضمان عليه. السائل: فإن اختلفا في السبب هل يعد تفريطاً أو لا فإلى ماذا نرجع؟ الشيخ: إذا اختلفا في كون هذا الشيء تفريطاً أم لا واتفقا على ما حصل لكن أدعى الذي عنده أنه ليس تفريط وأدعى المالك أنه تفريط فإننا نرجع إلى العرف.

стр. 1982

كتاب التفليس القارئ: ومن لزمه دين مؤجل لم يجز مطالبته به لأنه لا يلزمه أداؤه قبل أجله ولا يجوز الحجر عليه به لأنه لا يستحق المطالبة به فلم يملك منعه من ماله بسببه فإن أراد سفراً يحل دينه قبل قدومه منه فلغريمه منعه إلا برهن أو ضمين مليء لأنه ليس له تأخير الحق عن محله وفي السفر تأخيره وإن لم يكن كذلك ففيه روايتان إحداهما له منعه لأن قدومه عند المحل غير متيقن ولا ظاهر فملك منعه كالأول والثانية ليس له منعه لأنه لا يملك المطالبة به في الحال ولا يعلم أن السفر مانع منها عند الحلول فأشبه السفر القصير وإن كان الدين حالاً والغريم معسراً لم تجز مطالبته لقول الله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة).

стр. 1983

الشيخ: وإن كان ذو عسرة فيها إشكال وهو رفع ذو مع أن المتبادر أن تكون منصوبة والجواب أنها تامة فالمعنى إن كان ذو عسرة أي إن وجد والمعنى أن المدين إذا كان معسراً فَنَظِرَة إلى ميسرة أي فعلى الطالب نَظِرَة أي انظارٌ إلى ميسرة وحذف الخبر هنا من أجل أن يكون الذي يبدر إلى ذهن المخاطب وسمع المخاطب هو الإنظار دون الوجوب لأن كلمة فنظرة وقعها في النفس أعظم من قولنا فعليه نظرة وهذا من بلاغة القرآن وهنا استفدنا أولاً الاختصار وثانياً وقوة وقع الكلام على النفس لو أن فقيراً أتى إلى شخص وقال أريد أن تبيعني شيئاً إلى أجل لأني الآن ليس عندي شيء فقال البائع إلى متى فقال الفقير إلى أن ييسر الله عليَّ فهل هذا الشرط جائز مع أنه مجهول لأنه قال متى يسر الله عليَّ؟ نقول هذا الشرط جائز لا لأنه مجهول أو معلوم لكن لأنه وهو مقتضى العقد إذ أن مقتضى العقد أن الإنسان الفقير إذا بيع عليه فإنه لا يطالب إلا بعد الميسرة فيكون هذا كالتأكيد ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ (أن رجلاً قدم ببز له من الشام فقالت له عائشة يا رسول الله لو أرسلت إلى فلان قدم له بز من الشام فأرسله إليه وقال له في الأجل إلى ميسرة فأبى الرجل) لم يبيع فدل ذلك على جواز شراء الفقير بأجل إلى ميسرة.

стр. 1984

القارئ: ولا يملك حبسه ولا ملازمته لأنه دين لا يملك المطالبة به فلم يملك به ذلك كالمؤجل فإن كان ذا صنعة ففيه روايتان إحداهما يجبر على إجارة نفسه لما روي أن رجلاً دخل المدينة وذكر أن وراءه مالا فداينه الناس ولم يكن وراءه مال فسماه النبي ﷺ سرقا وباعه بخمسة أبعرة وروى الدارقطني نحوه وفيه أربعة أبعرة والحر لا يباع فعلم أنه باع منافعه ولأن الإجارة عقد معاوضة فجاز أن يجبر عليه كبيع ماله وإجارة أم ولده والثانية لا يجبر لما روى أبو سعيد أن رجلاً أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال النبي ﷺ (تصدقوا عليه) فتصدقوا عليه فلم يبلغ وفاء دينه فقال النبي ﷺ (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك) رواه مسلم ولأنه نوع تكسب فلم يجبر عليه كالتجارة. الشيخ: الرواية الأولى أصح إذا صح الحديث وفيها أيضاً دليل قياس فهذا رجل عليه دين ولكنه قادر على التكسب فهل نجبره أن يتكسب ليقضي دينه؟ الحديث الأول يدل على ذلك لأن الرسول باعه بخمسة أبعرة وهو حر والحر لا يباع فإذا تعذر بيع عينه تعين بيع منافعه وهذا هو الكسب ولأنه قادر على الوفاء بكسبه فلزمه الوفاء به كالقادر على الوفاء بماله ولا فرق وأما الحديث الثاني الذي رواه مسلم فلا يعارضه لأن الجواب عنه سهل فهذه قضية عين يحتمل أن هذا الرجل الذي خسر في بيعاته يحتمل أنه عاجز عن التكسب فلم يجبره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأما قوله (لأنه نوع تكسب فلم يجبر عليه كالتجارة) فيقال التجارة لا يلزم بها إذا كان معسراً وهو قادر وإذا قلنا نعم ففرق بينها وبين المنافع التجارة قد يتجر الإنسان ويخسر فيزداد دينه لكن المنافع هو كسبان على كل حال فهو سيعطى أجرة فالقياس هنا فيه نظر والحديث لا يعارض الحديث الأول والقياس مع الحديث الأول هو أن القادر على الوفاء بكسبه كالقادر على الوفاء بماله ولا فرق. فصل

стр. 1985

القارئ: وإن كان موسراً فلغريمه مطالبته وعليه قضاؤه لقول النبي ﷺ (مطل الغني ظلم) متفق عليه فإن أبى فله حبسه لقول النبي ﷺ (ليُّ الواجد يحل عقوبته وعرضه) من المسند فإن لم يقضه باع الحاكم ماله وقضى دينه لما روي أن عمر ﵁ قال إن أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال سابق الحاج فادَّان معرضاً فمن كان له عليه مال فليحضر فإنا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه رواه مالك في الموطأ بنحوه فإن غيب ماله حبسه وعزره حتى يظهره. الشيخ: قوله (فادَّان) يعني تدين وقوله (عزره حتى يظهره) يفيد أنه يكرر التعزير ولو كل يوم حتى يظهره وهذا ليس كالتعزير على فعل محرم لأن التعزير على فعل محرم لا يكرر إذ أنه إذا عزر على فعل محرم انتهى عنه وانتهى الموضوع لكن التعزير على ترك واجب يكرر حتى يقوم بالواجب. القارئ: ولا يجوز الحجر عليه مع إمكان الوفاء لعدم الحاجة إليه وإن تعذر الوفاء وخيف من تصرفه في ماله حجر عليه إذا طلبه الغرماء لئلا يدخل الضرر عليهم.

стр. 1986

الشيخ: المدين ينقسم إلى أقسام الأول ألا يكون عنده شيء يوفي به فهذا يجب انظاره ويحرم طلبه ومطالبته وحبسه وتعزيره دليل ذلك (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة) الثاني أن يكون عنده مال يكافئ الدين أو يزيد عليه فهذا يلزم بالوفاء بدون حجر وللحاكم أن يبيع ما شاء من ماله ويوفي به ودليله قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (مطل الغني ظلم) والظلم لا يجوز إقراره إلا إذا رضي المظلوم فالحق له والثالث أن يكون ماله دون دين يعني أن الدين أكثر فهذا يحجر عليه إذا طلب الغرماء ذلك أو بعضهم والحجر هو أن يمنع من التصرف في ماله أي في عين ماله سواء كان المال عيناً قائمة أو في الذمة فلا يجوز أن يبرئ من الدين الذي في ذمة المعسر أو الغني لأن هذا يضر بالغرماء واختار شيخ الإسلام ﵀ أن الحجر يثبت سواء حكم به الحكم أم لا ولكن الحجر في التبرع خاصة وأن من دينه قدر ماله يحرم عليه أن يتبرع بالمال لا بصدقة ولا بوقف ولا بهدية ولا بهبة وأما التصرف بالبيع والشراء على وجه لا يضر به فهذا جائز أما إذا بلغ الحاكم وحكم بالحجر عليه منع من التصرف بماله مطلقاً فيقبض على يده فلا يتصرف لا بتبرع ولا بغيره. فصل

стр. 1987

القارئ: فإن ادعى الإعسار من لم يعرف له مال فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدمه وإن عرف له مال أو كان الحق لزمه في مقابلة مال كثمن مبيع أو قرض لم يقبل قوله إلا ببينة لأن الأصل بقاء المال ويحبس حتى يقيم البينة فإن قال غريمي يعلم إعساري فعلى غريمه اليمين أنه لا يعلم ذلك وإن أقام البينة على تلف المال فعليه اليمين معها أنه معسر لأنه صار بهذه البينة كمن لم يعرف له مال وإن شهدت بإعساره فادعى غريمه أن له مالاً باطناً لم تلزمه يمين لأنه أقام البينة على ما أدعى وتسمع البينة على التلف وإن لم يكن ذا خبرة باطنة لأنه أمر يعرف بالمشاهدة ولا تسمع على الإعسار إلا من أهل الخبرة بحاله لأنه من الأمور الباطنة فإن كان في يده مال فأقر به لغيره سئل المقر له فإن كذبه بيع في الدين وإن صدقه سلم إليه فإن قال الغريم أحلفوه أنه صادق لم يستحلف لأنه لو رجع عن الإقرار لم يقبل منه وإن طلب يمين المقر له احلفناه لأنه لو رجع قبل رجوعه.

стр. 1988

الشيخ: هذه المسألة فيها نظر إذا أقر أنه لفلان ... الخ، والصواب التفصيل أنه إذا أقر أنه لفلان وكان هناك شبهة بأن كان فلان من أصدقائه الخاصين وكان هذا المدين لا يبالي أقضى دينه أم لا فهنا لا يكفي الإقرار بل لصاحب الدين أن يُحَلِّفَهُ ويُحَلِّفَ مَنْ أُقِرَّ لَهُ أيضاً لاحتمال أنه كاذب وهذه تقع كثيراً فيمن عندهم النعرة القبلية فتجد الواحد منهم يشهد ويحلف لصاحبه وإن كان يعلم أنه كاذب لأنه من قبيلته ولأنه صديقه وما أشبه ومثل هذه المسائل التي يذكرها الفقهاء ﵏ يذكرونها على سبيل العموم وعلى سبيل الإطلاق لكن تقيد بالقرائن بلا شك لا سيما في المعاملات نعم العبادات يتوقف فيها على ما جاءت به الشريعة لكن في المعاملات يعمل بالقرائن ولهذا عمل شاهد يوسف بالقرينة لما قالت امرأة العزيز حين هرب منها يوسف ﵊ ووجد سيدها عند الباب (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) اتهمته مع أنها هي التي تدعوه إلى نفسها ثم الحاكم حكم وقال إن كان قميصه قُدَّ من قُبُلٍ فهي صادقة وهو كاذب وإن كان قميصه قُدَّ من دُبُرٍ فهو صادق وهي كاذبة والقرينة هنا هي شق الثوب إذا كان من الأمام فمعناه أنه هو الذي طلبها وشقت ثوبه للفرار منه وإذا كان من الخلف فمعناه أنه هو الذي هرب وليس منه طلب بل هي التي لحقته وجرت القميص حتى تمزق فهذا عمل بالقرائن ومن العمل بالقرائن قصة داود وسليمان وهي قصة غريبة خرجت امرأتان بابنين لهما فأكل الذئب ابن الكبيرة فادعت الكبيرة أن ابن الصغيرة ابنها والصغيرة تنفي ذلك وتقول هو ابني ثم تحاكمتا إلى داود ﵊ فأخذ بدعوى الكبيرة اجتهاداً منه وقال هذه الصغيرة الشابة يأتيها الولد في المستقبل وهذه عجوز كبيرة تحتاج إلى ولد فحكم به للكبيرة ثم خرجت المرأتان ومرتا بسليمان ولعلهما مازالتا في نزاع فأخبرتا سليمان بما

стр. 1989

حكم به داود فقال لا أنا أشق الولد نصفين ودعا بالسكين نصف تأخذه الكبيرة ونصف تأخذه الصغيرة فرحبت الكبيرة بهذا الحكم ووافقت أما الصغيرة فقالت يا نبي الله هو لها مالي فيه دعوى فحكم به لصغيرة كيف عرف أنه للصغيرة؟ لأنها أشفقت عليه وقالت ولدي يبقى حياً وإن لم يكن عندي أما الكبيرة فكان ولدها قد تلف فقالت يتلف هذا معه ألا يشبه هذا ما حدث في زماننا الآن بمحكمة التمييز؟ نقول فيها نوع شبه وعلى كل حال أنا أقول إن القرائن يعمل بها لكن القرائن ليست مبنية على التهمة بل على الحقيقة فالقرائن لها أثرها فما ذكره المؤلف ﵀ في هذا الفصل من الدعاوي هو حكم عام لكن القضية المعينة يجب أن يكون لها الحكم الذي تقضيه القرائن والأحوال. فصل القارئ: فإن كان ماله لا يفي بدينه فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمته إجابتهم لما روى كعب بن مالك (أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ وباع ماله) رواه سعيد بن منصور بنحوه عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك، ولأن فيه دفعاً للضرر عن الغرماء فلزم ذلك كقضائهم ويستحب الإشهاد على الحجر ليعلم الناس حاله فلا يعاملوه إلا على بصيرة.

стр. 1990

الشيخ: تبين لنا الآن أن الدين والمال إن كان المال أكثر فلا حجر وإن كان مساوياً فلا حجر وإن كان الدين أكثر فهنا يثبت الحجر لكن بسؤال الغرماء أو بعضهم والحجر معناه أن نمنع المفلس من التصرف في ماله لا في ذمته لأن ماله الآن تعلق به حق الغرماء فنقول لا تبع ولا تشتري ولا تهب ولكن هل يثبت الحجر بمجرد أن يزيد الدين على ماله ونقول الآن لا يجوز لك تتصرف يضر بالغرماء أو لابد من الحجر؟ فيه قولان للعلماء والصحيح أنه لا يحل له أن يتبرع بشيء من ماله مادام دينه أكثر من ماله وذلك لأن وفاء الدين واجب والتبرع بالمال ليس بواجب حتى وإن كان صدقة فإذا قال أريد أن أعطي هذا الفقير عشرة ريال نقول لا تعطه عشرة ريال فإذا قال الدين كثير مائة ألف قلنا لا تعطه عشرة ريالات ولكن أعطهن الغريم الذي يطلبك ويبقى عليه مائة ألف إلا عشرة ريال وهلمجرا تنقص شيئاً فشيئاً حتى تنتهي. القارئ: ويتعلق بالحجر عليه أربعة أحكام أحدها منع تصرفه في ماله فلا يصح بيعه ولا هبته ولا وقفه ولا غير ذلك لأنه حجر ثبت بالحاكم فمنع تصرفه كالحجر للسفه وفي العتق روايتان إحداهما لا يصح لذلك ولأن حق الغرماء تعلق بماله فمنع صحة عتقه كما لو كان مريضاً. الشيخ: قوله (كما لو كان مريضاً) يعني كما لو كان السيد مريضاً مرض الموت وأعتقه فإنه لا ينفذ منه إلا الثلث فقط. القارئ: والثانية يصح لأنه عتق من مالك رشيد صحيح أشبه عتق الراهن. الشيخ: هذا قياس على شيء لا يسلم المؤلف ﵀ قال (لو أن المحجور عليه أعتق عبداً) ولنفرض أن العبد نصف ماله فمعناه أنه ضيع على الغرماء نصف ما يستحقون ويقول أن القول الثاني صحيح وقاسه على الراهن وهو المدين الذي رهنه عبده ثم أعتقه فالمذهب أن العتق ينفذ والصحيح أنه لا ينفذ لا عتق الراهن ولا عتق المحجور عليه.

стр. 1991

القارئ: وإن أقر بدين أو عين في يده كالقصار والحائك يقر بثوب لم يقبل إقراره لذلك ويلزم في حقه يتبع به بعد فك الحجر عنه وإن توجهت عليه يمين فنكل عنها فهو كإقراره. الشيخ: قوله (لذلك) يعني لتعلق حق الغرماء بماله والصورة هذه واضحة إنسان بعد أن حجر عليه قال هذا الثوب الذي عندي لفلان فلا يقبل إقراره بالنسبة للغرماء ويقبل إقراره بالنسبة لصاحب الثوب فيُطَالَب به بعد فك الحجر عنه ويقول المؤلف ﵀ (كالقصار والحائك) مع أن الغالب أن القصار صادق والقصار هو الذي يفصل الثياب فإذا حجرنا على هذا القصار الذي يفصل الثياب وهو يقول هذا الثوب لفلان فلا شك أن القرينة تدل على صدقه ومع ذلك يقولون لا تقبل لكن لو أن صاحب الثوب جاء يدعيه مع إقرار القصار فهنا ينبغي أن يقال إن الإقرار صحيح وأن الثوب يعطى لصاحبه أما على المذهب فيكون الثوب يدخل في ماله ويباع ويُعْطَى الغرماء ويضمن لصاحب الثوب بعد فك الحجر. القارئ: وإن تصرف في ذمته بشراء أو اقتراض أو ضمان أو كفالة صح لأنه أهل للتصرف والحجر إنما تعلق بماله دون ذمته ولا يشارك أصحاب هذه الديون الغرماء لأن من علم منهم بفلسه فقد رضي بذلك ومن لم يعلم فهو مفرط ويتبعونه بعد فك الحجر عنه كالمقر له. الشيخ: قوله (يتبعونه) أي أصحاب الديون الذين أقر لهم بعد الحجر. القارئ: وهل للبائع والمقرض الرجوع في أعيان أموالهما إن وجداها على وجهين أحدهما لهما ذلك للخبر ولأنه باعه في وقت الفسخ فلم يسقط حقه منه كما لو تزوجت المرأة معسراً بنفقتها والثاني لا فسخ لهما لأنهما دخلا على بصيرة بخراب الذمة أشبها من أشترى معيباً يعلم عيبه. الشيخ: الصحيح أنهما يرجعان بعين مَالِهِمَا نعم لو عَلِما أنه محجور عليه فقد فرطا أما إذا جهلا وهو رجل معروف يبيع ويشتري مع الناس ثم تبين أنه محجور عليه فلابد أن يرجعا بمالهما. القارئ: وإن جنى المفلس.

стр. 1992

الشيخ: قوله (المُفَلَّسُ) يعني الذي حكم بتفليسه بفتح اللام. القارئ: وإن جنى المفلس جناية توجب مالاً لزمه وشارك صاحبه الغرماء لأنه حق ثبت بغير رضى مستحقه فوجب قضاؤه من المال كجناية عبده وإن ثبت عليه حق بسبب قبل الفلس ببينة شارك صاحبه الغرماء لأنه غريم قديم فهو كغيره. فصل القارئ: الحكم الثاني أنه يتعلق حقوق الغرماء بعين ماله فليس لبعضهم الاختصاص بشيء منه سوى ما سنذكره ولو قضى المفلس أو الحاكم بعضهم وحده لم يصح لأنهم شركاؤه فلم يجز اختصاصه دونهم ولو جُنِيَ عليه جناية أوجبت مالاً أو ورث مالاً تعلقت حقوقهم به وأن أوجبت قصاصاً لم يملكوا إجباره على العفو إلى مال لأن فيه ضرر بتفويت القصاص الواجب لحكمة الأحياء. الشيخ: مثال ذلك هذا الذي حجر عليه جنى عليه جاني وقطع يده عمداً واليد فيها نصف الدية فقال الغرماء اعفوا إلى دية قال لا أنا أريد القصاص وهو إذا أقتص لم يحصل على على مال فهل يلزمونه على أن يعفوا إلى المال؟ لا، لا يلزمونه وذلك لأن الإنسان يريد القصاص للتشفي فلا يتشفى بكونه يأخذ دية. القارئ: ولا يجبر على قبول هبة ولا صدقة ولا قرض عرض عليه ولا المرأة على التزوج لأن فيه ضرر بلحوق المنة أو التزوج من غير رغبة ولو باع بشرط الخيار لم يجبر على ما فيه الحظ من رد أو إمضاء لأن الفلس يمنعه إحداث العقود لا امضاؤها وليس للغرماء الخيار لأن الخيار لم يشرط لهم وإن وهب هبة بشرط الثواب لزم قبوله لأنه عوض عن مال فلزم قبوله كثمن المبيع ولا يملك إسقاط ثمن مبيع ولا أجرة ولا أخذه رديئاً ولا قبض المسلم فيه دون صفته إلا بإذن الغرماء لما ذكرناه. الشيخ: الخلاصة أنه لا يجوز أن يتصرف تصرفاً يضر بالغرماء وأما لا يضر بهم فلا بأس لأنه لم يحجر عليه لسفه حتى نقول إن تصرفه غير صحيح وإنما حجر عليه لمصلحة الغرماء فما أضر بهم منع وما لم يضر بهم لم يمنع ولهذا يصح إقراره في ذمته واستدانته في ذمته وما أشبهها.

стр. 1993

القارئ: وإن أدعى مالاً له به شاهد حلف وثبت المال وتعلقت حقوقهم به وإن نكل لم يكن للغرماء أن يحلفوا لأن دعواهم لهذا المال غير مسموعة فلا يثبت بأيمانهم كالأجانب ولأنهم لو حلفوا لحلفوا على إثبات مال لغيرهم وكذلك الحكم في غرماء الميت إذا لم يحلف الوارث لم يحلفوا لما ذكرنا. فصل القارئ: والحكم الثالث أن للحاكم بيع ماله وقضاء دينه ويستحب أن يحضره عند البيع لأنه أعرف بثمن ماله وجيده ورديئه فيتكلم عليه وهو أطيب لقلبه ويحضر الغرماء لأنه أبعد من التهمة وربما رغب بعضهم في شراء شيء فزاد في ثمنه أو وجد عين ماله فأخذها فإن لم يفعل جاز. الشيخ: لكن إذا زاد أحد الغرماء في الثمن وخيف منه ألا يوفي بناءاً على أن له ديناً على هذا المحجور عليه ففي هذه الحال لا نقبل منه الزيادة لأن هذه الزيادة ستعود بالنقص على بقية الغرماء إلا إذا نقد الثمن أو أتى برهن أو ضمين. القارئ: لأن ذلك موكول إليه ويقيم منادياً ينادي على المتاع فإن عين الغرماء أو المفلس منادياً ثقة. الشيخ: في النسخة الأولى (فإن عين المفلس والغرماء) الواو يعني اتفق الاثنان على منادي ثقة أما على النسخة الثانية (أو) إن عين المفلس أو الغرماء أي أحدهما لكن إذا اختلفوا فلابد أن يتدخل القاضي. القارئ: فإن عين الغرماء أو المفلس منادياً ثقة أمضاه الحاكم وإن لم يكن ثقة رده لأن للحاكم نظرا فإنه ربما ظهر غريم آخر وإن اختلفوا في المنادي قدم الحاكم أوثقهما وأعرفهما فإن تطوع بالنداء ثقة لم يستأجر لأن فيه بذل الأجرة من غير حاجة وإن عدم بذلت الأجرة من مال المفلس لأن البيع حق عليه ويقدم على الغرماء بها لأنه لو لم يعط لم يناد وكذلك أجرة من يحفظ المتاع والثمن ويحمله. الشيخ: هؤلاء مقدمون على الغرماء لأن عملهم يتعلق بنفس المال وهو لمصلحة الغرماء فلا نقول إنهم يشاركون الغرماء في الدين ويوزع عليهم بالقسط بل نقول يقدمون لأنهم يعملون لمصلحة الغرماء.

стр. 1994

القارئ: ويباع كل شيء في سوقه لأن أهل السوق أعرف بقيمة المتاع وأرغب وطلابه فيه أكثر فإن باعه في غيره بثمن مثله جاز لأنه ربما أداه اجتهاده إلى ذلك لمصلحة فيه ويبدأ ببيع ما يسرع إليه الفساد لأن في تأخيره هلاكه ثم بالحيوان لأنه يحتاج إلى العلف ويخشى عليه التلف ثم بالأثاث لأنه يخشى تلفه وتناله اليد ثم بالعقار لأنه أبعد تلفاً وتأخيره أكثر لطالبيه فيزداد ثمنه. السائل: وإذا أقر بعد الحجر عليه بدين فهل يدخل صاحب الدين مع الغرماء؟ الشيخ: إذا ثبت في ذمته دين قبل الحجر عليه فصاحب الدين يشارك الغرماء لكن بشرط أن تكون هناك بينة على أن الدين ثبت في ذمته قبل الحجر عليه. السائل: لو كان لشخص دين على أحد فهل يجوز له أن يستأجره إن كان أهلاً لهذا العمل؟ الشيخ: له أن يستأجره وإذا انتهى العمل قال مثلاً أجرتك خمسة آلاف وأنا أطلبك خمسة آلاف لكن بشرط أن يكون عند هذا المُسْتَأجَر ما يقوم بنفقته فإن لم يكن عنده ما يقوم بنفقته صار معسراً ويجب إنظاره. السائل: لو كان عليه بعض الديون ولكن بعضها مؤجل بأجل بعيد فهل كل الآجال تحل عند الفلس؟ الشيخ: إذا كان بعض الديون مؤجل وبعضها غير مؤجل أو بعضها مؤجل بأجل بعيد فهذه ذكروا أنه لا يحل المؤجل ويبقى في ذمته حتى ييسر الله عليه. القارئ: ومن وجد من الغرماء عين ماله فهو أحق بها ومن اكترى من المفلس دارا أو ظهراً بعينه قبل الحجر عليه فهو أحق به. الشيخ: قوله (من وجد من الغرماء عين ماله فهو أحق بها) عين ماله أي بأن يكون باعه بالأمس سيارة مثلاً وحجر عليه اليوم والسيارة مازالت معه والبيع بالأمس صحيح فهذا الذي وجد عين ماله مقدم على الغرماء لقول النبي ﷺ (من وجد عين ماله عند رجل قد أفلس فهو أحق به).

стр. 1995

القارئ: ومن اكترى من المفلس دارا أو ظهراً بعينه قبل الحجر عليه فهو أحق به لأنه استحق عينه قبل إفلاسه فأشبه ما لو اشترى منه عبدا وإن اكترى منه ظهراً في الذمة فهو أسوة الغرماء لأن دينه في الذمة أشبه سائر الغرماء وإن كان في المتاع رهن أو جانٍ قدم المرتهن والمجني عليه بثمنه لأن المرتهن لم يرض بمجرد الذمة بخلاف سائر الغرماء وحق المجني عليه يقدم على حق المرتهن فعلى غيره أولى وإن فضل منه فضل رده على التركة وإن لم يف بحقهما فلا شيء للمجني عليه لأنه لا حق له في غير الجاني ويضرب المرتهن مع الغرماء بباقي دينه لأن حقه متعلق بالذمة مع تعلقه بالعين وإن بيع له متاع فهلك ثمنه واستحق المبيع رجع المشتري بثمنه وهل يقدم على الغرماء فيه وجهان أحدهما يقدم لأن في تقديمه مصلحة فإنه لو لم يقدم تجنب الناس شراء ماله خوفاً من الاستحقاق فيقل ثمنه فقدم به كأجرة المنادي والثاني لا يقدم لأنه حق لزمه بغير رضى صاحبه أشبه أرش جنايته ثم يقسم ما أجتمع من ماله بين الغرماء على قدر ديونهم. الشيخ: إذا ضاق المال فإنه ينسب الموجود للدين فإذا كان الموجود نصف الدين أعطي كل واحد نصف دينه فإذا قدرنا أن الدين عشرة آلاف والموجود خمسة يعطى كل واحد نصف دينه قَلَّ أو كثر فمن له ألف يعطى خمسمائة ومن له ريالان يعطى ريالاً. القارئ: فإن ظهر غريم بعد القسمة نقضت وشاركهم لأنه غريم لو كان حاضراً لشاركهم فإذا ظهر بعد ذلك قاسمهم كما لو ظهر للميت غريم بعد قسم ماله وإن أكرى داره عاما وقبض أجرتها فقسمت ثم أنهدمت الدار رجع المكتري على المفلس بأجرة ما بقي وشاركهم فيما اقتسموه لأنه دين وجب بسبب قبل الحجر فشارك به الغرماء كما لو انهدمت قبل القسمة. فصل

стр. 1996

القارئ: الحكم الرابع أن ما وجد عين ماله عنده فهو أحق بها لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال (من وجد متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به) متفق عليه وله الخيار بين أخذه أو تركه وله أسوة الغرماء سواء كانت السلعة مساوية لثمنها أو أقل أو أكثر لأن الإعسار ثبت للفسخ فلا يوجبه كالعيب. الشيخ: بالنسبة لمن وجد عين ماله فإن قيمة عين ماله إما أن تكون أكثر أو أقل أو مساوية فإذا كانت أقل مثل أن يكون باعها بألف والآن تساوي خمسمائة وقال أريد أن أخذها بخمسمائة واضرب مع الغرماء بما بقي فليس له ذلك بل يقال له إما أن تأخذها ولا شيء لك وإما أن تضم إلى بقية المال وإذا كانت أكثر وأراد أن يأخذها فله ذلك بأن يكون باعها بخمسة والآن تساوي عشرة فله ذلك مع أنه سوف يكون فيه إضرار على الغرماء فلو قال الغرماء لهذا الرجل الذي وجد عين ماله نحن ندفع لك الثمن الذي بعتها به ودعاه ندخلها مع المال حتى يكثر فالظاهر أن لهم ذلك وأن معنى قول النبي ﷺ (فهو أحق به) يعني عند التزاحم وضيق المال أما إذا لم يكن تزاحم ولا ضيق مال وقيل للرجل نسلمك ما بعت به فالظاهر أنه ليس له الحق في أن يأخذ السلعة. القارئ: ولا يفتقر إلى حاكم للخبر ولأنه فسخ ثبت بنص السنة فلم يفتقر إلى حاكم كفسخ النكاح بالعتق تحت العبد وفيه وجهان أحدهما أن الخيار على التراخي لأنه رجوع لا يسقط إلى عوض فكان على التراخي كالرجوع في الهبة والثاني هو على الفور اختاره القاضي لأن في تأخيره إضرار بالغرماء لتأخير حقوقهم ولأنه خيار يثبت في البيع لنقص في العوض أشبه الرد بالعيب.

стр. 1997

الشيخ: الرد بالعيب سبق أن الصواب فيه أنه على التراخي لكنه يُضْرَبُ له أجلٌ بحيث لا يضر بالغرماء فيقال له أنت الآن أحق بسلعتك ولكن هل تريد السلعة أو تضرب مع الغرماء؟ فقال أمهلوني وكلما قالوا له في ذلك قال أمهلوني فهنا يقال له لا يمكن بل يقال له لك يوم أو يومان إما أن تختار هذا أو هذا. القارئ: فإن حكم حاكم بسقوط الخيار فقال أحمد ﵁ ينقض حكمه لأنه يخالف صريح السنة ويحتمل أن لا ينقض لأنه مختلف فيه. الشيخ: الاحتمال الثاني أصح وذلك إذا كان الذي نقضه عنده علم ونعلم أنه فعل ذلك اجتهاداً أما إذا كُنَّا لا نعلم أو اتهمنا هذا القاضي أنه أراد المحاباة للغرماء فلا شك أنه لا يمكن أن يسقط الخيار وهذا المثال ذكروه في باب القضاء أن القاضي لا ينقض حكمه في هذا ولو نقل هذا الاحتمال إلى هناك لأنه قد يغيب عن ذهن الإنسان ما ذكره الموفق هنا. القارئ: ولو بذل الغرماء لصاحب السلعة ثمنها ليتركها لم يلزمه قبوله للخبر ولأنه تبرع بدفع الحق من غير من هو عليه فلم يجبر المستحق على قبوله كما لو أعسر بنفقة زوجته فبذلها غيره. الشيخ: هذا فيه نظر لأنه كونه يأبى لا شك أن فيه إضرار على الغرماء وكذلك الزوجة إذا أعسرت زوجها بنفقتها وقام بعض المحسنين وقال أنا أعطيك النفقة فليس لها الفسخ لأنها أصبح الآن ليس عليها ضرر فإن قالت فيه المنة قلنا المنة ليست عليكِ في هذه الحال بل المنة على الزوج وعلى هذا فيكون المقيس والمقيس عليه كلاهما فيه نظر.

стр. 1998

القارئ: وسواء ملكها المفلس ببيع أو قرض لعموم الخبر ولو أصدق امرأة مالا وأفلست قبل دخوله بها ثم ارتدت أو طلقها ووجد عين ماله فهو أحق بها ولو أستأجر شيئاً فأفلس قبل مضي شيء من المدة فللمؤجر الرجوع فيه لأنه وجد عين ماله وإن كان بعد مضي المدة فهو غريم بالأجرة وإن كان بعد مضي شيء منها فهو غريم لأن المدة كالمبيع ومضي بعضها كتلف بعضه وقال القاضي له الفسخ فإن كان للمفلس زرع فعليه تبقيته بأجرة مثله. فصل القارئ: ولا يملك الرجوع إلا بشروط خمسة أحدها أن يجدها سالمة فإن تلف بعضها أو باعه المفلس أو وهبه أو وقفه فله أسوة الغرماء لقوله ﵇ (من أدرك متاعه بعينه فهو أحق به) والذي تلف بعضه لم توجد عينه فإن كان المبيع عبدين أو ثوبين فتلف أحدهما أو بعضه ففي السالم منهما روايتان أحدهما له الرجوع فيه بقسطه لأنه وجده بعينه والثانية لا يرجع لأنه لم يجد المبيع بعينه أشبه العين الواحدة وإن كان المبيع شجرة مثمرة فتلفت ثمرتها فله أسوة الغرماء لأنهما كالعين الواحدة إلا أن تكون الثمرة مؤبرة حين البيع فاشترطها المبتاع فهما كالعينين لأن الثمرة لا تتبع الأصل فهي كالولد المنفصل وإن نقص المبيع صفة مثل أن هُزِلَ أو نسي صناعة أو كبر أو كان ثوباً فخلق لم يمنع الرجوع لأن فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين المال فيتخير بين أخذه ناقصا أو يكون أسوة الغرماء بكل الثمن وإن فقئت عينه فهو كتلف بعضه وإن شج أو جرح أو افتضت البكر فكذلك في قول أبي بكر لأنه نقص جزء ينقص قيمته فأشبه ما لو فقئت عينه وقال القاضي قياس المذهب أن له الرجوع لأنه فقد صفة فهو كالهزال ثم إن كان لا أرش له لكونه حصل بفعل الله تعالى أو فعل المفلس فلا شيء للبائع مع الرجوع وإن كان له أرش فللبائع إذا رجع أن يضرب مع الغرماء بحصة ما نقص من ثمنه فينظر ما نقص من قيمته فيرجع بقسطه من الثمن لأنه مضمون على المشتري للبائع بالثمن والأرش للمفلس على الجاني.

стр. 1999

السائل: ذكرتم بارك الله فيكم أن حديث (من وجد متاعه بعينه ... الخ) المراد به عند التزاحم فما المراد بقولنا عند التزاحم؟ الشيخ: المراد تزاحم الدين والقيمة بحيث يتنازع الغرماء مع صاحب السلعة فهو يقول هذا عين مالي أريد أخذه سواء زاد أو نقص وهم يقولون له نعطيك الثمن ويدخل في المال والمؤلف يرى أن القول قول صاحب السلعة لظاهر الخبر ونحن نرى أن صاحب السلعة ليس له حق وتوجيهنا للحديث أن الرسول ﷺ إذا لم يكن فيه ضرر فإن كان فيه ضرر على المفلس وعلى الغرماء فلا يمكن ذلك فيقيد الحديث بقوله ﷺ (لا ضرر ولا ضرار) فما دام أن صاحب السلعة مثلاً قد باعها بمائة ريال وهي الآن تساوي مئتين فلا يضره شيء إذا دفعوا له مائة. فصل القارئ: فإن كان المبيع زيتاً فخلطه بزيت آخر أو لتَّ به سويقاً أو صبغاً فصبغ به ثوبا أو مسامير فسمر بها باباً أو حجراً فبنى به أو لوحاً فجعله في سفينة أو سقف أو نحو ذلك لم يكن له الرجوع لأنه لا يقدر على أخذ عين ماله في بعض الصور ولا يقدر في بعضها إلا بإتلاف مال المفلس ولا يزال الضرر بالضرر. الشيخ: كلام المؤلف هنا هو في رجوع البائع بعين ماله إذا حجر على المشتري. القارئ: وإن كانت حنطة فطحنها أو زرعها أو دقيقاً فخبزه أو زيتاً فعمله صابوناً أو غزلاً فنسجه أو ثوباً فجعله قميصا أو حباً فصار زرعاً أو بيضاً فصار فرخاً أو نوىً فنبت شجراً أو نحوه مما يزيل أسمه فلا رجوع له لأنه لم يجد متاعه بعينه لتغير اسمه وصفته. الشيخ: وهذه هي الحكمة من كون الرسول الله ﷺ قال (متاعه بعينه) معناه أنه ما تغير بزيادة ولا نقص ولا تغيير. فصل

стр. 2000

القارئ: وإن اشترى ثوباً فصبغه أو قصره أو سويقاً فلته بزيت فلصاحبهما الرجوع فيهما لأن عين مالهما قائمة مشاهدة لم يتغير أسمها ولا صفتها ويصير المفلس شريكهما بما زاد عن قيمتهما لأن ما حصل من زيادة القيمة بالصبغ وغيره فهي للمفلس لأنها حصلت بفعله في ملكه وإن نقص الثوب لم يمنع الرجوع لأنه نقص صفة فهو كالهزال وإن لم يزد بالقصارة سقط حكمها لعدم أثرها في الزيادة وإن اشترى أرضاً فزرعها ثم أفلس فللبائع الرجوع فيها لما ذكرنا ويكون الزرع مبقى إلى الحصاد بغير أجرة لأن العوض في مقابلة الأرض لا في مقابلة المنفعة فإذا فسخ عادت إليه الرقبة دون المنفعة المستثناة شرعاً كما لو باعه أمة فزوجها ثم رجع فيها دون منفعة بضعها. فصل القارئ: الشرط الثاني أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئا فإن قبض بعضه فلا رجوع له لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال (أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس ولم يكن قبض من ثمنها شيئاً فهي له وإن كان قد قبض من ثمنها شيئاً فهو أسوة الغرماء) رواه أبو داود ولأن في الرجوع بالباقي تبعيض الصفقة على المفلس فلم يجز كما لو يقبض شيئا. فصل القارئ: الشرط الثالث أن لا يتعلق بها حق غير المفلس فإن خرجت عن ملكه ببيع أو غيره لم يرجع لأنه تعلق بها حق غيره أشبه ما لو أعتقها وإن رهنها سقط الرجوع لذلك وإن تعلق بها أرش جانية سقط الرجوع لأنه يقدم على حق المرتهن فهو أولى بالمنع ويتوجه أن لا يمنع لأنه لا يمنع تصرف المشتري بخلاف الرهن فعلى هذا إن شاء رجع فيها ناقصة بعيب الجناية وإن شاء فله أسوة الغرماء فإن كان دين الرهن أو أرش الجناية بقدر بعضه منع الرجوع في الجميع لأنه منع الرجوع في بعضها فمنعه في جميعها كبيع بعضها وقال القاضي يرجع في باقيها بقسطه لأنه
следующие страницы →