Полный текст (3 138 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
الْإِنْسَانِ إلَى أَنْوَاعِهِ وَانْقِسَامِ جِنْسِ الْمَوْجُودِ إلَى الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ وَكَذَلِكَ جِنْسُ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِهِمَا إلَى الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ وَالتَّبْعِيضُ لَيْسَ هَذِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فِي الْعَالَمِ فَإِنَّ هَذَا نَفْيٌ لِلْقِسْمَةِ عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ وَذَاكَ نَفْيٌ لِلْقِسْمَةِ عَنْ كُلِّيٍّ لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ كُلِّيًّا بِحَالٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ إنْسَانٌ كُلِّيٌّ يَنْقَسِمُ، وَلَا وُجُودُ كُلٍّ يَنْقَسِمُ، وَلَا عِلْمٌ أَوْ كَلَامٌ كُلِّيٌّ يَنْقَسِمُ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ نَفْيَ هَذَا وَإِنْ قَصَدَ نَفْيَهُ فَهَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ عَاقِلٌ لَا فِي كَلَامِ الْمَخْلُوقِ وَلَا فِي كَلَامِ الْخَالِقِ فَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ كَلَامٌ كُلِّيٌّ هُوَ بِعَيْنِهِ يَنْقَسِمُ إلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ بَلْ إنْ كَانَ أَمْرًا لَمْ يَكُنْ نَهْيًا وَإِنْ كَانَ نَهْيًا لَمْ يَكُنْ أَمْرًا وَلِهَذَا يَجِبُ فِي الْكُلِّيِّ الْمَقْسُومِ أَنْ يُقَالَ اسْمُهُ عَلَى أَنْوَاعِهِ وَأَقْسَامِهِ فَيُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ إنْسَانًا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْكَلَامِ كَلَامًا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْعُلُومِ أَنَّهُ عِلْمٌ وَهَذَا الْفَرْقُ هُوَ الْفَرْقُ الَّذِي يَذْكُرُهُ النَّاسُ لِمُتَعَلِّمِ الْعَرَبِيَّةِ فِي أَوَّلِ التَّعْلِيمِ فَيَقُولُونَ مَنْ قَالَ الْكَلَامُ يَنْقَسِمُ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ فَإِنَّهُ يُرِيدُ قِسْمَةَ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ وَأَبْعَاضِهِ.
وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ تَقْسِيمَ الْجِنْسِ فَإِنَّهُ يَقُولُ الْكَلِمَةُ تَنْقَسِمُ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ فَإِنَّ الْجِنْسَ إذَا قُسِّمَ إلَى أَنْوَاعِهِ أَوْ أَشْخَاصِ أَنْوَاعِهِ أَوْ النَّوْعُ إذَا قُسِّمَ إلَى أَشْخَاصِهِ كَانَ اسْمُ الْمَقْسُومِ صَادِقًا عَلَى الْأَنْوَاعِ وَالْأَشْخَاصِ، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ بِأَقْسَامٍ لَهُ وَسَوَاءٌ أَرَادَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ فَأَيُّ نَوْعَيْ الْقِسْمَةِ أَرَادَ فَإِنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ نَوْعَيْهَا لَا يَكُونُ هَذَا الْقِسْمُ هُوَ هَذَا الْقِسْمَ فَلَا يَقُولُ أَحَدٌ إنَّ الْكَلَامَ الْكُلِّيَّ الْمُنْقَسِمَ إلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ الْأَمْرُ فِيهِ هُوَ النَّهْيُ وَلَا أَنَّ الْكَلَامَ الْمَوْجُودَ الْمُعَيَّنَ الْمُنْقَسِمَ إلَى أَبْعَاضِهِ كَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَوْ الِاسْمُ وَالْفِعْلُ وَالْحَرْفُ يَكُونُ الْأَمْرُ فِيهِ هُوَ النَّهْيُ وَالِاسْمُ فِيهِ هُوَ الْحَرْفُ فَإِنَّهُمْ اخْتَارُوهُ مِنْ الْقِسْمَيْنِ كَانَ قَوْلُهُمْ مُخَالِفًا لِلْبَدِيهَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ الْعُقَلَاءِ.
[الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ نَفْيُ الْقِسْمَيْنِ جَمِيعًا عَنْ كَلَامِ اللَّهِ]
الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: إنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ نَفْيُ الْقِسْمَيْنِ جَمِيعًا عَنْ كَلَامِ اللَّهِ فَإِنَّ الْمَعْقُولَ فِي الْكَلَامِ سَوَاءٌ قُدِّرَ كُلِّيًّا أَوْ مَوْجُودًا مُعَيَّنًا أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ أَمْرٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ خَبَرٌ فَإِذَا أُرِيدَ قِسْمَةُ الْكُلِّ قَبْلَ الْكَلَامِ وَالْقَوْلُ يَنْقَسِمُ إلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ مَوْجُودًا وَالنَّهْيُ مَوْجُودًا وَكِلَاهُمَا يُقَالُ لَهُ كَلَامٌ وَيُقَالُ لَهُ قَوْلٌ وَأَمَّا كَلَامٌ هُوَ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ وَهُوَ بِعَيْنِهِ أَمْرٌ وَنَهْيٌ فَهَذَا لَا يَكُونُ وَإِذَا أُرِيدَ قِسْمَةُ الْكُلِّيِّ قِيلَ هَذَا الْكَلَامُ
стр. 3012
الْمَوْجُودُ مِنْهُ مَا هُوَ أَمْرٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ نَهْيٌ وَهُمْ يَقُولُونَ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بَعْضُهُ أَمْرًا وَبَعْضُهُ نَهْيًا وَلَا بَعْضُهُ خَبَرًا فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْأَبْعَاضِ لَهُ وَلَا بَعْضَ لَهُ وَلَا هُوَ أَيْضًا كُلِّيًّا يَنْقَسِمُ إلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ غَيْرَ النَّهْيِ بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ مَعْنًى وَاحِدٌ مَوْجُودٌ فِي الْمَوْصُوفِ هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ.
وَأَمَّا الْمَوْصُوفُ فَإِنَّ ظُهُورَ انْتِفَاءِ الْقِسْمَةِ الْأُولَى عَنْهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ وُجُودًا كُلِّيًّا يَنْقَسِمُ إلَى الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ وَالْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَالْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ فَإِنَّ هَذَا قَوْلٌ بِعَدَمِهِ إذْ الْكُلِّيُّ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ وَقَوْلٌ مَعَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَكُونُ خَالِقًا وَيَكُونُ مَخْلُوقًا وَقَدِيمًا وَمُحْدَثًا أَيْ بَعْضُ أَنْوَاعِهِ هُوَ الْخَالِقُ وَبَعْضُ أَنْوَاعِهِ الْمَخْلُوقُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الْخَالِقَ الْقَدِيمَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
نَعَمْ الزَّنَادِقَةُ الْإِلْحَادِيَّةُ يَقُولُونَ إنَّ الرَّبَّ هُوَ الْوُجُودُ وَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَا يَتَعَيَّنُ وَهَذَا قَوْلُ الْقُونَوِيِّ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَنْقَسِمُ إلَى حَيَوَانٍ وَنَبَاتٍ وَأَرْوَاحٍ وَأَجْسَامٍ لَكِنْ لَا يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ وَخَالِقٍ وَمَخْلُوقٍ بَلْ الْوُجُودُ الْكُلِّيُّ الْمُطْلَقُ هُوَ الْوَاجِبُ الْخَالِقُ وَهَذَا قَوْلٌ بِتَعْطِيلِ الصَّانِعِ وَجُحُودِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّهُ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ الثَّابِتُ لِلْوَاجِبِ الْمُتَمَيِّزُ بِنَفْسِهِ عَنْ الْمُمْكِنِ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا قَالَهُ لِكَوْنِهِ لَا يَثْبُتُ الْوَاجِبُ مُتَمَيِّزًا عَنْ الْمُمْكِنِ بِنَفْسِهِ فَإِذَا لَزِمَهُ ثُبُوتُ وَاجِبٍ مُتَمَيِّزٍ لَزِمَ تَنَاقُضُهُ وَمَعَ هَذَا فَهُمْ مِنْ أَكْثَرِ الْخَلْقِ تَنَاقُضًا وَهُمْ مُخْلِطُونَ تَخْلِيطًا عَظِيمًا مَعَ اشْتِرَاكِهِمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَظْلَمِ الْخَلْقِ مِنْ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ وَالتَّعْطِيلِ فَلَا يَبْعُدُ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا إذَا فَرَّقُوا بَيْنَ تَجْلِيَةِ الذَّاتِيِّ وَتَجْلِيَةِ الْأَسْمَاءِ فَقَدْ يَقُولُونَ التَّجَلِّي الذَّاتِيُّ هُوَ الْوَاجِبُ وَالْأَسْمَائِيُّ هُوَ الْمُمْكِنُ وَيَقُولُونَ هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ الْمَقُولُ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي يَقُولُونَ هُوَ نَفْسُ الْوُجُودِ وَأَنَّ الْمَوْجُودَاتِ أَبْعَاضُهُ وَأَجْزَاؤُهُ لَا أَنْوَاعُهُ.
وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوهُ مَوْجُودًا لَكِنْ جَعَلُوهُ هُوَ الْمَخْلُوقَاتِ بِعَيْنِهَا وَالْأَوَّلُونَ لَمْ يَجْعَلُوهُ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ لَكِنْ جَعَلُوهُ الْمُطْلَقَ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ مُعَيَّنًا لَا مُطْلَقًا، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ هَلْ لِلْمُمْكِنَاتِ أَعْيَانٌ ثَابِتَةٌ فِي الْعَدَمِ سِوَى وُجُودِهِ أَمْ هُوَ عَيْنُ الْمُمْكِنَاتِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْفُصُوصِ مِنْهُمْ وَالثَّانِي قَوْلُ أَتْبَاعِهِ كَالْقُونَوِيِّ وَالتِّلْمِسَانِيّ وَغَيْرِهِمَا.
стр. 3013
لَكِنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ وَإِنْ أَضَلَّ طَوَائِفَ مِنْ أَذْكِيَاءِ النَّاسِ وَعِبَادِهِمْ وَوَقَعَ تَعْظِيمُهُمْ فِي نُفُوسِ طَوَائِفَ كَثِيرَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ وَالْمُلُوكِ تَقْلِيدًا وَتَعْظِيمًا لِقَوْلِهِمْ مِنْ غَيْرِ فَهْمٍ لِقَوْلِهِمْ فَكُلُّ مُسْلِمٍ بَلْ كُلُّ عَاقِلٍ إذَا فَهِمَ قَوْلَهُمْ حَقِيقَةً عَلِمَ أَنَّ الْقَوْمَ جَاحِدُونَ لِلصَّانِعِ مُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ وَالشَّرَائِعِ مُفْسِدُونَ لِلْعَقْلِ وَالدِّينِ وَلَيْسَ الْغَرَضُ هَذَا الْكَلَامَ فِيهِمْ فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ لَا تَقُولُ بِهَذَا وَحَاشَاهَا مِنْ هَذَا، بَلْ هُمْ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَكْفِيرًا وَمُحَارَبَةً لِمَنْ هُوَ أَمْثَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا هَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ الْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَمِنْ الْفَلَاسِفَةِ لَيْسَ بِمُنْقَسِمٍ فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ أَظْهَرُ فَسَادًا عِنْدَهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُرَادُهُمْ بَلْ يُرِيدُونَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ مُتَمَيِّزٌ بِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَجْزَاءٌ وَأَبْعَاضٌ وَقَدْ يَقُولُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ كَابْنِ سِينَا وَغَيْرِهِ إنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ لَيْسَ لَهُ أَجْزَاءٌ لَا أَجْزَاءُ حَدٍّ وَلَا أَجْزَاءُ كَمٍّ، وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ صِفَةٌ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَلَا بَعْضٌ كَالْجِسْمِ، وَهُوَ يَقُولُ إنَّهُ مَوْجُودٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ الْمُمْكِنَاتِ وَلَكِنْ يَقُولُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ فِيهِ مَا يُوجِبُ أَنْ يُلْزِمَهُمْ قَوْلَ أُولَئِكَ الِاتِّحَادِيَّةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ وَيَصِفُهُ بِالصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي لَا تَنْطَبِقُ إلَّا عَلَى الْمَعْدُومِ كَالْوُجُودِ الْمُطْلَقِ الْكُلِّيِّ الَّذِي لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ لَكِنَّ لَازِمَ قَوْلِ النَّاسِ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ قَوْلِهِمْ الَّذِي قَصَدُوهُ.
وَتَحْقِيقُ الْأَمْرِ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ بَيْنَ إثْبَاتِ الْبَارِي وَنَفْيِهِ وَبَيْنَ الْإِقْرَارِ بِهِ وَإِنْكَارِهِ وَلَا يُقِرُّونَ بِأَنَّهُ وُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَمَّا أُولَئِكَ الِاتِّحَادِيَّةُ فَمَعَ تَنَاقُضِهِمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ وُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْبَارِي تَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْقِسْمَةُ وَالتَّبْعِيضُ مُنْتَفِيَةً عَنْهُ فَقَوْلُهُمْ إنَّهُ وَاحِدٌ لَيْسَ بِذِي أَبْعَاضٍ مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ وَاحِدٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ غَيْرِهِ مَوْجُودٌ لَا بَعْضَ لَهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَمِنْ أَصْلِهِمْ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ قَائِمٌ بِالْمُتَكَلِّمِ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَنْقَسِمُ أَيْ لَيْسَ مِنْهُ مَا هُوَ أَمْرٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ نَهْيٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ خَبَرٌ بِحَيْثُ يَكُونُ لَيْسَ هَذَا هُوَ هَذَا بَلْ الَّذِي هُوَ الْأَمْرُ هُوَ النَّهْيُ وَهُوَ الْخَبَرُ وَالْبَارِي عِنْدَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ أَيْ لَيْسَ بِجِسْمٍ ذِي أَبْعَاضٍ وَأَحَدُ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصْلُحُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِنَفْيِ هَذَا التَّبْعِيضِ أَنْ لَوْ كَانَ بَعْضُ الْكَلَامِ يَقُومُ بِبَعْضٍ وَبَعْضُهُ يَقُومُ بِبَعْضٍ آخَرَ فَيُقَالُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ تَبَعُّضِ الْمَوْصُوفِ نَفْيُ تَبَعُّضِ الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ بَلْ إذَا قِيلَ إنَّ الْكَلَامَ حَقَائِقُ فَكُلُّ حَقِيقَةٍ تَقُومُ بِالْمَوْصُوفِ قِيَامًا مُطْلَقًا كَمَا تَقُومُ بِهِ الْحَيَاةُ وَالْعِلْمُ
стр. 3014
وَالْقُدْرَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ قِيَامًا مُطْلَقًا لَكَانَ هَذَا مَعْقُولًا مَقْبُولًا. فَعُلِمَ أَنَّهُ وَإِنْ عَقَلَ مُتَكَلِّمٌ وَاحِدٌ لَيْسَ بِذِي أَبْعَاضٍ وَأَجْزَاءٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُعْقَلَ كَلَامٌ هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَأَنَّ هَذَا شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا.
[الْوَجْهُ الْخَمْسُونَ إنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ الْمَوْصُوفِ شَيْئًا وَاحِدًا لَيْسَ بِذِي أَبْعَاضٍ]
ٍ يَصْلُحُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ عَلَى إمْكَانِ أَنْ تَكُونَ صِفَتُهُ وَاحِدَةً لَيْسَتْ بِذَاتِ أَبْعَاضٍ وَلَا أَجْزَاءٍ فَإِذَا قَامَ بِهِ عِلْمٌ أَوْ عُلُومٌ أَوْ قُدْرَةٌ أَوْ قَدْرٌ أَوْ كَلَامٌ أَوْ كَلِمَاتٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ قِيلَ فِي كُلِّ صِفَةٍ تَقُومُ بِهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ ذَاتَ أَجْزَاءٍ وَأَبْعَاضٍ فَإِذَا قَامَ بِهِ أَوَامِرٌ وَأَخْبَارٌ كَانَ كُلُّ أَمْرٍ وَكُلُّ خَبَرٍ غَيْرَ مُتَبَعِّضٍ وَلَا مُتَجَزِّئٍ أَمَّا أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ هَذِهِ الصِّفَةُ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْأَمْرَ هُوَ الْخَبَرُ وَالسَّمْعَ هُوَ الْبَصَرُ فَهَذَا بَاطِلٌ ثُمَّ يُقَالَ.
الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: إنَّ وَحْدَتَهُ إمَّا أَنْ تُصَحِّحَ هَذَا بِأَنْ يُقَالَ هَذِهِ الصِّفَةُ هِيَ هَذِهِ الصِّفَةُ أَوْ لَا تُصَحِّحُ ذَلِكَ فَإِنْ صَحَّحْته صَحَّ أَنْ يُقَالَ السَّمْعُ هُوَ الْبَصَرُ وَهُمَا جَمِيعًا الْعِلْمُ وَهُوَ الْقُدْرَةُ وَهِيَ الْحَيَاةُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ هُوَ الْأَمْرُ بِالزَّكَاةِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ هُوَ الْخَبَرُ عَنْ سُجُودِ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ.
[الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ أَنْ يُقَالَ مَا تَعْنِي بِقَوْلِك كَمَا يَعْقِلُ مُتَكَلِّمٌ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَيْسَ بِذِي أَبْعَاضٍ]
ٍ وَلَا أَجْزَاءٍ وَلَا آلَاتٍ أَتَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَفَرَّقُ وَلَا يَنْفَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ بَلْ هُوَ صَمَدٌ أَمْ تَعْنِي بِهِ أَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ فِي الْعِلْمِ شَيْءٌ مِنْ شَيْءٍ فَإِنْ عَنَيْت الْأَوَّلَ فَهُوَ حَقٌّ لَكِنْ لَا يُفِيدُك ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ كَلَامٌ مُتَعَدِّدٌ وَإِنْ عَنَيْت الثَّانِيَ قِيلَ لَك لَا رَيْبَ أَنَّك تُسَلِّمُ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِبَعْضِ صِفَاتِهِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا تَعْلَمُ قُدْرَتَهُ وَلَا تَعْلَمُ عِلْمَهُ وَتَعْلَمُ وُجُودَهُ وَلَا تَعْلَمُ وُجُوبَهُ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَعْلُومَ هُوَ هَذَا الَّذِي لَيْسَ بِمَعْلُومٍ فَهَذَا إقْرَارٌ مِنْك بِثُبُوتِ التَّبَعُّضِ وَالْمُتَجَزِّئِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ثُمَّ الْعِلْمُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا لِلْمَعْلُومِ كَانَ جَهْلًا فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْحَقَائِقُ مُتَمَيِّزَةً فِي ذَوَاتِهَا وَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا أَنْكَرْته وَلَا بُدَّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مِنْ مِثْلِ هَذَا فَإِنَّهُ مَا مِنْ مَوْجُودٍ إلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ مِنْهُ شَيْءٌ دُونَ شَيْءٍ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ حَقَائِقَ لَيْسَتْ هَذِهِ هِيَ هَذِهِ وَهَذَا لَازِمٌ لِكُلِّ أَحَدٍ حَتَّى نُفَاةِ الصِّفَاتِ يُقِرُّونَ بِثُبُوتِ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ هَذِهِ وَإِذَا كَانَ التَّبْعِيضُ هَذَا الِاعْتِبَارَ ثَابِتًا لَمْ يُمْكِنْك إنْكَارُ التَّبْعِيضِ مُطْلَقًا بَلْ عُلِمَ
стр. 3015
بِالضَّرُورَةِ وَالِاتِّفَاقِ أَنَّ مِنْهُ شَيْئًا لَيْسَ هُوَ الشَّيْءَ الْآخَرَ أَمَّا الصِّفَاتِيَّةُ فَيُقِرُّونَ بِذَلِكَ لَفْظًا وَمَعْنًى وَهُوَ الْحَقُّ وَالْكُلَّابِيَّةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا نُفَاةُ الصِّفَاتِ فَإِنَّهُمْ أَيْضًا مُضْطَرُّونَ إلَى الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ فَإِنْ أَخَذُوا يَقُولُونَ بَلْ هَذَا هُوَ هَذَا كَمَا يَقُولُهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ فِي الْعَاقِلِ وَالْمَعْقُولِ وَالْعَقْلِ وَفِي الْوُجُودِ وَالْوُجُوبِ وَكَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَكَمَا يَقُولُهُ أَبُو الْهُذَيْلِ إنَّ الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ هُوَ اللَّهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ فَسَادَ هَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْبَدِيهِيَّاتِ فِي الْعُقُولِ ثُمَّ إذَا الْتَزَمُوا ذَلِكَ كَانَ لِكُلِّ مَنْ نَازَعَ أَنْ يَقُولَ فِيمَا أَنْكَرُوهُ كَمَا قَالُوهُ فِيمَا أَقَرُّوا بِهِ فَيَقُولُ الْمُجَسِّمُ أَنَا أَقُولُ إنَّ هَذَا الْجَانِبَ هُوَ هَذَا الْجَانِبُ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ وَيَقُولُ الصِّفَاتِيَّةُ كُلُّهُمْ نَحْنُ نَقُولُ الْعِلْمُ هُوَ الْقُدْرَةُ وَالْقُدْرَةُ هِيَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَيَقُولُ الْأَشْعَرِيَّةُ لِلْمُعْتَزِلَةِ نَحْنُ نَقُولُ الْأَمْرُ هُوَ النَّهْيُ وَيَقُولُ الْقَائِلُونَ بِالْحُرُوفِ وَالصَّوْتِ نَحْنُ نَقُولُ الْبَاءُ هِيَ السِّينُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ وَإِنْ قَالُوا بَلْ لَا نَقُولُ فِي هَذَيْنِ إنَّ أَحَدَهُمَا هُوَ الْآخَرُ وَلَا غَيْرُهُ أَوْ هُمَا مُتَغَايِرَانِ بِاعْتِبَارٍ دُونَ اعْتِبَارٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ فِيمَا نُوزِعُوا فِيهِ مِنْ التَّبْعِيضِ نَظِيرَ الْقَوْلِ فِيمَا أَقَرُّوا بِهِ وَهَذَا كَلَامٌ مَتِينٌ لَا انْفِصَالَ عَنْهُ بِحَالٍ وَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى تَأْسِيسِ الرَّازِيّ.
[الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ كَمَا يَعْقِلُ مُتَكَلِّمٌ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَيْسَ بِذِي أَبْعَاضٍ وَاَلَّذِي أَوْجَبَ كَوْنَهُ ذَلِكَ قِدَمُهُ]
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: قَوْلُهُ كَمَا يَعْقِلُ مُتَكَلِّمٌ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَيْسَ بِذِي أَبْعَاضٍ وَاَلَّذِي أَوْجَبَ كَوْنَهُ ذَلِكَ قِدَمُهُ. يُقَالُ لَكِنْ مِنْ أَيْنَ فِي قِدَمِهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وَأَنْتَ لَمْ تَذْكُرْ ذَلِكَ وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي تَخْلِيصِ التَّلْبِيسِ عَلَى جَمِيعِ مَا احْتَجُّوا بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَبَيَّنَّا لِكُلِّ مَنْ لَهُ أَدْنَى فَهْمٌ أَنَّ جَمِيعَ حُجَجِهِمْ دَاحِضَةٌ وَتَكَلَّمْنَا عَلَى طَرِيقِهِمْ الْمَشْهُورِ الَّذِي أَثْبَتُوا بِهِ حُدُوثَ الْأَجْسَامِ وَبَيَّنَّا اتِّفَاقَ السَّلَفِ عَلَى فَسَادِهَا فَإِنَّهَا فَاسِدَةٌ فِي الْعَقْلِ أَيْضًا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: إنْ حُجَّتَهُمْ عَلَى إنْكَارِ تَكَلُّمِ اللَّهِ بِالْحُرُوفِ يَنْقُضُ مَا احْتَجُّوا بِهِ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ فَيَلْزَمُهُمْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إمَّا إنْكَارُ مَا أَثْبَتُوهُ مِنْ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ أَوْ الْإِقْرَارُ بِمَا أَنْكَرُوهُ مِنْ التَّكَلُّمِ بِالْحُرُوفِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، فِي كِتَابِ النَّقْضِ وَهُوَ فِي أَرْبَعِينَ سِفْرًا وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ فِي ثَلَاثِ مُجَلَّدَاتٍ وَتَكَلَّمَ عَلَى الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْحُرُوفِ وَقَالَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ السِّينَ مِنْ بِسْمِ بَعْدَ الْبَاءِ وَالْمِيمَ بَعْدَ السِّينِ وَالسِّينَ الْوَاقِعَةَ بَعْدَ الْبَاءِ لَا أَوَّلَ لَهُ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الْمَعْقُولِ إلَى أَجْحَدِ
стр. 3016
الضَّرُورَةِ فَإِنَّ مَنْ اعْتَرَفَ بِوُقُوعِ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ فَقَدْ اعْتَرَفَ بِأَوَّلِيَّتِهِ.
فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَا أَوَّلَ لِمَا لَهُ أَوَّلُ سَقَطَتْ مُكَالَمَتُهُ وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ تَكَلَّمَ بِالْحُرُوفِ دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَلَا تَعَاقُبٍ فِيهَا فَيُقَالُ لَهُمْ الْحُرُوفُ أَصْوَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ لَا شَكَّ فِي اخْتِلَافِهَا وَقَدْ اعْتَرَفَ خُصُوصًا بِاخْتِلَافِهَا وَزَعَمُوا أَنَّ لِلَّهِ ضُرُوبًا مِنْ الْكَلَامِ مُتَغَايِرَةً مُخْتَلِفَةً عَلَى اخْتِلَافِ اللُّغَاتِ وَالْمَقَاصِدِ فِي الْعِبَارَاتِ وَكُلُّ صَوْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ الْأَصْوَاتِ مُتَضَادَّانِ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْمَحِلِّ الْوَاحِدِ وَقْتًا وَاحِدًا كَمَا يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُ كُلِّ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ الْأَلْوَانِ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ وَيَكْشِفُهُ أَنَّا كَمَا نَعْلَمُ اسْتِحَالَةَ قِيَامِ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ بِمَحِلٍّ وَاحِدٍ جَمِيعًا. فَكَذَلِكَ نَعْلَمُ اسْتِحَالَةَ صَوْتٍ خَفِيضٍ وَصَوْتٍ جَهُورِيٍّ بِمَحِلٍّ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ جَمِيعًا، وَهَذَا وَاضِحٌ لَا خَفَاءَ فِيهِ وَالْمُخْتَلِفُ مِنْ الْأَصْوَاتِ يَتَضَادُّ كَمَا أَنَّ الْمُخْتَلِفَ مِنْ الْأَلْوَانِ يَتَضَادُّ وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ وَمُتَّصِفٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ مُتَقَدِّسٌ عَنْ التَّجَزُّؤِ وَالتَّبَعُّضِ وَالتَّعَدُّدِ وَالتَّرْكِيبِ وَالتَّأَلُّفِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا قُلْنَاهُ اسْتَحَالَ قِيَامُ أَصْوَاتٍ مُتَضَادَّةٍ بِذَاتٍ مَوْصُوفَةٍ بِحَقِيقَةِ الْوَحْدَانِيَّةِ. وَهَذَا مَا لَا مَخْلَصَ لَهُمْ مِنْهُ.
فَإِنْ تَعَسَّفَ مِنْ الْمُقَلَّدِينَ مُتَعَسِّفٌ وَأَثْبَتَ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنْ أَبْعَاضٍ مُتَأَلِّفًا مِنْ جَوَارِحَ نَقْلنَا الْكَلَامَ مَعَهُ إلَى إبْطَالِ التَّجْسِيمِ وَإِيضَاحِ تَقَدُّسِ الرَّبِّ عَنْ التَّبْعِيضِ وَالتَّأْلِيفِ وَالتَّرْكِيبِ، فَيُقَالُ لَهُ هَذَا بِعَيْنِهِ وَأَرُدُّ عَلَيْك فِيمَا أَثْبَتَهُ مِنْ الْمَعَانِي، وَهُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ، فَإِنَّ الَّذِي نَعْلَمُهُ بِالضَّرُورَةِ فِي الْحُرُوفِ نَعْلَمُ نَظِيرَهُ بِالضَّرُورَةِ فِي الْمَعَانِي، فَالْمُتَكَلِّمُ مِنَّا إذَا تَكَلَّمَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَهُوَ بِالضَّرُورَةِ يَنْطِقُ بِالِاسْمِ الْأَوَّلِ لَفْظًا وَمَعْنًى قَبْلَ الثَّانِي، فَيُقَالُ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي نَظِيرَ مَا قَالَهُ فِي الْحُرُوفِ.
فَيُقَالُ مَنْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ مَعْنَى اسْمِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَعْدَ مَعْنَى بِسْمِ اللَّهِ، وَادَّعَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا أَوَّلَ لَهُ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الْمَعْقُولِ إلَى جَحْدِ الضَّرُورَةِ، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّبَّ تَكَلَّمَ بِمَعَانِي الْحُرُوفِ دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَعَاقُبٍ وَلَا تَرْتِيبٍ، قِيلَ لَهُ مَعَانِي الْحُرُوفِ حَقَائِقُ مُخْتَلِفَةٌ، لَا شَكَّ فِي اخْتِلَافِهَا، فَإِنَّ الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِنَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَفْهُومَ مِنْ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ، لَيْسَ هُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِالنَّفْسِ الْمَفْهُومَ مِنْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْمَعْنَى فِي صِيَغِ الْأَمْرِ لَيْسَ هُوَ الْمَعْنَى فِي صِيَغِ
стр. 3017
الْإِخْبَارِ، فَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ هَذَا أَوْ يَمْنَعَ فَإِنْ سَلَّمَ كَمَا سَلَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْكَلَامَ خَمْسُ حَقَائِقَ تُكُلِّمَ مَعَهُ حِينَئِذٍ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ قِيلَ لَهُ الْعِلْمُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْمَعَانِي ضَرُورِيٌّ بَدِيهِيٌّ لَيْسَ هُوَ بِدُونِ الْعِلْمِ بِتَعَاقُبِ الْحُرُوفِ وَالْمَعَانِي، وَلَا بِدُونِ الْعِلْمِ بِاخْتِلَافِ الْأَصْوَاتِ بَلْ أَصْوَاتُ الْمُصَوِّتِ الْوَاحِدِ أَقْرَبُ تَشَابُهًا مِنْ الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ وَهَذَا الْأَمْرُ مَحْسُوسٌ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ سَقَطَتْ مُكَالَمَتُهُ أَبْلَغُ مِمَّا تَسْقُطُ مُكَالَمَةُ ذَاكَ، وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ لَهُ هَذِهِ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةُ مُتَضَادَّةٌ فِي حَقِّنَا فَإِنَّا نَجِدُ مِنْ نُفُوسِنَا أَنَّهَا عِنْدَ تَصَوُّرِ مَعَانِي كَلَامٍ لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تُتَصَوَّرَ مَعَانِي كُلِّ كَلَامٍ، كَمَا نَجِدُ مِنْ نُفُوسِنَا أَنَّا عِنْدَ التَّكَلُّمِ بِصَوْتٍ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِصَوْتٍ آخَرَ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الِامْتِنَاعُ لِذَاتِ الْمَعْنَيَيْنِ وَالصُّورَتَيْنِ امْتَنَعَ أَنْ يَقُومَ ذَلِكَ بِمَحِلٍّ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ لِعَجْزِنَا عَنْ ذَلِكَ كَمَا نَعْجِزُ عَنْ اسْتِحْضَارِ عُلُومٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُون ذَلِكَ مُمْتَنِعًا فِي حَقِّ اللَّهِ وَلَا مُمْتَنِعًا أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِيمَا شَاءَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ مَعَانِيَ كَثِيرَةً مُخْتَلِفَةً وَأَصْوَاتًا كَثِيرَةً مُخْتَلِفَةً.
قَوْلُهُ وَكُلُّ صَوْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ الْأَصْوَاتِ مُتَضَادَّانِ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْمَحِلِّ الْوَاحِدِ وَقْتًا وَاحِدًا، فَيُقَالُ لَهُ أَمَّا الَّذِي نَجِدُهُ فَإِنَّا لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَجْمَعَ بَيْنَ صُورَتَيْنِ فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ وَقْتًا وَاحِدًا سَوَاءٌ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ أَوْ مُتَمَاثِلَيْنِ، فَلَيْسَ الِامْتِنَاعُ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ الْأَصْوَاتِ، وَكَذَلِكَ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَسْتَحْضِرَ فِي قُلُوبِنَا الْمَعَانِيَ الْكَثِيرَةَ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ فِي الزَّمَنِ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً أَوْ مُتَمَاثِلَةً وَإِنْ قَدَرْنَا أَنْ نَجْمَعَ مِنْ الْمَعَانِي فِي قُلُوبِنَا مَا لَا نَقْدِرُ عَلَى أَنْ نَجْمَعَ لَفْظَهُ مِنْ الْأَصْوَاتِ.
فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقَلْبَ أَوْسَعُ مِنْ الْجَسَدِ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَجِدَ كُلُّ أَحَدٍ نَفْسَهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهَا مَعَانٍ كَثِيرَةٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ صُورَتَيْنِ فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ وَقِيَاسُ الْأَصْوَاتِ بِالْمَعَانِي وَهِيَ مُطَابِقَةٌ لَهَا وَقَوَالِبُ لَهَا أَجْوَدُ مِنْ قِيَاسِهَا بِالْأَلْوَانِ وَمَا أَلْزَمُوهُ فِي الْمَعَانِي مِنْ أَنَّهَا مَعْنًى وَاحِدُ هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ لَيْسَ فِي مُخَالَفَتِهِ لِبَدِيهَةِ الْعُقُولِ بِدُونِ أَنْ يُقَالَ يَكُونُ حَرْفٌ وَاحِدٌ هُوَ الْبَاءُ وَالسِّينُ وَإِذَا لَمْ يَقُلْ هَذَا وَهُوَ نَظِيرُهُ فَلَا رَيْبَ أَنْ أَقُولَ بِجَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْمَحِلِّ الْوَاحِدِ أَقْرَبُ إلَى الْمَعْقُولِ مِنْ كَوْنِ الْأَمْرِ هُوَ النَّهْيُ وَهُمَا الْخَبَرُ فَالْقَوْلُ بِاجْتِمَاعِ الصِّفَتَيْنِ الْمُتَضَادَّتَيْنِ فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ أَقْرَبُ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى.
وَمَنْ قَالَ الْكَلَامُ هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ، وَأَنَّهَا كُلَّهَا مُجْتَمَعَةٌ قَائِمَةٌ بِمَحِلٍّ وَاحِدٍ
стр. 3018
فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ بِاجْتِمَاعِ حُرُوفِهَا فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ؛ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ عَلَى أَصْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ فَحْلُ الطَّائِفَةِ أَنَّ النَّسْخَ رَفَعَ الْحُكْمَ بِعَيْنِهِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ فَيَكُونُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَمَرَ بِشَيْءٍ وَنَهَى عَنْ نَفْسِ مَا أَمَرَ بِهِ كَمَا فِي قِصَّةِ الذَّبِيحِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ مُضَادٌّ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي فِطَرِ الْعُقُولِ أَعْظَمُ مِنْ مُضَادَّةِ السَّوَادِ لِلْبَيَاضِ فَإِذَا كَانُوا يَلْتَزِمُونَ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَجْعَلُونَ الضِّدَّيْنِ شَيْئًا وَاحِدًا كَيْفَ يَمْنَعُونَ اجْتِمَاعَ حَرْفَيْنِ أَوْ صَوْتَيْنِ وَذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى الْمَعْقُولِ، وَهَذَا الْكَلَامُ لَازِمٌ لِجَمَاعَتِهِمْ فَإِنَّهُمْ حَكَوْا عَنْ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ، هَلْ هِيَ؛ مُتَعَاقِبَةٌ أَوْ يَتَكَلَّمُ بِهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً قَوْلَيْنِ.
كَمَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُنَزَّهٌ عَنْ الْأَصْوَاتِ.
[الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ إنَّ هَؤُلَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلْحُرُوفِ الْقَدِيمَةِ قَالُوا مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْمَعْقُولِ]
الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: إنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنْبِتِينَ لِلْحُرُوفِ الْقَدِيمَةِ قَالُوا مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْمَعْقُولِ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ الْأَمْرُ وَالْخَبَرُ فَقَالُوا التَّرْتِيبُ وَالتَّعَاقُبُ نَوْعَانِ تَرْتِيبٌ وُجُودِيٌّ زَمَانِيٌّ كَتَرْتِيبِ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ وَالْيَوْمِ عَلَى الْأَمْسِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا يَمْتَنِعُ فِي الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ، وَالثَّانِي: تَرْتِيبٌ ذَاتِيٌّ حَقِيقِيٌّ لَيْسَ بِزَمَانِيٍّ كَتَرْتِيبِ الصِّفَاتِ عَلَى الذَّاتِ، وَالْعِلْمِ عَلَى الْحَيَاةِ وَالْمَعْلُولِ عَلَى عِلَّتِهِ الْمُقَارِنَةِ لَهُ إذَا قُدِّرَ ذَلِكَ فَإِنَّا نَعْقِلُ هُنَا تَرْتِيبَاتٍ وَتَقَدُّمًا وَتَأَخُّرًا بِالذَّاتِ دُونَ الْوُجُودِ وَالزَّمَانِ.
وَهَذَا كَمَا لَوْ فُرِضَ مُصْحَفٌ كُتِبَ آخِرُهُ قَبْلَ أَوَّلِهِ، فَإِنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّ أَوَّلَ السُّورَةِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى آخِرِهَا بِالذَّاتِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ كُتِبَ بَعْدَهُ قَالُوا وَالْكَلَامُ حُرُوفُهُ وَمَعَانِيهِ مُتَرَتِّبٌ فِي حَقِّ اللَّهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَا بِالتَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ، كَمَا يُوجَدُ فِي قِرَاءَةِ الْقَارِئِينَ مِنْ تَرْتِيبِ الْمَعَانِي وَالْأَلْفَاظِ جَمِيعًا فِي الزَّمَانِ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ لَا يُنَافِي قِدَمَهُ وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَا فِي هَذَا مِنْ إثْبَاتِ تَعَدُّدِ الْمَعَانِي لِتَعَدُّدِ الْحُرُوفِ وَالْحُكْمِ عَلَيْهِمَا بِحُكْمٍ وَاحِدٍ وَإِثْبَاتُ الْقِدَمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَقْرَبُ إلَى الْمَعْقُولِ مِنْ جَعْلِ الْحَقَائِقِ الْمُخْتَلِفَةِ مَعْنًى وَاحِدًا ثُمَّ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمَعْنَى وَالْحُرُوفِ بِالتَّحْكِيمِ، فَإِنَّ هَذَا فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِجَعْلِهِمَا شَيْئًا وَاحِدًا وَتَفْرِيقٌ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِيمَا اشْتَرَكَا فِيهِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ: أَنْ نَقُولَ قَوْلُكُمْ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُ الصَّوْتَيْنِ فِي الْمَحِلِّ الْوَاحِدِ وَأَثْبَتُّمْ ذَلِكَ شَاهِدًا وَغَائِبًا، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ وَحْدَةَ الْبَارِي عِنْدَكُمْ لَا
стр. 3019
تُنَاسِبُ وَحْدَةَ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ كَوَحْدَةِ الْأَجْسَامِ، وَلَيْسَ عِنْدَكُمْ فِي الشَّاهِدِ مَا هُوَ وَاحِدٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إلَّا الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ فَقَوْلُكُمْ بَعْدَ هَذَا يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُ الصَّوْتَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي الْمَحِلِّ الْوَاحِدِ وَقْتًا وَاحِدًا كَمَا يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُ اللَّوْنَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَا وَاحِدَ يُفْرَضُ ذَلِكَ فِيهِ شَاهِدًا إلَّا الْجِسْمَ، وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ الْجِسْمِ وَاحِدًا فَيُقَالُ هَبْ أَنَّ الْجِسْمَ لَا يَقْبَلُ اجْتِمَاعَ صَوْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، كَمَا لَا يَقْبَلُ مَعْنًى وَاحِدًا يَكُونُ أَمْرًا وَنَهْيًا وَخَبَرًا وَاسْتِخْبَارًا، فَهَلَّا قُلْتُمْ إنَّ الْوَاحِدَ الَّذِي لَيْسَ بِجِسْمٍ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ أَصْوَاتٍ فِيهِ كَمَا قُلْتُمْ إنَّهُ يَقُومُ بِهِ مَعْنًى وَاحِدٌ هُوَ حَقَائِقُ مُخْتَلِفَةٌ، فَلَمَّا قِيلَ لَكُمْ كَيْفَ يُعْقَلُ هَذَا قُلْتُمْ يُعْقَلُ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الْوَاجِبِ لِقِدَمِهِ الْمَانِعِ مِنْ كَوْنِهِ مُتَغَايِرًا مُخْتَلِفًا كَمَا يُعْقَلُ مُتَكَلِّمٌ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَيْسَ بِذِي أَبْعَاضٍ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى قِدَمِ الْكَلَامِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَعَانِي وَالْحُرُوفِ وَإِنَّمَا فَرَّقْتُمْ لِمُعَارِضٍ، أَخْرَجَ الْحُرُوفَ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَا اعْتَقَدْتُمُوهُ مِنْ وُجُوبِ حُدُوثِهَا كَمَا ذَكَرْتُمْ هُنَا، وَهَذَا الدَّلِيلُ يَلْزَمُ أَقْوَى مِنْهُ فِي الْمَعَانِي، فَلَوْ قُلْتُمْ نَعْقِلُ حُرُوفًا مُجْتَمِعَةً أَوْ أَصْوَاتٍ مُجْتَمِعَةً فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ بِالدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى ذَلِكَ إذْ كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ لَيْسَ بِذِي أَبْعَاضٍ حَتَّى يَكُونَ الْقَائِمُ بِهَذَا الْبَعْضِ مُغَايِرًا لِلْقَائِمِ بِالْبَعْضِ الْآخَرِ، وَإِذَا لَمْ تَجِبْ الْمُغَايَرَةُ فِيمَا قَامَ بِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَقُومَ بِهِ الصَّوْتُ الَّذِي هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ أَصْوَاتٌ إذْ الِاخْتِلَافُ فَرْعٌ لِلتَّغَايُرِ، فَمَا لَا تَغَايُرَ فِيهِ يَمْتَنِعُ الِاخْتِلَافُ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ مَا يَقُومُ بِهِ لَا يُغَايِرُ فَأَنْ لَا يَخْتَلِفَ أَوْلَى وَأَحْرَى فَفُرِضَ قِيَامُ صَوْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِهِ وَالْحَالُ هَذِهِ يَمْتَنِعُ عَلَى مَا أَصَّلْتُمُوهُ.
[الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ اجْتِمَاعَ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ وَالرُّؤْيَةِ فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّنَا]
الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: إنَّ اجْتِمَاعَ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ وَالرُّؤْيَةِ فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّنَا، وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِهِ وَسَمْعُهُ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ أَثْبَتُّمْ الْبَارِيَ يَعْلَمُ الْمَوْجُودَاتِ وَيَرَاهَا، وَالْعِلْمُ وَالرُّؤْيَةُ قَائِمَانِ بِمَحِلٍّ وَاحِدٍ عِنْدَكُمْ، وَأَيْضًا فَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي وَسَائِرِ أَئِمَّتِهِمْ أَوْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالصِّفَاتُ قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ الَّتِي لَا تَنْقَسِمُ كَقِيَامِ الْعِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْقُدْرَةِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ قِيَامَ الْقُدْرَةِ وَالْيَدَيْنِ فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ مُمْتَنِعٌ عِنْدَنَا. بَلْ عِنْدَنَا أَنَّ الْيَدَيْنِ مَحِلُّ الْقُدْرَةِ، فَإِذَا أَثْبَتُّمْ يَدًا وَوَجْهًا وَصَفْتُمُوهُمَا بِذَلِكَ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ ثُبُوتِ حُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ وَيُمْكِنُكُمْ أَنْ تَقُولُوا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْأَعْرَاضِ الْقَائِمَةِ بِالْمَخْلُوقِينَ فَلَا يَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهَا بِحُكْمِهَا.
стр. 3020
الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ: إنَّ قَوْلَهُ الرَّبُّ وَاحِدٌ وَمُتَّصِفٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ مُتَقَدِّسٌ عَنْ التَّجَزُّؤِ وَالتَّبْعِيضِ وَالتَّعَدُّدِ وَالتَّرْكِيبِ وَالتَّأْلِيفِ يَسْتَحِيلُ قِيَامُ أَصْوَاتٍ مُتَضَادَّةٍ بِذَاتٍ مَوْصُوفَةٍ بِحَقِيقَةِ الْوَحْدَانِيَّةِ، يُقَالُ لَهُ هَذَا يَلْزَمُك فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ فَإِنَّ الذَّاتَ الَّتِي لَا يَتَمَيَّزُ فِي الْعِلْمِ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ شَيْءٍ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ بِهَا صِفَاتٌ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، إذْ ذَلِكَ يُوجِبُ مِنْ التَّعَدُّدِ وَالتَّرْكِيبِ وَالتَّأْلِيفِ وَالتَّجَزُّؤِ وَالتَّبْعِيضِ نَطِيرَ مَا نَفَاهُ وَهُوَ مِنْ حُجَّةِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ عَلَيْهِ. وَلَمَّا قَالَ لَهُ مُخَالَفَةُ لَا نَعْقِلُ الْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ يَقُومُ إلَّا بِجِسْمٍ، وَلَا يَعْقِلُ الْيَدَ وَالْوَجْهَ إلَّا بَعْضًا مِنْ جِسْمٍ قَالَ لَا يَجِبُ.
هَذَا كَمَا لَا يَجِبُ إذَا لَمْ نَعْقِلْ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا إلَّا جِسْمًا أَنْ يَكُونَ الْغَائِبُ كَذَلِكَ فَأَلْزَمَ مُخَالَفَةَ إثْبَاتِهِ لِحَيٍّ عَالِمٍ قَادِرٍ فِي مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ الْوَحْدَةِ الَّتِي وَافَقَ خَصْمُهُ عَلَيْهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي مُخَالَفَةِ صَرِيحِ الْعَقْلِ سِوَاهُ فَكَوْنُهُ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ شَيْءٍ يَأْبَى أَنْ يَكُونَ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا إذْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِمَعَانٍ يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بَلْ يَأْبَى ثُبُوتُ مَوْجُودٍ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا إذْ لَا بُدَّ لِلْمَوْجُودِ مِنْ أُمُورٍ مُتَمَيِّزَةٍ فِيهِ وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِثُبُوتِ مَا نَفَاهُ، فَهَذَا التَّوْحِيدُ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ هُوَ التَّعْطِيلُ الْمَحْضُ وَهُوَ تَشْبِيهُ الْبَارِي بِالْمَعْدُومَاتِ.
[الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ الْقَوْل بِالتَّجَزُّؤِ وَالتَّبْعِيضِ وَالتَّعَدُّدِ وَالتَّرْكِيبِ وَالتَّأْلِيفِ فِي كَلَام اللَّه]
الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ: قَوْلُك لِأَنَّهُ مُقَدَّسٌ عَنْ التَّجَزُّؤِ وَالتَّبْعِيضِ وَالتَّعَدُّدِ وَالتَّرْكِيبِ وَالتَّأْلِيفِ. يُقَالُ هَذِهِ أَلْفَاظٌ مُجْمَلَةٌ فَإِنْ أَرَدْت الْمَعْنَى الْمَعْرُوفَ فِي اللُّغَةِ لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ مِثْلَ أَنْ تُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَنْفَصِلُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ وَلَا يَتَجَزَّأُ فَيُفَارِقُ جُزْءٌ مِنْهُ جُزْءًا كَمَا هُوَ الْمَعْقُولُ مِنْ التَّجَزُّؤِ وَلَا يَتَعَدَّدُ فَيَكُونُ إلَهَيْنِ أَوْ رَبَّيْنِ أَوْ خَالِقَيْنِ وَلَمْ يُرَكَّبْ فَيُؤَلَّفُ فَيَجْمَعُ بَيْنَ أَبْعَاضِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] أَوْ مَا يُشْبِهُ هَذِهِ الْأُمُورَ، فَهَذَا كُلُّهُ يُنَافِي صَمَدَانِيَّتَهُ وَلَكِنْ لَا يُنَافِي قِيَامَ مَا يُثْبِتُهُ مِنْ الْأَصْوَاتِ كَمَا لَا يُنَافِي قِيَامَ سَائِرِ الصِّفَاتِ وَإِنْ أَرَدْت بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ شَيْءٍ فَهَذَا بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ وَبَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ وَهُوَ لَازِمٌ لِمَنْ نَفَاهُ لُزُومًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ وَقَدْ بَسَطْنَا هَذَا بَسْطًا مُسْتَوْفِيًا فِي كِتَابِ بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ فِي تَأْسِيسِ بِدْعَتِهِمْ الْكَلَامِيَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَإِنْ تَعَسَّفَ مِنْ الْمُقَلَّدِينَ مُتَعَسِّفٌ وَأَثْبَتَ الرَّبَّ تَعَالَى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنْ أَبْعَاضٍ مُتَآلِفًا مِنْ جَوَارِحَ نَقَلْنَا الْكَلَامَ مَعَهُ إلَى إبْطَالِ الْجِسْمِ وَإِيضَاحِ تَقَدُّسِ الرَّبِّ عَنْ
стр. 3021
التَّبْعِيضِ وَالتَّأْلِيفِ وَالتَّرْكِيبِ فَيُقَالُ لَهُ الْكَلَامُ فِي وَصْفِ اللَّهِ بِالْجِسْمِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا بِدْعَةً لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ كَمَا لَمْ يَقُولُوا أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ بَلْ مَنْ أَطْلَقَ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ اسْتَفْصَلَ عَمَّا أَرَادَ بِذَلِكَ فَإِنَّ فِي لَفْظِ الْجِسْمِ بَيْنَ النَّاطِقِينَ بِهِ نِزَاعًا كَثِيرًا فَإِنْ أَرَادَ تَنْزِيهَهُ عَنْ مَعْنًى يَجِبُ تَنْزِيهُ عَنْهُ مِثْلَ أَنْ يُنَزِّهَهُ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ فَهَذَا حَقٌّ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَنْ جَعَلَ الرَّبَّ جِسْمًا مِنْ جِنْسِ الْمَخْلُوقَاتِ فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُبْتَدَعَةِ ضَلَالًا دَعْ مَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ أَنَّهُ لَحْمٌ وَدَمٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الضَّلَالَاتِ الْمَنْقُولَةِ عَنْهُمْ وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ مَا ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ وَحَقِيقَةُ الْعَقْلِ أَيْضًا مِمَّا وَصَفَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ وَلَهُ فَهَذَا حَقٌّ وَإِنْ سُمِّيَ ذَلِكَ تَجْسِيمًا أَوْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تَكُونُ إلَّا لِجِسْمٍ فَمَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ هُوَ حَقٌّ وَإِذَا لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَعْنِيهِ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِلَفْظِ الْجِسْمِ فَلَازِمِ الْحَقِّ حَقٌّ كَيْفَ وَالْمُثْبِتَةُ تَقُولُ إنَّ ثُبُوتَ هَذَا مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَنَظَرِهِ وَهَكَذَا مُثْبِتُ لَفْظِ الْجِسْمِ إنْ أَرَادَ بِإِثْبَاتِهِ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ صَوَّبْنَا مَعْنَاهُ وَمَنَعْنَاهُ عَنْ الْأَلْفَاظِ الْمُبْتَدَعَةِ الْمُجْمَلَةِ وَإِنْ أَرَادَ بِلَفْظِ الْجِسْمِ مَا يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهُ مِنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ رَدَدْنَا ذَلِكَ عَلَيْهِ وَبَيَّنَّا ضَلَالَهُ وَإِفْكَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ نَقْلنَا الْكَلَامَ مَعَهُ إلَى إبْطَالِ التَّجْسِيمِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَدِلَّةَ النَّافِينَ وَالْمُثْبَتِينَ مُسْتَوْفَاةً فِي بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ فِي تَأْسِيسِ بِدَعِهِمْ الْكَلَامِيَّةِ وَتَبَيَّنَ لِكُلِّ مَنْ لَهُ أَدْنَى فَهْمٌ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَدِلَّةِ النَّفْيِ كُلِّهَا حُجَجٌ دَاحِضَةٌ وَأَنَّ جَانِبَ الْمُثْبِتَةِ أَقْوَى وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الَّذِي أَقُولُ إنَّهُ إذَا نُظِرَ إلَى إسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَسَعْدٍ وَسَعِيدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَائِرِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَجَمِيعِ الْوُفُودِ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْرِفْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إلَّا بِتَصْدِيقِ النَّبِيِّينَ وَأَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَدَلَائِلِ الرِّسَالَةِ لَا مِنْ قَبْلِ حَرَكَةٍ وَلَا سُكُونٍ وَلَا مِنْ بَابِ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ وَلَا مِنْ بَابِ كَانَ وَيَكُونُ وَلَوْ كَانَ النَّظَرُ فِي الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ عَلَيْهِمْ وَاجِبًا وَفِي الْجِسْمِ وَنَفْيِهِ وَالتَّشْبِيهِ وَنَفْيِهِ لَازِمًا مَا أَضَاعُوهُ وَلَوْ أَضَاعُوا الْوَاجِبَ لَمَا نَطَقَ الْقُرْآنُ بِتَزْكِيَتِهِمْ وَتَقْدِيمِهِمْ وَلَا أَطْنَبَ فِي مَدْحِهِمْ وَتَعْظِيمِهِمْ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِلْمِهِمْ مَشْهُورًا وَمِنْ أَخْلَاقِهِمْ مَعْرُوفًا لَاسْتَفَاضَ عَنْهُمْ وَشَهَرُوا بِهِ كَمَا شَهَرُوا بِالْقُرْآنِ وَالرِّوَايَاتِ.
стр. 3022
الْوَجْهُ السِّتُّونَ: إنَّ قَوْلَهُ وَالرَّبُّ وَاحِدٌ وَمُتَّصِفٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَمُتَقَدِّسٌ عَنْ التَّجَزُّؤِ وَالتَّبْعِيضِ وَقَوْلُ ابْنِ فُورَكٍ لِأَنَّ الرَّبَّ مُتَكَلِّمٌ وَاحِدٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ الَّتِي يَصِفُونَ فِيهَا الرَّبَّ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ وَيُشْعِرُونَ النَّاسَ أَنَّهُمْ بِذَلِكَ مُوَحِّدُونَ وَأَنَّ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْإِلْحَادِ الَّتِي أَفْسَدُوا بِهَا التَّوْحِيدَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَصْلُ الْمُحْدَثُ قَدْ زَيَّنَ لِهَؤُلَاءِ وَلِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُسْلِمِينَ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ بِذَلِكَ مُحْسِنُونَ حَتَّى سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ بِذَلِكَ مُوَحِّدِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ أَحَقُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مِنْهُمْ وَحَتَّى كَفَرُوا وَعَادَوْا الْمُسْلِمِينَ أَهْلَ التَّوْحِيدِ حَقًّا وَكَانُوا عَلَى الْأُمَّةِ أَضَرَّ مِنْ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ الَّذِي يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ وَهَؤُلَاءِ الْكِلَابِيَّةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ إنَّمَا أَخَذُوهُ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْجَهْمِيَّةِ وَلَمْ يُوَافِقُوهُمْ عَلَيْهِ كُلِّهِ بَلْ وَافَقُوهُمْ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ وَهَذَا هُوَ أَصْلُ جَهْمٍ الَّذِي أَسَّسَ عَلَيْهِ ضَلَالَاتِهِ وَهَؤُلَاءِ يُفَسِّرُونَ التَّوْحِيدَ وَاسْمَ اللَّهِ الْوَاحِدِ فِي أُصُولِ دِينِهِمْ بِثَلَاثَةِ مَعَانٍ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا التَّوْحِيدُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِي تَحْقِيقِ تِلْكَ الْمَعَانِي اخْتِلَافًا عَظِيمًا فَيَقُولُونَ فِي اسْمِ اللَّهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ لَهُ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ إحْدَاهَا: الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ وَلَا يَتَجَزَّأُ وَلَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَرَكَّبُ وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا تَفْسِيرُ اسْمِ الْأَحَدِ وَهَذِهِ الْوَحْدَانِيَّةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا هُنَا.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي إرْشَادِهِ الْقَوْلُ فِي وَحْدَانِيَّةِ الْبَارِي. فَصْلٌ فِي حَقِيقَةِ الْوَاحِدِ قَالَ أَصْحَابُنَا الْوَاحِدُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ أَوْ لَا يَصِحُّ انْقِسَامُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَلَوْ قُلْت الْوَاحِدُ هُوَ الشَّيْءُ كَانَ كَافِيًا هُوَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَرْكِيبٌ وَفِي قَوْلِ الْقَائِلِ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ نَوْعُ تَرْكِيبٍ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي يُقَالُ لِلْقَاضِي التَّرْكِيبُ الْمَحْدُودُ هُوَ أَنْ يَأْتِيَ إلْحَادٌ بِوَصْفٍ زَائِدٍ يَسْتَغْنِي عَنْهُ وَقَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْ الشَّيْءِ الْمُطْلَقِ مَا يُفْهَمُ مِنْ الْمُقَيَّدِ فَلَيْسَ يُفْهَمُ مِنْ الشَّيْءِ مَا يُفْهَمُ مِنْ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ فَإِنَّ الْوَحْدَةَ تُشْعِرُ بِانْتِفَاءِ الْقِسْمَةِ عَنْ الشَّيْءِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ التَّحْدِيدِ الْإِيضَاحُ أَجَابَ الْقَاضِي بِأَنْ قَالَ كَلَامُنَا فِي الْحَقَائِقِ وَالشَّيْءِ الْمُطْلَقِ هُوَ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ.
يُقَالُ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَحْدَةَ تُشْعِرُ بِانْتِفَاءِ الْقِسْمَةِ عَنْ الشَّيْءِ فَهُمَا أَمْرَانِ مُتَلَازِمَانِ لَا
стр. 3023
بُدَّ مِنْ التَّعْرِيضِ لَهُمَا كَمَا قُلْنَا فِي الْغِيَرَيْنِ كُلُّ مَوْجُودَيْنِ يَجُوزُ مُفَارَقَةُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ بِوَجْهٍ ثُمَّ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا سُئِلْنَا عَنْ الْوَاحِدِ فَنَقُولُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ تَرَدَّدَتْ بَيْنَ مَعَانٍ فَقَدْ يُرَادُ بِهَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ وُجُودُهُ الْقِسْمَةَ وَقَدْ يُطْلَقُ وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْإِشْكَالِ وَالنَّظَائِرِ عَنْهُ وَقَدْ يُطْلَقُ وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَلَاذَ سِوَاهُ وَهَذِهِ الْمَعَانِي مُتَحَقِّقَةٌ فِي وَصْفِ الْقَدِيمِ سُبْحَانَهُ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا قَسِيمَ لَهُ وَوَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ لَا شَبِيهَ لَهُ وَوَاحِدٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ قَالَ شَارِحُ الْإِرْشَادِ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيُّ شَيْخُ الشِّهْرِسْتَانِيّ وَحَكَى عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ الْوَاحِدُ هُوَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الرَّفْعَ وَالْوَضْعَ يَعْنِي الْفَصْلَ وَالْوَصْلَ أَشَارَ إلَى وَحْدَةِ الْإِلَهِ فَإِنَّ الْجَوْهَرَ وَاحِدٌ لَا يَنْقَسِمُ وَلَكِنْ يَقْبَلُ النِّهَايَةَ، الْإِلَهُ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَا يَقْبَلُ فَصْلًا وَلَا وَصْلًا وَنَحْنُ قَدْ أَقَمْنَا الدَّلَالَةَ فِي مَسْأَلَةِ نَفْيِ التَّجْسِيمِ عَلَى نَفْيِ الْأَقْسَامِ وَأَقَمْنَا الدَّلَالَةَ عَلَى نَفْيِ الْمِثْلِ وَبَقِيَ عَلَيْنَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى نَفْيِ الشَّرِيكِ قُلْت أَمَّا نَفْيُ الْمِثْلِ عَنْ اللَّهِ وَنَفْيُ الشَّرِيكِ فَثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ لَكِنْ قَدْ يُدْخِلُ طَوَائِفُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةِ بَلْ يَنْفِيَانِهِ وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ بِنَفْيِ الِانْقِسَامِ فَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ قَطُّ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ يُقَالُ إنَّهُ وَاحِدٌ إلَّا الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لَا يُقَالُ ذَلِكَ لِلْجَوْهَرِ الْفَرْدِ مَعَ أَنَّ أَبَا الْمَعَالِي هُوَ مِنْ الشَّاكِّينَ فِي ثُبُوتِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ فَإِذًا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِشَيْءٍ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ إنَّهُ وَاحِدٌ وَهَذَا خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْعَقْلِ وَإِذْ قِيلَ الْوَاحِدُ هُوَ الشَّيْءُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فَلَا يَكُونُ قَدْ خَلَقَ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ وَاحِدًا عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي فَسَّرُوهُ وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يُسَمِّيَ أَحَدٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ شَيْئًا ثُمَّ إنَّهُمْ يُسَمُّونَ؛ أَهْلَ الْكَلَامِ الْمُوَحِّدِينَ وَيُسَمُّونَ مَا كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَهُ الْكَلَامَ عِلْمَ التَّوْحِيدِ حَتَّى قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي أَوَّلِ إرْشَادِهِ بَعْدَ أَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ الْبَالِغِ بِاسْتِكْمَالٍ مِنْ الْبُلُوغِ أَوْ الْحُلُمِ شَرْعًا الْقَصْدُ إلَى النَّظَرِ الصَّحِيحِ الْمُفْضِي إلَى الْعِلْمِ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ.
قَالَ وَالنَّظَرُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُوَحِّدِينَ هُوَ الْفِكْرُ الَّذِي يَطْلُبُ مَنْ قَامَ بِهِ عِلْمًا أَوْ غَلَبَةَ ظَنٍّ وَأَيْضًا فَإِنَّ اسْمَ الْوَاحِدِ أَوْ الْأَحَدِ قَدْ جَعَلُوا لِلَّهِ فِيهِ شَرِيكًا آخَرَ لِمَوْجُودَاتٍ وَهُوَ الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ وَجَعَلَتْ الْمُتَفَلْسِفَة لَهُ فِي ذَلِكَ شُرَكَاءَ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ كَالنَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ عُمْدَةَ أَصْحَابِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ
стр. 3024
لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُون مَحِلًّا لِلْحَوَادِثِ هُوَ مِمَّا لَا رَيْبَ فِيهِ مَنْ يَعْرِفُ أُصُولَ الْكَلَامِ وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ أَفْضَلَ مُتَأَخِّرِيهِمْ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ فِي إرْشَادِهِ الَّذِي الْتَزَمَ أَنْ يَذْكُرَ فِيهِ قَوَاطِعَ الْأَدِلَّةِ. فَإِنَّهُ قَالَ فَصْلٌ الْبَارِي تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ آمِرٌ نَاهٍ مُخْبِرٌ وَاعِدٌ مُتَوَعِّدٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي خُلَلِ إثْبَاتِ أَحْكَامِ الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ أَنَّ الطَّرِيقَ إلَى إثْبَاتِ الْعِلْمِ بِكَوْنِ الرَّبِّ تَعَالَى مُتَكَلِّمًا عِنْدَ أُسْتَاذِنَا نَفَى النَّقَائِصَ إلَى السَّمْعِ وَتَوْجِيهِنَا عَلَى أَنْفُسِنَا السُّؤَالَ عَمَّا ثَبَتَ بِالسَّمْعِ قَالَ فَإِذَا صَحَّ كَوْنُ الْبَارِي مُتَكَلِّمًا فَقَدْ آنَ أَنْ نَتَكَلَّمَ فِي صِفَةِ كَلَامِهِ فَاعْلَمُوا أُوقِيتُمْ الْبِدَعَ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ أَزَلِيٍّ لَا مُفْتَتَحَ لِوُجُودِهِ وَأَطْبَقَ الْمُنْتَمُونَ إلَى الْإِسْلَامِ عَلَى إثْبَاتِ الْكَلَامِ وَلَمْ يَصِرْ مِنْهُمْ صَائِرٌ إلَى نَفْيِهِ وَلَمْ يَنْتَحِلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا نِحْلَةَ نُفَاةِ الصِّفَاتِ فِي كَوْنِهِ عَالِمًا قَادِرًا حَيًّا ثُمَّ ذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالزَّيْدِيَّةُ وَالْإِمَامِيَّةِ وَمَنْ عَدَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَى أَنَّ كَلَامَ الْبَارِي تَعَالَى عَنْ قَوْلِ الزَّائِغِينَ حَادِثٌ مُسْتَفْتِحُ الْوُجُودِ وَصَارَ صَائِرُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ إلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ تَسْمِيَتِهِ مَخْلُوقًا مَعَ الْقَطْعِ بِحُدُوثِهِ لِمَا فِي لَفْظِ الْمَخْلُوقِ مِنْ إيهَامِ الْخَلْقِ إذْ الْكَلَامُ الْمُخْتَلَقُ هُوَ الَّذِي يُبْدِيهِ الْمُتَكَلِّمُ تَخَرُّصًا مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ وَأَطْلَقَ مُعْظَمُ الْمُعْتَزِلَةِ لَفْظَ الْمَخْلُوقِ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ وَذَهَبَتْ الْكَرَّامِيَّةُ إلَى أَنَّ الْكَلَامَ قَدِيمٌ وَالْقَوْلَ حَادِثٌ غَيْرُ مُحْدَثٍ وَالْقُرْآنَ قَوْلُ اللَّهِ وَلَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الْقُدْرَةُ عَلَى التَّكَلُّمِ وَقَوْلُهُ حَادِثٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى عَلَى قَوْلِ الْمُبْطِلِينَ وَهُوَ غَيْرُ قَائِلٍ بِالْقَوْلِ الَّذِي قَامَ بِهِ بَلْ هُوَ قَائِلٌ بِالْقَابِلِيَّةِ وَكُلُّ مُفْتَتِحِ وُجُودِهِ قَائِمٌ بِالرَّبِّ فَهُوَ حَادِثٌ بِالْقُدْرَةِ غَيْرُ مُحْدَثٍ وَكُلُّ مُحْدَثٍ مُبَايِنٌ لِلذَّاتِ فَهُوَ مُحْدَثٌ بِقَوْلِهِ كُنْ لَا بِالْقُدْرَةِ فِي هَذَيَانٍ طَوِيلٍ لَا يَسَعُ هَذَا الْمُعْتَقَدَ اسْتِقْصَاؤُهُ وَغَرَضُنَا مِنْ إيضَاحِ الْحَقِّ وَالرَّدِّ عَلَى مُنْكِرِيهِ لَا يَتَبَيَّنُ إلَّا بَعْدَ عَقْدِ فُصُولٍ فِي مَاهِيَّةِ الْكَلَامِ وَحَقِيقَتِهِ شَاهِدًا حَتَّى إذَا وَضَحَتْ الْأَغْرَاضُ مِنْهَا انْعَطَفْنَا بَعْدَهَا إلَى مَقْصِدِنَا وَقَدْ الْتَزَمْنَا التَّمَسُّكَ بِالْقَوَاطِعِ فِي هَذَا الْمُعْتَقَدِ عَلَى صِغَرِ حَجْمِهِ وَآثَرْنَا إجْرَاءَهُ عَلَى خِلَافِ مَا صَادَفْنَا مِنْ مُعْتَقَدَاتِ الْأَئِمَّةِ وَهَذَا الشَّرْطُ يُلْزِمُنَا ظِرَافًا مِنْ الْبَسْطِ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ وَهَا نَحْنُ خَائِضُونَ فِيهِ ثُمَّ تَكَلَّمَ فِي حَدِّ الْكَلَامِ ثُمَّ تَكَلَّمَ فِي أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ
стр. 3025
لَا مَنْ فَعَلَهُ ثُمَّ بَنَى عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ قَائِمًا بِهِ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ اسْتِحَالَةُ كَوْنِهِ حَادًّا لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى اسْتِحَالَةِ قَبُولِهِ لِلْحَوَادِثِ وَلَا يَبْقَى بَعْدَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ إلَّا مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ فِي وَصْفِ الْبَارِي تَعَالَى بِكَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامٍ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِهِ وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَ.
فَصْلٌ مِمَّا يُخَالِفُ الْجَوْهَرُ فِيهِ حُكْمَ الْإِلَهِ قَبُولَ الْأَعْرَاضِ وَصِحَّةَ الِاتِّصَافِ بِالْحَوَادِثِ وَالرَّبُّ مُتَقَدِّسٌ عَنْ قَبُولِ الْحَوَادِثِ قَالَ وَذَهَبَتْ الْكَرَّامِيَّةُ إلَى أَنَّ الْحَوَادِثَ تَقُومُ بِذَاتِ الْإِلَهِ تَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمْ ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَتَّصِفُ بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ الْحَوَادِثِ قَالَ وَصَارُوا إلَى جَهَالَةٍ لَمْ يُسْبَقُوا إلَيْهَا فَقَالُوا الْقَوْلُ الْحَادِثُ يَقُومُ بِذَاتِ الرَّبِّ وَهُوَ غَيْرُ قَائِلٍ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ قَائِلٌ بِالْقَابِلِيَّةِ وَحَقِيقَةُ أُصُولِهِمْ أَنَّ أَسْمَاءَ الرَّبِّ لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَجَدَّدَ وَكَذَلِكَ وَصَفُوهُ بِكَوْنِهِ تَعَالَى خَالِقًا فِي الْأَزَلِ فَلَمْ يَتَحَاشَوْا مِنْ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِهِ وَتَنَكَّبُوا إثْبَاتَ وَصْفٍ جَدِيدٍ لَهُ ذِكْرًا وَقَوْلًا قَالَ وَالدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِ مَا قَالُوهُ أَنَّهُ لَوْ قَبِلَ الْحَوَادِثَ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْجَوَاهِرِ حَيْثُ قَضَيْنَا بِاسْتِحَالَةِ تَعَرِّيهَا عَنْ الْأَعْرَاضِ وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ لَمْ يَسْبِقْهَا وَيَنْسَاقُ ذَلِكَ إلَى الْحُكْمِ بِحُدُوثِ الصَّانِعِ.
قَالَ وَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الدَّلِيلُ عَلَى أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ مَعَ مَصِيرِهِمْ إلَى تَجْوِيزِ خُلُوِّ الْجَوْهَرِ عَنْ الْأَعْرَاضِ عَلَى تَفْصِيلٍ لَهُمْ أَشَرْنَا إلَيْهِ وَإِثْبَاتُهُمْ أَحْكَامًا مُتَجَدِّدَةً لِذَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى مِنْ الْإِرَادَاتِ الْحَادِثَةِ الْقَائِمَةِ لَا بِمُحَالٍ عَلَى زَعْمِهِمْ وَبِصَدِّهِمْ أَيْضًا عَنْ طَرْدِ الدَّلِيلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْتَنِعْ تَجَدُّدُ أَحْكَامِ الذَّاتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْحُدُوثِ لَمْ يَبْعُدْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي اعْتِوَارِ نَفْسِ الْأَعْرَاضِ عَلَى الذَّاتِ قَالَ وَتَقُولُ الْكَرَّامِيَّةُ مَصِيرُكُمْ إلَى إثْبَاتِ قَوْلٍ حَادِثٍ مَعَ نَفْيِكُمْ اتِّصَاف الرَّبِّ بِهِ تَنَاقُضٌ إذْ لَوْ جَازَ قِيَامُ مَعْنًى بِمَحَلٍّ غَائِبٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَّصِفَ الْمَحَلُّ بِحُكْمِهِ لَجَازَ شَاهِدًا قِيَامُ أَقْوَالٍ وَعُلُومٍ وَإِرَادَاتٍ بِمَحَالَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَّصِفَ الْمَحَالُّ بِأَحْكَامٍ مُرَكَّبَةٍ عَلَى الْمَعَانِي وَذَلِكَ يَخْلِطُ الْحَقَائِقَ وَيَجُرُّ إلَى الْجَهَالَاتِ ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ إذَا جَوَّزْتُمْ قِيَامَ ضُرُوبٍ مِنْ الْحَوَادِثِ بِذَاتِهِ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَجْوِيزِ قِيَامِ أَكْوَانٍ حَادِثَةٍ بِذَاتِهِ عَلَى التَّعَاقُبِ وَكَذَلِكَ سَبِيلُ الْإِلْزَامِ فِيمَا
стр. 3026
يُوَافِقُونَنَا عَلَى اسْتِحَالَةِ قِيَامِهِ بِهِ مِنْ الْحَوَادِثِ وَمِمَّا يَلْزَمُهُمْ تَجْوِيزُ قِيَامِ قُدْرَةٍ حَادِثَةٍ وَعِلْمٍ حَادِثٍ بِذَاتِهِ عَلَى حَسَبِ أَصْلِهِمْ فِي الْقَوْلِ وَالْإِرَادَةِ الْحَادِثَتَيْنِ وَلَا يَجِدُونَ بَيْنَ مَا جَوَّزُوهُ وَامْتَنَعُوا مِنْهُ فَصْلًا وَنَقُولُ أَيْضًا إذَا وَصَفْتُمْ الْبَارِيَ تَعَالَى بِكَوْنِهِ مُتَحَيِّزًا وَكُلُّ مُتَحَيِّزٍ وَحَجْمٍ جُرْمٌ فَلَا يَتَقَرَّرُ فِي الْمَعْقُولِ خُلُوُّ الْأَجْرَامِ عَنْ الْأَكْوَانِ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَجْوِيزِ قِيَامِ الْأَكْوَانِ بِذَاتِ الرَّبِّ وَلَا مَحِيصَ لَهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا أَلْزَمُوهُ.
قُلْت هَذِهِ جُمْلَةُ كَلَامِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَلْفَاظِهِ وَمَدْلُولِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: إنَّهُ لَوْ قَبِلَهَا لَمْ يَخْلُ مِنْهَا وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ وَالثَّانِي: إنَّهُ لَوْ قَبِلَهَا لَاتَّصَفَ بِهَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إذَا قَبِلَ بَعْضَهَا فَيَجِبُ أَنْ يَقْبَلَ غَيْرَهُ.
وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ وَهَاتَانِ الْحُجَّتَانِ الثَّانِيَتَانِ جَدَلِيَّتَانِ فَإِنَّ كَوْنَهُ مُتَّصِفًا بِالْأَفْعَالِ الَّتِي تَقُومُ بِهِ أَوْ غَيْرَ مُتَّصِفٍ إلَّا بِالصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لَهُ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ وَكَذَلِكَ كَوْنُ الْمُنَازِعِ جَوَّزَ قِيَامَ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يُبَيِّنَ فَرْقًا بَيْنَ الْمَمْنُوعِ وَالْمُجَوَّزِ أَوْ لَا يُبَيِّنُ فَرْقًا فَإِنْ بَيَّنَ فَرْقًا ثَبَتَ الْفَرْقُ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فَرْقًا فَقَدْ يَكُونُ عَجْزًا مِنْهُ وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَلْزَمُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ إمَّا جَوَازُ الْجَمِيعِ وَإِمَّا الْمَنْعُ مِنْ الْجَمِيعِ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الِامْتِنَاعُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَسْأَلَةِ حُجَّةً إلَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِ لَوْ قَبِلَهَا لَمْ يَخْلُ مِنْهَا وَهَذِهِ حُجَّةٌ أَحَالَ فِيهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ قَبِلَ الْحَوَادِثَ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْجَوَاهِرِ حَيْثُ قَضَيْنَا بِاسْتِحَالَةِ تَعَرِّيهَا عَنْ الْأَعْرَاضِ وَهَذَا الَّذِي أَحَالَ عَلَيْهِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الطَّرِيقَةَ الْمَشْهُورَةَ الْكَلَامِيَّةَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أُصُولٍ قَالَ وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّالِثُ فَهُوَ يُبَيِّنُ، اسْتِحَالَةَ تَعَرِّي الْجَوَاهِرِ عَنْ الْأَعْرَاضِ.
فَاَلَّذِي صَارَ إلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ أَنَّ الْجَوْهَرَ لَا يَخْلُو عَنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْأَعْرَاضِ وَعَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ أَضْدَادٌ فَإِنْ كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ لَمْ يَخْلُ الْجَوْهَرُ عَنْ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ فَإِنْ قُدِّرَ عَرَضٌ لَا ضِدَّ لَهُ لَمْ يَخْلُ الْجَوْهَرُ عَنْ قَبُولِ وَاحِدٍ مِنْ جِنْسِهِ قَالَ وَجَوَّزَتْ الْمُلْحِدَةُ خُلُوَّ الْجَوَاهِرِ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْرَاضِ وَالْجَوَاهِرُ فِي اصْطِلَاحِهِمْ تُسَمَّى الْهَيُولَى وَالْمَادَّةُ وَالْأَعْرَاضُ تُسَمَّى الصُّوَرُ وَجَوَّزَ الصَّالِحِيُّ الْخُلُوَّ عَنْ جُمْلَةِ الْأَعْرَاضِ ابْتِدَاءً وَمَنَعَ الْبَصْرِيُّونَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْعُرُوَّ عَنْ الْأَكْوَانِ وَجَوَّزُوا الْعُرُوَّ عَمَّا عَدَاهَا وَقَالَ الْكَعْبِيُّ وَمُتُوعُهُ يُجَوِّزُ الْخُلُوَّ عَمَّا سِوَى الْأَكْوَانِ وَيَمْتَنِعُ الْخُلُوُّ عَنْ الْأَكْوَانِ قَالَ وَكُلُّ مُخَالِفٍ لَنَا وَافَقَنَا عَلَى امْتِنَاعِ الْعُرُوِّ عَنْ
стр. 3027
الْأَعْرَاضِ بَعْدَ قَبُولِ الْجَوَاهِرِ فَيُفْرَضُ الْكَلَامُ مَعَ الْمُلْحِدَةِ فِي الْأَكْوَانِ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِيهَا يَسْتَنِدُ إلَى الضَّرُورَةِ فَإِنَّا بِبَدِيهَةِ الْمَعْقُولِ نَعْلَمُ أَنَّ الْجَوَاهِرَ الْقَابِلَةَ لِلِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ لَا تُعْقَلُ غَيْرَ مُمَاسَّةٍ وَلَا مُتَبَايِنَةٍ وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهَا إذَا اجْتَمَعَتْ فِيمَا لَا يُزَالُ فَلَا يَتَقَرَّرُ فِي الْعَقْلِ اجْتِمَاعُهَا إلَّا عَنْ افْتِرَاقٍ سَابِقٍ إذَا قُدِّرَ لَهَا الْوُجُودُ قَبْلَ الِاجْتِمَاعِ.
وَكَذَلِكَ إذَا طَرَأَ الِافْتِرَاقُ عَلَيْهَا اضْطَرَرْنَا إلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ الِافْتِرَاقَ مَسْبُوقٌ بِاجْتِمَاعٍ وَغَرَضُنَا فِي رَوْمِ إثْبَاتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ يَتَّضِحُ بِالْأَكْوَانِ وَإِنْ حَاوَلْنَا رَدًّا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِيمَا خَالَفُونَا فِيهِ تَمَسُّكًا بِنُكْتَتَيْنِ إحْدَاهُمَا الِاسْتِشْهَادُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى امْتِنَاعِ الْعُرُوِّ عَنْ الْأَعْرَاضِ بَعْدَ الِاتِّصَافِ بِهَا فَنَقُولُ كُلُّ عَرَضٍ بَاقٍ فَإِنَّهُ يَنْتَهِي عَنْ مَحَلِّهِ بِطَرَيَانِ ضِدِّهِ وَالضِّدُّ إنَّمَا يَطْرَأُ فِي حَالِ عَدَمِ الْمُنْتَفِي بِهِ عَلَى زَعْمِهِمْ فَإِذَا انْتَفَى الْبَيَاضُ فَهَلَّا جَازَ أَنْ لَا يَحْدُثَ بَعْدَ انْتِفَائِهِ لَوْنٌ إنْ كَانَ يَجُوزُ تَقْدِيرُ الْخُلُوِّ عَنْ الْأَلْوَانِ ابْتِدَاءً وَتَطَّرِدُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ فِي أَجْنَاسِ الْأَعْرَاضِ وَنَقُولُ أَيْضًا الدَّالُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِذَاتِ الرَّبِّ أَنَّهَا لَوْ قَامَتْ بِهِ لَمْ يَخْلُ عَنْهَا وَذَلِكَ يَقْضِي بِحُدُوثِهِ فَإِذَا جَوَّزَ الْخَصْمُ عُرُوَّ الْجَوْهَرِ عَنْ حَوَادِثَ مَعَ قَبُولِهِ لَهَا صِحَّةً وَجَوَازًا فَلَا يَسْتَقِيمُ مَعَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحَالَةِ قَبُولِ الْبَارِي تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ.
قُلْت فَهَذَا جُمْلَةُ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حُجَّةً أَصْلًا عَلَى الْمَطْلُوبِ بَلْ فِيهِ إحَالَةٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: الْقَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ أَنَّ الْجَوْهَرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ عَنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْأَعْرَاضِ وَعَنْ أَضْدَادِهَا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِهِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ عَرْضٌ وَاحِدٌ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ ضِدٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَقُولُ إنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ كَدَعْوَى الطَّعْمِ وَالرِّيحِ لِلْهَوَاءِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي مُقَابَلَةِ هَذَا وَهُوَ جَوَازُ خُلُوِّهِ عَنْ كُلِّ عَرَضٍ.
وَالثَّالِثُ: الْخُلُوُّ عَنْ جَمِيعِهَا فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الدَّوَامِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يَمْتَنِعُ خُلُوُّهُ عَنْ الْأَكْوَانِ وَيَجُوزُ خُلُوُّهُ عَمَّا سِوَاهَا وَهُوَ قَوْلُ بَصْرِيِّ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَالْخَامِسُ: امْتِنَاعُ خُلُوِّهَا عَنْ الْأَكْوَانِ دُونَ مَا سِوَاهَا وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّ الْكَعْبِيِّ وَأَتْبَاعِهِ وَهُمْ أَغْلَظُ بِدْعَةً مِنْ الْبَصْرِيِّينَ ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُقِمْ دَلِيلًا إلَّا عَلَى الْأَكْوَانِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَا قَبْلَ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ لَمْ يُعْقَلْ إلَّا مُجْتَمَعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا وَذَكَرَ أَنَّ
стр. 3028
مَقْصُودَهُ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ يَتِمُّ بِالْأَكْوَانِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ يُجَوِّزُ خُلُوَّهَا عَنْ الْأَكْوَانِ وَقَدْ ذَكَرَ عَنْ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُمْ لَا يُخَالِفُونَهُ فِي ذَلِكَ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِحُجَّتَيْنِ إلْزَامِيَّتَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا حُجَّةٌ عِلْمِيَّةٌ إحْدَاهُمَا مَا سَلَّمُوهُ مِنْ امْتِنَاعِ الْخُلُوِّ بَعْدَ قِيَامِ الْعَرَضِ وَسَوَّى بَيْنَ الْحَالَيْنِ وَقَالَ إذَا جَازَ أَنْ يَخْلُوَ قَبْلَ قِيَامِ الْعَرَضِ عَنْ الضِّدَّيْنِ جَازَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُقَالُ لَهُ إنْ كَانَتْ هَذِهِ التَّسْوِيَةُ بَاطِلَةً ثَبَتَ الْفَرْقُ وَبَطَلَ قَوْلُك وَإِنْ كَانَتْ التَّسْوِيَةُ صَحِيحَةً لَزِمَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إمَّا جَوَازُ الْخُلُوِّ قَبْلُ وَبَعْدُ أَوْ امْتِنَاعُ الْخُلُوِّ قَبْلُ وَبَعْدُ لَا يَلْزَمُ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ وَمُوَافَقَةُ الْمُنَازِعِ لَك عَلَى امْتِنَاعِ الْخُلُوِّ بَعْدُ لَا يُفِيدُك أَنْتَ عِلْمًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَك وَلَا لَهُ حُجَّةٌ عَلَى ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ يُعْلَمُ بِهَا امْتِنَاعُ الْخُلُوِّ فِيمَا بَعْدُ حَتَّى يَلْحَقَ بِهِ مَا قَبْلُ وَلَيْسَ مَعَك فِي ذَلِكَ إجْمَاعٌ مَعْصُومٌ مِنْ الْخَطَإِ إذْ ذَاكَ إجْمَاعُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَطَائِفَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى خَطَأٍ إذَا أَكْثَرُ الْأُمَّةِ يُخَطِّئُهُمْ كُلَّهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِمْ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يُمْكِنُ دَعْوَى عَدَمِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ غَرَضُنَا الْكَلَامَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ قَوْلُهُ فِي النُّكْتَةِ الثَّانِيَةِ الدَّالُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِذَاتِ الرَّبِّ أَنَّهَا لَوْ قَامَتْ بِهِ لَمْ يَخْلُ عَنْهَا وَذَلِكَ يَقْضِي بِحُدُوثِهِ فَإِذَا جَوَّزَ الْخَصْمُ عُرُوَّ الْجَوْهَرِ عَنْ الْحَوَادِثِ مَعَ قَبُولِهِ لَهَا صِحَّةً وَجَوَازًا فَلَا يَسْتَقِيمُ مَعَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحَالَةِ قَبُولِ الْبَارِي لِلْحَوَادِثِ.
فَيُقَالُ لَك: أَنْتَ قَدْ ذَكَرْت أَيْضًا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى أُصُولِهِمْ الِاحْتِجَاجُ عَلَى أَنَّ الْحَوَادِثَ لَا تَقُومُ بِذَاتِ الْبَارِي مَعَ تَجْوِيزِهِمْ خُلُوَّ الْجَوَاهِرِ عَنْ الْأَعْرَاضِ وَمَعَ قَضَائِهِمْ بِتَجَدُّدِ أَحْكَامِ الرَّبِّ ﵎ وَأَمَّا أَنْتَ وَأَصْحَابُك فَلَمْ تَذْكُرُوا حُجَّةً عَلَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ خُلُوُّ الْجَوَاهِرِ عَنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْأَعْرَاضِ وَلَا أَقَمْتُمْ حُجَّةً عَلَى أَنَّ الْقَابِلَ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو مِنْهُ وَمِنْ ضِدِّهِ وَلَا أَقَمْتُمْ حُجَّةً عَلَى اسْتِحَالَةِ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِهِ بَلْ أَنْتَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوَادِثِ جَعَلْت الدَّلِيلَ الْقَاطِعَ الَّذِي تَحْتَجُّ بِهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ الَّذِي ذَكَرْت أَنَّهُ لَيْسَ فِي بَابِهِ مِثْلُهُ هُوَ قَوْلُك أَنَّهُ لَوْ قَبِلَ الْحَوَادِثَ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْجَوَاهِرِ حَيْثُ قَضَيْنَا بِاسْتِحَالَةِ تَعَرِّيهَا عَنْ الْأَعْرَاضِ وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ لَمْ يَسْبِقْهَا وَيَنْسَاقُ ذَلِكَ إلَى الْحُكْمِ بِحُدُوثِ الصَّانِعِ فَيُقَالُ لَهُ قَوْلُك لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ إحَالَةً عَلَى مَا مَضَى وَأَنْتَ لَمْ تُقَرِّرْ فِيمَا مَضَى أَنَّ مَا قَبْلَ الشَّيْءِ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ وَلَا قَرَّرْت أَنَّ كُلَّ جَوْهَرٍ قَبِلَ عَرَضًا يَسْتَحِيلُ خُلُوُّهُ عَنْهُ وَلَا قَرَّرْت أَيْضًا اسْتِحَالَةَ
стр. 3029
تَعَرِّي الْجَوَاهِرِ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْرَاضِ إذْ هَذَا يَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَتَيْنِ إحْدَاهُمَا إمْكَانُ قِيَامِ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْأَعْرَاضِ بِكُلِّ جَوْهَرٍ، الثَّانِيَةُ أَنَّ الْقَابِلَ لِشَيْءٍ لَا يَخْلُو مِنْهُ وَمِنْ ضِدِّهِ وَأَنْتَ لَمْ تَذْكُرْ حُجَّةً عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَايَةُ مَا ذَكَرْت أَنَّك أَثْبَتّ الْأَكْوَانَ الَّتِي هِيَ الِاجْتِمَاعُ وَالِافْتِرَاقُ فَقَطْ وَأَنَّك ادَّعَيْت تَنَاقُضَ الْمُعْتَزِلَةَ حَيْثُ فَرَّقُوا بَيْنَ مَا قَبْلَ الِاتِّصَافِ وَبَعْدَهُ وَحَيْثُ إنَّهُمْ إذَا جَوَّزُوا خُلُوَّ الْجَوْهَرِ عَنْ بَعْضِ الْحَوَادِثِ مَعَ قَبُولِهِ بَطَلَ الِاسْتِدْلَال عَلَى امْتِنَاعِ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِذَاتِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ مَعَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحَالَةِ قَبُولِ الْبَارِي لِلْحَوَادِثِ فَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ تَنَاقُضِ الْمُعْتَزِلَةَ وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ عَلَى امْتِنَاعِ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِالرَّبِّ فِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ عَلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ إلَّا هَذِهِ الْحُجَّةَ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَبِلَ الْجَوْهَرُ الْعَرَضَ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ ثُمَّ هَذِهِ الدَّعْوَى لَمْ تَذْكُرْ أَنْتَ أَيْضًا عَلَيْهَا حُجَّةً أَصْلًا فَقَدْ أَقْرَرْت بِأَنَّ قَوْلَ أَصْحَابِك وَقَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ قَبُولِ الْحَوَادِثِ قَوْلٌ بِلَا حُجَّةٍ أَصْلًا فَأَيْنَ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ فِي ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ قَاطِعًا وَهَذَا إذَا تَدَبَّرَهُ الْعَاقِلُ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْقَوْمَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ يَقُولُهُ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي الْأَكْوَانِ كَالِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ فَيُقَالُ هَذَا حَقٌّ، فَإِنَّ مَا كَانَ قَابِلًا أَنْ يَكُونَ مُجْتَمِعًا وَأَنْ يَكُونَ مُفْتَرِقًا لَكِنْ هَذَا لَا عُمُومَ فِيهِ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ وَالْأَعْرَاضِ وَغَايَتُهُ أَنْ يُثْبِتَ نَظِيرَهُ فِي الرَّبِّ فَيَقُولَ إذَا كَانَتْ ذَاتُهُ قَابِلَةً لِلِاجْتِمَاعِ أَوْ الِافْتِرَاقِ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجْتَمِعًا أَوْ مُفْتَرِقًا فَالْمُنَازِعُ لَك إنْ لَمْ يُسَلِّمْ قَبُولَهُ لِهَذَيْنِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ لَا يُسَلِّمَ قَبُولَهُ لِغَيْرِهِمَا مِنْ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ كَمَا تَقُولُهُ أَنْتَ وَإِنْ سَلَّمَ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّهُ أَحَدٌ صَمَدٌ وَالصَّمَدُ أَصْلُهُ الْمُجْتَمِعُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ فَإِنَّهُ يَقُولُ اجْتِمَاعُهُ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَهُوَ مِنْ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لَهُ الَّتِي لَا يَجُوزُ عَدَمُهَا وَلَيْسَ مِنْ الْحَوَادِثِ فَصِفَاتُ الْجَوْهَرِ الْمَخْلُوقَةِ تَقْبَلُ الزَّوَالَ إذْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهَا الْبَقَاءُ بِخِلَافِ صِفَاتِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ لَهُ كَمَا أَنَّ ذَوَاتِ الْجَوْهَرِ الْمَخْلُوقَةِ تَقْبَلُ الْعَدَمَ وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْعَدَمُ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا عَلَى حُدُوثِ الْجَوَاهِرِ أَيْضًا كَمَا لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا عَلَى امْتِنَاعِ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِالرَّبِّ فَإِنَّ دَلِيلَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَرْبَعِ مُقَدِّمَاتٍ ثُبُوتِ الْأَعْرَاضِ وَثُبُوتِ أَنَّهَا جَمِيعًا حَادِثَةٌ وَأَنَّ الْجَوْهَرَ لَا يَخْلُو مِنْهَا وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ حَوَادِثُ لَا أَوَّلَ لَهَا وَهُوَ لَمْ يُثْبِتْ مِنْ الْأَعْرَاضِ اللَّازِمَةِ لِلْجَوَاهِرِ إلَّا الْأَكْوَانَ (الِاجْتِمَاعُ
стр. 3030
وَالِافْتِرَاقُ) وَهُوَ لَمْ يُثْبِتْ حُدُوثَهَا إلَّا بِقَبُولِهَا الْعَدَمَ فَمَا لَمْ يَثْبُتْ عَدَمُهُ لَمْ يُعْلَمْ حُدُوثُهُ وَلَمْ يَثْبُتْ جَوَازُ تَفَرُّقِ كُلِّ الْأَجْسَامِ مَعَ أَنَّ الْحُجَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي أَنَّ مَا ثَبَتَ عَدَمُهُ امْتَنَعَ قِدَمُهُ فِيهَا كَلَامٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْكَلَامُ فِي مَسْأَلَةِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ الَّتِي جَعَلَتْهَا الْجَهْمِيَّةُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَصْلًا عَظِيمًا فِي تَعْطِيلِ مَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] وَغَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقْبَلُ أَنْ يَفْعَلَ بَعْدُ إنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا وَالْقَوْلُ بِأَنَّ فَاعِلًا يَفْعَلُ وَحَالُهُ قَبْلَ الْفِعْلِ وَبَعْدُ سَوَاءٌ وَلَمْ يَقُمْ بِهِ فِعْلُ نَفْسِهِ هُوَ فِي الْمَعْقُولِ أَبْعَدُ مِنْ كَوْنِ السَّاكِنِ الَّذِي سُكُونُهُ قَدِيمٌ يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَحَرَّكَ لِأَنَّ السُّكُونَ الْقَدِيمَ يَمْتَنِعُ عَدَمُهُ وَلَوْ عَرَضَ عَلَى الْعَقْلِ الصَّحِيحِ جَوَازُ أَنْ يُبْدِعَ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي نَفْسِهِ فِعْلٌ أَصْلًا وَجَوَازُ أَنْ يَفْعَلَ وَيَكُونَ فِعْلُهُ فِي نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ تَارِكًا لَكَانَ الثَّانِي أَقْرَبَ إلَى عَقْلِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّ هَذَا الثَّانِي مَعْقُولٌ وَالْأَوَّلُ غَيْرُ مَعْقُولٍ.
وَبِهَذَا اسْتَطَالَتْ عَلَيْهِمْ الدَّهْرِيَّةُ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّهُمْ ادَّعَوْا حُدُوثَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَامِ وَمَضْمُونُ عُمُومِ كَلَامِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ ادَّعَوْا حُدُوثَ كُلِّ مَوْجُودٍ لَكِنْ لَمْ يَقْصِدُوا ذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ لَازِمٌ لَهُمْ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ وَالدَّهْرِيَّةُ ادَّعَوْا قِدَمَ السَّمَوَاتِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا كُفْرٌ بَاطِلٌ أَيْضًا لَكِنْ صَارَ كُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ يُعَارِضُ الْآخَرَ بِحُجَجٍ تُبْطِلُ حُجَجَ نَفْسِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ بَاطِلٌ فَتَكُونُ حُجَّتُهُمْ بَاطِلَةً فَيُمْكِنُ إبْطَالُهَا، وَلِهَذَا كَانَ غَالِبُ أَئِمَّتِهِمْ يَقُولُونَ بِتَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَحْوِهَا وَيَصِيرُونَ فِيهَا إلَى الْوَقْفِ وَالْحَيْرَةِ، ثُمَّ هُمْ مَعَ ذَلِكَ قَدْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِمَا ادَّعَوْهُ مِنْ الْقَوْلِ بِهَذَا الْحُدُوثِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِنِفَاقِهِمْ وَزَنْدَقَتِهِمْ وَذَلِكَ بَاطِلٌ لَيْسَ هَذَا مِنْ أَصْلِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ أَحَدُ شُيُوخِ الْأَشْعَرِيِّ وَقَدْ فَرِحَ أَصْحَابُ الْأَشْعَرِيِّ بِمُوَافَقَتِهِ وَمُوَافَقَةِ أَبِي عِيسَى الْوَرَّاقِ لَهُمْ عَلَى إثْبَاتِ كَلَامِ النَّفْسِ وَمَعَ هَذَا فَلَهُ كِتَابٌ مَشْهُورٌ سَمَّاهُ (كِتَابُ التَّاجِ) فِي قِدَمِ الْعَالَمِ.
وَذَكَرَ الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ وَهُوَ (مَفْصُولٌ) ذَكَرَ عِلَلَ الْمُلْحِدِينَ وَالدَّهْرِيِّينَ مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ فِي قِدَمِ الْعَالَمِ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِكِتَابِ التَّاجِ وَهُوَ الَّذِي نَصَرَ فِيهِ الْقَوْلَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَقَدْ
стр. 3031
قِيلَ إنَّ الْأَشْعَرِيَّ فِي آخِرِ عُمْرِهِ أَقَرَّ بِتَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ بِالرَّازِيِّ فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ يَذْكُرُ أَدِلَّةَ الطَّائِفَتَيْنِ وَيُصَرِّحُ فِي آخِرِ كُتُبِهِ وَآخِرِ عُمْرِهِ وَهُوَ كِتَابُ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ بِتَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ وَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ مَحَارَاتِ الْعُقُولِ وَلِهَذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَتْبَاعِهِمْ الشَّكَّ وَالِارْتِيَابَ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا حَدَّثَنِي مِمَّنْ حَدَّثَهُ ابْنُ بَادَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْخِسْرُوشَاهِي وَهُوَ أَحَدُ تَلَامِذَةِ ابْنِ الْخَطِيبِ الَّذِي قَدِمَ إلَى الشَّامِ وَمِصْرَ وَأَخَذَهُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَاحِبُ الْكَرْكِ إلَى عِنْدِهِ وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ حَتَّى قِيلَ إنَّهُ حَصَلَ لَهُ اضْطِرَابٌ فِي الْإِيمَانِ مِنْ جِهَتِهِ وَجِهَةِ أَمْثَالِهِ. قَالَ: دَخَلْت عَلَيْهِ بِدِمَشْقَ فَقَالَ لِي يَا فُلَانُ مَا تَعْتَقِدُ. قُلْت: أَعْتَقِدُ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمُسْلِمُونَ قَالَ وَأَنْتَ جَازِمٌ بِذَلِكَ وَصَدْرُك مُنْشَرِحٌ لَهُ قُلْت نَعَمْ قَالَ فَبَكَى بُكَاءً عَظِيمًا أَظُنُّهُ قَالَ لَكِنَّنِي وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَعْتَقِدُ لَكِنَّنِي وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَعْتَقِدُ لَكِنَّنِي وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَعْتَقِدُ.
وَحَدَّثَنِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ عَنْ مُؤَذِّنِ الْكَرْكِ قَالَ صَعِدْت لَيْلَةً بِوَقْتٍ فَسَبَّحْت فِي الْمَنَارَةِ ثُمَّ نَزَلْت وَالْخَسَر وَشَاهِيّ سَاهِرٌ مَعَ السُّلْطَانِ يَتَحَدَّثَانِ فَقَالَ إلَى السَّاعَةِ أَنْتَ تُسَبِّحُ فِي الْمَنَارَةِ فَقُلْت نَعَمْ فَقَالَ بِتّ تُنَاجِي الرَّحْمَنَ وَبِتّ أُنَاجِي الشَّيْطَانَ وَأَيْضًا فَمَا ذَكَرَهُ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تَصُدُّهُمْ عَنْ طَرْدِ الدَّلِيلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْتَنِعْ تَجَدُّدُ أَحْكَامٍ لِلذَّاتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْحُدُوثِ لَمْ يَبْعُدْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي اعْتِوَارِ الْأَعْرَاضِ عَلَى الذَّاتِ يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ فِي تَجَدُّدِ حُكْمِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ دُونَ الْمَعْدُومِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ بَعْدَ أَنْ خَلَقَ الْمَوْجُودَاتِ كَحَالِهِ قَبْلَ وُجُودِهَا فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ أَوْ لَا يَكُونُ فَإِنْ كَانَ حَالُهُ قَبْلُ كَحَالِهِ بَعْدُ أَوْ هُوَ قَبْلُ لَمْ يَكُنْ يَسْمَعُ شَيْئًا وَلَا يَرَاهُ فَكَذَلِكَ بَعْدُ لِاسْتِوَاءِ الْحَالَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ إنَّ بَعْدَ ذَلِكَ خِلَافُ حَالِهِ قَبْلُ فَهَذَا قَوْلٌ بِتَجَدُّدِ الْأَحْوَالِ وَالْحَوَادِثِ وَلَا حِيلَةَ فِي ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ مَا قِيلَ فِي الْعِلْمِ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ فَأَمْكَنَ الْمُفَرِّقُ أَنْ يَقُولَ حَالُهُ قَبْلَ وُجُودِ الْمَعْلُومِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْإِلْزَامَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيّ وَالْتَزَمَ قَوْلَ الْكَرَّامِيَّةِ بَعْدَ أَنْ أَجَابَ بِجَوَابٍ لَيْسَ بِذَاكَ فَإِنَّ الْمُخَالِفَ احْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُتَعَلِّقٍ وَهُوَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ فَيَمْتَنِعُ ثُبُوتُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ لِلْعَالَمِ قَبْلَ وُجُودِهِ إذْ هُمْ لَا يُثْبِتُونَ أَمْرًا فِي ذَاتِ اللَّهِ بِهِ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ بَلْ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ
стр. 3032
نَفْسُ الْإِدْرَاكِ عِنْدَهُمْ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ وَيَلْزَمُ أَنْ يَتَغَيَّرَ وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ وَقَالَ فِي الْجَوَابِ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا بِسَمْعٍ قَدِيمٍ وَبَصَرٍ قَدِيمٍ وَيَكُونُ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ يَقْتَضِيَانِ التَّعَلُّقَ بِالْمَرْئِيِّ وَالْمَسْمُوعِ بِشَرْطِ حُضُورِهِمَا وَوُجُودِهِمَا قَالَ وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ إنَّهُ صِفَةٌ مُتَهَيِّئَةٌ لِدَرْكِ مَا عَرَضَ عَلَيْهِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ تَجَدُّدُ التَّعَلُّقَاتِ قُلْنَا وَأَيُّ بَأْسٍ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ التَّعَلُّقَاتِ أُمُورٌ وُجُودِيَّةٌ فِي الْأَعْيَانِ فَهَذَا هُوَ تَقْرِيرُ الْمَذْهَبِ ثُمَّ لَإِنْ سَلَّمْنَا فَسَادَ هَذَا الْقِسْمِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحْدَثًا فِي ذَاتِهِ عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ الْكَرَّامِيَّةِ وَقَوْلُهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ قُلْنَا إنْ عَنَيْتُمْ حُدُوثَ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ حَادِثَةً فِيهَا فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ مُحَالٌ، وَإِنْ عَنَيْتُمْ شَيْئًا آخَرَ فَبَيِّنُوهُ لِنَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ يَلْزَمُ وُجُودُ التَّغَيُّرِ فِي ذَاتِ اللَّهِ.
قُلْت: وَقَدْ اعْتَرَفَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِضَعْفِ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ صِفَةٌ مُتَهَيِّئَةٌ لِدَرْكِ مَا عَرَضَ عَلَيْهِ وَضِدُّهُ نَفْيُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ هُوَ الْإِدْرَاكُ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الصِّفَةِ وَبَيْنَ هَذَا الْمُدْرَكِ. ثُمَّ عِنْدَ وُجُودِ هَذَا الدَّرْكِ هَلْ يَكُونُ سَامِعًا مُبْصِرًا لِمَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ سَامِعًا لَهُ مُبْصِرًا أَمْ لَا يَكُونُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزِمَ نَفْيُ أَنْ يَسْمَعَ وَيُبْصِرَ، وَإِنْ كَانَ سَمِعَ وَرَأَى مَا لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ وَرَآهُ، فَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ وُجُودِيٌّ قَائِمٌ بِذَاتِ السَّامِعِ الرَّائِي، وَأَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا عَدَمِيًّا وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ وَلَوْ كَانَ عَدَمِيًّا لَكَانَ سَلْبُهُ وُجُودِيًّا إذَا قِيلَ لَمْ يَسْمَعْ وَلَمْ يُبْصِرْ، وَإِنْ كَانَ سَلْبُهُ وُجُودِيًّا لَامْتَنَعَ وَصْفُ الْمَعْدُومِ بِهِ، فَإِنَّ الْمَعْدُومَ لَا يُوصَفُ بِوُجُودٍ وَمَذَاهِبُ هَؤُلَاءِ إنَّمَا تُشْكِلُ عَلَى النَّاسِ لِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِ، فَإِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ يُطْلَقُ بِمَعْنَى مَا بِهِ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ، وَلَيْسَ اللَّهُ عِنْدَهُمْ سَمِيعًا بَصِيرًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْإِثْبَاتِ يَقُولُونَ بِذَلِكَ.
وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَهُمْ مُجَرَّدُ الْإِدْرَاكِ فَقَطْ، فَكَيْفَ يُقَالُ كَانَ ثَابِتًا فِي الْعَدَمِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ وَأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمَوْجُودِ وَأَنَّ تَعَلُّقَهُ بِالْمَوْجُودِ عَدَمٌ مَحْضٌ هَذِهِ أَقْوَالٌ مَعْلُومَةُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بَسْطًا عَظِيمًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ
وَكَانَ الْمَقْصُودُ هُنَا أَوَّلًا الْكَلَامُ فِي اسْمِ اللَّهِ الْوَاحِدِ وَأَنَّ لَهُ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ:
стр. 3033
أَحَدُهَا: إنَّهُ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ وَلَا يَتَجَزَّأُ وَلَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَرَكَّبُ وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا تَفْسِيرُ الِاسْمِ الْوَاحِدِ، وَهَذِهِ الْوَحْدَانِيَّةُ هِيَ الَّتِي ذَكَرُوهَا هُنَا إذْ لَيْسَ مُرَادُهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ وَلَا يَتَبَعَّضُ أَنَّهُ لَا يَنْفَصِلُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَقُولُ نَحْوًا مِنْهُ النَّصَارَى وَالْمُشْرِكُونَ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُهُمْ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ وَكَذَلِكَ كَانَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ يَنْفُونَ التَّبْعِيضَ عَنْ اللَّهِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُشْهَدُ وَلَا يُرَى مِنْهُ شَيْءٌ دُونَ شَيْءٍ وَلَا يُدْرَكُ مِنْهُ شَيْءٌ دُونَ شَيْءٍ وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ شَيْءٌ دُونَ شَيْءٍ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُشَارَ مِنْهُ إلَى شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ بِحَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي نَفْسِهِ حَقِيقَةٌ عِنْدَهُمْ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا يُمْكِنُهُ هُوَ أَنْ يُشِيرَ مِنْهَا إلَى شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ أَوْ يَرَى عِبَادُهُ مِنْهَا شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ بِحَيْثُ إذَا تَجَلَّى لِعِبَادِهِ يُرِيهِمْ مِنْ نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ مَا شَاءَ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ عِنْدَهُمْ وَلَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ الْعِبَادُ مَحْجُوبِينَ عَنْهُ بِحِجَابٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُمْ يَمْنَعُ أَبْصَارَهُمْ عَنْ رُؤْيَتِهِ. فَإِنَّ الْحِجَابَ لَا يَحْجُبُ إلَّا مَا هُوَ جِسْمٌ مُنْقَسِمٌ وَلَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ يَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ الْحِجَابَ لِيَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ وَلَا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِهِ حِجَابٌ أَصْلًا وَلَا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَلْقَاهُ الْعَبْدُ أَوْ يَصِلُ إلَيْهِ أَوْ يَدْنُو مِنْهُ أَوْ يَقَرُّ إلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ هُوَ الْمُرَادُ عِنْدَهُمْ بِكَوْنِهِ لَا يَنْقَسِمُ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ نَفْيَ التَّجْسِيمِ إذْ كُلُّ مَا ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ كَانَ جِسْمًا مُنْقَسِمًا مُرَكَّبًا وَالْبَارِي مُنَزَّهٌ عِنْدَهُمْ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: مِنْ مَعَانِي الْوَاحِدِ عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي لَا شَبِيهَ لَهُ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ أَقْرَبُ إلَى الْإِسْلَامِ لَكِنْ أَجْمَلُوهَا فَجَعَلُوا نَفْيَ الصِّفَاتِ أَوْ بَعْضِهَا دَاخِلًا فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَاضْطَرَبُوا فِي ذَلِكَ عَلَى دَرَجَاتٍ لَا تَنْضَبِطُ.
وَالْمُعْتَزِلَةِ تَزْعُمُ أَنَّ نَفْيَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّوْحِيدِ وَنَفْيَ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ وَالصِّفَاتِيَّةُ تَقُولُ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ التَّوْحِيدِ وَنَفْيِ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ. ثُمَّ هَؤُلَاءِ مُضْطَرِبُونَ فِيمَا يَنْفُونَهُ مِنْ ذَلِكَ لَكِنْ وَافَقُوا أُولَئِكَ عَلَى أَنَّ مَا نَفَوْهُ مِنْ التَّشْبِيهِ وَمَا نَفَوْهُ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي سَمَّوْهُ تَجْسِيمًا وَهُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي لَا يَتِمُّ الدِّينُ إلَّا بِهِ وَهُوَ أَصْلُ الدِّينِ عِنْدَهُمْ وَكُلُّ مَنْ سَمِعَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ يَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَيْسَتْ مِمَّا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَلَمْ يَكُنْ الرَّسُولُ يُعَلِّمُ أُمَّتَهُ هَذِهِ الْأُمُورَ وَلَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا التَّوْحِيدُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الدِّينِ لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 3034
وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعُونَ بَلْ يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُخَالِفُ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي سَمَّاهُ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةُ تَوْحِيدًا وَلِهَذَا مَا زَالَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. كَمَا رَوَى الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ فِي ذَمِّ الْكَلَامِ، قَالَ سَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ جَابِرًا السُّلَمِيُّ، قَالَ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ عَقِيلِ بْنِ الْأَزْهَرِ الْفَقِيهَ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إلَى الْمُزَنِيّ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ، فَقَالَ إنِّي أَكْرَهُ هَذَا بَلْ أَنْهَى عَنْهُ كَمَا نَهَى عَنْهُ الشَّافِعِيُّ، وَلَقَدْ سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْكَلَامِ فِي التَّوْحِيدِ قَالَ مَالِكٌ مُحَالٌ أَنْ يُظَنَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَلَّمَ أُمَّتَهُ الِاسْتِنْجَاءَ وَلَمْ يُعَلِّمْهُمْ التَّوْحِيدَ بِالتَّوْحِيدِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» فَمَا عُصِمَ بِهِ الدَّمُ وَالْمَالُ فَهُوَ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ ذَلِكَ مَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ فِي كِتَابِ ذَمِّ الْكَلَامِ وَالشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي كِتَابِ الْفُصُولُ فِي الْأُصُولِ.
وَرَوَى أَيْضًا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَمِنْ طَرِيقِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ الْفَقِيهُ بِمَرْوَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ أَيُّوبَ الْعَلَّافُ النَّجِيبِيُّ بِمِصْرَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَمِعْت مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ إيَّاكُمْ وَالْبِدَعَ قِيلَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَمَا الْبِدَعُ، قَالَ أَهْلُ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَا يَسْكُتُونَ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ.
وَرَوَيَا أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ أَيْضًا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ سَمِعْت شُكْرًا سَمِعْت أَبَا سَعِيدٍ الْبَصْرِيَّ سَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ دَخَلْت عَلَى مَالِكٍ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ الْقُرْآنِ فَقَالَ لَعَلَّك مِنْ أَصْحَابِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ لَعَنَ اللَّهُ عَمْرًا فَإِنَّهُ ابْتَدَعَ هَذِهِ الْبِدَعَ مِنْ الْكَلَامِ وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ عِلْمًا لَتَكَلَّمَ فِيهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ كَمَا تَكَلَّمُوا فِي الْأَحْكَامِ وَالشَّرَائِعِ وَلَكِنَّهُ بَاطِلٌ يَدُلُّ عَلَى بَاطِلٍ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي رَدِّ الْكَلَامِ وَالتَّوْحِيدِ الَّذِي كَانَ تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةِ وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ مِنْ الْآثَارِ الصَّحِيحَةِ فِي الصِّفَاتِ وَالتَّوْحِيدِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْكِرُوهُ إنَّمَا أَنْكَرُوا الْكَلَامَ وَالتَّوْحِيدَ الْمُبْتَدَعَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ.
стр. 3035
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مِسْتَوَيْهِ حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ رُسْتُمَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُطِيعٍ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ رُسْتُمَ عَنْ نُوحٍ الْجَامِعِ قَالَ قُلْت لِأَبِي حَنِيفَةَ مَا تَقُولُ فِيمَا أُحَدِّثُ النَّاسَ مِنْ الْكَلَامِ فِي الْأَعْرَاضِ وَالْأَجْسَامِ، فَقَالَ مَقَالَاتُ الْفَلَاسِفَةِ، عَلَيْك بِالْأَثَرِ وَطَرِيقَةِ السَّلَفِ وَإِيَّاكَ وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ.
وَقَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْبُخَارِيُّ سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْأَحْنَفِ سَمِعْت الْفَتْحَ بْنَ عَلْوَانَ سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ الْحَجَّاجِ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ صَاحِبَ أَبِي حَنِيفَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَعَنَ اللَّهُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ فَإِنَّهُ فَتَحَ لِلنَّاسِ الطَّرِيقَ إلَى الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمْ مِنْ الْكَلَامِ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَحُثُّنَا عَلَى الْفِقْهِ وَيَنْهَانَا عَنْ الْكَلَامِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْفَضْلِ الحادودي أَنْبَأَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ يَقُولُ سَمِعْت الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيّ يَقُولُ شَهِدْت الشَّافِعِيَّ وَدَخَلَ عَلَيْهِ بِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ فَقَالَ لِبِشْرٍ أَخْبِرْنِي عَمَّا تَدْعُو إلَيْهِ أَكِتَابٌ نَاطِقٌ وَفَرْضٌ مُفْتَرَضٌ وَسُنَّةٌ قَائِمَةٌ وَوَجَدْت عَنْ السَّلَفِ الْبَحْثَ فِيهِ وَالسُّؤَالَ فَقَالَ بِشْرٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يَسَعُنَا خِلَافُهُ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَقْرَرْت عَلَى نَفْسِك بِالْخَطَإِ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ الْكَلَامِ فِي الْفِقْهِ وَالْأَخْبَارِ يُوَالِيك النَّاسُ عَلَيْهِ وَتَتْرُكُ هَذَا لَنَا نَتَّهِمُهُ فِيهِ فَلَمَّا خَرَجَ بِشْرٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُفْلِحُ.
وَرَوَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْ الْمُزَنِيّ وَعَنْ الرَّبِيعِ قَالَ الْمُزَنِيّ سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ لِلرَّبِيعِ يَا رَبِيعُ اقْبَلْ مِنِّي ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: لَا تَخُوضُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ خَصْمَك النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا تَشْتَغِلْ بِالْكَلَامِ فَإِنِّي قَدْ اطَّلَعْت مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ عَنْ التَّعْطِيلِ، زَادَ الْمُزَنِيّ وَلَا تَشْتَغِلْ بِالنُّجُومِ فَإِنَّهُ يَجُرُّ إلَى التَّعْطِيلِ، وَهَذَا التَّوْحِيدُ الَّذِي يَذْكُرُهُ هَؤُلَاءِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَذَوِيهِ: وَهَذَا التَّوْحِيدُ الَّذِي ذَكَرُوهُ هُوَ التَّعْطِيلُ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إلَّا صِفَةً لِلْمَعْدُومِ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ أَيْضًا رَأَيْت بِخَطِّ أَبِي عَمْرِو بْنِ مَطَرٍ يَقُولُ سُئِلَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ الْكَلَامِ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَقَالَ بِدْعَةٌ ابْتَدَعُوهَا، وَلَمْ يَكُنْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَأَرْبَابُ الْمَذَاهِبِ وَأَئِمَّةُ الدِّينِ مِثْلُ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَبِي يُوسُفَ يَتَكَلَّمُونَ فِي ذَلِكَ بَلْ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ الْخَوْضِ فِيهِ وَيَدُلُّونَ أَصْحَابَهُمْ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِيَّاكَ وَالْخَوْضَ فِيهِ وَالنَّظَرَ فِي كُتُبِهِمْ بِحَالٍ.
стр. 3036
قُلْت: وَقَوْلُ ابْنِ خُزَيْمَةَ الْمُلَقَّبِ بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ الْكَلَامُ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ هُوَ نَظِيرُ مَا نَهَى عَنْهُ مَالِكٌ مِنْ الْكَلَامِ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَهُوَ هَذَا التَّوْحِيدُ الَّذِي ابْتَدَعَتْهُ الْجَهْمِيَّةُ وَأَتْبَاعُهَا فَإِنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ لَهُ كِتَابٌ مَشْهُورٌ فِي التَّوْحِيدِ يَذْكُرُ فِيهِ صِفَاتِ اللَّهِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا كِتَابُهُ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَمِعْت أَبِي يَقُولُ قُلْت لِأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ مَا التَّوْحِيدُ قَالَ تَوْحِيدُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتَوْحِيدُ أَهْلِ الْبَاطِلِ الْخَوْضُ فِي الْأَعْرَاضِ وَالْأَجْسَامِ وَإِنَّمَا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِنْكَارِ ذَلِكَ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ فَبَيَّنَ أَنَّ الْخَوْضَ فِي الْجِسْمِ وَالْعَرَضِ وَنَفْيَ ذَلِكَ وَجَعْلَ ذَلِكَ مِنْ التَّوْحِيدِ هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْبَاطِلِ فَكَيْفَ بِمَنْ جَعَلَهُ أَصْلَ الدِّينِ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ.
أَنْبَأْنَا الْأَشْعَثُ يَقُولُ قَالَ رَجُلٌ لِبِشْرِ بْنِ أَحْمَدَ أَبِي سَهْلٍ الْإسْفَرايِينِيّ إنَّمَا أَتَعَلَّمُ الْكَلَامَ لِأَعْرِفَ بِهِ الدِّينَ فَغَضِب وَسَمِعْته قَالَ أَوَ كَانَ السَّلَفُ مِنْ عُلَمَائِنَا كُفَّارًا وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الَّذِي أَقُولُ أَنَّهُ إذَا نُظِرَ إلَى إسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَسَعْدٍ وَسَعِيدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَائِرِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَجَمِيعِ الْوُفُودِ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْرِفْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إلَّا بِتَصْدِيقِ النَّبِيِّينَ وَبِأَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَدَلَائِلِ الرِّسَالَةِ لَا مِنْ قِبَلِ حَرَكَةٍ وَلَا سُكُونٍ وَلَا مِنْ بَابِ الْبَعْضِ وَالْكُلِّ وَلَا مِنْ بَابِ كَانَ وَيَكُونُ وَلَوْ كَانَ النَّظَرُ فِي الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ عَلَيْهِمْ وَاجِبًا فِي الْجِسْمِ وَنَفْيِهِ وَفِي التَّشْبِيهِ وَنَفْيِهِ لَازِمًا مَا أَضَاعُوهُ وَمَا أَضَاعُوا الْوَاجِبَ لَمَّا نَطَقَ الْقُرْآنُ بِتَزْكِيَتِهِمْ وَتَقْدِيمِهِمْ وَلَا أَطْنَبَ فِي مَدْحِهِمْ وَتَعْظِيمِهِمْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِهِمْ مَشْهُورًا وَمِنْ أَخْلَاقِهِمْ مَعْرُوفًا لَاسْتَفَاضَ عَنْهُمْ وَاشْتَهَرُوا بِالْقُرْآنِ وَالرِّوَايَاتِ.
فَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ أَنَّ مَا يُدْخِلُهُ هَؤُلَاءِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالتَّوْحِيدِ مِنْ الْجِسْمِ وَنَفْيِهِ وَالتَّشْبِيهِ وَنَفْيِهِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ لَوْ كَانَ مِنْ الدِّينِ لَمَا أَضَاعَهُ خِيَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ وَكَلَامُ عُلَمَاءِ الْمِلَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ يَطُولُ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا سَمَّاهُ هَؤُلَاءِ تَوْحِيدًا وَجَعَلُوهُ هُوَ نَفْيَ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ابْتَدَعُوهُ لَمْ يَبْعَثْ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَلَا أَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَقَدْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ حُذَّاقُهُمْ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَوَافَقَهُ فِيهِ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ
стр. 3037
مِنْهَاجُ الْقَاصِدِينَ لَمَّا ذَكَرَ الْأَسْمَاءَ الَّتِي عُرِفَ مُسَمَّيَاتُهَا فَذَكَرَ الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ وَالتَّوْحِيدَ قَالَ.
وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كِلَابٍ وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيُّ مِمَّنْ أَخَذَ أَصْلَ الْكَلَامِ فِي التَّوْحِيدِ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَخَالَفُوهُمْ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ هَذَا التَّوْحِيدِ الْمُبْتَدَعِ الْمُخَالِفِ لِلتَّوْحِيدِ الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مَا يَقَعُ كَانَ النَّاسُ يُنَبِّهُونَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَالَ سَمِعْت عَدْنَانَ بْنَ عَبْدَةَ النُّمَيْرِيَّ يَقُولُ سَمِعْت أَبَا عُمَرَ الْبِسْطَامِيَّ يَقُولُ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ أَوَّلًا يَنْتَحِلُ الِاعْتِزَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَتَكَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا مَذْهَبُهُ التَّعْطِيلُ إلَّا أَنَّهُ رَجَعَ مِنْ التَّصْرِيحِ إلَى التَّمْوِيهِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ فِي رِسَالَتِهِ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ وَلَقَدْ حَكَى لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَالِكِيُّ الْمَغْرِبِيُّ وَكَانَ فَقِيهًا صَالِحًا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي سَعِيدٍ الْبَرْقِيِّ وَهُوَ مِنْ شُيُوخِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيِّينَ بِبَرْقَةَ عَنْ أُسْتَاذِهِ خَلَفٍ الْمُعَلِّمِ وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيِّينَ أَنَّهُ قَالَ الْأَشْعَرِيُّ أَقَامَ أَرْبَعِينَ سَنَةً عَلَى الِاعْتِزَال ثُمَّ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ فَرَجَعَ عَنْ الْفُرُوعِ وَثَبَتَ عَلَى الْأُصُولِ.
قَالَ أَبُو نَصْرٍ هَذَا كَلَامُ خَبِيرٍ بِمَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ وَعَوْرَتِهِ وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ إمَامُ الْمَالِكِيَّةِ فِي وَقْتِهِ فِي الْعِرَاقِ فِي الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ هُمْ أَهْلُ الْكَلَامِ قَالَ فَكُلُّ مُتَكَلِّمٍ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَكُلُّ مُتَكَلِّمٍ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَشْعَرِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ أَشْعَرِيٍّ.
وَالْمَعْنَى الثَّالِثُ: مِنْ مَعَانِي التَّوْحِيدِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْأَشْعَرِيَّةِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ هُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الْمُلْكِ بَلْ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ وَهُوَ حَقٌّ وَهُوَ أَجْوَدُ مَا اعْتَصَمُوا بِهِ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي أُصُولِهِمْ حَيْثُ اعْتَرَفُوا فِيهَا بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَمُرَبِّيهِ وَمُدَبِّرُهُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَغَيْرُهُمْ يُخَالِفُونَ فِي ذَلِكَ حَيْثُ يَجْعَلُونَ بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ لَمْ يَخْلُقْهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحْدِثْهَا لَكِنْ مَعَ هَذَا قَدْ رَدُّوا قَوْلَهُمْ بِبِدَعٍ غَلَوْا فِيهَا وَأَنْكَرُوا مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَسْبَابِ وَأَنْكَرُوا مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْأَشْيَاءَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ فَهَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ هِيَ الَّتِي يَقُولُونَ أَنَّهَا مَعْنَى اسْمِ اللَّهِ الْوَاحِدِ وَهِيَ التَّوْحِيدُ وَفِيهَا مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي خُولِفَ بِهَا
стр. 3038
الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ مَا قَدْ نَبَّهْنَا عَلَى بَعْضِهِ.
وَأَمَّا التَّوْحِيدُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ كُلِّ مِلَّةٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ الْأَئِمَّةُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] . فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِلَهَ إلَهٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ إلَهٌ غَيْرُهُ فَلَا يُعْبَدُ إلَّا إيَّاهُ كَمَا قَالَ فِي السُّورَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١] وَكَمَا قَالَ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ [الإسراء: ٢٢] . إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] .
وَكَمَا قَالَ: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ - إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ١ - ٣] وَكَمَا قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] .
وَالشِّرْكُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ إنَّمَا هُوَ عِبَادَةُ غَيْرِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ كَعِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْكَوَاكِبِ أَوْ الشَّمْسِ أَوْ الْقَمَرِ أَوْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ تَمَاثِيلِهِمْ أَوْ قُبُورِهِمْ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ فِي هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي التَّوْحِيدِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ إشْرَاكًا وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] .
وَقَالَ: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] وَقَالَ
стр. 3039
تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: ٤] ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: ٦] ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ - وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ يَسْأَلُهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَيَقُولُونَ اللَّهُ وَهُمْ مَعَ هَذَا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ وَيُشْرِكُونَ بِهِ وَيَقُولُونَ لَهُ وَلَدٌ وَثَالِثُ ثَلَاثَةٍ فَكَانَ الْكُفَّارُ يُقِرُّونَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَهُوَ نِهَايَةُ مَا يُثْبِتُهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمُونَ إذَا سَلِمُوا مِنْ الْبِدَعِ فِيهِ وَكَانُوا مَعَ هَذَا مُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] .
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ بِهَذَا التَّوْحِيدِ بَعَثَ جَمِيعَ الرُّسُلِ وَأَنَّهُ بَعَثَ إلَى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا بِهِ وَهَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ الْأَوَّلِينَ وَلَا مِنْ الْآخِرِينَ دِينًا غَيْرَهُ قَالَ تَعَالَى:
стр. 3040
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ - قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣ - ٨٤] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] فَدِينُ اللَّهِ أَنْ يَدِينَهُ الْعِبَادُ وَيَدِينُونَ لَهُ فَيَعْبُدُونَهُ وَحْدَهُ وَيُطِيعُونَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْإِسْلَامُ لَهُ فَمَنْ ابْتَغَى غَيْرَ هَذَا دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] فَذَكَرَ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ بَعْدَ إخْبَارِهِ بِشَهَادَتِهِ وَشَهَادَةِ الْمَلَائِكَةِ وَأُولِي الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ.
وَالْإِلَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ فَأَمَّا مَنْ اعْتَقَدَ فِي اللَّهِ أَنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقُهُ وَهُوَ مَعَ هَذَا يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ مُشْرِكٌ بِرَبِّهِ مُتَّخِذٌ مِنْ دُونِهِ إلَهًا آخَرَ فَلَيْسَتْ الْإِلَهِيَّةُ هُوَ الْخَلْقَ أَوْ الْقُدْرَةَ عَلَى الْخَلْقِ أَوْ الْقِدَمَ كَمَا يُفَسِّرُهَا هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدَعُونَ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ إذْ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ شَهِدَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ مِنْ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ لَمْ يَكُونُوا يَشُكُّونَ فِي أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ فَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْإِلَهِيَّةَ لَكَانُوا قَائِلِينَ إنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَهَذَا مَوْضِعٌ عَظِيمٌ جِدًّا يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ لِمَا قَدْ لُبِّسَ عَلَى طَوَائِفَ مِنْ النَّاسِ أَصْلُ الْإِسْلَامِ حَتَّى صَارُوا يَدْخُلُونَ فِي أُمُورٍ عَظِيمَةٍ هِيَ شِرْكٌ يُنَافِي الْإِسْلَامَ لَا يَحْسِبُونَهَا شِرْكًا وَأَدْخَلُوا فِي التَّوْحِيدِ وَالْإِسْلَامِ أُمُورًا بَاطِلَةً ظَنُّوهَا مِنْ التَّوْحِيدِ وَهِيَ تُنَافِيهِ وَأَخْرَجُوا مِنْ الْإِسْلَامِ وَالتَّوْحِيدِ أُمُورًا عَظِيمَةً لَمْ يَظُنُّوهَا مِنْ التَّوْحِيدِ وَهِيَ أَصْلُهُ فَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا يَجْعَلُونَ التَّوْحِيدَ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ وَالرَّأْيِ وَاعْتِقَادِ ذَلِكَ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَمَلِ وَالْإِرَادَةِ وَاعْتِقَادِ ذَلِكَ بَلْ التَّوْحِيدُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِتَوْحِيدِ الْإِرَادَةِ وَالْقَصْدِ وَهُوَ تَوْحِيدُ الْعِبَادَةِ وَهُوَ تَحْقِيقُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَنْ يَقْصِدَ اللَّهَ بِالْعِبَادَةِ وَيُرِيدَهُ بِذَلِكَ دُونَ مَا سِوَاهُ وَهَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَتَضَمَّنُ أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ سَالِمًا فَلَا يُشْرِكُهُ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ لَهُ وَهَذَا هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ دُونَ مَا سِوَاهُ وَسُورَةُ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] تُفَسِّرُ ذَلِكَ
стр. 3041
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْعَمَلَ وَمَقْصِدَهُ مَسْبُوقٌ بِالْعِلْمِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ وَيَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَمَّا التَّوْحِيدُ الْقَوْلِيُّ الَّذِي هُوَ الْخَبَرُ عَنْ اللَّهِ فَفِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ الَّتِي تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَفِيهَا اسْمُهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ وَعِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ يَدْخُلُ فِيهَا كَمَالُ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَكَمَالُ الْخَوْفِ مِنْهُ وَحْدَهُ وَالرَّجَاءُ لَهُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ كَمَا يُبَيِّنُ الْقُرْآنُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ التَّوْحِيدِ الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَبِذَلِكَ يَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ رُسُلَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ بِالْقِتَالِ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] .
[الْوَجْهُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ الْقُرْآنَ قَدْ نَطَقَ بِأَنَّ لِلَّهِ كَلِمَاتٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ]
الْوَجْهُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: إنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَطَقَ بِأَنَّ لِلَّهِ كَلِمَاتٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥] وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] .
وَقَالَ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] . وَقَالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] . وَقَالَ: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] . وَكَذَلِكَ تَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الِاسْتِعَاذَةُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ.
وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ صَرِيحٌ فِي تَعَدُّدِ كَلِمَاتِهِ فَكَيْفَ يُقَالُ لَيْسَ كَلَامُهُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا لَا عَدَدَ فِيهِ أَصْلًا، وَهَذَا قَدْ أَوْرَدُوهُ وَذَكَرُوا جَوَابَهُمْ عَنْهُ فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَلَامِ
стр. 3042
ابْنُ فُورَكٍ فَإِنْ قِيلَ هَذَا الَّذِي قُلْتُمْ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرْقَانُ وَسَائِرُ كُتُبِ اللَّهِ شَيْئًا وَاحِدًا وَالرَّبُّ تَعَالَى قَدْ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ كَلِمَاتٍ وَقَالَ: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] وَقَالَ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١١٩] وَقَالَ: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] .
قُلْنَا: إنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ كَلِمَاتٍ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ كَذَلِكَ وَسَمَّى نَفْسَهُ بِأَسْمَاءٍ كَثِيرَةٍ وَأَثْبَتَهَا فِي التَّنْزِيلِ فَقَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا» أَفَتَقُولُونَ بِتَعَدُّدِ الْمُسَمَّى لِتَعْدِيدِ الْأَسَامِي، أَوْ تَقُولُونَ الْأَسْمَاءُ تَدُلُّ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ بِنُعُوتِ الْجَلَالِ.
فَإِنْ قُلْت التَّسْمِيَاتُ تَتَعَدَّدُ وَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْكَلَامِ إنَّهُ وَاحِدٌ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا هُوَ بِلُغَةٍ مِنْ اللُّغَاتِ وَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ أَوْ فَارِسِيٌّ أَوْ عِبْرَانِيٌّ لَكِنَّ الْعِبَارَاتِ عَنْهُ تَكْثُرُ وَتَخْتَلِفُ، فَإِذَا قُرِئَ كَلَامُ اللَّهِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ سُمِّيَ قُرْآنًا، وَإِذَا قُرِئَ بِلُغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ أَوْ الْفَارِسِيَّةِ سِمِّي تَوْرَاةً وَإِنْجِيلًا كَذَلِكَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ يُوصَفُ بِالْعَرَبِيَّةِ (اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَبِالْفَارِسِيَّةِ خداي بزرك وَبِالتُّرْكِيَّةِ سركوي) وَنَحْوُ ذَلِكَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ وَالتَّسْمِيَةُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ تَكْثُرُ.
وَكَذَلِكَ هُوَ سُبْحَانَهُ مَعْبُودٌ فِي السَّمَاءِ وَمَعْبُودٌ فِي الْأَرْضِ بِعِبَادَاتٍ وَقُصُودٍ مُتَبَايِنَةٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ سُبْحَانَهُ مَذْكُورُ الذَّاكِرِينَ بِأَذْكَارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ يُكْتَبُ وَيُقْرَأُ وَيُفَسَّرُ بِقِرَاءَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَذْكَارٍ مُتَفَاوِتَةٍ وَكِتَابَةٍ مُتَبَايِنَةٍ وَقَوْلُهُ: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] قَدْ قِيلَ: إنَّمَا سُمِّيَ كَلَامُهُ كَلِمَاتٍ لِمَا فِيهِ مِنْ فَوَائِدِ الْكَلِمَاتِ وَلِأَنَّهُ يَنُوبُ مَنَابَهَا فَجَازَتْ الْعِبَارَةُ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ تَعْظِيمًا وَفِي قَرِيبٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الْحَقِّ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ [الحجر: ٢٣] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] لِأَنَّهُ مَنَابُ أُمَّةٍ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وَالْمُرَادُ مِيزَانٌ وَاحِدٌ وَقِيلَ مَا تَقَدَّمَتْ الْعِبَارَاتُ وَالدَّلَالَاتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَفْهُومَاتِ مَعَانِي كَلَامِهِ:
стр. 3043
قُلْت: فَهَذَا مَا ذَكَرُوهُ وَمَنْ تَدَبَّرَ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ أَبْطَلْ الْقَوْلِ وَأَفْسَدِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهُمْ أَوْرَدُوا سُؤَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَسَائِرُ كُتُبِ اللَّهِ شَيْئًا وَاحِدًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّبَّ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ كَلِمَاتٍ. ثُمَّ جَعَلَ الْجَوَابَ عَنْ الْأَوَّلِ: إنَّ هَذَا مِثْلُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى هِيَ مُتَعَدِّدَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ بِاللُّغَاتِ، وَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْكُتُبُ مَعَ تَعَدُّدِهَا وَتَنَوُّعِهَا هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ فِي الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَفِي الْفَرْعِ، أَمَّا فِي الْأَصْلِ فَلِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ الْحُسْنَى لَيْسَتْ مُتَرَادِفَةً بِحَيْثُ يَكُونُ مَعْنَى كُلِّ اسْمٍ هُوَ مَعْنَى الِاسْمِ الْآخَرِ وَلَا هِيَ أَيْضًا مُتَبَايِنَةً التَّبَايُنَ فِي الْمُسَمَّى وَفِي صِفَتِهِ، بَلْ هِيَ مِنْ جِهَةِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمُسَمَّى كَالْمُتَرَادِفَةِ وَمِنْ جِهَةِ دَلَالَتِهَا عَلَى صِفَاتِهِ كَالْمُتَبَايِنَةِ، وَهَذَا الْقِسْمُ كَثِيرٌ وَمِنْهُ أَسْمَاءُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَسْمَاءُ الْقُرْآنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَجْعَلُ هَذَا قِسْمًا مِنْ الْمُتَرَادِفِ وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ مِنْ الْمُتَبَايِنِ قِسْمًا ثَالِثًا قَدْ يُسَمِّيهِ الْمُتَكَافِئُ، وَالْمَقْصُودُ فَهْمُ الْمَعْنَى، فَإِذَا قِيلَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَقِيلَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ وَقِيلَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ: فَالْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى الْمُسَمَّى بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ، وَالثَّانِي يَدُلُّ عَلَيْهِ بِصِفَةِ الْعِلْمِ، وَالثَّالِثُ بِصِفَةِ الْقُدْرَةِ، وَالرَّابِعُ بِصِفَةِ السَّمْعِ، وَالْخَامِسُ بِصِفَةِ الْبَصَرِ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ لَيْسَ أَحَدُهَا هُوَ الْآخَرَ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ هَؤُلَاءِ وَلَا غَيْرُهُمْ فَصِفَاتُ كُلِّ اسْمٍ يَدُلُّ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ عَلَى مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْآخَرُ مَعَ اتِّفَاقِهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُسَمَّى نَعَمْ وَقَدْ يَدُلُّ الِاسْمُ عَلَى مَعْنَى الْآخَرِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالذَّاتُ تَسْتَلْزِمُ جَمِيعَ الصِّفَاتِ لَكِنْ دَلَالَةُ اللُّزُومِ لَيْسَتْ هِيَ دَلَالَةَ الِاسْمِ اللُّغَوِيَّةَ وَاللُّزُومُ أَيْضًا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ تُعَرَّفَ تِلْكَ الصِّفَاتُ مِنْ غَيْرِ الِاسْمِ هُوَ الدَّالُّ عَلَيْهَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَتَعَدُّدُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَقْتَضِ تَعَدُّدَ الْمُسَمَّى وَلَكِنْ اقْتَضَى تَعَدُّدَ صِفَاتِهِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا تِلْكَ الْأَسْمَاءُ، وَهَؤُلَاءِ يُنَازِعُونَ فِي تَعَدُّدِ الصِّفَاتِ فِي الْجُمْلَةِ وَمُحَقِّقُوهُمْ لَا يَقُولُونَ إنَّهَا مَحْصُورَةٌ بِعَدَدٍ بَلْ يَقُولُونَ هَذَا الَّذِي عَلِمْنَاهُ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ مَا لَا نَعْلَمُهُ، وَإِذَا كَانَتْ مَعَانِي الْأَسْمَاءِ مُتَعَدِّدَةً وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ هَذَا نَظِيرًا لِمَا ادَّعَاهُ مِنْ تَكَثُّرِ الْعِبَارَاتِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَعْنَى الْمُعَبَّرِ عَنْهُ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْأَسْمَاءِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَلْسُنِ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ تَارَةً تَكُونُ
стр. 3044
تِلْكَ الْأَسْمَاءُ الْعَجَمِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى صِفَاتٍ لَيْسَتْ هِيَ الصِّفَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا الِاسْمُ الْعَرَبِيُّ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى بِالْعَرَبِيَّةِ وَتَارَةً يَكُونُ مَعْنَاهَا مَعْنَى الِاسْمِ الْعَرَبِيِّ فَيَكُونُ هَذَا كَالْأَسْمَاءِ الْمُتَرَادِفَةِ، وَلَوْلَا تَنَوُّعُ مَعَانِي الْأَسْمَاءِ لَمْ يَكُنْ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ مَزِيَّةً وَلَا كَانَ فِي اخْتِصَاصِ بَعْضِ النَّاسِ بِعِلْمِ بَعْضِهَا فَضِيلَةٌ وَلَا كَانَ الدُّعَاءُ بِبَعْضِهَا أَوْكَدَ مِنْ الدُّعَاءِ بِبَعْضٍ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَصَابَ عَبْدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا غَمٌّ وَلَا حُزْنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك ابْنُ أَمَتِك نَاصِيَتِي بِيَدِك مَاضٍ فِي حُكْمُك عَدْلٌ فِي قَضَاؤُك أَسْأَلُك اللَّهُمَّ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسَك أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابِك أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مِنْ خَلْقِك أَوْ اسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ بَصَرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي إلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَعَلَّمُهُنَّ، قَالَ: بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ» وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ «لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» وَقَوْلُهُ «أَسْأَلُك بِاسْمِك الْعَظِيمِ الْأَعْظَمِ الْكَبِيرِ الْأَكْبَرِ» وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ «اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ» .
[الْوَجْهُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ أَسْمَاءَ اللَّهِ الْحُسْنَى مَعَ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ذَاتِهِ الْمَوْصُوفَةِ بِصِفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ]
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ: إنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ الْحُسْنَى مَعَ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ذَاتِهِ الْمَوْصُوفَةِ بِصِفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَلَيْسَ دَلَالَةُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى كَلَامِهِ كَدَلَالَةِ أَسْمَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ فَإِنَّ الِاسْمَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِي الْمُسَمَّى وَيَنْفَرِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالصِّفَةِ الَّتِي اخْتَصَّ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْكَلَامُ الْمُنَزَّلُ فَكُلٌّ مِنْ الْكَلَامَيْنِ لَهُ مَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ لَا يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَعْنَاهُ كَمَا يُشَارِكُ الِاسْمُ الِاسْمَ فِي مُسَمَّاهُ، فَإِنَّ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مَثَلًا وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَنَحْوَهُمَا دَالَّةٌ عَلَى الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ الْمُتَعَلِّقِ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُورَةُ الدَّيْنِ وَسُورَةُ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] وَغَيْرُهُمَا لَهُمَا مَعَانٍ أُخَرُ فِي ذَمِّ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ وَالْأَمْرِ بِبَعْضِ الْأَفْعَالِ، وَلَيْسَ ذَمُّ هَذَا الْمَخْلُوقِ وَالْخَبَرُ عَنْهُ هُوَ مَدْحَ اللَّهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَلَا مَعْنَى هَذَا هُوَ مَعْنَى هَذَا وَلَا بَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فِي الْخَارِجِ أَصْلًا كَمَا بَيْنَ الِاسْمَيْنِ إذْ مُسَمَّاهُمَا وَاحِدٌ مَوْجُودٌ، وَأَمَّا مَعْنَى هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فَلَيْسَ هُوَ وَاحِدًا
стр. 3045
أَصْلًا بَلْ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ هُوَ هَذَا الْمَعْنَى بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. نَعَمْ يَشْتَرِكَانِ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَلَامًا لِلْمُتَكَلِّمِ وَهَذَا كَاشْتِرَاكِ الْحَيَاتَيْنِ فِي أَنَّ هَذِهِ حَيَاةٌ وَهَذِهِ حَيَاةٌ، وَاشْتَرَاك الْمَوْجُودَيْنِ فِي أَنَّ هَذَا وُجُودٌ وَهَذَا وُجُودٌ وَهَذَا الِاشْتِرَاكُ لَا يَقْتَضِي أَنَّ أَحَدَهُمَا هُوَ الْآخَرَ فِي الْخَارِجِ أَصْلًا، فَكَذَلِكَ مَعَانِي هَذِهِ الْعِبَارَاتِ لَا تَقْتَضِي أَنَّ إحْدَاهَا هِيَ الْأُخْرَى فِي الْخَارِجِ أَصْلًا وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالْفِطْرَةِ الْبَدِيهِيَّةِ وَفَهْمُهُ سَهْلٌ عَلَى مَنْ تَدَبَّرَهُ وَمَنْ جَحَدَ هَذَا كَانَ مِنْ أَظْهَرِ الْجَاحِدِينَ لِلْمَعَارِفِ الْفِطْرِيَّةِ الضَّرُورِيَّةِ وَإِنْ سَقَطَتْ مُكَالَمَةُ أَحَدٍ لِسَفْسَطَتِهِ فَهَذَا أَحَقُّ مِنْ هَؤُلَاءِ بِهَذَا وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِاَلَّذِي بَعْدَهُ وَهُوَ:
[الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ قَوْلُهُمْ كَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْكَلَامِ إنَّهُ وَاحِدٌ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْمَخْلُوقَاتِ]
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ: وَهُوَ قَوْلُهُمْ: كَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْكَلَامِ إنَّهُ وَاحِدٌ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا هُوَ بِلُغَةٍ مِنْ اللُّغَاتِ وَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ أَوْ فَارِسِيٌّ أَوْ عِبْرَانِيٌّ لَكِنْ الْعِبَارَاتُ عَنْهُ تَكْثُرُ وَتَخْتَلِفُ فَإِذَا قُرِئَ كَلَامُ اللَّهِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ سُمِّيَ قُرْآنًا وَإِذَا قُرِئَ بِلُغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ أَوْ السُّرْيَانِيَّةِ سُمِّيَ تَوْرَاةً أَوْ إنْجِيلًا فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ أَفْسَدِ مَا يُعْلَمُ فَبَدِيهَةُ الْعَقْلِ فَسَادُهُ، وَهُوَ كُفْرٌ إذَا فَهِمَهُ الْإِنْسَانُ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ يُقْرَأُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَقَدْ يُتَرْجَمُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ أَوْ الْفَارِسِيَّةِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَلْسُنِ وَمَعَ هَذَا إذَا تُرْجِمَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ لَمْ يَكُنْ هُوَ التَّوْرَاةَ وَلَا مِثْلَ التَّوْرَاةِ وَلَا مَعَانِيهِ مِثْلُ مَعَانِي التَّوْرَاةِ وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ تُقْرَأُ بِالْعِبْرِيَّةِ وَتُتَرْجَمُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَتْ مِثْلَ الْقُرْآنِ وَلَا مَعَانِيهَا مِثْلَ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ الْإِنْجِيلُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يُقْرَأُ بِعِدَّةِ أَلْسُنٍ وَهُوَ فِي ذَلِكَ مَعَانِيهِ لَيْسَتْ مَعَانِيَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ، فَهَلْ يَقُولُ مَنْ لَهُ عَقْلٌ أَوْ دِينٌ إنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُطْلَقًا إذَا قُرِئَ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ هُوَ الْقُرْآنَ، أَوْ لَيْسَ يَلْزَمُ صَاحِبَ هَذَا أَنْ تَكُونَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إذَا فُسِّرَا بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَا هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ، بَلْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْإِلَهِيَّةُ الَّتِي يَرْوِيهَا الرَّسُولُ ﷺ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى مِثْلُ قَوْلِهِ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ» وَقَوْلِهِ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إذَا دَعَانِي» وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا كَلَامٌ عَرَبِيٌّ مَأْثُورٌ عَنْ اللَّهِ وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ قُرْآنًا وَلَا مِثْلَ الْقُرْآنِ لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى. فَكَيْفَ يُقَالُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إذَا قُرِئَا بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا، وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ
стр. 3046
إذَا تُرْجِمَ بِالْعِبْرِيَّةِ أَوْ السُّرْيَانِيَّةِ هَلْ يَقُولُ مَنْ لَهُ عَقْلٌ أَوْ لَهُ دِينٌ إنَّ ذَلِكَ هُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ الْمُنَزَّلُ عَلَى مُوسَى وَعِيسَى ﵉، وَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّ كَلَامَ اللَّهِ الْمُنَزَّلَ بِالْأَلْسِنَةِ الْمُخْتَلِفَةِ مَعْنَاهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ كَالْكَلَامِ الَّذِي يُتَرْجَمُ بِأَلْسِنَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ. الْعِلْمُ بِفَسَادِ هَذَا مِنْ أَوْضَحِ الْعُلُومِ الْبَدِيهِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَقَائِلُ هَذَا لَوْ تَدَبَّرَ مَا قَالَ لَعَلِمَ أَنَّ الْمَجَانِينَ، لَا يَقُولُونَ هَذَا، وَمِنْ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّ الْكَلَامَ إذَا تُرْجِمَ كَمَا تَرْجَمَتْ الْعَرَبُ كَلَامَ الْأَوَائِلِ مِنْ الْفُرْسِ وَالْيُونَانِ وَالْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ فَتِلْكَ الْمَعَانِي هِيَ الْمَعَانِي وَهِيَ بَاقِيَةٌ لَمْ تَخْتَلِفْ بِكَوْنِهَا عَرَبِيَّةً أَوْ فَارِسِيَّةً أَوْ رُومِيَّةً أَوْ هِنْدِيَّةً.
وَكَذَلِكَ لَمَّا تَرْجُمُوا مَا تَرْجَمُوهُ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَنَا وَأُمَمِهِمْ فَتِلْكَ الْمَعَانِي هِيَ هِيَ سَوَاءٌ كَانَتْ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ الْفَارِسِيَّةِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَمَّا قَالَتْهُ الْأُمَمُ قَبْلَنَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ وَهُمْ إنَّمَا قَالُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَقَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنَا بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَتِلْكَ الْمَعَانِي هِيَ هِيَ لَمْ يَكُنْ كَوْنُهَا حَقًّا أَوْ بَاطِلًا أَوْ إيمَانًا أَوْ كُفْرًا أَوْ رُشْدًا أَوْ غَيًّا مِنْ جِهَةِ اخْتِلَافِ الْأَلْسِنَةِ بَلْ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَعَانِي هِيَ فِي نَفْسِهَا حَقَائِقُ مُتَنَوِّعَةٌ مُخْتَلِفَةٌ أَعْظَمُ مِنْ اخْتِلَافِ الْأَلْسِنَةِ وَاللُّغَاتِ بِكَثِيرٍ كَثِيرٍ، وَأَيْنَ اخْتِلَافُ الْمَعَانِي مِنْ اخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ: اخْتِلَافِ صُوَرِ بَنِي آدَمَ وَأَلْسِنَتِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى اخْتِلَافِ قُلُوبِهِمْ وَعُلُومِهِمْ وَقُصُودِهِمْ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ اخْتِلَافَ قُلُوبِهِمْ وَعِلْمِهَا وَإِرَادَتِهَا أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ اخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ وَأَلْوَانِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ حَتَّى قَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ رَجُلَيْنِ يَا أَبَا ذَرٍّ هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلُ هَذَا» . فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا خَيْرًا مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ جِنْسِ الْآخَرِ وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ قُلُوبِهِمْ، فَاخْتِلَافُ الصُّوَرِ لَا يَبْلُغُ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَهَكَذَا كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى وَهُوَ التَّوْرَاةُ، وَاَلَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ الْقُرْآنُ لَمْ تَكُنْ مُغَايَرَةُ بَعْضِهِ بَعْضًا بِمُجَرَّدِ اخْتِلَافِ الْأَلْسِنَةِ بِحَيْثُ إذَا تُرْجِمَ كُلُّ وَاحِدٍ بِلُغَةِ الْآخَرِ صَارَ مِثْلَهُ أَوْ صَارَ هُوَ إيَّاهُ كَمَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْمُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، مَعَ التَّرْجَمَةِ يَكُونُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَعَانِي لَيْسَتْ هِيَ مَعَانِيَ الْآخَرِ وَلَا مِثْلَهَا بَلْ التَّفَاوُتُ الَّذِي بَيْنَ مَعَانِي هَذِهِ الْكُتُبِ أَعْظَمُ مِنْ التَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَ أَلْفَاظِهَا وَاللِّسَانُ الْعِبْرِيُّ قَرِيبٌ مِنْ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَمَعَ هَذَا فَمَعَانِي الْقُرْآنِ فَوْقَ مَعَانِي التَّوْرَاةِ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ. ثُمَّ الْمَسِيحُ إنَّمَا كَانَ لِسَانُهُ عِبْرِيًّا وَإِنَّمَا بَعْدَهُ تُرْجِمَ الْإِنْجِيلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ أَفَنَرَى الْإِنْجِيلَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْعِبْرِيَّةِ هُوَ التَّوْرَاةَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ أَصْلَانِ عَظِيمَانِ.
стр. 3047
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقُرْآنَ لَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَالنَّظْمِ الْعَرَبِيِّ اخْتِصَاصٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُمَاثِلَهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ أَصْلًا، أَعْنِي خَاصَّةً فِي اللَّفْظِ وَخَاصَّةً فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْنَى، وَلِهَذَا لَوْ فُسِّرَ الْقُرْآنُ وَلَوْ تُرْجِمَ فَالتَّفْسِيرُ وَالتَّرْجَمَةُ قَدْ يَأْتِي بِأَصْلِ الْمَعْنَى أَوْ يَقْرُبُهُ وَأَمَّا الْإِتْيَانُ بِلَفْظٍ يُبَيِّنُ الْمَعْنَى كَبَيَانِ لَفْظِ الْقُرْآنِ فَهَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ أَصْلًا وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الدِّينِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَلَا مَعَ الْعَجْزِ عَنْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقُرْآنَ الْمُنَزَّلَ، وَلَكِنْ يَجُوزُ تَرْجَمَتُهُ كَمَا يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ قِرَاءَتُهُ بِأَلْفَاظِ التَّفْسِيرِ وَهِيَ إلَيْهِ أَقْرَبُ مِنْ أَلْفَاظِ التَّرْجَمَةِ بِلُغَةٍ أُخْرَى.
الْأَصْلُ الثَّانِي: إنَّهُ إذَا تُرْجِمَ أَوْ قُرِئَ بِالتَّرْجَمَةِ فَلَهُ مَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ لَا يُمَاثِلُهُ فِيهِ كَلَامٌ أَصْلًا وَمَعْنَاهُ أَشَدُّ مُبَايَنَةً لِسَائِرِ مَعَانِي الْكَلَامِ مِنْ مُبَايِنَةِ لَفْظِهِ وَنَظْمِهِ لِسَائِرِ اللَّفْظِ وَالنَّظْمِ وَالْإِعْجَازُ فِي مَعْنَاهُ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ كَثِيرٍ مِنْ الْإِعْجَازِ فِي لَفْظِهِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَكَيْفَ يُقَالُ الْكَلَامُ الْمَقْرُوءُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْمُتَرْجَمِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْكَلَامُ الْمَقْرُوءُ بِالْعَرَبِيَّةِ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ مَعَ أَنَّا بِالْبَدِيهَةِ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ لَا فِي لَفْظٍ وَلَا مَعْنًى فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ إيَّاهُ وَهَلْ يَقُولُ مَنْ لَهُ عَقْلٌ أَوْ دِينٌ يَفْهَمُ مَا يَقُولُ أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ وَالْكَلَامَ الْمُنَزَّلَ هِيَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنَاهَا كَدَلَالَةِ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَمْ يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ مَعَ تَنَوُّعِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ الصِّفَاتِ وَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ وَأَمَّا الْكَلَامُ فَيَكُونُ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ لَيْسَ هُوَ مَعْنَى الْآخَرِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودُنَا عُمُومَ النَّفْيِ بَلْ مَقْصُودُنَا نَفْيُ الْعُمُومِ فَإِنَّا لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْكَلَامَيْنِ قَدْ يَتَّفِقَانِ فِي الْمَعْنَى، وَقَدْ يُنَزِّلُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نَبِيٍّ بِلُغَةٍ الْمَعْنَى الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى الْآخَرِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى وَاحِدًا وَاللَّفْظُ مُخْتَلَفًا، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فَإِنَّا نَحْنُ لَمْ نُنْكِرْ أَنَّ مَعَانِيَ الْأَلْفَاظِ تَتَّفِقُ، لَكِنْ الْمُنْكَرُ أَنْ يُقَالَ جَمِيعُ مَعَانِي أَلْفَاظِ الْكُتُبِ مُتَّفِقَةٌ وَهِيَ مَعْنًى وَاحِدٌ وَأَنَّ مَعْنَى مَا أَنْزَلَ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ هُوَ بِعَيْنِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَأَنَّ جَمِيعَ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ وَمَعْنَى سُورَةِ الدَّيْنِ هُوَ مَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَأَنَّ مَعْنَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] مَعْنَى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] وَمَعْنَى الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَهَذَا لَوْ عُرِضَ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى
стр. 3048
تَمْيِيزٍ مِنْ الصِّبْيَانِ لَعَلِمَ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْبَاطِلِ. فَتَدَبَّرْ كَيْفَ ضَلُّوا فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ وَاحِدٌ لِاتِّحَادِ الْمُسَمَّى، ثُمَّ ضَلُّوا أَعْظَمَ ضَلَالٍ فِي أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ أَنْزَلَهُ مَعْنَاهُ مَعْنًى وَاحِدٌ وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ أَسْمَاؤُهُ لِاخْتِلَافِ الْأَلْسِنَةِ، وَشَبَّهُوهُ بِالْأَسْمَاءِ فَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ مَعْنًى وَاحِدًا وَلَهُ صِفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ لَكَانُوا قَدْ ضَلُّوا مِنْ وَجْهٍ، وَلَكِنْ مَعْنَى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لَيْسَ هُوَ مَعْنَى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ مِثْلُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ، إذْ الْمَدْلُولُ هُنَا وَاحِدٌ فِي نَفْسِهِ وَلَهُ صِفَاتٌ وَالْمَدْلُولُ هُنَا فِي إحْدَى السُّورَتَيْنِ لَيْسَ هُوَ الْمَدْلُولَ فِي السُّورَةِ الْأُخْرَى بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.
وَأَمَّا تَشْبِيهُهُمْ ذَلِكَ بِكَوْنِ اللَّهِ مَعْبُودًا بِعِبَادَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ فَهُوَ أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى الْفَرْقِ فَلِهَذَا لَمْ نَحْتَجْ إلَى الْكَلَامِ عَلَيْهِ، إذْ تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَقْوَى اشْتِبَاهًا وَقَدْ ظَهَرَ مَا فِيهِ، فَكَيْفَ بِتَشْبِيهِ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا ادَّعَوْهُ مِنْ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ بِعِبَادَةِ الْعَابِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ لَك أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ إنَّ الْقُرْآنَ مَحْفُوظٌ بِالْقُلُوبِ حَقِيقَةً مَقْرُوءٌ بِالْأَلْسِنَةِ حَقِيقَةً مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ حَقِيقَةً كَمَا أَنَّ اللَّهَ مَعْلُومٌ بِالْقُلُوبِ مَذْكُورٌ بِالْأَلْسِنَةِ مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ حَقِيقَةً، فَهُوَ يَقْصِدُ هَذَا التَّلْبِيسَ مِنْ جَعْلِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَسَائِرِ كَلَامِ اللَّهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا ادَّعَوْهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى النَّفْسَانِيِّ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ لَك أَنَّ هَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا مِمَّا ابْتَلَى بِهِ كَثِيرًا مِنْ عِبَادِهِ وَفَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا. وَبِهَذَا وَأَمْثَالِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانُوا أَخْبَثَ قَوْلًا مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ جِهَاتٍ مِثْلِ نَفْيِهِمْ أَنْ يَقُومَ بِاَللَّهِ كَلَامٌ فَهَؤُلَاءِ أَخْبَثُ مِنْهُمْ مِنْ جِهَاتٍ أُخَرَ مِثْلِ مَنْعِهِمْ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ اللَّهِ مَا هُوَ كَلَامُهُ وَجَعْلِهِمْ كَلَامِ اللَّهِ شَيْئًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
[الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ إنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا فِي الْجَوَابِ عَمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ]
ِ مِنْ أَنَّ لَهُ كَلِمَاتٍ مَا لَهُ حَقِيقَةٌ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَيْسَ لِلَّهِ كَلَامٌ إلَّا مَعْنَى وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّعَدُّدُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ لَهُ كَلِمَاتٍ وَأَنَّ الْبِحَارَ لَوْ كَانَتْ مِدَادَهَا وَالْأَشْجَارُ أَقْلَامُهَا لَمَا نَفِدَتْ تِلْكَ الْكَلِمَاتُ، وَهَذَا صَرِيحٌ بِأَنَّ لَهَا مِنْ التَّعْدَادِ مَا لَا يَأْتِي عَلَيْهِ إحْصَاءُ الْعِبَادِ، فَكَيْفَ يُقَالُ لَيْسَ لَهُ كَلِمَتَانِ فَصَاعِدًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ التَّكْثِيرُ لِلتَّفْخِيمِ كَقَوْلِهِ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] ، فَيُقَالُ لَهُمْ هَذَا إنَّمَا
стр. 3049
يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُصَرِّحُ بِأَنَّ الْمَعْنَى بِذَلِكَ اللَّفْظِ هُوَ وَاحِدٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ بَيَّنَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ وَاحِدٌ فَإِذَا قَالَ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] . ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ [الفتح: ١] وَقَدْ عَلِمَ الْمُخَاطَبُونَ أَنَّهُ وَاحِدٌ، عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقْتَضِ أَنَّ ثَمَّ آلِهَةً مُتَعَدِّدَةً لَكِنْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ صِيغَةُ الْجَمْعِ فِي مِثْلِ هَذَا دَلَّتْ عَلَى كَثْرَةِ مَعَانِي أَسْمَائِهِ وَهَذَا مُنَاسِبٌ وَأَمَّا الْكَلَامُ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ قَطُّ وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ ابْنِ كُلَّابٍ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَيْسَ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا وَلَا خَطَرَ هَذَا بِقَلْبِ أَحَدٍ، فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ أَرَادَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ الْوَاحِدَ وَلِهَذَا لَا يَكَادُ يُوجَدُ هَذَا فِي صِيغَةِ التَّكَلُّمِ فِي حَقِّ اللَّهِ أَوْ صِيغَةِ الْمُخَاطَبَةِ لَهُ كَمَا قَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] وَأَمَّا تَمْثِيلُهُمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] أَيْ مِثْلَ أُمَّةٍ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْأُمَّةُ كَمَا فَسَّرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ هُوَ مُعَلِّمُ الْخَيْرِ وَهُوَ الْقُدْوَةُ الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ أَيْ يُقْتَدَى بِهِ، فَأُمَّةٌ مِنْ الِائْتِمَامِ كَقُدْوَةٍ مِنْ الِاقْتِدَاءِ، وَلَيْسَ هُوَ مُسْتَعَارًا مِنْ الْأُمَّةِ الَّذِينَ هُمْ جِيلٌ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وَإِنَّمَا هُوَ مِيزَانٌ وَاحِدٌ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْجَمْعُ مُرَادٌ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ إمَّا لِتَعَدُّدِ الْآلَاتِ الَّتِي تُوزَنُ بِهَا أَوْ لِتَعَدُّدِ الْأَوْزَانِ وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ كَثْرَتِهِ لِكَثْرَةِ الْمَعَانِي الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا الْعِبَارَاتُ عَنْهُ فَهَذَا حَقٌّ لَكِنْ إذَا كَانَتْ الْعِبَارَاتُ دَلَّتْ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ عُلِمَ أَنَّ مَعَانِيَ الْعِبَارَاتِ لِكَلَامِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هُوَ مَعْنًى وَاحِدًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ: إنَّ الْقُرْآنَ صَرَّحَ بِإِرَادَةِ الْعَدَدِ مِنْ لَفْظِ الْكَلِمَاتِ وَبِإِرَادَةِ الْوَاحِدِ مِنْ لَفْظِ كَلِمَةٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ١٩] وَقَالَ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] وَقَالَ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] فَبَيَّنَ أَنَّهَا إذَا كُتِبَتْ بِمِيَاهِ الْبَحْرِ وَأَقْلَامِ الْأَشْجَارِ لَا تَنْفَدُ وَالنَّفَادُ الْفَرَاغُ فَعُلِمَ أَنَّهُ يُكْتَبُ بَعْضُهَا وَيَبْقَى مِنْهَا مَا لَمْ يُكْتَبْ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا مِنْ الْكَثْرَةِ إلَى أَنْ يُكْتَبَ مِنْهَا مَا يُكْتَبُ وَيَبْقَى مَا يَبْقَى فَكَيْفَ يَكُونُ إنَّمَا أَرَادَ بِلَفْظِ الْكَلِمَاتِ كَلِمَةً وَاحِدَةً
стр. 3050
لَا سِيَّمَا وَلَفْظُ الشَّجَرِ يَعُمُّ كُلَّ مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ صُلْبٍ أَوْ غَيْرِ صُلْبٍ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فِي الضَّالَّةِ تَرِدُ الْمَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» .
الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ: إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَأَبَانَ الْعَطَّارِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَجَعَلَ قُلْ هُوَ اللَّهَ أَحَدٌ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ» . فَهَذِهِ التَّجْزِئَةُ إمَّا أَنْ تَعُودَ إلَى لَفْظِ الْقُرْآنِ وَإِمَّا أَنْ تَعُودَ إلَى مَعْنَاهُ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّ حُرُوفَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] لَيْسَتْ بِقَدْرِ حُرُوفِ ثُلُثِ الْقُرْآنِ بَلْ هِيَ أَقَلُّ مِنْ عُشْرِ عُشْرِ الْعُشْرِ بِكَثِيرٍ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّجْزِئَةِ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مَعْنَى حُرُوفِ الْقُرْآنِ مُتَجَزِّئَةٌ وَهُمْ قَدْ قَالُوا إنَّ كَلَامَ اللَّهِ وَاحِدٌ لَا يَتَجَزَّأُ وَلَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَغَايَرُ وَلَا يَخْتَلِفُ، وَلَوْ قِيلَ إنَّ التَّجْزِئَةَ لِلْحُرُوفِ لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَمَاثُلُ قَدْرِ الْحُرُوفِ بَلْ يَكُونُ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَعْنَى لَكَانَ ذَلِكَ حُجَّةً أَيْضًا، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ التَّجْزِئَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى عُلِمَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْحُرُوفُ لَيْسَ هُوَ مَعَانِي بَقِيَّةِ الْقُرْآنِ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ امْرَأَةٍ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] فَقَدْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهَا ثُلُثُ الْقُرْآنِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ قَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا بِلَفْظٍ آخَرَ أَنَّهُ «قَالَ أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ قَالُوا وَكَيْفَ نَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» . فَقَوْلُهُ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ يُبَيِّنُ أَنَّهَا فِي نَفْسِهَا لَيْسَتْ ثُلُثَهُ وَلَكِنْ تَعْدِلُ ثُلُثَهُ أَيْ فِي الثَّوَابِ. قُلْنَا: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَإِنَّهَا ثُلُثُهُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى وَهِيَ تَعْدِلُ ثُلُثَهُ بِاعْتِبَارِ الْحُرُوفِ أَوْ هِيَ بِلَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا ثُلُثُهُ فَتَعْدِلُ ثُلُثَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي مَعْنَاهُ وَحَيْثُ قَالَ «جُزِّئَ الْقُرْآنُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَجَعَلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] جُزْءًا مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ» فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ تَجَزَّأَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ وَإِنَّمَا هِيَ جُزْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ، وَهَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ بِهِ
следующие страницы →