- وقال الشيخ أبو العباس أحمد بن ناصر الدرعي المالكي (ت١٠٨٥) في رحلته المكية (١): وأما الدفوف والطنابير والمزامر والمزاهر والطرور، فكان شيخنا الإمام الوالد يضرب فيها بالعصا والنعل ويجلي فيها، وينفي متعاطيه ويغري عليهم ويبعث في نفيهم، ويبالغ في زجرهم، ولا يسكت عنهم بحال.
- وقال في الأجوبة الناصرية (٢): وأما ضرب الرباب والعود وغيره من الآلات المعروفة عند المداحين والمتصوفة الجاهلة، فقد أنكره الشيخ ﵁ غاية الإنكار. كذا في الزجر والإقماع (٢٢٨).
- وقال أبو القاسم ابن جزي الغرناطي المالكي (ت٧٥٨) في القوانين الفقهية (١٨٤): وإن كانت المنفعة لا تجوز فهي كالعدم كآلات اللهو. كذا في الزجر والإقماع (٢٤٣).
стр. 37
- وقال ابن رشد في المقدمات المهمات (٣/ ٤٦٢): ولا يجوز تعمد حضور شيء من اللهو واللعب ولا من الملاهي المطربة كالطبل والمزمر وما كان في معناه.
- ونقل ابن المدني كنون عمن لم يسمه قوله: أما الملاهي الملهية وهي ذوات الأوتار فحرام في الأعراس وغيرها، كما في باب الشهادة من التوضيح نقلا عن المازري، ونحوه لابن عرفة وصاحب المدخل، وهو المشهور في مذهب الشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل، ثم قال: ولم أر من صرح بالخلاف في ذلك من المالكية إلا من عبر في كراء المعازف بالكراهة، ومن عبر في العود والرباب بالكراهة أيضا كابن المواز وابن عبد الحكم، وقد يريد بالكراهة التحريم، كما في التوضيح (١).
- وقال أبو إسحاق الشاطبي المالكي في جواب له عن سؤال حول السماع الذي يفعله الصوفية، وأن فقيهين يحضران ذلك، منه قوله: أما الغناء والشطح فهو مذموم على ألسنة السلف الصالح ...
стр. 38
إلى أن قال: ولو فعلوه على جهة اللعب كما يفعله الصبي لكان أخف عليهم مع ما فيه من إسقاط الحشمة وإذهاب المروءة وترك هدي أهل الإسلام، وأرباب العقول، لكنهم يفعلونه على جهة التقرب إلى الله، والتعبد به، وأن فاعله أفضل من تاركه، هذا أدهى وأمر، حيث يعتقدون أن اللهو واللعب عبادة، وذلك من أعظم البدع والمحرمات، الموقعة في الضلالة الموجبة للنار، والعياذ بالله.
وأما ما ذكرتم من شأن الفقيهين الإمامين فليسا بفقيهين إذا كانا يحضران شيئا من ذلك، وحضورهما ذلك على الانتصاب إلى المشيخة قادح في عدالتهما، فلا يصلى خلف واحد منهما حتى يتوبا إلى الله من ذلك (١).
- وقال العلامة زروق المالكي المتوفى سنة (٨٩٩) في عدة المريد الصادق (٥٣٦): فصل في السماع والاجتماع، وهو مما تسرع إليه نفوس الجاهلين وتولع به قلوب الغافلين وتؤثره
стр. 39
توجهات المبطلين، وينتفع به ضعفاء المشرفين، وتقف معه حقائق المجانين، وترتاح إليه أكباد المفتونين .. إلى آخر كلامه (١).
- وقال ابن المدني كنون المالكي في الزجر والإقماع (٢١٦) بعد نقله ردود العلماء على ابن حزم في تضعيف حديث المعازف: ومن توقف في التحريم بعد صحة الحديث فقد سلك في المعاندة سبيل الاجتراء والاجترام الخبيث، بل لا يقول بخلافه إلا سخيف وسفيه ولا يتعرض لنقضه إلا جاحد أو جاهل أو مقصر، لم يَصْف له من أصول الشريعة منهل من المناهل.
- وقال أبو علي اليوسي المالكي المتوفى سنة (١١٠٢): وأما السماع بالأغاني وإنشاد الأشعار فهو داخل في الابتداع وأحق بالاختراع، وهو معشش الوساويس ومغرس التخليط والتلبيس (٢).
- وفي تعداد البدع من المعيار للونشريسي (٢/ ٤٩٨) ما نصه: ومنها متخذ الملاهي وأنواع الغناء المحرمات والآلات والمزامير صناعة وحرفة ويكتسبون بها ويستأجرون عليها عند
стр. 40
السرور والحزن مثل الزفانين والمغنين وسائر ما لا يحل، فهم أعوان للشياطين في تحريك النفوس لكل شر، وترتيب أهل المعاصي على كل منكر، فيجب على القاضي ابتداء البحث والكشف عمن شهر بذلك وارتسم به، والقبض على من وجد منهم. اهـ
- وفي المدخل لابن الحاج (٢/ ٦) تشنيع عظيم على أهل الغناء والسماع، إلى أن قال: ثم العجب كيف خفيت عليهم هذه المكيدة الشيطانية والدسيسة من اللعين، ألا ترى أن شارب الخمر إذا شربه أول ما تدب فيه الخمرة يحرك رأسه ساعة بعد ساعة، فإذا قويت عليه ذهب حياؤه ووقاره لمن حضره وانكشف ما كان يريد ستره عن جلسائه. فانظر رحمنا الله وإياك إلى المغني إذا غنى تجد من له الهيئة والوقار وحسن الهيئة والسمت ويقتدي به أهل الإشارات والعبارات والعلوم والخيرات يُسكت له ويُنصت، فإذا دب معه الطرب قليلا حرك رأسه كما يفعله أهل الخمرة سواء بسواء كما تقدم، ثم إذا تمكن الطرب منه ذهب حياؤه ووقاره كما سبق في الخمرة سواء بسواء فيقوم ويرقص ويعيط وينادي ويبكي ويتباكى
стр. 41
ويتخشع ويدخل ويخرج ويبسط يديه ويرفع رأسه نحو السماء كأنه جاءه المدد منها ويخرج الرغوة أي: الزبد، من فيه، وربما مزق بعض ثيابه وعبث بلحيته ...
- وقال الغالي اللجائي في إبطال الشبه (١٠٧) بعد حكايته على مالك قولين في السماع: عن الآلة بالمنع والكراهة: وهذا كله في الغناء المجرد عن الآلة والتصفيق والرقص، أما الغناء المقترن بذلك فحرام قطعا ... وفرطت أجوبة المقلدين للإمام – أي مالك- بالمنع والتحريم والتفسيق لمرتكب ذلك.
- وقال الطرطوشي في تحريم الغناء والسماع (١٩٧): وأما من جهة الاستنباط، فإنه صنو الخمر ورضيعه وحليفه ونائبه ... فبينما ترى الرجل عليه سمة الوقار، وبهاء العقل، وبهجة الإيمان، ووقار الإسلام، كلامه حكمة، وسكوته عبرة، فإذا سمع الغناء نقص عقله وحياؤه، وذهبت مروءته وبهاؤه ... فيميل برأسه ويهز بمنكبيه، ويدق الأرض برجليه، وهكذا تفعل الخمرة إذا مالت بشاربها.
стр. 42
الفصل الرابع:
وجوب كسر آلات الملاهي والغناء
وتغيير المنكر بذلك
- قال أبو عبد الله الساحلي المالكي (ت: ٧٥٤) في بغية السالك في أشرف المسالك (٢/ ٦٠٦): ومنها أن الفقهاء مجمعون على كسر ءالات اللهو وفسادها.
- وقال محمد بن أحمد بن قاسم بن سعيد العُقباني التلمساني (المتوفى سنة٨٧١) في كتابه تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر (٩٥): قال في تنبيه الحكام على مآخذ الأحكام (١): ينبغي البحث والكشف عما اشتهر ذكره من المناكر وعرف بالجملة ظهوره وانتشاره وأنس الناس به، كاتخاذ المناكر والملاهي في الديار وبعض المحلات وبعض الشوارع والحمامات ...
стр. 43
- وقال ابن فرحون المالكي في تبصرة الحكام (٢/ ١٥٨): ويؤدب من يبيع ءالات اللهو ويفسخ البيع ويكسر ويؤدب أهل ذلك.
- وقال الرهوني في باب الشرب عن ابن رشد في البيان: إن العود والمزمار يكسران على كل حال إذا وجدا في تركة (١).
стр. 44
الفصل الخامس:
عدم جواز بيع ءالات اللهو والغناء وشرائها
وفسخ البيع بشرائها
- قال ابن فرحون في تبصرة الحكام (٢/ ١٥٨): ويؤدب من يبيع ءالات اللهو، ويفسخ البيع ويكسر، ويؤدب أهل ذلك.
- وقال محمد العتبي في المستخرجة (٧/ ٤٧٢ - البيان والتحصيل): وسئل ابن القاسم عن بيع العود والبوق والكبر، فقال أرى أن يفسخ البيع فيه، وأرى أن يؤدب أهله.
قال محمد بن رشد في شرحها البيان والتحصيل: أما العود والبوق فلا اختلاف في أنه لا يجوز استعمالهما في عرس ولا غيره، فيفسخ البيع فيهما باتفاق، ... اهـ ثم ذكر الخلاف في الكبر.
стр. 45
- وقال القاضي عياض: والمعازف عيدان الغناء لا يجوز ضربها ولا استئجارها (١).
- وقال أحمد بن سعيد المجلدي الفاسي (المتوفى سنة ١٠٩٤) في التيسير في أحكام التسعير (٢): ولا يحل للمحتسب أن يترك كل ما نهى الشارع عن بيعه أو شرائه، يباع في أسواق المسلمين، نهي عنه نهي تحريم أو كراهة، كآلات الملاهي من عود ودف وبوق ومزهر وطنبور، وإن كان يجوز ضرب بعضها كالدف في الأعراس، لكن بيعه وكراءه منهي عنه (٣).
- وقال أبو القاسم ابن خجو الحساني المالكي في شرح نظم ابن جماعة التونسي: .. واقطع وامنع بيع كل سلعة أو دابة أو ءالة أراد مشتريها أن يستعين بها على معصية الله كبيع .. الخشبة لمن يصنع منها صليبا أو مزهرا أو شيئا من ءالة الغناء
стр. 46
والزمر ... وقال القلصادي: ولا يجوز بيع مالا ينتفع به نفعا شرعيا كآلة اللهو والمزامير (١).
- وقال ابن المدني كنون في الزجر والإقماع (٢٤٢ - ٢٤٣): وقد مثل الشيخ التودي في طالع الأماني (٢) لما منافعه كلها محرمة بالخمر والخنزير وءالة اللهو، أي: فلا يصح تملك ذلك ولا بيعه، وقال في ( ... ) (٣): ومن اشترى من آلة اللهو شيئا: البوق وغيره، يفسخ بيعه وأدب أهله، وفي المسائل الملقوطة: لا يجوز بيع أشياء منها: الصور والقرد وءالة الملاهي.
وقال أيضا (٢٤٢): وقال بعض شراح نظم بيوع ابن جماعة عن ابن العربي: إن لصحة البيع شروطا، منها: أن تكون في المبيع منفعة للمبتاع مباحة، احترازا من غير المباحة كآلات اللهو فلا يجوز بيعها ولا يضمنها مستهلكها، لأن منفعتها محرمة.
стр. 47
الفصل السادس:
عدم جواز أخذ الأجرة على الغناء
- قال في المدونة (٣/ ٤٣٢): قلت: هل كان مالك يكره الدفاف في العرس أو يجيزه؟ وهل كان مالك يجيز الإجارة فيه؟ قال: كان مالك يكره الدفاف والمعازف كلها في العرس، وذلك أني سألته عنه فضعفه ولم يعجبه ذلك.
- وقال أبو عمر ابن عبد البر في كتاب الكافي (١٩١): من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا ومهور البغاء والسحت والرشاوي وأخذ الأجرة على النياحة والغناء.
وقال (٣٧٥): وأما الغناء واللهو كله فحرام تعليمه بأجرة وبغير أجرة.
- وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (١٤/ ٥٦): قلت: وإذ قد ثبت أن هذا الأمر لا يجوز فأخذ الأجرة عليه لا تجوز.
стр. 48
- وقال العلامة الأبي المالكي في شرح مسلم (٥/ ٤٤٦): .. ولا خلاف في حرمة أجرة المغنية.
- وقال كنون في الزجر والإقماع (١٧٣): وفي الإكمال: لا تجوز أجرة المغنية إجماعا.
стр. 49
الفصل السابع:
عدم جواز تعليم الغناء
- قال خليل في المختصر المشهور في الفقه المالكي، عطفا على ما تمنع فيه الإجارة (٢٤٣): ولا تعليم غناء.
- قال كنون في الزجر والإقماع (١٧٢): قال الخرشي (١) والزرقاني رحمهما الله تعالى عقبه ما نصه: ومثل تعليم الغناء تعليم ءالات الطرب كالعود والمزمار .. وسلمه صاحب الفتح الرباني وطالع الأماني، وكذا الرهوني، رحم الله الجميع، ومثله للشبرخيتي.
- وقال الشيخ خليل بن إسحاق الجندي المالكي (ت٧٧٦) في التوضيح: وأما تعليم الغناء واللهو فلا يختلف في منعه (٢).
стр. 50
الفصل الثامن:
رد شهادة المغني والمستمع له
- قال ابن القاسم: وأما النائحة والمغنية والمغني فما سمعت فيه شيئا إلا أني أرى ألا تقبل شهادتهم، إذا كانوا معروفين بذلك. المدونة (٤/ ٧٩).
- وقال ابن عبد البر في الكافي (٢/ ٤٦٤): ولا يجوز شهادة من يكثر سماع الغناء، ومن يغشى المغنيين ويغشونه، ولا بأس باستماع الحداء، ونشيد الأعراب ...
- وقال الونشريسي في المعيار (١١/ ٧٤): ونص ابن عبد الحكم أن الشهادة ترد بسماع العود، إلا أن يكون في عرس أو صنيع بلا شرب مسكر، فلا ترد به، وإن كان محرما على كل حال. وذكره ابن أبي زيد القيرواني في النوادر والزيادات (٨/ ٢٩٥).
- وقال الزرقاني في شرح خليل (٤/ ٥٥): قال في الشامل في الشهادات: وترد شهادة المغني والمغنية والنائح
стр. 51
والنائحة وبسماع العود في الأصح إلا في عرس أو صنيع أو ولادة أو ختان ليس فيها شراب مسكر فإنه يكره فقط.
- وقال الخرشي في شرح خليل (٧/ ١٧٨): وسماع الغناء يرد الشهادة إذا كان بغير آلة وتكرر، لأن سماع المكروه حينئذ مكروه، فإنه يخل بالمروءة. وأما بالآلة فحرام وترد به الشهادة بالمرة الواحدة.
- وقال المكناسي في مجالسه ما نصه: وكذلك من يبيع المزامير والعيدان لم تجز شهادته (١).
- وقال ابن المدني كنون (٢٢٣): وبه تعلم أن من عبر في العود ونحوه بالكراهة كالزرقاني (٢) آخر فصل الوليمة مراده بها الحرمة.
стр. 52
خاتمة
طالما حاول كثير من علماء السوء وبعض المتصيدين لأخطاء وعثرات العلماء إيهام الناس أن تحليل الغناء هو مذهب مالك، والمالكية، وتطايروا بقول بعض العلماء الأفاضل، كالشوكاني في نيل الأوطار (٨/ ٨٣) إن مذهب المدنيين جواز الغناء والسماح بآلات اللهو وغيرها، وبالتالي فإن المسألة خلافية بين الفقهاء.
فهذه هي أقوال المالكية في الغناء، وهذا مذهبهم، وهذه نصوصهم، وهذه فتاويهم، وهي تقطع بما لا مجال فيه للشك أن المذهب الصحيح المقطوع به عند المالكية هو حرمة الغناء وآلاته، وحرمة بيعها وشرائها وبطلان العقد بذلك، ووجوب كسرها وإزالتها من الأسواق، وسقوط شهادة فاعله والمستمع له. إلا ما تقدم استثناؤه، كغناء في عرس ونحوه بدف أو كبر.
стр. 53
إذا علمت هذا فارجع البصر إلى فتاوى من سموا أنفسهم مالكية من أهل هذا الزمان، هل ترى عندهم لهذا الحكم من تحرير، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير.
ولا يسعني إلا أن أقول لهم ما قاله أحد العلماء المتأخرين، كما نقل صاحب الزجر والإقماع (٢٠٢)، في حق من يحضر مجالس العود والرباب من العلماء: وإن من كان يحضر مجلسا فيه ذلك من أهل تلك الطبقة وغيرها، إما رجل لم ينفعه الله بعلمه، إن كان يعتقد ما يعتقده العوام من كون هذا الغناء من المختلف فيه، أو رجل يرتكب ما هو أعظم من الغناء من المحرمات ولا يبالي، وألقى جلباب الحياء عن وجهه، أو رجل أراد قرب السلاطين ..
وقال (٢٠٣): وإنما أردت إيقاظ أهل زماني وإلا فالتآليف في هذا كثيرة، لا سيما في المغرب والأندلس، فإنه لما أظهر السلاطين حب الغناء وشغفوا به وعملوا المغنيات وقربوا المغنين على أئمة المصلين، انتصر للدين طائفة من العلماء
стр. 54
العاملين وردوا على العلماء المبطلين الذين يفتون السلاطين لأجل الدنيا بما يشتهون. انتهى.
هذا، وقد يرى المطالع للمعيار أو بعض شروح خليل أو شروح الرسالة كشرح ابن ناجي وزروق وغيرها أو بعض الكتب المفردة في إجازة ذلك، كمواهب الأرب لابن جعفر الكتاني، نصوصا توهم غير ما قررته أو بالأحرى قرره أئمة المالكية، في هذه الرسالة، فليعلم أن من حكى عن الإمام مالك أو المالكية إجازة الغناء فهو أحد رجلين:
١ - إما واهم في نقله.
٢ - وإما رجل أشرب الغناء في قلبه فصار يبحث عن كل خيط عنكبوت ليتشبث به معرضا عن النصوص المحكمة عن أئمة المذهب، معولا على نصوص لبعض المتأخرين في ذلك.
فضلا على أن بعض العلماء يطلقون الغناء على ما تجرد عن الآلات الموسيقية، فيحكون فيه الخلاف كما تقدم.
ورحم الله أبا الحسن الصغير القائل في رسالته في إنكار البدع والسماع (المخطوطة بالخزانة الحسنية رقم ١٢٢٢٦)،
стр. 55
(الصفحة ٦): وما يذكرون أن جماعة من التابعين كانوا يفعلونه فلم يبلغ أن أحدا من السلف الصالح فعله، ولم يثبت في كتب الأئمة كمالك والبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي ويحيى بن يحيى الأصيلي والليث بن سعد وغيرهم ﵃، وكتبهم خالية مما عليه هذه الطائفة، وهي مصنفات المسلمين التي يحتج بها، وكذلك مصنفات الشافعية والحنفية والحنبلية، ﵃، فكتبهم مشحونة بتفسيق أهل السماع، وكذلك مصنفات مالك وأتباعه ﵃، ومن فعله من المتأخرين فقد أخطأ ولا يقتدى به، وإنما يقتدى بما في كتب الأئمة الراشدين.
وقال أبو عبد الله الساحلي الأندلسي المالكي (ت: ٧٥٤) في بغية السالك في أشرف المسالك (٢/ ٦٠٧)، بعد كلام طويل حول مفاسد الغناء: والحق الذي لا ريب فيه أن هذه الملاهي قادحة في آداب العبودية، ناقضة لعرى الخضوع والافتقار، ومضادة لمعنى التدبر بعيدة من الحق، قريبة من الباطل،
стр. 56
يجب تنزيه جانب النبي ﷺ وجانب أصحابه والسلف الصالح عن ذلك وأمثاله.
وأقبح شيء في هذه المسألة: التعامي عن جميع ما ذكر، والميل إلى الاستدلال بفعل المتأخرين على جواز ذلك، كيف يجمل نبذ ما تقدم ذكره، والتغافل عنه استنادا إلى فعل بعض المتأخرين، ومن لم تثبت عصمته لا يؤمن زلله، وقد قال مالك ﵀: من كل القول مأخوذ ومتروك، إلا ما قاله صاحب هذا القبر، يشير إلى النبي ﷺ . (١)
وغير بعيد أن يكون المتأخر قد التبس عليه الحق، وجهله في هذه المسألة، فليس إلا الكتاب والسنة وفعل السلف، فهم أقرب عهدا بزمان النبوءة وأشد فهما لمعاني الكتاب والسنة، وأشد متابعة للنبي ﷺ ، ولما بعد زمن النبوة حدث التغيير والتبديل. انتهى.