Полный текст (3 138 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
الْمَلَائِكَةُ أَيْضًا بِخِلَافِ الْجُنُبِ فَإِنَّ الْجُنُبَ لَا يَطُولُ بَقَاؤُهُ جُنُبًا فَلَا تَمْتَنِعُ الْمَلَائِكَةُ عَنْ الدُّخُولِ إذَا كَانَ هُنَاكَ زَمَنًا يَسِيرًا وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ نَفْسُ اللُّبْثِ مُحَرَّمًا أَوْ مَكْرُوهًا وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَوْقَاتُ الْحَاجَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ وَتَكُونُ الْعِلَّةُ مَا يَكْتَسِبُهُ الْمَنْزِلُ مِنْ الصُّورَةِ الْمُحَرَّمَةِ حَتَّى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَنَازِلَ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَرَجَّحَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَدَمَ الدُّخُولِ إلَى بِيعَةٍ فِيهَا صُوَرٌ وَأَنَّهَا كَالْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالْكَنَائِسُ لَيْسَتْ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَيْسَ لَهُمْ مَنْعُ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا لِأَنَّا لُحْنَاهُمْ عَلَيْهِ وَالْعَابِدُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْغَافِلِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا وَيَحْرُمُ شُهُودُ عِيدِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَنَقَلَهُ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ وَبِيعَةٍ لَهُمْ فِيهِ وَيَخْرُجُ مِنْ رِوَايَةٍ مَنْصُوصَةٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مَنْعِ التِّجَارَةِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إذَا لَمْ يُلْزِمُوهُ بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ وَيُنْكِرُ مَا يُشَاهِدُهُ مِنْ الْمُنْكَرِ بِحَسَبِهِ وَيُحَرِّمُ بَيْعَهُمْ مَا يَعْلَمُونَهُ كَنِيسَةً أَوْ تِمْثَالًا وَنَحْوَهُ وَكُلُّ مَا فِيهِ تَخَصُّصٌ لِعِيدِهِمْ أَوْ مَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّهُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ وَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إجْمَاعًا وَتَجِبُ عُقُوبَةُ فَاعِلِهِ وَلَا يَنْبَغِي إجَابَةُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ.
وَلَمَّا صَارَتْ الْعِمَامَةُ الصَّفْرَاءُ أَوْ الزَّرْقَاءُ مِنْ شِعَارِهِمْ حُرِّمَ لُبْسُهَا وَيُحَرَّمُ الْأَكْلُ وَالذَّبْحُ الزَّائِدُ عَلَى الْمُعْتَادِ فِي بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ وَلَوْ الْعَادَةُ فِعْلُهُ أَوْ لِتَفْرِيحِ أَهْلِهِ وَيُعَزَّرُ إنْ عَادَ وَيُكْرَهُ مَوْسِمٌ خَاصٌّ: كَالرَّغَائِبِ، وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَهُوَ بِدْعَةٌ، وَأَمَّا مَا يُرْوَى فِي الْكُحْلِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، أَوْ الْخِضَابِ أَوْ الِاغْتِسَالِ، أَوْ الْمُصَافَحَةِ، أَوْ مَسْحِ رَأْسِ الْيَتِيمِ، أَوْ أَكْلِ الْحُبُوبِ، أَوْ الذَّبْحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمِثْلُ ذَلِكَ بِدْعَةٌ لَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ شَيْءٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الدِّينِ، وَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْبِدَعِ فِيهِ مِنْ النِّيَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَالْمَأْتَمِ، وَسَبِّ الصَّحَابَةِ ﵃ هُوَ أَيْضًا مِنْ أَعْظَمِ الْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، هَذَا وَهَذَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ أَغْلَظُ مِنْ بَعْضٍ وَالْخِلَافُ فِي كُسْوَةِ الْحِيطَانِ إذَا لَمْ تَكُنْ حَرِيرًا أَوْ ذَهَبًا، فَأَمَّا الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ فَيَحْرُمُ كَمَا تَحْرُمُ سُيُورُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ وَالْحِيطَانِ وَالْأَثْوَابِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْمَرْأَةِ فَفِي كَوْنِ سُتُورِهَا وَكُسْوَتِهَا كَفُرُشِهَا نَظَرٌ إذْ لَيْسَ هُوَ مِنْ اللِّبَاسِ وَلَا رَيْبَ فِي تَحْرِيمِ فُرُشِ الثِّيَابِ تَحْتَ دَابَّةِ الْأَمِيرِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَتْ خَزًّا أَوْ مَغْصُوبَةً وَرَخَّصَ أَبُو مُحَمَّدٍ سَتْرَ الْحِيطَانِ
стр. 2382
لِحَاجَةٍ مِنْ وِقَايَةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي الْمَنْعُ لِإِطْلَاقِهِ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَيُكْرَهُ تَعْلِيقُ السُّتُورِ عَلَى الْأَبْوَابِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لِوُجُودِ أَغْلَاقٍ غَيْرِهَا مِنْ أَبْوَابٍ وَنَحْوِهَا.
وَكَذَلِكَ السُّتُورُ فِي الدِّهْلِيزِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ فَهُوَ سَرَفٌ وَهَلْ يَرْتَقِي إلَى التَّحْرِيمِ؟ فِيهِ نَظَرٌ قَالَ الْمَرْوَزِيِّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْجَوْزِ يُنْثَرُ فَكَرِهَهُ وَقَالَ يُعْطَوْنَ أَوْ يُقْسَمُ عَلَيْهِمْ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ هَانِئٍ لَا يُعْجِبُنِي انْتِهَابُ الْجَوْزِ وَأَنْ يُوكَلَ السَّكَرُ كَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي يُكْرَهُ الْأَكْلُ الْتِقَاطًا مِنْ النِّثَارِ سَوَاءٌ أَخَذَهُ أَوْ أَخَذَهُ مِمَّنْ أَخَذَهُ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ هَذِهِ نُهْبَةٌ تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَهُوَ قَوِيٌّ وَأَمَّا الرُّخْصَةُ الْمَحْضَةُ فَتَبْعُدُ جِدًّا وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ قَائِمًا لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَيُكْرَهُ الْقِرَانُ فِيمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَنَاوُلِهِ إفْرَادًا وَاخْتَلَفَ كَلَامُ أَبِي الْعَبَّاسِ فِي أَكْلِ الْإِنْسَانِ حَتَّى يُتْخَمَ هَلْ يُكْرَهُ أَوْ يُحَرَّمُ. وَجَزَمَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِتَحْرِيمِ الْإِسْرَافِ وَفُسِّرَ بِمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ وَإِذَا قَالَ عِنْدَ الْأَكْلِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَانَ حَسَنًا فَإِنَّهُ أَكْمَلُ بِخِلَافِ الذَّبْحِ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاسِبُ وَيَلِمُ الْإِنْسَانُ مِنْ بَيْتِ صَدِيقِهِ وَقَرِيبِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إذَا لَمْ يَحُزْهُ عَنْهُ.
[بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ]
ِ وَلَوْ شَرَطَ الزَّوْجُ أَنْ يَتَسَلَّمَ الزَّوْجَةَ وَهِيَ صَغِيرَةٌ لِيُحْصِنَهَا فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ خَرَّجَهُمَا أَبُو بَكْرٍ أَنَّهَا إذَا اسْتَثْنَتْ بَعْضَ مَنْفَعَتِهَا الْمُسْتَحَقَّةِ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ أَنَّهُ يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ فِي الْأَمَةِ التَّسْلِيمَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَإِذَا اشْتَرَطَ فِي الْأَمَةِ أَنْ تَكُونَ نَهَارًا عِنْدَ السَّيِّدِ وَقُلْنَا: إنَّ ذَلِكَ مُوجِبُ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ أَوْ لَمْ نَقُلْ فَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لِلسَّيِّدِ لَا عَلَيْهِ كَاشْتِرَاطِهَا دَارَهَا وَهُوَ شَرْطٌ لَهُ وَعَلَيْهِ وَلَوْ خَرَجَ هَذَا عَلَى اشْتِرَاطِ دَارِهَا وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَتْ دَارَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ تِلْكَ الدَّارِ لَكَانَ مُتَوَجِّهًا وَإِذَا كَانَ مُوجِبُ الْعَقْدِ مِنْ التَّقَابُضِ مَرَدَّهُ إلَى الْعُرْفِ فَلَيْسَ الْعُرْفُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُسَلَّمُ إلَيْهِ صَغِيرَةً وَلَا تَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ.
وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَدَنِهَا لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا إذْ النَّفَقَةُ تَتْبَعُ الِانْتِفَاعَ.
وَتَجِبُ خِدْمَةُ زَوْجِهَا بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ وَيَتَنَوَّعُ ذَلِكَ
стр. 2383
بِتَنَوُّعِ الْأَحْوَالِ فَخِدْمَةُ الْبَدْوِيَّةِ لَيْسَتْ كَخِدْمَةِ الْقَرَوِيَّةِ وَخِدْمَةُ الْقَوِيَّةِ لَيْسَتْ كَخِدْمَةِ الضَّعِيفَةِ وَقَالَهُ الْجُوزَجَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَيَتَخَرَّجُ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ لِحَاجَتِهِ إلَى الْخِدْمَةِ لَا إلَى الِاسْتِمْتَاعِ وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَنْهَى عَنْ الْإِذْنِ لِلذِّمِّيَّةِ بِالْخُرُوجِ إلَى الْكَنِيسَةِ وَالْبِيعَةِ بِخِلَافِ الْإِذْنِ لِلْمُسْلِمَةِ إلَى الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ وَكَذَا قَالَ فِي الْمُغْنِي إنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ ذِمِّيَّةً فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْكَنِيسَةِ وَلِلزَّوْجِ مَنْعُ الزَّوْجَةِ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ فَإِذَا نَهَاهَا لَمْ تَخْرُجْ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ مَحْرَمٍ لَهَا أَوْ شُهُودِ جِنَازَتِهِ فَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَهَلْ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ لِذَلِكَ إذَا لَمْ يَأْذَنْ وَلَمْ يَمْنَعْ كَعَمَلِ الصِّنَاعَةِ أَوْ لَا تَفْعَلَ إلَّا بِإِذْنٍ كَالصِّيَامِ، تَرَدَّدَ فِيهِ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَكَلَامُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّمْكِينَ مِنْ الْقُبْلَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الزَّوْجَةِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَمَا أَرَاهُ صَحِيحًا بَلْ تُجْبَرُ عَلَى تَمْكِينِهِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ الْمُبَاحَةِ وَلَوْ تَطَاوَعَ الزَّوْجَانِ عَلَى الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَقَالَهُ أَصْحَابُنَا وَعَلَى قِيَاسِهِ الْمُطَاوَعَةُ عَلَى الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ.
وَتَهْجُرُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا فِي الْمَضْجَعِ لِحَقِّ اللَّهِ بِدَلِيلِ قِصَّةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وَيَنْبَغِي أَنْ تَمْلِكَ النَّفَقَةَ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ الصَّدَاقِ وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ وَطْءُ امْرَأَتِهِ بِقَدْرِ كِفَايَتِهَا مَا لَمْ يُنْهِكْ بَدَنَهُ أَوْ تَشْغَلْهُ عَنْ مَعِيشَتِهِ غَيْرَ مُقَدَّرٍ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَالْأَمَةِ فَإِنْ تَنَازَعَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْرِضَهُ الْحَاكِمُ كَالنَّفَقَةِ وَكَوَطْئِهِ إذَا زَادَ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَتَقَدَّرَ قَسْمُ الِابْتِدَاءِ الْوَاجِبِ كَمَا لَا يَتَقَدَّرُ الْوَطْءُ بَلْ يَكُونُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ جَوَازُ التَّزَوُّجِ بِأَرْبَعٍ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ بِوَاحِدَةٍ يَكُونُ لَهَا حَالَ الِانْفِرَادَ مَا لَهَا حَالَ الِاجْتِمَاعِ وَعَلَى هَذَا فَتُحْمَلُ قِصَّةُ كَعْبِ بْنِ سَوْرٍ عَلَى أَنَّهُ تَقْدِيرُ شَخْصٍ لَا يُرَاعَى كَمَا لَوْ فَرَضَ النَّفَقَةَ وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْمَبِيتُ عِنْدَ امْرَأَتِهِ لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعٍ وَهَذَا الْمَبِيتُ يَتَضَمَّنُ سُنَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا الْمُجَامَعَةُ فِي الْمَنْزِلِ وَالثَّانِيَةُ فِي الْمَضْجَعِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] مَعَ قَوْلِهِ ﷺ «وَلَا يَهْجُرُ إلَّا فِي الْمَضْجَعِ» دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْمَبِيتِ فِي الْمَضْجَعِ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَهْجُرُ الْمَنْزِلَ.
وَنَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْمَبِيتِ فِي الْمَضْجَعِ وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي النُّشُوزِ إذَا نَشَزَتْ هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ بِدُونِ ذَلِكَ وَحُصُولُ الضَّرَرِ لِلزَّوْجَةِ بِتَرْكِ الْوَطْءِ مُقْتَضٍ لِلْفَسْخِ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ
стр. 2384
كَانَ بِقَصْدٍ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ وَلَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ وَعَجْزِهِ كَالنَّفَقَةِ وَأَوْلَى لِلْفَسْخِ بِتَعَذُّرِهِ فِي الْإِيلَاءِ إجْمَاعًا وَعَلَى هَذَا فَالْقَوْلُ فِي امْرَأَةِ الْأَسِيرِ وَالْمَحْبُوسِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ تَعَذَّرَ انْتِفَاعُ امْرَأَتِهِ بِهِ إذَا طَلَبَتْ فُرْقَتَهُ كَالْقَوْلِ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعٍ وَعِنْدَ الْأَمَةِ لَيْلَةً مِنْ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ وَيُتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنَّهُ يَجِبُ لِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ مِنْ أَرْبَعٍ لِأَنَّ التَّنْصِيفَ إنَّمَا هُوَ فِي قَسْمِ الِابْتِدَاءِ فَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ بِأَرْبَعِ إمَاءٍ فَهُنَّ فِي غَايَةِ عَدَدِهِ فَتَكُونُ الْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِي قَسْمِ الِابْتِدَاءِ وَأَمَّا قَسْمُ التَّسْوِيَةِ فَيَخْتَلِفَانِ إذَا جَوَّزْنَا لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ثَلَاثِ حَرَائِرَ وَأَمَةٍ فِي رِوَايَةٍ وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْعَبْدُ فَقِيَاسُ قَوْلِهِمْ إنَّهُ يَقْسِمُ لِلْحُرَّةِ لَيْلَةً مِنْ لَيْلَتَيْنِ وَالْأَمَةِ لَيْلَةً مِنْ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ وَلَا يُتَصَوَّرُ. أَنْ يَجْمَعَ عِنْدَهُ أَرْبَعًا عَلَى قَوْلِنَا وَقَوْلِ الْجُمْهُورِ وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ يُتَصَوَّرُ. قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَجِبُ لِلْمَعِيبَةِ كَالْبَرْصَاءِ وَالْجَذْمَاءِ إذَا لَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ وَكَذَلِكَ عَلَيْهِمَا تَمْكِينُ الْأَبْرَصِ وَالْأَجْذَمِ وَالْقِيَاسُ وُجُوبُ ذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يُقَالَ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ لَكِنْ إذَا لَمْ تُمَكِّنْهُ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِذَا لَمْ يَسْتَمْتِعْ بِهَا فَلَهَا الْفَسْخُ وَيَكُونُ الْمُثْبِتُ لِلْفَسْخِ هُنَا عَدَمَ وَطْئِهِ فَهَذَا يَقُودُ إلَى وُجُوبِهِ وَيُنْفِقُ عَلَى الْمَجْنُونِ الْمَأْمُونِ وَلِيُّهُ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مَنْ يَمْلِكُ الْوِلَايَةَ عَلَى بَدَنِهِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْحَضَانَةَ فَاَلَّذِي يَمْلِكُ تَعْلِيمَهُ وَتَأْدِيبَهُ الْأَبُ ثُمَّ الْوَصِيُّ.
قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَأْثَمُ إنْ طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ وَقْتَ قَسْمِهَا وَتَعْلِيلُهُمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ مَجِيءِ نَوْبَتِهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَيُتَوَجَّهُ أَنَّ لَهُ الطَّلَاقَ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْقَسْمَ إنَّمَا يَجِبُ مَا دَامَتْ زَوْجَةً كَالنَّفَقَةِ وَلَيْسَ هُوَ شَيْءٌ هُوَ مُسْتَقَرٌّ فِي الذِّمَّةِ قَبْلَ مُضِيِّ وَقْتِهِ حَتَّى يُقَالَ هُوَ دَيْنٌ. نَعَمْ لَوْ لَمْ يَقْسِمْ لَهَا حَتَّى خَرَجَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي لَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَهُ كَانَ عَاصِيًا وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَهَا عَنْ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الشِّتَاءِ لَيْلَةً مِنْ لَيَالِيِ الصَّيْفِ كَانَ لَهَا الِامْتِنَاعُ لِأَجْلِ تَفَاوُتٍ بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي النَّفَقَةِ وَكَلَامُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَكَذَا الْكُسْوَةُ. قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَأْخُذَ الزَّوْجَةُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهَا مِنْ الْمَبِيتِ وَكَذَا الْوَطْءُ وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي مَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ.
стр. 2385
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي جَوَازُ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنْ سَائِرِ حُقُوقِهَا مِنْ الْقَسْمِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذَ الْعِوَضَ عَنْ حَقِّهِ مِنْهَا جَازَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ الْعِوَضَ عَنْ حَقِّهَا مِنْهُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَنْفَعَةٌ بَدَنِيَّةٌ.
وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَبْذُلَ الْمَرْأَةُ الْعِوَضَ لِيَصِيرَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا، وَلِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الزَّوْجَ كَمَا يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ حَبْسَهَا وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الرِّقِّ فَيَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ وَقَدْ تُشْبِهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الصُّلْحَ عَنْ الشُّفْعَةِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَلَوْ سَافَرَ بِإِحْدَاهُنَّ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ قَالَ أَصْحَابُنَا يَأْثَمُ وَيَقْضِي وَالْأَقْوَى أَنَّهُ لَا يَقْضِي وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
وَإِذَا ادَّعَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ وَلِيُّهَا أَنَّ الزَّوْجَ يَظْلِمُهَا، وَكَانَ الْحَاكِمُ وَلِيَّهَا وَخَافَ ذَلِكَ، نَصَّبَ الْحَاكِمُ مُشْرِفًا وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمَسْأَلَةُ نَصْبِ الْمُشْرِفِ لَمْ يَذْكُرْ الْخِرَقِيِّ وَالْقُدَمَاءُ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ إذَا وَقَعَتْ الْعَدَاوَةُ وَخِيفَ الشِّقَاقُ بُعِثَ الْحَكَمَانِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى نَصْبِ مُشْرِفٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكَمَاءُ أَجْنَبِيَّيْنِ وَيَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِهِمَا وَوُجُوبُ كَوْنِهِمَا مِنْ أَهْلِهِمَا هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ فَإِنَّهُ اشْتَرَطَهُ كَمَا اشْتَرَطَ الْأَمَانَةَ وَهَذَا أَصَحُّ فَإِنَّهُ نَصُّ الْقُرْآنِ وَلِأَنَّ الْأَقَارِبَ أَخْبَرُ بِالْعِلَلِ الْبَاطِنَةِ وَأَقْرَبُ إلَى الْأَمَانَةِ وَالنَّظَرِ فِي الْمَصْلَحَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ نَظَرٌ فِي الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ وِلَايَةِ عَقْدِ النِّكَاحِ لَا سِيَّمَا إنْ جَعَلْنَاهُمَا حَاكِمَيْنِ كَمَا هُوَ الصَّوَابُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَهَلْ لِلْحَكَمَيْنِ إذَا قُلْنَا هُمَا حَاكِمَانِ لَا وَكِيلَانِ أَنْ يُطَلِّقَا ثَلَاثًا أَوْ يَفْسَخَا كَمَا فِي الْمُوَلَّى قَالُوا هُنَاكَ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الزَّوْجِ فِي الطَّلَاقِ مَلَكَ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ وَاحِدَةٍ وَثَلَاثٍ فَيُتَوَجَّهُ هُنَا كَذَلِكَ إذَا قُلْنَا هُمَا حَاكِمَانِ وَإِنْ قُلْنَا وَكِيلَانِ لَمْ يَمْلِكَا إلَّا مَا وُكِّلَا فِيهِ وَأَمَّا الْفَسْخُ، فَلَا يُتَوَجَّهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَاكِمًا أَصْلِيًّا.
стр. 2386
[كِتَابُ الْخُلْعِ]
ِ اخْتَلَفَ كَلَامُ أَبِي الْعَبَّاسِ فِي وُجُوبِ الْخُلْعِ لِسُوءِ الْعِشْرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ مُبْغِضَةً لَهُ لِخُلُقِهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ وَهُوَ يُحِبُّهَا فَكَرَاهَةُ الْخُلْعِ فِي حَقِّهِ تَتَوَجَّهُ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ تُبْغِضُ زَوْجَهَا وَهُوَ يُحِبُّهَا لَا آمُرُهَا بِالْخُلْعِ، وَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَصْبِرَ.
وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَا الْكَرَاهَةِ لِنَصِّهِ عَلَى جَوَازِهِ فِي مَوَاضِعَ وَلَوْ عَضَلَهَا لِتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ وَلَمْ تَكُنْ تَزْنِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْعِوَضُ مَرْدُودٌ وَالزَّوْجَةُ بَائِنٌ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَلَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ وَوَجْهٌ قَوِيٌّ إذَا قُلْنَا الْخُلْعُ يَصِحُّ بِلَا عِوَضٍ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَلَعَ عَلَى مَغْصُوبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ وَنَحْوِهِ وَتَخْرِيجُ الرِّوَايَتَيْنِ هُنَا قَوِيٌّ جِدًّا وَخُلْعُ الْحُبْلَى لَا يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودَ بِهِ الْقُرْبَةُ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ بَقَاءُ الْمَرْأَةِ تَبَعَ زَوْجِهَا كَمَا يُقْصَدُ بِنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ وَطْؤُهَا لِتَعُودَ إلَى الْأَوَّلِ وَالْعَقْدُ لَا يُقْصَدُ بِهِ بَعْضُ مَقْصُودِهِ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ لَمْ تَبِنْ بِهِ الزَّوْجَةُ وَيَجُوزُ الْخُلْعُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجُمْهُورِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، فَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِعَهَا كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَفْتَدِيَ الْأَسِيرُ وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يَبْذُلَ الْأَجْنَبِيُّ لِسَيِّدِهَا الْعَبْدَ عِوَضًا لِعِتْقِهِ وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِمَا إذَا كَانَ قَصْدُهُ تَخْلِيصًا مِنْ رِقِّ الزَّوْجِ لِمَصْلَحَتِهَا فِي ذَلِكَ وَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ طَلِّقْ امْرَأَتَك حَتَّى أَتَزَوَّجَهَا وَلَك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَأَخَذَ مِنْهُ الْأَلْفَ ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْت طَالِقٌ. فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ رَجُلٌ يَقُولُ لِرَجُلٍ طَلِّقْ امْرَأَتَك حَتَّى أَتَزَوَّجَهَا لَا يَحِلُّ هَذَا.
وَفِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ: إذَا قِيلَ إنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ لَا يَصِحُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ قَالُوا لِأَنَّهُ إقَالَةٌ وَالْإِقَالَةُ لَا تَصِحُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ
стр. 2387
الطَّرِيقَةِ الْخَرَسَانِيَّةِ وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبَيْنِ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَسْخٌ هُوَ فَسْخٌ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ مَنْ صَرَّحَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَذْهَبَيْنِ وَإِنْ كَانَ شَارِحُ الْوَجِيزِ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَهُ أَئِمَّةُ الْعِرَاقِيِّينَ كَأَبِي إِسْحَاقَ فِي خِلَافِهِ وَغَيْرِهِ وَفِي مَعْنَى الْخُلْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ الْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَالٍ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْغَارِمِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِكُلٍّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ مَالًا مِنْ عِنْدِهِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَصِحُّ مِمَّنْ طَلَاقُهُ بِالْمِلْكِ أَوْ الْوَكَالَةِ وَالْوِلَايَةِ كَالْحَاكِمِ فِي الشِّقَاقِ، وَكَذَا لَوْ فَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي الْإِيلَاءِ وَالْعُنَّةِ أَوْ الْإِعْسَارِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَمْلِكُ الْحَاكِمُ الْفُرْقَةَ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ وَالسَّفِيهَ يَصِحُّ طَلَاقُهُمَا بِلَا عِوَضٍ فَبِالْعِوَضِ أَوْلَى لَكِنْ قَدْ يُقَالُ فِي قَبُولِهِمَا لِلْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ بِلَا إذْنِ الْوَلِيِّ وَجْهَانِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ صَحِيحٌ فَلَا يَخْرُجُ الْخِلَافُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ تَحْتَ حِجْرِ الْأَبِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُخَالِعَ إذَا كَانَ لَهَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ وَتُخَرَّجُ أُصُولٌ لِأَحْمَدَ وَالْخُلْعُ بِعِوَضٍ فَسْخٌ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ وَلَوْ وَقَعَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَلَيْسَ مِنْ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ.
وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِهِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ لَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَلَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَلَا قُدَمَاءُ أَصْحَابِهِ فِي الْخُلْعِ بَيْنَ لَفْظٍ وَلَفْظٍ لَا لَفْظِ الطَّلَاقِ وَلَا غَيْرِهِ بَلْ أَلْفَاظُهُمْ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ فَسْخٌ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَأَيْت أَبِي يَذْهَبُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كُلُّ مَا أَجَازَهُ الْمَالُ فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه الْقِيَاسُ أَنَّهُمَا إذَا طَلَّقَهَا لِنِكَاحٍ ثَبَتَ صَدَاقُ الْمِثْلِ فَهَكَذَا الْخُلْعُ وَأَوْلَى وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ هَلْ لِلزَّوْجِ إبَانَةُ امْرَأَتِهِ بِلَا عِوَضٍ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبِينَهَا إلَّا بِعِوَضٍ وَإِنْ كَانَ طَلَاقٌ وَقَعَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِلَا عِوَضٍ فَرَجْعِيٌّ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي إبَانَتُهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ مُطْلَقًا بِاخْتِيَارِهَا وَغَيْرِ اخْتِيَارِهَا وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: لَهُ إبَانَتُهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ دُونَ بَعْضٍ فَإِذَا اخْتَارَتْ الْإِبَانَةَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَهُ أَنْ يُبِينَهَا وَيَصِحُّ الْخُلْعُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَيَقَعُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ إمَّا طَلَاقًا وَإِمَّا فَسْخًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ الْمَشْهُورُ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْقَاسِمِ
стр. 2388
وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيِّ وَهَذَا الْقَوْلُ لَهُ مَأْخَذَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الرَّجْعَةَ حَقٌّ لِلزَّوْجَيْنِ فَإِذَا تَرَاضَيَا عَلَى إسْقَاطِهَا سَقَطَتْ وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِتَرْكِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَرَضِيَ هُوَ بِتَرْكِ ارْتِجَاعِهَا وَكَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْعِوَضَ إسْقَاطَ مَا كَانَ ثَابِتًا لَهَا مِنْ الْحُقُوقِ كَالدَّيْنِ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ إسْقَاطَ مَا ثَبَتَ لَهُمَا بِالطَّلَاقِ كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ وَهَذَا قَوْلٌ قَوِيٌّ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي النَّفَقَةِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ شَرَطَ الرَّجْعَةَ فِي الْخُلْعِ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ هَذَا الشَّرْطِ كَمَا لَوْ بَذَلَتْ لَهُ مَالًا عَلَى أَنْ تَمْلِكَ أَمْرَهَا فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الشَّرْطِ فِي الْعُقُودِ قَالَ الْقَاضِي فِي الْخُلْعِ وَلَوْ طَلَّقَهَا فَشَرَعَتْ فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ بَذَلَتْ لَهُ مَا لَا يُزِيلُ عَنْهَا الرَّجْعَةَ لَمْ تَزُلْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ وَفِيهِ نَظَرٌ وَإِذَا خَالَعَتْهُ عَلَى الْإِبْرَاءِ مِمَّا يَعْتَقِدُ أَنَّ وُجُوبَهُ اجْتِهَادٌ أَوْ تَقْلِيدٌ مِثْلُ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى قِيمَةِ كَلْبٍ أَتْلَفَتْهُ مُعْتَقِدَيْنِ وُجُوبَ الْقِيمَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى قِيمَةِ كَلْبٍ لَهُ فِي ذِمَّتِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ لِأَنَّ وُجُوبَ هَذَا نَوْعُ غَرَرٍ، وَالْغَرَرُ يَصِحُّ عَلَى الْغَرَرِ، بِخِلَافِ الصَّدَاقِ.
نَقَلَ مُهَنَّا عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ خَلَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ لَهَا عَلَى أَبِيهِ أَنَّهُ جَائِزٌ فَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ أَبُوهُ شَيْئًا رَجَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَتَرْجِعُ الْمَرْأَةُ عَلَى الْأَبِ وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ صَحِيحٌ عَلَى ظَاهِرٍ وَهُوَ خُلْعٌ عَلَى الدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ مِنْ الْغَرَرِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخُلْعِ عَلَى الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَلَمَّا لَمْ يَحْصُلْ الْعِوَضُ بِعَيْنِهِ رَجَعَ فِي بَدَلِهِ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ اشْتَرَى مَغْصُوبًا يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ وَلَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى مَالٍ فِي ذِمَّتِهَا ثُمَّ أَحَالَتْهُ بِهِ عَلَى أَبِيهِ لَكَانَ تَأْوِيلُ الْقَاضِي مُتَوَجِّهًا وَهُوَ أَنَّ الْقَاضِيَ تَأَوَّلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّهَا حَوَالَةٌ وَأَنَّ الزَّوْجَ لَمَّا قَبِلَ الْحَوَالَةَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ الْأَبِ اعْتِرَافٌ بِالدَّيْنِ فَلِهَذَا مَلَكَ الرُّجُوعَ عَلَيْهَا بِمَالِ الْخُلْعِ وَكَانَ لَهَا مُخَاصَمَةُ الْأَبِ فِيمَا تَدَّعِيهِ فَأَمَّا إنْ كَانَ قَدْ حَصَلَ مِنْ جِهَتِهِ اعْتِرَافٌ بِالدَّيْنِ ثُمَّ جَحَدَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ انْتَقَلَ وَجُحُودٌ لَا يَثْبُتُ لَهُ الرُّجُوعُ.
стр. 2389
[كِتَابُ الطَّلَاقِ]
ِ وَيَصِحُّ الطَّلَاقُ مِنْ الزَّوْجِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ: وَمِنْ الْعَبْدِ، الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَسَيِّدِهِمَا، وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يُسَوَّى فِي هَذَا الْبَابِ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْفَسْخِ فَكُلُّ مَنْ مَلَكَ الْعَقْدَ عَلَيْهِ فَإِنَّ هَذَا قِيَاسُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ مُوجِبُ شَهَادَةِ الْأُصُولِ وَيَنْدَرِجُ فِي هَذَا الْوَصِيُّ الْمُزَوِّجُ وَالْأَوْلِيَاءُ إذَا زَوَّجُوا الْمَجْنُونَ فَإِنَّا إذَا جَوَّزْنَا لِلْوَلِيِّ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ وَجَوَّزْنَا لَهُ الْكِتَابَةَ وَالْعِتْقَ لِمَصْلَحَةٍ وَجَوَّزْنَا لَهُ الْمُقَابَلَةَ فِي الْبَيْعِ وَفَسْخِهِ لِمَصْلَحَةٍ فَقَدْ أَقَمْنَاهُ مَقَامَ نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ الَّذِي لَهُ التَّزْوِيجُ وَهَذَا فِيمَنْ يَمْلِكُ جِنْسَ النِّكَاحِ، وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ السَّكْرَانِ، وَلَوْ بِسُكْرٍ مُحَرَّمٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ عَنْ أَحْمَدَ الرُّجُوعَ عَمَّا سِوَاهَا فَقَالَ: كُنْت أَقُولُ يَقَعُ طَلَاقُ السَّكْرَانِ حَتَّى تَبَيَّنْت، فَغَلَبَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ وَقَصْدُ إزَالَةِ الْعَقْلِ بِلَا سَبَبٍ شَرْعِيٍّ مُحَرَّمٌ، وَلَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ حِينَ الطَّلَاقِ زَائِلُ الْعَقْلِ لِمَرَضٍ أَوْ غَشْيٍ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: أَفْتَيْت أَنَّهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ يُمْكِنُ صِدْقُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَمْرُ زَوْجَتِهِ بِالصَّلَاةِ فَإِنْ لَمْ تُصَلِّ وَجَبَ عَلَيْهِ فِرَاقُهَا فِي الصَّحِيحِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إذَا دُعِيَتْ إلَى الصَّلَاةِ وَامْتَنَعَتْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَلَا يَنْفَسِخُ فِي الْآخَرِ إذْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِرَاقُهَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِلَا فِعْلِهِ فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ طَلَاقِهَا لِثِقَلِ مَهْرِهَا كَانَ مُسِيئًا بِتَزَوُّجِهِ بِمَنْ لَا تُصَلِّي وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَيَتُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ وَيَنْوِي أَنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَهُ
وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَالْإِكْرَاهُ يَحْصُلُ إمَّا بِالتَّهْدِيدِ أَوْ بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَضُرُّهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ بِلَا تَهْدِيدٍ. `
стр. 2390
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَوْنُهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ تَحَقُّقَ تَهْدِيدِهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَوَى الطَّرَفَانِ لَكَانَ إكْرَاهًا وَأَمَّا إنْ خَافَ وُقُوعَ التَّهْدِيدِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُهُ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَلَوْ أَرَادَ لِلْكُرْهِ وَإِيقَاعِ الطَّلَاقِ وَتَكَلَّمَ بِهِ وَقَعَ وَهُوَ رِوَايَةٌ حَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ وَإِنْ سَحَرَهُ لِيُطَلِّقَ فَإِكْرَاهٌ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: تَأَمَّلْت الْمَذْهَبَ فَوَجَدْت الْإِكْرَاهَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ الْإِكْرَاهُ الْمُعْتَبَرُ فِي كَلِمَةِ الْكُفْرِ كَالْإِكْرَاهِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْكُفْرِ لَا يَكُونُ إلَّا بِتَعْذِيبٍ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ قَيْدٍ وَلَا يَكُونُ الْكَلَامُ إكْرَاهًا.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ وَهَبَتْ زَوْجَهَا صَدَاقَهَا أَوْ مَسْكَنَهَا فَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا تَهَبُ لَهُ إلَّا إذَا خَافَتْ أَنْ يُطَلِّقَهَا أَوْ يُسِيءَ عِشْرَتَهَا فَجَعَلَ خَوْفَ الطَّلَاقِ أَوْ سُوءَ الْعِشْرَةِ إكْرَاهًا فِي الْهِبَةِ وَلَفْظُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ أَكْرَهَهَا وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ إكْرَاهًا عَلَى الْكُفْرِ فَإِنَّ الْأَسِيرَ إذَا خَشِيَ مِنْ الْكُفَّارِ أَنْ لَا يُزَوِّجُوهُ وَأَنْ يَحُولُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَمِثْلُ هَذَا لَوْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ حَقٌّ مِنْ دَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ فَقَالَ لَا أُعْطِيك حَتَّى تَبِيعَنِي أَوْ تَهَبَنِي فَقَالَ مَالِكٌ هُوَ إكْرَاهٌ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ وَمَنْصُوصُهُ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا مَنَعَهَا حَقَّهَا لِتَخْتَلِعَ مِنْهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي تَبَعًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لَيْسَ إكْرَاهًا وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي وُجُوبِ طَلَاقِ الزَّوْجَةِ بِأَمْرِ الْأَبِ مُقَيَّدٌ بِصَلَاحِ الْأَبِ.
وَالطَّلَاقُ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ مُحَرَّمٌ لِاقْتِضَاءِ النَّهْيِ الْفَسَادَ وَلِأَنَّهُ خِلَافُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ حَرُمَ وَلَا يَقَعُ وَيَقَعُ مِنْ ثَلَاثٍ مَجْمُوعَةٍ أَوْ مُفَرَّقَةٍ بَعْدُ لِدُخُولِ وَاحِدَةٍ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا فَرَّقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ وَالرَّجْعِيَّةُ لَا يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إرْسَالَ طَلَاقِهِ عَلَى الرَّجْعِيَّةِ فِي عِدَّتِهَا قَبْلَ أَنْ يُرَاجِعَهَا مُحَرَّمٌ وَلَوْ قَالَ: أَنْت طَالِقٌ فِي آخِرِ طُهْرِك وَلَمْ يَطَأْ فِيهِ فَهُوَ مُبَاحٌ إلَّا عَلَى رِوَايَةِ: الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ وَقَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَقَالَ الْجَعْدُ تَبَعًا لِلْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ هُوَ بِدْعَةٌ وَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ كَاذِبًا يَعْلَمُ كَذِبَ نَفْسِهِ لَا تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: امْرَأَةُ فُلَانٍ طَالِقٌ فَقَالَ ثَلَاثًا فَهَذِهِ تُشْبِهُ مَا لَوْ قَالَ لِي عَلَيْك أَلْفٌ فَقَالَ صِحَاحٌ وَفِيهِ وَجْهَانِ وَهَذَا أَصْلُهُ فِي الْكَلَامِ مِنْ اثْنَيْنِ إذَا أَتَى الثَّانِي بِالصِّفَةِ وَنَحْوِهَا هَلْ يَكُونُ مُتَمِّمًا
стр. 2391
لِلْأَوَّلِ؟ وَعَقْدُ النِّيَّةِ فِي الطَّلَاقِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا إنْ أَسْقَطَتْ شَيْئًا مِنْ الطَّلَاقِ لَمْ تُقْبَلْ مِثْلُ قَوْلِهِ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَالَ نَوَيْت إلَّا وَاحِدَةً فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَإِنْ لَمْ تَسْقُطْ مِنْ الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا عَدَلَ بِهِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ مِثْلُ أَنْ يَنْوِيَ مِنْ وَثَاقٍ وَعِقَالٍ وَدُخُولِ الدَّارِ إلَى سَنَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: يُقْبَلُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْت طَالِقٌ، أَنْت طَالِقٌ. وَقَالَ: نَوَيْت بِالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَأَنْتِ طَالِقٌ، وَمُطَلَّقَةٌ، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ مِنْ الصِّيَغِ هِيَ إنْشَاءٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا هِيَ إثْبَاتٌ لِلْحُكْمِ وَشَهَادَتُهُمْ وَهِيَ إخْبَارٌ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي فِي النَّفْسِ وَمَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ ثُمَّ أَفْتَى بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِإِقْرَارِهِ لِمَعْرِفَةِ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ فِي إقْرَارِهِ ذَلِكَ مِمَّا يَجْهَلُهُ وَإِذَا صَرَفَ الزَّوْجُ لَفْظَهُ إلَى مُمْكِنٍ يَتَخَرَّجُ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا كَمَا قَالَهُ أَحْمَدُ فِيمَنْ أَخْبَرَتْ أَنَّهَا نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا وَفِي الْمُخْبِرِ بِالثَّمَنِ إذَا ادَّعَى الْغَلَطَ عَلَى رِوَايَةٍ.
وَلَوْ قِيلَ بِمِثْلِ هَذَا فِي الْمُخْبِرَةِ بِحَيْضِهَا إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِهِ يُتَوَجَّهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ إذَا خَالَفَ خَبَرُهُ الْأَصْلَ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْعَدَالَةُ.
وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالْكِنَايَةِ إلَّا بِنِيَّةٍ إلَّا مَعَ قَرِينَةِ إرَادَةِ الطَّلَاقِ فَإِذَا قَرَنَ الْكِنَايَاتِ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى أَحْكَامِ الطَّلَاقِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: فَسَخْت النِّكَاحَ وَقَطَعْت الزَّوْجِيَّةَ وَرَفَعْت الْعَلَاقَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجَتِي وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى فِي ضِمْنِ مَسْأَلَةِ الْقِيَاسِ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالْكِنَايَةِ حَتَّى يَنْوِيَهُ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: هَذَا عِنْدِي ضَعِيفٌ عَلَى الْمَذَاهِبِ كُلِّهَا فَإِنَّهُمْ مَهَّدُوا فِي كِتَابِ الْوَقْفِ أَنَّهُ إذَا قَرَنَ بِالْكِنَايَةِ بَعْضَ أَحْكَامِهِ صَارَتْ كَالصَّرِيحِ وَيَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِ الزَّوْجِ لَسْت لِي بِامْرَأَةٍ وَمَا أَنْت لِي بِامْرَأَةٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لَيْسَ لِي امْرَأَةٌ وَبَيْنَ قَوْلِهِ إذَا قِيلَ لَهُ لَك امْرَأَةٌ فَقَالَ لَا فَإِنَّ الْفَرْقَ ثَابِتٌ بَيْنَهُمَا وَصْفًا وَعَدَدًا إذْ الْأَوَّلُ نَفْيٌ لِنِكَاحِهَا وَنَفْيُ النِّكَاحِ عَنْهَا كَإِثْبَاتِ طَلَاقِهَا وَيَكُونُ إنْشَاءً وَيَكُونُ إخْبَارًا بِخِلَافِ نَفْيِ الْمَنْكُوحَاتِ عُمُومًا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَعْمِل إلَّا إخْبَارًا وَفِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَوْ بَاعَ زَوْجَتَهُ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَعِنْدِي أَنَّهُ كِنَايَةٌ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ إذَا قَصَدَ الْخُلْعَ لَا بَيْعَ الرَّقَبَةِ. قَالَ الْقَاضِي: إنْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي نَفْسَكِ، فَذَكَرَتْ أَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ مِمَّا يُمْكِنُهَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي اخْتِيَارِهَا.
стр. 2392
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: يُتَوَجَّهُ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهَا كَالْوَكِيلِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ الْوَكِيلَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ وُكِّلَ فِيهِ وَلَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ رَجَعَ قَبْلَ إيقَاعِ الْوَكِيلِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ أَبْرَأْتِينِي فَأَنْتَ طَالِقٌ فَقَالَتْ أَبْرَأَك اللَّهُ مِمَّا تَدَّعِي النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ إذَا كَانَتْ رَشِيدَةً.
[بَابُ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ]
وَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ يَلْزَمُنِي الطَّلَاقُ وَلَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ نِيَّةٌ أَوْ سَبَبٌ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ أَوْ التَّخْصِيصَ عُمِلَ بِهِ وَمَعَ فَقْدِ النِّيَّةِ وَالسَّبَبِ فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِذَلِكَ عَلَى الزَّوْجَةِ الْوَاحِدَةِ لِأَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ فِي الطَّلَاقِ يَكُونُ تَارَةً فِي نَفْسِهِ وَتَارَةً فِي مَحَلِّهِ وَقَدْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ عُمُومَ الْمَصْدَرِ لِأَفْرَادِهِ أَقْوَى مِنْ عُمُومِهِ الْمَأْكُولَ وَالْمَشْرُوبَ إذَا كَانَ عَامًّا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عُمُومِهِ لِأَفْرَادِهِ وَأَنْوَاعِهِ عُمُومَهُ لِمَفْعُولَاتِهِ.
وَقَوَّى أَبُو الْعَبَّاسِ: فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ لِجَمِيعِ الزَّوْجَاتِ دُونَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِالزَّوْجَةِ الْوَاحِدَةِ وَفَرَّقَ بِأَنَّ وُقُوعَ الثَّلَاثِ بِالْوَاحِدَةِ مُحَرَّمٌ بِخِلَافِ الْمُتَعَدِّدَاتِ وَإِذَا قُلْنَا بِالْعُمُومِ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ فَهَلْ تَتَعَيَّنُ وَاحِدَةٌ بِالْقُرْعَةِ أَوْ يَخْرُجُ بِتَعْيِينِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِكَلَامِ الْغَيْرِ وَالسُّكُوتِ لَا يَكُونُ فَصْلًا مَانِعًا مِنْ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ إذَا كَانَ سُؤَالٌ سَايَرَ أَثَرٌ، وَكُلُّ هَذَا يُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى وَهُوَ أَنَّهُمَا مَا دَامَا فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ فَلَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ مَا يُغَيِّرُهُ فَيَكُونُ اتِّصَالُ الْكَلَامِ الْوَاحِدِ كَاتِّصَالِ الْقَبُولِ وَالْإِيجَابِ وَلَا يُشْتَرَطُ الِاسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ وَالْعَطْفُ الْمُغَيِّرُ وَالِاسْتِثْنَاءُ بِالْمَشِيئَةِ حَيْثُ يُوَثِّرُ فِي ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُسْمَعَ نَفْسَهُ إذَا لَفَظَ بِهِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: تَأَمَّلْت نُصُوصَ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَوَجَدْته يَأْمُرُ بِاعْتِزَالِ الرَّجُلِ
стр. 2393
زَوْجَتَهُ فِي كُلِّ يَمِينٍ حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَيْهَا بِالطَّلَاقِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَبَارٌّ هُوَ فِيهَا أَوْ حَانِثٌ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ بَارٌّ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ بَارٌّ فِي وَقْتٍ وَشَكَّ فِي وَقْتٍ اعْتَزَلَهَا وَقْتَ الشَّكِّ نَصَّ عَلَى فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ فِي مَوَاضِعَ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ كُنْت حَامِلًا فَأَنْتَ طَالِقٌ.
فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَعْتَزِلُهَا حَتَّى تَتَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي خِلَافًا فِي أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ إنْ كَانَ قَدْ وَطِئَهَا قَبْلَ الْيَمِينِ وَتَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّهَا إذَا لَمْ تَحِضْ وَلَمْ يَظْهَرْ بِهَا حَمْلٌ فَهَلْ يُحْكَمُ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ بِحَيْثُ يَجُوزُ وَطْؤُهَا وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ بِمُضِيِّ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ عَلَى وَجْهَيْنِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ تَحِيضُ وَتَحْمِلُ وَأَمَّا الْآيِسَةُ وَالصَّغِيرَةُ فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُسْتَبْرَآ بِمِثْلِ الْحَيْضَةِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أَوْ شَهْرٌ وَاحِدٌ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ أَوْ يُقَالُ يَجُوزُ وَطْءُ هَذِهِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَكُونُ الشَّرْطُ أَمْرًا عَدَمِيًّا يَتَبَيَّنُ فِيمَا بَعْدُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ يَقْدَمْ زَيْدٌ أَوْ إنْ لَا يَقْدَمُ فِي هَذَا الشَّهْرِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ الْوَطْءُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ.
وَمِنْهَا إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ فَإِنَّهُ يَعْتَزِلُهَا حَتَّى يَدْرِي مَا فَعَلَ وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْوُجُوبُ مُتَوَجِّهٌ.
وَمِنْهَا إذَا قَالَ: أَنْت طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَإِنَّهُ يَعْتَزِلُهَا إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ لِإِمْكَانِ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الْمَنْعِ.
وَمِنْهَا إذَا قَالَ: أَنْت طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ فَإِنَّهُ يَعْتَزِلُهَا أَبَدًا وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ إنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا قَالَ آخَرُ: إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا وَطَارَ وَلَمْ يُعْلَمْ مَا هُوَ فَإِنَّهُمَا يَعْتَزِلَانِ نِسَاءَهُمَا حَتَّى يَتَيَقَّنَا وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَمَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ مِمَّا يَئِسَا مِنْ اسْتِبَانَتِهِ فَفِيهِ مَعَ الْعِلْمِ وُقُوعُهُ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَسْأَلَةِ الطَّائِرِ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ إيقَاعُ الْحِنْثِ وَتَعْلِيلُ الْقَاضِي فِي مَسْأَلَةِ أَنْت طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ جَعَلَ الشَّرْطَ الَّذِي لَا يُعْلَمْ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي قَوْلِ أَحْمَدَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَلَوْ لَمْ يَشَأْ تَطْلُقُ لِأَنَّ مَشِيئَةَ الْعِبَادِ وَمَشِيئَةَ اللَّهِ لَا تُدْرَكُ مُغَيَّبَةً عَنْهُ فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ مُغَيَّبٍ لَا يُدْرَكُ يَقَعُ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ بِهِ.
стр. 2394
وَعَلَى هَذَا مَنْ حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ مُغَيَّبٌ لَا يُدْرَكُ لَكِنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ إنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِالِاعْتِزَالِ فَقَطْ وَهَذَا فِقْهٌ حَسَنٌ فَإِنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَلِفِ بِاَللَّهِ وَلَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ عَلَى أَمْرٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي يَمِينِهِ كَانَ آثِمًا بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهُ كَاذِبٌ فَكَذَلِكَ يَمِينُ الطَّلَاقِ وَأَشَدُّ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلِاعْتِزَالِ فَيَنْتَظِرُ هَلْ يُؤْمَرُ بِاعْتِزَالٍ هُنَا أَمْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَحْلِفْ يَمِينًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ شَكَّ هَلْ حَلَفَ أَمْ لَا؟ قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَتَمَامُ التَّوَرُّعِ فِي الشَّكِّ قَطْعُهُ بِرَجْعَةٍ أَوْ عَقْدٍ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَفُرْقَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ بِأَنْ يَقُولَ: إنْ لَمْ يَكُنْ طَلَّقْت فَهِيَ طَالِقٌ وَقَالَ الْقَاضِي: أَمَّا فِي الْوَرَعِ فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ مَتَى طَلَّقَ فَإِنَّمَا يُطَلِّقُ وَاحِدَةً لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا بِدْعَةٌ أَلْزَمَ نَفْسَهُ طَلْقَةً وَرَاجَعَهَا فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ قَدْ وُجِدَ فَقَدْ رَاجَعَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ فَمَا ضَرَّهُ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ مَتَى طَلَّقَ فَإِنَّمَا يُطَلِّقُ ثَلَاثًا أَلْزَمَ نَفْسَهُ ثَلَاثًا وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُوقِعُ عَدَدَ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ فَتَحِلُّ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَتَى أَوْقَعَ الشَّكَّ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَالْأَوْلَى اسْتِيفَاءُ النِّكَاحِ بَلْ يُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمُ إيقَاعُهُ لِأَجْلِ الشَّكِّ إنَّ الطَّلَاقَ بَغِيضٌ إلَى الرَّحْمَنِ حَبِيبٌ إلَى الشَّيْطَانِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ النِّكَاحَ دَوَامُهُ آكَدُ مِنْ ابْتِدَائِهِ كَالصَّلَاةِ وَإِذَا شَكَّ فِي الصَّلَاةِ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهَا بِالشَّكِّ بِنَصِّ الْحَدِيثِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الصَّلَاةِ بِالشَّكِّ فَكَذَلِكَ إبْطَالُ النِّكَاحِ بَلْ الصَّلَاةُ إذَا أَبْطَلَهَا أَمْكَنَ ابْتِدَاؤُهَا بِخِلَافِ النِّكَاحِ، وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ مُعَيَّنَةً ثُمَّ نَسِيَهَا أَوْ مُبْهَمَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ أُخْرِجْت بِالْقُرْعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ
[بَابُ تَعَلُّقِ الطَّلَاقِ بِالشُّرُوطِ]
. بَابُ تَعَلُّقِ الطَّلَاقِ بِالشُّرُوطِ وَالْمُعَلَّقُ مِنْ الطَّلَاقِ عَلَى شَرْطِ إيقَاعٍ لَهُ عِنْدَ الشَّرْطِ وَلِهَذَا يَقُولُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إنَّ التَّعْلِيقَ يَصِيرُ إيقَاعًا فِي ثَانِي الْحَالِ وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ إنَّهُ مُتَهَيِّئٌ لَأَنْ يَصِيرَ إيقَاعًا وَإِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِالنِّكَاحِ فَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَلَوْ قَالَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ إذْ
стр. 2395
هُوَ الْتِزَامٌ لِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ الزَّوْجَةُ حَالَ التَّعْلِيقِ فِي نِكَاحِهِ فَإِنْ كَانَتْ فِي نِكَاحِهِ حِينَئِذٍ وَعَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى طَلَاقٍ يُوجَدُ.
فَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيقُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ هُنَا فِي نِكَاحٍ.
وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الصِّفَةَ الْمُطْلَقَةَ تَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَنْكِحَةِ بِإِطْلَاقِهَا وَتَقَيُّدَ الصِّفَةِ فِيهَا فَكَيْفَ إذَا اقْتَرَنَتْ بِنِكَاحٍ مُعَيَّنٍ وَلَوْ قَالَ كَمَا وَتَعْلِيقُ النَّذْرِ بِالْمِلْكِ، مِثْلُ إنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مَالًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ فَيَصِحُّ اتِّفَاقًا وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] الْآيَةَ. وَتَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمِلْكِ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ. وَالْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ لَا يَحْكِيَانِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي يَحْكِيَانِ رِوَايَتَيْنِ. قَالَ: جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إذَا قَالَ الْمُعَلِّقُ عَجَّلْت مَا عَلَّقْته لَمْ يَتَعَجَّلْ وَفِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ تَعْجِيلَ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ.
وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقُ الْعِبَادِ فِي الْجُمْلَةِ سَوَاءٌ تَأَجَّلَتْ شَرْعًا أَوْ شَرْطًا.
وَلَوْ قِيلَ زَنَتْ امْرَأَتُك أَوْ خَرَجَتْ مِنْ الدَّارِ فَغَضِبَ وَقَالَ فَهِيَ طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ، وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَخَالَفَ فِيهِ الْقَاضِي إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْت طَالِقٌ أَنْ دَخَلْت الدَّارَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ إنَّهَا لَا تَطْلُقُ إذَا لَمْ تَكُنْ دَخَلَتْ لِأَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَهَا لِعِلَّةٍ فَلَا يَثْبُتُ الطَّلَاقُ بِدُونِهَا وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِثْلُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ غَيْرَهُ أَخَذَ مَالَهُ فَيَحْلِفُ لَيَرُدَّنَّهُ أَوْ يَقُولَ إنْ لَمْ يَرُدَّهُ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ أَوْ يَقُولَ لَيَحْضُرَنَّ زَيْدٌ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ مَوْتُهُ أَوْ لَتُعْطِيَنِّي مِنْ الدَّرَاهِمِ الَّتِي مَعَك وَلَا دَرَاهِمَ مَعَهُ.
ثُمَّ هَذَا قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ: مِنْهُ مَا يَتَبَيَّنُ حُصُولُ غَرَضِهِ بِدُونِ الْفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا إذَا ظَنَّ أَنَّهَا سَرَقَتْ لَهُ مَالًا فَيَحْلِفُ لَيَرُدَّنَّهُ فَوَجَدَهَا لَمْ تَسْرِقْهُ.
стр. 2396
وَالثَّانِي: مَا لَمْ يَحْصُلْ مَعَهُ غَرَضُهُ مِثْلُ أَنْ يَحْلِفَ لَيُعْطِيَنِّي أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ هَذَا الْكِيسِ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَرَاهِمُ. فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ يَظْهَرُ فِيهِ جِدًّا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ لَتَرُدَّنَّهُ إنْ كُنْت أَخَذْته وَهَذَا الشَّرْطُ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي اللَّفْظِ فَهُوَ قَطْعٌ.
وَالثَّانِي: فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ غَرَضُهُ لَكِنْ لَا غَرَضَ لَهُ مَعَ وُجُودِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ وَفِي الْأَوَّلِ يَحْصُلُ غَرَضُهُ مِنْهُ فَيَصِيرُ أَنَّهُ بِرٌّ بِالْفِعْلِ.
وَلَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ الْيَوْمَ إذَا جَاءَ غَدًا وَأَنَا مِنْ أَهْلِ الطَّلَاقِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى مَا رَأَيْته لِأَنَّهُ مَا جَعَلَ هَذَا شَرْطًا يَتَعَلَّقُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مَوْتَهُ شَرْطًا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا قَبْلَ شَهْرٍ وَإِنَّمَا رَتَّبَهُ فَوَقَعَ عَلَى مَا رَتَّبَ وَمَنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى شَرْطٍ أَوْ الْتَزَمَهُ لَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ إلَّا الْحَضَّ أَوْ الْمَنْعَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إنْ حَنِثَ وَإِنْ أَرَادَ الْجَزَاءَ بِتَعْلِيقِهِ طَلُقَتْ كُرِهَ الشَّرْطُ أَوَّلًا، وَكَذَا الْحَلِفُ بِعِتْقٍ وَظِهَارٍ وَتَحْرِيمٍ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي نَذْرِ الْحَجِّ وَالْغَصْبِ.
وَقَوْلُهُ: هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ فَعَلْت كَذَا، وَالطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي وَنَحْوُهُ يَمِينٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُمَمِ وَيَتَوَجَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا أَنَّ مُطْلَقَهُ يُوجِبُ فِعْلَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَلَى الْفَوْرِ مَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ كَالْأَمْرِ فِي الشَّرِيعَةِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَوْلُهُ ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] فَإِنَّ مَقْصُودَهُ الْخَبَرُ لَا الْحَضُّ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْفَوْرَ مَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ بَلْ مِنْ جِهَةِ حُكْمِ الْأَمْرِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: سُئِلْت عَمَّنْ قَالَ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي مَا دَامَ فُلَانٌ فِي هَذَا الْبَلَدِ فَأَجَبْت أَنَّهُ إنْ قَصَدَ بِهِ الطَّلَاقَ إلَى حِينِ خُرُوجِهِ فَقَدْ وَقَعَ وَلَغَا التَّوْقِيتُ، وَهَذَا هُوَ الْوَضْعُ اللُّغَوِيُّ وَإِنْ قَصَدَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَامَ فُلَانٌ فَإِنْ خَرَجَ عَقِبَ الْيَمِينِ لَمْ يَحْنَثْ وَإِلَّا حَنِثَ وَهَذَا نَظِيرُ أَنْت طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ سُئِلْت عَنْ رَجُلٍ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ قَالَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَهُوَ مُوَاجِهٌ لَهَا: مَنْ بَدَأْت بِطَلَاقِهَا مِنْكُنَّ فَعَبْدِي حُرٌّ، وَقَالَ لِلثَّانِيَةِ: إنْ طَلَّقْتُك فَعَبْدَانِ حُرَّانِ وَقَالَ لِلثَّالِثَةِ: إنْ طَلَّقْتُك فَثَلَاثٌ مِنْ عَبِيدِي أَحْرَارٌ وَقَالَ إنْ طَلَّقْت الرَّابِعَةَ فَأَرْبَعَةٌ
стр. 2397
مِنْ عَبِيدِي أَحْرَارٌ ثُمَّ طَلَّقَهُنَّ كَمْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَجَبْت عَلَى مَا حَضَرَ مِنْ الْحِسَابِ أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِطَلَاقِهِ لَهُنَّ عَشَرَةُ أَعْبُدٍ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ تَجْمَعْ الصِّفَاتِ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ وَلَكِنَّ طَلَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ صِفَةٌ عَلَى انْفِرَادِهَا وَهَذَا اللَّفْظُ إذَا كَانَ قَدْ طَلَّقَهُنَّ مُتَفَرِّقَاتٍ فَالْمُتَوَجَّهُ أَنْ يَعْتِقَ عَشَرَةَ أَعْبُدٍ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَإِنْ طَلَّقَهُنَّ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَوَجَّهَ أَنْ يَعْتِقَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ عَبْدًا وَأَصَحُّ الطُّرُقِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِبَعْضِ الصِّفَةِ أَنَّ الصِّفَةَ إنْ كَانَتْ حَضًّا وَمَنْعًا أَوْ تَصْدِيقًا أَوْ كَذِبًا فَهِيَ كَالْيَمِينِ وَإِلَّا فَهِيَ عِلَّةٌ مَحْضَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا بِكَمَالِهَا.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: سُئِلْت عَمَّنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا غَيْرَ الْيَوْمِ قَالَ فَقُلْت ظَاهِرُهُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي الْغَدِ لَكِنَّ كَثِيرًا مَا يَعْنِي بِهِ سِوَى هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ الَّذِي عَنَاهُ الْحَالِفُ فَإِنَّهُ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي وَقْتٍ آخَرَ وَعَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ أَوْ فِي سِوَى هَذِهِ الْمُدَّةِ وَنَوَى التَّأْخِيرَ فَإِنْ عَيَّنَ وَقْتًا بِعَيْنِهِ مِثْلَ وَقْتِ مَرَضٍ أَوْ فَقْرٍ أَوْ غَلَاءٍ أَوْ رُخْصٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَقَيَّدَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي زَمَانٍ مُتَرَاخٍ عَنْ هَذَا الْوَقْتِ فَيُشْبِهُ الْحِينَ إلَّا أَنَّ الْمُغَايَرَةَ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْمُغَايَرَةُ الزَّمَانِيَّةُ وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الْمُغَايِرَةُ الْحَالِيَّةُ وَاَلَّذِي عَنَاهُ الْحَالِفُ لَيْسَ مُعَيَّنًا فَهُوَ مُطْلَقٌ فَمَتَى تَغَيَّرَتْ الْحَالُ تَغَيُّرًا يُنَاسِبُ الطَّلَاقَ وَقَعَ وَإِنْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ فِي أَوَّلِ شَهْرِ كَذَا طَلُقَتْ بِدُخُولِهِ وَقَالَهُ أَصْحَابُنَا وَكَذَا فِي غُرَّتِهِ وَرَأْسِهِ وَاسْتِقْبَالِهِ وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِي أَوْ مَعَ مَوْتِك فَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، نَقَلَهُ مُهَنَّا عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
وَلَكِنْ يُتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ أَنْ تَطْلُقَ لِأَنَّ صِفَةَ الطَّلَاقِ وَالْبَيْنُونَةِ إذَا وُجِدَتْ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَلَعَلَّ ابْنَ حَامِدٍ يُفَرِّقُ بِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ مَعَ الْبَيْنُونَةِ لَهُ فَائِدَةٌ وَهُوَ التَّحْرِيمُ أَوْ نَقْصُ الْعَدَدِ بِخِلَافِ الْبَيْنُونَةِ بِالْمَوْتِ.
وَلَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى صِفَاتٍ ثَلَاثٍ فَاجْتَمَعْنَ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ لَا تَطْلُقُ إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً لِأَنَّهُ الْأَظْهَرُ فِي مُرَادِ الْحَالِفِ، وَالْعُرْفُ يَقْتَضِيه إلَّا أَنْ يَنْوِيَ خِلَافَهُ، وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْت طَالِقٌ طَلْقَةً إنْ وَلَدْتِ ذَكَرًا أَوْ طَلْقَتَيْنِ إنْ وَلَدْت أُنْثَى فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى أَنَّهُ عَلَى مَا نَوَى إنَّمَا أَرَادَ وِلَادَةً وَاحِدَةً.
وَأَنْكَرَ قَوْلَ سُفْيَانَ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا بِالْأَوَّلِ مَا عَلَّقَ بِهِ وَتَبِينُ بِالثَّانِي وَلَا تَطْلُقُ بِهِ قَالَ
стр. 2398
أَصْحَابُنَا إذَا قَالَ: أَنْت طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ إنْ شَاءَ زَيْدٌ لَمْ يَقَعْ إلَّا بِمَشِيئَةِ زَيْدٍ لَهَا إذْ لَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ تَعُودَ الْمَشِيئَةُ إلَيْهِمَا إمَّا جَمِيعًا وَإِمَّا مُطْلَقًا بِحَيْثُ لَوْ شَاءَ أَحَدُهُمَا وَقَعَ مَا شَاءَ وَكَذَلِكَ نَظِيرُهَا فِي الْخُلْعِ أَنْتُمَا طَالِقَانِ وَنَظِيرُهُ أَنْ يَقُولَ وَاَللَّهِ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ فَكُنْ إنْ شَاءَ اللَّهُ الْجَمِيعَ فَيَنْتَفِي الشَّرْطُ وَلَمْ يَفْعَلْ جَمِيعَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَيَحْنَثَ. قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ يَشَأْ زَيْدٌ فَقَدْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ هِيَ عَدَمُ الْمَشِيئَةِ فَمَتَى لَمْ يَشَأْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْمَشِيئَةِ مِنْ جِهَتِهِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَالْقِيَاسُ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَفُوتَ الْمَشِيئَةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ نِيَّةٌ أَوْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي الْفَوْرِيَّةَ وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْت طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ قَصَدَ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَثْبِيتًا لِذَلِكَ وَتَأْكِيدًا لِإِيقَاعِهِ وَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ لَا يَقَعُ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَقَعُ مُطْلَقًا وَهَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الصَّوَابُ وَتَعْلِيقٌ إنْ كَانَ تَعْلِيقًا مَحْضًا لَيْسَ فِيهِ تَحْقِيقُ خَبَرٍ وَلَا حَضٍّ عَلَى فِعْلٍ كَقَوْلِهِ إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَهَذَا يُفِيدُ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءَ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا هَلْ هَذَا يَمِينٌ أَمْ لَا؟ .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَوْقِيتُهُ بِحَادِثٍ يَتَعَلَّقُ بِالطَّلَاقِ مَعَهُ غَرَضٌ كَقَوْلِهِ إنْ مَاتَ أَبَاك فَأَنْتَ طَالِقٌ أَوْ إنْ مَاتَ أَبِي هَذَا فَأَنْتَ طَالِقٌ وَنَحْوُ هَذَا.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يُؤَثِّرُ فِي مِثْلِ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ بِاَللَّهِ، وَالطَّلَاقُ فَرْعُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَإِنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ أَوْ الشَّرْطُ خَبَرًا عَنْ مُسْتَقْبَلٍ لَا طَلَبًا كَقَوْلِهِ لَيَقْدَمَنَّ الْحَاجُّ أَوْ السُّلْطَانُ فَهُوَ كَالْيَمِينِ يَنْفَعُ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ أَمْرًا عَدَمِيًّا كَقَوْلِهِ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَأَنْتَ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالثُّبُوتِ كَمَا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَيُفِيدُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي النَّذْرِ كَمَا فِي لَأَتَصَدَّقَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِأَنَّهُ يَمِينٌ وَيُفِيدُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْحَرَامِ وَالظِّهَارِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِمَا.
وَلِلْعُلَمَاءِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ النَّافِعِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: لَا يَنْفَعُهُ حَتَّى يَنْوِيَهُ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَمَنْ تَبِعَهُ.
وَالثَّانِي: يَنْفَعُهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ حَتَّى لَوْ
стр. 2399
قَالَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ قُلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ نَفَعَهُ وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ وَعَلَيْهِ مُتَقَدِّمُو أَصْحَابِهِ وَاخْتِيَارُ أَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَهُوَ الصَّوَابُ وَلَا يُعْتَبَرُ قَصْدُ الِاسْتِثْنَاءِ فَلَوْ سَبَقَ عَلَى لِسَانِهِ عَادَةً أَوْ أَتَى بِهِ تَبَرُّكًا رَفَعَ حُكْمَ الْيَمِينِ وَكَذَا قَوْلُهُ إنْ أَرَادَ اللَّهُ وَقَصَدَ بِالْإِرَادَةِ مَشِيئَتَهُ لَا مَحَبَّتَهُ وَأَمْرَهُ وَمَنْ شَكَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ الِاسْتِثْنَاءُ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ اسْتَثْنَى كَالْمُسْتَحَاضَةِ تَعْمَلُ بِالْعَادَةِ وَالتَّمْيِيزِ وَلَمْ تَجْلِسْ أَقَلَّ الْحَيْضِ وَالْأَصْلُ وُجُوبُ الْعِبَادَةِ فِي ذِمَّتِهَا.
قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": إذَا قَالَ إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتَ طَالِقٌ أَوْ فَعَبْدِي حُرٌّ لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ إلَّا بِتَطْلِيقٍ يُنَجِّزُهُ أَوْ يُعَلِّقُهُ بَعْدَهُمَا بِشَرْطٍ فَيُؤَاخَذُ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: يُتَوَجَّهُ إذَا كَانَ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ قَبْلَ عَقْدِ هَذِهِ الصِّفَةِ أَوْ مَعَهَا مُعَلَّقًا بِفِعْلِهِ، فَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ لَهُ تَطْلِيقًا وَأَنَّ التَّطْلِيقَ يَفْتَقِرُ إلَى أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مِنْ فِعْلِهِ أَيْضًا فَإِذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْفِعْلِ لَمْ يَكُنْ تَطْلِيقًا وَإِلَّا حَلَفَ لَا يُطَلِّقُ فَجَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا أَوْ خَيَّرَهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا فَالْمُتَوَجَّهُ أَنْ تَخْرُجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَنْصِيفِ الصَّدَاقِ إنْ قُلْنَا يَتَنَصَّفُ جَعَلْنَاهُ تَطْلِيقًا وَإِنْ قُلْنَا يَسْقُطُ لَمْ نَجْعَلْهُ تَطْلِيقًا وَإِنَّمَا هُوَ تَمْكِينٌ مِنْ التَّطْلِيقِ وَإِذَا قَالَ إذَا طَلَّقْتُك أَوْ إذَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتَ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَتَعْلِيقُهُ بَاطِلٌ وَلَا يَقَعُ سِوَى الْمُنَجَّزَةِ وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ يَنْحَسِمُ بَابُ الطَّلَاقِ وَمَا قَالَهُ مُحْدَثٌ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُفْتِ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَأَنْكَرَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَنْ أَفْتَى بِهَا وَمَنْ قَلَّدَ فِيهَا شَخْصًا وَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ بِهَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ كَمَنْ أَوْقَعَهُ فِيمَنْ يَعْتَقِدُهَا أَجْنَبِيَّةً وَكَانَتْ فِي الْبَاطِنِ امْرَأَتَهُ فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ لَيُكَلِّمَنَّ فُلَانًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبَرَّ إلَّا بِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ كَالْكَلَامِ وَنَحْوِهِ دُونَ السَّبِّ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ الْيَمِينَ فِي جَانِبِ النَّفْيِ أَعَمُّ مِنْ اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ وَفِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ أَخَصُّ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ وَنَظَائِرُهُ فَإِنَّهُ لَا يَبَرُّ إلَّا بِكَمَالِ الْمُسَمَّى وَلَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى كَلَامِ زَيْدٍ فَهَلْ كِتَابَتُهُ أَوْ رِسَالَتُهُ الْحَاضِرَةُ كَالْإِشَارَةِ فَيَجِيءُ فِيهَا الْوَجْهَانِ أَوْ يَحْنَثُ بِكُلِّ حَالٍ. تَرَدَّدَ فِيهِ أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: وَأَصْلُ ذَلِكَ الْوَجْهَانِ انْعِقَادُ النِّكَاحِ بِكِتَابَةِ الْقَادِرِ
стр. 2400
عَلَى النُّطْقِ وَإِذَا قَالَ: إنْ عَصَيْت أَمْرِي فَأَنْتَ طَالِقٌ ثُمَّ أَمَرَهَا بِشَيْءٍ أَمْرًا مُطْلَقًا فَخَالَفَتْ حَنِثَ وَإِنْ تَرَكَتْهُ نَاسِيَةً أَوْ جَاهِلَةً أَوْ عَاجِزَةً يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّرْكَ لَيْسَ عِصْيَانًا وَإِنْ أَمَرَهَا أَمْرًا بَيَّنَ أَنَّهُ نَدْبٌ بِأَنْ يَقُولَ أَنَا آمُرُك بِالْخُرُوجِ وَأُبِيحُ لَك الْقُعُودَ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ لِحَمْلِ الْيَمِينِ عَلَى الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ عَلَى مُطْلَقِ الْأَمْرِ وَالْمَنْدُوبُ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ أَمْرًا مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ أَمْرًا مُقَيَّدًا وَلَوْ عَلَّقَ عَلَى خُرُوجِهَا بِغَيْرِ إذْنٍ ثُمَّ أَذِنَ لَهَا مَرَّةً فَخَرَجَتْ أُخْرَى بِغَيْرِ إذْنٍ طَلُقَتْ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ لِأَنَّ خَرَجَتْ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ وَهِيَ تَقْتَضِي الْعُمُومَ وَإِنْ أَذِنَ لَهَا فَقَالَتْ: لَا أَخْرُجُ ثُمَّ خَرَجَتْ الْخُرُوجَ الْمَأْذُونَ فِيهِ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: سُئِلْت عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَيُتَوَجَّهُ فِيهَا أَنْ لَا يَحْنَثَ لِأَنَّ امْتِنَاعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ لَا يَخْرُجُ الْإِذْنُ عَنْ أَنْ يَكُونَ إذْنًا لَكِنْ هُوَ إذَا قَالَتْ: لَا أَخْرُجُ فَاطْمَأَنَّ إلَى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ فَخَرَجَتْ وَلَمْ تُشْعِرُهُ بِالْخُرُوجِ، فَقَدْ خَرَجَتْ بِلَا عِلْمٍ؛ وَالْإِذْنُ عِلْمٌ وَإِبَاحَةٌ.
وَيُقَالُ أَيْضًا: إنَّهَا رَدَّتْ الْإِذْنَ عَلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك إذَا أَرَدْتِ ذَلِكَ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ هَذَا الْبَابَ نَوْعَانِ: تَوْكِيلٌ وَإِبَاحَةٌ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: بِعْ هَذَا فَقَالَ لَا أَبِيعُ. إنَّ النَّفْيَ يَرُدُّ الْقَبُولَ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْمُوصَيْ إلَيْهِ لَمْ يَمْلِكْهُ بَعْدُ وَإِذَا أَبَاحَهُ شَيْئًا فَقَالَ: لَا أَقْبَلُ فَهَلْ لَهُ أَخْذُهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَيُتَوَجَّهُ أَنَّ الْإِنْشَاءَ كَالْخَبَرِ فِي التَّكْرَارِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَنَّ لَتَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي وَقْتٍ عَيَّنَهُ فَأَبْرَأَهُ قَبْلَهُ لَا يَحْنَثُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.
[بَابُ جَامِعِ الْأَيْمَانِ]
ِ وَإِذَا حَلَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ فَبَانَ مَوْصُوفًا بِغَيْرِهَا كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ فَتَبَيَّنَ شَيْخًا أَوْ لَا أَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْخَمْرِ فَتَبَيَّنَ خَلًّا أَوْ كَانَ الْحَالِفُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ يَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يُحَالِفُهُ إذَا أَكَّدَ عَلَيْهِ وَلَا يُحَنِّثُهُ أَوْ لِكَوْنِ الزَّوْجَةِ قَرِيبَتَهُ وَهُوَ لَا يَخْتَارُ تَطْلِيقَهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ غَالِطًا فِي اعْتِقَادِهِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَشَبَهُهَا فِيهَا نِزَاعٌ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ كَمَا لَوْ لَقِيَ امْرَأَةً ظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً فَقَالَ أَنْت طَالِقٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ عَلَى الصَّحِيحِ إذْ الِاعْتِبَارُ بِمَا قَصَدَهُ فِي قَلْبِهِ وَهُوَ قَصَدَ مُعَيَّنًا مَوْصُوفًا لَيْسَ هُوَ هَذَا الْعَيْنُ وَكَذَا لَا حِنْثَ عَلَيْهِ إذَا حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ لَيَفْعَلَنَّهُ
стр. 2401
فَخَالَفَهُ إذَا قَصَدَ إكْرَامَهُ لَا إلْزَامَهُ بِهِ لِأَنَّهُ كَالْأَمْرِ إذَا فَهِمَ مِنْهُ الْإِكْرَامَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ بِالْوُقُوفِ فِي الصَّفِّ وَلَمْ يَقِفْ.
وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْمُخَالَفَةِ فِي الذَّاتِ وَالْمُخَالَفَةِ فِي الصِّفَاتِ كَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَفَسَادِهِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ فَأَدْخَلَ بَعْضَ جَسَدِهِ فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ تَحْرِيمَ الْبُقْعَةِ عَلَى الرَّجُلِ فَيَحْنَثُ بِإِدْخَالِ بَعْضِ جَسَدِهِ إلَى بَعْضِهَا لِمُبَاشَرَتِهِ بَعْضَ الْمُحَرَّمِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ الْتِزَامَهُ بُقْعَةً فَإِذَا أَخْرَجَ بَعْضَهُ لَمْ يَحْنَثْ كَمَا فِي الْمُعْتَكِفِ وَلَوْ حَلَفَ لَا آكُلُ الرِّبَا، وَلَا أَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَلَا أَزْنِي فَشَرِبَ النَّبِيذَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ أَوْ أَقْرَضَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً أَوْ نَكَحَ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ فَيَحْنَثُ عِنْدَنَا إنْ اعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ اعْتِقَادٌ وَحَدَدْنَاهُ وَإِنْ اعْتَقَدَ حِلَّهُ أَوْ لَمْ نُحِدَّهُ فَفِي تَحْنِيثِهِ تَرَدُّدٌ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا يُسَوَّغُ فِيهِ الْخِلَافُ كَالْحِيَلِ الرِّبَوِيَّةِ وَكَمَسْأَلَةِ النَّبِيذِ وَلَوْ حَلَفَ لَا أُشَارِكُ فُلَانًا فَفَسَخَا الشَّرِكَةَ وَبَقِيَتْ بَيْنَهُمَا دُيُونٌ مُشْتَرَكَةٌ أَوْ أَعْيَانٌ.
قَالَ: أَفْتَيْت أَنَّ الْيَمِينَ تَنْحَلُّ بِانْفِسَاخِ عَقْدِ الشَّرِكَةِ وَمَنْ حَلَفَ لَا يَشُمُّ وَرْدًا وَلَا بَنَفْسَجًا فَشَمَّ دُهْنَهُمَا أَوْ مَاءَ الْوَرْدِ حَنِثَ وَقَالَ الْقَاضِي لَا يَحْنَثُ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يَحْنَثَ بِالْمَاءِ دُونَ الدُّهْنِ وَكَذَلِكَ مَاءُ اللِّبَانِ وَالنَّيْلُوفَرِ لِأَنَّ الْمَاءَ هُوَ الْحَامِلُ لِرَائِحَةِ الْوَرْدِ وَرَائِحَتَهُ فِيهِ بِخِلَافِ الدُّهْنِ فَإِنَّهُ مُضَافٌ إلَى الْوَرْدِ وَلَا تَظْهَرُ فِيهِ الرَّائِحَةُ كَثِيرًا وَفِي دُخُولِ الْفَاكِهَةِ الْيَابِسَةِ فِي مُطْلَقِ الْحَلِفِ عَلَى الْفَاكِهَةِ نَظَرٌ، وَكَذَلِكَ اسْتَثْنَى أَبُو مُحَمَّدٍ بَعْضَ ثَمَرِ الشَّجَرِ كَالزَّيْتُونِ وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَ دَارًا أَوْصَى لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا فَهِيَ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ وَكَذَلِكَ الْمَوْقُوفَةُ عَلَى عَيْنِهِ وَإِنْ كَانَتْ وَقْفًا عَلَى الْجِنْسِ فَهِيَ أَقْوَى مِنْ الْمُعَارَةِ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْجِنْسِ، وَلَا يَدْخُلُ الْعَقِيقُ وَالسُّبَحُ فِي مُطْلَقِ الْحَلِفِ عَلَى لُبْسِ الْحُلِيِّ إلَّا مِمَّنْ عَادَتُهُ التَّحَلِّي بِهِ وَإِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُزَوِّجُكَهَا أَوْ مَا بَقِيت أُزَوِّجُكَهَا فَهُنَا التَّزْوِيجُ اسْمٌ لِلتَّسْلِيمِ الَّذِي هُوَ الدُّخُولُ. وَكَذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا حِينًا وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَقْتَضِي أَصْلًا وَهُوَ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُطْلَقَ الَّذِي لَهُ حَدٌّ فِي الْعُرْفِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَزْدَدْ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ فَإِنَّهُ يَنْزِلُ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ
стр. 2402
اتِّفَاقِيًّا كَمَا يَقُولُهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَإِذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَفَعَلَهُ نَاسِيًا لِيَمِينِهِ أَوْ جَاهِلًا بِأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَلَوْ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهِمَا وَيَمِينُهُ بَاقِيَةٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَرُوَاتُهَا بِقَدْرِ رُوَاةِ التَّفْرِقَةِ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا مَنْ فَعَلَهُ مُتَأَوِّلًا إمَّا تَقْلِيدًا لِمَنْ أَفْتَاهُ أَوْ مُقَلِّدًا لِعَالِمٍ مَيْتٍ مُصِيبًا كَانَ أَوْ مُخْطِئًا وَيَدْخُلُ فِي هَذَا إذَا خَالَعَ وَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا أَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ الْخُلْعِ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ يَمِينُهُ أَوْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا.
وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى أَمْرِ مُعْتَقَدِهِ كَمَا حَلَفَ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ أَنَّهُ يَحْنَثُ قَوْلًا وَاحِدًا وَهَذَا خَطَأٌ بَلْ الْخِلَافُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَلَوْ حَلَفَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا فَجَهِلَهُ أَوْ نَسِيَهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَعَذَّرَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ أَوْ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ وَيُتَوَجَّهُ فِيمَا إذَا نَسِيَ الْيَمِينَ بِالْكُلِّيَّةِ أَنْ يَقْضِيَ الْفِعْلَ إنْ أَمْكَنَ قَضَاؤُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِيَمِينِ الْحَالِفِ فَكَالنَّاسِي وَلَوْ حَلَفَ لَا يُزَوِّجُ بِنْتَه فَزَوَّجَهَا الْأَبْعَدُ أَوْ الْحَاكِمُ حَنِثَ إنْ تَسَبَّبَ فِي التَّزْوِيجِ وَإِنْ لَمْ يَتَسَبَّبْ فَلَا حِنْثَ إلَّا أَنَّهُ تَقْتَضِي النِّيَّةُ أَوْ التَّسَبُّبُ أَنَّ مَقْصُودَهُ أَنَّهُ لَا يُمَكِّنُهَا مِنْ التَّزْوِيجِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَمْنَعْهَا حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ أَنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ حَنِثَ بِكُلِّ حَالٍ وَلَوْ حَلَفَ لَا يُعَامِلُ زَيْدًا وَلَا يَبِيعُهُ فَعَامَلَ وَكِيلَهُ أَوْ بَاعَهُ حَنِثَ وَمَتَى فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَى تَزْوِيجِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ حَنِثَ. قَالَ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ فَإِنْ كَانَ بِيَدِ زَوْجَتِهِ تَمْرَةٌ، فَقَالَ إنْ أَكَلْتِيهَا فَأَنْتَ طَالِقٌ وَإِنْ لَمْ تَأْكُلِيهَا فَأَنْتَ طَالِقٌ فَأَكَلَتْ بَعْضَهَا حَنِثَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ هَذَا الرَّغِيفَ فَأَكَلَ بَعْضَهُ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْيَمِينِ مِثْلُ قَوْلِهِ فَفِي مَسْأَلَةِ السُّلَّمِ وَهِيَ إنْ نَزَلَتْ أَوْ صَعِدَتْ أَوْ أَقَمْتِ فِي الْمَاءِ أَوْ خَرَجْت أَنْ يَحْنَثَ بِكُلِّ حَالٍ لِمَنْعِهِ لَهَا مِنْ الْأَكْلِ وَمِنْ تَرْكِهِ، فَكَأَنَّ الطَّلَاقَ مُعَلَّقٌ بِوُجُودِ الشَّيْءِ وَبِعَدَمِهِ فَوُجُودُ بَعْضِهِ وَعَدَمُ الْبَعْضِ لَا يَخْرُجُ عَنْ الصِّفَتَيْنِ كَمَا إذَا عَلَّقَ بِحَالِ الْوُجُودِ فَقَطْ أَوْ بِحَالِ الْعَدَمِ فَقَطْ.
стр. 2403
[كِتَابُ الرَّجْعَةِ]
ِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: أَبُو حَنِيفَةَ يَجْعَلُ الْوَطْءَ رَجْعَةً، وَهُوَ أَحَدُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ لَا يَجْعَلُهُ رَجْعَةً وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَمَالِكٌ يَجْعَلُهُ رَجْعَةً مَعَ النِّيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ فَيُبِيحُ وَطْءَ الرَّجْعِيَّةِ إذَا قَصَدَ بِهِ الرَّجْعَةَ وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَأَشْبَهُهَا بِالْأُصُولِ، وَكَلَامُ أَبِي مُوسَى فِي " الْإِرْشَادِ " يَقْتَضِيه وَلَا تَصْلُحُ الرَّجْعَةُ مَعَ الْكِتْمَانِ بِحَالٍ وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَرَاجَعَهَا وَاسْتَكْتَمَ الشُّهُودَ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَالَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَيَلْزَمُ إعْلَانُ التَّسْرِيحِ وَالْخُلْعِ وَالْإِشْهَادِ كَالنِّكَاحِ دُونَ ابْتِدَاءِ الْفُرْقَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ جَحَدَ تُفْدِي نَفْسَهَا مِنْهُ بِمَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ فَإِنْ أُجْبِرَتْ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تَتَزَيَّنُ لَهُ وَلَا تَقْرَبُهُ وَتَهْرُبُ إنْ قَدَرَتْ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ تَهْرُبُ وَلَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى يَظْهَرَ طَلَاقُهَا وَيُعْلَمَ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِطَلَاقِهَا وَمَاتَ لَا تَرِثُ؛ لِأَنَّهَا تَأْخُذُ مَا لَيْسَ لَهَا وَتَفِرُّ مِنْهُ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ وَلَكِنْ تَخْتَفِي فِي بَلَدِهَا قِيلَ لَهُ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ تَقْتُلُهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ اسْتَحْلَلْت وَتَزَوَّجْتهَا قَالَ تُقْبَلُ مِنْهُ قَالَ الْقَاضِي لَا تَقْتُلُهُ مَعْنَاهُ لَا تَقْصِدُ قَتْلَهُ وَإِنْ قَصَدَتْ دَفَعَهُ فَأَدَّى ذَلِكَ إلَى قَتْلِهِ فَلَا ضَمَانَ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: كَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُهُ بِالْقَتْلِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُعْجِبْهُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مُتَعَدِّيًا فِي الظَّاهِرِ وَالدَّفْعُ بِالْقَتْلِ إنَّمَا يَجُوزُ لِمَنْ ظَهَرَ اعْتِدَاؤُهُ وَقَطَعَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا بِحِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا بِوَطْءِ الْمُرَاهِقِ وَالذِّمِّيِّ إنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: النِّكَاحُ الَّذِي يُقِرَّانِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالْمَجِيءِ بِهِ إلَيْنَا لِلْحُكْمِ
стр. 2404
صَحِيحٌ فَعَلَى هَذَا يَحِلُّهَا النِّكَاحُ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أُخْتٍ ثُمَّ مَاتَتْ الْأُخْتُ قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا فَأَمَّا لَوْ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّةٍ أَوْ عَلَى أُخْتٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا مَعَ قِيَامِ الْمُفْسِدِ فَهُنَا مَوْضِعُ نَظَرٍ فَإِنَّ هَذَا النِّكَاحَ لَا يَثْبُتُ بِهِ التَّوَارُثُ وَلَا يَحْكُمُ فِيهِ بِشَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَمَنْ غَابَتْ مُطَلَّقَتُهُ الْمُحَرَّمَةُ ثُمَّ ذَكَرَتْ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ مَنْ أَصَابَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ وَأَمْكَنَ ذَلِكَ فَلَهُ نِكَاحُهَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا وَإِلَّا فَلَا.
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ذَكَرَتْ أَنَّهُ كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَطَلَّقَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَزَوُّجُهَا وَتَزْوِيجُهَا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَلَا يُقَالُ إنَّ ثُبُوتَ إقْرَارِهَا بِالنِّكَاحِ يُوجِبُ تَعَلُّقَ حَقِّ الزَّوْجِ بِهَا فَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا حَتَّى يَثْبُتَ زَوَالُهُ وَنَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الطَّلَاقِ إذَا كَتَبَ إلَيْهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا لَمْ تَتَزَوَّجْ حَتَّى يَثْبُتَ الطَّلَاقُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِلْمَرْأَةِ زَوْجٌ فَادَّعَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَسْأَلَةُ هُنَا فِيمَا إذَا ادَّعَتْ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ مَنْ أَصَابَهَا وَطَلَّقَهَا وَلَمْ تُعَيِّنْهُ فَإِنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَثْبُتْ لِمُعَيَّنٍ بَلْ لِمَجْهُولٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ عِنْدِي مَالٌ لِشَخْصٍ وَسَلَّمْته إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِكَ قَوْلُهَا كَانَ لِي زَوْجٌ وَطَلَّقَنِي وَسَيِّدِي أَعْتَقَنِي وَلَوْ قَالَتْ تَزَوَّجَنِي فُلَانٌ وَطَلَّقَنِي فَهُوَ كَالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ وَادِّعَاءِ الْوَفَاءِ وَالْمَذْهَبُ لَا يَكُونُ إقْرَارًا.
[بَابُ الْإِيلَاءِ]
وَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ وَغَيَّا بِغَايَةٍ لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ خُلُوُّ الْمُدَّةِ مِنْهَا فَخَلَتْ مِنْهَا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا هَلْ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْغَايَةِ وَقْتَ الْيَمِينِ أَوْ يَكْفِي ثُبُوتُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِذَا لَمْ يَفِئْ وَطَلَّقَ بَعْدَ الْمُدَّةِ أَوْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ لَمْ يَقَعْ إلَّا طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فَإِذَا رَاجَعَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ عَقِبَ هَذِهِ الرَّجْعَةِ إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا يُمْكِنُ مِنْ الرَّجْعَةِ إلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ وَلِأَنَّ اللَّهَ إنَّمَا جَعَلَ الرَّجْعَةَ لِمَنْ أَرَادَ إصْلَاحًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
стр. 2405
[كِتَابُ الظِّهَارِ]
ِ وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ فَهُوَ ظِهَارٌ؛ وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَالْعَوْدُ هُوَ الْوَطْءُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَلَوْ عَزَمَ عَلَى الْوَطْءِ فَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ لَا تَسْتَقِرُّ الْكَفَّارَةُ إلَّا بِالْوَطْءِ وَلَا ظِهَارَ مِنْ أَمَتِهِ وَلَا أُمِّ وَلَدِهِ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ كَفَّارَةَ ظِهَارٍ وَيُتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا أَنْ تَحْرُمَ عَلَيْهِ حَتَّى يُكَفِّرَ كَأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لَوْ قَالَ أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ وَأَوْلَى قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَلَوْ وَطِئَ فِي حَالِ جُنُونِهِ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ نَصَّ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الطَّلَاقِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ فَإِنْ تَوَجَّهَ فَرْقٌ وَإِلَّا كَانَ الْمَنْصُوصُ الْحِنْثَ فِي الْجُنُونِ مُطْلَقًا وَفِيهِ نَظَرٌ وَمَا يَخْرُجُ فِي الْكَفَّارَةِ الْمُطْلَقَةِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالشَّرْعِ بَلْ بِالْعُرْفِ قَدْرًا أَوْ نَوْعًا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ وَلَا تَمْلِيكٍ وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَقَارِبِ وَالْمَمْلُوكِ وَالضَّيْفِ وَالْأَجِيرِ الْمُسْتَأْجَرِ بِطَعَامِهِ وَالْإِدَامُ يَجِبُ إنْ كَانَ يُطْعِمُ أَهْلَهُ بِإِدَامٍ وَإِلَّا فَلَا وَعَادَةُ النَّاسِ تَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ فِي الرُّخْصِ وَالْغَلَاءِ وَالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَتَخْتَلِفُ بِالشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.
وَالْوَاجِبَاتُ الْمُقَدَّرَاتُ فِي الشَّرْعِ مِنْ الصَّدَقَاتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ تَارَةً تُقَدَّرُ الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ وَلَا يُقَدَّرُ مَنْ يُعْطَاهَا كَالزَّكَاةِ وَتَارَةً يُقَدَّرُ الْمُعْطَى وَلَا يُقَدَّرُ الْمَالُ كَالْكَفَّارَاتِ وَتَارَةً يُقَدَّرُ هَذَا وَهَذَا كَفِدْيَةِ الْأَذَى وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ هُوَ الْمَالُ فَقُدِّرَ الْمَالُ الْوَاجِبُ وَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ فَسَبَبُهَا فِعْلُ بَدَلِهِ كَالْجِمَاعِ وَالْيَمِينِ وَالظِّهَارِ فَقُدِّرَ فِيهَا الْمُعْطَى كَمَا قُدِّرَ الْعِتْقُ وَالصِّيَامُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ فِيهِ بَدَنٌ وَمَالٌ فَعِبَادَتُهُ بَدَنِيَّةٌ وَمَالِيَّةٌ فَلِهَذَا قُدِّرَ فِيهِ هَذَا وَهَذَا.
стр. 2406
[كِتَابُ اللِّعَانِ]
ِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ الزَّوْجُ فِي أَيْمَانِهِ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهُ كَمَا إذَا اقْتَصَرَ الزَّوْجُ فِي النِّكَاحِ عَلَى قَوْلِهِ: قَبِلْت وَإِذَا جَوَّزْنَا إبْدَالَ لَفْظِ الشَّهَادَةِ وَالسَّخَطِ وَاللَّعْنِ فَلَأَنْ تُجَوِّزَهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ أَوْلَى وَإِنْ لَاعَنَ الزَّوْجُ وَامْتَنَعَتْ الزَّوْجَةُ عَنْ اللِّعَانِ حَدَثَ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَفْظُهُ عَلَّقَ هَلْ هِيَ صَرِيحٌ أَوْ تَعْرِيضٌ. اخْتَلَفَ فِيهِ كَلَامُ أَبِي الْعَبَّاسِ.
وَلَوْ شَتَمَ شَخْصًا فَقَالَ: أَنْت مَلْعُونٌ وَلَدُ زِنًا وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ أَنَّ الْمَشْتُومَ فِعْلُهُ كَفِعْلِ الْخَبِيثِ أَوْ كَفِعْلِ وَلَدِ الزِّنَا وَلَا يُحَدُّ الْقَذْفَ إلَّا بِالطَّلَبِ إجْمَاعًا،
وَالْقَاذِفُ إذَا تَابَ قَبْلَ عِلْمِ الْمَقْذُوفِ هَلْ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إنْ عَلِمَ بِهِ الْمَقْذُوفُ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ وَإِلَّا صَحَّتْ وَدَعَا لَهُ وَاسْتَغْفَرَ وَعَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَجِبُ لَهُ الِاعْتِرَافُ لَوْ سَأَلَهُ فَعَرَضَ وَلَوْ مَعَ اسْتِحْلَافِهِ لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ وَتَصِحُّ تَوْبَتُهُ وَفِي تَجْوِيزِ التَّصْرِيحِ بِالْكَذِبِ الْمُبَاحِ هَاهُنَا نَظَرٌ وَمَعَ عَدَمِ تَوْبَتِهِ وَإِحْسَانِ تَعْرِيضِهِ كَذِبٌ وَيَمِينُهُ غَمُوسٌ وَاخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا لَا يَعْلَمُهُ بَلْ يَدْعُو لَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَظْلِمَتِهِ وَزِنَاهُ بِزَوْجَةِ غَيْرِهِ كَغَيْبَتِهِ، وَوَلَدُ الزِّنَا مَظِنَّةُ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا خَبِيثًا كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا وَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 2407
[بَابُ مَا يُلْحَقُ مِنْ النَّسَبِ]
ِ وَلَا تَصِيرُ الزَّوْجَةُ فِرَاشًا إلَّا بِالدُّخُولِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَتَتَبَعَّضُ الْأَحْكَامُ لِقَوْلِهِ: " احْتَجِبِي يَا سَوْدَةُ " وَعَلَيْهِ نُصُوصُ أَحْمَدَ وَإِنْ اسْتَلْحَقَ وَلَدَهُ مِنْ الزِّنَا وَلَا فِرَاشَ لَحِقَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَلَوْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ أَوْ شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ نَوْعِ هَذَا بَلْ هَذَا رُومِيٌّ وَهَذَا فَارِسِيٌّ فَهَذَا فِي وَجْهِ نَسَبِهِ تَعَارَضَ الْقَافَةُ أَوْ الْبَيِّنَةُ وَمِنْ وَجْهِ كِبَرِ السِّنِّ فَهَذَا الْمُعَارِضُ الْبَاقِي لِلنَّسَبِ هَلْ يَقْدَحُ فِي الْمُقْتَضِي لَهُ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ حَدَثَتْ وَسُئِلْت عَنْهَا وَكَانَ الْجَوَابُ أَنَّ التَّغَايُرَ بَيْنَهُمَا إنْ أَوْجَبَ الْقَطْعَ بِعَدَمِ النَّسَبِ فَهُوَ كَالسِّنِّ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا حَبَشِيًّا وَالْآخَرُ رُومِيًّا وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهُنَا يَنْتَفِي النَّسَبُ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا مُحْتَمَلًا لَمْ يَنْفِهِ لَكِنْ إنْ كَانَ الْمُقْتَضِي لِلنَّسَبِ الْفِرَاشَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى الْمُعَارَضَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُثْبِتُ لَهُ مُجَرَّدَ الْإِقْرَارِ أَوْ الْبَيِّنَةِ فَاخْتِلَافُ الْجِنْسِ مُعَارِضٌ ظَاهِرٌ فَإِنْ كَانَ النَّسَبُ بُنُوَّةً فَثُبُوتُهَا أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهَا إذْ لَا بُدَّ لِلِابْنِ مِنْ أَبٍ غَالِبًا وَظَاهِرًا قَالَ فِي الْكَافِي وَلَوْ أَنْكَرَ الْمَجْنُونُ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُقْبَلَ لِأَنَّهُ إيجَابُ حَقٍّ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ غَيْرِهِ مَعَ مُنَازَعَتِهِ كَمَا لَوْ حَكَمْنَا لِلَّقِيطِ بِالْحُرِّيَّةِ فَإِذَا بَلَغَ فَأَقَرَّ بِالرِّقِّ قَبِلْنَا إقْرَارَهُ وَلَوْ أَدْخَلَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا أَمَتَهَا إنْ ظَنَّ جَوَازَهُ لَحِقَهُ الْوَلَدُ وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ وَيَكُونُ حَرَامًا عَلَى الصَّحِيحِ إنْ ظَنَّ حِلَّهَا بِذَلِكَ وَإِذَا وَطِئَ الْمُرْتَهَنُ الْأَمَةَ الْمَرْهُونَةَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، وَظَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ لَحِقَهُ الْوَلَدُ وَانْعَقَدَ حُرًّا وَإِذَا تَدَاعَيَا بَهِيمَةً أَوْ فَصِيلًا فَشَهِدَ الْقَائِفُ أَنَّ دَابَّةَ هَذَا تُنْتِجُهَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَتُقَدَّمُ عَلَى الْيَدِ الْحِسِّيَّةِ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْقِيَافَةِ فِي الْأَمْوَالِ كُلِّهَا كَمَا حَكَمْنَا بِذَلِكَ فِي الْجِذْعِ وَالْمَقْلُوعِ إذَا كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ فِي الدَّارِ وَكَمَا حَكَمْنَا فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الْيَدِ الْحِسِّيَّةِ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ الْيَدِ الْعُرْفِيَّةِ فَأَعْطَيْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ
стр. 2408
الزَّوْجَيْنِ مَا يُنَاسِبُهُ فِي الْعَادَةِ وَكُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّانِعِينَ مَا يُنَاسِبُهُ.
وَكَمَا حَكَمْنَا بِالْوَصْفِ فِي اللُّقَطَةِ إذَا تَدَاعَاهَا اثْنَانِ وَهَذَا نَوْعُ قِيَافَةٍ أَوْ شَبِيهٍ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَنَازَعَا غِرَاسًا أَوْ تَمْرًا فِي أَيْدِيهِمَا فَشَهِدَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْبُسْتَانِ وَيُرْجَعُ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ حَيْثُ يَسْتَوِي الْمُتَدَاعِيَانِ كَمَا رُجِعَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِالنَّسَبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ لِبَاسًا أَوْ بَغْلًا مِنْ لِبَاسِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ أَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً تَذْهَبُ مِنْ بَعِيدٍ إلَى إصْطَبْلِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ أَوْ تَنَازَعَا زَوْجَ خُفٍّ أَوْ مِصْرَاعٍ مَعَ الْآخَرِ شَكْلُهُ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ لِأَحَدِهِمَا كَالزُّرْبُولِ الَّتِي لِلْجُنْدِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعِي فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ فِي يَدِ ثَالِثٍ.
أَمَّا إنْ كَانَتْ الْيَدُ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَالْقِيَافَةُ الْمُعَارِضَةُ لِهَذَا كَالْقِيَافَةِ الْمُعَارِضَةِ لِلْفِرَاشِ فَإِذَا قُلْنَا بِتَقْدِيمِ الْقِيَافَةِ فِي صُورَةِ الرُّجْحَانِ فَقَدْ نَقُولُ هَاهُنَا كَذَلِكَ، وَمِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ ذَهَبَ مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ وَيَثْبُتُ ذَلِكَ فَيَقُصُّ الْقَائِفُ أَثَرَ الْوَطْءِ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان آخَرَ فَشَهَادَةُ الْقَائِفِ أَنَّ الْمَالَ دَخَلَ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ تُوجِبُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ إمَّا الْحَاكِمَ بِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِهِ مَعَ الْيَمِينِ لِلْمُدَّعِي وَهُوَ الْأَقْرَبُ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَمَارَةَ تُرَجِّحُ جَانِبَ الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ مَشْرُوعَةٌ فِي أَقْوَى الْجَانِبَيْنِ وَلَوْ مَاتَ الطِّفْلُ قَبْلَ أَنْ تَرَاهُ الْقَافَةُ
قَالَ الْمُزَنِيّ: يُوقَفُ مَالُهُ وَمَا قَالَهُ ضَعِيفٌ وَإِنَّمَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لِلْقُرْعَةِ وَيَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرِثَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
стр. 2409
[كِتَابُ الْعِدَدِ]
ِ وَيُتَوَجَّهُ فِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا إذَا كَانَ الْحُرُّ يَلِيهَا أَنْ لَا تَجِبَ الْأَقْرَاءُ فَإِنَّ تَكْمِيلَ الْقُرُوءِ مِنْ الْأَمَةِ إنَّمَا كَانَ لِلضَّرُورَةِ فَيُؤْخَذُ لِلْمُعْتَقِ بَعْضُهَا بِحِسَابِ الْأَصْلِ وَيُكَمَّلُ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَإِذَا ادَّعَتْ الْمُعْتَدَّةُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِالْأَقْرَاءِ أَوْ الْوِلَادَةِ قُبِلَ قَوْلِهَا إذَا كَانَ مُمْكِنًا إلَّا أَنْ تَدَّعِيَهُ بِالْحَيْضِ فِي شَهْرٍ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَبِلَهُ الْخِرَقِيِّ مُطْلَقًا.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ أَنَّهَا إذَا ادَّعَتْ مَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ كُلِّفَتْ الْبَيِّنَةَ وَإِذَا أَوْجَبْنَا عَلَيْهَا الْبَيِّنَةَ فِيمَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِحَيْضِهَا فَقَالَتْ حِضْت فَإِنَّ التُّهْمَةَ فِي الْخَلَاصِ مِنْ الْعِدَّةِ كَالتُّهْمَةِ فِي الْخَلَاصِ مِنْ النِّكَاحِ فَيُتَوَجَّهُ أَنَّهَا إذَا ادَّعَتْ الِانْقِضَاءَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ كُلِّفَتْ الْبَيِّنَةَ وَإِنْ ادَّعَتْ الِانْقِضَاءَ بِالْوِلَادَةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ ادَّعَتْ أَنَّهَا وَلَدَتْ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ فِيمَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الْوِلَادَةِ وَفِيهَا وَجْهَانِ وَإِذَا أَقَرَّ الزَّوْجُ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ مِنْ مُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى الْعِدَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ فَاسِقًا أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ الَّتِي فِيهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ عَدْلًا غَيْرَ مُتَّهَمٍ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ غَائِبًا فَلَمَّا حَضَرَ أَخْبَرَهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا مِنْ مُدَّةِ كَذَا وَكَذَا. فَهَلْ الْعِدَّةُ حِينَ بَلَغَهَا الْخَبَرُ إذْ لَمْ تَقُمْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ أَوْ مِنْ حِينِ الطَّلَاقِ؟ كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ هُوَ الثَّانِي.
وَالصَّوَابُ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَهُوَ أَنَّهَا تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهِيَ زَوْجَةُ الثَّانِي ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا ثُمَّ إذَا قَدِمَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ بَعْدَ تَزَوُّجِهَا خُيِّرَ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَبَيْنَ مَهْرِهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَعَلَى الْأَصَحِّ لَا يُعْتَبَرُ الْحَاكِمُ فَلَوْ مَضَتْ الْمُدَّةُ وَالْعِدَّةُ تَزَوَّجَتْ بِلَا حُكْمٍ.
стр. 2410
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَكُنْت أَقُولُ إنَّ هَذَا شَبَهُ اللُّقَطَةِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ عَقِيلٍ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ وَمِثْلَ ذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَجْهُولَ فِي الشَّرْعِ كَالْمَعْدُومِ وَإِذَا عُلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ التَّصَرُّفُ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَوْقُوفًا عَلَى إذْنِهِ وَوَقْفُ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ عَلَى إذْنِهِ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ عِنْدَنَا بِلَا نِزَاعٍ وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ كَمَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي اللُّقَطَةِ بِعَدَمِ الْعِلْمِ لِصَاحِبِهَا فَإِذَا جَاءَ الْمَالِكُ كَانَ تَصَرُّفُ الْمُلْتَقِطِ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهِ وَكَانَ تَرَبُّصُ أَرْبَعِ سِنِينَ كَالْحَوْلِ فِي اللُّقَطَةِ وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ صُورَةٍ فُرِّقَ فِيهَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ بِسَبَبٍ يُوجِبُ الْفُرْقَةَ ثُمَّ تَبَيَّنَ انْتِفَاءُ ذَلِكَ السَّبَبِ فَهُوَ شَبِيهُ الْمَفْقُودِ، وَالتَّخْيِيرُ فِيهِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالْمَهْرِ هُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ.
وَلَوْ ظَنَّتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ فَهُوَ كَمَا لَوْ ظَنَّتْ مَوْتَهُ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهَا كَتَمَتْ الزَّوْجَ فَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ الْأَوَّلُ حَتَّى دَخَلَ بِهَا الثَّانِي فَهُنَا الزَّوْجَانِ مَشْهُورَانِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ لَكِنْ إذَا اعْتَقَدَتْ جَوَازَ ذَلِكَ بِأَنْ تَعْتَقِدَ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ حَقِّهَا أَوْ مُفَرِّطٌ فِيهِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْفَسْخُ وَالتَّزْوِيجُ بِغَيْرِهِ فَتُشْبِهُ امْرَأَةَ الْمَفْقُودِ، وَأَمَّا إذَا عَلِمَتْ التَّحْرِيمَ فَهِيَ زَانِيَةٌ لَكِنَّ الْمُتَزَوِّجَ بِهَا كَالْمُتَزَوِّجِ بِامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ وَكَأَنَّهَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا فَأَجَازَهُ وَإِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ امْرَأَتَيْهِ مُبْهَمَةً وَمَاتَ قَبْلَ الْإِقْرَاعِ فَأَحَدُهُمَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَالْأُخْرَى عِدَّةُ الطَّلَاقِ فَالْأَظْهَرُ هُنَا وُجُوبُ الْعِدَّتَيْنِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَالْوَاجِبُ أَنَّ الشُّبْهَةَ إنْ كَانَتْ شُبْهَةَ نِكَاحٍ فَتَعْتَدُّ الْمَوْطُوءَةُ عِدَّةَ الْمُزَوَّجَةِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً وَإِنْ كَانَتْ شُبْهَةَ مِلْكٍ فَعِدَّةُ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَاةِ، وَأَمَّا الزِّنَا فَالْعِبْرَةُ بِالْمَحَلِّ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ - فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْمَذْهَبِ وَتَعْتَدُّ الْمَزْنِيُّ بِهَا بِحَيْضَةٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَالْمُخْتَلِعَةُ يَكْفِيهَا الِاعْتِدَادُ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَمَذْهَبُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَغَيْرِهِ وَالْمَفْسُوخُ نِكَاحُهَا كَذَلِكَ وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ.
قُلْت: عَلَّقَ أَبُو الْعَبَّاسِ مِنْ " الْفَوَائِدِ " بِذَلِكَ عَنْ ابْنِ اللَّبَّانِ وَمَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا وَلَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ إنْ عَلِمَتْ عَدَمَ عَوْدِهِ فَتَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بِسَنَةٍ وَالْمُطَلَّقَةُ الْبَائِنُ وَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهَا إنْ شَاءَ أَسْكَنَهَا فِي مَسْكَنِهِ وَغَيْرِهِ إنْ صَلُحَ لَهَا وَلَا مَحْذُورَ تَحْصِينًا لِمَائِهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا فَلَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ أَوْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَجِبُ
стр. 2411
عَلَى الْوَاطِئِ نَفَقَتُهَا إنْ قُلْنَا بِالنَّفَقَةِ لَهَا إلَّا أَنْ يُسْكِنَهَا فِي مَنْزِلٍ يَلِيقُ بِهَا تَحْصِينًا لِمَائِهِ فَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ وَتَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي الِاسْتِبْرَاءِ]
ِ وَلَا يَجِبُ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ الْبِكْرِ سَوَاءٌ كَانَتْ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَاخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْأَشْبَهُ وَلَا مَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ رَجُلٍ صَادِقٍ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْ أَوْ وَطِئَ وَاسْتَبْرَأَ انْتَهَى.
стр. 2412
[كِتَابُ الرَّضَاعِ]
ِ وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَعْرُوفَةً بِالصِّدْقِ وَذَكَرَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْ طِفْلًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ قُبِلَ قَوْلُهَا وَيَثْبُتُ حُكْمُ الرَّضَاعِ عَلَى الصَّحِيحِ وَرَضَاعُ الْكَبِيرَةِ تَنْتَشِرُ بِهِ الْحُرْمَةُ بِحَيْثُ لَا يَحْتَشِمُونَ مِنْهُ لِلْحَاجَةِ لِقِصَّةِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ وَعَطَاءٍ وَاللَّيْثِ وَدَاوُد مِمَّنْ يَرَى أَنَّهُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةُ مُطْلَقًا وَالِارْتِضَاعُ بَعْدَ الْفِطَامِ لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ وَإِنْ كَانَ دُونَ الْحَوْلِ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ.
وَإِذَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ فَحُكْمُ الْمُرْتَضِعِ مِنْ لَبَنِهَا حُكْمُ وَلَدِهَا مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ وَأَوْلَادِهِمَا فَإِنْ لَمْ يُلْحَقْ بِأَحَدِهِمَا، فَالْوَاجِبُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى أَوْلَادِهِمَا لِأَنَّهُ أَخٌ لِأَحَدِ الصِّنْفَيْنِ وَقَدْ اشْتَبَهَ أَوْ يُقَالُ كَمَا قِيلَ فِي الطَّلَاقِ بِحِلٍّ مِنْهُمَا فَإِنَّ الِاشْتِبَاهَ فِي حَقِّ اثْنَيْنِ لَا وَاحِدٍ.
стр. 2413
[كِتَابُ النَّفَقَاتِ]
ِ وَعَلَى الْوَلَدِ الْمُوسِرِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَبِيهِ الْمُعْسِرِ وَزَوْجَةِ أَبِيهِ وَعَلَى إخْوَتِهِ الصِّغَارِ وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ تَمْلِيكُ الزَّوْجَةِ النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ بَلْ يُنْفِقُ وَيَكْسُو بِحَسَبِ الْعَادَةِ لِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّ حَقَّهَا عَلَيْك أَنْ تُطْعِمَهَا إذَا طَعِمْت وَتَكْسُوَهَا إذَا اكْتَسَيْت» كَمَا قَالَ ﵇ فِي الْمَمْلُوكِ، ثُمَّ الْمَمْلُوك لَا يَجِبُ لَهُ التَّمْلِيكُ إجْمَاعًا وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ يُمْلَكُ بِالتَّمْلِيكِ، وَيَتَخَرَّجُ هَذَا أَيْضًا مِنْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْفَقِيرِ بَلْ هُنَا أَوْلَى لِلْعُسْرِ وَالْمَشَقَّةِ. وَإِذَا انْقَضَتْ السَّنَةُ وَالْكُسْوَةُ صَحِيحَةٌ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: عَلَيْهِ كُسْوَةُ السَّنَةِ الْأُخْرَى، وَذَكَرُوا احْتِمَالًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ عِنْدَنَا فَإِذَا كَفَتْهَا الْكُسْوَةُ عِدَّةَ سِنِينَ، لَمْ يَجِبْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُتَوَجَّهُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا مُقَدَّرَةً وَكَذَلِكَ عَلَى قِيَاسِ هَذَا لَوْ اسْتَبْقَتْ مِنْ نَفَقَةِ أَمْسِ لِلْيَوْمِ وَذَلِكَ أَنَّهَا وَإِنْ وَجَبَتْ مُعَاوَضَةٌ فَالْعِوَضُ الْآخَرُ لَا يُشْتَرَطُ الِاسْتِبْقَاءُ فِيهِ وَلَا التَّمْلِيكُ بَلْ التَّمْكِينُ مِنْ الِانْتِفَاعِ فَكَذَلِكَ عِوَضُهُ وَنَظِيرُ هَذَا الْأَجِيرِ بِطَعَامِهِ وَكُسْوَتِهِ وَيُتَوَجَّهُ عَلَى مَا قُلْنَا: إنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الزَّوْجَةَ إذَا اقْتَضَتْ النَّفَقَةَ ثُمَّ تَلِفَتْ أَوْ سُرِقَتْ أَنَّهُ يَلْزَمُ الزَّوْجَ عِوَضُهَا وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِنَا فِي الْحَاجِّ عَنْ الْغَيْرِ إذَا كَانَ مَا أَخَذَهُ نَفَقَةً تَلِفَ فَإِنَّهُ يَتْلَفُ مِنْ ضَمَانِ مَالِكِهِ قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَلَوْ أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ غَائِبٌ فَتَبَيَّنَ مَوْتُهُ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَعَلَى قِيَاسِهِ كُلُّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ شَيْءٌ وَزَالَتْ الْإِبَاحَةُ بِفِعْلِ اللَّهِ أَوْ بِفِعْلِ الْمُبِيحِ كَالْمُعِيرِ إذَا مَاتَ أَوْ رَجَعَ وَالْمَانِحُ وَأَهْلُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ
стр. 2414
الْجَدَّ هَاهُنَا إذَا طَلَّقَ فَلَعَلَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ فَإِنَّ التَّفْرِيطَ فِي الطَّلَاقِ مِنْهُ، وَالْقَوْلُ فِي دَفْعِ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ قَوْلُ مَنْ شَهِدَ لَهُ الْعُرْفُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَيُخَرَّجُ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ فِي تَقْدِيمِهِ الظَّاهِرَ عَلَى الْأَصْلِ وَعَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قَصِيدَةٍ وَوُجِدَتْ حَافِظَةً لَهَا، وَقَالَتْ تَعَلَّمْتهَا مِنْ غَيْرِهِ. قَالَ بَلْ مِنِّي إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ وَإِذَا خَلَا بِزَوْجَتِهِ اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ عَلَيْهِ وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ عَدَمَ عِلْمِهِ بِهَا وَلَوْ كَانَ أَعْمَى نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَدْ قُدِّمَتْ هُنَا الْعَادَةُ عَلَى الْأَصْلِ.
فَكَذَا دَعْوَاهُ الْإِنْفَاقَ فَإِنَّ الْعَادَةَ هُنَاكَ أَقْوَى وَلَوْ أَنْفَقَ الزَّوْجُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَكَسَاهَا مُدَّةً ثُمَّ ادَّعَى الْوَلِيُّ عَدَمَ إذْنِهِ وَأَنَّهَا تَحْتَ حِجْرِهِ لَمْ يُسْمَعْ قَوْلُهُ إذَا كَانَ الزَّوْجُ قَدْ تَسَلَّمَهَا التَّسْلِيمَ الشَّرْعِيَّ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ وَخَالَفَ فِيهِ شُذُوذٌ مِنْ النَّاسِ وَإِقْرَارُ الْوَلِيِّ لَهَا عِنْدَهُ مَعَ حَاجَتِهَا إلَى النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ إذْنٌ عُرْفِيٌّ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا مِنْ الصُّوَرِ الْمُسْقِطَةِ لِنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ صَوْمَ النَّذْرِ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ وَالصَّوْمَ لِلْكَفَّارَةِ وَقَضَاءَ رَمَضَانَ قَبْلَ ضِيقِ وَقْتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي إذْنِهِ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: قَضَاءُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ عِنْدَنَا عَلَى الْفَوْرِ فَهُوَ كَالْمُعَيَّنِ، وَصَوْمُ الْقَضَاءِ يُشْبِهُ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ يَنْبَغِي فِي جَمِيعِ صُوَرِ الصَّوْمِ أَنْ تَسْقُطَ نَفَقَةُ النَّهَارِ فَقَطْ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا تَنْشِزُ يَوْمًا وَتَجِيءُ يَوْمًا فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا كَمَا قِيلَ فِي الْإِجَارَةِ إنَّ مَنْعَ تَسْلِيمِ بَعْضِ الْمَنْفَعَةِ يُسْقِطُ الْجَمِيعَ إذْ مَا مَضَى مِنْ النَّفَقَةِ لَا يَسْقُطُ وَلَوْ أَطَاعَتْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ اسْتَحَقَّتْ وَالزَّوْجَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى إلَّا إذَا كَانَتْ حَامِلًا فَرِوَايَتَانِ وَإِذَا لَمْ تُوجِبْ النَّفَقَةَ فِي التَّرِكَةِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ لَهَا النَّفَقَةُ فِي مَالِ الْحَمْلِ أَوْ فِي مَالِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ إذَا قُلْنَا تَجِبُ لِلْحَمْلِ كَمَا تَجِبُ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فِي مَوْضِعٍ آخَرَ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى تَجِبُ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا فِي عِدَّتِهَا وَيُشْتَرَطُ فِيهَا مَقَامُهَا فِي بَيْتِ الزَّوْجِ فَإِنْ خَرَجَتْ فَلَا جُنَاحَ إذَا كَانَ أَصْلَحَ لَهَا، وَالْمُطَلَّقَةُ الْبَائِنُ الْحَامِلُ يَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ وَلِلْحَمْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ وَلَهَا وَلَدٌ فَغَضِبَ الْوَلَدُ، وَذَهَبَتْ بِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ
стр. 2415
تُطَالِبَ الْأَبَ بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ.
وَإِرْضَاعُ الطِّفْلِ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمِّ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مَعَ الزَّوْجِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ وَلَا تَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ زِيَادَةً عَلَى نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَقَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَلَمْ يُوجِبْ لَهُنَّ إلَّا الْكِسْوَةَ وَالنَّفَقَةَ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ الْوَاجِبُ بِالزَّوْجِيَّةِ وَمَا عَسَاهُ يَتَجَرَّدُ مِنْ زِيَادَةٍ خَاصَّةٍ لِلْمُرْتَضِعِ كَمَا قَالَ فِي الْحَامِلِ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] . فَدَخَلَتْ نَفَقَةُ الْوَلَدِ فِي نَفَقَةِ أُمِّهِ لِأَنَّهُ يَتَغَذَّى بِهَا.
وَكَذَلِكَ الْمُرْتَضِعُ وَتَكُونُ النَّفَقَةُ هُنَا وَاجِبَةً بِشَيْئَيْنِ حَتَّى لَوْ سَقَطَ الْوُجُوبُ فَأَحَدُهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ. كَمَا لَوْ نَشَزَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ لِلْإِرْضَاعِ لَا لِلزَّوْجِيَّةِ.
فَأَمَّا إذَا كَانَتْ بَائِنًا وَأَرْضَعَتْ لَهُ وَلَدَهُ فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّ أَجْرَهَا بِلَا رَيْبٍ. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَهَذَا الْأَجْرُ هُوَ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ.
وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ قَلِيلَةَ اللَّبَنِ وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَلَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ مُرْضِعَةً لِوَلَدِهِ وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا فَرْضَ لِلْمَرْأَةِ بِسَبَبِ الْوَلَدِ وَلَهَا حَضَانَتُهُ، وَيَجِبُ عَلَى الْقَرِيبِ افْتِكَاكُ قَرِيبِهِ مِنْ الْأَسْرِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ اسْتِنْقَاذُهُ مِنْ الرِّقِّ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِ الْعَقْلِ.
وَتَجِبُ النَّفَقَةُ لِكُلِّ وَارِثٍ وَلَوْ كَانَ مُقَاطِعًا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّهُ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ وَهُوَ عَامٌّ كَعُمُومِ الْمِيرَاثِ فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَالْأَوْجَهُ وُجُوبُهَا مُرَتَّبًا وَإِنْ كَانَ الْمُوسِرُ الْقَرِيبُ مُمْتَنِعًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمُعْسِرِ كَمَا لَوْ كَانَ لِلرَّجُلِ مَالٌ وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لِغَصْبٍ أَوْ بُعْدٍ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ هُنَا الْقَرْضُ رَجَاءَ الِاسْتِرْجَاعِ وَعَلَى هَذَا فَمَتَى وَجَبَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَرْضُ إذَا كَانَ لَهُ وَفَاءٌ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا فِي أَبٍ وَابْنٍ الْقِيَاسَ أَنَّ عَلَى الْأَبِ
стр. 2416
السُّدُسَ إلَّا أَنَّ الْأَصْحَابَ تَرَكُوا الْقِيَاسَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْآيَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الرَّضِيعِ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ مَنْ لَهُ ابْنٌ يَبْعُدُ أَنْ لَا تَكُونَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ بَلْ تَكُونَ عَلَى الْأَبِ فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَهَذَا جَيِّدٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ حَيْثُ ذَكَرَ فِي التَّذْكِرَةِ أَنَّ الْوَلَدَ يَنْفَرِدُ بِنَفَقَةِ وَالِدَيْهِ.
[بَابُ الْحَضَانَةِ]
ِ لَا حَضَانَةَ إلَّا لِرَجُلٍ مِنْ الْعَصَبَةِ أَوْ لِامْرَأَةٍ وَارِثَةٍ أَوْ مُدْلِيَةٍ بِعَصَبَةٍ أَوْ بِوَارِثٍ فَإِنْ عَدِمُوا فَالْحَاكِمُ وَقِيلَ: إنْ عَدِمُوا ثَبَتَتْ لِمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْأَقَارِبِ ثُمَّ لِلْحَاكِمِ وَيُتَوَجَّهُ عِنْدَ الْعَدَمِ أَنْ تَكُونَ لِمَنْ سَبَقَتْ إلَيْهِ الْيَدُ كَاللَّقِيطَةِ فَإِنَّ كُفَّالَ الْيَتَامَى لَمْ يَكُونُوا يَسْتَأْذِنُونَ الْحَاكِمَ وَالْوَجْهُ أَنْ يَتَرَدَّدَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمِيرَاثِ وَالْمَالِ، وَالْعَمَّةُ أَحَقُّ مِنْ الْخَالَةِ، وَكَذَا نِسَاءُ الْأَبِ أَحَقُّ يُقَدَّمْنَ عَلَى نِسَاءِ الْأُمِّ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لِلْأَبِ، وَكَذَا أَقَارِبُهُ وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ لِأَنَّهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهَا هُنَا فِي مَصْلَحَةِ الطِّفْلِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الشَّارِعُ ﵇ خَالَةَ بِنْتِ حَمْزَةَ عَلَى عَمَّتِهَا صَفِيَّةَ لِأَنَّ صَفِيَّةَ لَمْ تَطْلُبْ وَجَعْفَرٌ طَلَب نَائِبًا عَنْ خَالَتِهَا فَقَضَى لَهَا بِهَا فِي غَيْبَتِهَا وَضَعْفُ الْبَصَرِ يَمْنَعُ مِنْ كَمَالِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَحْضُونُ مِنْ الْمَصَالِحِ.
وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ فَلَا حَضَانَةَ لَهَا وَعَلَى عَصَبَةِ الْمَرْأَةِ مَنْعُهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فَإِنْ لَمْ تَمْتَنِعْ إلَّا بِالْحَبْسِ حَبَسُوهَا وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى الْقَيْدِ قَيَّدُوهَا. وَمَا يَنْبَغِي لِلْمَوْلُودِ أَنْ يَضْرِبَ أُمَّهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ مُقَاطَعَتُهَا بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُ مِنْ السُّوءِ بَلْ يُلَاحِظُونَهَا بِحَسَبِ قُدْرَتِهِمْ وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى رِزْقٍ وَكِسْوَةٍ كَسَوْهَا وَلَيْسَ لَهُمْ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2417
[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ]
ِ الْعُقُوبَاتُ الشَّرْعِيَّةُ إنَّمَا شُرِعَتْ رَحْمَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ فَهِيَ صَادِرَةٌ عَنْ رَحْمَةِ الْخَلْقِ وَإِرَادَةِ الْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ يُعَاقِبُ النَّاسَ عَلَى ذُنُوبِهِمْ أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْإِحْسَانَ إلَيْهِمْ وَالرَّحْمَةَ لَهُمْ كَمَا يَقْصِدُ الْوَالِدُ تَأْدِيبَ وَلَدِهِ وَكَمَا يَقْصِدُ الطَّبِيبُ مُعَالَجَةَ الْمَرِيضِ.
وَتَوْبَةُ الْقَاتِلِ لِلنَّفْسِ عَمْدًا مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا تُقْبَلُ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ وَإِذَا اُقْتُصَّ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا فَهَلْ لِلْمَقْتُولِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فِي الْآخِرَةِ فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ بَعْدَ الْجَرْحِ أَوْ بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ مَانِعَةً مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا مِنْ صُوَرِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْقَوَدِ مَنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِالرِّدَّةِ فَقُتِلَ بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعُوا وَقَالُوا عَمَدْنَا قَتْلَهُ.
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ إنَّمَا يُقْتَلُ إذَا لَمْ يَتُبْ فَيُمْكِنُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ كَمَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ إذَا أُلْقِيَ فِي الْغَارِ.
وَالدَّوْلُ عَلَى مَنْ يُقْتَلُ بِغَيْرِ حَقٍّ يَلْزَمُهُ الْقَوَدُ وَالدِّيَةُ إذَا تَعَمَّدَ، وَإِمْسَاكُ الْحَيَّاتِ جِنَايَةٌ مُحَرَّمَةٌ قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ "
: لَوْ أَمَرَ بِهِ يَعْنِي الْقَتْلَ سُلْطَانٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٍ ظُلْمًا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ظُلْمَهُ فِيهِ فَقَتَلَهُ فَالْقَوَدُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْآمِرِ خَاصَّةً.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: هَذَا بِنَاءٌ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ السُّلْطَانِ فِي الْقَتْلِ الْمَجْهُولِ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَا يُطَاعُ حَتَّى يَعْلَمَ جَوَازَ قَتْلِهِ وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الطَّاعَةُ لَهُ مَعْصِيَةً لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالظُّلْمِ فَهُنَا الْجَهْلُ بِعَدَمِ الْحِلِّ كَالْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَأْمُورُ مِمَّنْ يُطِيعُهُ غَالِبًا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَتْلُ عَلَيْهِمَا وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْحَاكِمِ
стр. 2418
وَالشُّهُودُ سَبَبٌ يَقْتَضِي غَالِبًا فَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْمُكْرَهِ وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ إلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ غِيلَةً لِأَخْذِ مَالِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْعَبْدِ نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ كَمَا فِي الذِّمِّيِّ بَلْ أَجْوَدُ مَا رُوِيَ «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ» . وَهَذَا لِأَنَّهُ إذَا قَتَلَهُ ظُلْمًا كَانَ الْإِمَامُ وَلِيَّ دَمِهِ.
وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ وَالْآثَارِ أَنَّهُ إذَا مَثَّلَ بِعَبْدِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا وَقَتْلُهُ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الْمُثْلَةِ فَلَا يَمُوتُ إلَّا حُرًّا لَكِنَّ حُرِّيَّتَهُ لَمْ تَثْبُتْ حَالَ حَيَاتِهِ حَتَّى تَرِثَهُ عَصَبَتُهُ بَلْ حُرِّيَّتُهُ ثَبَتَتْ حُكْمًا وَهُوَ إذَا عَتَقَ كَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ الْإِمَامُ هُوَ وَلِيَّهُ فَلَهُ قَتْلُ قَاتِلِ عَبْدِهِ وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ: إنَّ قَاتِلَ عَبْدِ غَيْرِهِ لِسَيِّدِهِ قَتْلُهُ وَإِذَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحَ وَهَذَا قَوِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ كَالْحُرِّ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَلِمَاذَا لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ:
«الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» وَمَنْ قَالَ لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ يَقُولُ إنَّهُ لَا يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَاَللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] ، فَالْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ خَيْرٌ مِنْ الذِّمِّيِّ الْمُشْرِكِ فَكَيْفَ لَا يُقْتَلُ بِهِ وَالسُّنَّةُ إنَّمَا جَاءَتْ لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدٍ فَإِلْحَاقُ الْجَدِّ أَبِي الْأُمِّ بِذَلِكَ بَعِيدٌ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَرِثَ الْقَاتِلُ دَمًا مِنْ وَارِثٍ كَمَا لَا يَرِثُ هُوَ الْمَقْتُولَ وَهُوَ يُشْبِهُ حَدَّ الْقَذْفِ الْمُطَالَبَ بِهِ إذَا كَانَ الْقَاذِفُ هُوَ الْوَارِثَ أَوْ وَارِثَ الْوَارِثِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَتَلَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ أَبَاهُ وَالْآخَرُ أُمَّهُ وَهِيَ فِي زَوْجِيَّةِ الْأَبِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ قَتْلَ الْآخَرِ فَيَتَقَاصَّانِ لَا سِيَّمَا إذَا قِيلَ إنَّهُ مُسْتَحِقُّ الْقَوَدِ بِمِلْكٍ نَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ، إمَّا بِطَرِيقِ التَّوْكِيلِ بِلَا رَيْبٍ، وَإِمَّا بِالتَّمْلِيكِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ.
وَإِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ رَضِيَ بِالِاسْتِيفَاءِ أَوْ بِالذِّمَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ كَمَا لَوْ عَفَا وَعَلَيْهِ تُخَرَّجُ قِصَّةُ عَلِيٍّ إذَا لَمْ تُخَرَّجْ عَلَى كَوْنِهِ مُرْتَدًّا أَوْ مُفْسِدًا فِي الْأَرْضِ أَوْ قَاتِلٌ الْأَئِمَّةَ، وَإِذَا قَالَ أَنَا قَاتِلُ غُلَامِ زَيْدٍ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ إنْ كَانَ نَحْوِيًّا لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَحْوِيٍّ
стр. 2419
كَانَ مُقِرًّا كَمَا لَوْ قَالَهُ بِالْإِضَافَةِ، وَمَنْ رَأَى رَجُلًا يَفْجُرُ بِأَهْلِهِ جَازَ لَهُ قَتْلُهُمَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَاجِرُ مُحْصَنًا أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ أَمْ لَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَفَتَاوَى الصَّحَابَة وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ بَلْ هُوَ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُعْتَدِينَ الْمُؤْذِينَ.
وَأَمَّا إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَفْعَلْ بَعْدُ فَاحِشَةً وَلَكِنْ دَخَلَ لِأَجْلِ ذَلِكَ فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ وَالْأَحْوَطُ لِهَذَا أَنْ يَتُوبَ مِنْ الْقَتْلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَمَنْ طُلِبَ مِنْهُ الْفُجُورُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ الصَّائِلَ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالْقَتْلِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
فَإِنْ ادَّعَى الْقَاتِلُ أَنَّهُ صَالَ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ فَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ وَقَتَلَهُ فِي مَحَلٍّ لَا رِيبَةَ فِيهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ وَالْقَاتِلُ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ مَعَ يَمِينِهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالتَّعَرُّضِ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
[بَابُ اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ]
ُ وَالْجَمَاعَةُ الْمُشْتَرِكُونَ فِي اسْتِحْقَاقِ دَمِ الْمَقْتُولِ الْوَاحِدِ، إمَّا أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْضُ الِاسْتِيفَاءِ فَيَكُونُونَ كَالْمُشْتَرِكِينَ فِي عَقْدٍ أَوْ خُصُومَةٍ وَتَعْيِينُ الْإِمَامِ قَوِيٌّ كَمَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِمْ لِنِيَابَتِهِ عَنْ الْمُمْتَنِعِ.
وَالْقُرْعَةُ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي الْأَصْلِ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَحِقًّا أَوْ كَالْمُسْتَحِقِّ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَدَّمَ الْأَكْثَرُ حَقًّا أَوْ الْأَفْضَلُ لِقَوْلِهِ كَبِرَ وَكَالْأَوْلِيَاءِ فِي النِّكَاحِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا -: هُنَا مَنْ تَقَدَّمَ بِالْقُرْعَةِ قَدَّمَتْهُ وَلَمْ تَسْقُطْ حُقُوقُهُمْ وَيُتَوَجَّهُ إذَا قُلْنَا لَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَخْذُ الدِّيَةِ إلَّا بِرِضَا الْجَانِي أَنْ يَسْقُطَ حَقَّهُ بِمَوْتِهِ كَمَا لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ الْجَانِي أَوْ الْمَكْفُولُ بِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ثَوَابٍ وَأَبِي الْقَاسِمِ وَأَبِي طَالِبٍ وَيُتَوَجَّهُ ذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا لِوَاجِبِ الْقَوَدِ عَيْنًا أَوْ أَحَدِ شَيْئَيْنِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ عَدِيلُ الْعَفْوِ. فَأَمَّا الدِّيَةُ مَعَ الْهَلَاكِ فَلَا، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَاقَبَ الْمَجْنُونُ بِقَتْلٍ وَلَا قَطْعٍ لَكِنْ يُضْرَبُ عَلَى مَا فَعَلَ لِيُزْجَرَ. وَكَذَا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ يُعَاقَبُ عَلَى الْفَاحِشَةِ تَعْزِيرًا بَلِيغًا.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنْ وَجَبَ لِعَبْدٍ قِصَاصٌ أَوْ تَعْزِيرُ قَذْفٍ فَطَلَبُهُ وَإِسْقَاطُهُ إلَيْهِ دُونَ سَيِّدِهِ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَمْلِكَ إسْقَاطَهُ مَجَّانًا كَالْمُفْلِسِ وَالْوَرَثَةُ مَعَ الدُّيُونِ الْمُسْتَغْرِقَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْأَصْلُ فِي الْوَصِيِّ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَمْلِكَ السَّيِّدُ تَعْزِيرَ الْقَذْفِ إذَا مَاتَ الْعَبْدُ إلَّا إذَا طَالَبَ كَالْوَارِثِ وَيُفْعَلُ بِالْجَانِي عَلَى النَّفْسِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ
стр. 2420
مَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا فِي نَفْسِهِ أَوْ يَقْتُلَهُ بِالسَّيْفِ إنْ شَاءَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَلَوْ كَوَى شَخْصًا بِمِسْمَارٍ كَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَكْوِيَهُ مِثْلَ مَا كَوَاهُ إنْ أَمْكَنَ وَيَجْرِي الْقِصَاصُ فِي اللَّطْمَةِ وَالضَّرْبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعْدٍ الشَّالَنْجِيِّ وَلَا يُسْتَوْفَى الْقَوَدُ فِي الطُّرُقِ إلَّا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ وَمَنْ أَبْرَأَ جَانِيًا حُرًّا جِنَايَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ قُلْنَا تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَوْ تُحْمَلُ عَنْهُ ابْتِدَاءً أَوْ عَبْدًا إنْ قُلْنَا جِنَايَتُهُ فِي ذِمَّتِهِ مَعَ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ الصِّحَّةُ مُطْلَقًا وَهُوَ وَجْهٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ هَذَا اللَّفْظِ فِي عُرْفِ النَّاسِ الْعَفْوُ مُطْلَقًا وَالتَّصَرُّفَاتُ تُحْمَلُ مُوجِبَاتُهَا عَلَى عُرْفِ النَّاسِ فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الِاصْطِلَاحَاتِ
وَإِذَا عَفَا أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ عَنْ الْقَاتِلِ بِشَرْطِ أَلَّا يُقِيمَ فِي هَذَا الْبَلَدِ وَلَمْ يَفِ بِهَذَا الشَّرْطِ لَمْ يَكُنْ الْعَفْوُ لَازِمًا بَلْ لَهُمْ أَنْ يُطَالِبُوهُ بِالدِّيَةِ فِي قَوْلِ الْعُلَمَاءِ وَبِالدَّمِ فِي قَوْلٍ آخَرَ.
وَسَوَاءٌ قِيلَ هَذَا الشَّرْطُ صَحِيحٌ أَمْ فَاسِدٌ يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ أَمْ لَا. وَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ فِي قَتْلِ الْغَفْلَةِ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ كَالْقَتْلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَوِلَايَةِ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ لَيْسَتْ عَامَّةً لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ بَلْ تَخْتَصُّ بِالْعَصَبَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَتُخَرَّجُ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ
وَإِذَا اتَّفَقَ الْجَمَاعَةُ عَلَى قَتْلِ شَخْصٍ فَلِأَوْلِيَاءِ الدَّمِ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ وَلَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا بَعْضَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ الْقَاتِلِ فَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى وَاحِدٍ بِقَتْلِهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ وَيُحْكَمَ لَهُمْ بِالدَّمِ انْتَهَى.
следующие страницы →