← Адаб

Адаб · id 9752

نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد

محمد بن عبد القادر الجزائري

Полный текст (91 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة في نشأة الخيل وأول من ركبها من العرب روي عن النبي ﷺ أنه قال: أول من خلق الله من الخيل خلق فرساً كميتاً، وقال : خلقتك عربياً وفضلتك، على سائر ما خلقت من البهائم بسعة الرزق والغنائم، تقاد على ظهرك والخير معقود بناصيتك، ثم أرسله فصهل: فقال جل وعلا: يا كميت! بصيلك أرهب المشركين، وأملأ مسامعهم، وأزلزل أقدامهم، ثم وسمة بغرة وتحجيل. والسبب في خلق أول فرس كميتاً محاكاة لآدم ﵇، لأنه سمي آدم من الأدمة، وهي السمرة، والكميتة في الخيل تحاكي السمرة في الآدميين، فكان أول مخلوق من البشر أسمر وكذا أول فرس؛ وهذا دليل على شرفه ويمنه. فلما خلق الله آدم قال: "يا آدم! اختر أي الدابتين، يعني الفرس أو البراق فقال: يا جبريل اخترت أحسنهما وجهاً، وهو الفرس فقال تعالى: يا آدم! اخترت عزك وعز ولدك باقياً ما بقوا وخالداً ما خلدوا". وسئل صفي الدين السبكي أكان خلقها قبل آدم أم بعده؟ فقال: "قبله بدليل قوله تعالى: (خلق لكم ما في الأرض جميعاً) فالأرض وما فيها خلقها الله تعالى إكراماً لآدم وأولاده، والعظيم يهيأ له ما يحتاج إليه قبل قدومه"، وروي عنه ﷺ أنه قال: "لما سمعت الملائكة صفة الفرس وعاينوا خلقها، قالت: رب نحن ملائكتك نسبحك، ونحمدك، فماذا لنا؟ فخلق لها خيلاً بلقاً، أعناقها كأعناق البخت يمد بها من يشاء من أنبيائه ورسله". وأول من ركبها بعد آدم من العرب من أولاد عدنان إسماعيل بن إبراهيم ﵉ ومن بني قحطان يعرب. روى الزبير بن بكار من حديث داود بن الحسين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "كانت الخيل وحوشاً لا تركب، فأول من ركبها إسماعيل فلذلك سميت العراب". وروى الواقدي عن عبد الله بن يزيد الهلالي، عن مسلم، عن جندب، أن: "أول من ركب الخيل، إسماعيل بن إبراهيم ﵇ وإنما كانت وحشاً لا تطاق حتى سخرت له". وروى أحمد بن سليمان النجار، بسنده عن ابن عباس ﵄: "كانت الخيل وحشاً كسائر الوحوش، فلما أذن الله لإبراهيم وإسماعيل برفع القواعد من البيت، قال : إني معطيكما كنزاً ادخرته لكما، ثم أوحى الله إلى إسماعيل أن اخرج وادع بذلك الكنز فخرج إسماعيل وما يدري ما الدعاء ولا الكنز، حتى أتى (أجياد) ، فألهمه الله الدعاء، فنادى يا خيل الله أجيبي، فلم يبق فرس بأرض العرب إلا أجابته ومكنته من نواصيها، وذللت له ثم قال: فاركبوها واعتقدوها فإنها ميامين وإنها ميراث أبيكم إسماعيل ﵇؛ وأجياد اسم جبل بمكة. وأول من سخرها وركبها من ملوك الفرس طهمورث، وأول من اتخذ السروج من ملوك الفرس، أفريدون بن أسفنان. وأول من اتخذ اللجم وأنعل الخيل بالحديد من العرب، أرحب الهمداني وفي ذلك يقول مالك بن بلالة بن أرحب: أمرت بإيتاء اللجام فأبدعت ... وأنعلت خيلي في المسير حديدا وأرحب جدي كان أحدث قبلنا ... ولو نطقت كانت بذاك شهودا وقد كانت العرب تركبها بالرحالة وتتخذ من جلود الغنم بأصوافها، وتخشى صوفاً، أو ليفاً لتكون أخف بالطلب، وهي المعروفة في القطر الشامي بالمكدعة. والبراق: دابة دون البغل وفوق الحمار، أبيض، مضطرب الأذنين، كالفرس وجهاً وعرفاً، وكالبعير قوائم، والبقر ذنباً، وأظلافاً يضع حافره عند منتهى طرفه، إذا أخذ في هبوط طالت يداه وإذا أخذ في صعود طالت رجلاه، أعده الله تعالى لركوب الرسل الكرام، عليهم من الله تعالى أفضل التحية وأكمل السلام. الباب الأول فيما جاء في فضلها وتكريمها وكراهة التشاؤم منها والنهي عن أكل لحومها وإخصائها وفيه أربعة فصول الفصل الأول فيما يدل على فضلها من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

стр. 2

اعلم أن الخيل أشرف الحيوانات ذوات الأربع، ولذا أقسم الله بها في كتابه العزيز بقوله: (والعاديات ضبحاً) فالعاديات جمع عادية، وهي سريعة الجري، والضبح صوت نفسها عند العدو، ليس بصهيل ولا حمحمة. (بالموريات قدحاً) الإيراء: إخراج النار، والقدح الضرب، أي الضاربة بحوافرها الحجارة، فتخرج النار منها (بالمغيرات صبحاً) وهو الوقت المعتاد للغارة، (فأثرن به نقعاً) أي هيجن به غباراً. ومدحها بقوله: (والخيل المسوَّمة) أي المعلمة بالوضح والغرة؛ والخيل جمع لا واحد له من لفظه، وسميت بذلك لاختيالها في المشي. وذكرها في معرض الامتنان، وقدمها في الذكر بقوله (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) وسماها خيراً بقوله: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحاً بالسوق والأعناق) الصافنات: جمع صافن، وهو أن يقوم على ثلاث ويثني سنبك اليد الرابعة، والجياد: جمع جواد: أي، بين الجودة بضم الجيم. وقد وصفت هنا بأكمل الأوصاف، حالتي الوقوف والحركة، وفالصفون حالة الوقوف والجودة حالة الحركة، وعنى بالخير الخيل، والعرب تسميها خيراً. ثم قال (عن ذكر ربي) أي لا عن شهوة وهوى. روي أن سليمان ﵇، أراد الغزو فجلس على كرسيه، وأمر بإحضار الخيل وإجرائها، وقال: إني لا أجريها لحظ النفس بل لأمر الله تعالى، ولم تزل تسير وتجري حتى توارت بالحجاب، أي غابت عن بصره، فأمر الروّاض بردها، فلما ردت، طفق يسمح سوقها وأعناقها، إعلاناً بشرفها وعزها، وأنها أعظم ما يدخر لقهر الأعداء والنصر، وإعلاماً بأن خدمة الأمراء لها ومعالجة أمراضها، لا تخل بشرفهم ومراتبهم، وإظهاراً للفرح بنعمة الله عليه بها، ليبالغ في شكرها، وهذا التفسير أليق بشأن النبوة ومقام الرسالة. وقد ورد عن النبي ﷺ ، في فضلها عموماً وفي فضل خيل الجهاد خصوصاً، أحاديث كثيرة، اقتصرت منها على إيراد بعض ما ورد في عمومها، فمن ذلك ما روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: "لم يكن شيء أحب إلى رسول الله بعد النساء من الخيل". وعن عائد بن نصيب قال: "رأيت النبي ﷺ أتي بفرس شقراء في سوق المدينة مع إعرابي، فلوى ناصيتها بين إصبعيه وقال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة". وعن عبد الله بن دينار قال: "مسح رسول الله وجه فرسه بيده وقال: إن جبريل بات الليلة يعاتبني في إذالة الخيل". وعن نعيم بن أبي هند، أن النبي ﷺ "أتي بفرس فقام إليه يمسح عينيه، ومنخريه، بكم قميصه فقيل: يا رسول الله؛ تمسح بكم قميصك؟ فقال: إن جبريل عاتبني في الخيل". وعن جرير بن عبد الله قال: "رأيت النبي ﷺ يلوي ناصية فرسه ويقول: الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة". وقال ﷺ : "الخيل مبدأة الورد - أي: يبدأ بها في السقي قبل الإبل والغنم -، وإذا مرت بنهر عجاج فشربت منه، كتبت له حسنات" وعن مجاهد قال: "أبصر النبي ﷺ إنساناً ضرب فرسه ولعنه، فقال: هذه مع تلك لتمسنك النار إلا أن تقاتل عليه في سبيل الله؛ فجعل الرجل يقاتل عليه إلى أن كبر وضعف وجعل يقول: اشهدوا اشهدوا". وعن زيد بن ثابت، أن رسول الله ﷺ "قضى في عين الفرس ربع ثمنه". وعن عروة البارقي قال: "كانت لي أفراس فيها فحل شراؤه عشرون ألف درهم، ففقأ عينه دهقان فأتيت عمر ﵁، فكتب إلى سعد بن أبي وقاص ﵁، أن خير الدهقان بين أن يعطيه عشرين ألفاً ويأخذ الفرس، وبين أن يغرم بربع الثمن".

стр. 3

وعن عبادة بن الصامت قال: "عرضت على معاوية خيل فقال لرجل من الأنصار: يا ابن الحنظلية! ماذا سمعت رسول الله في الخيل؟ قال: سمعته ﷺ يقول: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وصاحبها يعان عليها، والمنفق عليها، كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها، وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكي المسك". وفي رواية: "كف من مسك الجنة". وفي أخرى: "فامسحوا بنواصيها وادعوا الله لها بالبركة، وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار"، لأن العرب كانت تقلد الخيل أوتار القسي لئلا تصيبها العين، فنهاهم عن ذلك، وأعلمهم أن الأوتار لا ترد شيئاً من قضاء الله تعالى. ورخص بتقليدها الخرز لأجل الزينة. قيل لأعرابي ما تقول في نساء بني فلان؟ قال: هن قلائد الخيل، أي كرام لأنه لا يقلد من الخيل إلا الكريم السابق. وعن سواد بن الربيع الجرمي قال: "أتيت النبي ﷺ ، فأمر لي بذود وقال لي: عليك بالخيل فإن في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" وفي رواية: "والأجر والمغنم". وعن سواد أيضاً قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اربطوا الخيل فإن الخيل في نواصيها الخير" وفي رواية "الغنم بركة الإبل عز لأهلها والخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة. وعبدك أخوك فأحسن إليه، وإن وجدته مغلوباً فأعنه". وقال ﷺ : "الفخر في أهل الخيل، والجفاء في أهل الإبل، والسكينة في أهل الغنم". وعن سلمان الفارسي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل مسلم إلا حق عليه أن يربط فرساً إذا أطاق ذلك" وفي الخبر "العز في نواصي الخيل والذل في أذناب البقر" وقال ﷺ لما رأى السكة ببعض دور الأنصار -: "ما دخلت هذه دار قوم إلا دخله الذل" وذلك لما يتبعها من المغرم المفضي إلى التحكم. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "لما استقرت أمور الحجاج الثقفي خرجنا حتى قدمنا بلدة واسط وذكر اجتماعه بالحجاج وعرض خيله عليه، فقال أنس: الخيل ثلاثة أفراس: فرس يتخذه صاحبه يريد أن يجاهد عليه، ففي قيامه عليه وعلفه وأدبه إياه - أحسبه قال -: وكسح مذوده، أي كنسه أجر في ميزانه يوم القيامة. وفرس يصيب أهلها من نسلها يريدون بذلك وجه الله فقيامهم وأدبهم إياها وعلفهم إياها وكسح روثها أجر في ميزانهم يوم القيامة، وأهلها معانون عليها. وفرس للشيطان فقيام أهله عليه وعلفهم إياه وغير ذلك وزر في ميزانهم يوم القيامة". وعن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : "الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان، فأما فرس الرحمن فالذي يرتبط في سبيل الله، وأما فرس الإنسان فالتي يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها فهي ستر من فقر، وأما فرس الشيطان فالذي يقام ليراهن عليه". وعنه ﷺ : "المنفق على الخيل كالمستكفي بالصدقة"، أي: الباسط يده ليعطيها، وفي رواية: "لم ينس حق الله في رقابها وظهورها"؛ أي: الإحسان إليها ومنع ظهورها من الحمل عليها. وعن علي بن حوشب سمعت مكحولاً يقول: قال رسول الله ﷺ : "أكرموا الخيل وجللوها" وعن الوضين بن عطاء عنه ﷺ : "لا تقودوا الخيل بنواصيها فتذلوها". وقال الجعفي: الخير ما طلعت شمس وما غربت ... معلق بنواصي الخيل معقود وقال كعب بن مالك الأنصاري: ونعد للأعداء كل مقلص ... ورد ومحجول القوائم أبلق أمر الإله بربطها لعدوه ... في الخوف إن الله خير موفق فتكون غيظاً للعدو وحافظاً ... للدار إذ دلفت خيول المرق وقال علقمة بن عامر المازني: ما كنت أجعل مالي فرغ شانئة ... في رأس جذع يصيب الماء في الطين الخيل من عدتي أوصى الإله بها ... ولم يوصِّ بغرس في البساتين الفصل الثاني في تكريم العرب لها وحبهم إياها وما ورد عنهم في ذلك اعلم أن العرب تحب الخيل، وتبالغ في إكرامها، وترى أن العز والزينة بها، وقهر الأعداء على ظهورها، والغناء على بطونها، قال الشاعر: قلائد نحن افتديناهنَّ ... نعم الحصون والعداد هنَّ

стр. 4

وبحض رسول الله ﷺ ، على اقتنائها، وتنويهه بفضلها، وتفخيم شأنها، اكتسبت حب الشرع وحب الطبع، فكانت عندهم كأفلاذ الأكباد، أعز عليهم من الأنفس والأولاد، وكان الرجل يبيت طاوياً، ويشبع فرسه، ويؤثره على نفسه وأهله وولده. وقال دريد بن الصمة لأبي النضر: "قد رأيت منكم خصالاً لم أرها من غيركم، رأيت أبنيتكم متفرقة، ونتاج خيلكم قليلاً، وسرحكم يجيء معتماً، وصبيانكم يتضاوغون من غير جوع. قال أجل: أما تفرق أبنيتنا فمن غيرتنا على النساء، وأما قلة نتاج خيلنا فنتاج هوازن يكفينا، وأما بكاء صبياننا، فإنا نبدأ بالخيل قبل العيال، وأما تمسينا بالنعم فإن فينا الأرامل والغرائب، فتخرج المرأة إلى ما لها حيث لا تراها الرجال". وقال أكثم بن صيفي: "عليكم بالخيل، فأكرموها فإنها حصون العرب، ولا تضعوا رقاب الإبل في غير حقها، فإن فيها ثمن الكريمة ورقوء الدم وبألبانها يتحف الكبير، ويغذى الصغير". وقال ابن عباس ﵄: أحبوا الخيل واصطبروا عليها ... فإن العز فيها والجمالا إذا ما الخيل ضيعها أناس ... ربطناها فأشركت العيالا نقاسمها المعيشة كل يوم ... ونكسوها البراقع والجلالا وقال خالد بن جعفر بن كلاب: أديروني أداتكم فإني ... وحذفة كالشجى تحت الوريد مقربة أسومها بخز ... وألحفها ردائي في الجليد وأوصي الراغبين ليؤثروها ... لها لبن الخلية والصعود تراها في الغزاة وهن شعث ... كقلب العاج في رسغ الجليد يبيت رباطها بالليل كفي ... على عود الحشيش وعير غود لعل الله يفردني عليها ... جهاداً من زهير أو أسيد وقال مالك بن نويرة: إذا ضيع الأنذال في المحل خيلهم ... فلم يركبوا حتى تهيج المضايف كفاني دوائي ذو الخمار وصيفق ... على حين لا يقوى على الخيل عاتف أعلل أهلي عن قليل متاعهم ... وأسقيه غص الشول والحي هاتف وقال فارس جروة شداد بن معاوية العبسي: فمن يك سائلاً عني فإني ... وجروة كالشجي تحت الوريد أقوتها بقوتي إن شتونا ... وألحفها ردائي في الجليد وقال: ومن يك سائلاً عني فإني ... وجروة لا تباع ولا تعار مقربة الشتاء ولا تراها ... أمام الحي يتبعها المهار لها بالصيف جرجار وجل ... وست من كرائمها غزار والمعنى: أنه اقتناها للحرب، فلا تباع ولا تعار، ولا يطلب نسلها، ولها من كرائم الإبل ست نوق تشرب من ألبانها. وقال أيضاً: ألا لا تطلبوا فرسي لبيع ... فجروة لا تباع ولا تعار لنا من ظهرها حصن منيع ... وفي وثباتها نور ونار فنفديها إذا جاءت إلينا ... مع الرعيان تتبعها المهار وندخرها لأيام الرزايا ... فتنجينا إذا طلع الغبار فجروة مهرة في الخيل تسمو ... كما يسمو على الليل النهار تطير مع الرياح بغير ريش ... ولم يلحق لها أبداً غبار وكان لعنترة بن شداد فرس اسمه الأبجر ابن نعامة وكان يسقيه الحليب قبل أن يسقي زوجته عبلة فعاتبته على ذلك فقال: لا تحسدي مهري وما أسقيته ... ما أنت إلا في مقام أعظم فإذا غضبت فلي إليك وسيلة ... إما بعقد أو بثوب معلم وابن النعامة ما إليه وسيلة ... إلا بطيبة مشرب أو مطعم إن كان حبك في الفؤاد محله ... في أعظمي يجري كما يجري دمي فاروي صداه من الظما فلعله ... ينجيك من هول الغبار المظلم إني أحاذر أن تقولي مرة ... هذا غبار ساطع فتقدم فيخونني وقت الطعان فتصبحي ... مسبية بتحسر وتندم وقال أيضاً: ولا تذكري فرسي وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب إن الغبوق له، وأنت مسوءة ... فتأوهي ما شئت ثم تحوبي كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقاً فاذهبي إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي ويكون مركبك القعود وحدجه ... وابن النعامة عند ذلك مركبي وأنا امرؤ إن يأخذوني عنوة ... أقرن إلى شر الركاب وأجنب إني أحاذر أن تقول ظعيتني ... هذا غبار ساطع فتلبب

стр. 5

وكان لعبيدة بن الربيع التميمي فرس تسمى سكاب، فطلبها منه بعض الملوك فقال: أبيت اللعب إن سكاب علق ... نفيس لا تعار ولا تباع مفادة مكرمة علينا ... يجاع لها العيال ولا تجاع سليلة سابقين تناجلاها ... إذا نسبا يضمهما الكراع ففيها غرة من غير نفر ... يحيدها إذا حر القراع فلا تطمع أبيت اللعن فيها ... ومنعكها بشيء يستطاع وكفي تستقل بحمل سيفي ... وبي ممن يهضمني امتناع وحولي من بني قحفان شيب ... وشبان إلى الهيجا سراع إذا فزعوا فأمرهم جميع ... وإن لا قوا فأيديهم شعاع وإذا أوجب الأمر إلى بيعها للضرورة لا يبيعونها نسبة إلى كرمها عليهم ويقولون: النقد عند الحافر. وقال أوس بن غلفاء الجهمي: أعان على مراس الحرب زغف ... مضاعفة لها حلق توام ومركضة صريحي أبوها ... يهان لها الغلامة والغلام وقال حنظلة بن فاتك الأسدي: أعددت حزمة وهي مقربة ... تقفى بقوت عيالنا وتصان وقال: جزتني أمس حزمة سعي صدق ... وما أقفيتها دون العيال وقال حاجب بن حبيب الأسدي: وباتت تلوم على تادقٍ ... ليشرى فقد جد عصيانها ألا إن نجواك في تادق ... سواء علي وإعلانها وقالت أعشنا به إنني ... أرى الخيل قد ثاب أثمانها فقلت ألم تعلمي أنني ... كريم النكية ميدانها؟ وروي أن سبيع بن الخطيم التميمي خطب إلى عمه ابنته، فقال له عمه: أعطني مهرها فرسك نحلة، فقال: خذ بدلها إبلاً، فأبى إلا نحلة، فقال سبيع: تقول نحلة أودعني فقلت لها: عول علي بأبكار هراجيب لجت علي يمين لا أبدلها ... من ذات قرطين بين النحر واللوب وحكي أن بعض الفرسان كان يحب ابنه عمه فخطبها من عمه ودفع له مئة ناقة براعيها، فقال: أنت أحق بها من غيرك، ولا أريد مهرها إلا جوادك فتوقف عن الجواب فنظرت إليه ابنة عمه وغمزته فتنهد وأنشد: وقعقعة اللجام برأس مهري ... أحب إلي مما تغمزيني وما هان الجواد علي حتى ... أجود به ورمحي في يميني أخاف إذا وقعنا في مضيق ... وجد السير، أن لا تحمليني جياد الخيل إن أركبها تنجي ... وإني إن صحبتك توقعيني دعيني واذهبي يا بنت عمي ... أفي غمز الجفون تراوديني فمهما كنت في نعم وعز ... متى جار الزمان فتزدريني وأخشى إن وقعت على فراش ... وطالت علتي لا ترحميني فلما سمعت كلامه اغرورقت عيناها بالدموع وأنشأت تقول: أبى الرحمن أن تنظر هذا ... ولو قطعت شمالي عن يميني متى عاشرتني وعرفت طبعي ... ستعلم أنني خير القرين وتحمد صحبتي وتقول كانت ... لهذا البيت كالحصن الحصين فظن الخير واترك سوء فكر ... وميز ذاك بالعقل الرزين فتعلم لو تقابلني بدر ... لقل الدر للدر الثمين ولو بجواهر قالوا تبعها ... بوزني بالجواهر تشتريني فحاشا من فعال النقص مثلي ... وحاشاها الخيانة للأمين فلم سمع أبوها منهما ذلك، علم أنه كفؤٌ لها فزوجه، وقال مالك بن نويرة. جزاني دوائي ذو الخمار وصنعتي ... إذا بات أطوائي بني الأصاغر أخادعهم عنه ليغبق دونهم ... وأعلم غير الظن أني مغادر كأني وأبدان السلاح عشية ... تمر بنا في بطن فيحاء، طائر. وقال: أعلل أهلي عن قليل متاعهم ... وأسقيه محض الشول والحي ضائق وقال خالد بن جعفر الكلابي: أمرت الرعاء ليكرموها ... لها لبن الخليلة والصعود وقال طفيل الغنوي: وللخيل أيام فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيامها الخير يعقب وقال: إني وإن قل مالي، لا يفارقني ... مثل النعامة في أوصالها طول أو ساهم الوجه لم تقطع أناجله ... يصان وهو ليوم الردع مبذول ساهم الوجه عاليه وهي صفة ممدوحة في الحرب للخيل والناجل الكريم النسل. وقال كعب بن مالك: نصبحكم بكل أخي حروب ... وكل مطهم سلس القياد خيول لا تضاع إذا أضيعت ... خيول الناس في السنة الجماد وقال ضبية العبسي:

стр. 6

جزى الله الأغر جزاء صدق ... إذا ما أوقدت نار الحروب يقيني باللبان ومنكبيه ... وأحميه بمطرد الكعوب وأدفيه إذا هبت شمال ... بليل حرجف عند الغروب أراه أهل ذلك حين يسعى ... رعاة الحي في جمع الحلوب فيخفق مرة ويفيد أخرى ... ويفجع ذا الضغائن بالأريب إذا شمنا أغر دنا لقاء ... يغص الشيخ باللبن الحليب شديد مجامع الكتفين طرف ... به أثر الأسنة كالعلوب وأكرهه على الأبطال حتى ... يرى كالأرجواني المجوب وقال شاعر بني عامر: بني عامر ماذا أرى الخيل أصبحت ... بطاناً وبعض الضر للخيل أمثل بني عامر إن الخيول وقاية ... لأنفسكم والموت وقت مؤجل أهينوا لها ما تكرمون وباشروا ... صيانتها والصون للخيل أجمل متى تكرموها يكرم المرء نفسه ... وكل امرئ من قومع حيث ينزل وقال الأعرج المعنى: أرى أم سهلٍ ما تزال تفجع ... تلوم وما أدري علام توجع تلوم على أن أمنح الورد لفحة ... وما تستوي والورد ساعة تفزع إذا هي قامت حاسراً مشمعلة ... نخيب الفؤاد رأسها ما يقنع وقمت إليه باللجام ميسراً ... هنالك يجزيني بما كنت أصنع نخيب الفؤاد: أي طائر اللب، وقال عمر بن مالك: وسابح كعقاب الجو أجعله ... دون العيال له الإيثار واللطف وقال مالك بن زغبة الباهلي: وذات مناسب جرداء بكر ... كأن سراتها كر مشيق تنيف بصلهب للخيل عال ... كأن عموده جذع سحوق تراها عند قبيتنا نصيراً ... ونبذلها إذا باقت بئوق ذات المناسب: المنسوبة من قبل الأب والأم، وسراتها: أعلاها، والكر: الحبل، والمشيق: أثر برجلها، وتنيف: تشرف، والصلهب: طول العنق، والسحوق: الطول والقصير من الخبل المحبوس، والبئوق: الداهية، أي: تصان لكرامتها وتبذل إذا نزلت شدة وداهية. وقال أبو العلاء المعري: كان ابن آشى وحده قيناً لها ... إذا قين كل مفاضة مأنوك فمضى وخلفها تئل كأنما ... حبك السماء قتيرها المحبوك تعدو بها الشقاء جنبها الصدى ... يوم الهجير يقينها المشكوك لما التقى صرد اللجام ونابها ... ألكت فصاح لجامها المألوك وتخالها عند الجريح إذا هوى ... أمّاً يقر بها ابنها المنهوك وسقيتها المحض الصريح وطعمه ... حلو وكان لغيرها الصمكوك الصمكوك: اللبن الخائر الحامض، والمحض الصريح: اللبن الخالص. وقال قبيصة ابن النصراني الجرمي: هاجرتي يا بنت آل سعد ... أئن حلبت لقحة للورد جهلت من عنانه الممتد ... ونظري في عطفة الألد إذا جياد الخيل جاءت تردى ... مملوءة من غضب وحرد وقال آخر: فإني له في الصيف ظل بارد ... ونصبي ناعجة ومحض منقع حتى إذا نبح الظباء بداله ... عجل كأحمرة الصريمة أربع النصي: اسم نبت، والناعجة: الأرض السهلة، أي: هو كريم أعد له أربعة أسقية مملوءة من الحليب كأنها الصخر الملمس من اكتنازها، وأراد بنبح الظباء: طلوع الفجر، لأن الظبي إذا أسن نبح عند طلوعه. وكان لا يسقون الحليب ولا الحازر من اللبن إلا لجياد الخيل. قال الشاعر: لا تسقه حزراً ولا حليبا ... إن لم تجده سابحاً يعبوبا ذا ميعة يلتهم الجبوبا ... يترك صوان الصوى ركوبا بزلقات قعبت تعقيبا ... يترك في آثاره لهوبا يبادر الآثار أن تؤوبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا كالذئب يتلو أقمعاً قريبا ... على هراميت ترى العجيبا إن تدع الشيخ فلن يجيبا اليعبوب: كثير الجري، والميعة: النشاط والحدة، والالتهام: الابتلاع، والجبوب: وجه الأرض، والصوان: صم الحجارة، والصوى: الأعلام، والركوب: المذلل، والزلقات: الحوافر، والأبوب: الرجوع، والجونة: الشمس، أي: يباد آثار المطلوبين قبل مغيب الشمس، وشبه الفرس بالذئب الطامع في صيد قريب منه، وهو نهاية الطمع. وقال ثعلبة بن عمرو العبدي: وأهلك مهر أبيك الدواء ... وليس له من طعام نصيب خلا إنهم كلما أورداو ... يصبح قعباً عليه ذنوب

стр. 7

أي: أن فرس أبيك يسقى قعباً من لبن عليه ذنوب من الماء ولا يخدم بالمعالجة فلذا هلك. وقال الأخنس بن شهاب: ترى رائدات الخيل حول بيوتنا ... كمعز الحجاز أعوزتها الزرائب فيغبقن أحلاباً ويصبحن مثلها ... فهن من التعداء قب شواذب وقال القطامي: ونحن نرود الخيل وسط بيوتنا ... ويغبقن محضاً وهي محل مسانف المسانف: القحط. وقال الفجيجي صاحب السلوانية: وخيلي حليب الشول صرفاً شرابها ... وصافي النصي رعيها لا المزارع وتعلف مبيض الشعير وأنتقي ... لها من نبات الأرض ما هو نافع الشول: الإبل، وشرب حليبها يقوي عصب الإنسان والخيل وينقص اللحم. وقال سيدي الوالد قدس الله سره: يا عاذراً لامرئٍ قد هام في الحضر ... وعاذلاً لمحب البدو والقفر لا تذممن بيوتاً خف محملها ... وتمدحن بيوت الطين والحجر لو كنت تعلم ما في البدو تعذرني ... لكن جهلت وكم في الجهل من ضرر أو كنت أصبحت في الصحراء مرتقياً ... بساط رمل به الحصباء كالدرر أو جلت في روضة قد راق منظرها ... بكل لون جميل شيق عطر تستنشقن نسيماً طاب منتشقاً ... يزيد في الروح لم يمرر على قذر أو كنت في صبح ليل هاج هاتنه ... علوت في مرقب أو جلت بالنظر رأيت في كل وجه من بسائطها ... سرباً من الوحش يرعى أطيب الشجر فيا لها وقفة لم تبق من حزن ... في قلب مضني ولا كد لذي ضجر نباكر الصيد أحياناً فنبغته ... فالصيد منا مدى الأوقات في ذعر فكم ظلمنا ظليماً مع نعامته ... وإن يكن طائراً في الجو كالصقر يوم الرحيل إذا شدت هوادجنا ... شقائق عمها مزن من المطر فيها العذارى وفيها قد جعلن كوى ... مرقعات بأحداق من الحور تمشي الحداة لها من خلفها زجل ... أشهى من الناي والسنطير والوتر ونحن فوق جياد الخيل نركضها ... شليلها زينة الأكفال والخصر نطارد الوحش والغزلان نلحقها ... على البعاد وما تنجو من الضمر نروح للحي ليلاً بعد ما نزلوا ... منازلا ما بها لطخ من الوضر ترابها المسك بل أنقى وجاد بها ... صوب الغمائم بالآصال والبكر نلقى الخيام وقد صفت بها فغدت ... مثل السماء زهت بالأنجم الزهر قال الأُلى قد مضوا قولاً يصدقه ... نقل وعقل وما للحق من غير الحسن يظهر في بيتين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر أنعامنا إن أتت عند العشي تخل ... أصواتها كدوي الرعد بالسحر سفائن البر بل أنجى لراكبها ... سفائن البحر كم فيها من الخطر لنا المهارى وما للريم سرعتها ... بها وبالخيل نلنا كل مفتخر فخيلنا دائماً للحرب مسرجةً ... من استغاث بنا بشره بالظفر لا نحمل الضيم ممن جار نتركه ... وأرضه وجميع العز في السفر وإن أساء علينا الجار عشرته ... نبين عنه بلا ضر ولا ضرر تبيت نار القرى تبدو لطارقنا ... فيها المداواة من جوع ومن خصر عدونا ماله ملجأ ولا وزر ... وعندنا عاديات السبق والظفر شرابها من حليب لا يخالطه ... ماء وليس حليب النوق كالبقر أموال أعدائنا في كل آونة ... نقضي بقسمتها بالعدل والقدر ما في البداوة من عيب تذم به ... إلا المروءة والإحسان بالبدر وصحة الجسم فيها غير خافية ... والعيب والداء مقصور على الحضر من لم يمت عندنا بالطعن عاش مداً ... فنحن أطول خلق الله في العمر وكان أشراف العرب يخدمون الخيل بأنفسهم لا يتكلون على أحد سواهم. قال الأعشى يمدح النعمان بن المنذر: ويأمر لليحموم كل عشية ... بقت وتعليف فقد كان يسنق أي: مع شرفه وعزة سلطانه، كان يفتقد فرسه، والسنق: التخمة، فإن لم يكن حاضراً يخدمنها عائلته. وكتب سليمان بن هشام بن عبد الملك إلى والده، إن فرسي قد ضعف فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بغيره. فكتب إليه والده إن أمير المؤمنين قد فهم ما ذكرت من ضعف فرسك، وظن أن ذلك من قلة تعهدك له فقم عليه بنفسك. وقال حسان بن ثابت ﵁:

стр. 8

تظل جيادنا متمطرات ... يلطمهن بالخمر النساء ينازعن الأعنة مصعدات ... على أكتادها أسد ضراء وقال حميد بن ثور: فلما كشفن عنه مسحنه ... بأطراف طفل زان غيلاً موشما ومن الحكم: ثلاثة لا ينبغي لأحد أن يأنف منهن وإن كان شريفاً أو أميراً؛ قيامه عن مجلسه لأبيه، وخدمته لضيفه، وقيامه على فرسه. وقال محمد بن يزيد المرواني: ومن ورق صامت بدرة ... ينوء بها الأغلب الأعصم ففضت لهن خواتمها ... وبدرتنا الدهر لا تختم نوزعها بين خدامها ... ونحن لها منهم أخدم وأنا لنرتبط المقربات ... في اللدنَّات فما ترزم نعد لها المحض بعد الثلث ... كما يصلح الصبية المعظم ونخلطها بضميم العيال ... بمن لم يخب وهو المحرم مشاربها الصافيات العذب ... ومطعمهن هو المطعم فهن بأكناف أبياتنا ... صوافن يصلهن أو حوَّم وقال المقنع الكندي: وإني لعبد الضيف مادام نازلاً ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا وقبله: يعاتبني في الدين أهلي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا أسد بها ما قد أخلوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا وفي جفنةٍ ما يغلق الباب دونها ... مكللة لحماً مدفقةٍ ثردا وفي فرس فهد عتيق جعلته ... حجاباً لبيتي ثم أخدمته عبدا وإن الذي بيني وبين أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا وإن همُ هووا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن ضيعوا رشدي أقمت لهم رشدا وليسوا إلى نصري سراعاً وإن هم ... دعوني إلى نصر أتيتهم شدا ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي، لم أكلفهم رفدا وإني لعبد الضيف ... البيت الفصل الثالث فيما ورد عن النبي ﷺ من كراهة التشاؤم بها روي عن حكيم بن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا شؤم وقد يكون اليمن في المرأة والدار والفرس". وعن سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه عن رسول الله ﷺ : "البركة في ثلاث في الفرس والمرأة والدار". قال الزهري: سألت سالم بن عبد الله عن معنى الحديث وقد صح عنه ﷺ أنه قال: "الشؤم في ثلاثة في الفرس والمرأة والدار"، فقال: "قال ﷺ : إذا كان الفرس ضروباً فهو مشؤوم، وإذا كانت المرأة قد عرفت زوجاً قبل زوجها فحنت إلى الزوج الأول فهي مشؤومة، وإذا كانت الدار بعيدة عن المسجد لا يسمع فيها الأذان فهي مشؤومة، وإذا كن بغير هذا الوصف فهن مباركات". وقال القاضي عياض: "معناه اعتقاد الناس هذا لا أنه خبر منه ﷺ عن إثبات الشؤم لها". وروي عن مكحول أنه قال لعائشة ﵂: "إن أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : الشؤم في ثلاثة في الدار والمرأة والفرس. فقالت عائشة: لم يحفظ أبو هريرة لأنه دخل ورسول الله ﷺ يقول: قاتل الله اليهود يقولون الشؤم في ثلاثة في الدار، والمرأة، والفرس، فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله". وروي عنه ﷺ : "الخيل معقوص في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (العقصة: الضفيرة) . وعن أنس بن مالك عنه ﷺ : "البركة في نواصي الخيل" الناصية الشعر المسترسل على الجبهة، وفي الحديث: "ثلاثة لا يسلم منها أحد: الطيرة والحسد، والظن، قيل فما نصنع؟ قال: إذا تطيرت فأمض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تصحح".

стр. 9

وروي: "الطيرة شرك"، قال الترمذي: "هي سوء الظن بالله والهرب من قضائه، لأن العرب كانوا يعتقدون أن ما يتشاءمون به سبب مؤثر في حصول المكروه، ومن اعتقد أن غير الله تعالى يضر أو ينفع، فقد أشرك" زاد يحيى القطان عن شعبة: "وما منا إلاّ من يعتريه الوهم قهراً، ولكن الله يهديه بالتوكل". ومن لطيف ما حكي، أنه عرض على أبي مسلم الخراساني فرس لم ير مثله، فقال: "لماذا يصلح هذا الجواد؟ قالوا: للغزو في سبيل الله؛ فقال: لا. قالوا: يطلب عليه العدو، فقال: لا. قالوا: فلماذا يصلح أصلح الله الأمير؟ فقال: ليركبه الرجل ويفر من المرأة السوء والجار السوء". وقيل: من سعادة المرء: امرأة حسناء ودار قوراء، وفرس مربوطة بالفناء. الفصل الرابع فيما ورد من النهي عن أكل لحومها وإخصائها وجز نواصيها وأذنابها قال تعالى: "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة". وعن خالد بن الوليد ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الخيل"، أي: وإن كان حلالاً لئلا يقل نسلها، فتفقد آلة في الجهاد، وقد خصها الله بسهمين من الغنيمة دون غيرها لفضلها. ونهى ﷺ عن إخصائها. فقد ورد عن عمرو بن العاص قال: "أصاب رسول الله ﷺ فرساً من حدس "حي من اليمن" فأعطاه رجلاً من الأنصار وقال: إذا نزلت فانزل قريباً مني فإني أتسار إلى صهيله. ففقده ليلة، فسأل عنه، فقال: يا رسول الله خصيناه، فقال مثلت به - يقولها ثلاثاً -، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة أعرافها وأدفاؤها، وأذنابها مذابّها التمسوا نسلها وباهوا بصهيلها المشركين". وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: "نهى رسول الله ﷺ عن إخصاء الخيل"، أي: إن لم تخف منه العض أو سوء الخلق، كما بينه الفقهاء. وعن مكحول: "نهى رسول الله ﷺ عن جز أذناب الخيل وأعرافها ونواصيها وقال: إنما أذنابها مذابها وأعرافها أدفاؤها وأما نواصيها ففيها الخيل". وعن أنس بن مالك عنه ﷺ : "لا تهلبوا أذناب الخبل، ولا تجزوا أعرافها ونواصيها" وقال: "البركة في نواصيها، ودفاؤها في أعرافها، وأذنابها مذابها". وعن الشعبي قال: "قرأت كتاب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عامله على الكوفة سعد بن أبي وقاص ينهى حذف أذناب الخيل وأعرافها وإخصائها ويأمر أن يجري من رأس المئتين، وهو أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة 'لاف ذراع، والبريد ثلاثة فراسخ، وأول من جز ناصية فرسه وذنبها الحارس بن عباد يوم تحلاق اللمم في أيام حرب البسوس، وذلك أنه لما سمع بقتل ولده بجير دعا بفرسه النعامة فجيء بها فجز ناصيتها وذنبها ونادى في قومه، وأنشد قصيدته التي مطلعها: كل شيء مصيره للزوال ... غير ربي وصالح الأعمال ومنها: قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال فاتخذت العرب ذلك سنة، إذا أرادوا إدراك الثأر، فعلوا ذلك بخيلهم. فلما بلغ المهلهل فعل الحارث، دعا بفرسه المشهر وفعل به ما فعله الحارث بالنعامة وقال قصيدته التي مطلعها: هل عرفت الغداة من أطلال ... رهن ريح وديمة مهطال ومنها: قربا مربط المشهر مني ... لكليب الذي أشاب قذالي تتمة قي سقوط الزكاة عنها عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تجاوز لكم عن صدقة الخيل". وعن عمر بن الخطاب ﵁: "إن النبي ﷺ لم يأخذ من الخيل صدقة". وعن سلمان بن يسار "أن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة: خذ من خيلنا صدقة فأبى، ثم كتب إلى عمر فأبى فكلموه أيضاً فكتب إلى عمر فكتب إليه: إن أحبوا فخذها منهم وارددها". أي: على فقرائهم لقوله تعالى: "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة" فهي زينة الله التي أخرج لعباده، فالحيوان الذي له الكر والفر أنفع حيوان في الجهاد في سبيل الله فالأغلب أنه لله، وما كان لله فليس فيه حق الله، وأما إذا كانت سائمة ففيها الزكاة. روي عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "في الخيل السائمة في كل فرس دينار". الباب الثاني في بيان أنواعها وفضل الذكر منها على الأنثى وفيه خمسة فصول

стр. 10

الفصل الأول في العربي اعلم أن الخيل على أربعة أقسام: عربي وهجين ومقرف وبرذون، فالعربي هو الذي أبوه وأمه متساويان في الأصل، ويسمى: عتيقاً لعتقه من العيوب وسلامته من الطعن فيه، والغالب أن يكون متوسط الجسم متناسب الأعضاء يعجب كل من رآه. قال الأعشى: تدر على غير أسمائها ... مطرفة بعد إتلادها المطرف: كريم الآباء والأمهات، والتلاد: المال القديم المورث عن الآباء، وقال البحتري: وافي الضلوع يشيد عقد حزامه ... يوم اللقاء على معم مخول وقال أبو تمام: وتهب لي بعجاج موكبك الصبا ... إن السماحة تحت ذاك القسطل بالراقصات كأنها رسل القضا ... والمقربات بهن مثل الأفكل من نجل كل تليدة أعراقه ... طرف معم في السوابق مخول المقربات: ما تقرب من البيوت لكرمها، والأفكل: الرعدة. وقال آخر: فلما رأوا ما قد رأته شهوده ... تنادوا ألا هذا الجواد المؤمل أبوه ابن زاد الركب وهو ابن أخته ... معم لعمري في الجياد ومخول وقال ابن الخطيب الأندلسي: أو من كميت لا نظير لحسنه ... سام معم في السوابق مخول المعم: كريم الأعمام، والمخول: كريم الأخوال. ويقال: كرم الفرس، إذا رق جلده ولان شعره وطابت رائحته، ويكنى الفرس العربي بأبي شجاع وأبي مدرك وأبي المضمار وأبي المنجي. روي عن عبد الله بن عريب الملكي عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "الجن لا تخبل أحداً في بيته عتيق من الخيل". وقال ﷺ : "إن الشيطان لا يخبل أحداً في دار فيها فرس عتيق". وقال ﷺ : "إن الشيطان لا يدخل داراً فيها فرس عتيق"، وروي أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أرجم بالليل، فقال له ﷺ : "اربط فرساً عتيقاً" فلم يرجم بعد ذلك. وروي "أن إبليس أتى عيسى بن مريم ﵇ فقال له: عيسى إني سائلك عن شيءٍ فهل أنت صادق فيه؟ فقال: يا روح الله سلني عما بدا لك. فقال: أسألك بالحي القيوم الذي لا يموت ما الذي يسبل جسمك ويقطع ظهرك، قال: سهيل فرس في سبيل الله في قرية من القرى، أو حصن من الحصون، ولست أدخل داراً فيها فرس عتيق". وعن عمر بن عبد العزيز قال أثبت لي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من كان له فرس عربي فأكرمه أكرمه الله تعالى، وإن أهانه أهانه الله تعالى". وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من فرس عربي إلاّ يؤذن له عند كل سحر بدعوتين: اللهم خولتني من خولتني من بني آدم وجعلتني له فاجعلني أحب أهله وماله إليه". وعن عمر بن خديج أنه قال: "لما فتحت مصر كان لكل قوم مراغة يمرغون فيها خيولهم، فمر معاوية بأبي ذر وهو يمرغ فرساً له فسلم عليه ووقف فقال: يا أبا ذر! ما هذا الفرس لا أراه إلاّ مستجاباً؟ قال: وهل تدعو الخيل؟ قال: نعم ليس من ليلة إلاّ والفرس يدعو ربه فيها، فيقول: رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده، اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده، فمنها المستجاب ومنها غير المستجاب، ولا أرى فرسك هذا إلا مستجاباً". وعن وهب بن منبه قال: "ما من تسبيحة ولا تكبيرة تكون من راكب فرس، إلا والفرس يسمعها ويجيبه بمثل قوله". وعن مكحول: "أن النبي ﷺ هجن الهجين يوم خيبر وعرب العربي: للعربي سهمان وللهجين سهم". وعن أبي موسى أنه كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁: "إنا وجدنا بالعراق خيلاً عراضاً دكاً فما ترى يا أمير المؤمنين في سهماتها فكتب له: تلك البراذين، فما قارب منها العتاق فاجعل له سهماً واحداً، والغُ ما سوى ذلك". وعن أبي الأنمر قال: "أغارت الخيل على الشام فأدركت العراب من يومها، وأدركت الكوادي ضحى الغد، ورئيس الخيل المنذر بن أبي خصمة الهمداني فقال: لا أجعل التي أدركت من يومها مثل التي لم تدرك. فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: هبلت الوادعي أمه، لقد أذكرت به ولقد أذكرني أمراً كنت نسيته أمضوها على ما قال".

стр. 11

قوله: هبلت الهبل الهلاك، والعرب تطلق هذه الكلمة ونظائرها من الدعاء بالمكروه ولا تريد بها شراً، وقد تجريها مجرى المدح عند استعظام الشيء، كقولهم ما له قاتله الله، وقولهم: هبلته أمه، وقوله: لقد أذكرت به، أي: جاءت به ذكراً شهماً. وقد فرقوا بين الإنسان والخيل، فقالوا في الإنسان: عرب وأعراب، وفي الخيل والإبل: عراب، وهي خلاف البراذين والبخاتي. والمعرب من الخيل: الذي ليس في عرقه هجين، والأنثى: معربة، وأعرب الفرس: إذا عرف عتقه من صهيله، والإعراب: معرفة الناس العربي من الهجيم إذا صهل قال الجعدي: ويصهل في مثل جوف الطوى ... صهيلاً تبين للمعرب (أي ظهر أنه من العراب حين سمع صهيله) الفصل الثاني في الهجين وهو ما كان أبوه أشرف من أمه: مأخوذ من الهجنة، وهي العيب، وهو دون المقرف، قال الشاعر: لا يدرك العربي الهجين يجله ... ولا حليه في سرجه ولجامه أي: ولو تحلى الهجين بأنواع الزينة لا يدرك العربي، وقال ذهلة ابن شيبان: وإذا تقابل مجريان لغاية ... عثر الهجين وأسلمته الأرجل ويجي الصريح مع العتاق معوداً ... قرب الجياد فلم يجئه الأفكل الفصل الثالث في المقرف وهو ما كانت أمه أشرف من أبيه مأخوذ من القرف، وهو القرب، لقربه من الهجين، وإن كان أحط منه، قال الأعشى: قافل جرشع تراه كتيس ال ... ريل لا مقرف ولا مخشوب تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب القافل: الضامر، والجرشع: منتفخ الجنبين، والمخشوب: الذي لم يحسن تعليمه ورياضته، وقال محمد بن بسام في ابن المرزبان: بخلت عني بمقرف عطب ... فلم تراني ما عشت أركبه وإن تكن صنته فما خلق الل ... هـ مصوناً وأنت تركبه ويقال للمقرف: مذرع، - بالذال المعجمة -. قال الفرزدق: إذا باهلي عنده حنظلية ... له ولد منها فذاك المذرع فالمذرع كالبغل، إذا سئل عن أبيه قال: أمي الفرس. قال ابن قيس العدوي: إن المذرع لا تغني خؤولته ... كالبغل يعجز عن شوط المحاضير وقال آخر: قوم توارث بيت اللؤم أولهم ... كما توارث رقم المذرع الحمر وسمي مذرعاً لشبهه بالبغل: لأن كلا منهما في ذراعيه رقمتان كرقمتي ذراع الحمار، والهجنة في الإنسان من قبل أمه. قالت حميدة بنت النعمان بن بشير في الفيض بت عقيل الثقفي: وما أنا إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تحللها نغل فإن نتجت مهراً فالله درها ... وإن يك أقرافاً فما أنجب الفحل النغل: - بالنون - الخسيس من الدواب، وقد غلط من رواه تحللها بغل لأن البغل لا ينتج. وعن جبلة بن عبد الملك قال سابق عبد الملك بن مروان بين ولديه سليمان ومسلمة، فسبق سليمان، فقال عبد الملك: ألم أنهكم أن تحملوا هجناءكم ... على خيلكم يوم الرهان فتدرك وما يستوي المرآن هذا ابن حرة ... وهذا ابن أخرى ظهرها متشرك فتضعف عضداه ويخفت صوته ... وتقصر رجلاه فلا يتحرك وأدرك خالات له فنزعنه ... إلا أن عرق السوء لا بد مدرك ثم أقبل على مصقلة بن هبيرة الشيباني فقال: أتدري من يقول هذا؟ قال: لا. فقال: هو قول أخيك، فقال مسلمة: يا أمير المؤمنين! ما هكذا قال حاتم الطائي، فقال عبد الملك: وماذا قال؟ فقال: وما أنكحونا طائعين بناتهم ... ولكن خطبناها بأسيافنا قسرا فما زادنا فيها السباء مذلة ... ولا كلفت خبزاً ولا طبخت قدرا ولكن خلطناهم بحر نسائنا ... فجاءت بهم بيضاً وجوههم زهرا فكائن ترى فينا من ابن سبية ... إذا لقي الأعداء يطعنها شذرا ويأخذ رايات الطعان بكفه ... فيوردها بيضاً ويصدرها حمرا أغر إذا اغبر اللئام كأنه ... إذا ما سرى ليل الدجى قمر بدرا فقال عبد الملك كالمستحي: وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا الفصل الرابع في البرذون

стр. 12

بكسر أوله وفتح الذال المعجمة، وهو الذي استوى أبوه وأمه في الخسة، ويقال للأنثى برذونة، ورمكة بالتحريك، قال ابن حبيب: البرذون عظيم الأعضاء. بخلاف العربي، فإنه أضمر وأرق أعضاء، ويوصف بغلظ الرقبة، وكثرة الجلبة، إن أرسلته، قال: أمسكني، وإن أمسكته، قال: أرسلني، ويكنى بأبي الأخطل، لخطل أذنيه، أي استرهائهما. قال السراج الوراق: لصاحب الأحباس برذونة ... بعيدة العهد عن القرط إذا رأت خيلاً على مربط ... تقول سبحانك يا معطي تمشي إلى خلف إذا ما مشت ... كأنما تكتب بالقبطي وقال آخر: نجى علاجاً وبشراً كل سلهبة ... واستلحم الموت أصحاب البراذين وأول من أنتج البراذين، أحد ملوك الفرس، فإنه أنزى الخيل العربية على البقر لقوته أعضائها، وشدة صبرها فأنتجت البراذين. وأول من أنتج البغال أفريدون من ملوكهم أيضاً. وقال المسعودي: "إن أهالي صعيد مصر مما يلي الحبشة، كانوا يعلون الثيران على الأتن، والحمير على البقر وإن بلاد الزنج بقراً يقاتلون عليها، وتجري كالخيل بسروج ولجم". الفصل الخامس في فضل الذكر على الأنثى قال تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل" قال ابن عباس ﵄: "القوة: الخيل الذكور، وقوله: من رباط الخيل، أي: الإناث. والذكر أشرف من الأنثى لأنه خلق قبلها فهو أشد حرارة منها، وإن كانا من جنس واحد من مزاج واحد". وقد تعلقت الإرادة الإلهية بتقويم أقواهما حرارة أولاً؛ ولذا خلق آدم ﵇ قبل حواء، ويقال للذكر: حصان - بكسر المهملة - لأنه حصن ماءه فلم ينز إلا على كريمة. وروي عن أنس بن مالك ﵁: "كان السلف يحبون الفحول من الخيل ويقولون إنها أجرى وأقوى من الأنثى لأن المقصد من اقتناء الخيل القتال عليها". قال عمرو بن السليح: لقيناهم بجمع من علاف ... وبالخيل الصلادمة الذكور وقال الأعشى: وأعددت للخيل أوزارها ... رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا ومنه يعلم أن الذكر في القتال خير من الأنثى؛ لأنه أجرى وأجرأ يقاتل مع صاحبه. قال دكين بن رجا: أشم خنديد منيف أشعبه ... يقتحم الفارس لولا قبقبه الخنديد: العتيق، والمنيف: المشرف، والشعب: ما أشرف منه، والقبقب: اللجام، فهو بخلاف الأنثى، فإنها ربما تكون سبب قتل صاحبها، إذا كانت وديقاً، ورأت الفحل ولو من غير نوعها لشدة شبقها. وعن أبي محيرز ﵁: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يفضلون ركوب الفحول في الصفوف وسائر أمور الحرب لإرهاب العدو، ويفضلون الخصيان في الكمين والطلائع لأنها أصبر وأقوى في الجهد، ويفضلون الإناث في الغارات والبيات لعدم صهيلها، ودفعها البول وهي تجري، بخلاف الفحل فإنه يحصر البول حتى يتفقأ". وللإناث من الخيل فضل على كافة ما يقتنى من المال، ففي الحديث: "خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة". المأمورة: كثيرة النتاج، والمأبورة: النخلة الملقحة. وفيه أيضاً: "عليكم بإناث الخيل فإن ظهورها عز وبطونها كنز" وقيل لبعض الحكماء: أي المال أشرف قال: فرس - تتبعها فرس وفي بطنها فرس، ويقال للأنثى: حجر - بلا هاء -، لعدم مشاركة الذكر لها فيه. الباب الثالث في ألوانها وفيه خمسة فصول الفصل الأول في الأشقر وأنواعه ستة: مذهب وخلوقي ومدمي وأمغر وسلقد وورد، فالأشقر المذهب هو الذي تعلو شقرته صفرة، والخلوقي هو الذي اشتدت شقرته وعلتها صفرة كلون الزعفران، والمدمى هو الذي تعلو شقرته حمرة، لا كالكميت، وأصول شعره كأنها خضبت بالحناء، والأمغر هو الذي ليس بناصع الحمرة ولم تشب شقرته بصفرة. والسلقد هو الصافي الخالص ويسمى قرفي، والورد هو الذي تعلو الحمرة إلى الشقرة الخلوقية، وأصول شعره سود، فإذا كان في ذنب الأشقر بياض يسمونه أشعل، ويتشاءمون منه. قال زيد الخيل في فرسه الورد: ما زلت أرميهم بشكة فارس ... وبالورد حتى أحرثوه وبلدا وقال ابن نباتة: وورد من العرب منسوب ولا قطعت ... أيدي الحوادث من أنسابه شجره إذا امتطى ظهره، رامي السهام مضى ... والسهم حد، فلولا سبقه عقره عجبت كيف يسمى سابحاً وله ... وثب لو البحر أرسى دونه ظفره

стр. 13

لما ترفع عن ند يسابقه ... أضحى يسابق في ميدانه نظره والأشقر الورد، إذا اشتملت شقرته، على شهبته، يقال له أغبر. وقد ورد فيها أحاديث وآثار تدل على فضلها. روي عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: "يمن الخيل في شقرها". وعنه عن أبيه عن النبي ﷺ : "خير الخيل الشقر" وعنه قال: "كان ﷺ ، بطريق تبوك، وقد قل الماء، فبعث الخيل في كل جهة يطلبون الماء، فكان أول من طلع بالماء صاحب فرس أشقر، والثاني صاحب فرس أشقر، وكذلك الثالث، فقال ﷺ : اللهم بارك في الشقر" وعن محمد بن مهاجر قال: "سألت ابن وهب الجشمي لم فضل الأشقر؟ قال: لأن النبي ﷺ بعث سرية فكان أول من جاء بالفتح صاحب فرس أشقر". وعن زيد بن صفوان: "كان ﷺ يحب من الخيل الشقر، وإلا فأدهم أغر محجل، ثلاث طليق اليمنى". وعن عمرو بن الحارث الأنصاري عن أشياخ أهل مصر، قالوا: قال رسول الله ﷺ : "لو أن خيل العرب جمعت في صعيد واحد، ما سبقها إلا أشقر". وحكى ابن النحاس، أن سليمان بن عبد الملك، "سأل يوماً بن نصير فاتح المغرب والأندلس، عن حروب الأمم التي حاربها، ما كنت تفزع إليه عند الحرب؟ قال: الدعاء والصبر، قال: فأي الخيل رأيت أصبر؟ قال: الشقر، قال: فأي الأمم أشد قتالاً؟ قال: هم أكثر من أن أصف، قال: فأخبرني عن الروم، قال: أسد في حصونهم، عقبان على خيولهم، نساء على مراكبهم، إن رأوا فرصة انتهزوها، وإن رأوا غلبة فأوعال تذهب في الجبال لا يرون الهزيمة عاراً، قال: فالبربر، قال: هم أشبه الأمم بالعرب لقاءً ونجدة وصبراً وفروسية، غير أنهم أغدر الناس، قال: فأهل الأندلس، قال: ملوك مترفون، وفرسان لا يجبنون، قال: فالإفرنج، قال: هناك العدد والجلد والشدة والبأس، قال: فكيف كانت الحرب بينك وبينهم؟ قال: أما هذا فوالله ما هزمت لي راية قط، ولا بدد لي جمع، ولا نكب المسلمون معي، منذ اقتحمت الأربعين إلى أن بلغت الثمانين". وقد أكثر الشعراء من مدح الأشقر فمن ذلك قول ابن خفاجة: ومشى يتيه بها اختيالاً أجرد ... في شقرة لو سال سال نضارا تسترقص الأعطاف من طرب به ... شية تدور على العيون عقارا لو كنت شاهده وقد ملأ الفضا ... ركضاً وسد على الكميّ قفارا لرأيت فيما قد رأيت وقد بدا ... ناراً تكون إذا جرى إعصارا يستعطف الأسماع إطراءً له ... في صورة تستعطف الأبصارا وقال المتنبي: فأصبح يجتاب المسوح مخافة ... وقد كان يجتاب الدلاص المسردا تمشي به العكاز في الدير تائباً ... وما كان يرضى مشي أشقر أجردا وما تاب حتى غادر الكر وجهه ... جريحاً وخلى وجهه النقع أرمدا وقال آخر: تذكرت من يبكي عليّ فلم أجد ... سوى السيف والرمح الرديني باكيا وأشقر خنذيذ يجر عنانه ... إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا وقال إسحاق بن خفاجة: ومطهم شرق الأديم كأنما ... ألفت معاطفه النجيع خضابا طرب إذا غنى الحسام ممزق ... ترب العجاجة جيئة وذهابا قدحت يد الهيجاء منه بارقاً ... متلهباً يزجي القتام سحابا ورمى الحفاظ به شياطين العدا ... فأنقض في ليل الغبار شهابا بسام ثغر الحلي تحسب أنه ... كأس أثار بها المزاج حبابا وقال يمدح القائد أبا الطاهر: وحن إليه كل ورد محجل ... كأن لجيناً سال منه على تبر يجول فتجري في عنان، به الصبا ... ويزخر في لبد به البحر في البر وأشهب وضاح تحمل رقعة ... من الحسن لم تعبر به العين في بسر تخط سطور الضرب في صدره الظبا ... ويعجمها وخز المثقفة السمر ويدرج منه السلم ما تنشر الوغى ... فطوراً إلى طي وطوراً إلى نشر وأدهم لولا أنه راق صورة ... لما عرفته العين من ليلة الهجر طويل سبيب العرف والفتق والشوى ... قصير عسيب الذيل والظهر والنسر له غرة تستصحب النصر طلعة ... كفاك بها في صورة الحشر من عشر وقال الصلاح الصفدي: يا حسنهُ من أشقر قصرت ... عنه بروق الجو في الركض

стр. 14

لا تستطيع الشمس من جريه ... ترسمه ظلاً على الأرض الفصل الثاني في الأحمر وهو الكميت ولفظه يقع على الذكر والأنثى ولا يستعمل إلا مصغراً ولونه بين الحمرة والشقرة، والفرق ما بينه وبين الأشقر بالعرف والذنب والقوائم فإن كانت سوداً فكميت وإلا فأشقر. وأنواع الكميت خمسة: أحوى وأحم، ومدمى وأحمر، ومحلف. فالكميت الأحوى يعلوه سواد، والفرق بينه وبين الأخضر الأحم احمرار مناخره واصفرار خاصرته، وأما الكميت الأحم والكميت الأحوى، فإنهما متشابهان في اللون، حتى أن البصريين بهما يشكان فيهما، فيحلف أحدهما أنه أحوى والآخر أحم. قال أبو منصوراليربوعي: تسائلني بنو جشم بن بكر ... إغراء العرادة أم بهيم كميت غير محلفة ولكن ... كلون الصرف عل به الأديم وفي الحديث "خير الخيل الحو" وعن نافع بن جبير عنه ﷺ : "اليمن في الخيل في كل أحوى". والكميت الأحم، ما شابه الأحوى، إلا أنه أقل سواداً منه. والمدمي ما اشتدت حمرته وسرته أشد حمرة من سائر جسده. والأحمر أشد حمرة من المدمى، وهو أحسن الكمت لأنه خالص الكمتة، ويقال له كميت مصامص، أي خالص والمصامص والمصمص، شديد تركيب العظام والمفاصل، قال أبو داؤد: ولقد ذعرت بنات عس ... م المرشفات لها بصابص بمجوف بلقاً واع ... ني لونه ورد مصامص يمشي كمشي نعامتي ... ن تتابعان أشق شاخص والمحلف ما قاربت حمرته إلى الشقرة، وعرفه وذنبه يميلان إلى السواد، روى الشعبي عنه ﷺ "التمسوا الحوائج على الفرس الكميت، الأرثم المحجل الثلاث المطلق اليد اليمنى"، والرثم: بياض في الشفة العليا. وعن موسى بن علي بن رباح اللخمي عن أبيه قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أريد أن أبتاع فرساً؛ وأفند فرساً، فقال: عليك به كميتاً أو أدهم أقرح أرثم محجل ثلاث طليق اليمين". وسئل رسول الله ﷺ عن أفضل الخيل فقال: "أحمرها وأسرعها وأشقرها وأظفرها أدهمها". وقال ابن أمية: "سألت الأمير قيساً عن أفضل الخيل، فقال: أحمرها كيف ما كان، وأجودها الأدهم"، وسألت ابن ثعلبة عن أصبر الخيل، فقال: الكميت. وعن مسعود بن خراش قال: "سأل عمر بن الخطاب ﵁ قيس بن زهير العبسي، أي الخيل وجدتموها أصبر في حربكم؟ قال الكميت". وحكى الأسوردي قال: "قالت بنو عبس ما صبر معنا في الحرب من النساء إلا بنات العم ومن الخيل إلا الكمت ومن الإبل إلا الحمر". وقال أبو داؤد الإيادي: إن لم تلطني بهم حقاً أتيتكم ... حوّاً وكمتاً تعادي كالسراجين من كل جرداء قد طارت عقيقتها ... وكل أجرد مسترخى الأباذين وقال امرؤ القيس: كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: تشكى الكميت الجريَ لما جهدته ... وبين لو يسطع أن يتكلما لذلك أدني دون خيلي مكانه ... وأوصي به ألا يهان ويكرما فقلت له إن ألقَ للعين قرةً ... فهان عليَّ أن تكل وتسأما عدمت إذن وفري وفارقت مهجتي ... لئن لم أقل قرناً إن الله سلما ومن لطائف ابن نباتة قوله: يا واصف الخيل بالكميت وبالنه ... د أرحني من طول وسواس لا نهد إلا من صدر غانية ... ولا كميت إلا من الكاس فأخذه فخر الدين بن مكانس فقال: وإذا ذكرت الخيل في الميدان ... فاشرب كميتاً واعلُ فوق نهود وقال آخر: وأحمر كالديباج أما سماؤه ... فرياً وأما أرضه فمحول وقال عبد السلام بن غياث المعروف بديك الجن: أحمر كالخضاب في صفح هادي ... هـ من الهاديات مثل الخضاب وكأني أرمي به الهضاب على حي ... ن وناه بقطعة من هضاب وكأني رفعت بالبرق شمًلا=لي ولما أضأتها بعقاب وقال ابن تميم في مهرة حمراء: أهديت لي يا مالكي مهرة ... جميلة الخلق بوجه جميل مؤخرها والعنق قد أوقعا ... قلب الأعادي في العريض الطويل قد لبست من شفق حلة ... تخبرنا أن أباها أصيل. الفصل الثالث في الأدهم

стр. 15

وأنواعه خمسة: أدهم حالك وأحوى وأحم وأصدى وأخضر. فالأدهم الحالك أشد هذه الأنواع سواداً وأصفاها. والأحوى ما علا سواده حمرة. والأحم ما شابه الأحوى، إلا أنه أقل حمرة، والأصدى ما خالط سواده شقرة، والأخضر ما خالط سواده غبرة. روي عن يزيد بن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ : "الخير في الأدهم الأقرح الأرثم محجل الثلاث طلق اليمنى" (القرحة في وجه الفرس بياض دون الغرة) . وعن عتبة عنه ﷺ : "إذا أردت أن تغزو فاشتر فرساً أدهم محجل الثلاث مطلق اليمنى، فإنك تغنم وتسلم، فإن لم يكن أدهم فكميتاً على هذه الشية" أي على هذه الصفة. وعن أبي قتادة الأنصاري عنه ﷺ : "خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم الأقرح المحجل طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميتاً على هذه الشية" وعن أبي وهب الجشمي عنه ﷺ "تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة، واربطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها وأكفالها، وعليكم بكل كميت أغر محجل، أو أشقر أغر محجل، أو أدهم أغر محجل"، وذكر الخيل عند النبي ﷺ فقال: "خضرها أحبلها، وكمتها ديباجها وشقرها حيادها اللهم بارك في الأخضر اللهم بارك في الأشقر". وحكى ابن بسام في الذخيرة: كان للمتوكل ابن الأفطس الأندلسي فرس أدهم محجل، على كفله ست نقط بيض، فندب الشعراء لوصفه فقال أبو الوليد البجلي ارتجالاً: ركب البدر جواداً سابحاً ... تقف الريح لأدنى مهله لبس الليل قميصاً سابغاً ... والثريا نقط في كفله وغدير الصبح قد خيض به ... فبدا تحجيله من بلله كل مطلوب وإن طالت به ... رجله من أجله في أجله وقال ابن اللبانة فيه: لله طرف جال يا ابن محمد ... فجنت به حوباؤه التأميلا لما رأى أن الظلام أديمه ... أهدى لأربعه الهدى تحجيلا وكأنما في الردف منه مباسم ... تبغي هناك لرجله تقبيلا وقال ابن نباتة: وأدهم اللون حندسي ... في جريه للورى عجائب تقصر سعي الرياح عنه ... فكلها خلفه جنائب وقال الصفي الحلي: ولقد أروح إلى القنيص وأغتدي ... في متن أدهم كالظلام محجل رام الصباح من الدجى استنقاذه ... حسداً فلم يظفر بغير الأرجل فكأنه صبغ الشباب إهابه ... وخط المشيب فجاءه من أسفل وقال الطاهر الجزولي: وأدهم كالليل البهيم مطهم ... فقد عز من يعلو بساحة عرفه يفوت هبوب الريح سبقاً إذا جرى ... تراهن رجليه مواقع طرفه وقال غيره: قد سابق الطرف بطرف سابق ... كأنه يريد إدراك القدر دهمته تبدي سواداً حالكاً ... كأنها ليل إذا الليل اعتكر صهيله يطرب من يسمعه ... كأنه رعد إذا الرعد زجر أو سابق الريح جرى من قبلها ... والبرق لا يسبقه إذا ظهر وقال ابن خفاجة: وأدهم نم آل الوجيه ولاحق ... له الليل لون والصباح حجول ترقرق ماء الحسن فوق أديمه ... فلولا التهاب الخصر ظل يسيل كأن هلال الفطر لاح بوجهه ... فأعيننا شوقاً إليه تميل كأن الرياح العاصفات تقله ... إذا ابتل منه مخرم وتليل إذا عابد الرحمن في متنه علا ... بدا الزهو في العطفين منه يجول فمن رام تشبيهاً له قال موجزاً ... وإن كان وصف الحسن منه يطول هو الفلك الدوار في صهواته ... لبدر الدياجي مطلع وأفول وامتدح ابن دنينير اللخمي القابوس الملك المنصور مستمنحاً منه فرساً بقوله: ملك الورى دعوة مني على مضض ... من الزمان الذي أخنى بلا سبب أودى تلادي وولى بعده تبعاً ... حتى طريفي وما جمعت من نشب وكان قد غفلت عني حوادثه ... في بغلة كنت أقضي فوقها أربي حتى ألم بها منه الردى فغدا ... قلبي قتيل الأسى والهم والنصب ولم أجد سبباً يجني الزمان به ... على ذوي الفضل إلا حرفة الأدب فاكبت عداي بأخرى مثلها فلقد ... قصرت عن كل ما أهوى من التعب أولا فأدهم تفري الليل غرته ... نهد القصير شديد العظم والعصب

стр. 16

سامي التليل عريض المتن مرتفع ... عالي النواهق وافي الرسغ والذنب صافي الأديم كأن البرق غرته ... رحب اللبان أشم الأنف والقصب كاس من الليل بالظلماء ملتحف ... لكنما زانه التحجيل بالحبب هقل إذا ما تولى مدبراً فإذا ... أتى فظبي كناس ريع من كثب يكاد يسبق لحظ العين كيف جرى ... فما يدانيه مر الريح في الخبب ولو يباريه زاد الركب عن عرض ... في حلبة لكبا منه على الركب فذاك بغية مثلي من نداك وأن ... أعود من جودكم بالمنظر العجب وقال أبو سعيد المغربي: ولما اغتدى والليل قد سل صبحه ... بليل بجلباب الصباح تلثما وأحسبه خال الثريا لجامه ... فصير هاديه إلى الأفق سلما وقال جمال الدين يوسف بن الحسن: وأدهم اللون فاق البرق وانتظره ... فغارت الريح حتى غيبت أثره فواضع رجله حيث انتهت يده ... وواضع يده أنى رمى بصره إذن تراه يحاكي السهم منطلقاً ... وما له غرض مستوقف خبره يعفر الوحش في البيداء فارسه ... وينثني وادعاً إن يستتر غبره وقال أبو سويد شهد أبو دلف وقعة وتحته فرس أدهم عليه نضخ الدم فاستوقفه بعض الشعراء وأنشد: كم ذا تجرعه المنون ويسلم ... لو يستطيع شكا إليك الأدهم في كل منبت شعرة من جلده ... خط ينمقه الحسام المخدم وكأنما عقد النجوم بطرفه ... وكأنما هو بالمجرة ملجم وكأنه بين البوارق لقوةٌ ... شفواء كاسرة طوت ما تطعم لا تدرك الأرياح أدنى شأوه ... لا بل يفوت الريح فهو مقدم رجعته أطراف الأسنة أشقراً ... واللون أدهم حين ضرجه الدم فأمر له بعشرة آلاف درهم. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسي: تقبل المهر من أخي ثقة ... أرسل ريحاً به إلى المطر مشتملاً بالظلام من شية ... لم يشتمل ليلها على سحر منتسباً لونه وغرته ... إلى سواد الفؤاد والبصر تحسبه من علاك مسترقاً ... بهجة مرأى وحسن مختبر حن إلى راحة تفيض ندى ... فمال ظل به على نهر ترى به والنشاط يلهبه ... ما شئت من فحمة ومن شرر لو حمل الليل حسن دهمته ... أمتع طرف المحب بالسهر أحمى من النجم يوم معركة ... ظهراً وأجرى به من القدر اسود وابيض فعله كرماً ... فالتفت الحسن فيه عن حور كأنه والنفوس تعشقه ... مركب من محاسن الصور فازدد سنا بهجة بدهمته ... فالليل أذكى لغرة القمر ومثل شكري على تقبله ... بجمع بين النسيم والزهر وقال لما استرجعت بلنسية من يد العدو: من عسكر رجفت أرض العدو به ... حتى كأن بها من وطئه وهلا ما بين ريح طراد سميت فرساً ... جوراً وليث شرى يدعونه بطلا من أدهم أخضر الجلباب تحسبه ... قد استعار رداء الليل واشتملا وأشهب ناصع القرطاس مؤتلق ... كأنما خاض ماء الصبح فاغتسلا ترى به ماء نصل السيف منسكباً ... يجري وجاحم نار البأس مشتعلا فغادر الطعن أجفان الجراح به ... رمداً وصير أطراف القنا فتلا وأشرق الدم في خد الثرى خجلا ... وأظلم النقع في جفن الوغى كحلا وأقشع الكفر قسراً عن بلنسية ... فانجاب عنها حجاب كان منسدلا وقال ابن هاني: من كل يعبوب سبوح سلهب ... نقش سياط عنانه الطيار سلط السنابك باللجين مخدم ... وأذيب منه على الأديم نضار وكأن وفرته غدائر غادة ... لم يلق بؤس لا ولا إقتار وأحم حلكوك وأصفر فاقع ... منها وأشهب أمهق زهار ومنها: مرت لغايتها فلا والله ما ... علقت بها في عدوها الأبصار وجرت فقلت أسابح أم طائر ... هلا استثار لوقعهن غبار من آل أعوج والصريح وداحس ... فيهن منها ميسر ونجار الفصل الرابع في الأشهب

стр. 17

وأنواعه خمسة: قرطاسي صريح، وصنابي، ورمادي، وأبرش وأبلق، فالقرطاسي ما كان الغالب عليه البياض ويسمى أضحى. والصنابي ما كان الغالب عليه الحمرة. والرمادي ما كان الغالب عليه غبرة فيها كدرة. والأبرش ما كان فيه نكت بيض. فإذا عظمت سموه أبلق ومدنراً. والأبلق إن عم البياض جميع جسده وخلص رأسه وهاديه يقال له أدرع. وإن كان تلويع سواد وبياض يقال له ملوع، وإن كان مبيض الرأس والذنب يقال له مطرف. روي أن مجد الدين أخا صلاح الدين الشهير رأى بعض مماليكه على فرس أشهب فقال: أقبل من أعشقه راكباً ... من جانب الغرب على أشهب فقلت سبحانك يا ذا العلا ... أشرقت الشمس من المغرب وقال ابن خفاجة: شددت على القوافي كف حر ... كريم لا يسوغها لئيما فما أطرى إذا أطريت إلاّ ... حمياً أو حبيباً أو حميما ومطرود أجرده صقيلا ... ويعبوبا أركبه كريما إذا أقبلته سمر العوالي ... فلست أرده إلاّ كليما وقد ألف العدو وكان ريحاً ... على شرف تلف به هشيما يشيم به وراء النقع برقاً ... تألق شهبة وصفاً أديما إذا أوطأته أعقاب ليل=طردت من الظلام به ظليما وقال يخاطب الوزير أبا محمد بن عامر: ومقام بأس في الكريهة قمته ... فسبحت في بحر الحديد الأخضر أضحكن ثغر النصر فيه من العدا ... ولربما أبكيت عين السمهري ورميت هبوته بلبة أشهب ... فسفرت ليلاً عن صباح مسفر يجري فتحسبه انصباباً كوكباً ... ينقض في غبش العجاج الأكبر أوردته نطف الأسنة أشهباً ... ونزلت منه ظافراً عن أشقر وقال في الأبلق: ولم أرمِ آمالي بأزرق صائب ... وأبيض بسام وأسمر أصلعا وأبلق خوار العنان مطهم ... طويل الشوى والساق أطول أتلعا جرى وجرى البرق اليماني عشية ... فأبطأ عنه البرق عجزاً وأسرعا كأن سحاباً أسحماً تحت لبده ... يضاحك عن برق سرى فتصدعا وحسب الأعادي منه أن يزجروا به ... مغيراً غراباً صبح الحي أبقعا كأن على عطفيه من خلع السرى ... قميص ظلام بالصباح تبرقعا ركضت به بحراً تدفع مائحاً ... وأقبلت أم الرآل نكباء زعزعا يؤلل من أذن فأذن تشوقاً ... إلى صرخة من هاتف أو تطلعا كأن له من عامل الرمح هادياً ... منيفاً ومن زلق الأسنة مسمعا فسكنت منه بالتغني على السرى ... أمسح من أعطافه فتسمعا ولما انتحى ذكر الأمير استخفه ... فخفض من لحن الصهيل ورفعا حنيناً إلى الملك الأغر مردداً ... وشجواً على المسرى القصي مرجعا ففي حب إبراهيم أعرب صاهلاً ... وفي نصر إبراهيم كد تشيعا وقال أبو تمام يمدح الحسن بن وهب من قصيدة: ما مقربٌ يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق بحوافر حفر وصلب صلب ... وأشاعر شعر وخلق أخلق وبشعلة تبدو كأن حلولها ... في صهوتيه بدء شيب المفرق ذو أولقٍ تحت العجاج كأنما ... من صحة إفراط ذاك الأولق تغرى العيون به ويفلق شاعر ... في نعته عفواً وليس بمفلق بمصعد من حسنه ومصوب ... ومجمع في نعته ومفرق صلتان يبسط إن ردى أو إن عدا ... في الأرض باعاً منه ليس بضيق وتطرق الغلواء منه إذا عدا ... والكبرياء له بغير مطرق أهدى كثار جده فيما مضى ... للمثل واستصفى أباه ليلبق مسود شطر مثل ما اسود الدجى ... مبيض شطر كابيضاض المهرق قد سالت الأوضاح سيل قرارة ... فيه بمفترق عليه وملتقي فكأن فارسه يصرف إذ غدا ... في متنه ابناً للصباح الأبلق صافي الأديم كأنما ألبسته ... من سندس برداً ومن إستبرق إمليسة إمليده لو علقت ... في صهوتيه العين لم تتعلق يرقى وما هو بالسليم ويغتدي ... دون السلاح سلاح أروع مملق في مطلب أو مهرب أو رغبة ... أو رهبة أو موكب أو فيلق

стр. 18

وعن جابر بن عبد الله عنه ﷺ : "أوتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق عليه قطيفة من سندس". وروى السماك عن عكرمة قال: "لما كان شأن بني قريظة، جاء جبريل على فرس أبلق، قالت عائشة: فلكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يمسح الغبار عن وجه جبريل، فقلت: هذا دحية يا رسول الله؛ فقال: هذا جبريل. وكانت الملائكة يوم بدر على خيل بلق وقدم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب مكة وجلس مع عمه أبي لهب والناس قيام عليه وهو يخبرهم عن وقعة بدر فكان من قوله وايم الله ما لمت الناس أي في فعلهم، لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق، بين السماء والأرض لا يقوم لها شيء". الفصل الخامس في الأصفر وأنواعه ستة: أصفر فاقع، وناصع، وأصدى، وأبيض، وأعفر، وأكلف، فالفاقع ما شاكلت صفرته الحمرة من شدة الاصفرار، وشعر عرفه وذنبه أسود حالك، ومن معرفته إلى ذنبه خط أسود، وأوظفته سود، وهذا أحسن ألوان الأصفر. والناصع ما كانت صفرته صافية وشعر عرفه وذنبه أسود حالكاً، والأصدى ما علت صفرته كدرة، والأبيض الذي تضرب صفرته إلى البياض، وشعر عرفه وذنبه أصهب، وهو أشر ألوان الصفر. والأعفر ما كانت صفرته كلون التراب. والأكلف ما كانت صفرته مشوبة بسواد ومن معرفته إلى ذنبه خط أسود، وأوظفته سود، قال ابن دنينير اللخمي يمدح الأمير أسد الدين: كان لي من ندى أياديك طرف ... مستجاد وبغلة وغلام خانني الدهر في الجميع فشأني ... عبرات حرى ودمع سجام فاكبت الحاسدين منك بطرف ... بمطاه سرج وفيه لجام يسبق البرق إن جرى يدرك الغا ... ية ليست تفوته الأوهام أذناه مثل القناتين عالي ال ... متن رحب الإهاب فيه اضطرام لونه كالنضار أو كمحبٍّ ... قد يراه الهوى وشف السقام وبريء مما يشين فلا الأخ ... طاف فيه وليس فيه انهضام شاهد لي فيما أحدق من نع ... ماك عدل إذ رآه الأنام وإذا ما أكرمت فاكرم فتنى يز=كولديه الإحسان والإكرام وقال أبو سعيد المغربي: وعسجدي اللون أعددته ... لساعة تظلم أنوارها كأنه من رهج شمعة ... مصفرة كالتبر أنوارها وقال علي بن موسى بن سعيد العنسي: وأجرد تبري به أثرت الثرى ... والفجر في خصر الظلام وشاح له لون ذي عشق وحسن معشق ... لذلك فيه ذلة ومراح عجبت له وهو الأصيل بعرفه ... ظلام وبين الناظرين صباح يقيد طير اللحظ والوحش عندما ... يطير به عند النجاح جناح وقال ابن المعتز: ولقد وطئت الخيل يحملني ... طرف كلون الصبح حين وفد جماع أطراف الصوار فما ال ... أخرى عليه إذا جرى بأشد يمشي فيعرض بالعنان كما ... صدف المعشق ذو الدلال وشد فكأنه موجٌ يذوب إذا ... أطلقته فإذا حبست جمد والعرب تكره من ألوان الخيل الأبلق بأنواعه والأبيض والأصفر والأشهب الذي تعلوه حمرة، وداخل حجافله ولهواته وخارج لحييه سواد، والأدهم الذي بداخل حجافله أو لهواته نقط بيض، وبداخل شدقيه نقط سود، وعلى خارج حجفلته نقط كحب السمسم، والصنابي المبقع، والرمادي اللون وما كان منها كلون الأسد والذئب، أو القرد أو الفيل. فائدة: إذا نتف شعر الفرس أو سخن الماء شديداً بحيث يحلق شعره، وصب عليه، نبت له شعر آخر مخالف للونه الأصلي قال الشعر: تبارى قرحة مثل ال ... وتيرة لم تكن مغدا المغد: - بالغين المعجمة - غرة الفرس، أي: أن غرتها أصلية لم تحدث عن علاج. ومما يصير الأشهب أدهم، أن يؤخذ مردانج وعفص وزنجار ونورة وزاج الأساكفة وطين خودي بالسوية، ويدق الجميع ويعجن بماء حار، ثم يغسل به الفرس غسلاً جيداً، ويطلى به ويترك يوماً وليلة، ثم يغسل فيصير لونه أدهم، وإن طلي بعض جسده بذلك وترك بعضه يصير لونه أبلق. ومما يصير الأدهم أبرش، إذا طبخ الأشنان مع ورق الدفلى وصفي ماؤه ثم طبخ مع القلي وقلب جوز سائل، وغسل به، تغير لونه. ومما يصير الأشهب أدهماً، أن يؤخذ من قشر الجوز الرطب ويطبخ مع الآس، وصدأ الحديد، ويطلى به الفرس بعد الغسل الجيد. تتمة في ذكر بعض ما قاله الأدباء في أوصافها من التشبيهات والاستعارات البديعة في رسائلهم

стр. 19

فمن ذلك قول الشيخ شهاب الدين محمود: ينهي وصول ما أنعم به من الخيل التي وجد الخير في نواصيها، واعتد صهواتها حصوناً يعتصم في الوغى بصياصيها، "فمن أشهب غطاه النهار بحلته، وأوطأه الليل على أهلته، يتموج أديمه ريا، ويتأرج ريا، ويقول من استقبله في حلي لجامه هذا الفجر قد طلع بالثريا، إن التقت المضايق انساب انسياب الأيم. وإن انفرجت المسالك مر مرور الغيم، كما أبصر فارسه يوماً أبيض بطلعته، وكم عاين السنان مقاتل العدا في ظلام النقع بنور أشعته لا يسير ذو حسن في مضماره، ولا تطمع الغبراء في شق غباره، ولا يظفر لاحق من لحاقه بسوى آثاره، تسابق يداه مرامي طرفه، ويدرك شوارد ثانياً من عطفه* ومن أدهم حالك الأديم، حالي الشكيم له مقلة غانية وسالفة ديم، قد ألبسه الليل برده، فأطلع بين عينيه سعده، يظن من نظر إلى سواد طرته، وبياض حجوله وغرته، أنه خال النهار نهراً فخاضه، فألقى بين عينيه نقطة من رشاش تلك المخاضة، لين الأعطاف، سريع الانعطاف، يقبل كالليل، ويمر كجلمود صخر حطه السيل، يكاد يسبق ظله، ومتى جارى السهم إلى غرضه بلغه قبله، ومن أشقر وشاه الغدو بلهبه، وغشاه الأصيل بذهبه، يتوجس لديه برقيقتين، وينفض وقرتيه على عقيقتين، وينزل عذار لجامه بين سالفتيه على شقيقتين، له من الراح لونها، ومن الريح لينها، إن أجري فبرق خفق، وإن أسرج فهلال على شفق، لو أدرك أوائل حرب بني وائل لم يكن للوجيه وجاهة، ولا للنعامة نباهة، ولكان ترك إعارة سكاب لؤماً وتحريم بيعها سفاهة، يركض ما وجد أرضاً، وإذا اعترض به راكبه بحراً وثبه عرضاً، ومن كميت نهد، كان راكبه مهد، عندمي الإهاب، شمالي الذهاب، يزل الغلام الخفيف عن صهواته، كأنه نغم القريض أو معبد في لهواته، فسيح الخطا، قصير المطا، إن ركب للصيد قيد الأوابد، وأعجل عن الوثوب الوحوش اللوابد، وإن جنب إلى حرب لم يزور من وقع القنا بلبانه، ولم يشك لو علم الكلام بلسانه، ولم ير دون بلوغ الغاية وهي غرض راكبه ثانياً من عنانه، وإن سار في سهل اختال براكبه كالثمل، وإن أصعد في جبل طار في عقابه كالعقاب وانحط في مجريه كالوعل، متى ما ترق العين فيه تسهل، ومتى أراد البرق مجاراته قال له الوقوف عند قدره ما أنت هناك فيهمل، ومن حبشي أصفر يروق العين ويشوق القلب لمشابهته العين، كأن الشمس ألقت عليه من أشعتها جلالاً، وكأن نفر من الدجى فاعتنق منه عرفاً واعتلق حجالاً، ذو كفل زين سرجه، وذيل يسد إذا استدبر فرجه، قد أطلعته الرياضة على مراد فارسه وأغنته نضارة لونه ونظارته عن ترصيع قلائده، وتوشيح ملابسه، له من البرق خفة وطئه وخطفه، ومن النسيم لين مروره ولطفه، ومن الريح هزيزها إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه يطير باللمز، ويدرك بالرياضة مواقع الرمز، ويعدو كألف الوصل في استغناء مثلها عن الهمز، ومن أخضر حكى من الروض تفويفه، ومن الوشي تقسيمه وتأليفه، قد كساه النهار والليل حلتي وقار وسنا، واجتمع فيه من البياض والسواد ضدان لما اجتمعا حسناً، ومنحه الباري حلية وشية، ونحلته الرباح ونسماتها قوة ركضه وخفة مشيه، يعطيك أفانين الجري قبل سؤاله، ولما لم يسابقه شيء من الخيل أغراه حب الظفر بمسابقة خياله، كأنه تفاريق شيب في سواد عذار أو طوالع فجر خالط بياضه الدجى فما سجى، ومازج ظلامه النهار فما أنار يختال لمشاركة اسم الجري بينه وبين الماء في السير كالسيل، ويدل بسبقه على المعنى المشترك بين البروق اللوامع وبين البرقية من الخيل، ويكذب المانوية لتولد اليمن بين إضارة النهار وظلمة الليل، ومن أبلق ظهره حرم وجريه ضرم إن قصد غاية، فوجود الفضاء بينه وبينها عدم، وإن صرف في حرب فعمله ما يشاء البنان والعنان، وفعله ما يرد الكف والقدم قد طابق الحسن بين ضدي لونه، ودل على اجتماع النقيضين علة كونه، وأشبه زمن الربيع باعتدال الليل فيه والنهار، وأخذ وصف الدجى في حالتي الإبدار والسرار لا تكل مناكبه، ولا يضل في حجرات الجيوش راكبه، ولا يحتاج ليله المشرق بمجاورة نهاره إلى أن تسترشد فيه كواكبه، ولا يجاريه الخيال فضلاً عن الخيل ولا يمل السرى إذا كل مشبهاه النهار والليل، ولا تتمسك البروق اللوامع من لحاقه بسوى الأثر فإن جهدت، فبالذيل فهو الأبلق الفرد، والجواد الذي لمجاريه العكس، وله الطرد قد أغنته شهرة لونه في جنسه عن الأوصاف،

стр. 20

وعدل بالرياح عن مباراته سلوكها في الاعتراف له جادة الإنصاف، وترقى المملوك إلى رتب العز من ظهورها وأعدها مطية الجنان إذ الجهاد عليها من أنفس مهورها، وكلف بركوبها فكلما أكمله عاد، وكلما مله سره، فلو أنه زيد الخيل لما زاد، ورأى من آدابها ما دل على أنها من أكرم الأصائل وعلم أنها ليومي سلمه وحربه، جنة الصائد، وجنة الصائل، وقابل إحسان مهديها بثنائه ودعائه، وأعدها في الجهاد لمقارعة أعداء الله وأعدائه. والله تعالى نشكر بره الذي أفرده في الندى بمذاهبه وجعل الصافنات الجياد من بعض مواهبه". وقال الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة: "وأما الخيل المسيرة فقد وجد المملوك لذة أنسها، وأوجب على نفسه فروض خمسها، واستنهض لشكر محاسنها براعته فسعت ولكن على رأسها، واستنزلت الآمال من صياصها، وقبلها عوض أنامله الشريفة لأنها عددها، وما هي إلاّ زهرات أنبتها سحاب كفه الكريمة، وعقود طوق بها جيد العبد فسبح بمدامع نعمها العميمة، ومنابر قام عليها خطيباً بمحاسنه التي من كتمها فكأنما كتم من المسك لطيمه، فمن أشهب كأنه طلعة لجج أو قطعة صبح أو غرة يغرب بأشعته إبدار جنح قد تزينت منه الأوضاع، وانقطعت دون غايته الأطماع، واعتذرت له الريح فصوب أذنيه للسماع، وأصبح لصاحبه نعم العون في السبق، والفوت يوم القراع، وكاد أن يطير مع الطيور، فكم له من غبار السبق أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ما حدث عن حسن إلاّ رآه، ولا امتطاه حازم إلاّ حمد عند صباح لونه سراه، يقرب الضرب سفرات عزائمه المسفرة، ويختال في الخيل كالنهار، فلا جرم أن آيته مبصرة، كم ثنى عنانه كبراً عن مسابقة الرياح وأعرض، وكم تعب عليه عازم حتى فاز منه بالعيش إلاّ أنه الأبيض، ومن أشقر كأنه غزالة شرق فسيح اللبان، رقيق مجرى العنان بروق الأبصار ويدني الأوطان والأوطار، وتسمع بوقع حوافره صم الأحجار، يضعف البصر عن اقتناء ماله من السنن، ويعجز عن بلوغ غايته السيل إذا هجم الغيث أو هتن، وتعجز عن شأوه الرياح، فعن عذر إذا حثت في وجهها التراب فكأنما أصعد لأشعته النجوم فكسبها، أو راهن البرق على حلته فسلبها ولبسها. قرنت حركاته بحسن الاتفاق وحكمته في تطلعها الشموس عند الإشراق، فامتدت كف الثريا تمسح عن وجهه غبار السباق. ومن كميت يسر الناظر ويشوق الخاطر، كأنه جذوة نار أو كأس عقار أحلى من الضرب، له من نفسه طرب، كم خدمه من النصر أعوان، وأسكره اسمه، فاختال تحت راكبه كالنشوان، وزاد لونه حتى كأنما هو بهرام، وأجله أن أقول بهرام، سريع شوطه وأضيع ما في عدته سوطه، يجمع لراكبه ما بين الطرب والجلالة، وتحتجب الشمس إذا تصدى للصيد خوفاً من تسميتها بالغزالة، كم أرعد بصهيله وأبرق وكم لقي من الموت الأحمر العدو الأزرق، تقصر عن غاياته الهمم، واسود ذنبه فكأنما لذوب نار جسمه حمم، يوسع أهل الحي سيراً، ويقد بخنجر نعله أديم الأرض سيراً، ومن أصفر يسر النظار ويسمو على النضار، وربما شق سعيه على الأبصار، ويخفق البرق وراءه في المضمار، كم أوسع رمقه في ليل السرى من سهر، وكم نقش بنعله ظهر جبل، فجاء كما قيل نقش على حجر، يطلع بسماء الطلب أهلة هو عيدها، وإذا امتطاه عازم رأى الأرض تطوي له ويدنو بعيدها، كم حسن خبراً وخبراً وتأثيراً وأثراً، وكم غشي إلى نار سنابكه طارق فأجزل له من قصده القرى، كأنما خلع عليه الدهر حلة ذهب، ووهبته صفرة لونها الراح حين تجلى بالحبب، لو أمكن أول الفجر لما سما في زمنه بالسرحان، ولو كتب اسمه على مقدمة طليعة، قرنها باليمن والأمان. ومن أدهم كأنما التحف أو دخل تحت ذيل الدجى تخضع عواصي الذرى لطرته وينشق الصباح غيظاً من تحجيله وغرته، كأنما لطمت يد الفجر في إحسائه، وورد عين المجرة فطارت لجبهته نقطة من مائه، فسيح المنتشق، متدرع ملابس القلوب والحدق، كم عنت شوامخ الجبال لجلاله، وقصرت عنه الخيل حتى لم يسابق إلاّ ظل إدباره وإقباله، وخاف سطوته الليل، فجاءه بمثل أنجمه وأنعله بمثل هلاله، ويأتي من صباح تحجيله وليل تكوينه بالعجائب، فكلها من خلفه جنائب". ولا برح سيدنا يجيد في القول ويجود في العمل ويتطول من حفي كرمه ومفيد كلمه، بما لا ترتقي إليه همة الأمل.

стр. 21

وقال المقر الفتحي ابن الشهيد: "وصل الجواد الأدهم من الخيل كأنما ألبسه الليل حلة سابغة الكم والذيل وفهم المملوك من نعته حالك السواد، أن الأمر العالي اقتضى أن المملوك يكتم هذا الإحسان في سواد الفؤاد ويستره عن الحساد، كما ستر الليل على الرقباء اجتماع أهل الوداد، فتسلمه المملوك كما تسلمت الجفون طيف الحبيب، وأسر السرور به، لما علم من صدقة السر التي أخفتها اليد الكريمة عن الرقيب. ولا يعزب عن الله تعالى مثقال ذرة فيها ولا يغيب، واتخذ المملوك ظهر الجواد حرزاً، لأنه من الهياكل، وتصيد بعنانه عزّاً، لأن الأعنة لصيد العز حبائل، وجعله ذخيرة وعزاً لأنه أدهم لا يندم صاحبه، إن نابت النوائب، أو غالت الغوائل وصل، والظهر قد أعوز والسفر قد أحفل، فجلت دهمته الغمة، وجاءت باليد البيضاء فكذبت القائلين: لا خير في الظلمة، فرأيت منها بياض العطايا في سواد المطالب، وركبت على سرجه المحلى بالذهب، فما حرت في ليل إهابه، إلاّ اهتديت من تلك الحلي بأنوار الكواكب وقرت به عيني كأنما حل من سوادي واستوطأت ظهره في السرى فنمت لما طرق كأنه يريد رقادي". وقال المستنصر بالله الأندلسي: "انظر إليه سليم الأديم، كريم القديم، كأنما نشأ بين الغبراء والنجوم؛ نجم إذا بدا، ووهم إذا عدا، يستقبل بغزال، ويستدبر برئبال، ويتحلى بشيات تقسيمات الجمال"، وقال يصف سرجاً: "بزة جياد، وركب أجواد، جميل الظاهر، رحيب بين القادمة والآخر، كأنما قدود الخدود أديمه، واختص بإتقان الحبك تقويمه", وقال يصف لجاماً: "متناسب الأشلاء، صريح الانتماء إلى ثريا السماء، فكله نكال وسائره جمال". وقال ابن حبيب الحلبي: "وفد عليّ يوماً ذو الوك يدعوني إلى حضرة بعض الملوك فلبيت مناديه، ويممت في الحال ناديه، فرحب بي على عادته، وقرب مجلسي من وسادته، ثم قال لي: عرض لي أن أعرض العتاق وأتبعها بالنجائب من النياق، فأحببت حضورك، وقصدت نزهتك وسرورك، فشكرت فيض فضله، ودعوت بتوفير خيله ورجله، فما استتم المقال، إلاّ والجنائب تقاد بأيدي الرجال، فمن أشهب يقق إن طلب لخق، وإن طلب سبق، طرف يحار الطرف في حسنه، ويرى الناظر شخصه في مرآة متنه، بعيد المنار والمنال، طلعته الفجر وسرجه الهلال، لا يخطر معه الخطار ولا تعلق له الغبراء بغبار، يهتدي فارسه من حافره بسنا السنابك، ويغتدي عند امتطاء صهوته من الذين ينظرون على الأرائك، ومن أدهم غريب لا يعلم أجنوب هو أم جنيب يسبق السيل في السير، معقود بناصيته الخير، ينساب كالثعبان وينعطف انعطاف السرحان، زاد على زاد الراكب، وزاحم النكباء بالمناكب، يسلب العقول بحسن وسبعه وتليله، ويخطف الأبصار برق غرته وتحجيله، ومن أشقر خلوقي الجلباب، ألبسه الأصيل حلة تفتن الألباب، الراح تحكيه في لباسه، والرياح لا تقدم على مجاراته لباسه، متقلد بالذهب متقلب في اللهب، يشفق من مناظرته الشفق، ويسرق من لون شعره السرق، ينقص الزائد لديه، ويفوت أعوج ثم يعود متهكماً عليه، ومن كميت طاب عرفه واسود ذنبه وعرفه، أسيل الخدين بارز النهدين عندمي اللباس، يحول بين الظباء والكناس، إن وثب ألحق العنان بالعنان، وإن وقف عاينت في كل عضو وردة كالدهان، يجد السير في حزن الفلاة وسهلها ويرد الوديعة محمولة إلى أهلها، ومن أصفر لونه فاقع كم له في الحلبة من طائر خلفه واقع ينتمي إلى الحبشان، ويعير بلونه الزعفران، الدجى على عرفه قابض، وماء القار على ذيله فائض، يتجلى في الرياض الشمسية، ويسبح في الجداول الورسية، لا يمل من التقريب والإلهاب، ويأتي من عدوه بغرائب يشيب منها الغراب، ومن أخضر حسن وشياً وراق للعيون جرياً ومشياً، زرزوري الإهاب يجمع بين الشيب والشباب، زبرجدي الحافر، أين منه الغزال النافر، يظهر عجز مكتوم، وتخمد عنده جمرة اليحموم، يخجل بتفويفه الرياض، ويسابق أسهم راكبه إلى الأغراض، ومن أبلق عظمت فصوصه، واشتهر حسنه وشهر قميصه طويل الحزام والذيل، هامته وشامته من الليل، يمرح في جلاله ويولع إذا غابت الخيل بمسابقة خياله، ينحط الوجيه عن أوجه، ويغرق الفياض في موجه، يسبق النعامى والنعامة، وينظر بعيني زرقاء اليمامة: جرد بهن لكل عين جنة ... فإذا جرين أتين بالنيران يحكين في البيدا النعام رشاقة ... ويسرن في الأنهار كالحيتان

стр. 22

ثم إن الملك أمر، برد الجنائب، وأذن في عرض النجائب، فأقبلت تتهادى صحبة سواسها، وتتبختر في مصبغات أكوارها وأحلاسها. فمن حرة لونها أحمر، وليل مسراها واضح أقمر، عنكرة غيطموس، تميل إليها الخواطر والنفوس، موراة اليدين بعيدة وخد الرجلين، أنحلها التيار وهذبتها الأسفار، ومن سرداح لونها أرمك، يكاد خيال السماك بها يتمسك، ملئت بالذوح والإسئاد تخالط حمرتها السواد، جميلة الصفات، مرقال حسنة الشمائل، شملال رحبة الصقل والخطا، لا يعرف لها عدول عن الطريق ولا خطا. ومن رقوب لونها أزرق، تطفو في بحر العراب كالزورق، ظهيرة دوسرة، منوفة بهزرة تطس الآكام وتثبت في أثواب ورق الحمام، موصوفة بالإعصاف معروفة بالأعناق والإيجاف، ومن أمون لونها جون، وكون مثلها في محاسن الكون، تميل أن شبهتها إلى الدجى، ولا تمل من السير ولو براها الوجا، لها فخذان لحمهما وافر، وذنب تكنفه جناحا طائر، تسابق الريح في خطراتها، وتطأ جمر القيظ بجمراتها، ومن وجناء لونها أصهب ورباطها الدمقسي مذهب، ترعى الحدائق وترعى الحادي والسائق، شكول عسبور، تسامي رأسها أعواد الكور غائرة الأحداق، سريعة الاندفاع والانطلاق. ومن مصاح لونها أغمش، وكل من قوائمها أحمش، يخالط بياضها شقرة، يولد الاجتماع بها طريقاً إلى النصرة، هوجاء وفاق روعاء مزاق، ترض الحصا برصها وتستطلع الإخبار بنصها، ومن شمردلة لونها أحوى، مهارق البيض بغيرها لا تطوى، تجوب القفار وتجوس خلال الديار، مشفرها رقيق وسبيب وظيفتها وثيق، تختال في شنفها وزمامها، وتدهش الأبصار بسنا سنامها. وحوص غدت سفن المهامه والفلا ... ألم ترها تطفو على بحر آلها تخط حروفاً بالمناسم في الثرى ... يقصر عن تحريرها ابن هلالها فلما تكامل العرض بعد الطول، وأفلت أقمار الإبل وغابت شموس الخيول، أخذ الحاضرون في تذكر أشكالها وأفاضوا في نعت محاسنها، وجمالها. ثم إن الملك أمر بإحضار الطعام، واشتغل الناس بالمائدة عن الأنعام". وامتدح البحتري سعيد بن حميد الكاتب طالباً منه فرساً بقوله: جئناه إذ لا الترب في أفنائه ... يبس ولا باب العطاء بمرتج والبيت لولا أن فيه فضيلة ... تعلو البيوت بفضلها لم يحجج بطل يخوض الخيل وهي شوائل ... خلف الإسنة وهو غير مدجج ومنها: فأعن على غزو العدو بمنطوٍ ... أحشاؤه طي الرداء المدرج إما بأشقر ساطع أغشى الوغى ... منه بمثل الكوكب المتأجج متسربل شية طلت أعطافه ... بدم فما تلقاه غير مضرج أو أدهمٍ صافي الأديم كأنه ... تحت الكمي مظهر بالنردج ضرم يهيج السوط من شؤبوبه ... هيج الجنائب من حريق العرفج خفت المراقع وطأه فلو أنه ... يجري برملة عالج لم يرهج أو أشهب يققٍ يضي وراءه ... متن كمتن اللجة المترجرج يخفي الحجول ولو بلغن لبانه ... في أبيضٍ متألقٍ كالدملج أوفى بعرف أسودٍ متعرفٍ ... فيما يليه وحافرٍ فيروزج أو أبلقٍ يلقى العيون إذا بدا ... من كل لون معجب بنموذج جذلان تحسده الجياد إذا مشى ... عنقاً بأحسن حلة لم تنسج أرمي به شوك القنا وأرده ... كالسمع أثر فيه شوك العوسج وأقب نهدٍ للصواهل شطره ... يوم الفخار وشطره للشحج خرق يتيه على أبيه ويدعي ... عصبية لني الضبيب وأعوج مثل المزرع جاء بين عمومة ... في غافق وخؤولة في الخزرج لاديزج يصف الرماد ولم أجد ... حالاً تحسن من رواء الديزج وعريض أعلى المتن لو عليته ... بالزيبق المنهال لم يترجرج خاضت قوائمه الوثيق بناؤها ... أمواج تجبيب بهن مدرج ولأنت أبعد في السماحة همة ... من أن تضن بملجم أو مسرج وقال علي بن موسى العنسي: ولكم سرينا في متون ضوامر ... تثني أعنتها من الخيلاء من أدهمٍ كالليل حجل بالضحى ... تنشق غرته عن ابن ذكاء أو أشهبٍ يحكي غدائر أشيب ... خلعت عليه الشهب فضل رداء أو أشقر قد نمقته بشعلةٍ ... كالمزج ثار بصفحة الصهباء أو أصفر قد زينته غرة ... حتى بدا كالشمعة الصفراء طيرٌ ولكن لا يهاض جناحه ... ريحٌ ولكن لم تكن برخاء

стр. 23

وقال دريد بن الصمة: فآبت سكيباً من أناس تحبهم ... كئيباً ولولا طلعتي لم تطلق بخيلٍ تنادي لا هوادة بينها ... شهدت بمزلال المعاقم محنق عظيم طويل غير جاف نما به ... سليم الشظا في مكربات المطبق معرض أطراف العظام مشرف ... شديد مشك الجنب نعم المنطق من الكاتمات الربو ينزع مقدماً ... سبوق إلى الغايات غير مسبق إذا ما استحمت أرضه من سمائه ... جرى وهو مودوع وواعد مصدق وباض الشمال طعنه في عنانه ... وباع كبوع الخاضب المتطلق دعته جواد لا يباع جنينها ... لمنسوبة أعرافها غير محمق بصير بأطراف الحداب ترى له ... سراة تساوى بالطراف المروق الباب الرابع في الغرة والتحجيل والدوائر وأسماء المفاصل والطبائع والصهيل وفيه ستة فصول الفصل الأول في الغرة وهي تسعة أنواع: لطمى وشادخة وسائلة وشمراخ ومنقطعة وسارحة وحنفا وشهبا ومتمصرة، فاللطمى ما أصاب بياضها عيني الفرس أو إحداهما أو خديه أو أحدهما. قال عبيد بن عمر بن الخطاب ﵄: "إذا كان سيفي ذا الوشاح ومركبي اللطيم فلم يطلل دم أنا طالبه". والشادخة، ما فشت في الوجه ولم تصب العينين ودقت وسالت. والسائلة، ما عرضت في الجبهة واعتدلت على قصبة الأنف أو سالت على أرنبته حتى رثمتها. والشمراخ، ما دقت وسالت في الجبهة وعلى قصبة الأنف ولم تبلغ الجحلفة قال مالك بن عوف: وقد أعددت للحدثان عضباً ... وذا الشمراخ ليس به اعتلال وقال آخر: ترى الجون والشمراخ والورد يبتغي ... ليالي عشر وسطنا فهو عائر والمنقطعة ما بلغت محل المرسن وانقطعت أو كانت ما بين العينين والمنخر وهي أحسن الغرر. والسارحة ما ملأت الوجه ولم تبلغ العينين. والحنفاء ما كانت إحدى عينيها زرقاء والأخرى سوداء. والشهباء ما كان فيها شعر يخالف البياض. والمتمصرة ما كانت على الجبهة وعلى قصبة الأنف وبين العينين منقطعة. والحاصل إن كل بياض فشا في وجه الفرس فوق الدرهم يسمى غرة على اختلاف أنواعها فإن كان قدر الدرهم فما دونه يسمى قرحة. فإن كانت بين العينين تسمى نجمة، وهي أحسن القرح، وإن كانت على الجحفلة السفلى، سميت لمظاً، أو على قصبة الأنف سميت عيسوباً. ومما يجري في الخيل مجرى الفراسة في الإنسان، أن الغرة إذا استدارت وحكت حرف الهاء تدل على اليمن والبركة. والشعرات القليلة خير ونجاة. والسائلة إن غطت عيناً واحدة دلت على الشؤم وقتلها مع راكبها، وقال بعضهم مخصوص بالعين اليسرى، فإن غطت الاثنتين دليل غصبها وقهر صاحبها، فإن كانت مائلة إلى الجهة اليمنى دليل الشؤم أو إلى الجهة اليسرى دليل الغنم، فإن سالت إلى الأنف دليل النسل والبركة والنجاح، والمنقطعة دون الأنف بعكسها وإن عمت الحاجب فلا فيها. الفصل الثاني في التحجيل وهو بياض في قوائم الفرس، يبلغ نصف الوظيف، مأخوذ من الحجل وهو الخلخال، فإن كان في القوائم كلها فمحجل أربع، وإن كان في ثلاث فمحجل ثلاث، مطلق يد أو رجل يمنى أو يسرى، وإن كان في الرجلين فقط فمحجل الرجلين، وهو ممدوح، قال الشاعر: محجل رجلين طلق اليدين ... له غرة مثل ضوء الإراث الإراث ككتاب: النار. وإن كان في اليدين، فأعصم اليدين فإن كان في وجهه وضح يقال له محجل لا أعصم وإن كان في يده اليمنى ورجله اليسرى أو بالعكس أو كان في يد ورجل من شق واحد فمشكول، وهو مكروه شرعاً وعند العرب. عن أبي هريرة ﵁: "كان ﷺ يكره من الخيل الشكال". وقال ابن النحاس: "إن الفرس الذي قتل عليه الحسين ﵇ كان أشكل"، فإذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة عنه لأن الغرة تثلثه. فإن كان في إحدى يديه بياض قل أو كثر فأعصم. فإن كان في اليمنى فأعصم اليمنى أو في اليسرى فأعصم اليسرى، ومنكوس اليسرى وهو مكروه. وإن كان البياض في إحدى رجليه فأرجل، وهو مكروه إلا إذا كان البياض في اليسرى قال الشاعر: أسيل نبيل ليس فيه معابة ... كميت كلون الصرف أرجل أقرح

стр. 24

الصرف بالكسر صبغ أحمر. والتحجيل إن جاوز أرساغ الفرس سمي تخديماً، فإن بلغ الجبب فما فوق ولم يبلغ الركبتين والعرقوبين سمي تجبيباً، فإن بلغهما أو جاوز العضدين والفخذين سمي تسرولاً، فإن بلغ الساقين والذراعين سمي إخراجاً. وكل قائمة فيها بياض تسمى ممسكة، والخالية منه تسمى مطلقة، والبياض المستطيل في التحجيل يسمى مستريحاً، لأن الشرط في التحجيل الإدارة، فإن خلا الفرس من البياض سمي بهيماً، وإن كان في ناصيته أو ذنبه أو قذاله خصلة بيضاء سمي أشعل. وقد أكثر الشعراء من مدح الغرة والتحجيل فمن ذلك قول ابن دريد: كأنما الجوزاء في أرساغه ... والنجم في جبهته إذا بدا وقال حازم: كأنما أشرف من تحجيله ... سوار عاج مستدير بالعجا وقال قسام من بني جعدة: أغر قتامى كميت محجل ... خلا يده اليمنى فتحجيلة حسنا وقال سلامة بن الخرشب: تعادي من قوائمها ثلاث ... بتحجيل، وواحدة بهيم كأن مسحتي ورق عليها ... وتحت قرطها أذن خديم أي كأنها لبست صحيفة فضة من حسن لونها وبريق جلدها. وقال امرؤ القيس: كأن نجوماً علقت في مصامه ... بأمراس كتان إلى صم جندل شبّه التحجيل ببياض نجوم السماء وأعصاب الساقين بحبال الكتان وصلابة الحافر بالحجر، وقال أبو سهل: أطرف فات طرفي أم شهاب ... هفا كالبرق أضرمه التهاب أعار الصبح صفحته نقاباً ... فقربه وصح له النقاب فمهما حث خال الصبح وافى ... ليطلب ما استعار فما يصاب إذا ما انقض كل النجم عنه ... وصلت عن مسالكه السحاب فيا عجباً له فضل الدراري ... فكيف أزال أربعه التراب سل الرواح عن أقصى مداه ... فعند الريح قد يلفى الجواب وقال الحافظ الحجاري: ومستبق يحار الطرف فيه ... ويسلم في الكفاح من الجماح كأن أديمه ليل بهيم ... تحجل باليسير من الصباح إذا احتزم التسابق صار جرماً ... تقلب بين أجنحة الرياح وقال الصفي الحلي: أغر تبري الإهاب مورد ... سبط الأديم محجل ببياض أخشى عليه أن يصاب بأسهمي ... مما يسابقها إلى الأغراض وقال: أخمدت بالإدلاج أنفاس الفلا ... وكحلت طرفي في الظلام بسهده بأغر أدهم ذي حجول أربع ... مبيضه يزهو على مسوده خلع الصباح عليه سائل غرةٍ ... منه وقمصه الظلام بجلده فكأنه لما تسربل بالدجى ... وطيء الضحى فابيض فاضل برده قلق المراح فإن تلاطم خطوه ... ظن المطارد أنه في مهده أدمى الحصى من حافريه بمثله ... وأراع ضوء الصبح منه بضده وقال: وأدهم نيق التحجيل ذي مرح ... يميس من تحته كالشارب الثمل مضمر مشرف الأذنين تحسبه ... موكلاً باستراق السمع عن زحل ركبت منه مطاليل تسير به ... كواكب تلحق المحمول بالحمل إذا رميت سهامي فوق صهوته ... مرت تهاديه وانحطت عن الكفل وقال البحتري: جذلان تلطمه جوانب غرة ... جاءت مجيء البدر عند تمامه وقال: هل مبلغ الدار التي أغدو لها ... بمقلص السربال أحمر مذهب لو يوقد المصباح منه لسامحت ... بضيائه شية كوهي الكوكب إما أغر يشق غرته الدجى ... أو إرثماً كالضاحك المستغرب متقارب القطار يملأ حسنه ... لحظات عين الناظر المتعجب وأجل سيبك أن تكون قناعتي ... منه بأشقر ساطع أو أشهب وقال: وأغر في الزمن البهيم محجل ... قد رحت منه على أغر محجل كالهيكل المبني إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل وفى الضلوع يشد عقد حزامه=يوم اللقاء على معم مخول أخواله للرستمين بفارس ... وجدوده للتبعين بموكل يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت ... صيداً وينصب انصباب الأجدل يتوهم الجوزاء في أرساغه ... والبدر فوق جبينه المتهلل متوجس برقيقتين كأنما ... تريان من ورق عليه موصل ذنب كما سحب الرداء يذب عن ... عرف وعرف كالقناع المسبل جذلان ينفض عذرة في غرة ... نيق تسيل حجولها في جندل

стр. 25

كالرائح النشوان أكثر مشيه ... عرضاً على السنن البعيد الأطول ذهب الأعالي حيث تذهب مثلة ... فيه بناظرها حديد الأسفل صافي الأديم كأنما عنيت به ... لصفاء نقبته مداوس صيقل وكأنما نفضت عليها صبغها ... صهباء للبردان أو قطربل لبس القنو مزعفراً ومعصفراً ... يدمي فراح كأنه في خيعل وكأنما كسي الخدود نواعماً ... مهما تواصلها بلحظ تخجل وتراه يسطع في الغبار لهيبه ... لوناً وشدّاً كالحريق المشعل وتظن ريعان الشباب يروعه ... من جنة أو نشوة أو أفكل هزج الصهيل كأن في لهواته ... نغمات معبد في الثقيل الأول ملك العيون فإن بدا أعطيته ... نظر المحب إلى الحبيب المقبل وقال يمدح محمد بن طاهر: أراجعتي يداك بأعوجي ... كقدح النبع في الريش اللوام بأدهم كالظلام أغر يجلو ... بغرته دياجير الظلام تقدم في العنان فمد منه ... وضبر فاستزاد من الحزام ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام وما حسن بأن تهديه فذاً ... سليب السرج منزوع اللجام فأتمم ما مننت به وأنعم ... فما المعروف إلا بالتمام وقال آخر: أدهم مصقول سواد الحقم ... قد سمرت جبهته بالنجم وقال ابن نباتة: وأدهم يستمد الليل منه ... ويقطع بين عينيه الثريا سرى خلف الصباح يطير زهواً ... ويطوي خلفه الأغلاس طيا فلما خاف وشك الفوت منه ... تشبث بالقوائم والمحيا وقال يمدح سيف الدولة ابن حمدان حيث أعطاه فرساً أدهم أغر محجلاً: يا أيها الملك الذي أخلاقه ... من خلقه ورواؤه من رأيه قد جاءنا الطرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه أولايةً أوليته فبعثته ... رمحاً سبيب العرف عقد لوائه يختال منه على أغر محجل ... ماء الدياجي قطرة من مائه فكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه متمهلاً والبرق من أسمائه ... متبرقعاً والحسن من أكفائه ما كانت النيران يكمن حرها ... لو كان للنيران بعض ذكائه لا تعلق الألحاظ في أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه لا يكمل الطرف المحاسن كلها ... حتى يكون الطرف من إسرائه وقال أبو العلاء المعري: وبعيدة الأطراف زعن بماجد ... يردين فوق أساود لم تطعم ترعى خوافي الربد في حجرتها ... سغباً وتعثر بالغطاط النوم يجمعن أنفسهن كي يبلغن ما ... يهوى، فمجفرهن مثل الأعظم ضمرت وشزبها القياد فأصبحت ... والطرف يركض في مساب الأرقم من كل معطية الأعنة سرجها ... ترقى فوارسها إليه بسلم غراء سلهبة كأن لجامها ... نال السماء به بنان الملجم ومقابل بين الوجيه ولاحق ... وأفاك بين مطهم ومطهم صاغ النهار حجولة فكأنما ... قطعت له الظلماء ثوب الأدهم قلق السماك لركضه ولربما ... نفض الغبار على جبين المرزم مثل العرائس ما انثنت من غارة ... إلا مخضبة السنابك بالدم سهرت وقد هجع الدليل بلابس ... برد الحباب مقيد فعل الضيغم أدمت نواجذها الظبا فكأنما ... صبغت شكائمها بمثل العندم وبنت حوافرها قتاماً ساطعاً ... لولا انقياد عداك لم يتهدم باض النسور به وخيم مصعداً ... حتى ترعرع فيه فرخ القشعم وسم إلى حوض الغمام فماؤه ... كدر بمنهاك الغبار الأقتم جاءت بأمثال القداح مفيضة ... من كل أشعث بالسيوف موسم فوجدن أمضى من سهام الترك إذ ... نفضت وأنفذ من حراب الديلم حتى تركن الماء ليس بطاهر ... والترب ليس يحل للمتيم المجفر: عظيم الجنبين، والأهضم: ضده، والتشزيب: معالجة الخيل حتى تضمر ويقل لحمها، ومعطية الأعنة: المنقادة لراكبها، والسلهبة: السريعة الطويلة، والمقابل: ما كان كريم الجدين، والوجيه واللاحق: فحلان معروفان ينسب إليهما كرائم الخيل، والمطهم: ما حسن منه كل شيء مقابل. وقال: وخيل لو جرت والريح شأواً ... ظننا الريح أوثقها إسار

стр. 26

غدت ولها حجول من لجين ... وراحت وهي من علق نضار وأشبعت الوحوش فصاحبتها ... كأن الخامعات لها مهار وكم أوردتها عدّاً قديماً ... يلوح عليه من خز خمار تطاعن حوله الفرسان حتى ... كأن الماء من دمهم عقار كذا الأقمار لا تشكو وناها ... وليس يعيبها أبداً سفار وقال: وقد أغتدي والليل تأسفاً ... على نجمه والنجم في الغرب مائل بريح أعيرت حافراً من زبرجد ... لها الجسم تبر واللجين خلاخل كأن الصبا ألقت إلي عنانها ... تخب بسرجي تارة وتناقل إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت ... عن الماء فاشتاقت إليها المناهل وقال أبو تمام: من قاده أشرٌ أو ساقه قدرٌ ... أو عمه عمرٌ فالحين مدلولُ فالخيل مسرجةٌ والنبل ملحمةٌ ... والسمر مشرعةٌ والسيف مسلولُ خيلٌ تصان ليومي حلبة ووغى ... يزينها غرر شدخ وتحجيلُ وقال ابن الشهيد الأندلسي: وأغر قد لبس الدجى ... برداً فراقك وهو فاحم يحكي بغرته هلا ... ل الفطر لاح لعين صائم وكأنما خاض الصبا ... ح فجاء مبيض القوائم وقال ابن قلاقس: وأدهم كالغراب سواد لونٍ ... يطير مع الرياح ولا جناح كساه الليل شملته وولى ... فقبل بين عينيه الصباح وقال ابن المعتز: ولقد غدوت على طمر سابح ... عقدت سنابكه عجاجة قسطل متلثم لجم الحديد يلوكها ... لوك الفتاة مساوكاً من إسحل ومحجل غير اليمين كأنه ... متبخترٌ يمشي بكم مسبلِ وقال أبو الوضاح المرسي: ولقد غدوت مشرقاً حتى إذا ... ما لم أشم برقاً لأفق المغرب بأغر أوجس للسماء بسمعه ... فرمته بين المقلتين بكوكب وقال لسان الدين بن الخطيب: صحبتهم غرر الجياد كأنما ... سد الثنية عارض متهلل من كل منجردٍ أغر محجلٍ ... يرمى الجياد به أغر محجل زجل الجناح إذا أطير لغايةٍ ... وإذا تغنى للصهيل فبلبل جيد كما جيد الظليم وفوقه=أذن ممشقة وطرف أكحل فكأنما هو صورة في هيكلٍ ... من لطفه وكأنما هو هيكل ويشبهون قوائم الفرس المحجل إذا جرى بقوائم الكلب إذا ارتفعت إلى بطنه، فيصير تحجيلها كأنها أكلب تعدو، قال العماني: كأن تحت البطن منه أكلباً ... بيضاً صغاراً تنتهشن المنقبا وقال آخر: كأن قطاً أو كلاباً أربعاً ... دون صفاقيْه إذا ما ضبعا الفصل الثالث في الدوائر وتسمى في المشرق بالنياشين وفي المغرب بالنخلات وهي قسمان ممدوحة ومذمومة، فالممدوحة دائرة العمود، وهي التي يكون في موضع القلادة قريبة من المعرفة، ودائرة السمامة، وهي التي تكون في وسط العنق، ودائرة الهقعة وهي التي تكون تحت الإبط وهو أبقى الخيل وأصبرها، والمذموم منها، ودائرة اللطاة إذا ثنيت وهما اللتان في وسط الجبهة، ودائرة اللاهز، وهي التي تكون في العظم الناتئ في اللحي تحت الأذن، ودائرة البينقة وهي التي في نحر الفرس، ودائرة القالع وهي التي تحت اللبد، ودائرة الناخس وهي التي تحت الفخذ، في محل ضرب الفرس بذنبه على فخذه وبقية الدوائر مسكوت عنها، وقد نظمها بعض المغاربة على اصطلاحهم بقوله: فستة الأنخال للخير أتت ... وستة للشر، شرها ثبت فإن أتت في الدير والحزام ... أو في العذار ثم في أمام فرزقها يسهل ثم يقرب ... وفي التي خلف العذار يصعب مقلوبة في الخلق طولاً لا ضرر ... وإن أتت بالعرض فالزم الحذر وجوزة بأسفل العرقوب ... مقبولة عندي وذي مطلوبي وعصرة الركاب أيضاً سادسه ... وما بقي خذه على المعاكسه ما فوق حاجبٍ تسمى ناطحه ... ووسط الخد تسمى نائحه ما فوق ركبةٍ تسمى سارقه ... أعني التي من خلف ليست لائقه كذا التي تكون عند الحارك ... صاحبها يكون حقاً هالك كما أتت في الفخذ من وراء ... معلومة بالشر والإيذاء وعن يمين الذيل واليسار ... دوائر الأشرار، لا تمار قد انتهت منظومة الأنخال ... مروية بالصدق عن بلال

стр. 27

ومما يتيمن به أهل الهند، إذا كان الفرس على حجفلته العليا دائرة أو في صدره أو على خاصرته أو على مذبحه أو في عنقه أو على أذنيه شعر نابت كزهر النبات كان ذلك مما يربط وتقضى عليه الحوائج ويتشاءمون مما كان في مقدم يده دائرة أو في ركبته أو في أصل أذنيه من الجانبين، أو على خده، أو على حجفلته السفلى، أو على ملتقى لحييه، أو على سرته أو على بطنه شعر منتشر، أو على خصيته شعر مخالف للونه، وقد اتفقوا مع العرب على شؤم الفرس، إذا كان في لسانه خطط سود، قال أبو داؤد: عن لسان كجثة الورق الأح ... مر مج الندى عليه العرار وقال حماد عجرد: كأن لسانه ورق عليه ... بدار مضيئة مج العرار أو داخل حجافله ولهواته وخارج لحييه سواد، أو داخل حجافله بياض، أو في لهواته، أو داخل منخريه نقط سود، أو خارج حجفلته نقط كحب السمسم، أو كانت شفته السفلى بياض. الفصل الرابع في أسماء مفاصل الرأس ومنابت شعره وأسنانه وما يتعلق بذلك سراة كل فرس أعلاه، والقونس أعلى الرأس وعظم ناتئ بين أذني الفرس، والناصية الشعر المسترسل على الجبهة، والعصفور أصل منبت الناصية، وعظم ناتئ في جنبيه، والقذال مجمع مؤخر الرأس وهو محل عقد العذار، والعرف ما ينبت من شعر العنق إلى عذرته، والعذرة الشعر الذي يقبض عليه الراكب حين ينهض على الفرس، ومحل منبت العرف يسمى معرفة. ويكنف العرف عرقان يسميان علباءين. والناهقان عظمان أسفل عينيه، والوقبتان نقرتان فوقهما، والبلدة ما بينهما، والعجاجتان عظمان طائفان بهما، والخدان صفحتا الوجه والمرسن مصاب الرسن من أنفه، ونخرة الأنف ما رق من فوقه ولان، والغرضان ما انحدر من جانبي قصبة الأنف، والحجفلتان شفتاه، والغيد الشعر الذي على الحجفلة. وفي فمه أربع ثنايا وأربع رباعيات وبعدهن أربع تسمى قوارح، وأربعة أنياب وثمانية أضراس في كل شق ثنتان، والصليفان عرضا العنق والجران الجلدة بين المذبح والمنخر، واللبان ما جرى عليه سير اللبب، ويقال له لبة، والكلكل الصدر وهو ما عرض عند ملتقى أعلى يديه مما يلي العنق، والفهدان اللحمتان الناتئتان في الزور، والحارك أعلى الكاهل ومنبت أدنى العرف، والصردان عرقان يستبطنان اللسان، والصهوة مقعد الفارس، والمعدان موضع دقتي السرج، والمحزم الذي يجري عليه سير الحزام والحصير ما ظهر من أعلى ضلوعه، والحجبتان ما أشرف على صفاق البطن من وركيه، والعكوة أصل الذنب وعظمه وجلده يسمى عسيباً، والشعر الذي عليه يسمى سبيباً وسيباً، والسبيب يطلق على الناصية أيضاً والجاعرتان مضرب ذنبه على فخذيه، والصلوان ما عن يمين الذنب وشماله، والغائلتان عرقان مستبطنان في الفخذين، والنسا عرق من الورك إلى الكعب ويثنى فيقال نسوان، والوابلتان رؤوس العضدين والفخذين، والذراعات العضوان من تحت ومن فوقهما العضدان، ومنتهى حدهما من اليدين الركبتان، وفي الركبتين عظمان مدوران يسميان ضاغطين، وما بين الركبتين والرسغين من اليدين وظيفتان، والعجابة عظم في قوائم الفرس فيه نصوص من عظم تكون عند الرسغ كالكعاب، والثنة شعر مسترسل فوق الرسغ في الوظيف، والرسغ المفصل الذي يكنفه الحافر والوظيف، والسنبك طرق مقدم الحافر ويمينه ويساره حاميتان، والصحن جوف الحافر ويقال له الحوشب أيضاً، والجبة ما يكون الحوشب داخلها، والنسر ما شابه النوى في باطنه، والشوى اليدان والرجلان، والأطراف وقحف الرأس ما إذا أصيب به الفرس لا يقتله، وفي الفرس أشياء تسمى بأسماء بعض الطيور ستأتي إن شاء الله تعالى. نادرة قال الأصمعي: "حضرت أنا وأبو عبيدة عند الرشيد، فقال لي: كما كتابك في الخيل؟ فقلت مجلد واحد، فسأل أبا عبيدة عن كتابه فقال خمسون مجلداً. فقال له الربيع: قم إلى هذا الفرس وأمسك عضواً عضواً منه وسمه فقال: لست ببيطار وإنما أخذت شيئاً عن العرب. فقال: قم يا أصمعي وافعل ذلك فقمت، وأمسكت ناصيته، وجعلت أذكر عضواً عضواً، وأضع يدي عليه وأنشد ما قالت العرب فيه إلى حافره، فقال خذه فأخذته، وكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة ركبته وأتيته". الفصل الخامس في طبائعها

стр. 28

اعلم أن الخيل أقرب ما يكون من الإنسان مزاجاً، لأن الغالب على مزاجها الحرارة والرطوبة، وعنصرها الهواء، ومن ثم خصت بمزيد الجري، ولذا سماها بعض الحكماء: بنات الريح، وقال سيّار إنها أصح الحيوان مزاجاً ولذا تؤثر فيهما الرياضة، ومن أخلاق جيادها الدالة على شرف نفسها أنها لا تبوك ولا تروث ما دامت مركوبة، ولا تمكن غير صاحبها من ركوبها، ولا تأكل بقية علف غيرها ولا تشرب إلا بالصفير. حكي عن عائشة بنت طلحة لما زفت إلى مصعب بن الزبير سمعت امرأة منها شخيراً ونخيراً وغطيطاً عند الجماع، فكلمتها في ذلك، فقالت: إن الخيل لا تشرب إلا بالصفير، وتحيض كالنساء. قال الجاحظ والحيض يعرض للإناث منهن ولا يحيض من الحيوانات غير الخيل والناقة والأرنب والكلبة، وللأنثى من الخيل شبق شديد ولذلك تطيع الفحل ولو كان من غير جنسها. وقال الشيخ الأكبر قدس الله سره: إذا وطأت الخيل أثر الذئب ارتعدت وخرج الدخان من جسدها وقيل إن قوائمها يعتريها الخدر حتى تكاد لا تتحرك. الفصل السادس في الصهيل فإن كان الصوت من الفم سمي شخيراً، أو من المنخرين فنخيراً أو من الصدر فكريراً، وأنواع الصهيل ثلاثة: أجش وصلصال ومجلجل، فالأجش ما جهر صوته، والصلصال ما حد ودق جداً، والمجلجل ما صفا ولم يدق، وكانت فيه غنة أي يخرج أكثر صهيله من منخريه وهو أحسن الصهيل. قال ابن أم حكيم: أجش هزيم جريه ذو علالة ... وذلك خير في العناجيج صالح وقال لبيد: بأجش الصوت يعبوب إذا ... طريق الحي من الغزو صهل وقال الحارث النجاشي: ونجى ابن حرب سابح ذو علالة ... أجش هزيم والرماح دواني وقال الجعدي: ويصهل في مثل جوف الطوى ... صهيلاً تبين للمعرب وقال أبو بكر بن بقي: ونوبة من صهيل الخيل يسمعها ... بالرمل أطيب ألحاناً من الرمل وقال المتنبي: كرم تبين في كلامك ماثلاً ... ويبين عتق الخيل في أصواتها وقال: مررت على دار الحبيب فحمحمت ... جوادي وهل تشجو الجياد المعاهد وما تنكر الدهماء من رسم منزل ... سقتها ضريب الشول فيها الولائد أهم بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطارد وحيداً من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوحٍ لها منها عليها شواهد تثنَّى على قدر الطعان كأنما ... مفاصلها تحت الرماح مراود وأورد نفسي والمهند يدي ... موارد لا يصدرن من لا يجالد ولكن إذا لم يحمل القلب كفه ... على حالة لم يحمل الكف ساعد فتشبيه الرماح بالمفاصل كالميل في العين في قوله تثني إلخ ... فاسد لأنه خص الطعن بالمفاصل وليس كل طعن يكون فيها، وإذا كانت الرماح في المفاصل كالميل في العين فما الحاجة إلى تثنيها. وقال النابغة الجعدي: غدا هزجاً طرباً قلبه ... لقين وأصبح لم يلغب الهزج صوت مطرب فيه بحة. وقال لسان الدين بن الخطيب: جزل الجناح إذا أطير لغاية ... وإذا تغنى للصهيل فبلبل وقال حبيب الطائي يمدح مالك بن طوق: قالت وعي النساء كالخرس ... وقد يصبن الفصوص في الخلس هل يرجعن غير خائب فرساً ... ذو نسب في ربيعة الفرس كأنني بي قد زنت ساختها ... بمسبح في قياده سلس احمر منها كالسبيكة أو ... أحوى به كاللمى أو اللعس أو أدهم زينته كمتة فحلاً ... كأنه قطعة جاءت من الغلس امتن متنٍ وصهوتين إلى ... حوافرٍ صلبة له ملس فهو لدى الروع والحلائب ذو ... أعلى مندى وأسفل يبس يكبر أن يستحم في الحر وال ... قر حميماً يزيد في البخس مخلق وجهه على السبق تخلي ... ق عروس الأنباء للعرس حر له سورة لدى السوط والزج ... ر وعند العنان والمرس فهو يسر الرواض بالنزق السا ... كن منه واللين والشرس صهصلق في الصهيل تحسبه ... أشرج حلقومه على جرس تقتل عشراً من النعام به ... بواحد الشد واحد النفس الحمحمة: ترداد الفرس صوته كالحنين. قال عنترة العبسي: لما سمعت نداء قومي قد علا ... وابنا ربيعة في الغبار الأقتم

стр. 29

أيقنت أن سيكون عند لقائهم ... طعن تخر له فروخ الحوم وكأن غارة ناجز بنسيمه ... شبت عوارضها إليك من الفم ودعوت فهداً للنزال فأقحموا ... عند الطعان بكل ليث ضيغم تحت الأغر وفوق جلدي تبرة ... تحكي لقعقعة الغدير الملجم فكشفت عنهم والسيوف كأنها ... برق الأوادع بالرماح الحطم مازلت أرميهم بغرة وجهه ... وثباته حتى تسربل بالدم فازور من وقع القنا فزجرته ... فشكى إلي بعبرة وتحمحم لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي لما رآني لا أنفذ كربه ... عض الشفاه على اللجام وقمقم والخيل عابسة الوجوه كأنما ... سقيت فوارسها نقيع العلقم وقال: وفرقت جيشاً كان في جنباته ... دمادم رعد تحت برق الصوارم على مهرة منسوبة عربية ... تطير إذا اشتد الوغى بالقوائم وتصهل خوفاً والرماح قواصد ... إليها وتنسل انسلال الأراقم قحمت بها بحر المنايا فحمحمت ... وقد عرفت في موجه المتلاطم وقال عبد عمر بن شريح: طلقت إذا لم تسألي أي فارس ... حليلك إذ لاقى صداء وخثعما أكر عليهم دعلجاً ولبانة ... إذا ما اشتكى وقع السلاح تحمحما وقال سيدي الوالد قدس الله سره: تسائلني أم البنين وإنها ... لأعلم من تحت السماء بأحوالي ألم تعلمي يا ربة الخدر أنني ... أجلي هموم القوم في يوم تجوالي وأغشى مضيق الموت لا متهيباً ... وأحمي نساء الحي في يوم تهوال يثقن النسابي حيث ما كنت حاضراً ... ولا تثقن في زوجها ذات خلخال أمير إذا ما كان جيشي مقبلاً ... وموقد نار الحرب إذ لم يكن صالي إذا ما لقيت الخيل إني لأول ... وإن جال أصحابي فإني لها تالي أدافع عنهم ما يخافون من ردى ... فيشكر كل الخلق من حسن أفعالي وأورد رايات الطعام صحيحةً ... وأصدرها بالرمي تمثال غربال ومن عادة السادات بالجيش تحتمي ... وبي يحتمي جيشي وتمنع أبطالي وبي تثقن يوم الطعان فوارس ... تخالينهم في الحرب أمثال أشبال إذا تشتكي خيلي الجراح تحمحماً ... أقول لها صبراً كصبري وإجمالي وأبذل يوم الروع نفساً كريمة ... على أنها في السلم أغلى من الغالي سلي الليل عني كم شققت أديمه ... على ضامر الجنبين معتدل عالي سلي البيد عني والمفاوز والربى ... وسهلاً وحزناً كم طويت بترحالي فما همتي إلا مقارعة العد ... وهزمي لأبطال شداد بأبطالي فلا تهزئي بي واعلمي أنني الذي ... أهاب ولو أصبحت تحت الثرى بالي تتمة: قد وضعت العرب لأصوات الحيوانات على اختلاف أجناسها أسماء، فيقولون صهل الفرس، وزأر الأسد، وثغت الشاة، ونهق الحمار، وشحج البغل، ورغا الجمل، وعوى الذين، ووعوع ابن آوى، ونبح الكلب، وضبح الثعلب، وقبع الخنزير، وضغا السنور، وبغم الظبي، وفحت الأفعى، ونقنقت الضفادع، وصأى الفرخ، ونعب الغراب، وصقع الديك، وهدر الحمام، وغرد، وهتفت الحمامة، وزقزق العصفور، ونقض العقاب، وهكذا يسمى صوت كل حيوان باسمه المختص به. الباب الخامس في نعوت الخيل الممدوحة والمذمومة واختلافها باختلاف الأقاليم وفيه فصلان الفصل الأول في تعوت الخيل الممدوحة وقد التزمت أن أذكر لكل وصف شاهداً من كلام العرب إما نظماً أو نثراً، وأن استقصي أوصافها تفصيلاً أو إجمالاً

стр. 30

ذكر الأصمعي أن ثلاثة من العرب لا يقاربهم أحد في وصف الخيل: أبو دؤاد، والطفيل، والجعدي، فأما أبو دؤاد فكان على خيل النعمان بن المنذر، والطفيل كان يركبها وهو أعزل إلى أن كبر، والجعدي سمع أوصافها من أشعار أهلها فأخذها عنهم، وقال أبو عبيدة: إن أبا دؤاد أوصف الناس للفرس في الجاهلية والإسلام وبعده طفيل الغنوي والنابغة الجعدي، وقال عمر بن شيبة: كان أبو عبيدة عالماً بأوصاف الخيل وكان يقول: ما التقى فرسان في جاهلية ولا إسلام إلاّ عرفتهما وعرفت فارسيهما. وعن ابن الأعرابي قال: لم يصف أحد قط الخيل إلاّ احتاج إلى أبي دؤاد، والخمر إلاّ احتاج إلى أوس بن حجر، ولا النعامة إلاّ احتاج إلى علقمة بن عبدة، ولا الاعتذار في الشعر إلاّ احتاج إلى النابغة. وروى المسعودي عن محمد بن عبد الله الدمشقي قال: "لما انحدرنا مع المتقي بالله من الرحبة وسرنا إلى مدينة غانه فدعا بالرقي وغلامه للمسامرة فاتصل بهما الحديث إلى ذكر الخيل فقال المتقي أيكم يحفظ خبر سلمان بن ربيعة الباهلي، قال الغلام: ذكر عمرو بن العلاء أن سلمان كان يهجن الخيل ويعديها في زمن عمر بن الخطاب ﵁، فجاءه عمرو بن معدي كرب بفرس كميت فهجنه فاستعدى عليه عمرو وشكاه إليه فقال سلمان ادع بإناء رحراح قصير الجدر، فدعا به، فصب فيه ماء، ثم أتى بفرس عتيق فمد عنقه وشرب ثم أتي بفرس عمرو الذي هجن فمد عنقه كما فعل العتيق ثم ثنى أحد السنبكين قليلاً فشرب فلما رأى ذلك عمر ﵁ قال أنت سلمان الخيل. أقول: ومن العلامات أيضاً أن العتيق يضع منخريه في الماء حين الشرب، وغيره يضع طرف منخره فيه - ثم قال المتقي: فما عندكم عن علماء العرب في صفاتها؟ قال الرقي: ذكر الرياشي عن الأصمعي قال: إذا كان الفرس طويل أوظفة اليدين قصير أوظفة الرجلين طويل الذراعين قصير الساقين طويل الفخذين والعضدين منفرج الكتفين، لم يكن يسبق وإذا سلم منه شيئان لم يضرع عيب، عنقه مغروز في كاهله، ومغروز عجزه في صلبه، وإذا جادت حوافره فهو هو". وأنشد المبرد: ولقد شهدت الخيل تحمل شكتي ... عنه كسرحان القضيمة مهنب فرس إذا استقبلته فكأنه ... في العين جذع من أوائل مشرب وإذا اعترضت له استوت أقطاره ... فكأنه مستدبر المتصوب وسأل معاوية بن أبي سفيان مطر بن دراج فقال له: "أخبرني أي الخيل أفضل وأوجز. فقال: الذي إذا استقبلته قلت نافر، وإذا استدبرته قلت زاخر، وإذا استعرضته قلت زافر، سوطه عنانه، وهواه أمامه". (الزاخر: المشرف العالي، والزافر: عظيم الجنبين) . وكان لعمرو بن معدي كرب فرس تسمى الكاملة من بنات البعيث، فعرضها على سلمان بن ربيعة فهجنها، فقال عمرو: أجل هجين يعرف الهجين وقال: يهجن سلمان بنت البعي ... ث جهلاً لسلمان بالكامله فإن كان أبصر مني بها ... فأمي لا أمه هابله

стр. 31

فبلغ ذلك عمر ﵁ فكتب إليه: بلغني ما قلت لأميرك، وبلغني أن لك سيفاً تسميه الصمصامة، وعندي سيف اسمه مصمصم، وابم الله لئن وضعته على هامتك لا أقلعه حتى أبلغ رهايتك فإن سرك أن تعلم ما أقول فأعد (الرهاية: عظم في الصدر بشرف على البطن) . وحكى أبو عمرو بن العلاء قال: كان لرجل من مقاول حمير ولدان عمرو وربيعة، وقد برعا في العلم والأدب، فلما بلغ أبوهما أقصى عمره، وأشفى على الفنا، دعاهما ليبلو عقلهما ويعرف مبلغ علمهما، فلما حضرا لديه، سألهما عن أشياء، من جملتها عن الخيل قال: فأخبرني يا عمرو أي الخيل أحب إليك عند الشدائد إذا التقى الأقران للتجالد؟ قال: الجواد الأنيق، الحصان العتيق، الكفيت العريق، الشديد الوثيق، الذي يفوت إذا هرب ويلحق إذا طلب قال والله نعم الفرس نعت، فما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره أحب إلي منه. قال: فما هو؟ قال: الحصان الجواد الثبت القياد الشهم الفؤاد، الصبور إذا سرى، السابق إذا جرى، قال: فأي الخيل أبغض إليك يا عمرو؟ قال: الجموح الطموح النكول الأنوح الصردل الضعيف، الملول العنيف الذي إذا جاريته سبقته. قال ما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره أبغض إلي منه. قال وماهو؟ قال البطيء الثقيل، الذي إذا ضربته قمص، وإن دنوت منه شمص، يدركه الطالب، ويفوته الهارب، ويقطع بالصاحب، وغيره أبغض إلي منه قال: فما هو؟ قال الجموح الخبوط، الركوض الشموص الضروط، القطوف في الصعود والهبوط، الذي لا يسلم الصاحب ولا ينجو من الطالب. وقيل لأعرابي صف لنا الجواد من الخيل فقال: إذا اشتد نفسه ورحل متنفسه، وطال عنقه واشتد حقوه، وأبهر شدقه، وعظمت فصوصه، وصلبت حوافره فهو من الجياد. وسئل غيره عنه فقال: إذا عدا اسعلب وإذا قيض اجلعب وإذا انتصب اتلأب أي إذا ركض كان كالسابح (وقوله اجلعب أي مضى وجد في سيره وقوله اتلأب أي استقام) قال أبي بن سلمى الضبي: وخيل تلافيت ريعانها ... بعجلزة جمزى المدخر جموم الجراء إذا عوقبت ... وإن نوزقت برزت بالحضر سبوح إذا اعترضت في العنان ... مروح ململمة بالحجر دفعن على نعم بالعرا ... ق من حيث أفضى به ذو شمر فلو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر وعرضت على ابن قيصر من بني أسد بن خزيمة خيل فأومأ إلى بعضها وقال تجيء هذه سابقة. فسئل ما الذي رأيت فيها؟ فقال: رأيتها مشت فكتفت، وخبت فرجفت، وعدت فنسفت، فجاءت كما قال سابقة. وسئلت ابنة الخس: أي الخيل أحب إليك؟ فقالت: ذو المائعة الصنيع، السليط التليع، الأيد الضليع، الملهب السريع، فقيل لها: أي الغيوث أحب إليك؟ قالت ذو الهيدب المنبعق، الأضخم المؤتلق، الصخب المنبثق. (قولها: المائعة: ناصية الفرس إذا طالت وسالت، والصنيع السمين والسليط الشديد، والتليع الرافع رأسه والأيد القوي والصليع شديد الأضلاع، والملهب مثير الغبار في عدوه، والسريع ما يكون في أوائل الخيل، والهيدب السحاب المتدلي، والمنبعق المنبعج بالمطر، والأضخم الثقيل، والمؤتلق البرق اللامع، والصخب شدة الصوت، والمنبثق المنفجر. وقيل لها: ما مئة من المعز؟ قالت: مويل يشف الفقر من ورائه، مال الضعيف وحرفة العاجز، قيل لها فما مئة من الضأن؟ قالت: قرية لا حمى لها، قيل لها فما مئة من الإبل؟ قالت: بخٍ جمال ومال ومنى الرجال، قيل لها: فما مئة من الخيل؟ قالت طغى من كانت له ولا توجد، قيل لها فما مئة من الحمر؟ قالت: عارية الليل وخزي المجلس، لا لبن لها فيحلب، ولا صوف فيجز، إن ربط عيرها أدلى، وإن ترك ولى. واجتمع خمس جوار من العرب وقلن: هلمن ننعت خيل آبائنا، فقالت الأولى: فرس أبي وردة، وما وردة؟ ذات كفل مزحلق، ومتن أخلق، وجوف أخرق، ونفس مروح، وعين طروح، ورجل ضروح، ويد سبوح، بداهتها إهداب، وعقبها غلاب. وقالت الثانية: فرس أبي اللعاب، وما اللعاب، غيبة سحاب، واضطرام غاب، مرقص الأوصال، أشم القذال، ملاحك المحال، فارسه مجيد، وصيده عتيد، إن أقبل فظبي معاج، وإن أدبر فظليم هداج، وإن أحضر فعلج هراج. وقالت الثالثة: فرس أبي خدمة، وما خدمة؟ إن أقبلت فقناة مقومة، وإن أدبرت فأثفية ململمة، وإن أعرضت فذيبة معجرمة، أرساغها مترقصة، وفصوصها ممحصة، جريها انشرار، وتقريبها انكدار.

стр. 32

وقالت الرابعة: فرس أبي خيفق، وما خيفق؟ ذات ناهق معرق، وشدق أشدق، وأديم مملق، لها خلق أشرف، ودسيع منفنف وتليل مسيف، وثابة ولوج، خيفانة رهوج، تقريبها إهماج، وحضرها ارتعاج. وقالت الخامسة: فرس أبي هذلول؟ طريده محبول، وطالبه مشكول، دقيق الملاغم، أمين المعاقم، عبل المحزم، مخد مرجم، منيف الحارك، أشر السنابك، مجدول الخصائل، سبط الغلائل، معوج التليل، صلصال الصهيل، أديمه صاف، وسبيبه ضاف، وعلوه كاف. فوردة في كلام الأولى: اسم الفرس، والمزحلق: الأملس، والأخلق: ناعم الجلد، والأحرق: واسع البطن، والمروح: السهل، والطروخ: حديد البصر، والضروح: قوة الجري التي تمد يديها في الجري كما يمد السابح في الماء يديه، والإهداب: نوع من الركض، والغلاب: إدامة الجري بلا تعب، والسحاب في قول الثانية: المطر، أي هو كالمطر في شدة الجري، ومرقص الأوصال: أي محكم الأعضاء، والقذال: محل عقد العذار، أي: مرتفعه، وملاحك المحال: أي متقارب فقرات الظهر، والظبي المعاج: الغزال المسرع، أي أنه كالظبي إذا أقبل، وكالظليم إذا أدبر، وكحمار الوحش إذا أحضر. والأثفية الململمة في قول الثالثة: أي الحجرة المدورة والمعجرمة المسرعة. والناهق في قول الرابعة: العظم الشاخص في الخد، والمعرق: قليل اللحم وأديم مملق: أي ناعمة الجلد، والدسيع: مركب العنق في الحارك، وثابة ثلوج: أي سريعة الوثب، وخيفانة رهوج: أي كالجرادة في سرعة جريها، والإهماج: أسرع العدو. والملاغم في قول الخامسة: الحجافل، والمعاقم المفاصم ومخد مرجم: أي قوي على السير كأنه يشق الأرض بحوافره. وقال ابن الأثير: وطالما امتطيت صهوة مطهم فغنيت عن نشوة الكميت من ذات نهد يسابق الريح فيغبر وجهها دون شق غباره، وإذا ظهر عليها رجعت حسرى في مضماره، نسب إلى الأعوج وهو مستقيم في الكر والفر وقد حنقت عليه عين الشمس إذ لا يمكنها أن ترسم ظله على الأرض إذا مر، ليلي الإهاب لطم جبينه الصباح ببهائه، فعدا عليه وخاض يقتص منه في أحشائه كما قال ابن نباتة السعدي: وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه وقد أغتدي عليه والطير في وكناتها فلايفوتني الأجدل وإذا أطلقته لصيد الوحوش رأيتني على منجرد قيد الأوابد هيكل وقال في وصف فرس: له من العربية حسب ومن الكردية نسب فهو من بينهما مستنتج لا ينتسب إلى خبيب ولا إلى أعوج. ومن صفاته أنه رحب اللبان، عريض البطان، سلس العنان، ينثني على قدر الطعان، وعلى قدر الكرة والصولجان، قد استوت حالاته قادماً ومتأخراً، وإذا أقبل خلته مرتفعاً وإذا أدبر خلته منحدراً كأنه في حسنه دمية محراب، وفي خلقه ذروة هضاب، وهو في سباقه ولحاقه مخلق بخلق المضمار وبدم الصراب والصوار فهو منسوب إلى ذوات القوادم، وإن كان محسوباً في ذوات القوائم، كأنما ثنى لجامه على سالفة عقاب وشد حزامه على بارقة سحاب، فقوله لا يتنسب إلى خبيب ولا إلى أعوج فالأول فرس كريم للأكراد والثاني فرس مشهور من العراب) . وكتب عبد الله بن طاهر إلى المأمون: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بفرس يلحق الأرانب في الصعداء، ويجاوز الظباء في الاستواء، ويسبق في الحدور جري الماء كما قال تأبط شراً: ويسبق وقد الريح من حيث تنتحي ... بمنخرق من شدة المتدارك وقال محمد بن الحسن في وصف فرس: حسن القميص، جيد الفصوص، وثيق القصب، نقي العصب، يبصر بأذنيه، ويتبوع بيديه، ويداخل برجليه، كأنه موج في لجة، أو سيل في حدور، يناهب المشي قبل أن يبعث ويلحق الأرانب في الصعداء ويجاوز جواري الظباء في الاستواء ويسبق في الحدور جري الماء إن عطف جار وإن أرسل طار وإن كلف السير أمعن وسار وإن حبس صفن، وإن استوقف قطن، وإن رعي ابن. وقال ابن المعتز: ساد فلان في جيوش عليهم أردية السيوف وأقمصة الحديد، وكأن رماحهم قرون الوعول، وكأن أدراعهم زبد السيول، على خيل تأكل الأرض بحوافرها، وتمد بالنقع سرادقها، قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الورق، وأمسكها تحجيل كأنه إسورة اللجين، وقرطت عذاراً كأنها الشنف، تتلقف الأعداء أوائله ولم تنهض أواخره، قد صب عليهم وقار الصبر، وهبت معهم ريح النصر.

стр. 33

وسئل أعرابي عن سوابق الخيل فقال: إذا مشى ردى وإذا عدا دحا، وإذا استقبل أقعى وإذا استدبر حبا، وإذا اعترض استوى (دحا: انبسط على الأرض، وأقعى: تساند إلى وراء، والحبو: ارتفاع المنكبين إلى العنق) . وروي أن رجلاً خرج في الشهر الحرام لحاجة، فدخل في الحل فطلب رجلاً يستجير به، فرأى أغلمة يلعبون فقال لهم: من سيد هذا الحي؟ فقال له غلام: هو أبي. قال: ومن أبوك؟ قال باغث بن عويص، قال: صف لي بيت أبيك. قال: بيت كأنه حرة سوداء أو غمامة جماء بفنائه ثلاثة أفراس: أما أحدهم فمفزع الأكتاف، متماحل الأكناف، متماثل الأطراف؛ وأما الآخر فذيال جوال صهال أمين الأوصال أشم القذال؛ وأما الثالث فمغار مدمج محبوك مجملج كالقهق الأدعج، فمضى الرجل حتى انتهى إلى الخباء وقال: يا باغث جار علقت علائقه، واستحكمت وثائقه، فخرج إليه وأجاره. وروي أن شاباً ابتاع فرساً فجاء إلى أمه، وقد كف بصرها، وقال: يا أماه قد اشتريت فرساً فقالت: صفه لي. قال: إذا استقبل فظبي ناصب وإذا استدبر فهقل خاضب، وإذا استعرض فسيد قارب، مؤلل المسمعين، طامح النظرين، فقالت: أجدت إن كنت أعربت، قال: إنه مشرف التليل، سبط الخصيل، وهواه الصهيل، فقالت: أكرمت فارتبط. وحكى زهير بن حباب أن علقمة بن جندل الطعان أغار على عبد الله بن كنانة بن بكر وهم بعسفان، فقتل عبد الله بن هبل ومالك بن عبيدة وصريم بن قيس بن هبل، وأسر مالك بن عبد الله بن هبل وأفلت من أفلت، فأقبلت جارية من عبد الله بن كنانة فقالت لزهير: يا عماه! ما ترى ما فعل أبي؟ قال: وعلى أي فرس كان أبوك؟ قالت: على شفاء ثفاء طويلة الإنقاء تمطق الشيخ بالمرق. قال: نجا أبوك. ثم أتته أخرى وقالت: يا عماه ما ترى ما فعل أبي؟ قال: وعلى أي فرس كان؟ قالت: على طويل بطنها قصير ظهرها هاديها شطرها يكبها حضرها فقال: نجا أبوك. ثم أتتع بنت مالك بن عبيدة فقالت: يا عماه ما ترى ما فعل أبي؟ قال: وعلى أي فرس كان؟ قالت: على الكزة الأنوح، التي يكفيها لبن اللقوح، فقال: هلك أبوك. فقال رجل: ما أسوأ بكاها فقال: لا تعلم اليتيم البكا فأرسلها مثلاً. وروى أبو الفرج الأصبهاني أن خالد بن كلاب أتى النعمان بن المنذر بفرس فوجد عنده الحارث بن ظالم والربيع بن زياد فقبله منه وأكرمه فقام الحارث وقد له فرسه وقال أبيت اللعن نعم صباحك وأهلي فداؤك، هذا فرس من خيل بني قرة فلن تؤتى بفرس يشق غباره، إن لم تنسبه انتسب، كنت ارتبطه لغزو بني عامر بن صعصعة، فلما أكرمت خالداً أهديته إليك، فقام الربيع بن زياد وقدم له فرسه ثم قال: أبيت اللعن نعم صباحك وأهلي فداؤك، هذا فرس من خيل بني عامر ارتبطت أباه عشرين سنة لم يخفق في غزوة، ولم يعتلك في سفر، وفضله على هذين الفرسين، كفضل بني عامر على غيرهم، فغضب النعمان عند ذلك وقال: يا معشر قيس أي خيلكم أشباهنا؟ أين اللواتي كان أذنابها شقاق أعلام ومناخرها وجار الضباع، وعيونها بغايا النساء، رقاق المستطعم، تعالك اللجم في أشداقها، تدور على مذاودها، كأنما يقضمن حصى. فقال خالد: زعم الحارث أبيت اللعن أن تلك خيله وخيل آبائه فغضب النعمان عند ذلك على الحارث. وروي أن الحجاج سأل ابن القرية عن صفة الجواد فقال: هو الطويل الثلاث القصير الثلاث الرحب الثلاث العريض الثلاث الصافي الثلاث الأسود الثلاث الغليظ الثلاث فقال صفهن وبين قال: أما الطويل الثلاث فالأذن والعنق والذراع، وأما القصير الثلاث فالعسيب والرسغ والظهر، وأما الرحب الثلاث فالجوف والمنخر واللبب، وأما العريض الثلاث فالجبهة والصدر والكفل، وأما الصافي الثلاث فالأديم والعين والحافر، وأما الأسود الثلاث فالحدقة والحجفلة والحافر، وأما الغليظ الثلاث فالفخذ والوظيف والرسغ وقد نظم الصفي الحلي بعضها بقوله: وطرف تخيرته طرفة ... وأحببته من جميع التراث إذا انقض كالصقر في حلبة ... ترى الخيل في إثره كالبغاث حوى ببدائع أوصافه ... مضاء الذكور وصبر الإناث طويل الثلاث قصير الثلاث ... عريض الثلاث فسيح الثلاث وقال آخر: وقد أغتدي قبل ضوء الصباح ... وورد القطا في القطاة الحثاث بصافي الثلاث عريض الثلاث ... قصير الثلاث طويل الثلاث

стр. 34

قال البديع الهمذاني: حدثنا عيسى بن هشام قال: حضرنا مجلس سيف الدولة يوماً وقد عرض عليه فرس فقال لجلسائه أيكم أحسن صفته جعلته صلته. فكل جهد جهده وبذل ما عنده، فقال بعض غلمانه: أصلح الله الأمير، إني رأيت بالأمس رجلاً يطأ الفصاحة بنعليه، وتقف الأبصار عليه، يسلي الناس ويشفي الباس، فلو أمر الأمير بإحضاره لفضلهم بأحضاره، فقال سيف الدولة: علي به في هيئته فسار الغلمان في طلبه، ولما جاؤوا به، أدخلوه وهو في طمرين فسلم، ولما رآه سيف الدولة أمر له بالجلوس وأدنى مجلسه وقال: بلغنا عناك حاضرة فاعرضها بهذا الفرس ووصفه. فقال: أصلح الله الأمير، كيف أصفه قبل ركوبه وكشف محاسنه وعيوبه. فقال: اركبه فركبه وأجراه ولما نزل عنه قال: هو طويل الأذنين قليل لحم الاثنين، لين الثلاث غليظ الأكرع، غامض الأربع، شديد النفس، لطيف الخمس، ضيق القلت رقيق الست، حديد السمع، غليظ السبع رقيق اللسان، عريض الثمان، شديد الضلع، قصير التسع، واسع الشجر، بعيد العشر، يأخذ بالسانح، ويطلق بالرامح، ويطلع بلائح، ويضحك عن قارح، بخروجه الكديد بمذاق الحديد، يحضر كالبحر إذا ماج، والسيل إذا هاج، فقال: خذه مباركاً عليك، فقال له: لا زلت تأخذ الأنفاس وتمنح الأفراس. قال عيسى فلما انصرف تبعته وقلت له: لك علي ما يليق بك من الحلل لركوب هذا الفرس إن فسرت ما وصفت، فقال: سل عما أحببت، فقلت ما معنى قولك قليل لحم الاثنين؟ قال: لحم الوجه والمتنين. قلت: فما معنى لين الثلاث؟ قال: المردغتين والفرق والعناق، قلت: فما معنى غامض الأربع؟ قال: أعلى الكتفين والمرفقين والحجاجين والشظا، فقلت: أحسنت. فما معنى لطيف الخمس؟ قال: الزور والنسر والجبة والعجاية والركبة، فقلت: أجدت ما معنى رقيق الست؟ قال: الجفن والسالفة والحجفلة والأديم وأعلى الأذنين والفرضين، فقلت: لله أبوك، فما معنى غليظ السبع؟ قال: الذراع والمخرم والعكوة والشوى والرسغ والفخذين والحبال، فقلت: حياك الله فما معنى عريض الثمان؟ قال: الجبهة والصهوة والكتف والجنب والعصب والبلدة وصفحة العنق، فقلت: لله درك فما معنى قصير التسع؟ قال: الشعرة والأطرة والعسيب والقضيب والعضدين والرسغين والنسا والظهر والوظيف، فقلت: ما معنى بعيد العشر؟ قال: بعيد النظر والخطو وأعالي الجنبين وما بين الوقبين والجاعرتين وما بين القرابين والمنخرين وما بين الرجلين، وما بين النقبة والصفاق، والقامة في السباق، فقلت له: من أين أخذت هذا العلم؟ قال: من الثغور الأموية وبلاد الاسكندرية، فقلت له: أنت مع هذا الفضل تعرض وجهك لهذا البذل، فقال: ساخف زمانك جدا ... فالدهر جد سخيف دع الحمية نسياً ... وعش بخير وريف وقل لعبدك هذا ... يجيء لنا برغيف وقال ابن عائشة: قصرت له تسع ةطالت أربع ... وزكت ثلاث منه للمتأمل وكأنما سأل الظلام بمتنه ... وبد الصباح بوجهه المتهلل وكأن راكبه على ظهر الصبا ... من سرعة أو فوق ظهر الشمأل فقوله زكت: أي نمت وطالت. ومن أوصافها الممدوحة أن يكون شق شدقيها واسعاً. قال الشاعر: هريت قصير عذار اللجام ... أسيل طويل عذار الرسن الهريت: واسع الفم، وقصير عذار اللجام: دليل أسل الخد، وطول عذار الرسن: دليل طول العنق. وقال آخر: طويل متن العنق أشرف كاهلاً ... أشق رحيب الجوف معتدل الجرم وقال أبو دؤاد: فهي شوهاء كالجوالق فوهاً ... مستجاف يضل فيه الشكيم الشوهاء: واسعة الأشداق، ولا يقال للذكر أشوه. وقال آخر: إذا ما نتبشت طرحت اللجا ... م في شدق الجرد والسلهب يبذ الجياد بتقريبه ... ويأوي إلى حضر ملهب كميت كأن على متنه ... سبائك من قطع المذهب كأن القرنفل والزنجبي ... ل يعلو على ريقه الأطيب ومنها أن تكون رحبة المنخر، قال امرؤ القيس: وقد اغتدي ومعي القانصان ... فكل بمربأةٍ مقتفر فيدركنا فعم داجن ... سميع بصير طلوب نكر ألص الضروس حبي الضلوع ... تبوع طلوب نشيط أشر فأنشب أظفاره في النسا ... فقلت هبلت ألا تنتصر فكر إليه بمبراته ... كما خل اللسان المجر فظل يرنح في غيظل ... كما يستدير الحمار النعر

стр. 35

وأركب في الروع خيفانةً ... كسا وجهها سعفٌ منتشر لها حافرٌ مثل قعب الولي ... د ركب فيه وظيف عجر وساقان كعباهما أصمعا ... ن لحم حماتيهما منبتر لها عجز كصفاة المسي ... ل أبرز عنها حجاف مضر لها متنتان خطاتا كما ... أكب على ساعديه النمر وسالفةٌ كسحوق اللبا ... ن أضرم فيها الغوي السعر لها غدرٌ كقرون النسا ... ء ركبن في يوم ريح وصر لها جبهة كسراة المج ... ن حذقه الصانع المقتدر لها منخر كوجار السباع ... فمنه تريح إذا تنبهر لها ثننٌ كخوافي العقا ... ب سودٌ يفئن إذا تزبئر وعين لها حدرة بدرة ... فشقت مآقيهما من أخر إذا أقبلت قلت دباءةٌ ... من الخضر مغموسة في الغدر وإن أدبرت قلت أثفيةٌ ... ململمةٌ ليس فيها أثر وإن أعرضت قلت سرعوفةٌ ... لها ذنب خلفها مسبطر وللسوط فيها مجالٌ كما ... تنزل ذو بردٍ منهمر وتعدو كعدو نجاة الظبا ... ء أخطأها الحاذف المقتدر لها وثبات كصوب السحاب ... فؤادٍ خطاءٌ وواد مطر الوِجار: جحر الضبع، وضيق المنخر: عيب في الخيل، مدح في الصقر. وقال بشر: كأن حقيف منخره إذا ما ... كتمن الربو كير مستعار يقال ربا الفرس إذا انتفخ منخره من عدو أو فزع وقال عدي بن زيد: له ذنب مثل ذيل العروس ... ومنخره مثل جحر اللجم اللجم: دويبة أصغر من العضاية، ومنها أن تكون واسعة الجبهة. قال الأخطل: صلت الجبين كأن رجع صهيله ... زجر المحاول أو غنا متوالي وقال النابغة: بعار النواهق سلط الجبي ... ن يستن كالتيس ذي الحلب وقال يزيد بن ضبة يصف السندي فرس الوليد بن عبد الملك لما خرج إلى الصيد ولحق عليه حماراً فصرعه، ثم قال الوليد ليزيد صفه فقال: وأحوى سلس المرس ... ن مثل الصدع الشعب سما فوق منيفاتٍ ... طوال كالقنا سلب طويل الساق عنجوجٍ ... أشق أصمع الكعب على لام أصم مض ... مر الأشعر كالقعب ترى بين حواميه ... نسوراً كنوى القسب معالي شنج الأنسا ... ء سام جرشع الجنب طوى بين الشراسيف ... إلى المنقب فالقنب يغوص الملحم القائم ... ذو حد وذو شغب عتيد الشد والتقري ... ب والإحضار والعقب صليب الأذن والكاه ... ل والموقف والعجب عريض الجبهة والخد ... والبركة واللهب إذا ما حثه حاث ... يباري الريح في غرب وإن وجهه أسر ... ع كالخذروف في النقب وقفاهن كالأجد ... ل لما انضم للضرب ووالى الضرب يختار ... جواشن بدن قب ترى كل مدل قا ... ئماً يلهث كالكلب كأن الدم في النحر ... قذال علّ بالخضب يزين الدار موقوفاً ... ويشفي قدم الركب فقال له الوليد: أحسنت الوصف وأجدت. وقال امرؤ القيس: لها جبهةٌ كسراة المج ... ن حذقه الصانع المقتدر ومنها أن يكون في عينيها السمو والحدة والاتساع، قال امرؤ القيس: وعين لها حدرةٌ بدرة ... فشقت مآقيهما من أخر الحدرة العظيمة والبدرة التي تبدر بالنظر والمآقي طرف العين الذي يلي الأنف وتوصف بالقبل وهو ميل النظر إلى طرف الأنف من عزة النفس لا من أصل الخلقة. قالت ليلى الأخيلية في فائض بن أبي عقيل وكان فر عن ثوبة حين قتل: ولما أن رأيت الخيل قبلاً ... تبارة بالخدود شبا العوالي نسيت وصاله وصددت عنه ... كما صد الأذب عن الضلال وقال أبو الفضل ابن شرف يمدح المعتصم بالله الأندلسي: أشوس الطرف علته نخوة ... يتهادى كالغزال الخرق وامتطى من طرفه ذا خبب ... يلثم الغبراء إن لم يعنق لو تمطى بين أسراب المهى ... نازعته في الحشا والعنق حسرت دهمته عن غرة ... كشفت ظلماؤها عن يقق لبست أعطافه ثوب الدجى ... وتحلى خده باليقق وانبرى تحسبه أجفل عن ... لسعةٍ أو جنةٍ أو أولق مدركاً بالمهل ما لا ينتهي ... لاحقاً بالرفق ما لم يلحق

стр. 36

ذو رضا مستتر في غضب ... ذو وقار منطوٍ في خرق وعلى خدٍ كعضبٍ أبيض ... أذن مثل سنان أزرق كلما نصبها مستمعاً ... بدت الشهب إلى مسترق حاذرت منه شبا خطيةٍ ... لا يجيد الخط ما لم يمشق كلما شامت عذار خده ... خفقت حفق فؤادٍ أفرق في ذرى ظمآن فيه هيف ... لم يدعه للقضيب المورق يتلقاني بكف مصقعٍ ... يقتفي شأو عذارٍ مقلق إن يدر دورة طرفٍ يلتمح ... أو يجل جول لسان ينطق عصفت ريح على أنبوبه ... وجرت أكعبه في زنبق كلما قلبه باعد عن ... متن ملساء كمثل البرق جمع السرد قوى أزرارها ... فتآخذن بعهدٍ موثق أوجبت في الحرب من وخز القنا ... فتوارت حلقاً في حلق كلما دارت بها أبصارها ... صورت منها مثال الحدق زل عنه متن مصقول القوى ... يرتمي في مائها بالحرق لو نضى وهو عليه ثوبه ... لتعرى عن شواظٍ محرق أكهب من هبوات أخضر ... من فرند أحمر من علق وارتوت صفحاه حتى خلته=بحميا من لكفيك سقي يا بني معن لقد ظلت بكم ... شجر لولاكم لم تورق لو سقي حسان من إحسانكم ... ما بكى ندمانه في جلق أو دنا الطائي من حيكم ... ما حدا البرق لربع الأبرق وقال امرؤ القيس: وعين كمرآة الصناع تديرها ... بمحجرها من النصيف المنقب الصناع: الحاذقة، والمحجر من العين: ما دار بها، والنصيف: شعر الجبهة. وقال المتنبي: تنام لديك الرسل أمناً وغبطةً ... وأجفان رب الرسل ليس تنام حذاراً لمعروري الجياد فجاءةً ... إلى الطعن قبلاً ما لهن لجام تعطف فيه والأعنة شعرها ... وتضرب فيه والسياط كلام وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرام وقال ابن دريد: شعثاً تعادى كسراحين الفضا ... قبل حماليق يبارين الشبا الشعث: المغبرة، وتعادى: من العدو، والسراحين: الذئاب، والحماليق: بواطن الأجفان، والقبل: ميل النظر إلى الأنف في الخيل، وإذا كان في الإنسان سمي خزراً. قال المتنبي: والقوم في أعينهم خزر ... والخيل في أعيانها قبل وقال آخر: إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت العين من غير عور ألفيتني ألوي بعيد المستمر ... كالحية الصماء في أصل الشجر وقال ابن الأطنابة: إني من القوم الذين إذا انتدوا ... بدؤوا بحق الله ثم النائل المانعين من الخنا جاراتهم ... والحاشدين على طعام النازل والخالطين فقيرهم بغنيهم ... والباذلين عطاءهم للسائل والضاربين الكبش يبرق بيضه ... ضرب المهجهج عن حياض الآبل والقاتلين لدى الوغى أقرانهم ... إن المنية من وراء القاتل والقائلين فلا يعاب كلامهم ... يوم المقامة بالقضاء الفاصل خزر عيونهم إلى أعدائهم ... يمشون مشي الأسد تحت الوابل ليسوا بأنكاسٍ ولا ميل إذا ... ما الحرب شبت أشعلوا بالشاعل وقال عنترة العبسي: ولرب مشعلة وزعت رعالها ... بمقلص نهد المراكل هيكل سلس المعذر لاحق أترابه ... متقلب عبثاً بفأس المهجل وكأن هاديه إذا استقبلته ... جذع أذل وكان غير مذلل وكأن مخرج روحه في وجهه ... سربان كانا مولجين لجيال وكأن متنيه إذا جردته ... ونزعت عنه الجل متنا أيل وله حوافر موثق تركيبها ... صم الصخور كأنها من جندل وله عسيب في سبيبٍ سابغ ... مثل الرداء على الفتى المتفضل سلس العنان إلى القتال وعينه ... قبلاء شاخصةٌ كعين الأحول وكأن مشيته إذا نهنهته ... بالنكل مشية شارب مستعجل فعليه اقتحم الوقيعة خائضاً ... فيها وأنقض انقضاض الأجدل وتوصف بحدة النظر قال المتنبي: وينظرن من سود صوادق في الدجى ... يرين بعيدات الشخوص كما هيا ومن ذلك قول العرب أبصر من فرس دهماء في ليلة ظلماء، ويقال أسمع من فرس بهماء. وقال عدي بن زيد: له قصة فشغت حاجبيه ... والعين تبصر ما في الظلم

стр. 37

القصة: - بالضم - شعر الناصية، وفشغت: أي انتشرت. ومنها أن يكون شعر ناصيتها طويلاً. قال امرؤ القيس: وأركب في الروع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر الخيفانة: الفرس الطويلة القوائم الضامرة، ولا يقال للذكر خيفان. وقد غلط من علماء هذا الفن من غلط امرأ القيس في تشبيه ناصيتها بالطول بسعف النخلة حيث زعم أن شعر الناصية إذا غطى العين سمي غمماً والحق مع امرئ القيس ويؤيده قول عدي بن زيد: غدا بتليل كجذع الخضا ... ب حر القذال طويل الغسن لأن الغسن شعر الناصية، والذؤابة شعر في أعلاها، والحر من الفرس سواد في ظاهر الأذنين، ومنها أن تكون أذناها محددتين رقيقتين منتصبتين كثيرة التحريك لهما وإذا أميلت أذنها بلغت طرف عينها مما يلي الصدغ، قال ابن دريد: يدير إعليطين في ملمومة ... إلى لموجين بألحاظ اللئا الإعليط: وعاء ثمر المرخ - بالخاء المعجمة - شبه به أذني الفرس في الانتصاب والحدة، والملمومة: الهامة المجتمعة، كالحجر الملموم، واللموخ: العين، واللئا: البقر. وقال عتبة: وترى أذنها كإعليط مرخ ... حدة في لطافة وانتصاب وقال النمر بن تولب: لها أذن حشرة مشرة ... كإعليط مرخ إذا ما صقر وقال ابن مقبل: يرخي العذار وإن طالت قبائله ... عن حشرة مثل سنف المرخة الصقر الحشرة: الأذن اللطيفة المحددة. وقال حازم: كم قد هدى هوادي الخيل إلى ... من ضل عن سبل الرشاد أو غوى من كل سامي الطرف ما في لحظه ... من خذء ولا بأذنيه خذا هوادي الخيل: أعناقها، وسامي الطرف: عاليه، روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إذا رأيتم خيل القوم رافعة رؤوسها، كثيراً صهيلها، فاعلموا أن الدائرة لهم. وإذا رأيتم خيل القوم ناكسة رؤوسها، قليلاً صهيلها، تحرك أذنابها، فاعلموا أن الدائرة عليهم"، ويكنى بسامي الطرف عن حدة نظر العين وطموحها، وهو مستحسن في الخيل. قال أبو دؤاد: حديد الطرف والمنكب ... والعرقوب والقلب والخذا: استرخاء الأذن، وهو مكروه في الخيل، وهو غير مهموز. روي أن العماني دخل على الرشيد فأنشده في وصف فرس قوله: كأن أذنيه إذا تشوّفا ... قادمةً أو قلماً محرفا فلحن ولم يهتد منهم لإصلاحه إلاّ الرشيد، فإنه أبدل (كأن) ب (تخال) فقال: تخال أذنيه إذا تشوفا ... قادمةً أو قلماً محرفا وروي عن الأصمعي قال: سمعت أعرابياً يقول: خرجت علينا خيل مستطيرة النقع كأن هواديها أعلام وآذانها أطراف أقلام وفرسانها أسود آجام، فأخذ عدي هذا المعنى فقال: يخرجن من مستطير النقع داميةً ... كأن آذانها أطراف أقلام وقال عدي بن زيد: له عنق مثل جذع السحوق ... وأذن مصنعة كالقلم وقال ابن هاني: وجاءت عتاق الخيل تردى كأنما ... تخط لها أقلام آذانها صحفا والعرب تصف آذان الخيل بصدق السمع فتقول آذان الخيل أصدق من عينها، أي أنها إذا أحست بشيء تشوفت بآذانها وتوجست بهما فيتأهب فارسها لما عساه أن يحدث وأكثر البينات وإدلاج الليل قال الشاعر: يصهلن للنظر البعيد كأنما ... إرنانها ببوائن الأشطان أي أنها إذا رأت شخصاً بعيداً طمحت إليه وصهلت فكأن صهيلها في آبار بعيدة القعر لسعة جوفها. قال كثير عزة: تشوف من صوت الصدى كلما ... تشوف جيداء المقلد مغيب تشوف الفرس: أي نصب عنقه وجعل ينظر، وروي أن بعض العرب أمر ولده بشراء إلى شيء، وأعضاؤه حشيت شيئاً في شيء، فقال له ابنه: من ملك مثل هذا لا يبيعه. وقال أبو العلاء المعري: كأن أذنيه أعطت قلبه خبراً ... عن السماء بما يلقى من الغير وقال: وأثبت الناس قلباً في الظلام سرى=ولا ربيئة إلاّ مسمع الفرس الربيئة: الطليعة، أي أربط الناس جأشاً من يسري في الظلام ولا لاطليعة له ترقبه إلاّ آذان فرسه. وقال أيضاً: وأبصرت الذوابل منه عدلاً ... فأصبح في عواملها اعتدالا وجنح يملأ الفودين شيباً ... ولكن يجعل الصحراء خالا أردنا أن نصيد به مهاة ... فقطعت الحبائل والحبالا ونم بطيفها الساري جواد ... فجنبنا الزيارة والوصالا وأيقظ بالصهيل الركب حتى ... ظننت صهيله قيلاً وقالا

стр. 38

ولولا غيرة من أعوجي ... لبات يرى الغزالة والغزالا يحس إذا الخيال دنا إلينا ... فيمنع من تعهدنا الخيالا وقال المتنبي: قاد الجياد إلى الطعان ولم يقد ... إلاّ إلى العادات والأوطان كل ابن سابقة يغير بحسنه ... في قلب صاحبه على الأحزان إن خليت ربطت بآداب الوغى ... فدعاؤها يغني عن الأرسان في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان الجحفل: الجيش العظيم كثيف الغبار الذي يستر الأعين حتى لا يرى، والخيل مع صدق حاسة نظرها إذا أحست بشيء نصبت آذانها كأنها تبصر بها. وقال أيضاً: وتنصب للجرس الخفي مسامعاً ... يخلن مناجاة الضمير تناديا وقال: ويوم كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس إبان تغرب وعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب شققت به الظلماء أدني عنانه ... فيطغى وأرخيه مراراً فيلعب وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب وما الخيل إلاّ الصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب والمعنى: أنك لا تغتر بحسن شياتها فإنه لا فائدة فيه، إذا لم تكن ذات عدوٍ وجري وأدب، ومعنى قوله: دعيني إلى أذني، أنه كان ينظر إلى آذان فرسه، لأنه الفرس إذا أحس بشخص من بعيد نصب أذنيه نحوه، فيعلم أنه أبصر شيئاً، ثم وصفه بأنه كقطعة من الليل بقي كوكب منه بين عينيه، وهذا المعنى أخذه من قول أبو دؤاد: ولها جبهة تلألأ كالشع ... رى أضاءت وعم منها النجوم وقال البحتري: ومقدم الأذنين تحسب أنه=بهما يرى الشيء الذي لا يأمنه وقال آخر: وجبت له أذنان يرقب سمعها ... بصر كناصية الشجاع المرصد وقال حازم: توحي إلى من يمتطيه أذنه ... بكل ما يسمع من أخفى الوحى يكاد لا يبصره ذو مقلة ... من خفة وسرعة إذا دأى الوحى: الإشارة والكلام الخفي. وقال أبو القاسم بن هاني الأندلسي يمدح المعز لدين الله: وصواهل لا الهضب يوم مغارها ... هضب ولا البيد الحزون حزون جنب الحمام، وما لهن قوادم ... وعلى الربود وما وما لهم وكون فلهن من ورق اللجين توجس ... ولهن من مقل الظباء شفون فكأنها تحت النضار كواكب ... وكأنها تحت الحديد رجون عرفت بساعة سبقها لا إنها ... علقت بها يوم الرهان عيون وأجل علم البرق فيها أنها ... مرت بجانحتيه وهي ظنون فأمر له بدست قيمته ستة آلاف دينار. فقال له: يا أمير المؤمنين? ما لي موضع يسع الدست إذا بسطت، فأمر له ببناء قصر فغرم عليه ستة آلاف دينار، وحمل له آلة تشاكل القصر والدست قيمتها ثلاثة آلاف دينار. وقال ابن حمديس الصقلي: ومنقطع بالسبق من كل حلبةٍ ... فتحسبه يجري إلى الرهن مفردا كأن له في أذنه مقلةٌ يرى ... بها اليوم أشخاصاً تمر به غدا أقيد بالسبق الأوابد حوله ... ولو مر في آثارهن مقيدا وقال امرؤ القيس: له أذنان تعرف العنق فيهما ... كسامعتي مذعورةٍ وسط ربرب العتق: الأصل والجمال، والسامعة: الأذن، والمذعورة: البقرة إذا ذعرت نصبت آذانها، والربرب: قطيع بقر الوحش، وخص المذعورة؛ لأنها أشد توخياً تسمعاً، ومنها أن تكون أسيلة الخد، ونواهقها عارية من اللحم. النواهق: مجاري الدمع، ويقال لها: سموم، قال حمد بن نور: طرف أسيل معقد للريم ... عار لطيف موضع السموم وقال طفيل: معرقة الألحي تلوح متونها ... تثير القطافي منهل بعد مقرب وقال امرؤ القيس: قد أشهد الغارة الشعواء تحملني ... جرداء معروقة اللحيين سرحوب كأن صاحبها إذ قام يلجمها ... مغدٌ على بكرةٍ زوراء منصوب إذا تبصرها الرؤوان مقبلةً ... لاحت لهم غرةٌ منها وتجبيب وقافها ضرمٌ وجريها جذمٌ ... ولحمها زيَمٌ والبطن مقبوب واليد سابحةٌ والرجل ضارحةٌ ... والعين قادحة والمتن ملحوب

стр. 39

والماء منهمرٌ والشد منحدرٌ ... والقصب مضطورٌ واللون غربيب كأنها حين فاض الماء واحتفلت ... سقعاء لاح لها في المرقب الذيب وقال أيضاً: وخد أسيل كالمسن وبركة ... كجؤجؤ هيق دقه قد تمورا وقال عقبة بن سابق: عريض الخد والجبهة ... والصهوة والجنب وقال أيضاً: ولها بركة كجؤجؤ هيق ... ولبان مضرج بالخضاب وقال زهير بن مسعود الضبي: ضافي السبيب أسيل الخد مشرفه ... جافي الضلوع شديد أسره تئق وقال آخر: يمتمه بأسيل الخد منتصب ... خاظي البضيع كمثل الجذع مشنوق وقال أبو صدقة العجلي: عارٍ من اللحم صبي اللحى ... مؤلل الأذن أسيل الخد وقال أبودؤاد: أسيل سلجم المقب ... للا شختٌ ولا جافي أي: رقيق ضمر لا غليظ الخلقة ولا هزيل، ومنها أن يكون شعر معرفتها طويلاً غزيراً. قال امرؤ القيس: لها غدر كقرون النسا ... ء ركبن في يوم ريح وصر الغدر الشعر المتدلي من أمام القربوس إلى آذانها، شبهه بذوائب النساء في الكثرة إذا نفشتها الريح، وقال حميد بن الأرقم: قد أغتدي والصبح محمر الطرر ... والليل يحدوه تباشير السحر وفي تواليه بخور كالشرر ... بسحق المبعة ميال الغدر كأنه يوم الرهان محتضر ... وقد بدا أول شخص ينتظر دون أنابي من الخيل زمر ... صار غداً ينفض صبيان المطر وقال حازم: ألقت توالي خيله أعراقها ... من فوق أطلاء الهوادي والعكا تصاحب الخرصان حين تلتقي ... منه على جماجم مثل العلا معروفة أعراقها ما عرفت ... أعرافها ولا نواصيها سفا معتزة نفوسها مهتزةٌ ... أعطافها إلى الصريخ إن دعا الأطلاء: الأصول، والهوادي: الأعناق، والعكوة: - بالضم - ذنب الدابة، حيث عري من الشعر من مفرزه، تقول: عكوت ذنب الدابة: إذا عقدته، والصخب: الصياح، والخرص: ما على الجبهة من السنان، ويطلق على الرمح، والجمجمة: عظم الرأس المشتمل على الدماغ، والعلاة: الزبرة التي يضرب عليها الحدادة الحديد أو الصخرة، والأعراق: أصول الأشياء، والسفا: خفة الشعر، وهو من عيوب الخيل وما ذكر من تنزيه أعرافها ونواصيها عن السفا ومعرفة أعراقها وأعرافها يدل على عتقها ونجابة أصلها واعتزاز نفوسها واهتزاز أعطافها لإجابة الصريخ، ويدل على كرمها ومبادرة فرسانها لنصرة المضطهد وإغاثة الملهوف. روي أن عبد الملك بن مروان قال لجلسائه: أي المناديل أفخر؟ فقال بعضهم: مناديل مصر كأنها عرقي البيض، وقال البعض: مناديل اليمن كأنها زهر الربيع، فقال: ما صنعتم شيئاً، أفخر المناديل مناديل عبدة بن الطبيب حيث يقول: لما نزلنا ضربنا ظل أجبيةٍ ... وفار للقوم باللحم المراجيل وردٌ أشقر ما يونيه طابخه ... ما قارب النضج منها فهو مأكول ثم انثنينا إلى جرد مسومةٍ ... أعرافهن لأيدينا مناديل زيدت الياء بالمراجل للضرورة، والورد: القطيع من الطير، والأشقر: من الدم: ما صار علقاً. وقال الرمادي: قامت قوائمه لنا بطعامنا ... غضاً وقام العرف بالمنديل وقال امرؤ القيس: وقلت لفتيان كرامٍ ألا انزلوا ... فعالوا علينا فضل بردٍ مطيب ففئنا إلى بيتٍ مدرجٍ ... سماوته من أتحمي معصبٍ وأوتاده عاديّة وعماده ... ردينيةٌ فيها أسنةُ قعضب وأطنابه أشطان خوص نجائب ... وصهوته من أتحمي مشرعب فلما دخلناه أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاري حديد مشطب فظل لنا يوم لذيذ بنعمةٍ ... فقل في مقيل نحسه متغيب كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب نمشُّ بأعرافِ الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواءٍ مضهب ومنها أن تكون طويلة العنق، روي أن عمر بن الخطاب ﵁ دعا بفرسين عربي وهجين للشرب، فتطاول العتيق فشرب لطول عنقه، وتبازخ الهجين، أي: ثنى حافره؛ لقصر عنقه، والبزخ: تطامن الظهر، وإشراف القطاة والحارك، قال امرؤ القيس: ومستفلك الذفرى كأن عنانه ... ومثناته في رأس جذعٍ مشذب

стр. 40

وهذا البت من قصيدة قالها حين تذكر الشعر مع علقمة بن عبدة وادعاه كل منهما فقال له علقمة: قل شعراً تمدح فيه فرسك والصيد، وأنا أقول مثل ذلك، والحكم بيني وبينك أم جندب فقال امرؤ القيس: خليلي مرا بي على أم جندب ... لنقضي لبانات الفؤاد المعذبِ إلى أن قال في وصف الفرس والصيد: وقد أغتدي والطير وفي وكناتها ... وماء الندى يجري على كل مذنب بمنجرد قيد الأوابد لاحهُ ... طرادُ الهوادي كل شأوٍ مغربِ على الأين جياشٌ كأن سراته ... على الضمر والتعداء سرحة مرقب يباري الخنوف المستقل زماعه ... ترى شخصه كأنه عود مشجب له أيطلا ظبي وساقا نعامةٍ ... وصهوة عير قائمٍ فوق مرقب ويخطو على صم صلابٍ كأنها ... حجارة غيل وارسات بطحلب له كفل كالدعص لبده الندى ... إلى حاركٍ مثل الغبيط المذاب وعين كمرآة الصناع تديرها ... بمحجرها من النصيف المنقب له أذنان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورةٍ وسط ربرب ومستفلك الذفرى كأنه عنانه ... ومثناته في رأس جذع مشذب وأسحم ريان العسيب كأنه ... عناكيل قنوٍ من سميحة مرطب إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب يدير قطاة كالمحالة أشرفت ... إلى سندٍ مثل الغبيط المذاب ويخضد في الآري حتى كأنه ... به عرةٌ من طائف غير معقب فيوماً على سرب نقيٍّ جلوده ... ويوماً على بيدانةٍ أم تولب فبينا نعاجٌ يرتعين خميلةً ... كمشي العذارى في الملاء المهدب تراهن من تحت الغبار نواصلاً ... ويخرجن من جعدٍ ثراه منصب فكان تنادينا وعقد عذاره ... وقال صحابي قد شأونك فاطلب فلأياً بلأيٍ ما حملنا غلامنا ... على ظهر محبوك السراة محنب فللساق ألهوب وللسوط درة ... وللزجر منه وقع أهوج منعب فأدرك لم يجهد ولم يثن شأوه ... يمر كخذروف الوليد المثقب ترى الغار في مستنقع القاع لاحباً ... على جدذ الصحراء من شد ملهب خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من عشي مجلب فعادى عداء بين ثور ونعجة ... وبين شبوب كالقضيمة قرهب وظل لقيران الصريم غماغمٌ ... يداعسها بالسمهري المعلب فكاب على حر الجبين ومتقٍ ... بمدرية كأنها ذلق مشعب وقلنا لفتيان كرامٍ ألا انزلوا ... فعالوا علينا فضل ثوبٍ مطنب ففئنا إلى بيتٍ بعلياء مدرج ... سماوته من أتحمي معصب وأوتاده مازيةٌ وعماده ... ردينيةٌ فيها أسنة قعضب وأطنابه أشطان خوص نجائب ... وصهوته من أتحميِّ مشرعب فلما دخلنا أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاري جديد مشطب كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب نمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواءٍ مضهب ورحنا كأنا من جوائي عشية ... نعالي النعاج بين عدل ومحقب وراح كتيس الربل ينفض رأسه ... أذاةً به من صائك متحلب كأن دماء الهاديات بعرفه ... عصارة حناء بشيبٍ مخضب وأنت إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأصهب وأنشد علقمة بن عبدة قصيدته التي مطلعها: ذهبت من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقاً كل هذا التجنب ثم وصف الفرس والصيد بقوله: وقد أغتدي قبل الشروع بسابحٍ ... أقب كيعفور الفلاة مجلب عظيم طويل مطمئن كأنه ... بأسفل ذي ماوان سرحة مرقب كميت كلون الأرجوان نشرته ... لبيع الرداء في الصوان المكعب ممر معقد الأندري يزينه ... مع العتق خلقٌ مفعم غير جانب له حرتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورة وسط ربرب وجوف هواء تحت متن كأنه ... من الهضبة زحلوق ملعب قطاة ككردوس المحالة أشرفت ... إلى سند مثل الغبيط المذأب وغلب كأعناق الضباع مضيغها ... سلام الشظى يغشى بها كل مركب وسمر يفلقن الظراب كأنها ... حجارة غيل وارسات بطحلب إذا ما اقتنصنا لم نخاتل بجنةٍ ... ولكن ننادي من بعيد ألا اركب
следующие страницы →