← Прочие науки

Прочие науки · id 9707

القياس

ابن رشد الحفيد

Полный текст (103 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وإذا كانت كلتا المقدمتين ممكنة في الشكل الثاني فإنه لا يكون قياس منتج، موجبتين كانتا أم سالبتين أم إحداهما موجبة والثانية سالبة، كليتين كانتا أو جزئيتين معا أو إحداهما كلية والأخرى جزئية. وأما إذا كانت إحداهما مطلقة والأخرى ممكنة فإنه إن كانت الموجبة هي المطلقة والسالبة هي الممكنة، فإنه لا يكون قياس منتج. وأما إذا كانت السالبة المطلقة وكانت كلية، فإنه يكون قياس منتج. ومثل هذا يعرض إذا كانت إحدى المقدمتين أيضا ضرورية والأخرى ممكنة. والممكن هاهنا ينبغي أن يفهم في نتائج هذه المقاييس على نحو ما فهم فيما تقدم. وينبغي أن نبين هاهنا أولا أن الكلية السالبة الممكنة لا تنعكس محفوظة الكمية والكيفية كما تنعكس السالبة الضرورية والسالبة المطلقة. فلنضع أولا أن كل جَ يمكن أن لا يكون شيئا من اَ، فأقول إنه ليس يلزم عن هذا أن تكون كل اَ ممكنة أن لا يكون شيئا من جَ. برهان ذلك أنه إن أمكن ذلك فستصدق معها الموجبة الممكنة الكلية- وهي قولنا كل اَ يمكن أن يكون جَ- لأن الموجبات الممكنة ترجع إلى سوالبها الكلية للكلية والجزئية للجزئية. وذلك أن قولنا كل جَ يمكن أن لا يكون شيئا من اَ تصدق معها الموجبة المضادة لها- وهي قولنا كل جَ يمكن أن يكون اَ- فإذن يصدق مع قولنا كل جَ يمكن أن يكون اَ قولنا كل اَ يمكن أن يكون جَ، فالموجبة الممكنة الكلية تنعكس كلية وقد تبين أنها لا تنعكس، هذا خلف لا يمكن. وأيضا فإن كونها لا تنعكس دائما يظهر من المواد. وذلك أنه إذا كان كل جَ يمكن أن لا يكون شيئا من اَ فقد يمكن أن يكون بعض اَ ليس هو جَ بالضرورة. مثال ذلك أن كل إنسان يمكن أن لا يكون أبيض وبعض الأبيض ليس هو إنسانا بالضرورة- مثل الثلج وققنس- وإذا أمكن أن يكون بعض اَ بالضرورة ليس هو جَ، فليس يصدق مع ذلك أن كل اَ يمكن أن لا يكون جَ، لأن بعضه واجب وضروري أن لا يكون. قال: وقد يظن أن السالبة الممكنة قد تبين انعكاسها بطريق الخلف. ومثال ذلك أن يقول قائل: إن قول القائل كل اَ يمكن أن لا يكون شيئا من بَ ينعكس صادقا- وهو أن كل بَ يمكن أن لا يكون شيئا من اَ برهان ذلك أنه إن لم يكن صادقا قولنا كل بَ يمكن أن لا يكون اَ فنقيضه إذن هو الصادق- وهو كل بَ غير ممكن أن لا يكون اَ- ولما كان قولنا كل بَ غير ممكن أن لا يكون اَ يلزمه أن بعض بَ بالضرورة اَ وكان هذا قد تبين أنه ينعكس إذ كانت جزئية ضرورية، فبعض اَ بَ بالضرورة وقد كنا فرضنا أن كل اَ يمكن أن لا يكون بَ، هذا خلف لا يمكن. لكن في هذا القول مغالطة. وذلك أنه ليس اللازم عن قولنا كل بَ غير ممكن أن لا يكون في شيء من اَ قولنا إن بعض بَ بالضرورة اَ، بل وقد يلزمه أن بعض بَ بالضرورة ليست اَ لأنه يناقض قولنا كل بَ ممكن أن لا يكون اَ قولنا بعض بَ بالضرورة ليست اَ كما يناقض قولنا بعض بَ بالضرورة اَ قولنا كل بَ ممكن أن يكون اَ. ولما كان قولنا أن كل بَ ممكن أن يكون اَ يلزمه أن كل بَ ممكن أن لا يكون اَ وكان قولنا كل بَ ممكن أن يكون اَ يناقضه قولنا بعض بَ بالضرورة اَ وقولنا كل بَ يمكن أن لا يكون اَ يناقضه قولنا بعض بَ بالضرورة ليست اَ، فإذن قولنا كل بَ ممكن أن يكون اَ يناقضه قولنا بعض بَ بالضرورة اَ وبعض بَ بالضرورة ليست اَ. وكذلك يناقض هاتين الجزئيتين المقدمة السالبة الممكنة- وهي قولنا كل بَ يمكن أن لا يكون اَ- والذي يناقض هذا يلزم نقيضه. فإذن قولنا كل بَ ممكن أن لا يكون اَ يناقضه شيئان، أحدهما بعض بَ بالضرورة ليست اَ، والثاني بعض بَ بالضرورة هو اَ. فقولنا في قياس الخلف كل بَ غير ممكن أن لا يكون اَ قد يلزمه مرة أن بعض بَ بالضرورة اَ ومرة أن بعض بَ بالضرورة ليست اَ. فإن كان اللازم هو السالبة الجزئية الضرورية لم يفض القول إلى محال لأنه ليس تنعكس السالبة الضرورية، بل قد يكون كل اَ ممكن أن لا يكون بَ وبعض بَ ليس بالضرورة اَ- مثل قولنا كل إنسان يمكن أن يكون أبيض وبعض الأبيض ليس هو إنسان بالضرورة، مثل الثلج وققنس.

стр. 37

فإذ قد تبين أن السوالب الممكنة لا تنعكس، فلنضع مقدمتين كليتين ممكنتين إحداهما موجبة والأخرى سالبة في الشكل الثاني- مثل قولنا كل جَ هو بَ بإمكان وكل اَ يمكن أن لا يكون بَ- فأقول إن هذا التأليف لا ينتج شيئا، لأنه لا يمكن أن تنعكس السالبة الممكنة كما أمكن ذلك في المادة المطلقة والضرورية. ولا بقياس الخلف تبين أيضا أنه يكون قياس، لأنه إن أخذنا نقيض النتيجة الموجبة الممكنة الحقيقية لم يعرض عن ذلك محال إذ كانتا متلازمتين- أعني الموجبة الممكنة والممكنة السالبة. وكذلك إن أخذنا النقيض جزئية ضرورية موجبة أو سالبة. وبالجملة وإن كان عن هذا التأليف قياس، فإنه إنما ينتج بالذات نتيجة ممكنة إذ كانت المقدمتان ممكنتين، لا نتيجة مطلقة ولا ضرورية إذ كان ليس في هذا القياس مقدمة بهذه الصفة. فإن كان ينتج نتيجة ممكنة فإما أن تكون سالبة ممكنة وإما موجبة ممكنة. لكن تبين من الحدود أنها تنتج مرة سالبة ضرورية، ومرة موجبة ضرورية. وبكل واحدة من هاتين النتيجتين يبطل أن تنتج سالبة ممكنة أو موجبة ممكنة، وذلك أن السالبة الضرورية تناقض الموجبة الممكنة والسالبة الممكنة وكذلك الموجبة الضرورية تناقض كليهما. فالحدود التي تنتج في هذه المادة سالبة الإنسان والأبيض والفرس. والأبيض هو الحد الأوسط والإنسان الأصغر، ويأتلف هكذا: كل إنسان يمكن أن يكون أبيض وكل فرس يمكن أن لا يكون أبيض، والنتيجة ولا إنسان واحد فرس- وهي سالبة ضرورية. وإذا كانت اَ مسلوبة عن جَ باضطرار، لم يصدق أن كل اَ ممكنة أن تكون في جَ ولا كل اَ ممكنة أن لا تكون في جَ لأنها تنعكس على الموجبة فمن هاهنا تبين أن هذا التأليف ليس بمنتج نتيجة ممكنة لا سالبة ولا موجبة. وقد تبين ذلك أيضا من أنه ينتج في بعض المواد موجبة ضرورية. وذلك إذا أخذنا بدل الفرس الحي، وذلك أنه ينتج كل إنسان حي- وهي موجبة ضرورية. وليس يمكن أن يصدق معها لا الموجبة الممكنة ولا السالبة الممكنة، وذلك أن مناقضتها للسالبة الممكنة بين بنفسه ومناقضتها للموجبة الممكنة من أجل لزومها للسالبة الممكنة. وكذلك تبين أنه لا يكون قياس في هذا الشكل وإن غير مكان السالبة- أعني إن جعلت صغرى بعد أن كانت كبرى أو بالعكس. وكذلك تبين أنه لا يكون قياس وإن أخذت كلتا المقدمتين موجبتين أو سالبتين. والبرهان على ذلك بهذه الحدود بأعيانها، ولن يعسر ذلك على من تأملها. تأليف الوجودي والممكن في الشكل الثاني وإذا كانت إحدى المقدمتين في هذا الشكل مطلقة والأخرى ممكنة وكانت السالبة هي الممكنة، فإنه لا يكون عن ذلك قياس أصلا كلية كانت كلتا المقدمتين أم جزئية. والبرهان على ذلك هو البرهان الذي استعمل إذا كانتا معا ممكنتين وبتلك الحدود بأعيانها- أعني أنها توجد مرة تنتج سالبة ضرورية ومرة موجبة ضرورية. فإن كانت المقدمة سالبة هي المطلقة والموجبة هي الممكنة وكانتا معا كليتين، فإنه يكون قياس. وذلك أن السالبة المطلقة تنعكس، فيكون الشكل الأول- على ما تقدم- وسواء كانت السالبة هي الكبرى أو الصغرى. لكن إذا كانت الصغرى تبين ذلك بعكسين عكس المقدمة وعكس النتيجة على ما سلف. فإن كانت كلتاهما- أعني الكليتين- سالبتين وكانت إحداهما ممكنة والأخرى مطلقة، فإنه يكون قياس غير تام إذا انعكست السالبة الممكنة إلى الموجبة التي تلزمها، لأنه يكون مؤتلفا من مقدمتين مطلقة سالبة وممكنة موجبة. وإن كانت كلتا المقدمتين موجبتين فإنه لن يكون قياس، وذلك تبين من أنها تنتج مرة موجبة ومرة سالبة. أما الحدود التي تنتج الموجب فهي الإنسان والصحة والحي. وذلك أن كل إنسان يمكن أن يكون صحيحا وكل حي هو صحيح وكل إنسان حي باضطرار- وهي النتيجة. وأما التي تنتج السالب فالإنسان والصحة والفرس. وذلك أن كل إنسان يمكن أن يكون صحيحا وكل فرس هو صحيح، والنتيجة ولا إنسان واحد فرس- وهي سالبة ضرورية.

стр. 38

وإذا كانت إحدى المقدمتين كلية والأخرى جزئية، فإنه يعرض في ذلك مثل ما عرض فيها إذا كانتا كليتين معا- أعني أن شرط المنتج فيها هو شرط المنتج في تلك، وغير المنتج فيها هو غير المنتج في هذه. وذلك أنه متى كانت الموجبة هي المطلقة الكلية كانت أو الجزئية، فإنه لن يكون في ذلك قياس. وذلك يبين كما يبين ذلك إذا كانتا كليتين وبتلك الحدود بأعيانها. وأما إذا كانت الكلية هي المطلقة وكانت سالبة فإنه يكون قياس بالعكس إلى الشكل الأول. وإن كانت كلتاهما سالبتين وكانت إحداهما مطلقة، فإنه يكون أيضا قياس غير تام إذا انعكست السالبة الممكنة إلى الموجبة الممكنة- على ما تبين. فإن كانت السالبة المطلقة جزية فإنه لا يكون قياس موجبة كانت المقدمة الأخرى أم سالبة وكذلك لا يكون قياس إذا كانت تلك المقدمتين مهملتين أو جزئيتين، أو إحداهما مهملة والثانية جزئية موجبتين كانتا معا أم سالبتين. والبرهان على ذلك هو البرهان المتقدم وبحدود واحدة بأعيانها. تأليف الممكن والاضطراري في الشكل الثاني وإذا كانت إحدى المقدمتين في هذا الشكل ممكنة والثانية اضطرارية وكانتا كليتين معا وكانت السالبة هي الضرورية، فإنه يكون قياس بعكس السالبة إلى الشكل الأول الذي كبراه سالبة ضرورية وصغراه موجبة ممكنة. وقد تبين إن هذا ينتج سالبة مطلقة وممكنة سالبة، وسواء كانت السالبة الضرورية هي الكبرى أو الصغرى. فأما إذا كانت الموجبة هي الضرورية فإنه لا يكون قياس. وبيان ذلك من الحدود أن نفرض الطرف الأصغر إنسانا والأوسط أبيض والأكبر ققنس. وذلك أن كل إنسان يمكن أن لا يكون أبيض وكل ققنس فهو أبيض بالضرورة، والنتيجة أنه ولا إنسان واحد ققنس- وهي سالبة ضرورية. وما ينتج سالبة ضرورية فليس يمكن أن ينتج دائما ممكنة لا موجبة ولا سالبة. وهو بين أيضا أنه لا ينتج نتيجة سالبة ضرورية دائما، لأن الضرورية إنما تكون عن مقدمتين ضروريتين، أو عن قياس تكون الضرورية فيه سالبة والموجبة وجودية لا ممكنة- على ما تبين. وكذلك تبين أيضا أنه لا ينتج مطلقة، لأن المطلقة من طبيعة الممكن. وقد يظهر أيضا من الحدود أنه لا ينتج سالبة ضرورية، فإنه مرة ينتج سالبة ضرورية ومرة موجبة ضرورية. فالحدود التي تنتج سالبة ضرورية هي التي تقدمت. وأما التي تنتج موجبة ضرورية فهو اليقظان والمتحرك والحي. وذلك أن كل يقضان متحرك بالضرورة وكل حي ممكن أن لا يكون متحركا وكل يقظان حي بالضرورة. فإذن لا يكون في هذا التأليف قياس منتج أصلا، وسواء كانت الموجبة الضرورية هي الصغرى أو الكبرى. فإن كانت المقدمتان متشابهتين في الكيفية فإنهما إن كانتا سالبتين، فإنه يكون قياس إذا انعكست السالبة الممكنة إلى الموجبة التي تلزمها، لأنه يكون تأليفا من مقدمتين الموجبة ممكنة والسالبة ضرورية. وقد تبين أن هذا منتج، وسواء كانت السالبة هي الصغرى أو الكبرى. فإن كانت المقدمتان الكليتان موجبتين، فإنه لن يكون قياس لأنه بين أن النتيجة ليس يمكن أن تكون سالبة لا مطلقة ولا اضطرارية، لأنه لم يؤخذ في القياس مقدمة سالبة- لا اضطرارية ولا مطلقة- ولا أيضا سالبة ممكنة ولا موجبة اضطرارية، لأنه تبين من الحدود أنها تنتج سالبة ضرورية وما ينتج سالبة ضرورية فليس يمكن أن ينتج دائما لا موجبة ضرورية ولا ممكنة ولا مطلقة، وكذلك لا يمكن أن ينتج سالبة ممكنة. فأما الحدود التي تنتج السالب الضروري، فالإنسان والأبيض والققنس. فإن كل إنسان يمكن أن يكون أبيض وكل ققنس أبيض، والنتيجة ولا إنسان واحد ققنس. فهذه هي الضروب المنتجة في هذا الشكل في خذا الضرب من الاختلاط وغير المنتجة، إذا كانت المقدمتان كليتين.

стр. 39

فإن كانت إحداهما كلية والأخرى جزئية، فإنه إن كانت المقدمة السالبة هي كلية واضطرارية فإنه يكون قياس ينتج إما سالبة ممكنة وإما سالبة مطلقة، لأن السالبة الاضطرارية تنعكس فترجع إلى الشكل الأول الذي يأتلف من موجبة ممكنة صغرى، وسالبة كبرى ضرورية. وأما إذا كانت الموجبة هي الاضطرارية فإنه لا يكون أيضا قياس البتة. والبرهان على ذلك هو البرهان بعينه إذا كانتا كليتين، وبتلك الحدود بأعيانها التي سلفت وكذلك لا يكون قياس إذا كانتا كلتاهما موجبتين. والبيان في ذلك هو البيان الذي تقدم إذا كانتا كليتين. فإن كانت كلتا المقدمتين- أعني الكلية والجزئية- سالبتين وكانت إحداهما كلية اضطرارية، فإنه يكون في ذلك قياس غير تام. وذلك أنه إذا انعكست الممكنة السالبة إلى الموجبة فإنه يكون قياس كما يكون إذا كانتا كليتين- على ما تقدم. وكذلك لا يكون قياس إذا كانت المقدمتان مهملتين أو جزئيتين. والبرهان في ذلك هو البرهان الذي استعمل فيما تقدم وبتلك الحدود بأعيانها. فقد تبين أنه متى وضعت المقدمة السالبة كلية اضطرارية أنه يكون ضرورة قياس ينتج إما سالبة مطلقة وإما سالبة ممكنة، وأنه متى وضعت الموجبة اضطرارية أنه لا يكون قياس. وهو بين أن بترتيب واحد للحدود في المقاييس المطلقة والضرورية يكون قياس أولا يكون. وهو بين أن هذه المقاييس غير تامة. تأليف الممكن في الشكل الثالث وإذا كانت المقدمتان في هذا الشكل ممكنتين كليتين، فإنه يكون قياس وتكون النتيجة جزئية ممكنة على نحو ما تكون في المطلقة الصرف والضرورية الصرف- أعني بتلك الشروط بأعيانها- والبرهان على ذلك هو البرهان على تلك. وتخص هذه المادة أنه متى كانتا سالبتين فإنه يكون من جميعها قياس غير تام إذا انعكست إحدى السالبتين إلى الموجبة اللازمة لها، لأنه يعود من ممكنتين إحداهما موجبة، والثانية سالبة. فإن كانت إحداهما كلية والأخرى جزئية، فإن المقاييس المنتجة منها وغير المنتجة تكون كما كانت في المادة المطلقة والضرورية وبتلك الشروط بأعينها. ويخص هذا أنه إذا كانتا معا سالبتين، كان قياس بالانعكاس- أعني بانعكاس السالبة إلى الموجبة اللازمة لها- لأنه لا يكون قياس من سالبتين في شيء من التأليفات لا البسيطة ولا المركبة. وأما إذا أخذت المقدمتان مهملتين أو جزئيتين فإنه لا يكون أيضا قياس، لأنه ينتج مرة موجبة ضرورية ومرة سالبة ضرورية. أما الحدود التي تنتج الموجبة فإنسان وأبيض وحي. وذلك أن بعض الأبيض يمكن أن يكون إنسانا والأبيض يمكن أن يكون حيا، والإنسان بالضرورة حي. والتي تنتج السالبة الإنسان والأبيض والفرس. وذلك أن الأبيض يمكن أن يكون إنسانا والأبيض يمكن أن يكون فرسا، والنتيجة ولا إنسان واحد فرس. وبهذه الحدود بأعينها يتبين ذلك إذا كانتا سالبتين أو إحداهما موجبة والأخرى سالبة، لأنها يمكن أن تؤلف هذا التأليف. تأليف الممكن والوجودي في الشكل الثالث وإذا كانت إحدى المقدمتين في هذا الشكل مطلقة والثانية ممكنة وكلاهما موجبتان كليتان، فإن النتيجة تكون ممكنة جزئية. وذلك يتبين بانعكاس. فإن كانت هي الممكنة عادت من الشكل الأول إلى ما صغراه ممكنة وكبراه مطلقة، وقد تبين فيما سلف أن نتيجته ممكنة. فإن كانت الصغرى هي المطلقة عادت إلى ما صغراه في الشكل الأول مطلقة وكبراه ممكنة، وقد تبين أن هذا أيضا ينتج ممكنة. فإن كانت إحداهما موجبة والأخرى سالبة وكان أيهما اتفق مطلقة- أعني الكبرى أو الصغرى- وكانت السالبة هي الكبرى، فإن النتيجة تكون ممكنة. فإن كانت السالبة هي الممكنة كانت النتيجة ممكنة حقيقية، وإن كانت السالبة هي المطلقة كانت النتيجة سالبة ممكنة باشتراك الاسم- أعني أنه ينتج نتيجتين سالبة ضرورية وسالبة ممكنة. فإن كانت السالبة هي الصغرى وكانت ممكنة أو كانتا جميعا سالبتين، فإنه لا يكون قياس إلا إذا انعكست الممكنة السالبة إلى الممكنة اللازمة عنها، لأنه يعود إما إلى ما هو من موجبتين وإما إلى ما كبراه سالبة وصغراه موجبة.

стр. 40

وأما إذا كانت إحدى المقدمتين كلية والأخرى جزئية وكان كلاهما موجبتين أو كانت الكلية هي السالبة الكبرى والجزئية الموجبة، فإنه يكون قياس برجوعها إلى الشكل الأول بانعكاس الجزئية الموجبة- على ما تبين- ونتيجته تكون على نحو ما كانت نتيجة المقدمتين الكليتين. فإن كانت الموجبة هي الكلية والسالبة الجزئية وكانت الصغرى هي المطلقة الموجبة والكبرى السالبة الجزئية الممكنة، فإنه يكون قياس. وبيان ذلك يكون بقياس الخلف. فليكن كلف بَ فهو جَ وبعض بَ ليس هو اَ بإمكان، فأقول إن بعض جَ ممكن أن لا يكون اَ لأنه إن لم يكن هذا صادقا فنقيضه هو الصادق- وهو أن كل جَ هو اَ بالضرورة- لأن هذه هي المناقضة في الجهة والكمية، وقد كان معنا أن كل بَ فهو جَ بإطلاق، فإذن ينتج في الشكل الأول أن كل بَ هو اَ بالضرورة، وقد كان معنا أن بعض بَ ليس هو اَ بإمكان، هذا خلف لا يمكن. وأما إن كانت الكبرى الجزئية هي الوجودية والصغرى هي الممكنة، فإنه يكون قياس يبين بالافتراض. فإن كانت الصغرى هي السالبة وكانت مطلقة، فإنه لا يكون قياس لأن خاصة الشكل الثالث أن لا تكون صغراه سالبة. وإن كانت ممكنة فإنه يكون قياس إذا انعكست إلى الموجبة- على ما سلف. وإذا كانت كلتا المقدمتين مهملتين أو جزئيتين، فإنه لا يكون قياس. وبرهان ذلك هو البرهان المستعمل في الأصناف الكلية في هذا الباب- أعني في الممكن الصرف- وبتلك الحدود بأعيانها. تأليف الممكن والاضطراري في الشكل الثالث وإذا كانت كلتا المقدمتين كليتين وكانت إحداهما اضطرارية والأخرى ممكنة وكانتا معا موجبتين، فإنه يكون عن ذلك قياس ينتج نتيجة ممكنة. وذلك بين بالانعكاس إلى الشكل الأول. فإن كانت إحداهما موجبة والأخرى سالبة وكانت الموجبة هي الضرورية وهي الصغرى، فإن النتيجة تكون سالبة ممكنة. وذلك بانعكاس الموجبة ورجوع التأليف من الشكل الأول إلى ما كبراه سالبة ممكنة وصغراه موجبة ضرورية. فإن كانت السالبة هي الاضطرارية الكبرى، فإن النتيجة تكون سالبة ممكنة وسالبة مطلقة برجوعها بالعكس إلى ما كبراه في الشكل الأول سالبة ضرورية وصغراه موجبة ممكنة. فإن كانت الصغرى سالبة ممكنة والكبرى موجبة ضرورية، فأنه لا يكون قياس إلا بعكس السالبة الممكنة إلى الموجبة الممكنة. وإن كانت الصغرى سالبة ضرورية فإنه لا يكون قياس. فالحدود التي تنتج الموجب هي الإنسان والنائم والفرس. وذلك أنه ولا إنسان واحد فرس وكل إنسان يمكن أن يكون نائما، والنتيجة فكل فرس يمكن أن يكون نائما. والحدود التي تنتج السالب الإنسان اليقظان والنائم والفرس. وذلك أنه ولا فرس واحد إنسان يقظان وكل فرس يمكن أن يكون نائما، والنتيجة ولا إنسان واحد يقظان هو نائم. فإن كانت إحدى المقدمتين كلية والثانية جزئية وكانت كلتاهما موجبتين، فإنه يكون قياس تام بالرجوع إلى الشكل الأول وتكون النتيجة ممكنة كحالها في الأصناف التي ترجع إليها من الشكل الأول. فإن كانت إحدى المقدمتين سالبة والأخرى موجبة وكانت السالبة هي الكبرى، فإنه إن كانت اضطرارية فإن النتيجة تكون مطلقة أو ممكنة، لأنها ترجع بالعكس إلى الصنف من الشكل الأول الذي ينتج هاتين النتيجتين إن كانت كلية وإن كانت جزئية فبالافتراض والخلف. وإن كانت السالبة هي الممكنة فإنها تكون النتيجة ممكنة حقيقية، كحالها في الصنف من القياس الذي يرجع إليه في الشكل الأول. فأما إن كانت السالبة هي الصغرى فإنه إن كانت ممكنة كان قياس بعكسها إلى الموجبة الممكنة، وإن كانت هي الضرورية لم يكن قياس. وذلك يبين على نحو ما تبين إذا كانتا كليتان، وبتلك الحدود بأعيانها. فقد تبين متى يكون في هذا الضرب قياس، وكيف يكون وأي نتيجة ينتج أي قياس، وأيها تامة وغير تامة، كالحال في الأصناف التي تكون في هذا الشكل. وهنا انقضى القول في جميع المقاييس الحملية. الفصل الأول التكلم في المقاييس الحملية

стр. 41

قال: ويبين بنحو ما قيل في الأشكال الوجودية أن جميع المقاييس التي في هذه الأشكال أيضا ترتقي إلى الشكل الأول الذي فيها. فأما أن جميع أجناس المقاييس الموجودة على الإطلاق ترجع كلها بأسرها إلى الشكل الأول، فذلك يبين إذا تبين أن جميع أجناس المقاييس الحملية هي هذه الثلاثة فقط وأن ما عداها من المقاييس التي ليست بحملية فكلها مضطرة إلى الحملية. فنقول: إن كل قياس بالجملة فهو إنما يبين إما أن الشيء موجود إما أنه غير موجود. وكل واحد من هذين إما أن يكون كليا وإما جزئيا. وكل ما يبين أن الشيء موجود أو غير موجود فإما أن يبينه على جهة الحمل وإما أن يبينه على جهة الاشتراط، وإما أن يبينه بقياس مركب من هذين- وهو الذي يدعى بقياس الخلف. والغرض الآن إنما هو التكلم في المقاييس الحملية، وشروط المنتج منها من غير المنتج على الإطلاق. فإنه إذا تبينت هذه تبينت المقاييس المضطرة إلى هذه في الإنتاج- وهو قياس الخلف والقياس الذي يكون بشريطة. فنقول: إنه متى احتجنا أن نبين أن شيئا موجود في شيء- مثل أن نحتاج أن نبين أن اَ محمولة على بَ- إما على جهة السلب وإما على جهة الإيجاب، فهو من الظاهر أنه يجب أن نأخذ في بيان ذلك على جهة الحمل أن شيئا موجود لشيء ومحمول على شيء. فإن أخذنا في ذلك أن اَ محمولة على بَ، فمن البين أنا قد أخذنا الشيء في بيان نفسه، وذلك مستحيل وغير مفيد علما زائدا في المطلوب. وكذلك إن أخذنا في ذلك مباينة بالمحمول والموضوع المطلوب، فهو بين أيضا أنه ليس يلزم عنه شيء في المطلوب لا إيجاب ولا سلب- مثل قولنا إن اَ محمولة على بَ لأن جَ محمولة على دَ. وإذا امتنع هذان الوجهان، فلم يبق إلا أن يكون القول المأخوذ في بيان أن اَ موجودة في بَ إما قول مشارك له في أحد الطرفين أو مشارك لهما معا. ثم إن كان مشاركا لأحد الطرفين، فلا يخلو أن يكون محموله هو محمول المطلوب بعينه وموضوعه غيره، أو يكون موضوعه موضوع المطلوب ومحموله غيره، أو يكون محمول المطلوب هو موضوعه أو موضوع المطلوب هو محموله. فإنه لا يخلو القول المشارك لأحد الطرفين من هذه الأقسام. ثم لا يخلو أيضا هذا المشارك إما أن يوجد حكما واحدا بنفسه من غير أن يشاركه حكم آخر أو قضية أخرى وإما أن يوجد مشاركا لقضية أخرى- وذلك من غير أن يتصل بالمطلوب. فإن أخذ المشارك لأحد طرفي المطلوب الذي هو اَ وبَ قضية واحدة فقط- مثل أن نأخذ أن اَ مشاركة لجَ- بحمل أحدهما على صاحبه، فهو بين أنه ليس يلزم عن ذلك أن تكون اَ مشاركة لبَ- أي محمولة بإيجاب أو بسلب على بَ- ما لم يشارك جَ بَ. وإن أخذنا اَ مشاركة لجَ وجَ مشاركة لدَ بحمل بعضها على بعض، فهو بين أيضا أنه يكون عن ذلك قياس إلا أنه لا يكون قياس على المطلوب الذي طلب- أعني على وجود اَ في بَ أو سلبها عنه. ولو أخذنا الأمور المشاركة لأحد الطرفين إلى غير نهاية من غير أن يشارك الطرف الآخر- مثل أن نأخذ اَ مشاركة للجَ والجَ للدَ والدَ للهَ- فإنه ليس يلزم عن ذلك أن تكون اَ مشاركة لبَ إما بحمل إيجاب أو سلب ما لم يكن المشارك للألف مشاركا للبَ. فإن القياس الغير محدود إنما يكون عن مقدمات غير محدودة- أعني أن القياس يكون على غير مطلوب محدود. وأما القياس المحدود- أعني الذي يكون على مطلوب محدود- فإنه يجب أن يأتلف من مقدمات محدودة مشاركة لطرفي المطلوب، ولذلك ما يجب أن يكون أقل القياس المحدود إنما يأتلف من مقدمتين تشتركان بحد أوسط وتختلفان بطرفي المطلوب وإلا لم يمكن أن يبين أن شيئا محمول على شيء من أجل حمل شيء على شيء- مثل أن تكون اَ مشاركة للجَ والجَ مشاركة للبَ، فحينئذ يجب أن تكون ألف مشاركة للبَ. فقد تبين من هذا أن كل قياس فإنه يكون من مقدمتين وثلاثة حدود- حد أصغر وأوسط وأكبر.

стр. 42

وأما أن كل قياس حمل مؤلف على مطلوب محدود فإنه يكون أحد هذه الثلاثة الأصناف من المقاييس الحملية- أعني الشكل الأول والثاني والثالث- وأنه ليس يوجد شكل رابع، فهو ظاهر من أن الحد الأوسط الذي يؤخذ مشاركا للطرفين- مثل أن نأخذ الجَ مشاركة للبَ والألف اللذين هما طرف المطلوب- لا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن يكون موضوعا للطرف الأكبر محمولا للأصغر- مثل أن تكون اَ مقولة على جَ وجَ مقولة على بَ- وهذا هو الشكل الأول، أو يكون محمولا عليهما جميعا- وهذا هو الشكل الثاني- أو يكون موضوعا لهما- وهذا هو الشكل الثالث. وأما أن يؤخذ محمولا على الأكبر موضوعا للأصغر فليس يمكن، لأن المحمول على الأكبر محمول على الأصغر إذ كان الأكبر محمولا في الطلب بالطبع على الأصغر فيكون الشيء بعينه محمولا على نفسه، وذلك مستحيل. هذا إذا اعتبر الحد الأوسط بحسب المطلوب المفروض. وأما إذا اعتبر بحسب المشاركة فإنه ينتج غير المطلوب الذي هو عكسه. فهو بهذه الجهة إن عد هذا التأليف شكلا رابعا كما يضعه جالينوس، فإنما يكون صنفا من أصناف الشكل الأول على مطلوب غير مفروض لا شكلا رابعا. ولذلك ليس تقع عليه فكرة بالطبع، ولا يوجد في كلام قياسي ولا برهاني ولا ظني. فقد تبين من هذا القول أن كل قياس حملي فإنه إنما يكون ضرورة أحد هذه الأصناف الثلاثة، وإن كان المطلوب الواحد بعينه يبين بأوساط كثيرة- مثل أن يبين أن ألف موجودة في البَ بوجود اَ في الجَ والجَ في الدَ، والدَ في الهَ والهَ في البَ- فهو قياس مركب من واحد من هذه الأشكال الثلاثة أو من اثنين منها أو ثلاثة. وأما أن قياس الخلف أيضا مركب من واحد من هذه الأشكال الثلاثة ومن القياس الشرطي، فذلك يبين من أن قياس الخلف إنما يكون بسياقة الكلام فيه إلى المحال بقياس حملي ومن أن المطلوب فيه الأول إنما يلزم ويبين بقياس شرطي- مثل أن نقول أن القطر إما أن يكون مشاركا لضلع المربع أو مباينا له، ثم تبين المستثنى من هذا القياس الشرطي- وهو أنه لا يكون مشاركا- بقياس حملي يؤدي إلى المحال. وذلك بأن نقول: لأنه إن كان مشاركا كانت نسبة مربع أحدهما إلى الآخر نسبة عدد مربع إلى عدد مربع، فيلزم عن ذلك أن تكون نسبة مربع الضلع إلى مربع القطر نسبة عدد مربع إلى عدد مربع. وقد تبين في العاشرة من كتاب الاسطقسات أن نسبة المربعين أحدهما إلى الآخر ليست نسبة عدد مربع إلى عدد مربع- وهي نسبة الإثنين إلى الواحد- هذا خلف لا يمكن. فإذا تبين أنه غير مشارك استثنيناه من القياس الشرطي الذي استعملناه أولا- وهو قولنا القطر إما مباين وإما مشارك- فقلنا لكنه غير مشارك، فهو ضرورة مباين. وهذا هو القياس الشرطي المنفصل الذي يأتلف من المتعاندات التامة العناد الذي متى استثنى أحدهما أنتج مقابل الثاني، على ما قيل في المقاييس الشرطية. فالمحال- كما قلنا- في هذا القياس يبين بقياس حملي، والمطلوب يبين بقياس شرطي. وأما القياس الشرطي فإنه تبين أيضا من أمره أنه لا يستغني عن القياس الحملي، وذلك أن القياس الشرطي جنسان أولان. أحدهما القياس المتصل، وهو الذي يتركب من المتلازمات ويرتبط بحروف الشرط التي تعطى الاتصال- مثل قولنا إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. والشيء الذي يلزم عنه الشيء يسمى المقدم، واللازم التالي، وهو صنفان، أحدهما يستثنى فيه المقدم بعينه فينتج التالي بعينه- مثل قولنا لكن الشمس طالعة فالنهار موجود- والثاني يستثنى فيه مقابل التالي فينتج مقابل المقدم- مثل قولنا لكن النهار غير موجود فالشمس ليست بطالعة. والجنس الثاني الشرطي المنفصل، وهو يتركب من المعاندة التامة العناد وتقرن به حروف الشرط التي تدل على الانفصال- مثل قولنا هذا الوقت إما ليل وإما نهار. وهذه أربعة أصناف. وذلك أنه يستثنى فيه المقدم بعينه فينتج مقابل التالي، ويستثنى فيه التالي بعينه فينتج مقابل المقدم، ويستثنى فيه مقابل المقدم فينتج التالي، ويستثنى فيه مقابل التالي فينتج المقدم. وذلك أنا قد نقول: لكنه ليس بليل فهو نهار، أو لكنه ليس بنهار فهو ليل، أو لكنه ليل فليس بنهار، أو لكنه نهار فليس بليل.

стр. 43

وإذا كانت أجناس القياسات الشرطية الأول هي هذان الجنسان فكلاهما إذا تؤمل الأمر فيهما ظهر أن المطلوب فيهما هو الذي يبين فيها بجهة الشرط. وأما المستثنى فإنه يحتاج إلى أن يبين بقياس حملي في الشرطي المنفصل والمتصل، إذ كان التعاند والاتصال فيها بينا بنفسه. وذلك أنه إذا كان الاتصال فيها بينا بنفسه والمستثنى بينا بنفسه، كان اللازم بينا بنفسه. وذلك ظاهر جدا في الشرطي المنفصل، فإنه إذا كان التعاند بينا بنفسه والمستثنى بينا بنفسه فالمطلوب بين بنفسه، لأنه إن كان بينا أن العالم لا يخلو أن يكون إما محدثا وإما قديما وكان بينا بنفسه أنه عديم بقديم، فكونه محدثا بين بنفسه ضرورة. ويشبه أن يكون الأمر كذلك في الشرطي المتصل، فإنه إذا كان وجود الحركة بينا بنفسه ووجودها عن الطبيعة بينا بنفسه من غير وسط فوجود الطبيعة بين. وكذلك إن كانت أفعال النفس بينة الوجود بنفسها وبينة الوجود عن النفس فالنفس بينة الوجود بنفسها. وكذلك إن كانت الحركة معلومة الوجود ومعلوم بنفسه وجودها عن محرك، فالمحرك معلوم الوجود بنفسه. وإن كان عدم الحركة في شيء ما بين الوجود بنفسه، فعدم المحرك هنالك بين الوجود بنفسه. وبالجملة فأنت إذا تأملت البراهين التي تخرج مخرج الشرط في العلوم- وذلك في المطلوبات بالطبع- وجدت إما الاتصال فيها بينا بوسط وإما الاستثناء، وهذا إنما يلزم في المقاييس الشرطية التي ليست هي حملية بالقوة وهي الشرطية الحقيقية. وأما التي هي بالقوة حملية فتلك حملية أخرجت مخرج الشرط. ولذلك أمكن في هذه أن يبين بها المطلوب بذاتها ومفردة بزيادة مقدمة. وهذا النوع من الشرطيات هو الذي يشارك المقدم التالي بحد واحد. وقد تقصينا ذلك في قول أفردناه لذلك. وأما إذا كان الأمران في القياس الشرطي معلومين بأنفسهما، فإنه لا يستعمل أصلا في بيان شيء مجهول بالطبع، وإن كانت قد تستعمل في بيان ما هو أقل خفاء من المجهول بالطبع- مثل استعمال الاستقراء وما أشبهه. وليس لقائل أن يقول إنه كما قد تكون المقدمتان في القياس الحملي معلومتين بأنفسهما والنتيجة مجهولة، كذلك قد يتفق أن يكون الأمر في القياس الشرطي- أعني أن تكون المقدمتان معلومتين بأنفسهما، الشرطية والمستثناة، وتكون النتيجة مجهولة- فإنه إنما اتفق أن كانت المقدمتان في القياس الحملي معلومتين والنتيجة مجهولة لأن المقدمتين لم تتألف بعد في الذهن التأليف الذي يلزم عنه النتيجة. وأما المقدمتان في القياس الشرطي فإنها ليست محتاجة إلى التأليف في لزوم ما يلزم عنها لأن اللزوم هو أحد المقدمات، ولذلك لا يدخل تحت حد القياس- كما ظن أبو نصر- إذ اللزوم في القياس الحملي يتولد عن المقدمتين، وهو في القياس الشرطي أحد ما يوضع. فما قاله أبو نصر من أنه يدخل تحت حد القياس لكونه من مقدمتين إحداهما المقدم والثاني اللزوم ليس بصحيح، لأن اللزوم ليس هو جزءا من القياس وإنما هو تابع. ولو كان القياس الشرطي قياسا، لكان يوجد قياس من مقدمة واحدة لأن اللزوم هو فعل القياس. فهكذا ينبغي أن يفهم هذا الموضع من أرسطو، لا على ما يقوله في ذلك أبو نصر ولا على ما يتشكك في ذلك عليه ابن سينا. وبالجملة فبالاستقراء الذي أرشدنا إليه يظهر ما يقوله أرسطو في هذا الأمر ظهورا بينا، لأنه قد تبين من قولنا أن كثيرا من الأشياء المعلومة بأنفسها- مثل وجود النفس وغيرها- إنما علمناها بهذا النحو من البيان. ومحال أن يكون طريق واحد بعينه يستعمل في الوقوف على المعلوم بنفسه والمجهول بالطبع. وكذلك المقاييس التي نسميها المقاييس الاقترانية- وهي المؤتلفة من مقدمتين شرطيتين يشركان بحد أوسط- هي مقاييس حملية في الحقيقة أخرجت مخرج الشرط. وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع. فقد تبين أن جميع أجناس المقاييس إنما يتم بالشكل الأول وأنها تنحل إلى الكلية منها على ما سلف. وذلك أن ماعدا الحملية يتم بالحملية، والحملية تتم بالشكل الأول، والجزئية التي في الشكل الأول بالمقاييس الكلية التي فيه- على ما تبين.

стр. 44

وبين أنه واجب أن يكون في كل قياس منتج مقدمة موجبة " كيف ما" كانت في كميتها ومقدمة كلية كيف ما كانت في كيفيتها. وذلك أنه إذا لم يكن هنالك مقدمة كلية فإما أن لا يكون هنالك قياس، وإما أن يكون على غير المطلوب، وإما تكون المقدمة بنفسها هي المطلوب. مثال ذلك إن كان المطلوب هل اللذة بالموسيقى خير، فإن ما يمكن أن يؤخذ في بيان هذا المطلوب لا يخلو من أن يكون المطلوب نفسه أو غيره. ثم أن كان غيره فإنه لا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن تكون المقدمة المأخوذة في ذلك مهملة- وهي أن اللذة خير- أو تكون جزئية- وهي أن بعض اللذات خير- أو تكون كلية- وهي أن كل لذة خير. فإن أخذت المقدمة مهملة- وهو أن اللذة خير- لم تأمن أن تكون هذه المهملة تصدق من اللذات على غير اللذة الموسيقية، فلا يتضمن المطلوب- وهو أن اللذة الموسيقية خير. وكذلك إن صرحنا أيضا فيها بالسور الجزئي، فقلنا بعض اللذات خير. وذلك إن أنتجت أمثال هذه دائما، فغير المطلوب- مثل أن يكون قولنا بعض اللذات خير صادقا على لذة العلم. وكذلك المهملة تنتج عن ذلك أن لذة العلم خير، إلا أنه ليس هي المطلوب. وأما إن أخذنا المطلوب نفسه فهو بين أنه ليس يكون قياس. فلا بد في القياس النتج أن يكون الطرف الأصغر نطويا تحت الأوسط انطواء الجزءئي في الكلي حتى تكون نسبة إحداهما إلى الأخرى هي نسبة الجزء إلى الكل، وذلك بالفعل في الشكل الأول وبالقوة في الشكل الثاني والثالث. ومن هنا تبين أنه واجب أن تكون المقدمة المنطوية تحت المقدمة الكلية موجبة، لأنها إن كانت سالبة لم تنطو تحتها، ولا وجدت فيها هذه النسبة. ولذلك كان معنى المقول على الكل الذي يتضمن هذه النسبة موجودابالفعل في الشكل الأول وفي الثاني والثالث بالقوة. فقد تبين من هذا القول أن كل قياس فواجب أن تكون فيه مقدمة كلية موجبة، وأن النتيجة الكلية إنما تبين عن مقدمات كلية، وأن النتيجة الجزئية قد تبين عن مقدمتين إحداهما جزئية- وذلك في الشكل الأول والثاني- وقد تبين عن مقدمتين كليتين- وذلك في الشكل الثالث. وإذا كان ذلك كذلك فالنتيجة الكلية لا تبين ضرورة إلا عن مقدمتين كليتين. وأما النتائج الجزئية فقد تبين عن الصنفين جميعا- أعني عن الكليتين وعن الكلية والجزئية. وهو بين أيضا أنه واجب أن تكون كلتا المقدمتين أو إحداهما شبيهة في جهتها وكيفيتها بالنتيجة- أعني أنه إن كانت النتيجة ضرورية أو ممكنة أو مطلقة، فإنه إما أن تكون كلتا المقدمتين بتلك الجهة أو إحداهما- وذلك في المقاييس التي تنتج نتيجة واحدة، وهي المنتجة بما يتضمن من معنى المقول على الكل. وهو بين أيضا مما قيل متى يكون قياس منتج ومتى يكون غير منتج، والمنتج أيضا متى يكون ناقصا ومتى يكون تاما، وأنه متى كان القياس حملي فبالضرورة أن تكون الحدود فيه مرتبه أحد تلك الأنحاح الثلاثة التي وصفنا. وهو بين أيضا أن كل نتيجة فإنها تكون بثلاثة حدود لا أقل من ذلك ولا أكثر، إن لم تكن النتيجة الواحدة بعينها تبين بمقاييس كثيرة. وذلك يكون على ضربين، أحدهما أن تكون النتيجة الواحدة بعينها تبين بمقاييس كثيرة كل واحد منها كان في إنتاج النتيجة- أعني مفردا وبذاته. ولتعلم أن ذلك ممكن بنحوين، أحدهما مثل أن تبين نتيجة هَ مثلا بمقدمتي اَ بَ على حدة وبمقدمتي جَ دَ على حدة، أو بمقدمتي اَ بَ على حدة وبمقدمتي اَ كَ على حدة أو بَ لَ على حدة. والضرب الثاني أن تكون المقدمتان المنتجتان للنتيجة المفروضة نتائج عن مقدمات أخر إما كلاهما وإما إحداهما. مثال ذلك أن تكون نتيجة هَ منتجة بمقدمتي اَ وبَ ويكون مقدمتي دَ هَ ومقدمة بَ منتجة بمقدمتي وَزَ، أو تكون مقدمة اَ منتجة بمقدمتي دَ هَ وتكون مقدمة بَ مبينة بالاستقراء أو بينة بنفسها من أول الأمر. فعلى الجهة الأولى تكون المقاييسي كثيرة والنتيجة واحدة. وعلى هذه الجهة تكون المقاييس كثيرة والنتائج كثيرة لأنها في هذا المثال ثلاثة، وهي هَ التي هي النتيجة الأخيرة، واَ وبَ اللذان هما مقدمتان نتيجة هَ، ونتيجتا مقدمتي دَ هَ وَزَ وَ. فأما متى لم تكن مقاييس كثيرة لنتيجة واحدة وإنما هو قياس واحد، فإنه لا يمكن أن تكون نتيجة واحدة عن اكثر من حدود ثلاثة، لأنه قد تبين هاهنا أنه لا يكون قياس عن أقل من مقدمتين.

стр. 45

فلننزل أنه يكون عن قياس واحد نتيجة واحدة من أربع مقدمات وستة حدود- مثل أن ننزل أن هَ مثلا منتجة عن مقدمتي اَ بَ ومقدمتي جَ دَ. ولأنه قد تبين أنه إن كان مزمعا أن يكون عن مقدمتي اَ بَ قياس أن تكون نسبة إحداهما إلى الأخرى نسبة الجزء إلى الكل. فإن كانت نسبة إحداهما إلى الأخرى نسبة الجزء إلى الكل، فإنه يكون عنهما ضرورة نتيجة. فإن كانت عنهما نتيجة، فلا تخلو من ثلاثة أحوال إما أن يكون عنهما نتيجة هَ المفروضة، وإما أن تكون النتيجة إحدى مقدمتي جَ دَ، وإما أن تكون شيئا آخر غير هذين. ثم في كل واحد من هذه الأحوال الثلاثة لمقدمتي اَ بَ لا تخلو أيضا مقدمتا جَ دَ من أن تكون نسبة إحداهما إلى الأخرى نسبة الكل إلى الجزء أو لا تكون. فإن كانت فتحدث عنهما ضرورة نتيجة. ثم هذه النتيجة أيضا لا تخلو من تلك الثلاثة الأحوال إما أن تكون نتيجة هَ المطلوبة، وإما أن تكون النتيجة إحدى مقدمتي اَ بَ، وإما أن تكون النتيجة شيئا آخر غير هذين. فإن كانت النتيجة الحادثة عن مقدمتي اَ بَ نتيجة هَ المطلوبة وكانت عن مقدمتي جَ دَ نتيجة ما بأن تكون نسبة إحداهما إلى الأخرى نسبة الكل إلى الجزء فإنه إن كانت تلك النتيجة هي نتيجة هَ أو هي إحدى مقدمتي اَ بَ فإنه تكون قياسات كثيرة على نتيجة واحدة، وذلك شيء غير ممتنع. وإن كانت نتيجة مقدمتي جَ دَ غير نتيجة هَ وغير إحدى مقدمتي اَ بَ فإنه تكون مقاييس كثيرة على مطالب كثيرة غير متصل بعضها ببعض. وأما إن لم تكن نسبة مقدمتي جَ دَ إحداهما إلى الأخرى نسبة الكل إلى الجزء، فإنه ليس يكون لها غناء في نتيجة هَ إلا أن تؤخذ على جهة الاستقراء لتصحيح مقدمتي القياس أو لستر النتيجة وإخفائها أو لغير ذلك من الأشياء التي تؤخذ لها المقدمات التي ليست ضرورية في الإنتاج- على ما تبين في الثامنة من الجدل. فهذا ما يلزم متى فرضنا أن نتيجة مقدمتي اَ بَ هي هَ وأما إن كانت نتيجة مقدمتي اَ بَ غير الهَ وغير إحدى مقدمتي جَ، فإنه أيضا لا يخلو أن تكون نتيجة مقدمتي جَ دَ أما نتيجة هَ وإما إحدى مقدمتي اَ بَ، وإما شيئا آخر غير هذين، وإما أن تكون مقدمتا جَ دَ غير منتجة أصلا. فإن كانت نتيجة مقدمتي اَ بَ غير الهَ وغير إحدى مقدمتي جَ دَ وكانت نتيجة مقدمتي جَ دَ غير الهَ وغير إحدى مقدمتي اَ بَ فإنه ليس يكون قياس على مطلوب واحد فضلا على المطلوب وتكون مقاييس كثيرة. وإن كانت نتيجة مقدمتي جَ دَ هي الهَ فإنه أيضا تكون مقاييس كثيرة على مطالب كثيرة. وإن كانت نتيجة مقدمتي جَ دَ إحدى مقدمتي اَ بَ، فإنه تكون أيضا مقاييس كثيرة على مطلوب واحد إلا أنه غير مطلوب. وإن كانت مقدمتا جَ دَ غير منتجة فإنه لا يكون له غناء في نتيجة مقدمتي اَ بَ مع أن نتيجة مقدمتي اَ بَ هي غير المطلوب. وأما إن كانت نتيجة مقدمتي اَ بَ إحدى مقدمتي جَ دَ فإن مقدمتي جَ دَ لا تخلو أيضا من تلك الثلاثة الأحوال إما أن تكون منتجة لهَ، وإما لإحدى مقدمتي اَ بَ، وإما لشيء آخر غيرها فإن كانت نتيجتهما هَ فإنه تكون مقاييس كثيرة على المطلوب الواحد، وقد تبين أن ذلك غير ممتنع. وأن كانت نتيجتهما إحدى مقدمتي اَ بَ فإنه يكون البيان دورا، ولا يكون هنالك قياس على المطلوب. وإن كانت نتيجتهما- أعني مقدمتي جَ دَ- غير الهَ وغير إحدى مقدمتي اَ بَ، فإنه تكون أيضا مقاييس كثيرة على مطلوب واحد، إلا أنه غير المطلوب. وأما أن كانت مقدمتا جَ دَ غير منتجة أصلا، فإنه ليس يكون لها غناء في الإنتاج ويكون باطلا، ويكون هنالك قياس واحد لكن على غير المطلوب. فقد تبين أن جميع الوجوه التي يمكن أن يتصور بها أن مطلوبا واحدا يبين عن قياس واحد مركب من أكثر من مقدمتين مستحيلة. وبهذا بعينه يبين أنه لا يمكن أن يبين مطلب واحد هو مركب من أكثر من ثلاثة حدود، وذلك ما قصدنا بيانه. وإذ تبين أن كل قياس بسيط فإنه لا يكون من أكثر من ثلاثة حدود وكانت الثلاثة الحدود هي مقدمتان فقط، فكل قياس لا يكون بأكثر من مقدمتين وثلاثة حدود. وقد كان تبين أنه لا يكون ب أقل. فكل قياس بسيط فلا يكون بأكثر من ثلاثة حدود ولا بأقل.

стр. 46

وإذا تبين هذا فهو بين أيضا أن كل قياس بسيط أو مركب من مقاييس بسيطة تام التركيب غير ناقص منه مقدمة من المقدمات الضرورية في النتيجة الأخيرة فهو مؤلف من مقدمات أزواج وحدود أفراد لأن الحدود أكثر من المقدمات بواحد، وأنه أي قياس كان بهذه الصفة ولم تكن مقدماته أزواجا فإنه غير منتج إلا أن يكون أخذ فيه مقدمة ليست ضرورية في الإنتاج أو حذف منه بعض المقدمات الضرورية، وخاصة هذا القياس أن تكون النتائج فيه نصف المقدمات، لن عن كل مقدمتين نتيجة. والقياس المركب الذي بهذه الصفة يسمى الموصول، وهو الذي يصرح فيه- كما قلنا- بجميع المقدمات الضرورية في إنتاج المطلوب ويصرح فيه بالمقدمات الوسط مرتين، مرة من حيث هي نتائج، ومرة من حيث هي مقدمات- وعني بالوسائط المقدمات التي بين المطلوب الأول وبين المقدمات الأول التي ائتلفت منها الأقيسة البسائط التي إليها ينحل القياس المركب، وهي المعروفة بنفسها- مثل أن نبين أن اَ موجودة في بَ بمقدمتي جَ ودَ وتبين كل واحدة من هاتين المقدمتين بمقدمتين أيضا. مثال ذلك أن يبين مقدمة جَ بمقدمتي هَ زَ ومقدمة دَ بمقدمتي حَ كَ وتكون مقدمات هَ زَ حَ كَ الأربعة بينة بنفسها، فتكون جميع مقدمات هذا القياس ما خلا هذه الأربع مرة هي نتائج ومرة هي مقدمات- أعني نتائج بالإضافة إلى ما تحتها، مقدمات بالإضافة إلى ما فوقها. وأما القياس المركب الذي يسمى المفصول- وهو الذي إنما يصرح فيه إما بجميع المقدمات فقط دون النتائج اللازمة عنها وإما ببعض المقدمات- فإنه من جهة أنه ليس يصرح فيه بجميع المقدمات تكون خاصته أن الحدود التي تزيد أبدا على المقدمات بواحد إلا أنه ليس تكون المقدمات أبدا أزواجا والحدود أفرادا كما كانت في القياس المركب الموصول، بل خاصة هذا أنه متى كانت المقدمات أزواجا كانت الحدود أفرادا ومتى كانت المقدمات أفرادا كانت الحدود أزواجا، لأن هذه هي خاصة الأعداد التي يزيد أحدهما على الآخر بواحد، فمتى كانت المقدمات أفرادا والحدود أزواجا وزيد هنالك فرد آخر انعكس الأمر، فعادت المقدمات أزواجا والحدود أفرادا. ولما كان يلحق هذا القياس أن المقدمات فيه يتصل بعضها ببعض إذ ليس تحول بينها النتائج التي يصرح بها في القياس الموصول بل تحذف هاهنا حذفا، وجب أن تحدث فيه مع كل ثلاثة حدود نتيجة. فمنها ما لها غناء في إنتاج المطلوب، ومنها ليس لها غناء- وهي النتائج المسماة فوائد. وإذا كان هذا هكذا كانت النتائج الحادثة في هذا القياس أكثر كثيرا من الحدود والمقدمات- أعني متى كانت الحدود أكثر من أربعة. ومتى زيد حد واحد تزيد نتائج أقل من الحدود التي زيد عليها الحد بواحد، لأنه لا يجتمع من الحد المزيد ومن الحد الذي يليه نتيجة، وإنما يجتمع منه ومن الحد الثالث، ثم منه ومن الرابع، وهكذا إلى آخر الحدود، وسواء كان الحد المزيد في الطرف الأسفل- وهو أن يكون موضوعا للموضوع الأول- أو في الطرف الأعلى- وهو أن يكون محمولا على المحمول الأخير- أو كان أيضا مزيدا في الوسط، وذلك أنه إذا كان في الوسط، عمل أيضا مع الحدود التي فوقه والتي تحته نتائج ما خلا الحدين اللذين يليانه اللذين أحدهما من فوق والآخر من أسفل. مثال ذلك أنه إذا كانت معنا حدود أربعة- وهي حدود اَ بَ جَ دَ- فإنه يكون عن هذه الحدود ثلاث نتائج نتيجة لحدود اَ بَ جَ، ونتيجة لحدود اَ جَ دَ، ونتيجة لحدود بَ جَ دَ. فإن زيد عليها حد واحد- وهو مثلا هَ- حدثت ثلاث نتائج- نتيجة لحدود هَ جَ دَ، ونتيجة لحدود هَ جَ بَ، ونتيجة أيضا لحدود هَ دَ اَ- فتكون أكثر من الحدود وتكون النتائج الحادثة عن الحد المزيد أقل من الحدود التي أضيف إليها الحد المزيد بواحد. فبهذه السبارات يمكن أن يوقف على معرفة نوعي القياس المركب الموصول والمفصول، فإنه إذا لم تلف فيه هذه الخواص ولم تكن هنالك مقدمات زيدت لغرض من الأغراض التي تزاد فيها المقدمات التي ليس لها غناء في إنتاج المطلوب، فهو بين أن القول ليس بقياس مركب أصلا لا موصول ولا مفصول. وما وجدت فيه خواص الموصول فهو موصول، وما وجدت فيه خواص المفصول فهو مفصول. فصل

стр. 47

ولأن ضروب النتائج التي تكون عن المقاييس عندنا معلومة وفي كم من شكل تكون النتيجة الواحدة بعينها وفي كم من صنف في ذلك الشكل تكون، قد يظهر لنا من ذلك أي ضرب من ضروب النتائج والمطلوبات يكون وجود القياس عليه أصعب وأي ضرب من ضروب النتائج يكون وجود القياس عليه أسهل، لأنه من البين أن الضرب الذي يتبين عن مقاييس أكثر أشكالا وأكثر أصنافا من أصناف الشكل الواحد بعينه أسهل من التي تتبين عن مقاييس أقل أشكالا وأقل أصنافا. فأما الموجب الكلي فقد تبين أنه لا يبين إلا في الشكل الأول. وذلك في صنف واحد منه. وأما السالب الكلي فقد تبين أيضا أنه يبين في شكلين- في الأول وفي الثاني- ويبين في الأول في صنف واحد فقط وفي الثاني في صنفين اثنين. وأما الموجب الجزئي فقد تبين أيضا أنه ينتج في الشكل الأول والثالث، أما في الشكل الأول ففي صنف واحد منه، وأما في الثالث ففي ثلاثة أصناف منه. وكذلك تبين أن السالب الجزئي ينتج في الأشكال كلها، أما في الأول ففي صنف واحد، وأما في الثاني ففي صنفين، وأما في الثالث ففي ثلاثة أصناف. وإذا كان هذا كله كما وصفنا فظاهر أن أعسرها إثباتا هو الموجب الكلي إذ كان يثبت بطريق واحد، وأنه أسهلها كلها إبطالا إذ كان يبطل بإثبات السالب الجزئي. والسالب الجزئي أسهلها إثباتا، إذ كان يثبت بأكثرها طرقا وأيضا فإنه يثبت بالسالب الكلي. وبالجملة فإبطال الكلي أسهل من إثباته، إذ كان يبطل بثبوت نقيضه- وهو الجزئي- وبثبوت مضاده- وهو الكلي. والسالب الكلي يثبت في شكلين ويبطل في شكلين إلا أن إبطاله أسهل من إثباته، وذلك أنه يبطل بإثبات الجزئي الموجب والكلي الموجب ويثبت بجهة واحدة- وهو إنتاجه نفسه. وأما المطلوبات الجزئية فإثباتها أسهل من إبطالها، وذلك أنها تثبت من جهتها أنفسها وهي تتبين بأشكال كثيرة وفي أصناف كثيرة ومن جهة إثبات الكلي الذي يشتمل عليها وتبطل من جهة الكلي المناقض لها فقط. ولذلك كان أعسرها إبطالا هو السالب الجزئي، إذ كان إنما يبطل بأعسرها إثباتا- وهو الموجب الكلي. وبالجملة فإثبات الموجب أعسر من إثبات السالب، وذلك أن السالب الجزئي يتبين بطرق أكثر من الطرق التي يتبين بها الموجب الجزئي وكذلك السالب الكلي يتبين بطرق أكثر من التي يتبين بها الموجب الكلي ولأن إثبات السلب هو إبطال الوجود، فعلى هذه الجهة قد يصح أن يقال إن الإبطال أسهل من الإثبات. وأما إذا أخذ الإثبات والإبطال للكلي والجزئي، كان إبطال الكلي أسهل من إثباته والجزئي بالعكس. فقد تبين مما قيل كيف يكون ترتيب الحدود في المقاييس، ومن كم من حد ومن كم من مقدمة يكون، وكيف ينبغي أن تكون نسبة المقدمات بعضها إلى بعض، وأي مطلوب يبين في أي شكل، وما يبين منها في أشكال قليلة وما يبين منها في أشكال كثيرة. وهنا انقضى الفصل الأول من هذه المقالة. الفصل الثاني كيف يستنبط القياس قال: وقد ينبغي أن تعلم كيف يستنبط القياس على كل مطلوب تقصد معرفته وبأي سبيل تأخذ مقدمات كل قياس. فإنه ليس ينبغي لنا أن نكون عالمين بالقياس فقط، بل وأن تكون عندنا قوانين نقدر بها على أن نكون بها عاملين للقياس. وذلك يتم بمعرفة صنفين من القوانين، أحدهما معرفة القوانين التي بها يستنبط القياس، والثاني معرفة القوانين التي بها تستخرج مقدمات القياس.

стр. 48

فنقول إن الأشياء الموجودة منها ما لا يحمل على شيء البتة إلا بالعرض وعلى غير المجرى الطبيعي ويحمل عليها غيرها، وهي أشخاص الجواهر المحسوسة- مثل زيد وعمرو وخالد. فإنا قد نقول إن زيدا هذا هو إنسان وهو حيوان، فنحمل عليه غيره ولا نحمله على غيره إلا بالعوض- مثل أن نقول إن هذا الأبيض هو زيد. ومنها ما يحمل عليها شيء وتحمل هي على شيء، وهذه هي مثل حملنا الأنواع على الأشخاص، وحمل الأجناس على الأنواع. مثال ذلك حمل الحيوان على الإنسان وحمل الإنسان على زيد وعمرو. وهذان الصنفان بين وجودهما بنفسه. ومنها صنف ثالث وهي الأشياء التي تحمل على شيء ولا يحمل عليها شيء أصلا وذلك على المجرى الطبيعي، وسنبين وجود هذا الصنف من المحمولات في كتاب البرهان، فإن هنالك يبين أن الأشياء المحمولة بعضها على بعض تنتهي بالجملة إلى محمول أخير ليس يحمل عليه محمول أصلا. وإذا تقرر هذا وكان بينا أن أكثر الفحص والطلب إنما هو في الأشياء المتوسطة بين هذين الطرفين- أعني التي تحمل على شيء ويحمل عليها شيء- فهو بين أن كل مطلوب يكون في هذا الجنس أن المحمول فيه والموضوع يلحقه أنه يحمل كل واحد منهما على شيء ويحمل عليه شيء. وإذا تقرر هذا أيضا فالسبيل التي بها نصل في الجملة إلى مقدمات كل مطلوب يكون داخلا في هذا الجنس من الموجودات- أعني المتوسطة- تكون بأن نقسم أولا المطلوب إلى حديه الذين هما المحمول والموضوع، إذ كل مطلوب ينقسم إلى هذين الحدين. ثم ننظر في الأشياء التي توجد لكل واحد من هذين الحدين- أعني الأشياء التي توجب لمحمول المطلوب والتي توجب لموضوعه، وتلك هي الحدود والأجناس والفصول والخواص والأعراض اللاحقة للشيء- وفي الأشياء أيضا التي يوجد لها كل واحد من جزئي المطلوب- أعني الأشياء التي يوجب لها موضوع المطلوب والأشياء التي يوجب لها محموله- وفي الأشياء أيضا التي تسلب عن كل واحد من هذين الحدين، وهي بأعيانها الأشياء التي يسلب عنها كل واحد من هذين الحدين غذ كانت السوالب قد تبين أنها تنعكس. وينبغي عندما نفعل هذا أن نميز أي من هذه المحمولات هي حدود لأحد الحدين أو لكليهما وأي هي أجناس وأي هي خواص وأي هي أعراض لاحقة وكذلك ينبغي أن نميز أيضا أي من هذه هو حد بالحقيقة أو جنس أو خاصة أو عرض وأي منها هو حد بحسب الرأي المشهور أو جنس أو خاصة أو عرض، لنستعمل من ذلك اللائق بصناعة صناعة، فما كان من ذلك بالحقيقة استعمل في صناعة البرهان، وما كان من ذلك بحسب الرأي المشهور استعمل في صناعة الجدل. وبالجملة فكلما أكثرنا من اكتساب أنواع المقدمات كان أسرع لوجود المطلوب.

стр. 49

وينبغي أن لا يؤخذ من اللواحق إلا اللواحق العامة لكلا الحدين- وهي المحمولة على كل واحد منهما- لا اللواحق الخاصة- وهي الجزئية، أعني المحمولة على بعضها. مثال ذلك أنه إن كان المطلوب هل الإنسان كذا، فإنه ليس ينبغي أن نختار ما هو لاحق لإنسان ما، بل ما هو لاحق لكل إنسان لأنه لا يكون قياس إلا من المقدمات الكلية- كما تبين. وكذلك لا ينبغي أن تؤخذ المقدمات مهملة، لأن المهملة قوتها قوة الجزئية- على ما تبين- وليس يبين من أمرها هل هي كلية أم ليست بكلية. وكذلك ينبغي أن نختار من الأشياء التي يلحقها كل واحد من الحدين الأشياء الكلية. مثال ذلك أن نختار ما يلحقه الإنسان كله لا بعضه. والسور أبدا إنما يجب أن يقرن بموضوع المقدمة المستنبطة لا بمحمولها، لأنه إذا قرن بمحمولها كان إما مستحيلا وإما غير نافع في القياس- على ما تبين في الكتاب المتقدم. وإذا كان أحد الحدين من المطلوب الذي نلتمس أخذ لاحقه محاطا بأمر كلي فلا فرق في هذا الموضوع بين أن نلتمس لاحقه نفسه أو لاحق ذلك الكلي المحيط به. مثال ذلك أنه إذا التمسنا لواحق الإنسان- مثل الحي- وقد علمنا أن الحي محيط بالإنسان، لم يكن في هذا الموضع فرق بين أن نجد لاحقا من لواحق الإنسان أو لاحقا من لواحق الحي، لأن كل ما لحق المحيط بالإنسان فقد يلحق الإنسان. وكذلك أيضا متى التمسنا لاحق أحد الحدين وكان الحد الذي التمس لاحقه محيطا بموضوعات ما، فليس ينبغي أيضا هاهنا أن نشتغل بتصحيح أن ما هو لاحق لذلك الحد فهو لاحق لموضوعه، إذ كان معلوما أن ما لحق الشيء فهو لاحق لما يحيط به ذلك الشيء. وإنما ينبغي أن نصحح أن ذلك الحد الذي أخذ لاحقه محيط بذلك الموضوع. مثال ذلك أنه إذا كان الحي لاحقا للإنساني ومحيطا به، فهو بين أنه لاحق لكل ما يحيط به الإنسان، وإنما الذي ينبغي أن نصحح أن هذا الشيء يحيط به الإنسان أو ليس يحيط به. وينبغي أن نختار من هذه اللواحق المناسبة للمطلوب. فإن كان المطلوب في الممكن الأكثري أخذنا من اللواحق الممكنة الأكثرية، لأن قياس المطالب التي تكون في الممكنة الأكثرية إنما تكون من مقدمات أكثرية، كما أن قياس المطالب التي تكون في المادة الضرورية إنما تكون من مقدمات ضرورية. فهذه هي القوانين التي بها يلتمس اكتساب المقدمات في كل قياس نقصد عمله. وأما القوانين التي بها يلتمس القياس نفسه- أعني صورته فهي على ما أقوله. وذلك أن كل مطلوب يلتمس القياس عليه فإما أن يكون موجبا كليا أو سالبا كليا أو موجبا جزئيا أو سالبا جزئيا. فإن كان المطلوب موجبا كليا وأردنا إنتاجه، فإنه ينبغي أن ننظر في موضوعات محمولة ومحمولات موضوعة. فإن ألفينا بعض موضوعات المحمول في هي بأعيانها بعض محمولات موضوعه فبالضرورة ما يكون المحمول منه في كل الموضوع. وذلك بين من أن هذا الوضع بعينه هو وضع الشكل الأول، إذ كان الموجب الكلي إنما ينتج في هذا الشكل. ومثال ذلك أن يكون مطلوبنا هل كل جزء من أجزاء العالم محدث، فنجد العالم موصوفا بالمؤلف ونجد المؤلف موضوعا بالحدث، فيأتلف القياس هكذا: كل جزء من أجزاء العالم مؤلف وكل مؤلف محدث، فكل جزء من أجزاء العالم محدث. فإن أردنا أن ننتج موجبة جزئية من مقدمات كلية، فإن ذلك يمكننا بأن نأخذ موضوعات الحدين معا. فإن ألفينا شيئا واحدا بعينه موضوعا لكليهما، فبالضرورة ما يجب أن يكون المحمول منه موجودا لبعض الموضوع. وذلك بين من وضع الشكل الثالث. مثال ذلك أن يكون مطلوبنا هل حركة ما أزلية، فنجد شيئا واحدا موضوعا لهذين الحدين- وهو الجرم السماوي فيأتلف القياس هكذا: الجرم السماوي متحرك والجرم السماوي أزلي ينتج بعض المتحرك أزلي. وقد يتفق ذلك في الشكل الأول متى ألفينا أحد موضوعات المحمول هو بعينه أحد المحمولات على بعض موضوع المطلوب.

стр. 50

فإن أردنا أن ننتج سالبا كليا فإن ذلك يتفق بأحد وجهين إما أن ننظر في لواحق موضوع المطلوب وفيما لا يمكن أن يكون موضوعا لمحمول المطلوب فإن ألفينا لاحق موضوع المطلوب هو بعينه الموضوع الذي لا يمكن أن يوضع للمحمول، أنتج لنا ذلك في الشكل الأول أن محمول المطلوب ليس يمكن أن يوجد في شيء من موضوع المطلوب. مثال ذلك أن يكون مطلوبنا هل النفس غير مائتة، فنجد المتحرك من تلقائه لاحقا من لواحق موضوع هذا المطلوب- وهو بعينه الموضوع الذي لا يمكن أن يوجد فيه محمول هذا المطلوب- فيأتلف القياس هكذا: كل نفس متحركة من ذاتها ولا شيء متحرك من ذاته مائت، ينتج عن ذلك أن كل نفس غير مائتة. والوجه الثاني أن ننظر في لواحق الحد المحمول، فإن ألفينا فيها ما هو مسلوب عن الموضوع أنتج لنا عن ذلك في الشكل الثاني أن المحمول مسلوب عن جميع الموضوع. مثال ذلك أن يكون مطلوبنا هل الخلاء أحد الموجودات الطبيعية، فنجد الموجود المحسوس موجبا للموجودات الطبيعية ومسلوبا عن الخلاء فيأتلف القياس هكذا: الخلاء ليس بمحسوس والموجودات الطبيعية محسوسة، النتيجة فالخلاء ليس واحدا من الموجودات الطبيعية. فإن أردنا أن ننتج سالبة جزئية فإن ذلك يتفق على وجوه ثلاثة، إذ قد تبين أن هذا المطلوب ينتج في الأشكال الثلاثة. أحدها أن ننظر في لواحق الموضوع وفيما لا يمكن أن يكون في المحمول، فإن كان بعض اللواحق هو بعينه ما لا يمكن أن يكون في المحمول فإنه ينتج في الشكل الثاني أن المحمول ليس في بعض الموضوع. مثال ذلك أن يكون مطلوبنا هل بعض الأنفس غير مائتة، فنجد بعض الأنفس يلحقها أن يكون فعلها جوهرها والمائت ليس فعله جوهره، فيأتلف القياس في الشكل الثاني هكذا: بعض الأنفس فعله جوهره وكل مائت ليس فعله جوهره، فيرجع إلى الشكل الأول بعكس السالبة فينتج فيه أن بعض الأنفس غير مائتة وقد يبين ذلك في الشكل الثالث بأن نأخذ موضوعات موضوع المطلوب والأشياء التي يسلب عنها المحمول. فإن وجدنا من هذه شيئا هو واحد بعينه، أنتج لنا في الشكل الثالث أن المحمول مسلوب عن بعض الموضوع. وقد يتفق هذا في الشكل الأول بأن نجد لواحق الموضوع هي بعينها ما لا يمكن أن يوجد فيها المحمول، إلا أنه ينتج هذا المطلوب بمقدمات كلية في الشكل الثالث فقط. وقد كانت الوصية هاهنا أن نتخير المقدمات الكلية. وينبغي أن نختار من اللواحق للطرفين والموضوعات لها ما هو أكثر عموما وأكثر كلية، لأنه إذا وجد القياس من أمثال هذه المقدمات فقد وجد القياس مما هو أقل عموما منها إذ هو منطو فيها، وإذا لم يوجد القياس مما هو أكثر عموما فقد يمكن أن يوجد مما هو أقل عموما وقد بمكن أن لا يوجد. مثال ذلك أنه إذا وجدنا القياس على أن الإنسان مركب من الأضداد من جهة أنه متغذ فقد وجدنا القياس على ذلك من جهة أنه حساس إذ كان الحساس أخص من المتغذي ومنطويا فيه، ومتى وجدنا الأضداد في المتغذي فقد وجدناه في الحساس، ومتى وجدنا المتغذي في الحساس فقد وجدنا المتغذي في الإنسان، فإذن متى وجدنا الأضداد في الإنسان بتوسط المتغذي فقد وجدناها فيه بتوسط الحساس. وإن لم نجد القياس على ذلك من جهة أنه متغذ فقد يمكن أن نجد القياس على ذلك من جهة أنه حساس وقد يمكن أن لا نجد. وهو بين أن هذا النظر ليس يتجاوز أن يكون بمقدمتين وثلاثة حدود- على ما تبين من أمر القياس- وأنه لا يكون قياس إلا في اشكال الثلاثة التي ذكرت ومن هذه في المنتجة منها. ولذلك ما ينبغي أن يتجنب في اكتساب المقدمات وأخذ اللواحق والموضوعات ما يأتلف منه شكل غير منتج- مثل أنه ليس ينبغي أن نأخذ اللاحق للطرفين إذا كانا أمرا واحدا بعينه لأنه يكون من ذلك موجبتان في الشكل الثاني وقد تبين أنه غير منتج. وكذلك لا ينبغي أن نأخذ ما هو مسلوب عن الطرفين، لأنه قد تبين أنه لا ينتج من سالبتين. وكذلك إذا كان موضوع محمول المطلوب وما يسلب عن موضوع المطلوب شيئا واحدا فليس ينبغي أن نأخذه لأنه تكون المقدمة الصغرى سالبة في الشكل الأول، وقد تبين أن ذلك غير منتج.

стр. 51

وهو بين أنه إنما يكون قياس إذا أخذ شيء واحد مكررا مرتين- أعني إذا نسب إلى الحدين نسبة حمل أو وضع- وهو الحد الأوسط، وأنه إن كان الحد الأوسط شيئين لم يكن قياس إذ لا يكون قياس يوجب أن أحد الطرفين موجود للآخر أو مسلوب عنه. وأما ما يظن أنه قد يكون قياس إذا أخذ شيئان للطرفين مختلفان كالأضداد وبالجملة ما لا يمكن أن يجتمعا في شيء واحد، فإن ذلك راجع إلى أن قوة ذلك قوة أخذ شيء واحد موجب لأحدهما ومسلوب عن الآخر، ولولا ذلك لم يكن منتجا. مثال ذلك إن بين مبين أن اللذة ليست بغاية إنسانية من قبل أن اللذة شر والغاية الإنسانية خير، فإنه إنما ينتج من هذا أن اللذة ليست بغاية إنسانية من جهة أنه ينتج أولا أن اللذة ليست بخير من جهة أنها شر. فإذا أضاف إلى هذه النتيجة أن الغاية الإنسانية خير، أنتج له أن اللذة ليست بغاية إنسانية. فإذن أمثال هذه المقاييس هي أقيسة مركبة من أكثر من شكل واحد، لا أنها قياس رابع بسيط. فمن اعتقد في مثل هذا أنه قياس واحد فهو بمنزلة من اعتقد فيما هو مركب أنه بسيط، ومن اعتقد ذلك لم يعرف ما هو القياس البسيط، ومن لم يعرف ما هو القياس البسيط لم يعرف القياس بإطلاق. وأقيسة الخلف إنما تكون بهذا النحو من النظر- أعني بالأشياء التي تنسب إلى كل واحد من الحدين- وهي ثلاثة كما قلنا، إما أشياء توضع له، وإما أشياء تحمل عليه، وإما أشياء تسلب عنه إما على جهة الحمل وإما على جهة الوضع إذ كان ذلك غير مختلف في السلب على ما قيل. وذلك ظاهر من أن كل مطلوب يبين بقياس حملي يمكن أن يبين بتلك الحدود بأعيانها بقياس الخلف، وكذلك كل مطلوب يبين بقياس الخلف فيمكن أن يبين بتلك الحدود بأعيانها بقياس حملي. مثال ذلك أنه إذا كان عندنا أن بَ موجودة في كل اَ وغير موجودة في شيء من هَ، وأردنا أن نبين بهاتين المقدمتين أن اَ غير موجودة في شيء من هَ بطريق الخلف، قلنا أن اَ غير موجودة لشيء من هَ، وإلا فلتكن اَ موجودة ببعضها وقد كان معنا أن بَ موجودة في كل اَ، فينتج لنا أن بَ موجودة في بعض هَ، وقد كانت غير موجودة في شيء من هَ، هذا خلف لا يمكن. وإن أردنا أن ننتج ذلك عن طريق الحمل، قلنا إن اَ غير موجودة في شيء من هَ، لأن بَ غير موجودة في شيء من هَ وموجودة في كل اَ. وكذلك يبين الأمر في جميع المطالب، وذلك أن كلا القياسين- أعني الجزمي والسائق إلى المحال- إنما يكتسبان بأخذ لواحق الطرفين أو بموضوعاتها، وبأخذ شيء واحد يكرر فيهما. وإنما الفرق بينهما أن القياس السائق إلى المحال يأتلف من مقدمتين، إحداهما المقدمة الحق والأخرى كذب، فينتج نقيض المقدمة الحق الثانية. والقياس الحملي يأتلف من المقدمتين الحق لا غير. فلا بد في كل قياس منهما من الاعتراف بمقدمتين، وذلك يكون بالطرق التي وصفنا. فإن اكتفى بهما كان القياس حمليا، وإن أخذ نقيض المطلوب وأضيف إليه أحدهما كان قياس خلف. وسيبين ذلك أكثر إذا تبينت أنواع المقاييس الحملية الواقعة في قياس الخلف. وكذلك المقاييس الشرطية مضطرة إلى هذا النحو من النظر، إذ قد تبين أنه لا يبين مطلوب بقياس شرطي دون أن يقترن به قياس حملي- وهو الذي تبين به إما صحة المستثنى وإما صحة الاتصال. فهذا النحو من النظر يبين كل مطلوب كان في مادة ضرورية أو في مادة ممكنة. وهو بين أيضا أنه ليس فقط بهذه السهيل يمكن أن يستخرج كل قياس، بل وأنه ليس يمكن أن يستخرج قياس بغير هذه السبيل، لأنه قد تبين أن كل قياس إنما يكون بواحد من الأشكال الثلاثة وأن هذه الأشكال الثلاثة إنما تكون من الأمور المحمولة على الطرفين أو الموضوعة على الطرفين. فإذن ليس يمكن أن يوجد قياس إلا من النظر في هذه الأشياء- أعني اللاحقة والموضوعة. فإن كان أيضا بينا أن كل قياس إنما يكون من النظر في هذه الأشياء، فهو بين من ذلك أن كل قياس إنما يكون بواحد من الأشكال الثلاثة ومن مقدمتين وثلاثة حدود.

стр. 52

وهذا الطريق في اكتساب المقدمات والمقاييس على المطلوبات هو عام في جميع الصنائع وفي كل تعليم كان حقيقيا أو مشهورا، لأنه تؤخذ اللواحق والموضوعات في الحقيقي حقيقية وفي المشهور مشهورة. وبين أن هذا الطريق نافع لنا معرفته في اكتساب المقدمات في جميع المطالب، وإلا كنا جدرا متى لم تكن عندنا هذا الطريق أن نقصد في استنباط أي مطلوب اتفق إلى أي شيء اتفق من المقدمات وإلى مقدمات واحدة بعينها في المطلوبات الموجبة والمطلوبات السالبة. وليس هذا فقط، بل وكان يمكن أن يعرض لنا أن نروم استنباط جميع أنواع المطالب الأربعة- أعني الإيجاب الكلي والسالب الكلي والموجب الجزئي- بطريق واحد من مقدمات واحدة بأعيانها. وأما متى كان عندنا هذا الطريق كان قصدنا في مطلوب مطلوب من أشياء محدودة معروفة قليلة العدد. وينبغي إذا استعملنا هذا الطريق أن نختار في كل مطلوب المقدمات الخاصة بالجنس الذي فيه ذلك المطلوب المناسبة له- مثل أنه إن كان المطلوب عمليا أن نختار المقدمات المناسبة للأمور الإرادية، وإن كان علميا اخترنا الأشياء المناسبة للأمور النظرية الخاصة بذلك الجنس الذي تنظر فيه تلك الصناعة النظرية. ولذلك ما يحتاج في معرفة المقدمات الأوائل في كل جنس- أعني الخاصة به المناسبة له- إلى التجربة. مثال ذلك أنه يحتاج في علم النجوم- أعني علم الهيئة- إلى التجربة الموقفة على حركات النجوم. ولذلك لما علمت بالتجربة والرصد حركات الكواكب المتحيرة، أمكن أن توجد البراهين على معرفة أفلاكها. وكذلك الأمر في كل صناعة وفي كل علم الحاجة فيه إلى التجربة ضرورية. فإنه إذا اكتسبنا بالتجربة جميع الأوائل والمقدمات الموجودة في ذلك الجنس، أمكننا بسهولة أن نجد البراهين على جميع الأشياء المطلوبة في ذلك الجنس وأن نعرف ما يمكن أن يبرهن في ذلك الجنس مما لا يمكن. فقد قلنا على العموم كيف ينبغي أن نكتسب المقاييس والمقدمات. وأما القول على الاستقصاء والخصوص بجنس جنس من أجناس المطالب فسيقال فيه في كتاب الجدل. قال: وأما طريق القسمة فأنه جزء صغير من هذا النحو من النظر، لأنه قد يعين في اكتساب المقدمات التي تكون من الفصول اللاحقة. والسبب في أنه جزء صغير كون القسمة كأنها قياس ضعيف لا قياس حقيقي، لأن الذي يقيس بطريق القسمة يضع فيها ما ينبغي أن يبرهن بالقياس وينتج فيها أبدا شيئا خارجا عن المقدمات غير منطو فيها، وذلك بخلاف ما عليه الأمر في القياس. قال: والقدماء لما كانوا يظنون بطريق القسمة أنه قياس تبرهن به حدود الأشياء كان غلطهم في طريق القسمة في موضعين، أحدهما في ظنهم أن الحد يبرهن، والثاني في ظنهم أن طريق القسمة قياس. فإذن لم يعلموا ما يمكن أن يبرهن مما لا يمكن أن يبرهن، ولا علموا أن ما تبين بالقياس فإنما تبين بهذه المقاييس التي ذكرناها. وإنما كانت القسمة ليست قياسا في الحقيقة لأن الحد الأوسط في القياس يكون أبدا أخص من الطرف الأول، والطرف الأول- الذي هو محمول المطلوب- أعم منه، وفي القسمة الأمر بالعكس- أعني أن الحد الأوسط أعم من الطرف الأعظم الذي هو محمول المطلوب. مثال ذلك إذا كان عندنا مجهولا أن الإنسان مائت أو غير مائت وكان معلوما عندنا بمقدمتين إحداهما أن الإنسان حيوان والمقدمة الثانية أن الحيوان إما مائت أو غير مائت، وأردنا أن نبين من هاتين المقدمتين أن الإنسان إما حيوان مائت وإما غير مائت- أعني أحد هذين المتقابلين- ليحصل لنا من ذلك حده- وهو أنه حيوان مائت- فألفنا القول هكذا: الإنسان حيوان والحيوان إما مائت أو غير مائت، لا أنه أحدهما على التحصيل- الذي كان مطلوبا لنا- إلا أن كان بينا بنفسه أو معلوما بقياس من الأقيسة المذكورة. فإذن الحد الأوسط في هذا القياس- الذي هو الحيوان- أعم من المطلوب- الذي هو المائت أوغير المائت. وكذلك إن كان معلوما عندنا أن الإنسان حيوان مائت وأن المائت منه ذو رجلين ومنه ذو أرجل كثيرة وأردنا أن نعرف أي هو الإنسان من هذين، لم نستفد ذلك عن طريق القسمة بوجه من الوجوه. فإذن القسمة ليست قياسا بوجه من الوجوه، لا في مطلوب مطلق- مثل أن الشيء موجود أو غير موجود- ولا في مطلوب مقيد- مثل أن يطلب هو الشيء عرض أو جنس أو خاصة أو حد- ولكنها نافعة في القياس.

стр. 53

فقد قيل من أي شيء تكتسب المقاييس وكيف تكتسب وإلى أي شيء ينبغي أن نقصد في كل نوع من أنواع المطالب. الفصل الثالث رد المقاييس المستعملة في الكتب إلى هذه الأشكال قال: وقد بقي علينا بعد ذلك أن نقول كيف تكون لنا قدرة على رد المقاييس المستعملة في الكتب والمخاطبات إلى هذه الأشكال وتحليلها إليها، إذ كانت ليست تستعمل في الكتب والمخاطبات على الطريق الذي ذكرناه، لأن هذا هو الأمر الثالث الذي بقي علينا أن ننظر فيه من أمر المقاييس لأنه إذا عرفنا أنواع المقاييس وكانت لنا قدرة على عملها وقدرة على أن نرد جميع ما يقع منها في الكلام والمخاطبة إلى الأشكال التي ذكرناها فقد تم لنا غرضنا الأول من معرفة القياس مع أنه يعرض لنا عندما نتكلم في حل المقاييس إلى الأشكال التي ذكرنا أن نزداد يقينا بما قيل من أن كل قياس إنما يكون بواحد من الأشكال المتقدمة لأنه إذا وجدنا جميع المقاييس المستعملة في الكتب والمخاطبات ترجع إلى هذه الأشكال حصل لنا بضرب من الاستقراء أن هذه الأشكال هي اسطقسات جميع المقاييس. وهذا هو شأن الشيء الذي يقوم عليه البرهان- أعني أن يوجد حقا من كل وجه يتأمل منه ومتفقا من كل جهة من جهاته. فإن الحق كما يقول أرسطو شاهد لنفسه ومتفق من كل جهة- يعني أنه تشهد منه جهة لجهة. فأول ما ينبغي أن يفعله من يريد حل المقاييس إلى هذه الأشكال أن يروم وجود المقدمتين في ذلك القول القياسي، فإن المقدمتين هي أعظم أجزاء القياس، وقسمة الشيء إلى أعظم أجزائه أسهل من قسمته إلى أصغر أجزائه. ثم من بعد ذلك فينبغي أن يعلم أيما هي المقدمة الكبرى وأي هي الصغرى، وذلك بين من طرفي المطلوب، وهل صرح بهما معا في ذلك الكلام القياسي أم إنما صرح بواحدة منهما. وإن كان صرح بواحدة وسكت عن واحدة فأي هي المسكوت عنها المحذوفة، هل الكبرى أو الصغرى. فإنه كثيرا ما يعرض في الكلام المتلو والمقروء أن يصرحوا بالكبرى ويحذفوا الصغرى أو يصرحوا بالصغرى ويحذفوا الكبرى. وكثيرا أيضا ما يضعون في القياس من مقدمات ليست نافعة لا في إثبات النتيجة ولا في إبطالها، وذلك إما للإيضاح وإما للإقناع وأما لغير ذلك من الوجوه التي عددت في الثامنة من الجدل. فينبغي لذلك أن نفحص هل أخذ في ذلك القول القياسي مقدمة زائدة أو نقص منه مقدمة ضرورية لنرفض الزائد ونضع الناقص حتى نجد المقدمتين اللتين منهما ائتلف القياس، لأنه متى لم نجد المقدمتين لم يمكن أن نرد القول القياسي إلى أحد الأشكال المتقدمة. ومن الكلام القياسي ما تسهل معرفة ما فيه من الزيادة والنقصان، ومنه ما يعسر، ومنه ما يظن أنه قياس ما- من جهة أنه يلزم عنه شيء باضطرار- وليس بقياس، إذ ليس كل ما يلزم عن شيء باضطرار فهو لازم لزوما قياسيا بل ما لزم باضطرار عن مقدمتين نسبة إحداهما إلى الأخرى نسبة الكل إلى الجزء فهو قياس. فمثال ما هو ناقص ويعسر معرفة ما نقص منه قول من قدم لإنتاج أن أجزاء الجوهر جوهر أن ببطلان غير الجوهر ليس يبطل الجوهر وببطلان أجزاء الجوهر يبطل الجوهر، فإن هذه النتيجة هي لازمة عن هذا القول لكن تنقصه المقدمة الكبرى- وهي أن ما يبطل الجوهر ببطلانه فهو جوهر- وهذه المقدمة هي لازمة من المقدمة التي صرح بها في هذا القول- وهو أن ما ليس بجوهر فليس يبطل الجوهر ببطلانه- وذلك أنه إذا صحت لنا هذه المقدمة صح لنا عكس نقيضها- وهو أن ما يبطل الجوهر ببطلانه فهو جوهر، فإذا أضفنا إلى هذه الصغرى- وهو أن أجزاء الجوهر يبطل ببطلانه الجوهر- أنتج لنا في الشكل الأول أن أجزاء الجوهر جوهر. وقد يمكن أن نحل هذا القول إلى غير هذا الشكل- مثل أن يقال أجزاء الجوهر ببطلانها يبطل الجوهر وهو غير جوهر فلا يبطل ببطلانه الجوهر فينتج في الشكل الثاني أن أجزاء الجوهر ليست غير جوهر ثم يضاف إلى هذا وما ليس هو غير جوهر فهو جوهر فينتج أن أجزاء الجوهر جوهر. ومثال ما نقص منه بعض المقدمات- ومعرفة ذلك مهمل- قولنا إن كان الإنسان موجودا فالحي موجود وإن كان الحي موجودا فالجوهر موجود، فإن كان الإنسان موجودا فالجوهر موجود، وذلك أنه نقص من هذا وكل إنسان حي وكل حي جوهر.

стр. 54

وسبب الغلط في هذا هو أن يظن بما لزم باضطرار أنه لازم لزوما قياسيا. فإذن متى وجدنا شيئا قد لزم عن شيء فليس ينبغي أن نتوهمه قياسا تاما إلا إذا وجدنا فيه المقدمتين معا. فإذا وجدنا مقدمتي القياس بهذا الفعل فينبغي أن نقسم المقدمتين أيضا إلى الثلاثة الحدود ونميز الحد الأوسط الذي هو الحد المشترك للحدين اللذين هما طرفا المطلوب، فإنه لابد في كل قياس من حد أوسط. فإن ألفينا الحد الأوسط محمولا على الأصغر وموضوعا للأكبر أو محمولا على الأصغر مسلوبا عن الأكبر، فإنه يكون الشكل الأول. فإن كان الحد الأوسط محمولا في أحدهما مسلوبا عن الآخر على جهة الحمل لا على جهة الوضع فإنه يكون الشكل الثاني. وإن كان الحد الأوسط موضوعا للطرفين إما على طريق الإيجاب أو لأحدهما على طريق الإيجاب وللثاني على طريق السلب، فإنه يكون الشكل الثالث. لأنه قد تبرهن أنه ليس هاهنا نسبة رابعة للحد الأوسط إلى الطرفين والطرفان على المجرى الطبيعي في الحمل، وسواء كانت المقدمتان كلية أو كانت إحداهما كلية والثانية جزئية، ما لم تقع الجزئية كبرى في الشكل الأول والثاني، فإن الحد الأوسط وضعه في ذلك واحد. وإذا كان هذا هكذا فهو بين أن أي قول لم يوجد فيه شيء واحد مكرر مرتين أن ذلك القول ليس بقياس، لأنه إذا لم يوجد فيه حد واحد مكرر مرتين فليس فيه حد أوسط، وإذا لم يكن هنالك حد أوسط فليس هنالك قياس. ولأنه قد تبين أنه ليس يبين كل مطلوب في كل شكل وأن منها ما يبين في شكل واحد- وهو للكلى الموجب- ومنها ما يبين في شكلين- وهو السالب الكلي والموجب الجزئي- ومنها ما يبين في الثلاثة الأشكال- وهو السالب الجزئي- فهو بين أنه ليس ينبغي أن نلتمس المطلوب في أي شكل أتفق لكن في الشكل الخاص به. فكل ما كان من المطلوبات يتبين بأكثر من شكل واحد فإنما يعرف الشكل الذي به تبين بوضع الحد الأوسط فيه من الطرفين. وكل ما كان إنما تبين في شكل مخصوص فقد يعرف الشكل الذي يبين به من المطلوب نفسه كما تعرفه من وضع الحد الأوسط. وما كان منها يتبين في شكلين فإنا نلتمس فيه أن نجد وضع الحد الأوسط فيه الوضع الذي يكون في ذلك الشكلين فهذه هي التي منها يمكن أن نقف على شكل القياس الذي به أنتج المطلوب في القول القياسي المكتوب أو المتلو. قد يعرض لنا مرارا كثيرة الغلط والخدعة بأن نظن عند تحليل القول فيما ليس بقياس أنه قياس وعكس ذلك لأسباب شتى. أحدها إذا ظننا أن المقدمات كلية وليست في الحقيقة كلية، يعرض إذا أخذت مهملة فإن شكل القياس يغلطنا في ذلك. مثل أن نأخذ أن الإنسان حيوان وأن الحيوان غير كائن ولا فاسد، فيظن أنه يلزم عن ذلك أن الإنسان غير كائن ولا فاسد، وذلك كذب. والمقدمة الصغرى صادقة بالكل- وهو أن الإنسان حيوان- وأما الكبرى فإنما هي صادقة بالجزء لا بالكل- وذلك أنه ليس كل حيوان هو غير كائن ولا فاسد- وإنما يصدق ذلك على الحيوان الكلي المعقول لا على كل واحد من أشخاص الحيوان. وقد يعرض الكذب والخدعة من قبل فساد نسبة الحدود بعضها إلى بعض في الوضع حتى نظن فيما هو قياس أنه ليس بقياس، وذلك بأن تؤخذ على الجهة التي هي بها غير صادقة. مثال ذلك أن يقول قائل إن كل إنسان قابل للمرض والمرض ليس يمكن أن يقبل الصحة، فالإنسان لي سيمكن أن يقبل الصحة وذلك كذب. وسبب ذلك أن الحدود في هذه المقدمات لم تؤخذ في الحمل على ما ينبغي، وذلك أنه أخذ بدل موضوع الصحة والمرض والصحة والمرض نفسه- أعني أنه أخذ بدل قولنا صحيح صحة وبدل قولنا مريض مرض- ولذلك إذا غيرنا ذلك فقلنا الإنسان يمكن أن يكون مريضا والمريض يمكن أن يصح، أنتج لنا أمرا صادقا- وهو أن الإنسان يمكن أن يصح.

стр. 55

فمتى لم يتحفظ بهذا في أمثال هذه المقدمات فلن يكون قياس. فإنه إذا أخذت الأحوال والملكات بدل القابل للملكات، ليس قياسا في الشكل الأول فقط بل ولا في الثلاثة الأشكال لأنه قد يقول قائل الإنسان يمكن أن يقبل الصحة والمرض ليس يمكن أن يقبل الصحة. وهذا تأليف في الشكل الثاني غير منتج إذ كان ينتج كذبا- وهو أن الإنسان ليس يمكن أن يقبل المرض. وكذلك يمكن أن لا يوجد لهذا التأليف نتيجة في الشكل الثالث. وذلك أن المرض والصحة والعلم والجهل يوجدان في شيء واحد وليس يوجد أحدهما في الثاني، وهذا تأليف الشكل الثالث. فلذلك يظن لهذه العلة أن الأشكال الثلاثة غير منتجة. والسبب في ذلك أنه أخذ بدل الموضوع للملكات والأحوال الأحوال أنفسها والملكات. ولذلك كان واجبا في أمثال هذه المقدمات أن نأخذ القابل للحال مع الحال، وحينئذ نصيره حدا موضوعا محمولا. والحدود التي ينحل إليها القياس وبخاصة الحد الأوسط فليس ينبغي أن نطلبها أبدا من حيث يدل عليها أسم مفرد، لأن كثيرا ما يدل عليها بقول مركب وبخاصة إذا كان ذلك الحد ليس أسم مفرد. ولذلك قد يعسر أن نرد أمثال هذه الأقاويل إلى الأشكال المتقدمة، ويغلط فس ذلك فيظن أنه قد يكون قياس من غير حد أوسط. مثال ذلك قولنا إنما صار المثلث زواياه مساوية لقائمتين لأن الخارجية منه مساوية للداخلتين. فلذلك ما ينبغي أن لا يطلب الحد الأوسط في كل قياس ولا لفظا مفردا، بل أحيانا يكون قولا وأحيانا يكون لفظا مفردا. وأيضا ليس يجب أن نطلب للحدود الموجودة في القياس إذا حمل بعضها على بعض إما على جهة السلب وإما على جهة الإيجاب نسبة واحدة من الحمل- مثل أنه إذا أخذنا أن الطرف الأكبر موجود في الأوسط والأوسط في الأخير، فإنه لي ينبغي أن يفهم من ذلك في كل موضع أن الأول صفة للأوسط والأوسط صفة للأخير وأن الأول في الأخير أيضا صفة. وكذلك متى سلبنا حدا عن حد فليس ينبغي أن يفهم منه سلبه على أنه صفة وموصوف، بل إنما ينبغي أن يفهم من ذلك واحدا من أنحاء النسب التي بها نوجب شيئا لشيء أو نسلب شيئا عن شيء أو أكثر من نحو واحد منها إن كان يوجد منها أكثر من نحو واحد من أنحاء النسب. مثال ذلك أنه يصدق قولنا للأضداد علم واحد وقولنا الأضداد علمها واحد وليس يصدق قولنا الأضداد علم واحد. وقد يتفق أن يكون الطرف الأول صفة للأوسط ولا يكون الأوسط صفة للثالث. مثال قولنا الحكمة علم والحكمة للفاضل والنتيجة أن العلم للفاضل. وقد يكون عكس هذا- أعني أن يكون الحد الأوسط صفة للأخير والأول غير صفة للأوسط مثل أنه وضعنا في كل ضد علما والخير ضد فإن النتيجة تكون إن في الخير علما. وقد يتفق أن لا يكون الأول صفة للأوسط ولا الأوسط للأخير يكون الأول صفة للأخير، وهي النتيجة. مثال ذلك أن في الخير علما والعلم له جنس، والخير جنس. وعلى هذا ينبغي أن يفهم الأمر في السلب. فإنه ليس متى سلب شيء عن شيء يدل على أن هذا هو غير هذا، بل أحيانا على أن هذا ليس لهذا أو ليس في هذا وما أشبه ذلك من ضروب النسب. مثال ذلك أنه يصدق قولنا ليس للحركة حركة ولا يصدق قولنا الحركة ليست هي حركة، وكذلك نقول الكون ليس له كون ولا نقول الكون ليس كونا. فإذا أضفنا إلى هذا أن اللذة كون، أنتج أنه ليس للذة كون لا أن اللذة ليست كونا. وقال بالجملة وبالقول الكلي: أما الحدود الموضوعة فينبغي أن تؤخذ بالجهة التي بها تؤخذ مفردة- يريد بالرفع- لأنه بهذه الجهة يستدل على المقدمات منها. وأما المقدمات فينبغي أن تؤخذ على النحو الذي تكون به صادقة سواء كانت مرفوعة أو غير مرفوعة. فغير مرفوعة مثل قولنا العشرة ضعف الخمسة، والثوب من كتان. والحدود الموجبة للشيء ليست تكون أبدا مفردة ولا مطلقة، بل قد تكون مركبة كما تكون مقيدة. فينبغي أن يؤخذ كل على النحو الذي هو به صادق من تركيب أو إفراد أو إطلاق أو تقييد، وكذلك الحدود المحمولة على جهة السلب.

стр. 56

فأما الحدود التي تكرر في المقدمات في بعض المواضع ثلاث مرات فينبغي أن تكرر مع الحد الأكبر لا مع الحد الأوسط. مثال ذلك قولنا الإنسان محسوس والمحسوس يتلف من جهة ما هو محسوس فالإنسان يتلف من جهة ما هو محسوس، فإنه إن كررنا قولنا من جهة ما هو محسوس مع الحد الأوسط فقلنا الإنسان محسوس من جهة ما هو محسوس كان ذلك كذبا. وكذلك قولنا العدل خير والخير يعلم من جهة أنه خير فالعدل يعلم من جهة أنه خير، فإن وضعناه مع الحد الأوسط فقلنا العدل خير من جهة أنه خير كان كذبا وغير مفهوم. وإنما يحتاج إلى هذا التكرير لأن به تكون المقدمة صادقة، لأنه متى قلنا إن الإنسان يتلف ولم يشترط من جهة ما هو محسوس كان كذبا. قال: وليس وضع الحدود في مقدمات القياس الذي نتيجته مطلقة مثل وضعها في القياس الذي تنتجه مقيدة ومشترط فيها شرط ما. مثال ذلك أنه إذا بين مبين أن الخير معلوم وأنه معلوم ما بواسطة أنه موجود، فينبغي أن يبين أنه معلوم ما بأن يأخذ في بيان ذلك أنه موجود ما، لا موجود على الإطلاق أخذ في بيان ذلك أنه موجود على الإطلاق. وذلك أنه متى قلنا الخير موجود ما وذلك الموجود معلوم كانت النتيجة أن الخير معلوم ما- أي يخصه- وذلك أن ما المشددة إنما تدل على الذات الخاصية بالشيء. ومتى قلنا إن الخير موجود والموجود معلوم فإنما ينتج لنا أن الخير معلوم من جهة أنه موجود لا من جهة ما يخصه. وينبغي أن تبدل الأسماء في الحدود إذا كانت غير واضحة بأسماء أوضح منها، وكذلك يبدل القول المركب بالقول المركب الذي هو أوضح منه إذا كان يدل عليه بقول مركب، وإذا كان الحد الذي يدل عليه بقول مركب له اسم فينبغي أن نأخذ اسمه مكان ذلك القول لأنه أسهل وأخص. مثال ذلك أنه إذا كان لا فرق بين قولنا إن المتوهم ليس جنسه المظنون وبين قولنا إن المتوهم ليس هو مظنونا، فينبغي أن يستعمل في القياس قولنا المتوهم ليس هو مظنونا بدل قولنا المتوهم ليس جنسه المظنون. وبالجملة فينبغي أن يتحفظ بأن تكون العبارة في المقدمات على النحو الذي يكون في النتيجة- أعني أن لا يزاد في النتيجة حرف ليس يؤخذ في المقدمات ولا ينقص منها حرف قد أخذ في المقدمات. وذلك أنه إن كانت النتيجة أن اللذة هي الخير فينبغي أن يؤخذ الخير في المقدمات التي تنتج هذه النتيجة معرفا بالألف واللام. وإن كانت النتيجة أن اللذة هي خير بغير تعريف، فينبغي أن يؤخذ الخير في المقدمات على هذا النحو، لأن بونا كثيرا بين قولنا اللذة خير وقولنا اللذة هي الخير. وذلك أن القول الأول يدل على أن اللذة من الخير، والقول الثاني يدل على أن اللذة وحدها هي الخير. وإذا أخذت الحدود محمولة بعضها على بعض فينبغي أن يتحفظ فيها بالمقول على الكل. وذلك أنه فرق كبير بين أن نقول في المقدمة الكبرى أن الذي توجد فيه الباء توجد الألف في كله وبين أن نقول إن الألف توجد في كل ما توجد فيه الباء. فإنه إذا أضفنا إلى قولنا إن الألف توجد في كل ما فيه الباء أن الباء موجودة في كل الجيم، أنتج لنا بالضرورة أن اَ موجودة في كل الجيم وأما متى أضفنا إلى قولنا أن الذي يوجد فيه الباء توجد الألف في كله أن الباء توجد في كل الجيم، لم يلزم عم ذلك أن تكون الألف موجودة في كل الجيم إذا كان الشرط إنما هو أن الشيء الذي توجد فيه الباء توجد الألف في كله، فقد يكون ذلك الشيء بعض ما توجد فيه الباء لا كله. فليس يلزم عن ذلك أن تكون الألف موجودة في كل الجيم، إذ قد يمكن أن تكون الجيم من البعض الذي يتصف بالباء ولا توجد فيه الألف. وكذلك متى كانت الكبرى سالبة- أعني أنه فرق كبير بين أن نقول إن اَ مسلوبة عن كل الشيء الذي توجد فيه الباء وبين أن نقول أن اَ مسلوبة عن كل ما فيه الباء. فهو بين أنه إذا أخذ في الحدود أن اَ مقولة على كل الشيء الذي تقال عليه الباء وأن الباء مقولة على كل الجيم، أنه ليس يلزم أن تكون اَ مقولة على كل الجيم. وإن أخذ أن الألف مقولة على كل ما يقال عليه الباء، لزم أن تكون الألف مقولة على كل الجيم.

стр. 57

قال: وليس ينبغي أن يتوهم أنا نحيل في قولنا إن الألف هي بَ والباء هي الجيم- أي نأتي في ذلك بقول مستحيل. فإنا لسنا نستعمل هذه الحروف على أنها الشيء المشار إليه المطلوب بيانه، وإنما نأخذها بدل المواد كما يأخذ المهندس الخط الذي يرسمه بدل الخط الذي يقصد البرهان عليه ولذلك قد يضع المهندس أن هذا الخط طول مقدار قدم وأن هذا الخط هو طول لا عرض له، وليس كذلك في الحس. ولذلك وإن كانت الألف المكتوبة ليست هي الباء ولا الباء هي الألف، فلسنا نريد بقولنا إنه متى لم تكن مقولة على كل ما هو بَ وكانت الجيم موضوعة للباء أنه ليس يلزم أن تكون الألف مقولة على الجيم. إلا أنه إذا لم يكن شيء نسبته إلى آخر كنسبة الكل إلى الجزء وآخر نسبته إلى هذا كنسبة الكل إلى الجزء فإنه لا يكون عن ذلك قياس. لكن أخذنا بدل الأمثلة الداخلة تحت هذا القول الحروف لأنه أسهل في التعليم إذ كان إعطاء المثال ضروريا في التعليم. قال: فبهذا النحو من النظر يمكننا أن نحل المقاييس وليس ينبغي أن نطلب على هذا النحو حل القياس الشرطي لأن ليس يمكن أن يحل القياس الذي تبين على جهة الشرط لأن ذلك إنما يكون على جهة الوضع والاصطلاح بين المتكلمين- مثل أنه إن وضع واضع على جهة الاصطلاح أنه إن كانت توجد قوة واحدة غير قابلة للأضداد فإنه ليس يكون للأضداد علم واحد ثم تبين أنه توجد قوة واحدة غير قابلة للأضداد فيلزم عنه أن لا يكون للأضداد علم واحد. فالذي يمكن أن يحل من هذا القول ليس هو ما وضع على جهة الشرط- وهو قولنا أنه ليس للأضداد علم واحد- لكن الذي يمكن أن يحل هو الشيء الذي يبين على جهة القياس الحملي- وهو قولنا أنه توجد قوة واحدة غير قابلة للأضداد- لأنه قد كان على ذلك قياس- وهو قولنا المرض والصحة أضداد والمرض والصحة ليست قوتهما واحدة فيجب عن ذلك في الشكل الثالث أن ليس كل الأضداد قوتها واحدة، لأنه لو وجد ذلك لوجد الشيء صحيحا مريضا معا. وإنما كان ذلك لأن القياس الشرطي إنما يتبين فيه المستثنى بقياس حملي. وكذلك قياس الخلف ليس يحل منه إلا القياس الحملي الذي يسوق إلى المحال، لا القياس الشرطي، لأنه قد تبين أنه مركب من النوعين من القياس.

стр. 58

وهو أيضا بين أن ما كان من المطالب يبين في أكثر من شكل واحد انه قد يمكن أن يحل القول الذي استعمل في بيان ذلك المطلوب إلى أكثر من شكل واحد. والقانون في ذلك أن ما كان من أصناف القياسات التي في الشكل الثاني والثالث التي تشارك الأول في بيان بعض أنواع المطالب-مثل مشاركة الصنف الأول والثاني من الشكل الثاني للصنف الثاني من الشكل الأول في إنتاج السالب الكلي، ومثل مشاركة الأصناف التي تنتج الجزئي السالب في الشكل الثاني والثالث للذي ينتج السالب الجزئي في الشكل الأول- فما كان من هذه الأصناف في الشكل الثاني والثالث مما يبين إنتاجه بالعكس سواء كان بعكسين أو بعكس واحد فقد يمكن ما يكون منه في الشكل الثاني والثالث أن يرد إلى الأول وما كان من ذلك في الأول فقد يمكن أن يرد إلى الثاني والثالث. وأما ما تبين إنتاجه من هذه الأصناف في الشكل الثاني أو الثالث بطريق الخلف أو الافتراض فإنه لا يمكن رجوع ذلك القول إلى الشكل الأول- مثل الضرب الرابع من الشكل الثاني الذي ينتج السالب الجزئي فليس يمكن رجوعه إلى الصنف من الشكل الأول الذي ينتج السالب الجزئي. ولذلك ما نرى أن ما كان من سالب كلي فيمكن فيه أن يحل القول المنتج له إلى الشكل الثاني وإلى الشكل الأول. وأما السالب الجزئي الذي ينتج في الشكل الثاني وفي الثالث فليس يرجع منه شيء إلى الشكل الأول، ولا ما كان في الشكل الأول منه يرجع إلى هذين إلا في التي لا يبين إنتاجها بالافتراض. وأما التي يبين إنتاجها بالافتراض في الشكلين فلا يمكن ذلك فيها. وأما رجوع ما كان في الشكل الثاني إلى الثالث- أعني من التي تنتج السالب- ورجوع ما كان من ذلك في الثالث إلى الثاني فإنما يمكن ذلك في الأصناف التي يمكن فيها عكس المقدمتين معا. وذلك يكون متى كانت المقدمة السالبة كلية- أعني أن كل واحد منهما يرجع إلى صاحبه- لأن السالبة الكلية تنعكس والموجبة الجزئية تنعكس. وأما متى كانت السالبة في الشكل الثاني جزئية فإن الجزئية السالبة لا تنعكس والكلية أيضا إن انعكست تكون جزئية. وكذلك التي في الشكل الثالث إذا كانت السالبة هي الكلية أمكن رجوع مقدماتها إلى الشكل الأول، لأن السالبة الكلية تنعكس والموجبة تنعكس جزئية كانت كلية أو جزئية. وإن كانت السالبة هي الجزئية فإن القياس لا ينحل إلى الشكل الثاني، لأن السالبة الجزئية لا تنعكس. فقد تبين من هذا القول أي أصناف القياسات التي تشترك في مطلوب واحد من الأجناس الثلاثة من أجناس القياس يمكن فيها أن يحل بعضها إلى بعض وأيها لا يمكن ذلك فيها. وقد يوقع خدعة في القياس أن يظن بالقضية المعدولة أنها والسالبة قضية واحدة بعينها، وذلك أنه يعرض من ذلك أحد أمرين. إما أن يظن بالمنتج أنه غير منتج، وذلك إذا وقعت القضية المعدولة في الموضع الذي إذا وقعت فيه السالبة يمنع القياس أن يكون قياسا وظن بالمعدولة أنها سالبة فإنه يظن فيما هو قياس أنه ليس بقياس. وأما أن يظن بالنتيجة المعدولة أنها سالبة وهي في الحقيقة معدولة، وذلك إذا وقعت المقدمة المعدولة التي ظن بها أنها سالبة في موضع لا يمنع القياس أن يكون منتجا.

стр. 59

والذي يرفع هذه الخدعة أن يعلم أن قولنا في الشيء أنه لا أبيض وأنه ليس بأبيض ليس يدلان منه على معنى واحد، وأنه ليس سالبة قولنا زيد أبيض قولنا زيد لا أبيض بل قولنا زيد ليس بأبيض. وذلك أن نسبة قولنا زيد أبيض إلى قولنا زيد لا أبيض هي نسبة قولنا زيد يمكن أن يمشي إلى قولنا زيد يمكن أن لا يمشي، ونسبة قولنا زيد يوجد أبيض إلى قولنا زيد ليس يوجد أبيض هي نسبة قولنا زيد يمكن أن يمشي إلى قولنا زيد ليس يمكن أن يمشي. فكما أن الممكنين قضيتان موجبتان- على ما تبين في الكتاب المتقدم- كذلك قولنا زيد أبيض، زيد لا أبيض. فإن كان قولنا زيد لا أبيض بمنزلة قولنا زيد ليس بأبيض، فيجب أن يكون كل شيء أما أبيض وأما لا أبيض كما يجب أن يكون كل شيء إما أبيض وإما ليس بأبيض. وهو بين أن الأشياء المعدومة وكثرة من الأشياء الموجودة لا يصدق عليها أنها بيض ولا أنها لا بيض، وأما أنها بيض أو ليست بيض فيصدق على جميع الأشياء. وأيضا لو كان قولنا زيد هو قادر أن لا يمشي بمنزلة قولنا زيد ليس هو قادر أن يمشي، لكان الإيجاب والسلب يجتمعان في شيء واحد بعينه لأنه كما أن قولنا في زيد أنه قادر أن يمشي وأن لا يمشي يصدقان معا كذلك كان يجب أن يكون قولنا فيه إنه قادر وإنه ليس بقادر- أعني لو كان معنى السلب في ذلك هو معنى العدل. وبين أن قولنا قادر وليس بقادر لا يجتمعان معا في شيء واحد بعينه. فالقضية المعدولة تفارق السلب، أما حينا فبأنها توجد هي ومقابلتها معا في شيء واحد، وأما حينا فبأنها قد يخلو الموضوع من كل واحد منهما. وأما القضية السالبة والموجبة فيخصهما أنهما لا يجتمعان في شيء واحد ولا يخلو من أحدهما شيء من الأشياء. ولذلك كان قولنا في سقراط أنه عادل ولا عادل كاذبين معا إذا كان سقراط ميتا، وقولنا أنه عادل أو ليس بعادل يقتسمان الصدق والكذب- أعني أنه ليس يخلو سقراط من أن يوصف بواحد منهما كان ميتا أو حيا. وكذلك قولنا في زيد إنه يقدر أن يمشي ويقدر أن لا يمشي المتقابلان صادقان معا فيه، وقولنا فيه إنه يقدر أن يمشي ليس يقدر أن يمشي أحدهما صادق والآخر كاذب. وإذا كانت القضايا المعدولة موجبات فلها سوالب. وإذا قيست القضايا البسيطة والمعدولة الموجبات فيها والسوالب ظهر لبعضها إلى بعض نسبتان- نسبة تقابل ونسبة لزوم.

стр. 60

فلنفرض بدل الموجبة البسيطة- وهي قولنا زيد خير- حرف اَ وبدل سالبتها- وهي قولنا زيد ليس بخير- حرف الباء، وبدل الموجبة المعدولة- وهي قولنا زيد لا خير- حرف الدال، وبدل سالبتها- وهي قولنا زيد ليس هو لا خير- حرف جيم، ولنضع تحت الألف جَ وتحت الباء دَ فكل شيء إما أن يوجد اَ وإما بَ، وليس يمكن أن يجتمعا في شيء واحد إذا كانت إحداهما موجبة والثانية سالبة. وكذلك حال جَ مع دَ، إذ كانت إحداهما أيضا موجبة والأخرى سالبة. وهو بين أيضا أن كل ما يوجد فيه دَ فبالضرورة يوجد في كله بَ، لأنه إن كان قولنا في زيد إنه لا خير صدقا فواجب أن يكون قولنا فيه إنه ليس بخير أيضا صدقا، لأنه واجب أن يصدق عليه قولنا إنه خير أو إنه ليس بخير. وإذا كذب عليه أنه خير فواجب أن يصدق عليه أنه ليس بخير، فإذن كل ما يوجد فيه دَ يوجد فيه بَ فبَ لاحقه لدَ وموجودة حيث وجدت. وليس ينعكس هذا حتى تكون دَ موجودة في كل ما يوجد فيه بَ، لأنه إذا كان زيد معدوما صدق عليه أنه ليس بخير ولم يصدق عليه أنه لا خير. فهذه حال دَ مع بَ في اللزوم. وأما حال اَ مع جَ فبعكس هذا- أعني أن جَ لاحقه للألف وموجودة حيث وجدت. وليس ينعكس ذلك حتى تكون اَ لاحقة لجَ وموجودة حيث وجدت، لأن ما يصدق عليه قولنا إنه خير يصدق عليه إنه ليس لا خير لأنه إما أن يصدق عليه قولنا إنه ليس لا خيرا أو إنه لا خير. وليس ينعكس هذا حتى يكون ما يصدق عليه قولنا إنه ليس لا خير يصدق عليه قولنا إنه خير، فإن زيدا المعدوم يصدق عليه قولنا ليس لا خير إذ كان لا بد أن يصدق عليه قولنا إنه لا خير أو إنه ليس لا خير لأن هذين القولين أحدهما موجب والآخر سالب، وليس يخلو من أحدهما شيء ولا يجتمعان في شيء واحد. وإذا كان هذا هكذا فبين أنه ليس يمكن في جَ- وهي السالبة المعدولة- وفي دَ- وهي الموجبة المعدولة أن يجتمعا في شيء واحد، لأن ما يصدق عليه اَ يصدق عليه جَ وما صدق عليه جيم كذب عليه دَ إذ إحداهما موجبة والأخرى سالبة. وأما جيم- وهي السالبة المعدولة- وبَ- وهي السالبة البسيطة- فقد يجتمعان في شيء واحد، لأنه ليس يلزم وجود دَ فيما توجد بَ وإنما الأمر بالعكس- أعني أن بَ توجد فيما يوجد فيه دَ. وقد يتوهم أن اَ- وهي الموجبة البسيطة ودَ- وهي الموجبة المعدولة- متقابلتان، وذلك أنه لما كنا وضعنا أن دَ متى كانت موجودة أن بَ موجودة وبَ واَ متقابلتان- أي متى وجد أحدهما ارتفع الآخر وليس يخلو من أحدهما شيء من الأشياء- فإذن دَ واَ بهذه الصفة. لكن لو كان دَ واَ متقابلتان على جهة السلب والإيجاب للزم متى وجد بَ أن يؤخذ دَ، وذلك كذب وخلاف ما بين لأنه كان واجبا أن يصدق على بَ دَ إذ كان كاذبا عليه اَ. وقد يمكن متى وضعنا أن جَ لازمة للألف وأن اَ ليس يلزم جَ أن يبين من ذلك أن بَ لاحقة لدَ وأن ذلك غير منعكس وأنه لا يمكن أن يجتمع دَ واَ ويمكن أن يجتمع جَ وبَ، وذلك أنه إذا كان هذا هكذا فبين أنه ليس يمكن في اَ ودَ أن يجتمعا في شيء واحد لأن بَ محصورة في دَ وحيث وجدت بَ فليس يوجد اَ لأن إحداهما موجبة والأخرى سالبة. وأما جَ وبَ فقد يمكن أن يجتمعا في شيء واحد، لأنه ليس اَ محصورة في جَ فقد توجد جَ حيث لا توجد اَ. وإذا كان كل شيء إما أن يوجد فيه اَ وإما بَ فقد يوجد جَ مرة في اَ وتارة في بَ. وقد يمكن أن يبين ببرهان آخر أنه متى كانت جَ لاحقة للألف أن بَ لاحقة لدَ وأن دَ واَ لا يمكن أن يجتمعا معا وأن بَ وجَ قد يمكن أن يجتمعا وذلك أنه إذا كانت جَ محصورة في اَ وكان كل شيء إما أن يصدق عليه دَ أو جَ فواجب أن يكون صادقا منها على بَ دَ دون جَ، لأن جَ محصورة في مقابل بَ الذي هو اَ. فإذن متى كانت جَ محصورة في اَ فإن بَ محصورة في دَ. وإذا كانت جَ محصورة في اَ وبَ محصورة في دَ فبين أن دَ واَ ليس يمكن أن يجتمعا في شيء واحد وأنه يمكن ذلك في جَ وبَ. وهذا الذي يعرض في القضايا الشخصية المعدولة والبسيطة يعرض مثله في العدمية مع البسيطة. وكما أنه ليس سالبة البسيطة الشخصية الموجبة الشخصية المعدولة الموجبة، كذلك ليس سالبة الموجبة الكلية البسيطة الموجبة الكلية المعدولة.

стр. 61

(٢٣٩ بَ) وقد يمكن أن يغلط في هذا الترتيب حتى نظن أن اَ متى كانت موجودة- أعني الموجبة البسيطة- أن السالبة المعدولة موجودة وأنه متى كانت السالبة المعدولة موجودة أن الموجبة البسيطة موجودة. وكذلك الأمر في السالبة البسيطة مع المعدولة. وذلك إنما يعرض متى غلطنا فظننا أن المعدولة سالبة- مثل أن يظن فيما هو خير أنه مقابل ما هو لا خير على جهة الإيجاب والسلب لا على جهة العدل- وذلك أنه متى أخذنا اَ وبَ موجبة وسالبة وأخذنا أيضا اَ ودَ المعدولة موجبة وسالبة عرض ضرورة أن يكون متى وجدت اَ وجدت جَ ومتى وجدت جَ وجدت اَ وكذلك متى وجدت بَ وجدت دَ ومتى وجدت دَ وجدت بَ، وذلك خلاف الترتيب الذي تبين. فأما كيف يعرض ذلك فلانه إذا وضعنا أن اَ وبَ يقتسمان الصدق والكذب على جميع الموجودات ووضعنا أن اَ ودَ- وهي المعدولة- هي بهذه الصفة لزم ضرورة متى وجدنا بَ أن توجد دَ ومتى وجدنا دَ أن توجد بَ، لأن اَ وبَ واَ ودَ لما كانا يقتسمان الصدق والكذب على جميع الموجودات لزم متى كذبت اَ أن تصدق بَ ودَ لأن اَ وبَ متقابلان على جهة الإيجاب والسلب وكذلك اَ ودَ. فإذن متى وجدت بَ وجدت دَ ومتى وجدت دَ وجدت بَ، وكذلك يلزم في اَ مع جَ. وهذا اللزوم المظنون من هذه الأربعة حدود- التي هي اَ وجَ وبَ ودَ- ليس هو في الوجود فقط بل في الوجود والارتفاع- أعني أنهما متلازمان في الوجود والارتفاع- وذلك خلاف ما تبين. والسبب في هذا الغلط أن ظن بالمعدولة أنها سالبة تقتسم الصدق والكذب. وإذن تقرر أن الموجبة البسيطة ليست كالموجبة المعدولة. مثال ذلك أنه ليس سلب قولنا كل إنسان أبيض قولنا كل إنسان لا أبيض، بل قولنا ليس كل إنسان أبيض. والعلة في ذلك هي العلة التي ذكرنا، وذلك أن قولنا كل إنسان أبيض وكل إنسان لا أبيض يكذبان معا وليس يوجد أحدهما بالضرورة في أي شيء كان من الأشياء كالحال في قولنا كل إنسان أبيض، ليس كل إنسان بأبيض. فإذن القياس الذي ينتج به قولنا كل إنسان لا أبيض هو غير القياس الذي ينتج به أنه ولا إنسان واحد أبيض، وذلك أن قولنا كل إنسان لا أبيض هي كلية موجبة وقد تبين أنها لا تنتج إلا في الشكل الأول. وقولنا ولا إنسان واحد أبيض هي سالبة كلية وهي تنتج في الأول والثاني، وذلك في صنف واحد من الأول وفي صنفين من الثاني، فهي تنتج في ثلاثة أصناف من المقاييس. وكذلك متى كانت المقدمة الصغرى في الشكل الأول معدولة، فليس ينبغي أن يظن به أنه غير منتج كحالها إذا كانت سالبة ولا متى كانت المقدمتان معدولتين كحالها إذا كانتا سالبتين. والمقدمة المعدولة تميز من السالبة بأن حرف العدل هو جزء من المقدمة، ولذلك يدخل أيضا عليه حرف السلب. وليس حرف السلب جزءا من المقدمة، ولذلك محمول الموجبة وموضوعها هو بعينه محمول السالبة وموضوعها. وهنا انقضت المعاني التي تضمنتها هذه المقالة. بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله المقالة الثانية الفصل الأول المقاييس التي تنتج نتائج كلية

стр. 62

قال: وإذ قد بينا في كم شكل تكون الأقاويل القياسية وبأي صنف من أصناف المقدمات تكون- وهي المقدمات التي فيها معنى المقول على الكل- وبكم مقدمة تكون وأنهما إثنتان ومتى يكون منهما قياس ومتى لا يكون- وذلك إذا لم يلف بينهما حد مشترك- وقلنا في كيفية شكل شكل من الأشكال الثلاثة- الذي هو ترتيب الحد الأوسط بين الطرفين- وقلنا مع ذلك أي شكل من الأشكال نلتمسه في مطلوب مطلوب من المطالب الأربعة- أعني الموجب الكلي والسالب الكلي والموجب الجزئي والسالب الجزئي- وأخبرنا بعد ذلك عن كيفية البحث عن المطلوب على الإطلاق وفي أي صناعة كانت وبأي سبيل نأخذ مقدمات القياس ونعملها وكيف نحل كل قول قياسي إلى القياس الذي تركب منه، فنقول الآن إنه لما كانت المقاييس منها ما ينتج نتائج كلية ومنها ما ينتج نتائج جزئية فإن المقاييس التي تنتج نتائج كلية قد يلحقها ويعرض لها أن تنتج سوى النتيجة الأولى نتائج كثيرة. وأما المقاييس التي تنتج نتائج جزئية فإن التي تنتج منها الموجبة الجزئية قد يعرض لها أن تنتج مع النتيجة الأولى نتائج كثيرة- وأما التي تنتج سالبة جزئية فليس تنتج غير النتيجة الأولى. والسبب في ذلك أن النتائج الكلية والجزئية الموجبة تنعكس والسالبة الجزئية ليس تنعكس. والقياس الذي ينتج نتيجة كلية موجبة يعرض له أن ينتج الجزئية المنطوية تحت تلك الكلية والجزئية والتي تنعكس إليها الكلية الموجبة، والذي ينتج سالبة كلية يعرض له أن ينتج عكسها والسالبة الجزئية المنطوية تحتها، والذي ينتج الموجبة الجزئية يعرض له أن ينتج عكسها. وأما الذي ينتج السالبة الجزئية فليس يعرض له أن ينتج غيرها، إذ كانت غير منعكسة ولا محيطة بغيرها، فمن هذه الجهة يعرض للقياس الواحد بعينه أن ينتج أكثر من نتيجة واحدة إلا أن الذي ينتج بالذات وأولا هي واحدة، وسائر ما ينتجه من جهة أنه يلحق النتيجة الأولى وبوساطتها فكأنها نتائج بالعرض. ولذلك لم يعدد أمثال هذه في نتائج المقاييس في المقالة الأولى، وغلط في ذلك قدماء المفسرين فعددوها. وقد يمكن أن يظن أنه قد يكون عن القياس الواحد يعينه نتيجة أكثر من واحدة على جهة أخرى، إلا أن ذلك في الظن لا في الحقيقة. وذلك أما في الشكل الأول فإنه يعرض ذلك على وجهين. أحدهما متى بينا أن محمولا ما يوجد لموضوع ما وكان ظاهرا عندنا أن شيئا ما لموضوع المطلوب، فقد يظن أنه إذا تبين أن محمول المطلوب موجود في موضوعه أنه قد تبين مع ذلك أنه موجود في موضوع الموضوع. مثال ذلك أن يكون المطلوب هل العالم الثالث محدث، فإنه إذا تبين لنا أن العالم محدث تبين لنا أن السماء محدثة، وذلك أنه ظاهر بنفسه أن السماء جزء من أجزاء العالم. فهذا أحد ما يظن به أنه قد يكون عن قياس واحد بهذه الجهة أكثر من نتيجة واحدة. وليس ذلك حقيقيا، فإن قولنا السماء محدثة في هذا المثال إنما أنتج بمقدمتين إحداهما أن السماء جزء من أجزاء العالم والثانية أن جميع أجزاء العالم محدث فيلزم عن ذلك أن السماء محدثة. والوجه الآخر أنه متى بينا أن شيئا ما موجود لموضوع بمقدمتين وكان ظاهرا بنفسه أن الحد الأوسط في مقدمتين منطو تحته موضوع آخر مع موضوع المطلوب، فقد يظن أنه ينتج عن ذلك نتائج أكثر من واحدة إحداها النتيجة المطلوبة والأخرى التي موضوعها منطو تحت الحد الأوسط مع موضوع المطلوب. مثال ذلك إن تبين أن العالم محدث بمقدمتين إحداهما أن العالم محدث مؤلف والثانية أن المؤلف محدث. فإنه قد يظن أنه ينتج لنا من هاتين المقدمتين نتيجتان إحداهما أن العالم محدث والثانية أن الجسم محدث، لأنه ظاهر بنفسه أن الجسم منطو تحت المؤلف على مثال انطواء العالم تحته. وأكثر ما يعرض هذا إذا كانت الكبرى بينة عن قياس. وهما في الحقيقة قياسان يشتركان في المقدمة الكبرى ويفترقان في الصغرى. وهذا بعينه يعرض في الشكل الأول الذي ينتج السوالب الكلية، كما يعرض في الذي ينتج الموجبة الكلية.

стр. 63

وأما الذي ينتج الجزئية فليس يعرض فيه الصنف من النتائج الذي يكون من قبل انطواء موضوعها تحت موضوع النتيجة لكون النتيجة جزئية ويعرض فيه الصنف الثاني لكون المقدمة الكبرى كلية في جميع أصناف المقاييس في هذا الشكل الكلية والجزئية. وأما الشكل الثاني فإنه يعرض في الأصناف الكلية منه أن يظن به أنه ينتج نتيجة وما هو منطو تحت موضوع النتيجة لقرب ذلك في بادئ الرأي. وفي الحقيقة إنما هي نتيجة قياس في الشكل الأول- أعني وجود الطرف الأعظم لموضوع موضوعه. وليس يظن فيه أنه ينتج مع نتيجة ما هو موضوع للحد الأوسط، لأن ذلك إن أنتج فإنما ينتج بترتيب الشكل الثاني والفكرة لا تقع بالطبع على شعور الإنتاج في الشكل الثاني كوقوعها على ذلك في الشكل الأول. فلذلك يظهر أن وجود الطرف الأعظم لما هو موضوع للحد الأوسط في الشكل الثاني هو بقياس ثان. وليس يظن به أنه ينتج بالقياس الأول، بخلاف ما هو موضوع لموضوع النتيجة. مثال ذلك قولنا الجسم السماوي ليس بمحدث والجسم المركب محدث، فإنه يلزم عن هذا القياس إن الجسم السماوي ليس بمركب وأن فلك الكواكب الثابتة غير مركب، إذ كان انطواؤه تحت الجسم السماوي ظاهرا بنفسه. وأما أن يظن أنه يلزم عن هذا القياس وجود الطرف الأعظم لما هو موضوع للحد الأوسط فيه- مثل أن يكون بينا بنفسه أن الأسطقسات ليست بمحدثة- فإنه ليس يلزم عن ذلك أن الأسطقسات ليست بمركبة إلا بقياس هو غير القياس الذي لزم به أن الجسم السماوي ليس بمركب، وذلك في الحقيقة وفي بادئ الرأي. وكذلك الحال في الشكل الثالث- أعني أنه ليس يظن به أنه ينتج مع نتيجته إلا وجود الطرف الأكبر لما هو موضوع للطرف الأصغر فقط، لا لما هو موضوع للحد الأوسط. ولذلك ليس يظن بالمقاييس الجزئية منها أنها تنتج غير نتيجتها، إذ موضوع المطلوب فيه جزئي. الفصل الثاني في أنه قد يمكن أن يكون من المقدمات الكاذبة نتيجة صادقة ومتى يكون ذلك وكيف والمقدمتان اللتان يكون منهما القياس قد تكونان معا صادقتين وقد تكونان معا كاذبتين وقد تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة. والكاذبة ربما كانت كاذبة بالكل- وهي التي يصدق ضدها- وربما كانت كاذبة بالجزء، وأما النتيجة فتكون إما صادقة باضطرار وإما كاذبة. فأما المقدمتان الصادقتان أو المقدمات الصادقة فليس يمكن أن يكون عنهما نتيجة كاذبة. وأما المقدمات الكاذبة فقد يمكن أن يكون عنهما نتيجة صادقة، لكن ليس يعرض ذلك من قبل المقدمات بل ذلك لعلة أخرى ستبين بعد. فأما أنه لا يمكن أن يكون عن مقدمات صادقة نتيجة كاذبة فذلك يبين على هذا الوجه لنأخذ بدل المقدمتين الصادقتين اَ ونأخذ بدل النتيجة بَ وهو بين من حد القياس أنه إذا وضعت اَ موجودة أن بَ تكون موجودة لأن الف تكون بمنزلة المقدم في القياس الشرطي المتصل وبَ بمنزلة التالي. وهو بين أنه إذا وجد المقدم وجد التالي وأنه إذا ارتفع التالي ارتفع المقدم وإلا لزم أن يوجد المقدم دون وجود التالي، وقد فرض أنه إذا وجد التالي فيلزم أن يكون التالي موجودا وغير موجود معا، هذا خلف لا يمكن. فإذن إن كانت ألف صادقة فباضطرار أن تكون بَ صادقة لأنه إن كانت غير صادقة عرض أن تكون بَ غير موجودة واَ موجودة، وقد تبين استحالة ذلك. واَ ليس ينبغي أن يتوهم هنا شيئا واحدا وإنما أخذت بدل المقدمتين الصادقتين التي نسبة إحداهما إلى الأخرى كنسبة الكل إلى الجزء، وذلك أنه إذا كان قولنا اَ مقولة على كل بَ صادقا وبَ مقولة على كل جَ صادقا أيضا فباضطرار أن يكون قولنا اَ مقولة على كل جَ صادقا أيضا وإلا عرض أن يكون الصادق غير صادق، ولما كان ليس يلزم من ارتفاع المقدم ارتفاع التالي لم يلزم إذا كانت اَ كاذبة أن تكون بَ- التي هي النتيجة- كاذبة، لأن لزوم النتيجة عن القياس ليس لزوما متكافئا- أعني منعكسا. وهذا البرهان بعينه هو عام للقياس الذي ينتج السالب أو الموجب- أعني أنه لا يمكن أن يكون فيه من مقدمات صادقة نتيجة كاذبة.

стр. 64

وأما إذا كانت المقدمتان في القياس كذبا فقد يمكن أن يكون عنهما نتيجة صادقة، إلا أنه ليس يعرض ذلك من أيهما اتفق أن تكون الكاذبة ولا بأي نوع اتفق من نوعي الكذب- أعني الكلي والجزئي ولكن متى أخذت الكبرى وحدها كاذبة بالكلية، فإنه ليس يكون عن القياس الذي هذا شأنه نتيجة صادقة أصلا. وأما متى أخذت كاذبة بالجزء أو أخذت كلتا المقدمتين كاذبة أو أخذت الصغرى كاذبة فقط، فقد يمكن أن تكون عنهما نتيجة صادقة. القول في الشكل الأول فلتكن أولا المقدمتان كاذبتين بالكلية. فأقول إنه يظهر من المواد أنها تنتج نتيجة صادقة. وذلك أنه ليس يمنع مانع من أن تكون مثلا اَ- التي هي الطرف الأعظم- محمولة حمل صدق على جَ- التي هي الطرف الأصغر- وتكون اَ غير موجودة لبَ أيضا- التي هي الحد الأوسط- غير موجودة لجَ- الذي هو الطرف الأصغر. فإذا أخذ أن اَ محمولة على كل بَ وبَ محمولة على كل جَ، كانت المقدمتان كاذبتين وكانت النتيجة صادقة- وهي أن اَ محمولة على كل جَ. مثال ذلك قولنا كل إنسان حجر وكل حجر حيوان فكل إنسان حيوان، فهاتان المقدمتان كاذبتان بالكلية ونتيجة صادقة ومثال هذا بعينه يعرض في القياس الكلي الذي ينتج السالب في الشكل الأول، لأنه قد يجوز أن تكون اَ غير موجودة لشيء من جَ- الذي هو الطرف الأصغر وتكون اَ موجودة لبَ- الذي هو الأوسط- وبَ غير موجودة لجَ فإذا أخذ أن اَ غير موجودة لشيء من بَ وبَ موجودة لكل جَ كانتا كاذبتين، إلا أنه ينتج أن اَ غير موجودة لجَ- وهو صدق. مثال ذلك قولنا كل إنسان حجر ولا حجر واحد صنم، قولا إنسان واحد صنم. وكذلك يبين متى أخذت المقدمتان كلتاهما كاذبتين بالجزء. فإن كانت المقدمة الواحدة كذبا وكانت المقدمة العظمى وكانت كاذبة بالكل، فأقول أن النتيجة لا تكون صدقا. وبيان ذلك أن تكون اَ غير موجودة في شيء من بَ وبَ موجودة في كل جَ، فإنا إن أخذنا أن اَ موجودة في كل بَ- وذلك كذب- وأخذنا أن بَ موجودة في كل جَ- وهو صدق- فمحال أن تكون اَ موجودة في كل جَ- أعني أن يكون قولنا اَ في كل جَ صدقا. وذلك أنه قد كان الصادق أن اَ ليست توجد في شيء مما هو موضوع لبَ وجَ موضوعا لبَ، فإذن ليس يمكن أن يكون حمل اَ على جض صادقا. وذلك بين بنفسه من معنى المقول على الكل، وسواء كانت المقدمة الكبرى إذا أخذت كاذبة بالكل سالبة أو موجبة. وأما إذا كانت المقدمة الكبرى كاذبة بالجزء فقد تكون النتيجة صادقة، لأنه يمكن أن تكون اَ موجودة في كل جَ وفي بعض بَ وتكون بَ في كل جَ. فإذا أخذت اَ محمولة على كل بَ وبَ على كل جَ، كان حمل اَ على كل بَ كاذبا بالجزء وحمل بَ على جَ صادق بالكل، والنتيجة صادقة بالكل. مثال ذلك قولنا كل ققنس أبيض وكل أبيض حي، فكل ققنس حي، والنتيجة صادقة، والكبرى كاذبة بالجزء- وهي قولنا كل أبيض حي. وكذلك يعرض متى كانت المقدمة الكبرى سالبة- أعني الكلية- وأخذت كاذبة بالجزء. مثال ذلك كل ثلج أبيض ولا أبيض واحد حي، والنتيجة ولا ثلج واحد حي، وهي صدق

стр. 65

فإن أخذت المقدمة الصغرى كلها كاذبة والكبرى كلها صادقة فإن النتيجة قد تكون صدقا، لأنه ليس شيء يمنع أن تكون اَ موجودة في كل واحدة من بَ وجَ وتكون بَ غير موجودة في شيء من جَ. فإن أخذت اَ موجودة في كل بَ وبَ موجودة في كل جَ، ينتج أن اَ موجودة في كل جَ- وهي صدق- والصغرى كاذبة- وهي قولنا بَ موجودة في كل جَ. وهذا يعرض في النوعين اللذين تحت جنس واحد- أعني أن الجنس يحمل عليهما جميعا ولا يحمل أحدهما على الثاني. فمتى أخذ أن الجنس موجود في أحدهما بوجوده في الثاني ووجود الثاني في الذي أخذ أن الجنس فيه أولا موجود، فقد أخذت نتيجة صدق من مقدمتين كبراهما صدق وصغراهما كاذبة بالكلية. مثال ذلك قولنا كل إنسان فرس وكل فرس حي، فكل إنسان حي. وكذلك يعرض متى كانت المقدمة الكبرى سالبة، وهذا يعرض في الجنس مع الأنواع التي تحت جنس آخر أعني أن يكون الجنس مساويا عن كل واحد من النوعين وكل واحد من النوعين مسلوب عن صاحبه، فإذا أخذ أحدهما موجودا في الثاني وأخذ الجنس غير موجود فيه، أنتج أن الجنس مسلوب عن الذي أخذ عنه مسلوبا من أجل سلبه عن الثاني. مثال ذلك قولنا كل موسيقى طب ولا طب واحد حيوان فولا موسيقى واحدة حيوان، وهو حق من مقدمتين صغراهما كاذبة بالكل وكبراهما صادقة. وكذلك إن كانت المقدمة الصغرى كاذبة بالجزء فإن النتيجة أيضا قد تكون صادقة، لأنه قد يمكن أن تكون اَ موجودة في كل واحد من بَ وجَ وتكون بَ موجودة في بعض جَ، أو تكون اَ غير موجودة في شيء من بَ وجَ وتكون بَ أيضا موجودة في بعض جَ. فإذا أخذ أن بَ موجودة في كل جَ واَ موجودة في كل بَ، أنتج أن اَ موجودة في كل جَ، وتلك نتيجة صادقة من مقدمتين كبراهما صادقة بالكل والأخرى كاذبة بالجزء. وهذا يعرض للجنس الذي يوجد في النوع وفي الفصل- كالحي فإنه موجود في كل إنسان وفي كل مشاء، والإنسان موجود في بعض المشاء لا في كله. فإذا قيل كل مشاء إنسان وكل إنسان حي، لزم عن ذلك نتيجة صادقة، وهو أن كل مشاء حي. ويعرض أن تكون اَ غير موجودة في شيء من جَ وبَ وبَ في بعض جَ، كالحال في الجنس مع الفصل والنوع الذي تحت جنس آخر- كالنبات فإنه ليس في شيء من الإنسان ولا في شيء من المتخيل، وبعض المتخيل إنسان، فإذا قلنا كل متخيل إنسان ولا إنسان واحد نبات، أنتج لنا ولا متخيل واحد نبات. فهذا ما يعرض للنتيجة مع المقدمات الكاذبة في الصنفين الكليين من الشكل الأول. وأما في الصنفين الجزئيين منه فقد يمكن إذا كانت المقدمة الكبرى كلها كذبا والأخرى كلها صدقا أن تكون النتيجة صادقة، وذلك خلاف ما عرض للأصناف الكلية من هذا الشكل. وقد يمكن ذلك أيضا إذا كانت كاذبة بالجزء أو كانت كلتاهما كاذبتين إما بالكل وإما بالجزء. أما كون النتيجة صادقة مع أن الكبرى كاذبة بالكل فذلك ممكن لأنه ليس يمتنع أن تكون اَ غير موجودة في بَ وموجودة في بعض جَ وتكون بَ موجودة في بعض جَ- كالحي فإنه غير موجود في شيء من الثلج وموجود في بعض الأبيض، والثلج موجود في بعض الأبيض، فإذا قيل بعض الأبيض ثلج وكل ثلج حي، أنتج أن بعض الأبيض حي، وذلك نتيجة صادقة عن مقدمتين كبراهما كاذبة بالكل وصغراهما صادقة. وكذلك يعرض إذا كانت المقدمة الكبرى سالبة، فإنه يمكن أن تكون اَ موجودة في كل بَ وغير موجودة في بعض جَ وتكون بَ موجودة في بعض جَ- مثل الحي فإنه موجود في كل إنسان وغير موجود في بعض الأبيض، وأما الإنسان فموجود في بعض الأبيض، فإذا قيل الأبيض إنسان ولا إنسان واحد حي أنتج أن بعض الأبيض ليس بحي، وتلك نتيجة صادقة عن مقدمتين كبراهما كاذبة بالكل وصغراهما صادقة. وكذلك يعرض إن كانت المقدمة الكبرى كاذبة بالجزء، لأنه ليس يمنع مانع أن تكون اَ في بعض بَ وفي بعض جَ وتكون بَ موجودة في بعض جَ. مثال ذلك الحي فإنه موجود في بعض الجيد وفي بعض الكبير، والجيد في بعض الكبير. فإذا قيل بعض الكبير جيد وكل جيد حي، أنتج أن بعض الكبير حي، وهي نتيجة صادقة عن مقدمتين كبراهما كاذبة بالجزء وصغراهما صادقة. وكذلك يعرض إذا كانت المقدمة الكبرى سالبة، وذلك بين بهذه الحدود بعينها بأن نقول بعض الكبير جيد ولا جيد واحد حي، فينتج لنا بعض الكبير ليس بحي، وذلك صدق عن مقدمتين كبراهما كاذبة بالجزء وصغراهما صادقة.

стр. 66

وكذلك إن كانت الكاذبة هي المقدمة الصغرى فقد يكون عن ذلك نتيجة صادقة، لأنه يمكن أن تكون اَ موجودة في كل بَ وموجودة في بعض جَ وتكون بَ غير موجودة في شيء من جَ. مثال ذلك الحي فإنه موجود في كل ققنس وفي بعض الأسود، والققنس غير موجود في شيء من الأسود. فإذا قيل بعض الأسود ققنس وكل ققنس حي، أنتج أن بعض الأسود حي، وذلك صدق عن مقدمتين صغراهما كاذبة وكبراهما صادقة. وكذلك يعرض إذا كانت الكبرى سالبة، لأنه قد يمكن أن تكون اَ غير موجودة في شيء من بَ وغير موجودة في بعض جَ وتكون بَ غير موجودة في شيء من جَ- مثل الجنس ينسب إلى نوع من جنس آخر وإلى العرض الموجود في أنواع ذلك الجنس المنسوب. مثال ذلك الحي فإنه غير موجود في شيء من العدد وغير موجود في بعض الأبيض، والعدد غير موجود في شيء من الأبيض. فإذا قيل بعض الأبيض عدد ولا عدد واحد حي، أنتج أن بعض الأبيض ليس بحي. وتلك نتيجة صادقة عن مقدمتين كبراهما صادقة وصغراهما كاذبة. وكذلك يعرض أن تكون النتيجة صادقة وإن كانت المقدمة الكبرى كاذبة بالجزء والصغرى كاذبة بالكل، لأنه يمكن أن تكون اَ موجودة في بعض بَ وفي بعض جَ وتكون بَ غير موجودة في شيء من جَ. وذلك يعرض إذا كانت بّ ضدا لجَ وكانا جميعا عرضين في جنس واحد- مثل الحي فإنه في بعض الأبيض وفي بعض الأسود، والأبيض غير موجود في شيء من الأسود. فإذا قيل بعض الأبيض أسود وكل أسود حي، أنتج أن بعض الأبيض حي. وتلك نتيجة صادقة عن مقدمتين كاذبتين كبراهما كاذبة بالجزء. وكذلك يعرض إن كانت المقدمة الكبرى سالبة، وذلك يبين من هذه الحدود بعينها. وذلك أنه إذا أخذ بعض الأبيض أسود ولا أسود واحد حي، أنتج أن بعض الأبيض ليس بحي، وذلك صدق. وكذلك إذا كانت المقدمتان كاذبتين وكانت الكبرى كاذبة بالكل فقد يعرض أن تكون النتيجة صادقة، لأنه قد يمكن أن تكون اَ غير موجودة في شيء من بَ وموجودة في بعض جَ وتكون بَ غير موجودة في شيء من جَ مثل الجنس فإنه غير موجود في النوع الذي من جنس آخر وهو موجود في العرض الذي يوجد لأنواعه، وذلك العرض غير موجود في النوع. مثال ذلك قولنا بعض الأبيض عدد وكل عدد حي، فبعض الأبيض حي، وذلك نتيجة صادقة عن مقدمتين كاذبتين. وكذلك يعرض إذا كانت المقدمة الكبرى سالبة. مثال ذلك قولنا بعض الأسود ققنس ولا ققنس واحد حي، فإنه ينتج أن بعض الأسود ليس بحي، وذلك صدق عن مقدمتين كاذبتين. فهذه هي أصناف ما ينتج في الشكل الأول من مقدمات كاذبة نتيجة صادقة. القول في الشكل الثاني قال: وأما في الشكل الثاني فقد يمكن أن تكون نتيجة صادقة عن مقدمات كاذبة، كانت كل واحدة من المقدمتين كاذبة وذلك إما بالكل وإما بالجزء وإما إحداهما بالكل والأخرى بالجزء، أو كانت إحداهما كاذبة والأخرى صادقة كانت الكاذبة بالكل أو كانت بالجزء، وذلك يكون فيه في القياسات التي تنتج الكلي والجزئي. وذلك أنه قد تكون بَ مثلا- التي هي الحد الأوسط- غير موجود في شيء من اَ- الذي هو الطرف الأعظم- وموجودة في كل جَ- الذي هو الطرف الأصغر- فتكون اَ غير موجودة في شيء من جَ على ما تبين. مثال ذلك قولنا كل إنسان حي ولا حجر واحد حي، فولا إنسان واحد حجر. فإن وضعت هذه المقدمات على ضد ما هي بأن تؤخذ بَ موجودة في كل اَ- أعني بأن يؤخذ أن كل حجر حي- وغير موجودة في شيء من جَ- أعني بأن يؤخذ أنه ولا إنسان واحد حي- فإنه ينتج عن هاتين المقدمتين الكاذبتين النتيجة بعينها التي كانت عنها إذا وضعت صادقتين- وهي أنه ولا إنسان واحد حجر. وكذلك يعرض إذا كان الصادق أن بَ موجودة في كل اَ وغير موجودة في شيء من جَ- أعني أنه إذا قلبت هذه أيضا إلى ضدها أنتجت ما كان ينتج قبل القلب إلى الكذب، وهو أن اَ ليس في شيء من جَ.

стр. 67

وكذلك يعرض إذا كانت المقدمة الواحدة كذبا كلها والأخرى صدقا أن تنتج أيضا نتيجة صادقة، لأنه يمكن أن تكون بَ مثلا- التي هي الحد الأوسط- موجودة في كل واحد من اَ وجَ- اللذين هما طرفا المطلوب- وتكون اَ غير موجودة في شيء من جَ. وذلك يعرض للجنس مع الأنواع القسيمة التي تحته- مثل الحي فإنه موجود في كل إنسان وفي كل فرس، والفرس غير موجود في واحد من الناس. فمتى أخذ أن الحي موجود في الواحد وغير موجود في الآخر، فإن المقدمة الواحدة تكون كلها كذبا والأخرى كلها صدقا وتكون النتيجة كلها صدقا في أي ناحية صيرت السالبة- أعني كبرى أو صغرى. مثال ذلك قولنا ولا فرس واحد حي وكل إنسان حي، فإنه ينتج أنه ولا فرس واحد إنسان، وتلك نتيجة صادقة عن مقدمتين إحداهما كاذبة والأخرى صادقة. وكذلك يعرض إذا كان بعض المقدمة الواحدة كذبا وكانت الأخرى كلها صدقا، لأنه أيضا قد يمكن أن تكون بَ موجودة في بعض اَ وفي كل جَ- كالحي فأنه موجود في بعض الأبيض وفي كل غراب، والأبيض غير موجود في واحد من الغربان، فإذا أخذ أنه ولا أبيض واحد حي وكل غراب حي، فإنه ينتج ولا أبيض واحد غراب، وهذه نتيجة صدق عن مقدمتين إحداهما كاذبة بالجزء- وهي قولنا ولا أبيض واحد حي- والثانية صادقة بالكل- وهي قولنا كل غراب حي. وكذلك يعرض إن كانت الكاذبة بالجزء هي الموجبة وكانت السالبة صادقة بالكل- مثل قولنا كل أبيض حي ولا زفت واحد حي، فإنه ينتج ولا أبيض واحد زفت، وهي نتيجة صادقة عن مقدمتين إحداهما موجبة كاذبة بالجزء وهي قولنا كل أبيض حي- والثانية سالبة صادقة بالكل- وهي قولنا ولا زفت واحد حي. وكذلك يعرض أن تكون النتيجة صادقة إذا كانت كلتا المقدمتين كاذبتين بالجزء. مثال ذلك قولنا كل أبيض حي ولا أسود واحد حي، فإنه ينتج عن هذا ولا أبيض واحد أسود، وتلك نتيجة صادقة عن مقدمتين كاذبتين بالجزء، وذلك أن بعض الأبيض حي وبعض الأسود حي، وسواء فرضت السالبة هي الكبرى أو الصغرى بأن نقول ولا أبيض واحد حي وكل أسود حي- أعني في أنه تكون النتيجة صادقة عن مقدمتين كاذبتين بالجزء. فهذه حال المقاييس الكلية مع المقدمات الكاذبة في هذا الشكل. وأما المقاييس الجزئية فإنه قد يعرض أيضا فيها مثل ما عرض في الكلية. وذلك أنه قد تكون الكبرى كاذبة بالكل والجزئية صادقة، فتكون النتيجة صادقة. مثال ذلك قولنا بعض الأبيض حي ولا إنسان واحد حي، فينتج عن ذلك أن بعض الأبيض ليس بإنسان، وهي صدق عن مقدمتين الجزئية صادقة والكلية كاذبة بالكل. وكذلك يعرض إن صيرت الكلية الكاذبة هي الموجبة. مثال ذلك قولنا بعض الأبيض ليس بحي وكل غير متنفس حي، فينتج عن ذلك أن بعض الأبيض غير متنفس، وهو صدق عن جزئية سالبة صادقة وموجبة كلية كاذبة. وكذلك يعرض إن وضعت المقدمة الصادقة هي الكلية والكاذبة الجزئية. مثال ذلك قولنا بعض غير المتنفس حي ولا عدد واحد حي، فإنه ينتج عن ذلك إن بعض غير المتنفس ليس بعدد، وهو صدق عن جزئية كاذبة وكلية سالبة صادقة. وكذلك يعرض إذا أخذت الكلية الصادقة موجبة والجزئية الكاذبة سالبة، وذلك شيء يعرض للجنس مع الأنواع الموجودة فيه وفصول تلك الأنواع. وذلك أنه لا يصدق أن نقول بعض المشاء ليس بحي وكل إنسان حي فينتج عن ذلك أن بعض المشاء ليس بإنسان، وذلك صدق عن مقدمة صادقة كلية وكاذبة جزئية. وكذلك إذا كانت المقدمتان كلتاهما كاذبة الجزئية والكلية، فإنه قد يكون عن ذلك نتيجة صادقة سواء كانت السالبة هي الجزئية أو الكلية. مثال ذلك قولنا كل علم هو قوة حيوانية وبعض الإنسان ليس له قوة حيوانية، فإنه ينتج عن ذلك أن بعض الإنسان ليس له علم، وذلك صدق عن مقدمتين كاذبتين. وكذلك يعرض إن كانت السالبة هي الكلية والجزئية الموجبة- مثل أن نقول ولا إنسان واحد له قوة حيوانية وبعض العلم هو قوة حيوانية فإنه ينتج عن ذلك أن بعض الناس ليس بعالم أو ليس له علم. القول في الشكل الثالث وقد يتفق أيضا في هذا الشكل أن تكون النتيجة صادقة وكلتا المقدمتين كاذبتان إما بالكل وإما بالجزء وإما إحداهما بالكل والثانية بالجزء، وكذلك إذا كانت إحداهما صادقة والأخرى كاذبة بالكل كانت أو بالجزء.

стр. 68

وذلك أنه ليس يمنع مانع من أم يكون شيئان غير موجودين في شيء آخر وأحدهما موجود في الثاني. فمتى أخذ أن كل واحد منهما موجود في ذلك الشيء الآخر، حدث هنالك نتيجة صادقة عن مقدمتين كاذبتين بالكل. مثال ذلك قولنا كل غير متنفس مشاء وكل غير متنفس إنسان، فإنه ينتج في هذا الشكل أن بعض المشاء إنسان، وذلك صدق عن مقدمتين كاذبتين بالكل. ومثال ذلك يعرض إذا كانت الواحدة سالبة والأخرى موجبة، لأنه قد يمكن أن تكون جَ- التي هي مثال الأضغر- غير موجودة في شيء من بَ- الذي هو الأوسط- وتكون اَ- التي هي الحد الأكبر- موجودة في كل بَ وغير موجودة في بعض جَ. فإذا أخذنا أن جَ موجودة في كل بَ واَ غير موجودة في شيء من بَ، أنتج لنا أن اَ غير موجودة في بعض جَ. مثال ذلك قولنا كل ققنس أسود ولا ققنس واحد حي، فإنه ينتج أن بعض الأسود ليس بحي، وهو صدق عن مقدمتين كاذبتين بالكل. وكذلك إذا كانت كل واحدة من المقدمتين كاذبتين بالجزء فقد يمكن أن تكون النتيجة منهما صادقة، لأنه يمكن أن تكون اَ وجَ موجودتين في بعض بَ وتكون اَ موجودة في بعض جَ- كالأبيض والجيد، فإنهما موجودان في بعض الحي، والجيد موجود في بعض الأبيض. فإذا وضعنا كلتا اَ وجَ موجودتين في كل بَ، فإنه يعرض أن تكون اَ في بعض جَ، وذلك صدق عن مقدمتين كاذبتين بالجزء. مثال ذلك قولنا كل حي أبيض وكل حي جيد، فإنه ينتج أن بعض الأبيض جيد، وهو صدق. وكذلك يعرض إذا كانت الكبرى سالبة وهي مقدمة اَ بَ، لأنه لا شيء أيضا يمنع أن تكون اَ غير موجودة في بعض بَ وتكون جَ موجودة في بعض بَ وتكون اَ غير موجودة في بعض جَ- التي هي النتيجة. مثال ذلك قولنا ولا حي واحد جيد وكل حي أبيض، فإنه ينتج عن ذلك أن بعض الأبيض ليس بجيد، وذلك صدق عن مقدمتين كاذبتين بالجزء. وكذلك قد تكون النتيجة صادقة إذا كانت إحدى المقدمتين كاذبة بالكل والأخرى صادقة، لأنه قد يمكن أن تكون كلتا اَ وجَ موجودتين في بَ وتكون اَ غير موجودة في بعض جَ. فإذا أخذنا اَ غير موجودة في شيء من ب وجَ موجودة في كل بَ، أنتج لنا أن اَ غير موجودة في بعض جَ، وذلك صدق عن مقدمتين إحداهما كاذبة. مثال ذلك قولنا كل ققنس حي ولا ققنس واحد أبيض، فإنه ينتج عن ذلك أن بعض الحي ليس بأبيض، وذلك صدق عن مقدمتين إحداهما كاذبة. وكذلك يعرض إذا كانت مقدمة بَ وجَ- التي هي الصغرى- كاذبة ومقدمة اَ بَ- التي هي الكبرى- صادقة. والحدود التي يتبين ذلك منها هي الأسود وققنس وغير المتنفس. وذلك أنه إذا وضعنا أن كل ققنس أسود ولا ققنس واحد غير متنفس، أنتج لنا أن بعض الأسود غير متنفس، وذلك صدق عن مقدمتين صغراهما كاذبة بالكل. وكذلك يعرض إذا أخذت كلتا المقدمتين موجبتين- أعني الصادقة والكاذبة. والحدود التي يتبين منها ذلك هي الحي والققنس والأسود. وذلك أنا نقول كل ققنس أسود وكل ققنس حي، فينتج لنا عن ذلك أن بعض الأسود حي، وهو صدق عن مقدمتين موجبتين إحداهما كاذبة، وسواء كانت الصادقة هي الكبرى أو الصغرى. والبرهان على ذلك هو بهذه الحدود بأعيانها.

стр. 69

وكذلك قد تكون النتيجة صادقة إذا كانت إحدى المقدمتين صادقة والأخرى كاذبة بالجزء، لأنه قد يمكن أن تكون جَ موجودة في كل بَ وتكون اَ موجودة في بعض بَ وتكون اَ موجودة في بعض جَ- التي هي النتيجة. مثال ذلك ذو الرجلين فإنه موجود في كل إنسان والجيد غير موجود في كل إنسان، والجيد موجود في بعض ذي الرجلين. فإن أخذت اَ وجَ موجودتين في كل بَ فإن مقدمة بَ جَ تكون صادقة كلها، وبعض مقدمة اَ بَ كاذبة والنتيجة صادقة. مثال ذلك قولنا كل إنسان ذو رجلين وكل إنسان جيد، والنتيجة أن بعض ذي الرجلين جيد. وكذلك يعرض إن أخذت مقدمة اَ بَ- أعني الكبرى- صادقة ومقدمة بَ جَ- أعني الصغرى- كاذبة بالجزء. وبيان ذلك هو بهذه الحدود بأعيانها إذا صيرنا الطرف الأصغر أكبر أو فرضنا مطلوبنا المنتج عكس الأول- وهو أن بعض الجيد ذو رجلين. وكذلك يعرض إن أخذت المقدمة الواحدة سالبة والأخرى موجبة، فإنه قد تبين في الشكل الثالث أنه إذا كانت جَ في كل بَ واَ غير موجودة في بعض بَ فاَ غير موجودة في بعض جَ. فإن أخذت جَ في كل بَ واَ غير موجودة في شيء من بَ، فإنه يعرض أن تكون المقدمة السالبة كذبا وتكون الأخرى كلها صدقا وتبقى النتيجة صادقة بعينها. وكذلك يعرض إن كان الكذب الجزئي في الموجبة، وذلك أنه قد تبين في الشكل الثالث أنه إذا كانت اَ غير موجودة في شيء من بَ وجَ موجودة في بعض بَ أن اَ غير موجودة في بعض جَ. فإذا عرض أن نأخذ أن اَ غير موجودة في شيء من بَ وجَ موجودة في كل بَ، بقيت النتيجة بعينها صادقة- وهي أن اَ غير موجودة في بعض جَ- فتكون النتيجة صادقة عن مقدمتين إحداهما صادقة بالكل- وهي السالبة- والأخرى كاذبة بالجزء- وهي الموجبة. وهذا الذي قلنا أنه يعرض في القياسات الكلية من هذا الشكل هو بعينه يعرض في القياسات الجزئية. وبيان ذلك يكون بتلك الحدود التي بينا الأمر بها في المقاييس الكلية، وذلك بأن نستعمل في السالبة من هذه ما استعملنا في السالبة من تلك وفي الموجبة من هذه ما استعملناه في الموجبة، لأن المقدمة الكلية الكاذبة بالكل هي كاذبة بالجزء سواء كانت موجبة أو سالبة، فإذا استعملنا تلك المقدمات الكلية الكاذبة التي تمثلنا بها هنالك كلية جزئية في هذا الموضوع تبين بها هاهنا ما تبين بها هنالك.

стр. 70

وإذ قد تبين هذا فهو بين أنه إذا كانت النتيجة كاذبة فباضطرار أن يكون في المقدمات مقدمة كاذبة، وإلا كان ليس يحصل على المقدمات الصادقة نتيجة صادقة، وذلك خلاف ما أخذ في حد القياس وما تبرهن من حاله. وأما إذا كانت النتيجة صادقة فليس يجب لا محالة أن تكون المقدمات صادقة. والسبب في ذلك أن الصادق أعم من الصادق الذي يبين على طريق القياس. والصادق الذي يبين على طريق القياس يبين أيضا عن أكثر من قياس واحد، ولذلك يلزم متى ارتفع القياس أن ترتفع النتيجة- أعني إذا كذبت المقدمات أن تكذب النتيجة- ويلزم إذا ارتفعت النتيجة- أي كذبت- أن يرتفع القياس- أي تكذب المقدمات أو يكون شكل القياس فاسدا. وهذه هي حال اللازم مع الشيء الذي يلزمه إذا لم يكن لزومهما متكافئا- مثل وجود الحيوان والإنسان، فإن الإنسان لما كان أخص من الحيوان لزم متى وجد الإنسان أن يوجد الحيوان ومتى ارتفع الإنسان أن لا يرتفع الحيوان ومتى ارتفع الحيوان أن يرتفع الإنسان، والإنسان هاهنا هو مكان القياس والحيوان وهو مكان النتيجة. وكذلك يظهر أيضا أنه ليس يجب ولا بد إذا كذبت المقدمات أن تكذب النتيجة ولا أن تصدق. والبرهان على هذا هو ما أقوله: لنفرض شيئين أحدهما أول والآخر ثاني ونفرض أن الثاني يلزم عن الأول- أعني أنه متى وجد الأول وجد الثاني- وليكن على الأول علامة اَ وعلى الثاني علامة بَ- مثل أن يكون اَ أبيض وبَ عظيما- فنقول إنه متى كان من شأن اَ إذا وجد أن توجد بَ، فإنه ليس يلزم متى ارتفع اَ أن توجد بَ، وذلك أنه قد تبين أنه متى ارتفعت بَ فواجب أن ترتفع اَ. وذلك أنه إن لم ترتفع اَ فلتكن موجودة، وإذا كانت اَ موجودة فإنا قد فرضنا أن بَ تكون موجودة، فتكون بَ إذا ارتفعت لزم أن توجد بَ، وذلك خلف لا يمكن. وإذا تقرر هذا الأصل فنقول: إنه متى كانت ثلاثة حدود-أول وثان وثالث- وكان الثاني يلزم الأول والثالث يلزم الثاني، فإن الثالث يلزم الأول. وإذا تقرر هذا فنقول إنه ليس يلزم أن ترتفع اَ وتوجد بَ، وذلك أنه قد تبين أن بَ لما كانت لازمة عن اَ أن بَ متى ارتفعت ارتفع اَ. فإن أنزلنا أن اَ إذا ارتفعت وجدت بَ وقد كان معنا أن بَ إذا ارتفعت ارتفع اَ، فيلزم إذا ارتفعت الباء أن توجد الباء، وذلك خلف لا يمكن. فلذلك ليس يلزم إذا كذبت المقدمات أن تصدق النتيجة، بل الصدق لها إنما هو بضرب من العرض، وذلك ما أردنا بيانه. وكذلك يظهر أيضا أنه ليس يلزم عن ارتفاع اَ أن ترتفع بَ، لأنه يلزم أن يكون وجود اَ لازما عن وجود بَ وقد كانت بَ لازمة عن وجود اَ فيكون اللزوم متكافئا ومنعكسا، وذلك مستحيل فلذلك يلزم إذا كذبت المقدمات أن تكذب النتيجة. فأما إذا كذبت النتيجة فإنه تكذب المقدمات، لأنه إذا ارتفعت بَ ارتفعت اَ. الفصل الثالث القول في البيان بالدور الشكل الأول

стр. 71

يعرض للقياس أن يقع فيه البيان بالدور، وهو أن تؤخذ نتيجته وعكس إحدى مقدمتي فيتبين بها المقدمة الثانية. مثال ذلك أنه إذا أنتج إنسان أن اَ موجودة في كل جَ بوساطة بَ بأن يضع اَ في كل بَ وبَ في كل جَ فينتج له عن ذلك أن اَ موجودة في كل جَ، فأراد أن يبين بهذه النتيجة- التي هي اَ في كل جَ- أن اَ في كل بَ فإنه يأخذ أن اَ في كل جَ وجَ في كل بَ- وهي عكس المقدمة الثانية- فينتج له من ذلك أن اَ في كل بَ وهي المقدمة الثانية التي قصد تبيينها. وكذلك يعرض له إذا أراد أن ينتج بهذه النتيجة بعينها المقدمة الأخرى التي هي بَ في كل جَ- أعني أنه يأخذ النتيجة التي هي اَ في كل جَ ويضيف إليها عكس المقدمة الأخرى التي هي اَ في كل بَ، فيكون معه بَ في كل اَ واَ في كل جَ، فتكون النتيجة بَ في كل جَ، وهي المقدمة المقصود إنتاجها من مقدمتي القياس. ويبين أنه ليس يمكن أن تبين المقدمات من النتائج بجهة غير هذه الجهة، لأنه متى أخذ آخذ مقدمة غريبة فأضافها إلى النتيجة- وذلك بأن يأخذ حدا أوسط ليس هو واحدا من الحدود التي في المقدمات- لم ينتج له من ذلك شيء من المقدمات المأخوذة في تلك النتيجة. مثال ذلك إن أضاف إلى النتيجة- التي هي اَ في كل جَ- أن جَ في كل هَ، لم ينتج له من ذلك إلا أن اَ في كل هَ، وذلك غير قولنا اَ في كل بَ أو بَ في كل جَ اللتان هما مقدمتا هذه النتيجة. وإذا لم يمكن أن تؤخذ مع النتيجة مقدمة غريبة فقد بقي أن نأخذ معها إحدى مقدمتي القياس، لأنه إن أخذنا المقدمتين بعينها عادت النتيجة التي كنا وضعناها مقدمة. لكن متى أخذنا إحدى مقدمتي القياس على ما هي عليه مع النتيجة، لم ينتج لنا أيضا عن ذلك المقدمة الأخرى. وذلك أنه إن أضفنا إلى النتيجة- التي هي قولنا اَ على كل جَ- قولنا اَ على كل بَ- وهي المقدمة الكبرى لهذه النتيجة- فإنه يأتي القول من موجبتين في الشكل الثاني، وذلك غير منتج. وإن أضفنا إليها الصغرى- وهي قولنا بَ على كل جَ- أتى من ذلك قياس من موجبتين في الشكل الثالث ينتج أن اَ في بعض بَ فلذلك يجب أن نأخذ المقدمة التي نضيفها إلى النتيجة معكوسة- مثل أن نضيف كما قلناه إلى نتيجة اَ في كل جَ بَ في كل اَ، فينتج لنا الصغرى وهي بَ في كل جَ، وكذلك إن أضفنا إليها عكس الصغرى أنتجت المقدمة الكبرى.

стр. 72

ولذلك ما يظهر أن هذا النوع من البيان إنما يمكن في المقدمات المنعكسة. فمتى كانت المقدمتان منعكستين والنتيجة منعكسة، كان هنالك ست مقدمات- مقدمتا القياس وعكسهما، والنتيجة وعكسها- وأمكن أن يبرهن كل واحد من هذه المقدمات بأنفسها بعضها من بعض حتى لا يبقى فيها شيء إلا يتبين بقياس مأخوذ منها أنفسها، فيتولد هنالك ستة مقاييس تنتج ستة أصناف من النتائج. مثال ذلك حدود اَ بَ جَ الثلاثة منعكسة بعضها على بعض وكذلك النتيجة المتولدة عنها. مثال ذلك أن تكون كل اَ بَ، وكل بَ اَ، وكذلك كل بَ جَ، وكل جَ بَ، وكذلك كل اَ جَ، وكل جَ اَ. فإنه إذا برهنا أن اَ موجودة في كل جَ فأخذنا اَ في كل بَ، وبَ في كل جَ فإنه يمكن أن تبرهن أيضا مقدمة اَ في كل بَ- وهي الكبرى- بالنتيجة، وعكس مقدمة بَ جَ- وهي الصغرى- بأن نقول اَ في كل جَ، وجَ في كل بَ، فينتج لنا أن اَ في كل بَ- وهي الكبرى من هذا القياس. وكذلك تبين مقدمة بَ جَ- التي هي الصغرى- بالنتيجة بعينها وعكس المقدمة الكبرى. وإذا كان هذا هكذا فقد أمكننا أن نبرهن كل واحدة من مقدمتي هذا القياس. والذي بقي لنا أن نبرهن مما أخذناه في برهان هاتين المقدمتين هو عكس كل واحدة من المقدمتين، لأن النتيجة هي التي قد تبرهنت من أول الأمر. وذلك يتفق لنا بأن نعكس النتيجة ونضيف إليها المقدمة الأخرى- أعني أنه إن أردنا أن نبرهن عكس الكبرى، وهي أن بَ في كل اَ، أخذنا عكس النتيجة والمقدمة الصغرى بعينها فقلنا بَ موجودة في كل جَ، وهي الصغرى، وجَ في كل اَ، وهي عكس النتيجة، أنتج لنا من ذلك أن بَ موجودة في كل اَ، وهو عكس الكبرى الذي استعملناه آنفا غير مبرهن. وكذلك متى أخذنا عكس النتيجة وأضفنا إليها المقدمة الكبرى، أنتج لنا عكس الصغرى- وهو الذي أخذناه قبل غير مبرهن- بأن نقول جَ في كل اَ- وهي عكس النتيجة- واَ في كل بَ، فينتج لنا من ذلك جَ في كل بَ- وهو العكس الذي استعملناه آنفا غير مبرهن. فإذن لم يبق في هذه المقدمات شيء لم نبرهنه إلا عكس النتيجة- وهو القياس السادس- وذلك يبين بعكس المقدمتين اللتين أنتجناها من أول الأمر. مثال ذلك أن نقول كل جَ هو بَ وكل بَ هو اَ فكل جَ هو اَ- وهذا هو عكس النتيجة. فإذن لم يبق لنا من هذه المقدمات شيء مأخوذ إلا قد برهنا هليه، وهو بين أن هذا- كما قلناه- إنما يعرض في المقدمات المنعكسة بعضها عن بعض، إلا أن هذا النحو من البيان- أعني أخذ الشيء في بيان نفسه- وهو نوع من المصادرة. ولذلك لا يستعمل في البراهين إلا أن يكون ذلك مستعملا بجهتين، وذلك بأن تكون المقدمات أعرف من النتيجة بجهة والنتيجة أعرف منها بجهة أخرى- مثل أن تكون المقدمات أعرف من جهة معرفة الوجود والنتيجة أعرف من جهة معرفة السبب. والذي يختص بهذا النحو من البيان هي صناعة السفسطة. فهكذا يعرض البيان بالدور- كما قلنا- في الصنف الأول من الشكل الأول، وهو الذي ينتج الكلي الموجب. وأما الصنف السالب فإنه قد يمكن أيضا أن يعرض فيه هذا النحو من البيان. فلتكن اَ غير موجودة في شيء من بَ وبَ موجودة في كل جَ، فتكون النتيجة في الشكل الأول أن اَ غير موجودة في شيء من جَ. فإذا أردنا أن نبين في هذا الصنف المقدمة الكبرى بالنتيجة وعكس الصغرى، فإنا نأخذ أن اَ غير موجودة في شيء من جَ وجَ في كل بَ، فينتج لنا اَ غير موجودة في شيء من بَ- وهي المقدمة الكبرى. وأما إذا أردنا أن ننتج الصغرى من النتيجة وعكس المقدمة الكبرى، فإنه ليس يتأتى لنا ذلك من المقدمات أنفسها. وذلك أنه ليس يكون قياس من سالبتين ولو كان لم ينتج إلا سالبة، والذي يطلب إنتاجه هي الصغرى وهي موجبة. فلذلك إذا أردنا أن نبين المقدمة الصغرى من النتيجة نفسها ومن عكس المقدمة الكبرى، فإنا نضع النتيجة على حيالها من غير أن نغيرها- وهي قولنا اَ غير موجودة في شيء من جَ- ثم نأخذ المقدمة الكبرى- وهي قولنا اَ غير موجودة في شيء من بَ- فنجد يلزم عنها أن تكون اَ غير موجودة في كل ما فيه بَ موجودة، فنضع عكس هذا- وهو أن تكون بَ موجودة في كل ما ليس اَ فيه موجودة- فإذا كان معنا أن بَ موجودة في كل ما ليس توجد فيه اَ وأضفنا إلى هذه المقدمة أن اَ مسلوبة عن جَ، فهو بين أنه ينتج لنا عن ذلك أن بَ موجودة في كل جَ، وهي المقدمة الصغرى التي قصدنا إنتاجها.

стр. 73

وليس هذا أصلا ثانيا من المقول على الكل غير الأصل الذي استعمل في أول هذا الكتاب كما نجد أبا نصر يومئ إلى ذلك. وذلك أنه يقول إن هذا الأصل مناقض لذلك الأصل الأول وإنه إذا استعمل هذا الأصل وجد الغير منتج بحسب ذلك الأصل منتجا بحسب هذا الأصل، وذلك أن هذا الأصل هو أن نضع مثلا أن اَ موجودة لكل ما سلب عنه بَ وأن اَ مسلوبة عن كل ما يسلب عنه بَ بخلاف ما وضعنا في الأصل الأول- وهو أن تكون اَ موجودة أو مسلوبة عن كل ما هو بَ- وعلى هذا ينتج ما صغراه سالبة في الشكل الأول وينتج أيضا ما هو من سالبتين. وذلك أن الأصل الذي استعمل في هذا الكتاب ليس هو بالوضع، وإنما هو مفهوم المقدمة الكلية بعينها ودلالتها الطبيعية- أعني قولنا كل كذا هو كذا أو ليس كذا. وأما هذا الأصل الثاني فهو شيء لازم عن المقدمة الكلية السالبة، فلذلك ليس ينتفع به في الإنتاج من سالبتين- أعني إذا وضعت مقدمتين سالبتين- وإنما كان ينتفع به لو لزم عن قولنا اَ ولا في شيء من بَ أن تكون اَ موجودة في كل ما هو ليس بَ ولا بد، وذلك شيء غير لازم. كما أنه ليس يلزم أيضا هذا العكس الذي وضعه هاهنا- أعني أنه ليس يلزم في كل مادة إذا كانت اَ مسلوبة عن كل ما هو بَ أن تكون بَ موجودة لكل ما ليس هو اَ، فإن الأبيض مسلوب عن كل ما هو أسود وليس الأسود موجودا لكل ما هو ليس أبيض. وإنما يلزم هذا العكس في الأشياء المتقابلة التي ليس يخلو من أحدهما موجود من الموجودات. لكن إنما استعمل هذا العكس هنا أرسطو وإن كان جزئيا، كما استعمل عكس الموجبة الكلية كلية، فلذلك لم يخرج في هذا المعنى عن أصله. وذلك أن عكس اللازم هو بقوة عكس المقدمة، فكأنه لم يخرج عما أخذ في بيان الدور من أنه يكون بالنتيجة وعكس إحدى المقدمتين لأن قوة عكس اللازم قوة عكس المقدمة. فهكذا يكون البيان بالدور في الأصناف القياسية الكلية من الشكل الأول. وأما القياسات الجزئية التي في هذا الشكل فإنه ليس يمكن فيها أن يبرهن على طريق الدور المقدمة الكلية من النتيجة والمقدمة الجزئية، لأن القضية الكلية إنما تبين بمقدمات كلية لا جزئية. وأيضا فإنه لا يكون قياس من جزئيتين إذ كان البرهان بالدور من النتيجة وعكس إحدى المقدمتين. وأما المقدمة الصغرى فقد يمكن أن تبرهن على طريق الدور. فلتكن اَ موجودة في كل بَ وبَ موجودة في بعض جَ والنتيجة اَ موجودة في بعض جَ. فإذا أردنا أن نبرهن وجود بَ في بعض جَ على طريق الدور فإنا نأخذ اَ موجودة في بعض جَ- وهي النتيجة- وعكس المقدمة الكبرى الكلية- وهو قولنا بَ في كل اَ- فينتج لنا في الشكل الأول أن بَ في بعض جَ ويكون الحد الأوسط فيه اَ. وكذلك إذا كان القياس الجزئي سالبا فليس يمكن أن تبرهن المقدمة الكلية للعلة التي قلنا. وأما الجزئية فقد يمكن أن تبرهن على طريق الدور إذا فعلنا في المقدمة السالبة الكلية ما فعلنا في القياس السالب الكلي- أعني أن نبين أنه يلزم عن قولنا اَ ولا شيء من بَ أن تكون بَ موجودة لكل ما يسلب عنه اَ- فإذا أضفنا إلى هذه المقدمة- وهي أن اَ مسلوبة عن بعض جَ- أنتج لنا أن بَ موجودة لذلك البعض. فهذا هو وجه البيان المستعمل بالدور في الشكل الأول. الشكل الثاني

стр. 74

وأما الشكل الثاني فليس يمكن أن تبرهن بجهة الدور فيه المقدمة الموجبة، لأنه لا ينتج إلا سالبا. وأما السالبة فيمكن أن تبرهن على هذه الجهة: فلتكن اَ موجودة في كل بَ واَ غير موجودة في شيء من جَ فالنتيجة في الشكل الثاني أن بَ غير موجودة في شيء من جَ على أن الحد الأوسط هو اَ. فإن أضفت إلى هذا أن بَ موجودة في كل اَ- وهي عكس الكبرى- فإنه ينتج عن ذلك في الشكل الثاني أن اَ غير موجودة في شيء من جَ- وهي الصغرى في القياس الأول- والحد الأوسط في هذا القياس هو بَ وكان في الشكل الأول اَ. فإن أخذنا المقدمة الكلية الكبرى في الشكل الثاني سالبة فإنه يمكن بيانها بالدور لكن في الشكل الأول، لأنه إذا قلنا إن اَ غير موجودة في شيء من بَ واَ موجودة في كل جَ فبين أنه ينتج لنا في الشكل الثاني أن بَ غير موجودة في شيء من جَ إذ كان اَ هو الحد الأوسط. فإذا أضفنا إلى قولنا بَ غير موجودة في شيء من جَ- وهي النتيجة- قولنا جَ موجودة في كل اَ- وهي عكس الصغرى- أنتج لنا في الشكل الأول أن بَ غير موجودة في شيء من اَ لأن جَ هي الحد الأوسط. فإذا عكسنا هذه النتيجة حصل لنا اَ ولا في شيء من بَ، وهي المقدمة الكبرى السالبة في الشكل الأول. ولذلك يخص البيان بالدور في هذا الصنف من الشكل أن لا يتحفظ فيه هذا الشكل بعينه، بل يعود إلى الشكل الأول. وقد يمكن أن تبين المقدمة الموجبة في هذا الشكل إذا كانت هي الصغرى بطريق الدور إذا استعملنا الأصل المتقدم- وهو عكس لازم السالبة- وأما إذا كانت كبرى فليس يمكن إلا بعكس النتيجة، وذلك خارج عن طريق البيان بالدور. وأما المقاييس التي تنتج الجزئية في هذا الشكل فليس يمكن أن تبرهن فيها المقدمة الكلية على جهة الدور، إذ كانت إنما تنتج أبدا جزئية. وأما المقدمة الجزئية فيمكن أن تبرهن إذا كانت الكلية موجبة والجزئية هي السالبة. مثال ذلك أن نفرض أن اَ موجودة في كل بَ واَ غير موجودة في بعض جَ، فتكون النتيجة أن بَ غير موجودة في بعض جَ. فإذا أضفنا إلى ذلك عكس المقدمة الكبرى- وهو قولنا موجودة في كل اَ- حصل معنا بَ غير موجودة في بعض جَ وبَ موجودة في كل اَ، فينتج لنا أن اَ غير موجودة في بعض جَ، وذلك في هذا الشكل بعينه إذ كان بَ هو الحد الأوسط وهو محمول في هذا التأليف على الطرفين جميعا. فإن كانت المقدمة الكلية هي السالبة- وهي مقدمة اَ بَ- فإنه لا يمكن أن تبرهن الصغرى الموجبة- التي هي مقدمة اَ جَ- إذا انعكست مقدمة اَ بَ، لأنه لا ينتج نتيجة موجبة عن مقدمتين سالبتين أو إحداهما سالبة. ولكن قد يمكن إذا استعمل الأصل المتقدم أن تنتج الموجبة الجزئية، وذلك أنه إذا كان معنا أن بَ غير موجودة في بعض جَ- وهي النتيجة- وكان معنا اَ ولا في شيء من بَ، ثم عكسنا هذا فكان معنا بَ ولا في شيء من اَ، ثم أخذنا اللازم عن هذا- وهو أن كل ما فيه اَ فليس فيه بَ- ثم عكسنا هذا- وهو أن كل ما ليس فيه بَ فيه اَ- فيكون معنا اَ موجودة في كل ما ليس فيه بَ، فإذا أضفنا إلى هذا أن بَ غير موجودة في بعض جَ، أنتج لنا أن اَ موجودة في بعض جَ. فهكذا يكون بيان الدور في الشكل الثاني. الشكل الثالث وأما بيان الدور في الشكل الثالث فإنه إذا كانت كلتا المقدمتين كليتين فليس يمكن أن يبرهن بنتيجة إحدى المقدمتين في هذا الشكل، لأن النتيجة تكون جزئية والمقدمة التي يقصد برهانها كلية.

стр. 75

فإن كانت المقدمة الواحدة كلية والأخرى جزئية فأحيانا يمكن أن تبرهن الجزئية وأحيانا لا يمكن أن تبرهن، وذلك إذا كانت المقدمتان موجبتين وكانت الصغرى هي الكلية فإنه يمكن أن تبرهن على طريق الدور. وأما إذا كانت الكبرى هي الكلية فإنه لا يمكن أن تبرهن على طريق الدور. ومثال ذلك أن تكون اَ موجودة في كل جَ- التي هي الكبرى- وبَ في بعض جَ- التي هي الصغرى- فتكون النتيجة اَ في بعض بَ، فإذا أضيفت إليها عكس المقدمة الكبرى- وهي أن جَ موجودة في كل اَ- أنتج لنا من ذلك أن جَ موجودة في بعض بَ، وذلك لم يكن مطلوبنا وإنما كان مطلوبنا عكس هذا وهو بَ في بعض جَ، وهو شيء وإن كان لازما ضرورة- إذ قد تبين أن الجزئية الموجبة تنعكس- فليس هو الذي يتبين بطريق الدور بذاته، بل إن كان فبتوسط العكس إذ كان البيان بالدور- كما قيل- هو أن تبين المقدمة الواحدة بالنتيجة وعكس الثانية. فإن كانت الكلية هي الصغرى- مثل أن تكون بَ موجودة في كل جَ واَ في بعض جَ- فإنه يتبين أنه يمكن على طريق الدور أن يبين أن اَ موجودة في بعض جَ- وهي المقدمة الجزئية الكبرى. وذلك أن نتيجة هذا القياس هي اَ في بعض بَ، فإذا أضفنا إليها عكس الصغرى- وهي قولنا جَ في كل بَ- فإنه بين أنه يلزم أن تكون اَ في بعض جَ، إذ كانت بَ هي الحد الأوسط وهي موضوعة للطرفين جميعا. وأما إذا كانت إحدى المقدمتين موجبة والأخرى سالبة وكانت الموجبة الكلية والسالبة جزئية، فإنه يتأتى لنا برهان الجزئية. ومثال ذلك أن تكون بَ موجودة في كل جَ واَ غير موجودة في بعض جَ، فإن النتيجة تكون اَ غير موجودة في بعض بَ. فإذا أضفنا إلى هذه النتيجة أن جَ موجودة في كل بَ، فإنه يلزم ضرورة أن تكون اَ غير موجودة في بعض جَ، على ما تبين في الشكل الثالث إذ كانت الباء هي الحد الأوسط. وأما إذا كانت السالبة هي الكلية فغن الجزئية الموجبة لا تتبرهن على طريق الدور، إلا إن استعمل ذلك الأصل الآخر. مثال ذلك أن تكون اَ غير موجودة في شيء من جَ، وبَ في بعض جَ وتكون النتيجة أن اَ غير موجودة في بعض بَ. فإذا أخذنا بدل قولنا اَ غير موجودة في شيء من جَ أن جَ موجودة في كل ما ليس فيه اَ وأضفنا إلى هذا أن اَ ليس في بعض بَ، فهو بين أن بَ يجب أن تكون في بعض جَ- وهي المقدمة الجزئية الموجبة. فقد تبين أن البيان الذي يكون بالدور أما في الشكل الأول فيكون بالشكل الأول ويكون بشيء يشبه الشكل الثالث، وهو إذا استعملنا ذلك الأصل المتقدم- أعني أن نأخذ بدل قولنا اَ ولا على شيء من بَ أن البَ موجودة في كل ما ليس فيه اَ. ووجه شبهه بالشكل الثالث أن اَ وبَ محمولان على شيء واحد أحدهما بإيجاب والآخر بسلب، وهذا الوضع هو وضع الحد الأوسط في الشكل الثالث من الطرفين. فعلى هذه الجهة قال أرسطو في هذا: إنه شكل ثالث لا على إنه شكل ثالث في الحقيقة. وأما البيان بالدور في الشكل الثاني فيكون أيضا بالشكل الثاني نفسه ويكون بالأول ويكون بالبيان الذي يشبه الشكل الثالث. وكذلك البيان الذي بالدور في الشكل الثالث يكون بالأول والثالث والأصل الذي يشبه الثالث. وهو بين أن المقدمات التي قلنا إنها لا تبين على طريق الدور- وذلك في الشكل الثاني والثالث- أن قولنا ذلك فيها إما من قبل أنه لا يمكن في بعضها أن يبين على طريق الدور وإما من قبل أن فيها ما يمكن أن يبين بطريق الدور، لكن نوعا من طريق الدور ناقصا. القول في القياس المنعكس والعكس يقال في هذه الصناعة على ضروب شتى. والذي يراد به هاهنا هو أن نبطل بمقابل النتيجة وإحدى المقدمتين المقدمة الأخرى من القياس. وكأنه ضد البيان بالدور. وذلك أنه يجب ضرورة إذا أخذ نقيض النتيجة وأضيف إلى إحدى مقدمتي القياس أن تبطل المقدمة الثانية ضرورة، لأنها إن لم تبطل فلم تبطل النتيجة لأن المقدمات إذا لم تبطل فلم تبطل النتيجة- على ما تبين- لكن النتيجة قد بطلت بوضع نقيضها، هذا خلف لا يمكن. والإبطال الذي يكون لإحدى المقدمتين بمقابل النتيجة يختلف إذا كان المقابل المأخوذ ضدا أو نقيضا على ما تبين بعد. والمتناقضات- كما قيل- هي كل ولا كل وبعض ولا واحد. والمتضادة هي قولنا كل ولا واحد وبعض ولا بعض. القول في انعكاس الشكل الأول
следующие страницы →