← Сира

Сира · id 9728

جوامع السيرة - ط العلمية

ابن حزم

Полный текст (210 стр.). Показаны 176–210 · переход к 181.

стр. 176

فخرج عمرو بن سالم الخزاعى ثم أحد بنى كعب، وبديل بن ورقاء، وقوم من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله ﷺ مستغيثين مما أصابهم به بنو بكر بن عبد مناة وقريش، فأجابهم. وأنذرهم رسول الله ﷺ بأن أبا سفيان سيأتى ليشد العقد ويزيد فى المدة، وأنه سيرجع بغير حاجة. وندمت قريش على ما فعلت، فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليشد العقد ويزيد فى المدة، فلقى بديل بن ورقاء بعسفان، فكتمه بديل مسيره إلى النبيّ ﷺ ، وأخبره أنه إنما سار فى خزاعة على الساحل؛ فنهض أبو سفيان حتى أتى المدينة، فدخل على بنته أم حبيبة، أم المؤمنين، فذهب ليقعد على فراش رسول الله ﷺ ، فطوته دونه، فقال لها فى ذلك. فقالت: هو من أثر رسول الله ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس عليه. فقال: لقد أصابك بعدى شر يا بنية. ثم أتى النبيّ ﷺ فى المسجد، فكلمه، فلم يجبه بكلمة. ثم ذهب أبو سفيان إلى أبى بكر الصديق، فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ فيما أتى له، فأبى أبو بكر من ذلك، فلقى عمر فكلمه فى ذلك، فقال عمر: أنا أفعل ذلك؟ والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، فدخل على على بيته، فوجد عنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، والحسن وهو صبى، فكلمه فيما أتى له، فقال له على: والله ما نستطيع أن نكلم رسول الله ﷺ فى أمر قد عزم عليه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمرى بنيك هذا فيجير بين الناس؟ فقالت: ما بلغ بنى ذلك، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ . فقال على: يا أبا سفيان، أنت سيد بنى كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم ألحق بأرضك. فقال: أترى ذلك مغنيا عنى شيئا؟ قال: ما أظن ذلك، ولكن لا أجد لك سواه. فقام أبو سفيان فى المسجد فقال أيها الناس، إنى قد أجرت بين الناس. ثم ركب فانطلق راجعا إلى مكة

стр. 177

حتى قدمها، وأخبر قريشا بما فعل وبما لقى، فقالوا له: ما جئت بشيء وما زاد على بن أبى طالب على أن لعب بك. ثم أعلم رسول الله ﷺ أنه سائر إلى مكة، فأمرهم بالتجهز لذلك، ودعا الله تعالى أن يأخذ عن قريش بالأخبار (١). فكتب حاطب بن أبى بلتعة إلى قريش كتابا يخبرهم فيه بقصد رسول الله ﷺ . فأتى الخبر بذلك إلى رسول الله ﷺ من عند الله تعالى، فدعا على بن أبى طالب والزبير والمقداد، وهم فرسان، فقال لهم: انطلقوا إلى روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب لقريش. فانطلقوا، فلما أتوا المكان الذي وصف لهم رسول الله ﷺ ، وجدوا المرأة فأناخوا بها، ففتشوا رحلها كله فلم يجدوا شيئا، فقالوا: والله ما كذب رسول الله ﷺ فقال على: والله لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب. فحلت قرون رأسها، فأخرجت الكتاب منها؛ فأتوا به النبيّ ﷺ ، فلما قرئ عليه قال: ما هذا يا حاطب؟ فقال حاطب: يا رسول الله، والله ما شككت فى الإسلام، ولكنى ملصق فى قريش، فأردت أن أتخذ عندهم يدا يحفظوننى بها فى شأفتى بمكة وولدى وأهلى. فقال عمر: دعنى يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله ﷺ : وما يدريك يا عمر، لعل الله تعالى قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وخرج رسول الله ﷺ فى عشرة آلاف، واستحلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفارى، وذلك لعشر خلون من رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، بين عسفان وأمج، فأفطر بعد صلاة العصر، وشرب على راحلته علانية ليراه الناس، وأمر بالفطر، فبلغه ﷺ

стр. 178

أن قوما تمادوا على الصيام فقال: أولئك العصاة. فكان هذا نسخا لما تقدم من إباحة الصيام فى السفر. ولم يسافر ﷺ بعدها فى رمضان أصلا، فهذا الحكم فى السفر ناسخ لما قبله، ولم يأت بعد شيء ينسخه، ولا حكم يرفعه. فلما نزل مر الظهران، ومعه من بنى سليم ألف رجل، ومن مزينة ألف رجل وثلاثة رجال، وقيل: من بنى سليم سبعمائة، ومن غفار أربعمائة، ومن أسلم أربعمائة، وطوائف من قيس وأسد وتميم وغيرهم، ومن سائر القبائل أيضا جموع. وقد أخفى الله تعالى عن قريش الخبر تدعوه رسول الله ﷺ ، إلا أنهم وجسون خائفون؛ وقد خرج أبو سفيان، وبديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام، يتجسسون الأخبار. وقد كان العباس بن عبد المطلب هاجر فى تلك الأيام، فلقى رسول الله ﷺ بذى الحليفة، فبعث ثقله إلى المدينة، وانصرف مع رسول الله ﷺ غازيا. فالعباس من المهاجرين من قبل الفتح، وقيل: بل بل لقيه بالجحفة. وذكر أيضا أن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة، أخا أم سلمة أم المؤمنين، لقياه بنيق العقاب مهاجرين؛ فاستأذنا رسول الله ﷺ ، فلم يأذن لهما، فكلمته أم سلمة، فأذن لهما، فاسلما. فلما نزاوا بمر الظهران أسفت نفس العباس على ذهاب قريش، إن فجئهم الجيش قبل أن يأخذوا (١) لأنفسهم فيستأمنوا (٢)، فركب بغلة النبيّ ﷺ ونهض، فلما أتى الإدراك وهو يطمع أن يرى حطابا أو صاحب لبن

стр. 179

يأتى مكة فينذرهم، فبينما هو يمشى كذلك، إذ سمع صوت أبى سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتساءلان، وقد رأيا نيران عسكر النبيّ ﷺ ، وبديل يقول لأبى سفيان: هذه والله نيران خزاعة. فيقول له أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون لها هذه النيران. فلما سمع العباس كلامه ناداه: يا أبا حنظلة. فميز أبو سفيان صوته، فقال: أبو الفضل؟ قال: نعم. فقال له أبو سفيان: ما الشأن؟ فداك أبى وأمى. فقال له العباس: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله ﷺ فى الناس، واصباح قريش! فقال له أبو سفيان: وما الحيلة؟ فقال له العباس: والله إن ظفر بك ليقتلنك، فارتدف خلفى وانهض معى إلى رسول الله ﷺ . فأردفه العباس، فأتى به العسكر، فلما مر على نار عمر، نظر عمر إلى أبى سفيان فميزه، فقال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج يشتد إلى رسول الله ﷺ ، وسابقه العباس، فسبقه العباس على البغلة، وكان عمر بطيئا فى الجرى، فدخل العباس ودخل عمر على أثره، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بلا عقد، فأذن لى أضرب عنقة. فقال العباس: يا رسول الله، قد أجرته. فراده عمر الكلام، فقال العباس: مهلا يا عمر. فلو كان من بنى عدى بن كعب ما قلت هذا، ولكنه من بنى عبد مناف. فقال عمر: مهلا، فو الله لإسلامك، يوم أسلمت، كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بى إلا أنى قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب. فأمر رسول الله ﷺ أن يحمله إلى رحله، ويأتيه به صباحا، ففعل العباس ذلك. فلما أتى به النبيّ ﷺ قال له رسول الله ﷺ : ألم يأن لك؟ ألم تعلم أنه لا إله إلا الله؟ فقال أبو سفيان: بأبى أنت وأمى، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أنه لو كان معه إله غيره لقد أغنى. ثم قال له رسول الله ﷺ : ويحك يا أبا سفيان،

стр. 180

ألم يأن لك، ألم تعلم أنى رسول الله؟ فقال: بأبى أنت وأمى، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه والله فإن فى نفسى منها شيئا حتى الآن. فقال فقال له العباس: ويحك، أسلم قبل أن تضرب عنقك. فأسلم، فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا. فقال له رسول الله ﷺ : من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. وهذا القول من رسول الله ﷺ لكل من كان لا يقاتل من أهل مكة، من أهل مكة، بنص جلى لا إشكال فيه، فمكة مؤمنة بلا شك، ومن ثم لم تؤخذ عنوة بوجه من الوجوه، ولو أمن مسلم من أى المسلمين قرية من دار الحرب على أن يغلقوا أبوابهم ولا يقاتلوا، على ما فعل رسول الله ﷺ بأهل مكة، لكان أمانا صحيحا، وللزم ذلك كل مسلم، ولحرمت دماؤهم وأموالهم وديارهم، وللزمهم الإسلام أو الجلاء، إلا أن يكونوا كتابيين، فيباح لهم القرار، على الجزية والصغار، فكيف أمان رسول الله ﷺ ! فمن قال: إن مكة صلح على هذا المعنى، فقد صدق؛ ومن قال: إنها صلح على أنهم دافعوا وامتنعوا حتى صالحوا، فقد أخطأ؛ وأما من قال: عنوة، فقد أخطأ على كل حال. والصحيح اليقين: أنها مؤمنة على دمائهم وذراريهم وأموالهم ونسائهم، إلا من قاتل أو استثني فقط. ثم أمر رسول الله ﷺ العباس أن يوقف أبا سفيان بخطم الجبل أو الوادى (١) ليرى جيوش الله تعالى. ففعل ذلك العباس، وعرض عليه القبائل، قبيلة

стр. 181

قبيلة، إلى أن جاء موكب رسول الله ﷺ فى المهاجرين والأنصار، رضوان الله عليهم، خاصة، كلهم فى الدروع والبيض. فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله ﷺ فى المهاجرين والأنصار، فقال: والله ما لأحد بهؤلاء من قبل. والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. فقال العباس: إنه النبوة يا أبا سفيان. قال: فهذا إذن. فقال العباس: يا أبا سفيان، النجاء إلى قومك (١). فأسرع أبو سفيان. فلما أتى مكة عرفهم بما أحاط بهم، وأخبرهم بتأمين رسول الله ﷺ كل من دخل داره، أو المسجد، أو دار أبى سفيان. وتأبش (٢) قوم ليقاتلوا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وقد رتب الجيش. وكان قد جعل الراية بيد سعد بن عبادة، ثم بلغه أنه قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. فأمر رسول الله ﷺ أن يدفع الراية إلى الزبير بن العوام، وقيل: إلى على بن أبى طالب، وقيل: إلى قيس بن سعد ابن عبادة، وكان الزبير على الميسرة، وخالد بن الوليد على الميمنة، وفيها أسلم وغفار ومزينة وجهينة، وكان أبو عبيدة بن الجراح على مقدمة موكب النبيّ ﷺ ، وسرب رسول الله ﷺ الجيوش من ذى طوى، وأمر الزبير بالدخول، من ذى كداء، فى أعلى مكة، وأمر خالدا بالدخول من الليط، أسفل مكة، وأمرهم بقتال من قاتلهم. وكان عكرمة بن أبى جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، قد جمعوا جميعا بالخندمة ليقاتلوا، فناوشهم أصحاب خالد القتال. وأصيب من المسلمين رجلان، وهما: كرز بن جابر، من بنى محارب بن فقر، وخنيس.

стр. 182

ابن خالد بن ربيعة بن أصرم الخزاعى، حليف بنى منقذ، شذا عن جيش خالد فقتلا .. وأصيب أيضا من المسلمين سلمة بن الميلاء الجهنى. وقتل من المشركين نحو ثلاثة عشر رجلا، ثم انهزموا. وكان شعار المسلمين يوم الفتح وحنين والطائف: فشعار الأوس: يا بنى عبيد الله؛ وشعار الخزرج: يا بنى عبد الله؛ وشعار المهاجرين: يا بنى عبد الرحمن. وأمن النبيّ ﷺ الناس كما ذكرنا، حاشا عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح، وعكرمة بن أبى جهل، والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصى، ومقيس بن صبابة، وقينتى بن خطل، وهما: فرتنا وصاحبتها، وسارة، مولاة لبنى عبد المطلب. فأما ابن خطل - وهو من بنى تيم الأدرم بن غالب، كان قد أسلم وبعثه ﷺ مصدقا، وبعث معه رجلا من المسلمين، فعدا عليه وقتله ولحق بالمشركين - فوجد يوم الفتح وقد تعلق بأستار الكعبة، فقتله سعيد بن حريث المخزومى وأبو برزة الأسلمى. وأما عبد الله بن سعد بن أبى سرح، فكان يكتب لرسول الله ﷺ ، ثم لحق بمكة فاختفى، وأتى به عثمان بن عفان رسول الله ﷺ ، وكان أخاه من الرضاعة، فاستأمن له رسول الله ﷺ ؛ فسكت ﵇ ساعة، ثم أمنه وبايعه. فلما خرج قال رسول الله ﷺ لأصحابه: هلا قام إليه بعضكم فضرب عنقه؟ فقال رجل من الأنصار: هلا أومأت إلينا؟ فقال: ما كان لنبى أن يكون له خائنة الأعين. فعاش حتى استعمله عمر، ثم ولاه عثمان مصر. وهو الذي غزا إفريقية، ولم يظهر منه بعد إسلامه إلا خير وصلاح ودين.

стр. 183

وأما عكرمة بن أبى جهل ففر إلى اليمن، فاتبعته امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فردته، فأسلم، وحسن إسلامه. وأما الحويرث بن نقيذ، وكان يؤذى رسول الله ﷺ بمكة، فقتله على بن أبى طالب يوم الفتح. وأما مقيس بن صبابة، فكان قد أتى النبيّ ﷺ مسلما، ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله لقتله أخاه خطأ، فقتله يوم الفتح نميلة بن عبد الله الليثى، وهو ابن عمه. وأما قينتا ابن خطل، فقتلت إحداهما، واستؤمن للأخرى، فأمنها رسول الله ﷺ ، فعاشت إلى أن ماتت بعد ذلك بمدة، وكانتا تغنيان بهجو رسول الله ﷺ . وأما سارة، فاستؤمن لها أيضا، فأمنها رسول الله ﷺ ، فعاشت إلى أن أطأها رجل فرسا بالأبطح فماتت. واستتر رجلان من بنى مخزوم عند أم هانئ بنت أبى طالب، فأمنتهما، فأمضى رسول الله ﷺ أمانها لهما، وكان على رضوان الله عليه قد أراد قتلهما، وقيل: إنهما الحارث بن هشام، وزهير بن أبى أمية أخو أم سلمة، فأسلما، وكانا من خيار المسلمين. وطاف رسول الله ﷺ بالكعبة، ودعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة بعد أن مانعت أم عثمان دونه، ثم أسلمته. فدخل ﷺ الكعبة، ومعه أسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، ولا أحد معهم، وأغلقوا الأبواب، وتموا حينا، وصلى ﷺ فى داخلها، ثم خرج وخرجوا، ورد المفتاح إلى عثمان بن طلحة، وأبقى له حجابة البيت، فهى فى ولده إلى اليوم، فى ولد شيبة بن عثمان بن طلحة.

стр. 184

وأمر رسول الله ﷺ بكسر الصور التي داخل الكعبة وخارجها، وتكسير الأصنام التي حول الكعبة وبمكة. وأذن له بلال على ظهر الكعبة. وخطب رسول الله ﷺ ثانى يوم الفتح، فأخبر أنه قد وضع مآثر الجاهلية حاشا سدانة البيت، وسقاية الحاج. وأخبر أن مكة لم يحل القتال فيها لأحد قبله، ولا لأحد بعده، وأنها لم تحل لأحد غيره، ولم تحل له إلا ساعة من نهار، ثم عادت كحرمتها بالأمس، لا يسفك فيها دم. ومر رسول الله ﷺ بالأصنام وهى مشددة بالرصاص، فأشار إليها بقضيب كان فى يده وهو يقول: جاء الحق وزهق الباطل. فما أشار لصنم منها إلا خر لوجهه. وتوقعت الأنصار أن يبقى رسول الله ﷺ بمكة، فأخبرهم أن المحيا محياهم، والممات مماتهم. ومر بفضالة بن عمير بن الملوح الليثى، وهو عازم على الفتك برسول الله ﷺ ، فقال له: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله. فضحك رسول الله ﷺ وقال: استغفر الله. ووضع يده على صدره، فكان فضالة يقول: والذي بعثه بالحق، ما رفع يده عن صدرى حتى ما أجد على ظهر الأرض أحب إلى منه. وهرب صفوان بن أمية إلى اليمن، فاتبعه عمير بن وهب الجمحى بتأمين رسول الله ﷺ إياه، فرجع فأكرمه رسول الله ﷺ ، وأنظره أربعة أشهر. وكان بن الزبعرى السهمى الشاعر قد هرب إلى نجران، ثم رجع فأسلم وهرب هبيرة بن أبى وهب المخزومى، زوج أم هانئ بنت أبى طالب إلى اليمن، فمات كافرا هناك

стр. 185

ثم بعث رسول الله ﷺ السرايا حول مكة، يدعو إلى الإسلام، ويأمرهم بقتال من قاتل. وفى جملتهم خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة بن عامر ابن عبد مناة بن كنانة، فقتل منهم وأخذ، فأنكر النبيّ ﷺ ذلك، وبعث عليا بمال إليهم، فودى لهم قتلاهم، ورد إليهم ما أخذ منهم. ثم بعث خالد بن الوليد إلى العزى، وكان بيتا بنخلة تعظمه قريش وكنانة وجميع مضر، وكان سدنته بنو شيبان من سليم خلفاء بنى هاشم فهدمه. وكان فتح مكة لعشر بقين من رمضان سنة ثمان. غزوة حنين فلما بلغ فتح مكة هوازن، جمعهم مالك بن عوف النصرى، واجتمع إليه ثقيف، وقومه بنو نصر بن معاوية، وبنو جشم، وبنو سعد بن بكر، ويسير من بنى هلال بن عامر، ولم يشهدها من قيس عيلان غير هؤلاء، وغاب عن ذلك عقيل وبشر ابنا كعب بن ربيعة بن عامر، وبنو كلاب ابن ربيعة بن عامر، وسائر إخوتهم، فلم يحضرها من كعب وكلاب أحد يذكر، وساق بنو جشم مع أنفسهم شيخهم وكبيرهم وسيدهم فيما خلا: دريد بن الصمة، وهو شيخ كبير لا ينتفع به، لكن يتيمن بمحضره ورأيه، وهو فى هودج لضعف جسمه. وكان فى ثقيف سيدان لهم، فى الأحلاف: قارب بن الأسود بن مسعود بن معتب، وفى بنى مالك: ذو الخمار سبيع ابن الحارث بن مالك، وأخوه: أحمر بن الحارث والرئاسة فى الجميع إلى

стр. 186

مالك النصرى، فحشد من ذكرنا، وساق مع الكفار أموالهم وماشيتهم ونساءهم وأولادهم، ليحموا بذلك فى القتال، فنزلوا بأوطاس. فقال لهم دريد: ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ فقالوا: ساق مالك مع الناس أموالهم وعيالهم. فقال: أين مالك؟ فقيل له: هو ذا. فسأله دريد: لم فعلت ذلك؟ فقال مالك: ليكون مع الناس أهلهم وأموالهم فيقاتلوا عنهم. فقال له دريد: راعى ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسلاحه وإن كانت عليك فضحت فى أهلك ومالك. ثم قال: ما فعل كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد. قال: غاب الجد والحد، لو كان يوم علاء ورفعة لم يغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم كما فعلت كعب وكلاب. فمن شهدها من بنى عامر؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر. قال: ذانك الجذعان: عمرو ابن عامر وعوف بن عامر، لا ينفعان ولا يضران! يا مالك! إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن (١) إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى ممتنع ديارهم، وعلياء قومهم، ثم الق الصباة على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك. فأبى مالك ذلك، وخالفت هوازن دريدا واتبعوا مالك بن عوف، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده، ولم يغب عنى: يا ليتنى فيها جذع … أخب فيها وأضع (٢)

стр. 187

وبعث إليهم رسول الله ﷺ ، عشاء، عبد الله بن أبى حدرد الأسلمى، فأتى بعد أن عرف مذاهبهم، وأخبر رسول الله ﷺ مقصدهم. واستعار رسول الله ﷺ من صفوان بن أمية بن خلف دروعا، قيل: مائة درع، وقيل: أربعمائة درع. وخرج فى اثنى عشر ألف مسلم، منهم عشرة آلاف صحبوه من المدينة، وألفان من مسلمة الفتح. واستعمل رسول الله ﷺ على مكة عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس، ومضى ﵇. وفى جملة من اتبعه: عباس بن مرداس فى بنى سليم، والضحاك بن سفيان الكلابى، وجموع من بنى عبس وذبيان. وفى مخرجه هذا رأى جهال الأعراب شجرة خضراء، وكان لهم فى الجاهلية شجرة معروفة فى مكان معروف تسمى: ذات أنواط، يخرج إليه الكفار يوما معروفا فى العام يعظمونها، فتصايح جهال الأعراب: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: قلتم، والذي نفس محمد بيده، كما قال قوم موسى: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (١)، إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم. ثم نهض، فلما أتى وادى حنين، وهو واد حدور من أودية تهامة، وهوازن قد كمنت فى جنبتى الوادى، وذلك فى عماية الصبح (٢)؛ فحملوا على المسلمين حملة رجل واحد، فولى المنهزمون لا يلوى أحد على أحد، فناداهم رسول الله ﷺ فلم يرجعوا، وثبت مع رسول الله ﷺ : أبو بكر:

стр. 188

وعمر، وعلى، والعباس، وأبو سفيان بن الحارث، وابنه جعفر، والفضل ابن العباس، وقثم بن العباس، وجماعة من غيرهم؛ والنبيّ ﷺ على بغلته البيضاء، واسمها: دلدل، والعباس آخذ بحكمتها (١)، فأمره النبيّ ﷺ أن ينادى: يا معشر الأنصار! يا معشر الأنصار! يا معشر أصحاب الشجرة وكان العباس جهير الصوت جدا، وروينا أنه أمره أن ينادى: يا معشر المهاجرين، بعد ذلك. فلما نادى العباس بمن ذكرنا، وسمعوا الصوت، ذهبوا ليرجعوا، وكان الرجل منهم لا يستطيع أن يثنى بعيره لكثرة المنهزمين، فيأخذ درعه فيلبسها، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره، ويكر راجلا إلى رسول الله ﷺ . حتى إذا اجتمع حواليه منهم نحو المائة، استقبلوا هوازن، واشتدت الحرب بينهم، وقذف الله تعالى فى قلوب هوازن - حين وصلوا إلى رسول الله ﷺ الرعب، ولم يملكوا أنفسهم، ورماهم بقبضة حصى بيده، فما منهم أحد إلا أصابته، وفى ذلك يقول جل ثناؤه: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ (٢). وقد ذكر عن بعض هوازن. ممن أسلم منهم بعد ذاك، أنه قال: لقينا المسلمين فما لبثنا أن هزمناهم واتبعناهم، حتى أتينا إلى رجل راكب بغلة شهباء، فلما رآنا زبرنا وانتهرنا، فما ملكنا أنفسنا أن رجعنا على أعقابنا، وما تراجع سائر من كان مع النبيّ ﷺ إلا وأسرى هوازن بين يديه. وثبتت أم سليم فى جملة من ثبت فى أول الأمر، محتزمة ممسكة خطام جمل لأبى طلحة وفى يدها خنجر.

стр. 189

وانهزمت هوازن، وملك الأموال والعيال، واستحر القتل فى بنى مالك من ثقيف. فقتل منهم خاصة يومئذ سبعون رجلا، فى جملتهم رئيساهم: ذو الخمار، وأخوه عثمان، ابنا عبد الله بن ربيعة بن الحارث، ولم يقتل من الأحلاف إلا رجلان، لأن سيدهم قارب بن الأسود لما رأى أول الهزيمة أسند رايته إلى شجرة وفر بقومه. وهرب مالك بن عوف النصرى مع جماعة منهم، فدخل الطائف مع ثقيف، وانحازت طوائف من هوازن إلى أوطاس. وتوجه بنو غيرة من الأحلاف من ثقيف إلى نخلة، فاتبعت طائفة من خيل المسلمين من توجه نحو نخلة، وأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن امرئ القيس من بنى سليم: دريد بن الصمة فقتله، وقيل: إن قاتل دريد هو عبد الله بن قنيع بن أهبان ابن ثعلبة بن ربيعة. وفى هذه الغزوة قال رسول الله ﷺ بعد انقضائها: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه». وبعث رسول الله ﷺ إلى من اجتمع من هوازن بأوطاس، أبا عامر الأشعرى، واسمه عبيد، وهو عم أبى موسى الأشعرى، فقتل أبو عامر بسهم، رماه سلمة بن دريد، وأخذ أبو موسى الراية وشد على قاتل عمه فقتله. واستحر القتل فى بنى نصر بن معاوية؛ وقيل: رمى أبا عامر أخوان، وهما: العلاء وأو فى ابنا الحارث، أصاب أحدهما قلبه، والآخر ركبته، ثم قتلهما أبو موسى. وقيل: بل قتل تسعة إخوة من المشركين يدعو كل واحد منهم إلى الإسلام، ثم يحمل عليه فيقتله، ثم حمل عليه عاشرهم، فقتل عاشرهم أبا عامر، ثم أسلم ذلك العاشر بعد ذلك:

стр. 190

واستشهد يوم حنين من المسلمين: أيمن بن عبيد، وهو ابن أم أيمن، أخو أسامة بن زيد لأمه. ويزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، جمح به فرسه، ويقال له «الجناح» فقتل. وسراقة بن الحارث بن عدى بن العجلان، من الأنصار. وأبو عامر الأشعرى. وكانت وقعة هوازن، وهو يوم حنين، فى أول شوال من السنة الثامنة من الهجرة. وأما رد رسول الله ﷺ إلى هوازن نساءهم وأبناءهم، وإعطاؤه ﷺ من أعطى من أموالهم من سادات قريش، وأهل نجد، وغيرهم من رؤساء العرب -: فهو مذكور بعد غزوة الطائف. وكان منصرف رسول الله ﷺ من حنين إلى الطائف، ولم يعرج ﷺ على مكة. غزوة الطائف قال أبو محمد على بن أحمد رحمه الله تعالى: لم يشهد عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة الثقفيان يوم حنين، ولا حصار الطائف، كانا بجرش، يتعلمان صنعة المجانيق والدبابات. فسلك رسول الله ﷺ فى طريقه من الجعرانة إلى الطائف على نخلة اليمانية، ثم على قرن، ثم على المليح، ثم على بحرة الرغاء من لية، فابتنى بها ﷺ مسجدا، فصلى فيه.

стр. 191

وذكر أن رجلا من بنى هذيل ببحرة الرغاء حين نزلها طالب بدم، فأقاده ﷺ . وكان بالمكان المذكور حصن لمالك بن عوف النصرى، فأمر النبيّ ﷺ بهدمه، فهدم. ثم سلك الطريق من بحرة الرغاء، فسأل عن اسمها، فقيل له: الضيقة، فقال: بل هى اليسرى، ثم نزل تحت سدرة يقال لها: الصادرة، بقرب مال رجل من ثقيف، فتمنع الرجل منه فى أطمه، فأمر النبيّ ﷺ بهدم ماله، فهدم وأخرب ثم نزل بقرب الطائف، فتحصنت منه ثقيف، وحاربهم المسلمون، فأصيب من المسلمين رجال بالنبل، فزال عن ذلك المنزل إلى موضع المسجد المشهور اليوم، وكان واديا يقال له: العقيق، فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، ويقال: بل بضع عشرة ليلة، وهو الصحيح بلا شك. وكان معه امرأتان من نسائه، إحداهما أم سلمة. فموضع المسجد اليوم بين منزلهما، فى موضع مصلاه ﷺ . وتولى بنيان ذلك المسجد عمرو بن أمية بن وهب بن مالك الثقفى. ورماهم ﷺ بالمنجنيق، ثم دخل نفر من المسلمين تحت دبابة ودنوا من سور الطائف، فصب عليهم أهل الطائف سكك الحديد المحماة، ورموا بالنبل، فأصابوا منهم قوما. وأمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب أهل الطائف، واسترحمه بن مسعود فى ماله، وكان بعيدا عن الطائف، فكف عن قطعه. ثم إن رسول الله ﷺ رحل عن الطائف، وحينئذ نزل أبو بكرة إلى رسول الله ﷺ وهو مسلم، وعبيد من أهل الطائف؛ قيل: إن الأزرق، والد نافع بن الأزرق صاحب الأزارقة، منهم.

стр. 192

واستشهد على الطائف: سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية. وعرفطة بن جناب، حليف لبنى أمية من الأزد. وعبد الله بن أبى بكر الصديق، أصابه سهم، فاستمر منه مريضا حتى مات منه بعد رسول الله ﷺ فى خلافة أبيه. وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة المخزومى، أخو أم سلمة، أم المؤمنين. وعبد الله بن عامر بن ربيعة العنزى، حليف بنى عدى بن كعب. والسائب بن الحارث بن قيس بن عدى. وأخوه: عبد الله بن الحارث، السهميان. وجليحة بن عبد الله، من بنى سعد بن ليث: وثابت بن الجذع، من بنى سلمة من الأنصار. والحارث بن سهل بن أبى صعصعة، من بنى مازن بن النجار. والمنذر بن عبد الله، من بنى ساعدة. ومن الأوس: رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية. وكان بجير بن زهير بن أبى سلمى، الشاعر ابن الشاعر، حسن الإسلام، ممن شهد حنينا والطائف. ثم انصرف رسول الله ﷺ من الطائف إلى الجعرانة، وأتاه هناك وفد هوازن مسلمين راغبين، فخيرهم رسول الله ﷺ بين عيالهم وأبنائهم وبين أموالهم، فاختاروا عيالهم وأبناءهم، فأمر رسول الله ﷺ أن يكلموا المسلمين

стр. 193

فى ذلك، ففعلوا، فقال ﷺ : ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم. وقال المهاجرون والأنصار: أما ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ . وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن عن أن يردا عليهم ما وقع لهما من الفيء، وساعدهما قومهما. وامتنع العباس بن مرداس السلمى، فطمع أن يساعده قومه بنو سليم، فأبوا، وقالوا: بل ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ . فرد عليهم ﷺ نساءهم وأبناءهم، وعوض من لم تطب نفسه بترك نصيبه أعواضا رضوا بها. وكان عدد سبى هوازن ستة آلاف إنسان، منهم الشيماء أخت النبيّ ﷺ من الرضاعة، وهى بنت الحارث بن عبد العزى، من بنى سعد بن بكر بن هوازن، فأكرمها رسول الله ﷺ ، وأعطاها وأحسن إليها، ورجعت إلى بلادها مختارة لذلك. وقسم رسول الله ﷺ الأموال بين المسلمين، ثم أعطى من نصيبه من الخمس المؤلفة قلوبهم؛ وهم: أبو سفيان بن حرب بن أمية، وابنه معاوية، وحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، والحارث بن الحارث بن كلدة أخو بنى عبد الدار، وقد قال بعضهم: الحارث بن الحارث هذا من مهاجرة الحبشة، فإن صح ذلك فقد أعاذه الله تعالى من أن يكون من المؤلفة قلوبهم الذين أعطوا فى هذه السبيل، وهو أخو النضر بن الحارث الذي ضرب رسول الله ﷺ عنقه صبرا يوم بدر - والحارث بن هشام بن المغيرة المخزومى، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى بن أبى قيس، والعلاء بن جارية الثقفى، حليف بنى زهرة، وصفوان بن أمية الجمحى، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، والأقرع بن حابس التميمى؛ أعطى كل واحد من هؤلاء مائة بعير. وأعطى عباس بن مرداس السلمى أقل من ذلك، فقال شعرا يخاطب به رسول الله ﷺ ، فأتم له المائة. ومالك بن

стр. 194

عوف النصرى، وقد كان فر عن الطائف ولحق بالنبى ﷺ . فهؤلاء أصحاب المئين. وأعطى ﷺ يومئذ عدى بن قيس بن حذافة السهمى خمسين من الإبل؛ وسعيد بن يربوع بن عنكثة بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل؛ ولمخرمة بن نوفل الزهرى، وعمرو بن وهب الجمحى، وهشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب أخى بنى عامر بن لؤيّ - بأقل من مائة لكل واحد منهم. وممن أعطى رسول الله ﷺ عددا دون ذلك: طليق بن سفيان بن أمية ابن عبد شمس، وخالد بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس، وشيبة ابن عثمان بن أبى طلحة بن عبد العزى - وكان يذكر نفسه عن أنه أراد الفتك برسول الله ﷺ يوم حنين، فتغشاه أمر لا يقدر على وصفه، قال: فعلمت أنه ممنوع من عند الله -، وأبو السنابل بن بعكك بن حارثة بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وزهير بن أبى أمية بن المغيرة، أخو أم سلمة أم المؤمنين، وخالد بن هشام ابن المغيرة المخزومى، وهشام بن الوليد، أخو خالد بن الوليد، وسفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والسائب بن أبى السائب ابن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة، أخو بنى عدى بن كعب، وأبو جهم بن حذيفة بن غانم العدوى، وأحيحة بن أمية الجمحى، ونوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن رزن بن يعمر بن نفاثة بن عدى بن الديل، من بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة، وعلقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، وخالد بن هوذة بن خالد - الملقب بالحلس - بن ربيعة بن عمرو، فارس الضحياء، بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأخوه: حرملة بن هوذة.

стр. 195

فكان لشباب الأنصار فى ذلك كلام لم يرض به أشياخهم ولا خيارهم، فذكرهم رسول الله ﷺ بنعمة الله تعالى عليهم بالإسلام، وبه ﵊، وأنه إنما أعطى قوما حديثى عهد بالإسلام وبمصيبة، يتألفهم على الإسلام، فرضوا، رضوان الله عليهم (١). وذكر لرسول الله ﷺ جعيل بن سراقة الضمرى، وأنه لم يعطه شيئا، فأخبر أنه خير من طلاع الأرض (٢) مثل عيينة، تألف عيينة، ووكل جعيل بن سراقة إلى إسلامه. وكان هذا القسم بالجعرانة؛ ثم اعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة إلى مكة، ثم رجع إلى المدينة فدخلها لست بقين لذى القعدة. وكانت قصة الطائف فى ذى القعدة من السنة الثامنة من الهجرة. وكانت مدة غيبة رسول الله ﷺ مذ خرج من المدينة إلى مكة فافتتحها وأوقع بهوازن وحارب الطائف إلى أن رجع إلى المدينة -: شهرين وستة عشر يوما. واستعمل ﷺ مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع النصرى، وهو الذي كان رئيس الكفار يوم حنين، على من أسلم من قومه، ومن سلمة، وفهم وثمالة. وأمره ﷺ بمغاورة ثقيف ففعل، وضيق عليهم، وحسن إسلامه وإسلام من معه وإسلام جميع المؤلفة قلوبهم، حاشا عيينة بن حصن فلم يزل مغموزا.

стр. 196

وكان المؤلفة قلوبهم - مع حسن إسلامهم - متفاضلين فى الإسلام، منهم الفاضل المجتهد: كالحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام؛ وفيهم خيار دون هؤلاء: كصفوان بن أمية، وعمرو بن وهب، ومطيع بن الأسود، ومعاوية بن أبى سفيان؛ وسائرهم لا نظن بهم إلا الخير. وكان ممن أسلم، يوم الفتح وبعده، من الأشراف (١) نظراء من ذكرنا، ووثق رسول الله ﷺ بصحة إيمانهم، وقوة نياتهم فى الإسلام لله تعالى، فلم يدخلهم مدخل من أعطاه -: عكرمة أبى جهل، وعتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية، وجبير بن مطعم. واستعمل رسول الله ﷺ على مكة عتاب بن أسيد؛ وهو شاب، ابن نيف وعشرين سنة، وكان فى غاية الورع والزهد، فأقام الحج بالمسلمين تلك السنة. وهو أول أمير أقام الحج فى الإسلام، وحج المشركون على مشاعرهم. وأتى كعب بن زهير بن أبى سلمى تائبا مادحا لرسول الله ﷺ ، وكان قبل ذلك يهجو رسول الله ﷺ ، فقبل ﷺ إسلامه ومدحه، وأثابه. غزوة تبوك هذه آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه. وكان رجوع النبيّ ﷺ من عمرته بعد حصار الطائف - كما ذكرنا - فى آخر ذى القعدة من سنة ثمان.

стр. 197

فأقام بالمدينة ذا الحجة، والمحرم، وصفرا، وربيعا الأول، وربيعا الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة. فلما كان فى رجب من سنة تسع من الهجرة، أذن رسول الله ﷺ بغزو الروم؛ وذلك فى حر شديد حين طاب أول الثمر، وفى عام جدب. وكان ﷺ لا يكاد يغزو إلى وجه إلا ورى بغيره، إلا غزوة تبوك، فإنه ﷺ بينها للناس، لمشقة الحال فيها، وبعد الشقة، وقوة العدو المقصود. فتأخر الجد بن قيس أخو بنى سلمة وكان متهما، فاستأذن رسول الله ﷺ فى البقاء، وهو غنى قوى، فأذن له وأعرض عنه، ففيه نزلت: ﴿وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي، أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ (١). وكان نفر من المنافقين يجتمعون فى بيت سويلم اليهودى، عند جاسوم يثبطون الناس عن الغزو. فبعث رسول الله ﷺ طلحة بن عبيد الله فى نفر، وأمرهم أن يحرقوا عليهم البيت، ففعل ذلك طلحة، فاقتحم الضحاك بن خليفة، وكان فى البيت، فوقع فانكسرت رجله. وفر أيضا ابن أبيرق، وكان معهم. وأنفق ناس كثير من المسلمين واحتسبوا. فأنفق عثمان ﵁ نفقة عظيمة، روى أنه حمل فى هذه الغزوة على تسعمائة بعير، ومائة فرس، وجهز ركابها، حتى لم يفقدوا عقالا ولا شكالا (٢). وروى أيضا أنه أنفق فيها ألف دينار. وهذه الغزوة أتى فيها رسول الله ﷺ البكاءون، وهم سبعة: سالم بن عمير من بنى عمرو بن عوف، وعلبة بن زيد أخو بنى حارثة، وأبو ليلى

стр. 198

عبد الرحمن بن كعب أخو بنى مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام أخو بنى سلمة، وعبد الله بن المغفل المزنى، وقيل: هو عبد الله بن عمرو المزنى، وهرمى بن عبد الله أخو بنى واقف، وعرباض بن سارية الفزارى. فاستحملوا رسول الله ﷺ ، فلم يجدوا عنده ما يحملهم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون. فذكر أن ابن يامين بن عمرو بن كعب النضرى حمل أبا ليلى وعبد الله بن مغفل على ناضح (١) له يعتقبانه (٢) وزودهما تمرا. واعتذر المخلفون من الأعراب، فعذرهم رسول الله ﷺ . ونهض عليه صلوات الله وسلامه، واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة، وقيل: بل سباع بن عرفطة، وقيل: بل على بن أبى طالب. وضرب عبد الله بن أبى بن سلول عسكره بناحية غازية مع رسول الله ﷺ ، فكان عسكره فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين؛ وهذا باطل، لأنه لم يتخلف معه إلا ما بين السبعين إلى الثمانين فقط، وإنما وقع هذا يوم فى أحد، وفيه أيضا نظر؛ وقد قيل: إنه لم يكن يومئذ من معه أقل العسكرين. والصحيح: أنه كان فى دون ما معه ﷺ يوم أحد. وأما من كان مع عبد الله بن أبى فى غزوة تبوك، ممن تخلف معه بعد مسيره ﵇، فأهل النفاق وأصحاب الريب فى العدة المذكورة. وخطر رسول الله ﷺ على الحجر بلاد ثمود، فأمرهم ألا يتوضأ أحد من مائهم، ولا يعجنوا منه، وما عجنوا منه فليعلفوه الإبل، وأمرهم

стр. 199

أن يستعملوا فى كل ذلك من ماء بئر الناقة، وأمر ألا يدخلوا عليهم بيوتهم إلا أن يدخلوها باكين. ونهاهم ﷺ أن يخرج أحد منهم منفردا دون صاحبه، فخرج رجلان من بنى ساعدة متفرقين، أحدهما للغائط، فخنق على مذهبه، فأخبر رسول الله ﷺ ، فدعا له فشفى. والآخر خرج فى طلب بعير له فرمته الريح فى أحد جبلى طيئ فردته طيئ بعد ذلك إلى رسول الله ﷺ . وعطش الناس فى هذه الغزوة، فدعا رسول الله ﷺ ربه، فأرسل سبحانه سحابة فأمطرت. وأضل ﵇ ناقته، فقال بعض المنافقين: محمد يدعى أنه يعلم خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته؟ فأتى الوحى بذلك إلى رسول الله ﷺ بموضع ناقته، فأخبر أصحابه بذلك، وابتدروا المكان الذي وصف، فوجدوها هنالك. قيل: إن قائل هذا القول زيد بن اللصيت القينقاعى، وكان منافقا، وقيل: إنه تاب بعد ذلك، وقيل: لم يتب. وفى هذه الغزوة ذكر أن رسول الله ﷺ قال - وقد رأى أبا ذر يتبع أثر الجيش قاصدا اللحاق به ﷺ : «يرحم الله أبا ذر، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده». وكان كذلك كما قال ﷺ . وفضح الله تعالى بالوحى قوما من المنافقين، فتوا فى أعضاد المسلمين بالتخذيل لهم، فتاب منهم مخشن بن حمير، ودعا إلى الله تعالى أن يكفر عنه عنه بشهادة يخفى بها مكانه، فقتل يوم اليمامة، ولم يوجد له أثر. وصالح رسول الله ﷺ يحنة بن رؤبة صاحب أيلة على الجزية.

стр. 200

وبعث ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك الكندى، صاحب دومة، وأخبره أنه يجده يصيد البقر، فاتفق أن قرب خالد، من حصن أكيدر فى الليل، وقد أرسل الله تعالى بقر الوحش، فباتت تحك القصر بقرونها، فنشط أكيدر ليصيدها، فخرج فى الليل، فأخذه خالد، فبعث به إلى رسول الله ﷺ ، فعفا عنه ورده وصالحه على الجزية. وأقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين ليلة، ولم يتجاوزها. وكان فى طريقه ماء قليل، فنهى أن يسبق أحد إلى الماء، فسبق رجلان فاستنفدا ماءه، فسبهما ﷺ ، ثم وضع يده فيه، وتوضأ بماء يبض منه، ثم صبه فيه ودعا بالبركة، فجاشت بماء عظيم غزير، كفى الجيش كله. وأخبر رسول الله ﷺ أن ذلك الموضع يصير جنانا، فكان كذلك. وفى منصرفه ﷺ أمر بهدم مسجد الضرار. وأمر مالك بن الدخشم أخا بنى سالم، ومعن بن عدى أو أخاه عاصم بن عدى أخا بنى العجلان -: بهدم المسجد وحرقه. فدخل مالك بن الدخشم منزله فأخرج منه شعلة نار، فأحرقا المسجد وهدماه. وكان الذين بنوه: خذام بن خالد، من بنى عبيد بن زيد، أحد بنى عمرو بن عوف، ومن داره أخرج مسجد الضرار. ومعتب بن قشير، من بنى ضبيعة بن زيد. وأبو حبيبة بن الأزعر، من بنى ضبيعة بن زيد. وعباد بن حنيف، من بنى عمرو بن عوف. وجارية بن عامر، وابناه: مجمع بن جارية، وزيد بن جارية.

стр. 201

ونبتل بن الحارث، من بنى ضبيعة. وبخرج، من بنى ضبيعة. وبجاد بن عثمان، من بنى ضبيعة. ووديعة بن ثابت، من بنى أمية بن زيد. وقد ذكر بعضهم فيه: ثعلبة بن حاطب، وهذا خطأ، لأن ثعلبة بدرى. ولرسول الله ﷺ مساجد بين تبوك والمدينة مسماة: مسجد تبوك، ومسجد بثينة مدران، ومسجد بذات الزراب، ومسجد بالأخضر، ومسجد بذات الخطمى، ومسجد بألاء، ومسجد بطرف البتراء من ذنب كواكب، ومسجد بشق تارا، ومسجد بذى الجيفة، ومسجد بصدر حوضى، ومسجد بالحجر، ومسجد بالصعيد، ومسجد بوادى القرى، ومسجد بالرقعة فى شقة بنى عذرة، ومسجد بذى المروة، ومسجد بالفيفاء، ومسجد بذى خشب. وفى هذه الغزاة تخلف كعب بن مالك من بنى سلمة، ومرارة بن الربيع من بنى عمرو بن عوف، وهلال بن أمية الواقفى، وكانوا صالحين، فنهى النبيّ ﷺ عن كلامهم مدة خمسين يوما، ثم نزلت توبتهم. وكان المتخلفون لسوء نياتهم من أهل المدينة نيفا وثمانين رجلا. وكان رجوع رسول الله ﷺ من تبوك فى رمضان سنة تسع. إسلام ثقيف ولما كان فى رمضان سنة تسع المؤرخ، منصرف رسول الله ﷺ من تبوك، أتاه وفد ثقيف. وقد كان عروة بن مسعود الثقفى لحق برسول الله ﷺ منصرفه من حنين والطائف، قبل أن يدخل ﵇ المدينة، فأسلم

стр. 202

وكان سيد ثقيف، فاستأذن رسول الله ﷺ فى الرجوع إلى قومه ودعائهم إلى الإسلام، فخشى عليه منهم وحذره، فأبى ووثق بمكانه منهم، فانصرف ودعاهم إلى الإسلام فرموه بالنبل، فمات، فأوصى عند موته أن يدفن خارج الطائف مع الشهداء الذين أصيبوا إذ حاصرهم رسول الله ﷺ ، فدفن هناك، رضوان الله عليه. ثم إن ثقيفا رأوا أنهم لا طاقة لهم بما هم فيه من مغاورة جميع العرب، وكان رئيسهم عمرو بن أمية أخا بنى علاج وعبد يا ليل بن عمرو بن عمير، وهو من الأحلاف من بنى غيرة، وهم فخذ من ثقيف، فاتفقوا على أن يبعثوا إلى رسول الله ﷺ عبد يا ليل بن عمرو ورجلين من الأحلاف، وهما: الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب، وشرحبيل بن غيلان، وثلاثة من بنى مالك، وهم: عثمان بن أبى العاص بن بشر بن عبد دهمان أخو بنى يسار، ونمير بن خرشة بن ربيعة أخو بنى الحارث، وأوس بن عوف؛ وقد قيل: إنه قاتل عروة بن مسعود؛ فخرجوا حتى قدموا المدينة. فأول من رآهم بقناة: ابن عمهم المغيرة بن شعبة، وكان يرعى فى نوبته ركاب رسول الله ﷺ ؛ فترك عندهم الركاب، ونهض مسرعا ليبشر رسول الله ﷺ بقدومهم، فلقى أبا بكر، فاستخبره عن شأنه، فأخبره المغيرة بقدوم وفد قومه للإسلام، فأقسم عليه أبو بكر أن يؤثره بتبشيره رسول الله ﷺ بذلك. فكان أبو بكر هو الذي بشر رسول الله ﷺ بهذا الأمر. فرجع المغيرة ورجع معهم، وأخبرهم كيف يحيون رسول الله ﷺ فلم يفعلوا، وحيوه بتحية أهل الجاهلية، فضرب لهم رسول الله ﷺ قبة فى ناحية المسجد.

стр. 203

وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يختلف بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وهو الذي كتب لهم الكتاب، وكان الطعام يأتيهم من عند رسول الله ﷺ فلا يأكلونه حتى يأكل منه خالد. وسألوا رسول الله ﷺ أن يترك لهم الطاغية مدة ما، لا يهدمها؛ فأبى عليهم ذلك رسول الله ﷺ . وسألوا أيضا أن يعفو من الصلاة، فأبى عليهم ﷺ من ذلك. وسألوا ألا يهدموا أوثانهم بأيديهم، فأجابهم إلى ذلك. وأمر عليهم عثمان بن أبى العاص، وكان أحدثهم سنا، لأنه ﵇ رآه أحرصهم على تعلم القرآن وشرائع الإسلام؛ فأسلموا، وأمر رسول الله ﷺ عثمان بن أبى العاص بتعليمهم شرائع الإسلام. ومما أمره به: أن يصلى بهم، وأن يقتدى بأضعفهم، أى لا يطول عليهم إلا على قدر قوة أضعف من يصلى وراءه. وأمره أيضا أن يتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا. ثم انصرف إلى بلادهم، وبعث رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، لهدم الطاغية، وهى اللات. فأقام أبو سفيان بماله بذى الهرم، وقال للمغيرة: ادخل أنت على قومك. فدخل المغيرة وشرع فى هدم الطاغية، وأقام قومه دونه: بنو معتب، خشية أن يرمى؛ وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين اللات وينحن عليها. وهدمها المغيرة، وأخذ مالها وحليها. وقضى رسول الله ﷺ من مال الطاغية دين عروة بن مسعود؛ ورغب إليه قارب بن الأسود بن مسعود أن يقضى دينه الذي تحمل به عن أبيه. ففعل ذلك. وقد كان أبو مليح بن عروة بن مسعود، وقارب بن الأسود. قد أسلما قبل إسلام ثقيف.

стр. 204

حجة أبى بكر الصديق رضى عنه وبعث على بن أبى طالب ﵁ بسورة «براءة» يقرؤها على الناس فى الموسم وحج بالناس عام تسع فى ذى الحجة أبو بكر الصديق. أميرا على الناس فى الحج. وبعث رسول الله ﷺ على بن أبى طالب رضوان الله عليه بسورة براءة، يقرؤها على الناس فى الموسم، نابذا إلى كل ذى عهد عهده، ومبطلا كل عقد سلف، على ما نص فى السورة من الأحكام. وبالله تعالى التوفيق. فصل ثم تواترت وفود العرب مذعنة بالإسلام، إلا من خذله الله تعالى: كعامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، وأربد بن قيس بن جزء ابن خالد بن جعفر بن كلاب، فإنهما وفدا على رسول الله ﷺ فأبيا الإسلام فدعا رسول الله ﷺ عليهما؛ فهلك عامر بالغدة، وهلك أربد بالصاعقة. ووفد من بنى تميم على رسول الله ﷺ : عطارد بن حاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم المنقرى، ومالك بن وقش بن عاصم، والحتات، وهو الذي آخى رسول الله ﷺ بينه وبين معاوية بن أبى سفيان، ونعيم بن يزيد، وقيس بن الحارث. وقد كان الأقرع بن حابس أسلم قبل ذلك. وقدم من بنى سعد بن بكر: ضمام بن ثعلبة.

стр. 205

وقدم الجارود العبدى، والأشج العصرى، وغيرهما من وفود عبد القيس وكانوا قد قدموا قبل فتح مكة فأسلموا حينئذ. وقدم وفد بنى حنيفة، فيهم مسيلمة، فلما رجعوا تنبأ لعنه الله تعالى، وارتد معه من العرب من خذله الله تعالى من قومه. وثبت ثمامة بن أثال. رضوان الله عليه، على الإسلام. ووفد زيد الخيل الطائى، وافد طيئ. وقدم فروة بن مسيك المرادى، وافد قومه، فولاه رسول الله ﷺ على مذحج كلها بجميع قبائلها. ووفد عمرو بن معد يكرب، فأسلم. وقدم صرد بن عبد الله الأزدى، وافد الأزد. وبعث ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن. وأسلم فروة بن عمرو الجذاميّ، وهادى رسول الله ﷺ ، فأخذه صاحب ما يليه من بلاد الروم فصلبه. وبعث ﷺ خالد بن الوليد إلى بنى الحارث بن كعب بنجران، فأسلموا حجة الوداع ثم حج ﵇ حجة الوداع، خرج لها من المدينة بعد أن صلى الظهر يوم الخميس لست بقين لذى القعدة، وبات بذى الحليفة، وأهل منها قارنا بين الحج والعمرة، وكان معه الهدى: مائة من الإبل، بعضها حملها ﷺ مع نفسه، وبعضها، وهو نحو الثلث، أتى بها على بن أبى طالب ﵁ من اليمن.

стр. 206

ودخل ﵊ مكة من أعلاها، يوم الأحد لأربع خلون لذى الحجة سنة عشر. وأمر فى طريقه من شاء أن يهل بحج فليفعل، ومن شاء أن يهل بعمرة فليفعل، ومن شاء أن يقرن بينهما فليفعل. فلما قرب من مكة أمر من كان معه هدى أن يقرن بين عمرة وحجة، وأمر كل من لا هدى معه أن يفسخ حجة بعمرة ولا بد. وسئل عن تمتعهم تلك، ألعامهم ذلك أم للأبد؟ فقال ﷺ : بل لأبد أبد، دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة. وأمر رسول الله ﷺ عائشة ﵂ إذ حاضت، وكانت قد أهلت بعمرة - أن تضيف إليها حجة، وتعمل كل ما يعمل الحاج، حاشا الطواف بالبيت. وطاف ﷺ لعمرته وحجه طوافا واحدا. وتطيب لإحرامه حين أحرم، ولإحلاله قبل أن يطوف بالبيت، بطيب فيه مسك، بقى ظاهرا فى رأسه المقدس أكثر من ثلاثة أيام بعد إحرامه. وأمر بمحرم مات بعرفة أن يكفن فى ثوبيه، ولا يمس بطيب، ولا يخمر وجهه ولا رأسه. وأمر الناس ألا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت، إلا الحائض التي طافت قبل حيضها بالبيت طواف الإفاضة. ثم رجع إلى المدينة من أسفل مكة قبل طلوع الشمس يوم الأربعاء الرابع عشر لذى الحجة.

стр. 207

وفاته ﷺ ثم لما أسلم الناس علم ﷺ أنه راحل إلى ربه تعالى، فخرج ﷺ فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت بعد نحو عشرة أعوام. ثم لما أصاب رسول الله ﷺ وجعه الذي مات فيه، كان فى بيت ميمونة أم المؤمنين، ثم استأذن ﷺ نساءه أن يمرض فى بيت عائشة أم المؤمنين، فأذن له فى ذلك. وعرض عليه عند إغمائه أن يلدوه، فنهاهم عن ذلك، فتمادوا على أمرهم ولدوه. واللد: شيء كانت تصنعه العرب، وهو دواء فى شقى الفم. فلما أفاق أمر بالاقتصاص منهم كلهم، فلدوا كلهم، حاشا عمه العباس، فإنه لم يحضر ذلك الفعل إذ لدوه. ولدت سودة أم المؤمنين وهى صائمة. فلما كان يوم الخميس - قبل موته ﷺ بأربع ليال - اجتمع عنده جمع من الصحابة، فقال ﵇: ائتونى بكتف ودواة أكتب لكم كتابا، لا تضلون بعدى. فقال عمر بن الخطاب ﵁ كلمة أراد بها الخير، فكانت سببا لامتناعه من ذلك الكتاب، فقال: إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندنا كتاب الله، وحسبنا كتاب الله. وساعده قوم، حتى قالوا: أهجر رسول الله ﷺ ؟ وقال آخرون: أجيبوا بالكتف والدواة يكتب لكم رسول الله ﷺ كتابا لا تضلون بعده. فساء ذلك رسول الله ﷺ ، وأمرهم بالخروج من عنده، فالرزية كل الرزية ما حال بينه وبين ذلك الكتاب. إلا أنه لا شك لو كان من واجبات الدين ولوازم الشريعة لم يثنه عنه كلام عمر ولا غيره.

стр. 208

وكان فى تلك المرضة قال لعائشة أم المؤمنين ﵂: لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك فأكتب كتابا وأعهد عهدا، لئلا يتمنى متمن أو يقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر. فلم يكن، والله أعلم، الكتاب الذي أراد ﷺ أن يكتبه، فلا يضل بعده، إلا فى استخلاف أبى بكر. وقد ظهرت مغبة ذلك، وكاد الناس يهلكون فى الاختلاف فيمن يلى أمر المسلمين بعد، وفى الذي يلى من بعد من قام بعده، وإلى زمن على، والأمر كذلك فيمن بعد على. وبالجملة فالكتاب كان رافعا لهذا النزاع، ولو لم يكن فيه إلا الاستراحة من سفك الدماء فى أمر عثمان ومن بعده؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، فلقد هلكت فى هذا طوائف، وتمادى ضلالهم إلى اليوم. وصلى ﵇ وراء أبى بكر فى الصف صلاة تامة، وصلى أبو بكر بالناس تلك الأيام، بعهد رسول الله ﷺ فى ذلك إليه. وخرج ﷺ فى بعض تلك الأيام وهو متوكئ على على والعباس، وأبو بكر قد أخذ فى الصلاة بالناس، فقعد عن يسار أبى بكر، وأبو بكر فى موضع الإمام، وصار أبو بكر واقفا عن يمينه فى موضع المأموم، يسمع تكبير رسول الله ﷺ . فصلى النبيّ ﷺ بالناس، يؤمهم قاعدا وهم خلفه. فصار ذلك مؤيدا لما سبق من صلاته ﷺ بالناس جالسا. وكان فى هذا إجازة وقوف المذكر فى مثل هذه الصلاة عن يمين الإمام. وهذه آخر صلاة صلاها ﷺ بالناس.

стр. 209

ثم إن الله تعالى توفى نبيه ﷺ يوم الاثنين. حين اشتد الضحى، فى اليوم الثانى عشر من ربيع الأول، عند تمام عشر سنين من الهجرة. وآخر ما رأوه رجال من أصحابه، ففى صلاتهم الصبح من يوم الاثنين المؤرخ. وانقطع الوحى بموته ﷺ ، واستقر الدين. وصلى الناس عليه أرسالا، لم يؤمهم أحد. ودفن فى بيت عائشة أم المؤمنين، نصف ليلة الأربعاء، بعد موته بيوم ونصف يوم ونصف ليلة. وغسله العباس، والفضل وقثم ابناه، وعلى بن أبى طالب، وأسامة بن زيد، وشقران مولى رسول الله ﷺ ، وأوس بن خولى، أحد بنى عوف ابن الخزرج، من الأنصار بدرى. فكان أسامة وشقران يصبان الماء. وكفن فى ثلاثة أثواب قطن سحولية بيض، ليس فيها قميص ولا عمامة ولا سراويل ولا درع. أدرج فيها ﵇ فقط. وحفر له أبو طلحة الأنصاري، ولحد له فى جانب القبر، وجبل أسامة اللبن. ودلاه فى قبره على بن أبى طالب، والفضل وقثم ابنا العباس، وشقران، وأوس بن خولى. وبسطت تحته قطيفة له كان يفرشها فى حياته. وقد قيل: إن عبد الرحمن ابن الأسود الزهرى أدخله معهم فى قبره. وكانت مدة مرضه ﵇ اثنى عشر يوما، ابتدأه الصداع يوم الخميس، وقيل: بل أربعة عشر يوما. وقالت عائشة أم المؤمنين: كان ينفث رسول الله ﷺ فى مرضه الذي مات فيه يشبه نفث آكل الزبيب.

стр. 210

وخير ﵇ عند موته، فاختار لقاء ربه تعالى، قالت عائشة: سمعته يقول ببحة شديدة: «بل الرفيق الأعلى». ومات ﷺ مستندا إلى صدرها. نسأل الله تعالى، مستشفعين به ﷺ إلى الله تعالى جل ثناؤه، أن يجمع بيننا وبينه، وأن يحجبنا ببركة متابعته عن النار، وأن يصلى عليه، وأن يغفر لأمته أجمعين، وأن يجعلنا من أمته. آمين. تم الكتاب بحمد الله