← Джавами‘

Джавами‘ · id 9690

الفتاوى الكبرى لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (3 138 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

بِأَيْدِيهِمْ كِتَابٌ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلُوا فِي لَفْظِ أَهْلِ الْكِتَابِ، إذْ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ كِتَابٌ لَا مُبَدَّلٌ وَلَا غَيْرُ مُبَدَّلٍ، وَلَا مَنْسُوخٌ وَلَا غَيْرُ مَنْسُوخٍ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ ثُمَّ رُفِعَ بَقِيَ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ، وَهَذَا الْقَدْرُ يُؤَثِّرُ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ بِالْجِزْيَةِ إذَا قُيِّدَتْ بِأَهْلِ الْكِتَابِ. وَأَمَّا الْفُرُوجُ وَالذَّبَائِحُ فَحِلُّهَا مَخْصُوصٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ أَنْ يُسَنَّ بِهِمْ سُنَّتَهُمْ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ خَاصَّةً، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ الصَّحَابَةُ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ هَذَا اللَّفْظِ إلَّا هَذَا الْحُكْمَ، وَقَدْ رُوِيَ مُقَيَّدًا: «غَيْرِ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» . فَمَنْ جَوَّزَ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ قَاسَ عَلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ فِي الْجِزْيَةِ، وَمَنْ خَصَّهُمْ بِذَلِكَ قَالَ: إنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ. وَالدِّمَاءُ تُعْصَمُ بِالشُّبُهَاتِ وَلَا تَحِلُّ الْفُرُوجُ وَالذَّبَائِحُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلِهَذَا لَمَّا تَنَازَعَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي ذَبَائِحِ بَنِي تَغْلِبَ قَالَ عَلِيٌّ: إنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] فَعَلِيٌّ ﵁ مَنَعَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ مَعَ عِصْمَةِ ذَبَائِحِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ كِتَابِ الْمَجُوسِ، فَعُلِمَ أَنَّ التَّشَبُّهَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ يَقْتَضِي حَقْنَ الدِّمَاءِ دُونَ الذَّبَائِحِ وَالنِّسَاءِ. [مَسْأَلَةٌ زَنَى بِامْرَأَةٍ فِي حَالِ شَبُوبِيَّتِهِ] ٤٣٧ - ٣٩ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ زَنَى بِامْرَأَةٍ فِي حَالِ شَبُوبِيَّتِهِ، وَقَدْ رَأَى مَعَهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِنْتًا وَهُوَ يَطْلُبُ التَّزَوُّجَ بِهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ فِي تَزْوِيجِهَا؟ الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا يَحِلُّ لَهُ التَّزْوِيجُ بِهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ بِنْتَ الَّتِي زَنَى بِهَا مِنْ غَيْرِهِ لَا يَحِلُّ التَّزَوُّجُ بِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ فِي أَحَدِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَمَّا بِنْتُهُ مِنْ الزِّنَا فَأَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِهَا حَرُمَتَا عَلَيْهِ.

стр. 1017

[مَسْأَلَةٌ بِنْت بَالِغ خُطِبَتْ لِقَرَابَةٍ لَهَا فَأَبَتْ] مَسْأَلَةٌ: فِي بِنْتٍ بَالِغٍ، وَقَدْ خُطِبَتْ لِقَرَابَةٍ لَهَا فَأَبَتْ، وَقَالَ أَهْلُهَا لِلْعَاقِدِ: اعْقِدْ، وَأَبُوهَا حَاضِرٌ، فَهَلْ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا؟ الْجَوَابُ: أَمَّا إنْ كَانَ الزَّوْجُ لَيْسَ كُفُؤًا لَهَا فَلَا تُجْبَرُ عَلَى نِكَاحِهِ بِلَا رَيْبٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ كُفُؤًا، فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لَا تُجْبَرُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى يَسْتَأْذِنَهَا أَبُوهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ قُرَشِيّ تَزَوَّجَ جَارِيَة مَمْلُوكِهِ فَأَوْلَدَهَا وَلَدًا] ٤٣٩ - ٤١ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ قُرَشِيٍّ تَزَوَّجَ بِجَارِيَةِ مَمْلُوكِهِ، فَأَوْلَدَهَا وَلَدًا، هَلْ يَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا أَمْ يَكُونُ عَبْدًا مَمْلُوكًا؟ الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَعَلِمَ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ فَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، فَإِنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أَبَاهُ فِي النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ، وَيَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مِمَّنْ يُسْتَرَقُّ جِنْسُهُ بِالِاتِّفَاقِ فَهُوَ رَقِيقٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي رِقِّهِ وَقَعَ النِّزَاعُ فِي رِقِّهِ كَالْعَرَبِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ سَمِعْتهنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهَا فِيهِمْ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا» ، قَالَ: «وَكَانَتْ سَبِيَّةً مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ» ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «ثَلَاثُ خِلَالٍ سَمِعْتهنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَنِي تَمِيمٍ لَا أَزَالُ أُحِبُّهُنَّ بَعْدَهَا، كَانَ عَلَى عَائِشَةَ مُحَرَّرٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَعْتِقِي مِنْ هَؤُلَاءِ وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ: هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِي، وَقَالَ: هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ قَتْلًا فِي الْمَلَاحِمِ» .

стр. 1018

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ» . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ بَنِي إسْمَاعِيلَ يُعْتَقُونَ، فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الرِّقِّ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تُعْتِقَ عَنْ الْمُحَرَّرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا مِنْ بَنِي إسْمَاعِيلَ، وَفِيهِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ لِأَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَعِي مَنْ تَرَوْنَ وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إمَّا الْمَالَ وَإِمَّا السَّبْيَ، وَقَدْ كُنْت اسْتَأْنَيْت بِكُمْ. وَكَانَ انْتَظَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إلَيْهِمْ إلَّا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَخِوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْت أَنْ أَرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ. فَقَالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ. فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا» . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ سَبَى نِسَاءَ هَوَازِنَ وَهُمْ عَرَبٌ، وَقَسَمَهُمْ بَيْنَ

стр. 1019

الْغَانِمِينَ، فَصَارُوا رَقِيقًا لَهُمْ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ طَلَبَ أَخْذَهُمْ مِنْهُمْ، إمَّا تَبَرُّعًا وَإِمَّا مُعَاوَضَةً، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُمْ كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ، لَمَّا اعْتَكَفَ وَبَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْتَقَ السَّبْيَ، فَأَعْتَقَ جَارِيَةً كَانَتْ عِنْدَهُ، وَالْمُسْلِمُونَ كَانُوا يَطَئُونَ ذَلِكَ السَّبْيَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، كَمَا فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ، وَهُوَ مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِيهِ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» . وَفِي الْمُسْنَدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَوَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ كَاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتْ امْرَأَةً حُلْوَةً مَلَاحَةً، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ سَيِّدِ قَوْمِهِ، وَقَدْ أَصَابَنِي مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْك، وَجِئْتُك أَسْتَعِينُك عَلَى كِتَابَتِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلْ لَك فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَتْ وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَقْضِي كِتَابَتَك وَأَتَزَوَّجُك، قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قَدْ فَعَلْت. قَالَتْ: وَخَرَجَ الْخَبَرُ إلَى النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، فَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، قَالَتْ: فَقَدْ عَتَقَ بِتَزَوُّجِهِ إيَّاهَا مِائَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا» . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَنَحْوُهَا مَشْهُورٌ بَلْ مُتَوَاتِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْبِي الْعَرَبَ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ بَعْدَهُ، كَمَا قَالَ الْأَئِمَّةُ وَغَيْرُهُمْ: سَبَى النَّبِيُّ ﷺ الْعَرَبَ، وَسَبَى أَبُو بَكْرٍ بَنِي نَاجِيَةَ، كَانَ يُطَارِدُ الْعَرَبَ بِذَلِكَ الِاسْتِرْقَاقِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَغَيْرِهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمَسْبِيَّاتِ، أَبَاحَ اللَّهُ لَهُمْ وَطْأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَإِذَا سُبِيَتْ وَاسْتُرِقَّتْ بِدُونِ زَوْجِهَا جَازَ وَطْؤُهَا بِلَا رَيْبٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ خِلَافٌ شَاذٌّ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَحُكِيَ الْخِلَافُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ.

стр. 1020

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي مِلْكٍ، وَلَهَا زَوْجٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَنَّ نِكَاحَ زَوْجِهَا قَدْ انْفَسَخَ، وَحَلَّ لِمَالِكِهَا وَطْؤُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَأَمَّا إذَا سُبِيَتْ مَعَ زَوْجِهَا فَفِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَامَّةَ السَّبْيِ الَّذِي كَانَ يَسْبِيهِ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ فِي الْحَرْبِ. وَقَدْ قَاتَلَ أَهْلَ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ لِقِتَالِ النَّصَارَى عَامَ تَبُوكَ، وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيْهِمْ السَّرِيَّةَ الَّتِي أَمَّرَ عَلَيْهَا زَيْدًا ثُمَّ جَعْفَرًا، ثُمَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، وَمَعَ هَذَا فَكَانَ فِي النَّصَارَى الْعَرَبُ وَالرُّومُ. وَكَذَلِكَ قَاتَلَ الْيَهُودَ بِخَيْبَرَ، وَالنَّضِيرِ، وَقَيْنُقَاعَ، وَكَانَ فِي يَهُودِ الْعَرَبِ وَبَنِي إسْرَائِيلَ، وَكَذَلِكَ يَهُودُ الْيَمَنِ كَانَ فِيهِمْ الْعَرَبُ وَبَنُو إسْرَائِيلَ. وَأَيْضًا فَسَبَبُ الِاسْتِرْقَاقِ هُوَ الْكُفْرُ بِشَرْطِ الْحَرْبِ، فَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ لَا يُسْتَرَقُّ بِحَالٍ، وَالْمُعَاهَدُ لَا يُسْتَرَقُّ، وَالْكُفْرُ مَعَ الْمُحَارَبَةِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ كَافِرٍ، فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُ، كَمَا يَجُوزُ قِتَالُهُ، فَكُلُّ مَا أَبَاحَ قَتْلَ الْمُقَاتِلَةِ أَبَاحَ سَبْيَ الذُّرِّيَّةِ، وَهَذَا حُكْمٌ عَامٌّ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ مِنْ قَوْلَيْهِ، وَأَحْمَدُ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْعَرَبِ، كَمَا لَا يَجُوزُ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ اخْتَصُّوا بِشَرَفِ النَّسَبِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ، وَاخْتَصَّ كُفَّارُهُمْ بِفَرْطِ عَدَاوَتِهِ، فَصَارَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ الْجِزْيَةِ. كَمَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ لِلتَّغْلِيظِ، وَلِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الشَّرَفِ بِالْإِسْلَامِ السَّابِقِ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى عَرَبِيٍّ مِلْكٌ، وَاَلَّذِينَ نَازَعُوهُ لَهُمْ قَوْلَانِ فِي جَوَازِ اسْتِرْقَاقِ مَنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ كَأَخْذِ الْجِزْيَةِ، فَمَنْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ لَا يُسْتَرَقُّ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ كَافِرٍ إلَّا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لِكَوْنِ الْجِزْيَةِ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ، وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مُشْرِكِي الْعَجَمِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ الْعَرَبَ لَا يُسْتَرَقُّونَ.

стр. 1021

وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُقْبَلُ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس، كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ أَحَدٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَا مِنْ الْعَرَبِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ، كَاخْتِيَارِ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ لَا يَمْنَعُ فِيهِ الرِّقَّ لِأَجْلِ النَّسَبِ، لَكِنْ لِأَجْلِ الدِّينِ فَإِذَا سَبَى عَرَبِيَّةً فَأَسْلَمَتْ اسْتَرَقَّهَا، وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ أَجْبَرَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَعَلَى هَذَا يَحْمِلُونَ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَالصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهُ مِنْ اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ. وَأَمَّا الرَّقِيقُ الْوَثَنِيُّ، فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عِنْدَهُمْ بِرِقٍّ، كَمَا يَجُوزُ بِجِزْيَةٍ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الصَّحَابَةَ سَبَوْا الْعَرَبِيَّاتِ وَالْوَثَنِيَّاتِ وَوَطِئُوهُمْ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» . ثُمَّ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ إنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ وَطْءَ الْوَثَنِيَّةِ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مَنْ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ اسْتَرَقُّوهُمْ وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ أَجْبَرُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِرْقَاقِهِمْ، وَالرِّقُّ فِيهِ مِنْ الْغِلِّ مَا لَيْسَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ. وَقَدْ تَبَيَّنَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ، وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ إذَا كَانَ صَحِيحًا صَرِيحًا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ، فَإِنَّهُمْ سَبَوْا الْعَرَبَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ عُمَرَ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ أَسْلَمُوا قَبْلَ أَنْ يُسْتَرَقَّ رِجَالُهُمْ، فَلَا يُضْرَبَ عَلَيْهِمْ رِقٌّ، كَمَا أَنَّ قُرَيْشًا أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، فَلَمْ يُضْرَبْ عَلَيْهِمْ رِقٌّ، لِأَجْلِ إسْلَامِهِمْ لَا لِأَجْلِ النَّسَبِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ الصَّحَابَةُ مِنْ سَبْيِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، كَمَا تَمَكَّنُوا مِنْ سَبْيِ نِسَاءِ طَوَائِفَ مِنْ الْعَرَبِ، وَلِهَذَا لَمْ يُسْتَرَقَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّهْيِ عَنْ سَبْيِهِمْ شَيْءٌ. وَأَمَّا إذَا تَزَوَّجَ الْعَرَبِيُّ مَمْلُوكَةً، فَنِكَاحُ الْحُرِّ لِلْمَمْلُوكَةِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: خَوْفِ الْعَنَتِ، وَعَدَمِ الطَّوْلِ إلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَعَلَّلُوا

стр. 1022

ذَلِكَ بِأَنَّ تَزَوُّجَهُ يُفْضِي إلَى اسْتِرْقَاقِ وَلَدِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ الْعَرَبِيِّ وَلَا الْعَجَمِيِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَمْلُوكَةً، إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَإِذَا تَزَوَّجَهَا لِلضَّرُورَةِ كَانَ وَلَدُهُ مَمْلُوكًا. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَالْمَانِعُ عِنْدَهُ أَنْ تَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَهُوَ يُفَرِّقُ فِي الِاسْتِرْقَاقِ بَيْنَ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا إذَا وَطِئَ الْأَمَةَ بِزِنًا، فَإِنَّ وَلَدَهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ عَرَبِيًّا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ غَيْرُ لَاحِقٍ، وَأَمَّا إذَا وَطِئَهَا بِنِكَاحٍ وَهُوَ يَعْتَقِدُهَا حُرَّةً أَوْ اسْتَبْرَأَهَا فَوَطِئَهَا بِظَنِّهَا مَمْلُوكَتَهُ، فَهُنَا وَلَدُهُ حُرٌّ، سَوَاءٌ كَانَ عَرَبِيًّا، أَوْ أَعْجَمِيًّا هَذَا يُسَمَّى الْمَغْرُورَ، فَوَلَدُ الْمَغْرُورِ مِنْ النِّكَاحِ أَوْ الْبَيْعِ حُرٌّ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَةً حُرَّةً أَوْ مَمْلُوكَتَهُ، وَعَلَيْهِ الْفِدَاءُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ، كَمَا قَضَتْ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ، لِأَنَّهُ فَوَّتَ سَيِّدُ الْأَمَةِ مِلْكَهُمْ، فَكَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَفِي ذَلِكَ تَفْرِيعٌ وَنِزَاعٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ التَّزْوِيج بِالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ] ٤٤٠ - ٤٢ - مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] ، وَقَدْ أَبَاحَ الْعُلَمَاءُ التَّزْوِيجَ بِالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ، فَهَلْ هُمَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ جَائِزٌ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] . وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ نِكَاحَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ شِرْكًا أَعْظَمَ مِمَّنْ تَقُولُ: إنَّ رَبَّهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَهُوَ الْيَوْمُ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَقَدْ احْتَجُّوا بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] . وَالْجَوَابُ عَنْ آيَةِ الْبَقَرَةِ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْمُشْرِكِينَ، فَجَعَلَ أَهْلَ الْكِتَابِ غَيْرَ

стр. 1023

الْمُشْرِكِينَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧] . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَصَفَهُمْ بِالشِّرْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] . قِيلَ: أَهْلُ الْكِتَابِ لَيْسَ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ شِرْكٌ، فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا بَعَثَ الرُّسُلَ بِالتَّوْحِيدِ، فَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِالرُّسُلِ، وَالْكُتُبِ، لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ شِرْكٌ، وَلَكِنَّ النَّصَارَى ابْتَدَعُوا الشِّرْكَ، كَمَا قَالَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] بِحَيْثُ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ أَشْرَكُوا، فَلِأَجْلِ مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ الشِّرْكِ الَّذِي لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ وَجَبَ تَمَيُّزُهُمْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ اتِّبَاعُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ الَّتِي جَاءَتْ بِالتَّوْحِيدِ لَا بِالشِّرْكِ. فَإِذَا قِيلَ: أَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ يَكُونُوا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ مُشْرِكِينَ، فَإِنَّ الْكِتَابَ الَّذِي أُضِيفُوا إلَيْهِ شِرْكٌ فِيهِ، كَمَا إذَا قِيلَ: الْمُسْلِمُونَ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، لَا اتِّحَادٌ، وَلَا رَفْضٌ، وَلَا تَكْذِيبٌ بِالْقَدَرِ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الدَّاخِلِينَ فِي الْأُمَّةِ قَدْ ابْتَدَعَ هَذِهِ الْبِدَعَ، لَكِنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَلَا يَزَالُ فِيهَا مَنْ هُوَ مُتَّبِعٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْحِيدِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَمْ يُخْبِرْ اللَّهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ بِالِاسْمِ، بَلْ قَالَ ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] بِالْفِعْلِ، وَآيَةُ الْبَقَرَةِ قَالَ فِيهَا الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ بِالِاسْمِ، وَالِاسْمُ أَوْكَدُ مِنْ الْفِعْلِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إنْ شَمِلَهُمْ لَفْظُ الْمُشْرِكِينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، كَمَا وَصَفَهُمْ بِالشِّرْكِ فَهَذَا مُتَوَجِّهٌ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ دَلَالَةِ اللَّفْظِ مُفْرَدًا، وَمَقْرُونًا، فَإِذَا أُفْرِدُوا دَخَلَ فِيهِمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَإِذَا قَرَنُوا أَهْلَ الْكِتَابِ لَمْ يَدْخُلُوا فِيهِمْ، كَمَا قِيلَ، مِثْلُ هَذَا فِي اسْمِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا يُقَالُ: آيَةُ الْبَقَرَةِ عَامَّةٌ، وَتِلْكَ خَاصَّةٌ، وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ.

стр. 1024

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: آيَةُ الْمَائِدَةِ نَاسِخَةٌ لِآيَةِ الْبَقَرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الْبَقَرَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «الْمَائِدَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا» . وَالْآيَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ تَنْسَخُ الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ إذَا تَعَارَضَتَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَإِنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، لَمَّا هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ الْمُمْتَحِنَةِ، وَأَمَرَ بِامْتِحَانِ الْمُهَاجِرِينَ، وَهُوَ خِطَابٌ لِمَنْ كَانَ فِي عِصْمَتِهِ كَافِرَةٌ، وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ، وَالْكَوَافِرُ الْمَعْهُودَاتُ هُنَّ الْمُشْرِكَاتُ، مَعَ أَنَّ الْكُفَّارَ قَدْ يُمَيَّزُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، لِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ [النساء: ٥١] . فَإِنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ هُوَ الْإِيمَانُ، وَلَكِنْ هُمْ كَفَرُوا مُبْتَدِعِينَ الْكُفْرَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥٠] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥١] . [بَابٌ مِنْ النِّكَاحِ] [مَسْأَلَةٌ تَكَلَّم بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ ثُمَّ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثًا] بَابٌ مِنْ النِّكَاحِ ٤٤١ - ٤٣ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَحُكِمَ بِكُفْرِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مِنْ امْرَأَتِهِ ثَلَاثًا، فَإِذَا رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَدِّدَ النِّكَاحَ مِنْ غَيْرِ تَحْلِيلٍ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. إذَا ارْتَدَّ وَلَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّةُ امْرَأَتِهِ، فَإِنَّهَا تَبِينُ مِنْهُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ طَلَّقَ أَجْنَبِيَّةً فَلَا يَقَعُ بِهَا

стр. 1025

الطَّلَاقُ، فَإِذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى الْإِسْلَامِ، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَيْنُونَةَ تَحْصُلُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الطَّلَاقُ بَعْدَ هَذَا طَلَاقَ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَلَا يَقَعُ. الثَّانِي: أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَزُولُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ. فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ فِي الْعِدَّةِ، وَعَادَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طَلَّقَ أَجْنَبِيَّةً، فَلَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ فَظَهَرَ مَجْذُومًا] ٤٤٢ - ٤٤ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ فَظَهَرَ مَجْذُومًا، فَهَلْ لَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ؟ الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. إذَا ظَهَرَ أَنَّ الزَّوْجَ مَجْذُومًا فَلِلْمَرْأَةِ فَسْخُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مُصَافِحَةً عَلَى صَدَاقِ خَمْسَةِ دَنَانِيرَ] ٤٤٣ - ٤٥ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مُصَافِحَةً عَلَى صَدَاقِ خَمْسَةِ دَنَانِيرَ، كُلَّ سَنَةٍ نِصْفُ دِينَارٍ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهَا وَأَصَابَهَا، فَهَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا رُزِقَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يَرِثُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ عَلَيْهِمَا الْحَدُّ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. إذَا تَزَوَّجَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَكَتَمَا النِّكَاحَ فَهَذَا نِكَاحٌ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، بَلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ، «وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ

стр. 1026

تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» . وَكِلَا هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ مَأْثُورٌ فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ: لَا نِكَاحَ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَمَالِكٍ يُوجِبُ إعْلَانَ النِّكَاحِ، وَنِكَاحُ السِّرِّ هُوَ مِنْ جِنْسِ نِكَاحِ الْبَغَايَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] فَنِكَاحُ السِّرِّ مِنْ جِنْسِ ذَوَاتِ الْأَخْدَانِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] . فَخِطَابُ الرِّجَالِ بِتَزْوِيجِ النِّسَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: إنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَنْكِحُ نَفْسَهَا، إنَّ الْبَغِيَّ هِيَ الَّتِي تُنْكِحُ نَفْسَهَا، لَكِنْ إنْ اعْتَقَدَ هَذَا نِكَاحًا جَائِزًا كَانَ الْوَطْءُ فِيهِ وَطْءَ شُبْهَةٍ يُلْحَقُ الْوَلَدُ فِيهِ، وَيَرِثُ أَبَاهُ، وَأَمَّا الْعُقُوبَةُ فَإِنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ الْعُقُوبَةَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْعَقْدِ ٤٤٤ - ٤٦ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ تَصِحُّ مَسْأَلَةُ ابْنِ سُرَيْجٍ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ، فَمَنْ قَلَّدَهُ فِيهَا، وَعَمِلَ فِيهَا فَلَمَّا عَلِمَ بُطْلَانَهَا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ؟ الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُحْدَثَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُفْتِ بِهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا التَّابِعِينَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنَّمَا أَفْتَى بِهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ جَمَاعَةُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ قَلَّدَ فِيهَا شَخْصًا ثُمَّ

стр. 1027

تَابَ فَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ، وَلَا يُفَارِقُ امْرَأَتَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَ فِيهَا إذَا كَانَ مُتَأَوِّلًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [مَسْأَلَةٌ تَزْوِيجُ الْمُطَلَّقَةِ بِعَبْدٍ يَطَؤُهَا ثُمَّ تُبَاحُ الزَّوْجَةُ] ٤٤٥ - ٤٧ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ تَصِحُّ مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، تَزْوِيجُ الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ بِعَبْدٍ يَطَؤُهَا ثُمَّ تُبَاحُ الزَّوْجَةُ، هِيَ مِنْ صُوَرِ التَّحْلِيلِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» . [مَسْأَلَةٌ لَهُ زَوْجَةٌ وَأُمُّهُ مَا تُرِيدُ الزَّوْجَةَ] ٤٤٦ - ٤٨ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ لَهُ زَوْجَةٌ وَأُمُّهُ مَا تُرِيدُ الزَّوْجَةَ، فَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ، ثُمَّ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ الَّتِي دَاخِلَ السُّورِ لِامْرَأَتِهِ وَلَا غَيْرِهَا، فَإِنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ أَوْ تَزَوَّجَ غَيْرَهَا مِنْ الْمَدِينَةِ يَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا؟ الْجَوَابُ: بَلْ يَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِهَا، وَيَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا. [مَسْأَلَةٌ قَوْم يَتَزَوَّجُ هَذَا أُخْتَ هَذَا وَهَذَا أُخْتَ هَذَا] ٤٤٧ - ٤٩ - مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْمٍ يَتَزَوَّجُ هَذَا أُخْتَ هَذَا، وَهَذَا أُخْتَ هَذَا، أَوْ ابْنَتَهُ وَكُلَّمَا أَنْفَقَ هَذَا أَنْفَقَ هَذَا، وَإِذَا كَسَا هَذَا كَسَا هَذَا، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَفِي الْإِرْضَاءِ، وَالْغَضَبِ إذَا رَضِيَ هَذَا رَضِيَ هَذَا، وَإِذَا أَغْضَبَهَا هَذَا أَغْضَبَهَا الْآخَرُ، فَهَلْ يَحِلُّ ذَلِكَ؟ الْجَوَابُ: يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يُمْسِكَ زَوْجَتَهُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ يُسَرِّحَهَا بِإِحْسَانٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ عَلَى فِعْلِ الزَّوْجِ الْآخَرِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا حَقٌّ عَلَى

стр. 1028

زَوْجِهَا، وَحَقُّهَا لَا يَسْقُطُ بِظُلْمِ أَبِيهَا وَأَخِيهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يَظْلِمُ زَوْجَتَهُ وَجَبَ إقَامَةُ الْحَقِّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحِلَّ لِلْآخَرِ أَنْ يَظْلِمَ زَوْجَتَهُ لِكَوْنِهَا بِنْتًا لِلْأَوَّلِ، وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَظْلِمُ زَوْجَتَهُ لِأَجْلِ ظُلْمِ الْآخَرِ فَيَسْتَحِقُّ كُلٌّ مِنْهُمَا الْعُقُوبَةَ، وَكَانَ لِزَوْجَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ تَطْلُبَ حَقَّهَا مِنْ زَوْجِهَا، وَلَوْ شُرِطَ هَذَا فِي النِّكَاحِ لَكَانَ هَذَا شَرْطًا بَاطِلًا مِنْ جِنْسِ نِكَاحِ الشِّغَارِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ أُخْتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ بِنْتَه أَوْ أُخْتَهُ، فَكَيْفَ إذَا زَوَّجَهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَنْصَفَهَا أَنْصَفَ الْآخَرُ، وَإِنْ ظَلَمَهَا ظَلَمَ الْآخَرُ زَوْجَتَهُ، فَإِنَّ هَذَا يَحْرُمُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الَّتِي تَزْجُرُهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ وَكَّلَ ذِمِّيًّا فِي قَبُولِ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ] ٤٤٨ - ٥٠ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ وَكَّلَ ذِمِّيًّا فِي قَبُولِ نِكَاحِ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ، هَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ؟ . الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نِزَاعٌ فَإِنَّ الْوَكِيلَ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ قَبُولُهُ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَلَوْ وَكَّلَ امْرَأَةً، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ صَبِيًّا غَيْرَ مُمَيِّزٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ قَبُولُ النِّكَاحِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقَبُولُ بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّهِ، فَوُكِّلَ فِي ذَلِكَ، مِثْلُ أَنْ يُوَكِّلَ عَبْدًا فِي قَبُولِ النِّكَاحِ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ، أَوْ يُوَكِّلَ سَفِيهًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّهِ، أَوْ يُوَكِّلَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا بِدُونِ وَلِيِّهِ، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ مِنْهُ قَبُولُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ إذْنٍ، لَكِنْ فِي الصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَا يَجُوزُ لِمَانِعٍ فِيهِ، مِثْلُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ تَزَوُّجُهَا صَحَّتْ الْوَكَالَةُ. وَأَمَّا تَوْكِيلُ الذِّمِّيِّ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَهُ، فَهُوَ يُشْبِهُ تَزْوِيجَ الذِّمِّيِّ ابْنَتَهُ الذِّمِّيَّةَ مِنْ مُسْلِمٍ، وَلَوْ زَوَّجَهَا مِنْ ذِمِّيٍّ جَازَ، وَلَكِنْ إذَا زَوَّجَهَا مِنْ مُسْلِمٍ فَفِيهَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ

стр. 1029

أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، قِيلَ: يَجُوزُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ بَلْ يُوَكِّلُ مُسْلِمًا، وَقِيلَ: لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا الْحَاكِمُ بِإِذْنِهِ. وَكَوْنُهُ وَلِيًّا فِي تَزْوِيجِ الْمُسْلِمِ، مِثْلُ كَوْنِهِ وَكِيلًا فِي تَزْوِيجِ الْمُسْلِمَةِ، وَمَنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِزٌ، قَالَ إنَّ الْمِلْكَ فِي النِّكَاحِ يَحْصُلُ لِلزَّوْجِ لَا لِلْوَكِيلِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، بِخِلَافِ الْمِلْكِ فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ تَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ، وَالْمِلْكُ يَحْصُلُ لَهُ، فَلَوْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ لَمْ يَجُزْ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ الْمِلْكُ يَحْصُلُ لِلزَّوْجِ وَهُوَ الْمُوَكِّلُ لِلْمُسْلِمِ فَتَوْكِيلُ الذِّمِّيِّ بِمَنْزِلَةِ تَوْكِيلِهِ فِي تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ بَعْضَ مَحَارِمِهَا، كَخَالِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ فِي قَبُولِ نِكَاحِهَا لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَزَوُّجُهَا. كَذَلِكَ الذِّمِّيُّ إذَا تُوُكِّلَ فِي نِكَاحِ مُسْلِمٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُ الْمُسْلِمَةِ، لَكِنَّ الْأَحْوَطَ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ النِّزَاعِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ فِيهِ شَوْبُ الْعِبَادَاتِ وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْآثَارِ: «مَنْ شَهِدَ إمْلَاكَ مُسْلِمٍ فَكَأَنَّمَا شَهِدَ فَتْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَلِهَذَا وَجَبَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، أَنْ يَعْقِدَ بِالْعَرَبِيَّةِ، كَالْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَّبِعْ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ مُتَوَلِّيًا لِنِكَاحِ مُسْلِمٍ، وَلَكِنْ لَا يَظْهَرُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى بُطْلَانِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَالْكَافِرُ يَصِحُّ مِنْهُ النِّكَاحُ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا فَهَرَبَ وَتَرَكَهَا مِنْ مُدَّةِ سِتِّ سِنِينَ] ٤٤٩ - ٥١ - مَسْأَلَةٌ: فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ، فَهَرَبَ وَتَرَكَهَا مِنْ مُدَّةِ سِتِّ سِنِينَ، وَلَمْ يَتْرُكْ عِنْدَهَا نَفَقَةً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا وَدَخَلَ بِهَا، فَلَمَّا اطَّلَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهَا فَسَخَ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا، فَهَلْ يَلْزَمُ الزَّوْجَ الصَّدَاقُ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: إنْ كَانَ نِكَاحُ الْأَوَّلِ فُسِخَ لِتَعَذُّرِ النَّفَقَةِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ الثَّانِيَ فَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَتْ الثَّانِيَ قَبْلَ فَسْخِ نِكَاحِ

стр. 1030

الْأَوَّلِ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ عَلِمَا أَنَّ نِكَاحَ الْأَوَّلِ بَاقٍ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا النِّكَاحُ فَهُمَا يَجِبُ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ جَهِلَ الزَّوْجُ نِكَاحَ الْأَوَّلِ أَوْ نَفَاهُ، أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَ نِكَاحِهِ قَبْلَ الْفَسْخِ فَنِكَاحُهُ نِكَاحُ شُبْهَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الصَّدَاقُ، وَيُلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ، وَلَا حَدَّ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَرَّتْهُ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيُّهَا فَأَخْبَرَهُ أَنَّهَا خَلِيَّةٌ عَنْ الْأَزْوَاجِ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالصَّدَاقِ الَّذِي أَدَّاهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. [مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ وَشَرْط عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا تَكُونُ طَالِقًا] ٤٥٠ - ٥٢ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ وَشَرَطُوا عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُ بِهَا تَكُونُ طَالِقًا، وَكُلَّ جَارِيَةٍ يَتَسَرَّى بِهَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَنَّهُ تَزَوَّجَ وَتَسَرَّى، فَمَا الْحُكْمُ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ؟ . الْجَوَابُ: هَذَا الشَّرْطُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَلَازِمٌ لَهُ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مَتَى تَزَوَّجَ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ، وَمَتَى تَسَرَّى عَتَقَتْ عَلَيْهِ الْأَمَةُ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَأَمَّا مَذْهَبُ أَحْمَدَ: فَلَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَلَا الْعَتَاقُ لَكِنْ إذَا تَزَوَّجَ وَتَسَرَّى كَانَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا، إنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ، وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» ؛ وَلِأَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ امْرَأَةً بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ، فَقَالَ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ. فَالْأَقْوَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثٌ: أَحَدُهَا: يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ. وَالثَّانِي: لَا يَقَعُ بِهِ، وَلَا تَمْلِكُ امْرَأَتُهُ فِرَاقَهُ. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ، لَكِنْ لِامْرَأَتِهِ مَا شُرِطَ لَهَا، فَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ، وَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تُفَارِقَهُ، وَهَذَا أَوْسَطُ الْأَقْوَالِ. [مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَة وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَوَلَدَتْ بَعْدَ شَهْرَيْنِ] ٤٥١ - ٥٣ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَا أَصَابَهَا، فَوَلَدَتْ بَعْدَ

стр. 1031

شَهْرَيْنِ، فَهَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ؟ وَهَلْ يَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْمَهْرُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّ الْعُلَمَاءَ فِي الْعَقْدِ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا، وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَلَا نِصْفَ مَهْرٍ، وَلَا مُتْعَةَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ إذَا حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ فِيهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا حَاكِمٌ يَرَى فَسَادَ الْعَقْدِ لِقَطْعِ النِّزَاعِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ حَتَّى تَضَعَ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ قَبْلَ الْوَضْعِ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. فَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ، لَكِنَّ هَذَا النِّزَاعَ إذَا كَانَتْ حَامِلًا مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ سَيِّدٍ، أَوْ زَوْجٍ، فَإِنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ إذَا فَارَقَ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَأَمَّا الْحَامِلُ مِنْ زِنًا فَلَا كَلَامَ فِي صِحَّةِ نِكَاحِهَا، وَالنِّزَاعُ فِيمَا إذَا كَانَ نَكَحَهَا طَائِعًا، وَأَمَّا إذَا نَكَحَهَا مُكْرَهًا فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا. [مَسْأَلَةٌ خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ رَجُلٍ آخَرَ] ٤٥٢ - ٥٤ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ رَجُلٍ آخَرَ، فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ . الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا يَسْتَامُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ» . وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ فِي النُّصُوصِ عَنْهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي صِحَّةِ نِكَاحِ الثَّانِي عَلَى قَوْلَيْنِ:

стр. 1032

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ، كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ صَحِيحٌ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعَقْدِ، وَهُوَ الْخِطْبَةُ، وَمَنْ أَبْطَلَهُ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ تَحْرِيمٌ لِلْعَقْدِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلَا نِزَاعَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ عَاصٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِهِمْ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِهَا يَقْدَحُ فِي دِينِ الرَّجُلِ، وَعَدَالَتِهِ، وَوِلَايَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. [مَسْأَلَةٌ مَمْلُوك تَزَوَّجَ امْرَأَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ ظَهَرَتْ عُبُودِيَّتُهُ] ٤٥٣ - ٥٥ - مَسْأَلَةٌ: فِي مَمْلُوكٍ فِي الرِّقِّ وَالْعُبُودِيَّةِ، تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَتْ عُبُودِيَّتُهُ، وَكَانَ قَدْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ لَهُ خَيْرًا فِي مِصْرَ وَقَدْ ادَّعَوْا عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ، وَحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ وَاقْتَرَضَ مِنْ زَوْجَتِهِ شَيْئًا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ أَوْ لَا؟ . الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. تَزَوُّجُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ إذَا لَمْ يُجِزْهُ السَّيِّدُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» . لَكِنْ إذَا أَجَازَهُ السَّيِّدُ بَعْدَ الْعَقْدِ صَحَّ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَإِذَا طَلَبَ النِّكَاحَ فَعَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُزَوِّجَهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] وَإِذَا غَرَّ الْمَرْأَةَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ حُرٌّ وَتَزَوَّجَهَا، وَدَخَلَ بِهَا، وَجَبَ الْمَهْرُ لَهَا بِلَا نِزَاعٍ، لَكِنْ هَلْ يَجِبُ الْمُسَمَّى كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ، أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ، أَوْ يَجِبُ الْخُمُسَانِ كَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ، هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ يَتَعَلَّقُ هَذَا الْوَاجِبُ بِرَقَبَتِهِ، كَقَوْلِ أَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ،

стр. 1033

وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ وَأَظُنُّهُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ قَدْ يُتْبَعُ بِهِ إذَا أُعْتِقَ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمَا. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ لَهُمْ أَنَّهُ تَلْبِيسٌ عَلَيْهِمْ وَكَذِبٌ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ دُخُولُهُ عَلَيْهَا بِهَذَا الْكَذِبِ عُدْوَانٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ لَوْ تَعَدَّى عَلَى أَحَدٍ، فَأَتْلَفَ مَالَهُ أَوْ جَرَحَهُ أَوْ قَتَلَهُ كَانَتْ جِنَايَتُهُ مُتَعَلِّقَةً بِرَقَبَتِهِ، لَا تَجِبُ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ، بَلْ يُقَالُ لِلسَّيِّدِ: إنْ شِئْت أَنْ تَفُكَّ مَمْلُوكَك مِنْ هَذِهِ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تُسَلِّمَهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ هَذِهِ الْجِنَايَةَ مِنْ رَقَبَتِهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ فَعَلَيْهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قَدْرِ الْجِنَايَةِ، أَوْ قِيمَةِ الْعَبْدِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَغَيْرِهِمَا، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ يَفْدِيهِ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ. فَهَذَا الْعَبْدُ ظَالِمٌ، مُعْتَدٍ، جَارٍ عَلَى هَؤُلَاءِ فَتَتَعَلَّقُ جِنَايَتُهُ بِرَقَبَتِهِ، وَكَذَلِكَ مَا اقْتَرَضَهُ مِنْ مَالِ الزَّوْجَةِ مَعَ قَوْلِهِ أَنَّهُ حُرٌّ، فَهُوَ عُدْوَانٌ عَلَيْهِمْ، فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ زَوَّجَ ابْنَتَهُ لِشَخْصٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ شَارِب خَمْر] ٤٥٤ - ٥٦ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ لِشَخْصٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَأَقَامَ فِي صُحْبَةِ الزَّوْجَةِ سِنِينَ، فَعَلِمَ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجَةُ مَا الزَّوْجُ عَلَيْهِ مِنْ النَّجِسِ وَالْفَسَادِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْكَذِبِ وَالْأَيْمَانِ الْخَائِنَةِ، فَبَانَتْ الزَّوْجَةُ مِنْهُ بِالثَّلَاثِ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ الْإِقْدَامُ عَلَى تَزْوِيجِهِ أَمْ لَا؟ ثُمَّ إنَّ الْوَلِيَّ اسْتَتَابَ الزَّوْجَ مِرَارًا عَدِيدَةً، وَنَكَثَ وَلَمْ يَرْجِعْ، فَهَلْ يَحِلُّ تَزْوِيجُهَا لَهُ؟ . الْجَوَابُ: إذَا كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْفِسْقِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهَا لَهُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: " مِنْ زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ مِنْ فَاجِرٍ فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَهَا ". لَكِنْ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَابَ فَلْتُزَوَّجْ بِهِ إذَا كَانَ كُفُؤًا لَهَا وَهِيَ رَاضِيَةٌ بِهِ وَأَمَّا نِكَاحُ التَّحْلِيلِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» ، وَلَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى نِكَاحِ التَّحْلِيلِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1034

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ فَلَمَّا دَخَلَ رَأَتْ بِجِسْمِهِ بَرَصًا] مَسْأَلَةٌ: فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ، فَلَمَّا دَخَلَ رَأَتْ بِجِسْمِهِ بَرَصًا فَهَلْ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ عَلَيْهِ النِّكَاحَ؟ . الْجَوَابُ: إذَا ظَهَرَتْ بِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَلِلْآخِرِ فَسْخُ النِّكَاحِ، لَكِنْ إذَا رَضِيَ بَعْدَ ظُهُورِ الْعَيْبِ فَلَا فَسْخَ لَهُ، وَإِذَا فَسَخَتْ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ جِهَازِهَا، وَإِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ مَهْرُهَا، وَإِنْ فَسَخَتْ بَعْدَهُ لَمْ يَسْقُطْ. [مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ فَبَانَتْ ثَيِّبًا] ٤٥٦ - ٥٨ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ، فَبَانَتْ ثَيِّبًا فَهَلْ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ وَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِأَرْشِ الصَّدَاقِ، وَهُوَ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ مَهْرِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فَيَنْقُصُ بِنِسْبَتِهِ مِنْ الْمُسَمَّى، وَإِذَا فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ عَنْهُ الْمَهْرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَم. [مَسْأَلَةٌ مُتَزَوِّج بِامْرَأَةِ وَسَافَرَ عَنْهَا سَنَةً كَامِلَةً] ٤٥٧ - ٥٩ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ بِامْرَأَةٍ وَسَافَرَ عَنْهَا سَنَةً كَامِلَةً، وَلَمْ يَتْرُكْ عِنْدَهَا شَيْئًا وَلَا لَهَا شَيْءٌ تُنْفِقُهُ عَلَيْهَا، وَهَلَكَتْ مِنْ الْجُوعِ فَحَضَرَ مَنْ يَخْطُبُهَا وَدَخَلَ بِهَا، وَحَمَلَتْ مِنْهُ، فَعَلِمَ الْحَاكِمُ أَنَّ الزَّوْجَ الْأَوَّلَ مَوْجُودٌ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَوَضَعَتْ الْحَمْلُ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي، وَالزَّوْجُ الثَّانِي يُنْفِقُ عَلَيْهَا إلَى أَنْ صَارَ عُمْرُ الْمَوْلُودِ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَلَمْ يَحْضُرْ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ، وَلَا عُرِفَ لَهُ مَكَانٌ، فَهَلْ لَهَا أَنْ تُرَاجِعَ الزَّوْجَ الثَّانِي أَوْ تَنْتَظِرَ الْأَوَّلَ. الْجَوَابُ: إذَا تَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ مِنْ جِهَتِهِ فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ، وَالْفَسْخُ لِلْحَاكِمِ فَإِذَا فَسَخَتْ هِيَ نَفْسُهَا لِتَعَذُّرِ فَسْخِ الْحَاكِمِ أَوْ غَيْرِهِ، فَفِيهِ نِزَاعٌ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَفْسَخْ الْحَاكِمُ بَلْ شَهِدَ لَهَا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَتَزَوَّجَتْ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَلَمْ يَمُتْ الزَّوْجُ، فَالنِّكَاح بَاطِلٌ لَكِنْ إذَا اعْتَقَدَ الزَّوْجُ الثَّانِي أَنَّهُ صَحِيحٌ لِظَنِّهِ مَوْتَ الزَّوْجِ

стр. 1035

الْأَوَّلِ وَانْفِسَاخَ النِّكَاحِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لَكِنْ تَعْتَدُّ لَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأَوَّلِ إنْ أَمْكَنَ، وَتَتَزَوَّجُ لِمَنْ شَاءَتْ. [مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَمَعَهَا بِنْتٌ فَتُوُفِّيَتْ الزَّوْجَةُ] ٤٥٨ - ٦٠ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَمَعَهَا بِنْتٌ، وَتُوُفِّيَتْ الزَّوْجَةُ، وَبَقِيَتْ الْبِنْتُ عِنْدَهُ رَبَّاهَا، وَقَدْ تَعَرَّضَ بَعْضُ الْجُنْدِ لِأَخْذِهَا، فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ . الْجَوَابُ: لَيْسَ لِلْجُنْدِ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ بِالنَّسَبِ فَمَنْ كَانَ أَصْلَحَ لَهَا حَضَنَهَا، وَزَوْجُ أُمِّهَا مَحْرَمٌ لَهَا، وَأَمَّا الْجُنْدُ فَلَيْسَ مَحْرَمًا لَهَا، فَإِذَا كَانَ يَحْضُنُهَا حَضَانَةً تَصْلُحُهَا لَمْ تُنْقَلْ مِنْ عِنْدِهِ إلَى أَجْنَبِيٍّ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا وَالْخَلْوَةُ بِهَا. [مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ مُعْتَقَةَ رَجُلٍ وَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ وَطَلَّقَهَا] ٤٥٩ - ٦١ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ مُعْتَقَةَ رَجُلٍ وَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ وَطَلَّقَهَا، ثُمَّ حَضَرَتْ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ، فَأَرَادَ رَدَّهَا وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا بَرَاءَةٌ فَخَافَ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ بَرَاءَةٌ، فَحَضَرَا عِنْدَ قَاضِي الْبَلَدِ وَادَّعَى أَنَّهَا جَارِيَتُهُ وَأَوْلَدَهَا، وَأَنَّهُ يُرِيدُ عِتْقَهَا وَيَكْتُبُ لَهَا كِتَابًا، فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الْعَقْدُ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: إذَا زَوَّجَهَا الْقَاضِي بِحُكْمِ أَنَّهُ وَلِيُّهَا، وَكَانَتْ خَلِيَّةً مِنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ أَوْلَى مِنْ الْحَاكِمِ صَحَّ النِّكَاحُ، وَإِنْ ظَنَّ الْقَاضِي أَنَّهَا عَتِيقَةٌ وَكَانَتْ حُرَّةَ الْأَصْلِ فَهَذَا الظَّنُّ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ. وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الزَّوْجَ عِنْدَهُ لَا يَكُونُ وَلِيًّا، وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْمُعْتَقَةَ يَكُونُ زَوْجُهَا الْمُعْتِقُ وَلِيَّهَا، وَالْقَاضِي نَائِبَهُ، فَهُنَا إذَا زَوَّجَ الْحَاكِمُ بِهَذِهِ النِّيَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبُولُهَا مِنْ جِهَتِهَا، وَلَكِنْ مِنْ كَوْنِهَا حُرَّةَ الْأَصْلِ، فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1036

[بَابُ الْوَلَاءِ] [ مَسْأَلَةٌ خَلَّفَ ذَكَرًا وَابْنَتَيْنِ غَيْرَ مُرْشِدَيْنِ] ِ مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ خَلَّفَ وَلَدًا ذَكَرًا، وَابْنَتَيْنِ غَيْرَ مُرْشِدَيْنِ، وَأَنَّ الْبِنْتَ الْوَاحِدَةَ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ وَوَكَّلَتْ زَوْجَهَا فِي قَبْضِ مَا تَسْتَحِقُّهُ مِنْ إرْثِ وَالِدِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ، فَهَلْ لِلْأَخِ الْمَذْكُورِ الْوَلَاءُ عَلَيْهَا؟ وَهَلْ يُطْلَبُ الزَّوْجُ بِمَا قَبَضَهُ، وَمَا صَرَفَهُ لِمَصْلَحَةِ الْيَتِيمَةِ؟ . الْجَوَابُ: لِلْأَخِ الْوِلَايَةُ مِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، فَإِذَا فَعَلْت فِي مَا لَا يَحِلُّ لَهَا نَهَاهَا عَنْ ذَلِكَ، وَمَنَعَهَا، وَأَمَّا الْحَجْرُ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ سَفِيهَةً فَلِوَصِيِّهَا إنْ كَانَ لَهَا وَصِيٌّ الْحَجْرُ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَالْحَاكِمُ يَحْجُرُ عَلَيْهَا، وَلِأَخِيهَا أَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ رَجُل أَسْلَمَ هَلْ تَبْقَى لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى أَوْلَادِهِ الْكِتَابِيِّينَ] ٤٦١ - ٦٣ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ هَلْ تَبْقَى لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى أَوْلَادِهِ الْكِتَابِيِّينَ؟ . الْجَوَابُ: لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ فِي النِّكَاحِ، كَمَا لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ فِي الْمِيرَاثِ، فَلَا يُزَوِّجُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِنْتَه أَوْ غَيْرَهَا، وَلَا يَرِثُ كَافِرٌ مُسْلِمًا، وَلَا مُسْلِمٌ كَافِرًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِهِمْ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، لَكِنَّ الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ مَالِكًا لِلْأَمَةِ زَوَّجَهَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ وَلِيُّ أَمْرِ زَوْجِهَا بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَإِمَّا بِالْقَرَابَةِ وَالْعَتَاقَةِ فَلَا يُزَوِّجُهَا، إذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إلَّا خِلَافٌ شَاذٌّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي النَّصْرَانِيِّ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ، كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ يَرِثُهَا، وَهُمَا قَوْلَانِ شَاذَّانِ. وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ، وَلَا يَتَزَوَّجُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَةَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ قَطَعَ الْوِلَايَةَ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَأَوْجَبَ الْبَرَاءَةَ بَيْنَهُمْ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، وَأَثْبَتَ الْوِلَايَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]

стр. 1037

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] . وَاَللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا أَثْبَتَ الْوِلَايَةَ بَيْنَ أُولِي الْأَرْحَامِ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] . [مَسْأَلَةٌ تُوُفِّيَ وَخَلَّفَ مُسْتَوْلَدَةً فَتُوُفِّيَتْ وَخَلَّفَتْ ذَكَرًا وَبِنْتَيْنِ] ٤٦٢ - ٦٤ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَخَلَّفَ مُسْتَوْلَدَةً لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُوُفِّيَتْ الْمُسْتَوْلَدَةُ وَخَلَّفَتْ وَلَدًا ذَكَرًا وَبِنْتَيْنِ، فَهَلْ لِلْبَنَاتِ وَلَاءٌ مَعَ الذَّكَرِ؟ وَهَلْ يَرِثْنَ مَعَهُ شَيْئًا؟

стр. 1038

الْجَوَابُ: هَذَا فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، أَحَدُهُمَا؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْوَلَاءَ يَخْتَصُّ بِالذُّكُورِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْوَلَاءَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، لِلذَّكَرِ كَمِثْلِ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ خَطَبَ امْرَأَةً وَلَهَا وَلَدٌ وَالْعَاقِدُ مَالِكِيٌّ] ٤٦٣ - ٦٥ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ خَطَبَ امْرَأَةً وَلَهَا وَلَدٌ، وَالْعَاقِدُ مَالِكِيٌّ، فَطَلَبَ الْعَاقِدُ الْوَلَدَ، فَتَعَذَّرَ حُضُورُهُ وَجِيءَ بِغَيْرِهِ، وَأَجَابَ الْعَاقِدُ فِي تَزْوِيجِهَا، فَهَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ؟ الْجَوَابُ: لَا يَصِحُّ هَذَا الْعَقْدُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَلَدَ وَلِيُّهَا، وَإِذَا كَانَ حَاضِرًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ لَمْ تُزَوَّجْ إلَّا بِإِذْنِهِ، فَأَمَّا إنْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى الْأَبْعَدِ أَوْ الْحَاكِمِ، وَلَوْ زَوَّجَهَا شَافِعِيٌّ مُعْتَقِدًا أَنَّ الْوَلَدَ لَا وِلَايَةَ لَهُ كَانَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، لَكِنَّ الَّذِي زَوَّجَهَا مَالِكِيٌّ يَعْتَقِدُ أَنْ لَا يُزَوِّجَهَا إلَّا وَلَدُهَا، فَإِذَا لَبَّسَ عَلَيْهِ وَزَوَّجَهَا مَنْ يَعْتَقِدُهُ وَلَدَهَا، وَلَمْ يَكُنْ ذَا الْحَاكِمُ قَدْ زَوَّجَهَا بِوِلَايَتِهِ وَلَا زُوِّجَتْ بِوِلَايَةِ وَلِيٍّ مِنْ نَسَبٍ، أَوْ وَلَاءٍ فَتَكُونُ مَنْكُوحَةً بِدُونِ إذْنِ وَلِيٍّ أَصْلًا، وَهَذَا النِّكَاحُ بَاطِلٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ النُّصُوصُ. ٤٦٤ - ٦٦ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِوِلَايَةِ أَجْنَبِيٍّ، وَوَلِيُّهَا فِي مَسَافَةٍ دُونَ الْقَصْرِ، مُعْتَقِدًا أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ حَاكِمٌ، وَدَخَلَ بِهَا وَاسْتَوْلَدَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ لِبُطْلَانِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ إسْقَاطِ الْحَدِّ؟ وَوُجُوبُ الْمَهْرِ، وَيُلْحَقُ النَّسَبُ وَيَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ؟ . الْجَوَابُ: لَا يَجِبُ فِي هَذَا النِّكَاحِ حَدٌّ إذَا اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ، بَلْ يُلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ وَيَجِبُ فِيهِ الْمَهْرُ، وَلَا يَحْصُلُ الْإِحْصَانُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، إذَا اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ، وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُزَوِّجَ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ بِحَالٍ، فَفَارَقَهَا

стр. 1039

الزَّوْجُ حِينَ عَلِمَ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ، وَالْحَالُ هَذِهِ، وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. [مَسْأَلَةٌ الْأَمَة إذَا طَلَبَتْ النِّكَاحَ مِنْ كُفُؤٍ] ٤٦٥ - ٦٧ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ لَهُ عَبْدٌ وَقَدْ حَبَسَ نِصْفَهُ، قَصَدَ الزَّوَاجَ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: نَعَمْ لَهُ التَّزَوُّجُ عَلَى أَصْلِ مَنْ يُجْبِرُ السَّيِّدَ عَلَى تَزْوِيجِهِ، كَمَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ، فَإِنَّ تَزْوِيجَهُ كَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] . فَأَمَرَ بِتَزْوِيجِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، كَمَا أَمَرَ بِتَزْوِيجِ الْأَيَامَى، وَتَزْوِيجِ الْأَمَةِ إذَا طَلَبَتْ النِّكَاحَ مِنْ كُفُؤٍ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَاَلَّذِي يَأْذَنُ لَهُ فِي النِّكَاحِ مَالِكُ نِصْفِهِ، أَوْ وَكِيلُهُ، وَنَاظِرُ النَّصِيبِ الْمُحْبَسِ. [مَسْأَلَةٌ عَازِب وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَى الزَّوَاجِ] ٤٦٦ - ٦٨ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ عَازِبٍ وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَى الزَّوَاجِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَتَكَلَّفَ مِنْ الْمَرْأَةِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا فِيهِ مِنَّةٌ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ كَثِيرُ التَّطَلُّعِ إلَى الزَّوَاجِ، فَهَلْ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الزَّوَاجِ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» . وَاسْتِطَاعَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَئُونَةِ لَيْسَ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْوَطْءِ، فَإِنَّ

стр. 1040

الْحَدِيثَ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْقَادِرِ عَلَى فِعْلِ الْوَطْءِ، وَلِهَذَا أُمِرَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَصُومَ فَإِنَّهُ وِجَاءٌ. وَمَنْ لَا مَالَ لَهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْتَرِضَ وَيَتَزَوَّجَ؟ فِيهِ نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] . وَأَمَّا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَهُوَ الْقَائِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ. [مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَجَاءَ أُنَاسٌ فَأَخَذُوهَا مِنْ بَيْتِهِ وَنَهَبُوهُ] ٤٦٧ - ٦٩ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَقَعَدَتْ مَعَهُ أَيَّامًا وَجَاءَ أُنَاسٌ ادَّعَوْا أَنَّهَا فِي الْمَمْلَكَةِ، وَأَخَذُوهَا مِنْ بَيْتِهِ وَنَهَبُوهُ، وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا، فَهَلْ يَجُوزُ أَخْذُهَا وَهِيَ حَامِلٌ؟ . الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا لَمْ يُبَيَّنْ لِلزَّوْجِ أَنَّهَا أَمَةٌ بَلْ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا مُطْلَقًا كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَظَنَّ أَنَّهَا حُرَّةٌ، أَوْ قِيلَ لَهُ: إنَّهَا حُرَّةٌ، فَهُوَ مَغْرُورٌ وَوَلَدُهُ مِنْهَا حُرٌّ لَا رَقِيقٌ. وَأَمَّا النِّكَاحُ فَبَاطِلٌ، إذَا لَمْ يُجِزْهُ السَّيِّدُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَجَازَهُ السَّيِّدُ صَحَّ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، بَلْ يَحْتَاجُ إلَى نِكَاحٍ جَدِيدٍ. وَأَمَّا إنْ ظَهَرَتْ حَامِلًا مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ بِلَا رَيْبٍ، وَلَا صَدَاقَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، بَلْ كُلُّ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِهِ رُدَّ إلَيْهِ. [مَسْأَلَةٌ الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا] ٤٦٨ - ٧٠ - مَسْأَلَةٌ: عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ

стр. 1041

وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «الْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا وَصَمْتُهَا إقْرَارُهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ تُسْتَأْمَرُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْت لَهُ: فَإِنَّهَا تَسْتَحِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَذَلِكَ إذْنُهَا إذَا هِيَ سَكَتَتْ» . وَعَنْ خَنْسَاءَ ابْنَةِ خِذَامٍ، أَنَّ «أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّ نِكَاحَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؟ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: فَالْمَرْأَةُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُزَوِّجَهَا، إلَّا بِإِذْنِهَا كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِنْ كَرِهَتْ ذَلِكَ لَمْ تُجْبَرْ عَلَى النِّكَاحِ، إلَّا الصَّغِيرَةُ الْبِكْرُ، فَإِنَّ أَبَاهَا يُزَوِّجُهَا وَلَا إذْنَ لَهَا. وَأَمَّا الْبَالِغُ الثَّيِّبُ فَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا لَا لِلْأَبِ وَلَا لِغَيْرِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ الْبِكْرُ الْبَالِغُ لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ تَزْوِيجُهَا بِدُونِ إذْنِهَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. فَأَمَّا الْأَبُ وَالْجَدُّ فَيَنْبَغِي لَهُمَا اسْتِئْذَانُهَا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِئْذَانِهَا، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ. وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْمَرْأَةِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ فِيمَنْ يُزَوِّجُهَا بِهِ، وَيَنْظُرَ فِي الزَّوْجِ هَلْ هُوَ كُفُؤٌ أَوْ غَيْرُ كُفُؤٍ؟ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُزَوِّجُهَا لِمَصْلَحَتِهَا لَا لِمَصْلَحَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِزَوْجٍ نَاقِصٍ لِغَرَضٍ لَهُ، مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُوَلِّيَةَ ذَلِكَ الزَّوْجِ بَدَلَهَا، فَيَكُونُ مِنْ جِنْسِ الشِّغَارِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، أَوْ يُزَوِّجُهَا بِأَقْوَامٍ يُخَالِفُهُمْ عَلَى أَغْرَاضٍ لَهُ فَاسِدَةٍ، أَوْ

стр. 1042

يُزَوِّجُهَا لِرَجُلٍ لِمَالٍ يَبْذُلُهُ لَهُ، وَقَدْ خَطَبَهَا مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لَهَا مِنْ ذَلِكَ الزَّوْجِ، فَيُقَدَّمُ الْخَاطِبُ الَّذِي بَرْطَلَهُ عَلَى الْخَاطِبِ الْكُفْءِ الَّذِي لَمْ يُبَرْطِلْهُ. وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ تَصَرُّفَ الْوَلِيِّ فِي بُضْعِ وَلِيَّتِهِ كَتَصَرُّفِهِ فِي مَالِهَا، فَكَمَا لَا يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهَا إلَّا بِمَا هُوَ أَصْلَحُ، كَذَلِكَ لَا يَتَصَرَّفُ فِي بَعْضِهَا إلَّا بِمَا هُوَ أَصْلَحُ لَهَا، إلَّا أَنَّ الْأَبَ لَهُ مِنْ التَّبَسُّطِ فِي مَالِ وَلَدِهِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» بِخِلَافِ غَيْرِ الْأَبِ. [مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ بَالِغَةً مِنْ جَدِّهَا أَبِي أَبِيهَا] ٤٦٩ - ٧١ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بَالِغَةً مِنْ جَدِّهَا أَبِي أَبِيهَا وَمَا رَشَدَهَا وَلَا مَعَهُ وَصِيَّةٌ مِنْ أَبِيهَا، فَلَمَّا دَنَتْ وَفَاةُ جَدِّهَا أَوْصَى عَلَى الْبِنْتِ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا، فَهَلْ لِلْجَدِّ الْمَذْكُورِ عَلَى الزَّوْجَةِ وِلَايَةٌ بَعْدَ أَنْ أَصَابَهَا الزَّوْجُ؟ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُوصِيَ عَلَيْهَا؟ الْجَوَابُ: أَمَّا إذَا كَانَتْ رَشِيدَةً فَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهَا لَا لِلْجَدِّ وَلَا غَيْرِهِ، بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُسْتَحَقُّ الْحَجْرُ عَلَيْهَا فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجَدَّ لَهُ وِلَايَةٌ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّانِي: لَا وِلَايَةَ لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْجَارِيَةُ وَمَضَتْ عَلَيْهَا سَنَةٌ، وَأَوْلَدَهَا أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ رَشِيدَةً بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. [مَسْأَلَةٌ رَجُل تَحْتَ حِجْرِ وَالِدِهِ وَقَدْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ] ٤٧٠ - ٧٢ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَحْتَ حِجْرِ وَالِدِهِ، وَقَدْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدِهِ، وَشَهِدَ الْمَعْرُوفُونَ أَنَّ وَالِدَهُ مَاتَ وَهُوَ حَيٌّ، فَهَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدِهِ حَقٌّ أَمْ لَا؟

стр. 1043

الْجَوَابُ: إنْ كَانَ سَفِيهًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ بِدُونِ إذْنِ أَبِيهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَإِذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ رَشِيدًا صَحَّ نِكَاحُهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَبُوهُ، وَإِذَا تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ هَلْ نَكَحَ وَهُوَ رُشْدٌ أَوْ وَهُوَ سَفِيهٌ؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي صِحَّةِ النِّكَاحِ. [مَسْأَلَةٌ طَلَبَ مِنْهُ رَجُلٌ بِنْتَه لِنَفْسِهِ] ٤٧١ - ٧٣ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ طَلَبَ مِنْهُ رَجُلٌ بِنْتَه لِنَفْسِهِ، قَالَ: مَا أُزَوِّجُك بِنْتِي حَتَّى تُزَوِّجَ بِنْتَك لِأَخِي، فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا التَّزْوِيجُ؟ الْجَوَابُ: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ ذَلِكَ، قِيلَ: إذَا طَلَبَ الْكُفْءُ بِنْتَه، وَجَبَ عَلَيْهِ تَزْوِيجُهَا، وَلَا يَحِلُّ مَنْعُهَا لِحَظِّ نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِمَّنْ يَكُونُ أَصْلَحَ لَهَا، وَيَنْظُرُ فِي مَصْلَحَتِهَا لَا فِي مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، كَمَا يَنْظُرُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ فِي مَالِهِ، وَإِذَا تَشَارَطَا أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهُ ابْنَتَهُ حَتَّى يُزَوِّجَهُ أُخْتَهُ، كَانَ هَذَا نِكَاحًا فَاسِدًا، وَلَوْ سُمِّيَ مَعَ ذَلِكَ صَدَاقٌ آخَرُ، هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ٤٧٢ - ٧٤ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ بَرْطَلَ وَلِيَّ امْرَأَةٍ لِيُزَوِّجَهَا إيَّاهُ فَزَوَّجَهَا، ثُمَّ صَالَحَ صَاحِبَ الْمَالِ عَنْهُ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ ذَلِكَ دَرْكٌ؟ الْجَوَابُ: آثِمٌ فِيمَا فَعَلَ، وَأَمَّا النِّكَاحُ فَصَحِيحٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ الْعَمَل بِالْمَسْأَلَةِ السريجية] ٤٧٣ - ٧٥ - مَسْأَلَةٌ: مَا قَوْلُكُمْ فِي الْعَمَلِ بِالسُّرَيْجِيَّةِ، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ ابْنِ سُرَيْجٍ؟ . الْجَوَابُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ السُّرَيْجِيَّةُ لَمْ يُفْتِ بِهَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا أَئِمَّتِهَا لَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ، وَلَا أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعِينَ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ

стр. 1044

وَأَحْمَدَ، وَلَا أَصْحَابِهِمْ الَّذِينَ أَدْرَكُوهُمْ، كَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَالْمُزَنِيِّ، وَالْبُوَيْطِيِّ، وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَابْنِ وَهْبٍ، وَإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الْأَثْرَمِ، وَأَبِي دَاوُد، وَغَيْرِهِمْ. لَمْ يُفْتِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا أَفْتَى بِهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ، كَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَكَانَ الْغَزَالِيُّ يَقُولُ بِهَا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهَا، وَبَيَّنَ فَسَادَهَا. وَقَدْ عُلِمَ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ نِكَاحَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ كَنِكَاحِ النَّصَارَى، وَالدُّورُ الَّذِي تَوَهَّمُوهُ فِيهَا بَاطِلٌ، فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْمُنَجَّزُ وَقَعَ الْمُعَلَّقُ، وَهُوَ إنَّمَا يَقَعُ لَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ صَحِيحًا، وَالتَّعْلِيقُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى مُحَالٍ فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ وُقُوعُ طَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالتَّسْرِيجُ يَتَضَمَّنُ لِهَذَا الْمُحَالِ فِي الشَّرِيعَةِ، فَيَكُونُ بَاطِلًا. وَإِذَا كَانَ قَدْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ فِيمَا بَعْدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَلْيُمْسِكْ امْرَأَتَهُ، وَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى، وَيَتُوبُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتَ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، فَطَلَّقَهَا وَقَعَ الْمُنَجَّزُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَلَا يَقَعُ مَعَهُ الْمُعَلَّقُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الْمُعَلَّقُ وَهُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لَمْ يَقَعْ الْمُنَجَّزُ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى عَدَدِ الطَّلَاقِ، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ الْمُنَجَّزُ لَمْ يَقَعْ الْمُعَلَّقُ. وَقِيلَ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الْمُنَجَّزِ يَقْتَضِي وُقُوعَ الْمُعَلَّقِ، وَوُقُوعُ الْمُعَلَّقِ يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِ الْمُنَجَّزِ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ، وَابْنُ سُرَيْجٍ بَرِيءٌ مِمَّا نُسِبَ إلَيْهِ فِيمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ. [مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ عَتِيقَةَ بَعْضِ بَنَاتِ الْمُلُوكِ بِغَيْرِ إذْنِ مُعْتِقِهَا] ٤٧٤ - ٧٦ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ عَتِيقَةَ بَعْضِ بَنَاتِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ يَشْتَرُوا الرَّقِيقَ مِنْ مَالِهِمْ وَمَالِ الْمُسْلِمِينَ، بِغَيْرِ إذْنِ مُعْتِقِهَا، فَهَلْ يَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: أَمَّا إذَا أَعْتَقَتْهَا مِنْ مَالِهَا عِتْقًا شَرْعِيًّا، فَالْوِلَايَةُ لَهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَهِيَ الَّتِي تَرِثُهَا، ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَاتِهَا مِنْ بَعْدِهَا.

стр. 1045

وَأَمَّا تَزْوِيجُ هَذِهِ الْعَتِيقَةِ بِدُونِ إذْنِ الْمُعْتِقَةِ، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ إذْنَ الْوَلِيِّ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَقُولُ: بِأَنَّ هَذَا النِّكَاحَ يَصِحُّ عِنْدَهُ، لَكِنْ مَنْ يَشْتَرِطُ إذْنَ الْوَلِيِّ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ لَهُمْ قَوْلَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. إحْدَاهُمَا: أَنَّهَا لَا تُزَوَّجُ إلَّا بِإِذْنِ الْمُعْتِقَةِ، فَإِنَّهَا عَصَبَتُهَا، وَعَلَى هَذَا فَهَلْ لِلْمَرْأَةِ نَفْسِهَا أَنْ تُزَوِّجَهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. وَالثَّانِي: أَنَّ تَزْوِيجَهَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْمُعْتِقَةِ، لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ وَلِيَّةً لِنَفْسِهَا، فَلَا تَكُونُ وَلِيَّةً لِغَيْرِهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا عِنْدَهُمْ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِهَا، فَعَلَى هَذَا يُزَوِّجُ هَذِهِ الْمُعْتَقَةَ مَنْ يُزَوِّجُ مُعْتِقَهَا بِإِذْنِ الْعَتِيقَةِ، مِثْلُ أَخِ الْمُعْتَقَةِ وَنَحْوِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا وَزَوَّجَهَا الْحَاكِمُ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ أَهْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْوَلَاءُ لَهُمْ، وَالْحَاكِمُ يُزَوِّجُهَا. [مَسْأَلَةٌ خَطَبَ امْرَأَةً فَاتَّفَقُوا عَلَى النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ] ٤٧٥ - ٧٧ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ خَطَبَ امْرَأَةً، فَاتَّفَقُوا عَلَى النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ، وَأَعْطَى أَبَاهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ شَيْئًا، فَمَاتَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ، هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا أَعْطَى؟ . الْجَوَابُ: إذَا كَانُوا قَدْ وَفَّوْا لَهُ بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَمْنَعُوهُ مِنْ نِكَاحِهَا حَتَّى مَاتَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَ مَا أَعْطَاهُمْ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا اسْتَحَقَّتْ جَمِيعَ الصَّدَاقِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ لَهُمْ ذَلِكَ لِيُمَكِّنُوهُ مِنْ نِكَاحِهَا، وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ، وَهَذَا غَايَةُ الْمُمْكِنِ. [مَسْأَلَةٌ التَّحْلِيلُ الْمُتَوَاطِئ عَلَيْهِ مَعَ الزَّوْجِ] ٤٧٦ - ٧٨، مَسْأَلَةٌ: فِي هَذَا التَّحْلِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ، إذَا وَقَعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْإِشْهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْحِيَلِ الْمَعْرُوفَةِ، هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قَلَّدَ مَنْ قَالَ بِهِ، هَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ اعْتِقَادٍ وَاعْتِقَادٍ؟ وَهَلْ الْأَوْلَى إمْسَاكُ الْمَرْأَةِ أَمْ لَا؟

стр. 1046

الْجَوَابُ: التَّحْلِيلُ الَّذِي يَتَوَاطَئُونَ فِيهِ مَعَ الزَّوْجِ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا، عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ الْمَرْأَةَ أَوْ يَنْوِيَ الزَّوْجُ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ فَاعِلَهُ فِي أَحَادِيثَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَسَمَّاهُ التَّيْسَ الْمُسْتَعَارَ، وَقَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» . وَكَذَلِكَ مِثْلُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِمْ، لَهُمْ بِذَلِكَ آثَارٌ مَشْهُورَةٌ يُصَرِّحُونَ فِيهَا بِأَنَّ مَنْ قَصَدَ التَّحْلِيلَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُحَلِّلٌ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي الْعَقْدِ، وَسَمَّوْهُ سِفَاحًا، وَلَا تَحِلُّ لِمُطَلِّقِهَا الْأَوَّلِ بِمِثْلِ هَذَا الْعَقْدِ، وَلَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْمُحِلِّ إمْسَاكُهَا بِهَذَا التَّحْلِيلِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِرَاقُهَا. لَكِنْ إذَا كَانَ قَدْ تَبَيَّنَ بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ جَوَازُ ذَلِكَ، فَتَحَلَّلَتْ وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ تَحْرِيمُ ذَلِكَ، فَالْأَقْوَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِرَاقُهَا، بَلْ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَدْ عَفَا اللَّهُ فِي الْمَاضِي عَمَّا سَلَفَ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَخْطُب عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إذَا أُجِيبَ إلَى النِّكَاحِ] ٤٧٧ - ٧٩ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ خَطَبَ ابْنَةَ رَجُلٍ مِنْ الْعُدُولِ، وَاتَّفَقَ مَعَهُ عَلَى الْمَهْرِ، مِنْهُ عَاجِلٌ وَمِنْهُ آجِلٌ، وَأَوْصَلَ إلَى وَالِدِهَا الْمُعَجَّلَ مِنْ مُدَّةِ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَهُوَ يُوَاصِلُهُمْ بِالنَّفَقَةِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ مُكَاتَبَةٌ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا جَاءَ رَجُلٌ فَخَطَبَهَا وَزَادَ عَلَيْهِ فِي الْمَهْرِ، وَمَنَعَ الزَّوْجَ الْأَوَّلَ؟ الْجَوَابُ: لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إذَا أُجِيبَ إلَى النِّكَاحِ وَرَكَنُوا إلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، كَمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» وَتَجِبُ عُقُوبَةُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَأَعَانَ عَلَيْهِ، عُقُوبَةً تَمْنَعُهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَهَلْ يَكُونُ نِكَاحُ الثَّانِي صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا.

стр. 1047

[مَسْأَلَةٌ الرَّافِضِيَّ هَلْ يَصِحُّ نِكَاحُهُ] مَسْأَلَةٌ: فِي الرَّافِضِيِّ، وَمَنْ يَقُولُ: لَا تَلْزَمُهُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، هَلْ يَصِحُّ نِكَاحُهُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؟ فَإِنْ تَابَ مِنْ الرَّفْضِ، وَلَزِمَ الصَّلَاةَ حِينًا، ثُمَّ عَادَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ، هَلْ يُقَرُّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ النِّكَاحِ؟ الْجَوَابُ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْكِحَ مُوَلِّيَتَهُ رَافِضِيًّا، وَلَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ، وَمَتَى زَوَّجُوهُ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى فَصَلَّى الْخَمْسَ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ رَافِضِيٌّ لَا يُصَلِّي، أَوْ عَادَ إلَى الرَّفْضِ وَتَرَكَ الصَّلَاةَ، فَإِنَّهُمْ يَفْسَخُونَ النِّكَاحَ. [مَسْأَلَةٌ زَوَّجَ ابْنَتَهُ لِرَجُلٍ وَأَرَادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ إلَى بِلَادِهِ] ٤٧٩ - ٨١ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ لِرَجُلٍ، وَأَرَادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ إلَى بِلَادِهِ، فَقَالَ لَهُ وَكِيلُ الْأَبِ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ: لَا تُسَافِرْ، إمَّا أَنْ تُعْطِيَ الْحَالَّ مِنْ الصَّدَاقِ، وَتَنْتَقِلَ بِالزَّوْجَةِ، أَوْ تُرْضِيَ الْأَبَ، فَسَافَرَ وَلَمْ يُجِبْ إلَى ذَلِكَ، وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ الزَّوْجَةِ الْمَذْكُورَةِ مُدَّةَ سَنَةٍ، وَلَمْ يُصَلِّ مِنْهُ نَفَقَةٌ، فَهَلْ لِوَالِدِ الزَّوْجَةِ أَنْ يَطْلُبَ فَسْخَ النِّكَاحِ؟ الْجَوَابُ: نَعَمْ إذَا عَرَضَتْ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ، فَبَذَلَ لَهُ تَسْلِيمَهَا وَهِيَ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا، وَجَبَ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ بِذَلِكَ، فَإِذَا تَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِلزَّوْجَةِ الْمُطَالَبَةُ بِالْفَسْخِ وَإِذَا كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ. [مَسْأَلَةٌ مُتَزَوِّج بِخَالَةِ إنْسَانٍ وَلَهُ بِنْتٌ فَتَزَوَّجَ بِهَا] ٤٨٠ - ٨٢ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ بِخَالَةٍ إنْسَانٍ، وَلَهُ بِنْتٌ فَتَزَوَّجَ بِهَا، فَجَمَعَ بَيْنَ خَالَتِهِ وَابْنَتِهِ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ الْجَوَابُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ خَالَةَ رَجُلٍ وَبِنْتَه بِأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ «النَّبِيَّ ﷺ : نَهَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» .

стр. 1048

وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَتَنَاوَلُ خَالَةَ الْأَبِ، وَخَالَةَ الْأُمِّ، وَالْجَدَّةِ، وَيَتَنَاوَلُ عَمَّةَ كُلٍّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَيْضًا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَةِ أَبِيهَا، وَلَا خَالَةِ أُمِّهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. [مَسْأَلَةٌ لَهَا أَخَوَانِ دُونَ الْبُلُوغِ وَخَالٌ فَادَّعَى خَالُهَا أَنَّهُ أَخُوهَا] ٤٨١ - ٨٣ - مَسْأَلَةٌ: فِي امْرَأَةٍ لَهَا أَخَوَانِ أَطْفَالٌ دُونَ الْبُلُوغِ، وَلَهَا خَالٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَتَزَوَّجُ بِهَا، فَادَّعَى خَالُهَا أَنَّهُ أَخُوهَا، وَوُكِّلَ فِي عَقْدِهَا عَلَى الزَّوْجِ، فَهَلْ يَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلًا أَوْ صَحِيحًا؟ . الْجَوَابُ: الْخَالُ لَا يَكُونُ شَقِيقًا، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْأُخُوَّةِ، لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهُ، بَلْ يُزَوِّجُهَا وَلِيُّهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ مِنْ النَّسَبِ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ. [مَسْأَلَةٌ بِنْت زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِمَكْرُوهٍ] ٤٨٢ - ٨٤ - مَسْأَلَةٌ: فِي بِنْتٍ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِمَكْرُوهٍ، وَلَمْ يُعْقَدْ عَلَيْهَا عَقْدٌ قَطُّ، وَطَلَبَهَا مَنْ يَتَزَوَّجُهَا فَذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ فَرَضِيَ، فَهَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِمَا ذُكِرَ إذَا شَهِدَتْ الْمَعْرُوفُونَ أَنَّهَا بِنْتٌ لِتَسْهِيلِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ؟ الْجَوَابُ: إذَا شَهِدُوا أَنَّهَا مَا زُوِّجَتْ كَانُوا صَادِقِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَلْبِيسٌ عَلَى الزَّوْجِ لِعِلْمِهِ بِالْحَالِ، وَيَنْبَغِي اسْتِنْطَاقُهَا بِالْأَدَبِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَنَازِعُونَ هَلْ إذْنُهَا إذَا زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِالزِّنَا الصَّمْتُ أَوْ النُّطْقُ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ كَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ إذْنُهَا الصُّمَاتُ، كَاَلَّتِي لَمْ تَزُلْ عُذْرَتُهَا. ٤٨٣ - ٨٥ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ أَمْلَكَ عَلَى بِنْتٍ، وَلَهُ مُدَّةُ سِنِينَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا، وَدَفَعَ لَهُمْ وَعَزَمَ عَلَى الدُّخُولِ، فَوَجَدَ وَالِدَهَا قَدْ زَوَّجَهَا غَيْرَهُ؟ الْجَوَابُ: قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَحِلُّ

стр. 1049

لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا يَسْتَامُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَلَا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» . فَالرَّجُلُ إذَا خَطَبَ امْرَأَةً وَرَكَنَ إلَيْهِ مَنْ إلَيْهِ نِكَاحُهَا، كَالْأَبِ الْمُجْبِرِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطُبَهَا، فَكَيْفَ إذَا كَانُوا قَدْ رَكَنُوا إلَيْهِ وَأَشْهَدُوا بِالْإِمْلَاكِ الْمُتَقَدِّمِ لِلْعَقْدِ، وَقَبَضُوا مِنْهُ الْهَدَايَا، وَطَالَتْ الْمُدَّةُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ فَعَلُوا مُحَرَّمًا يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ بِلَا رَيْبٍ. لَكِنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ هَلْ يَقَعُ صَحِيحًا أَوْ بَاطِلًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ. أَحَدُهُمَا: وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، أَنَّ عَقْدَ الثَّانِي بَاطِلٌ فَيُنْزَعُ مِنْهُ وَيُرَدُّ إلَى الْأَوَّلِ. وَالثَّانِي: أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، فَيُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ الْمُحَرَّمَ، وَيُرَدُّ إلَى الْأَوَّلِ جَمِيعُ مَا أُخِذَ مِنْهُ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. [مَسْأَلَةٌ يَتِيمَة لَهَا عُمْرهَا عَشْرُ سِنِينَ وَهِيَ مُضْطَرَّةٌ إلَى مَنْ يَكْفُلُهَا] ٤٨٤ - ٨٦ - مَسْأَلَةٌ: فِي بِنْتٍ يَتِيمَةٍ، وَلَهَا مِنْ الْعُمْرِ عَشْرُ سِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَحَدٌ وَهِيَ مُضْطَرَّةٌ إلَى مَنْ يَكْفُلُهَا، فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِإِذْنِهَا أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: هَذِهِ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا بِكُفْءٍ لَهَا عِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧] الْآيَةَ. وَقَدْ أَخْرَجَا تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ دَلِيلٌ فِي الْيَتِيمَةِ وَزَوْجُهَا مَنْ يَعْدِلُ عَلَيْهَا فِي الْمَهْرِ.

стр. 1050

لَكِنْ تَنَازَعَ هَؤُلَاءِ، هَلْ تُزَوَّجُ بِإِذْنِهَا، أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِهَا، وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، أَنَّهَا تُزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِهَا إذَا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ، وَلَا خِيَارَ لَهَا إذَا بَلَغَتْ، لِمَا فِي السُّنَنِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْيَتِيمَةُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا» ، وَفِي لَفْظٍ: «لَا تُنْكَحُ الْيَتِيمَةُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا» . [مَسْأَلَةٌ لَهُ زَوْجَةٌ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ] ٤٨٥ - ٨٧ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ لَهُ زَوْجَةٌ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَكُلَّمَا دَعَاهَا الرَّجُلُ إلَى فِرَاشِهِ تَأْبَى عَلَيْهِ، وَتُقَدِّمُ صَلَاةَ اللَّيْلِ، وَصِيَامَ النَّهَارِ عَلَى طَاعَةِ الزَّوْجِ، فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ . الْجَوَابُ: لَا يَحِلُّ لَهَا ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُطِيعَهُ إذَا طَلَبَهَا إلَى الْفِرَاشِ وَذَلِكَ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، وَأَمَّا قِيَامُ اللَّيْلِ وَصِيَامُ النَّهَارِ فَتَطَوُّعٌ، فَكَيْفَ تُقَدِّمُ مُؤْمِنَةٌ النَّافِلَةَ عَلَى الْفَرِيضَةِ؟ حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمَا، وَلَفْظُهُمْ: «لَا تَصُومُ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا يَوْمًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ إلَّا بِإِذْنِهِ» . فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ تَطَوُّعًا إذَا كَانَ زَوْجُهَا شَاهِدًا إلَّا بِإِذْنِهِ فَتَمْنَعُ بِالصَّوْمِ بَعْضَ مَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهَا، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهَا إذَا طَلَبَهَا فَامْتَنَعَتْ؟ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «إذَا دَعَا الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ إلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ لَعَنَتْهَا

стр. 1051

الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» وَفِي لَفْظٍ: «إلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى تُصْبِحَ» ". وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] . فَالْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ هِيَ الَّتِي تَكُونُ قَانِتَةً، أَيْ مُدَاوِمَةً عَلَى طَاعَةِ زَوْجِهَا، فَمَتَى امْتَنَعَتْ عَنْ إجَابَتِهِ إلَى الْفِرَاشِ كَانَتْ عَاصِيَةً نَاشِزَةً، وَكَانَ ذَلِكَ يُبِيحُ لَهُ ضَرْبَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ٣٤] . وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ بَعْدَ حَقِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَوْجَبَ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ كُنْت آمِرًا لِأَحَدٍ أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا لِعِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا» . وَعَنْهُ ﷺ : «أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لَهُ إنَّ الرِّجَالَ يُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَيَفْعَلُونَ وَنَحْنُ لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ: حَسُنَ فِعْلُ إحْدَاكُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ» أَيْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَحْسَنَتْ مُعَاشَرَةَ بَعْلِهَا كَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِرِضَاءِ اللَّهِ وَإِكْرَامِهِ لَهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْمَلَ مَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَتْ وَخَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ وَالِدَيْهَا] ٤٨٦ - ٨٨ - مَسْأَلَةٌ: فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ وَخَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ وَالِدَيْهَا، فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ: بِرُّهَا لِوَالِدَيْهَا؟ أَمْ مُطَاوَعَةُ زَوْجِهَا؟ .

стр. 1052

الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْمَرْأَةُ إذَا تَزَوَّجَتْ كَانَ زَوْجُهَا أَمْلَكَ بِهَا مِنْ أَبَوَيْهَا، وَطَاعَةُ زَوْجِهَا عَلَيْهَا أَوْجَبُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] . وَفِي الْحَدِيثِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، إذَا نَظَرْت إلَيْهَا سَرَّتْك، وَإِذَا أَمَرْتهَا أَطَاعَتْك، وَإِذَا غِبْت عَنْهَا حَفِظَتْك فِي نَفْسِهَا وَمَالِكَ» . وَفِي صَحِيحِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا دَخَلَتْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ» . وَفِي التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا رَاضٍ عَنْهَا دَخَلَتْ الْجَنَّةَ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ كُنْت آمِرًا لِأَحَدٍ أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَلَفْظُهُ: «لَأَمَرْت النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْحُقُوقِ» . وَفِي الْمُسْنَدِ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، وَلَوْ صَلُحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ مَنْ قَدَمِهِ إلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ قُرْحَةٌ تَجْرِي بِالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْهُ فَلَحَسَتْهُ مَا أَدَّتْ حَقَّهُ» ، وَفِي الْمُسْنَدِ، وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَمَرْت أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَنْقُلَ مِنْ جَبَلٍ أَحْمَرَ إلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ وَمِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إلَى جَبَلٍ أَحْمَرَ لَكَانَ لَهَا أَنْ تَفْعَلَ» ، أَيْ: لَكَانَ حَقُّهَا أَنْ تَفْعَلَ. وَكَذَلِكَ فِي الْمُسْنَدِ، وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى

стр. 1053

قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ مِنْ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟ قَالَ: أَتَيْت مِنْ الشَّامِ فَوَجَدْتهمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبِطَارِقَتِهِمْ، فَوَدِدْت فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ بِك يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ، فَإِنِّي لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا، وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ» . وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَلَوْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ» . رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، فَبَاتَ غَضْبَانًا عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» ` ". وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: الزَّوْجُ سَيِّدٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: النِّكَاحُ رِقٌّ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يُرِقُّ كَرِيمَتَهُ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ» . فَالْمَرْأَةُ عِنْدَ زَوْجِهَا تُشْبِهُ الرَّقِيقَ وَالْأَسِيرَ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ سَوَاءٌ أَمَرَهَا أَبُوهَا أَوْ أُمُّهَا أَوْ غَيْرُ أَبَوَيْهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَنْتَقِلَ بِهَا إلَى مَكَان آخَرَ، مَعَ قِيَامِهِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَحِفْظُ

стр. 1054

حُدُودَ اللَّهِ فِيهَا، وَنَهَاهَا أَبُوهَا عَنْ طَاعَتِهِ فِي ذَلِكَ فَعَلَيْهَا أَنْ تُطِيعَ زَوْجَهَا دُونَ أَبَوَيْهَا، فَإِنَّ الْأَبَوَيْنِ هُمَا ظَالِمَانِ، لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَنْهَيَاهَا عَنْ طَاعَةِ مِثْلِ هَذَا الزَّوْجِ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطِيعَ أُمَّهَا فِيمَا تَأْمُرُهَا بِهِ مِنْ الِاخْتِلَاعِ مِنْهُ أَوْ مُضَاجَرَتِهِ حَتَّى يُطَلِّقَهَا، مِثْلُ أَنْ تُطَالِبَهُ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالصَّدَاقِ بِمَا تَطْلُبُهُ لِيُطَلِّقَهَا، فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُطِيعَ وَاحِدًا مِنْ أَبَوَيْهَا فِي طَلَاقِهِ إذَا كَانَ مُتَّقِيًا لِلَّهِ فِيهَا. فَفِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَصَحِيحِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ غَيْرَ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «الْمُخْتَلِعَاتُ وَالْمُتَبَرِّعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ» . وَأَمَّا إذَا أَمَرَهَا أَبَوَاهَا أَوْ أَحَدُهُمَا بِمَا فِيهِ طَاعَةٌ لِلَّهِ، مِثْلُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَنَهَوْهَا عَنْ تَبْذِيرِ مَالِهَا، وَإِضَاعَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ نَهَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ، فَعَلَيْهَا أَنْ تُطِيعَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ مِنْ غَيْرِ أَبَوَيْهَا، فَكَيْفَ إذَا كَانَ مِنْ أَبَوَيْهَا؟ وَإِذَا نَهَاهَا الزَّوْجُ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ، أَوْ أَمَرَهَا بِمَا نَهَى اللَّه عَنْهُ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطِيعَهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إنَّهُ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» بَلْ الْمَالِكُ لَوْ أَمَرَ مَمْلُوكَهُ بِمَا فِيهِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُطِيعَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تُطِيعَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، أَوْ أَحَدُ أَبَوَيْهَا فِي مَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. [مَسْأَلَةٌ مُتَزَوِّج بِامْرَأَتَيْنِ يَجْتَمِعُ بِإِحْدَاهُمَا أَكْثَرَ مِنْ صَاحِبَتِهَا] ٤٨٧ - ٨٩ - مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ بِامْرَأَتَيْنِ، وَإِحْدَاهُمَا يُحِبُّهَا وَيَكْسُوهَا وَيُعْطِيهَا وَيَجْتَمِعُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ صَاحِبَتِهَا؟ .

стр. 1055

الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَدْلُ بَيْنَ الزَّوْجَتَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ» . فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ فِي الْقَسْمِ، فَإِذَا بَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بَاتَ عِنْدَ الْأُخْرَى بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُفَضِّلُ إحْدَاهُمَا فِي الْقَسْمِ، لَكِنْ إنْ كَانَ يُحِبُّهَا أَكْثَرَ وَيَطَؤُهَا أَكْثَرَ فَهَذَا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] أَيْ: فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ. وَفِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ، فَيَقُولُ: هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» . يَعْنِي: الْقَلْبَ. وَأَمَّا الْعَدْلُ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فَهُوَ السُّنَّةُ أَيْضًا اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ يَعْدِلُ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فِي النَّفَقَةِ، كَمَا كَانَ يَعْدِلُ فِي الْقِسْمَةِ مَعَ تَنَازُعِ النَّاسِ فِي الْقَسْمِ، هَلْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَوْ مُسْتَحَبًّا لَهُ؟ وَتَنَازَعُوا فِي الْعَدْلِ فِي النَّفَقَةِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ وَوُجُوبُهُ أَقْوَى وَأَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَهَذَا الْعَدْلُ مَأْمُورٌ بِهِ مَا دَامَتْ زَوْجَةً، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ إحْدَاهُمَا فَلَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ اصْطَلَحَ هُوَ وَاَلَّتِي يُرِيدُ طَلَاقَهَا عَلَى أَنْ تُقِيمَ عِنْدَهُ بِلَا قَسْمٍ وَهِيَ رَاضِيَةٌ ذَلِكَ جَازَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ
следующие страницы →