Полный текст (91 стр.). Показаны 71–91 · переход к 76.
стр. 71
(لحفظ الصحة) : تطعم شحم الحنظل بالعجين في كل شهر مرة، والملح مع العلف يزيل ضرسها ويقوي معدتها وكذا الكسفرة؛ ومما يسمنها إذا كانت هزيلة أن تأخذ ورق الخطمي وتقطعه ناعماً، وتغمره بالماء ثم تنقع فيه الشعيرالمدشش وتعلقها به إلى أن تسمن، وبعد ذلك تعطى من الشعير الصحيح بعد رشه بماء الخطمي أو الحلبة، وإن وضعت في بيت مظلم أربعين يوماً بشرط أن لا تخرج منه، ولا تمسح ولا تتمرغ، وتعلف من الشعير المطحون ضعف ما كانت تأكله من الصحيح صباحاً ومساءً، وتشرب من الماء ضعف ما كانت تشربه أولاً، سمنت وتفقأت شحماً.
تتمة
روى الطبراني في (الأوسط) من حديث أنس بن مالك ﵁: "أن النبيّ ﷺ قال: من ساء خلقه من الرقيق والصبيان والدواب فاقرؤوا في أذنه: "أفغير الله تبغون. وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً، وإليه ترجعون""، وورد أيضاً أنه يقرأ في أذنها سورة الفلق.
وروي: "أن النبيّ ﷺ قال لعلي ﵁ من وصيته -: يا علي إذا ركبت دابة فقل: بسم الله، الحمد لله الذي أكرمنا وهدانا للإسلام، ومن علينا بمحمد ﵇، "الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون"".
خاتمة في المسابقة وما يتعلق بها وفيها خمسة مطالب
المطلب الأول فيما يدل على فضلها وحسن نتيجتها في الشرع والسياسة
روي عن أبي أيوب زيد بن خالد الأنصاري ﵁: "أن النبيّ ﷺ قال: لا تحضر الملائكة من اللهو شيئاً إلاّ ثلاثة: لهو الرجل مع امرأته، وإجراء الخيل، والنضال". وعنه ﷺ : "أحب اللهو إلي إجراء الخيل". وعن مكحول عن وائلة بن الأسقع قال: "أجرى رسول الله ﷺ فرسه الأدهم في خيول المسلمين في المحصب بمكة، فجاء فرسه سابقاً، فجثا رسول الله ﷺ على ركبتيه حتى إذا مر قال: إنه لبحر، فقال عمر بن الخطاب ﵁: كذب الحطيئة في قوله:
وإن جياد الخيل لا تستفزني ... ولا جاعلات العاج فوق المعاصم
فلو كان أحد صابراً عن الخيل، لكان رسول الله ﷺ أولى بذلك". وعن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال: "أجرى رسول الله ﷺ الخيل فسبقت على فرس رسول الله (الظرب) فكساني برداً يمانياً، قال: وقد أدركت بعضه عندنا". وعن الزبير بن المنذر عن أبي سعد قال: "سابق أبو أسيد الساعدي على فرس رسول الله اللزاز فأعطاه حلة يمانية". وعن إبراهيم بن الفضل عن أبي العلاء عن مكحول قال: "طلعت الخيل وقد تقدمها فرس النبي ﷺ ، برك على ركبتيه وأطلع رأسه من الصف وقال: كأنه بحر". وعن مكحول "أنه ﷺ أجرى الخيل يوماً فجاء فرس له أدهم سابقاً وأشرف على الناس، فقالوا الأدهم الأدهم، وجثا رسول الله ﷺ على ركبتيه ومر به وقد انتشر ذنبه وكان معقوداً، فقال ﷺ : إنه لبحر". وعن قتادة "أن رسول الله ﷺ ، أجرى فرسه مع أبي أيوب ﵁ فسبقه فرس المصطفى ﷺ فقال ﷺ : أنا ابن العواتك، إنه لهو الجواد البحر" يعني: فرسه.
وذكر ابن بنين (البحر) في خيله ﷺ ، وقال: "كان فرس اشتراه من تجر قدموا من اليمن فسابق عليه مرات، وجثا ﷺ على ركبتيه ومسح وجهه، وقال: ما أنت إلا بحر". وقال ابن الأثير كان كميتاً، وإذا كان الفرس لا ينقطع جريه فهو بحر تشبيهاً له بالبحر الذي لا ينقطع ماؤه. وروي عن أنس بن مالك قال: "كان ﷺ أجمل الناس وجهاً وأجود الناس كفاً وأشجع الناس قلباً. خرج وقد فزع أهل المدينة، فركب فرساً لأبي طلحة عرياً، - وكان فرساً بطيئاً - فرجع وهو يقول: لن تراعوا لن تراعوا. ثم قال: إني وجدته بحراً". فرسول الله ﷺ أول من وصف الفرس بالبحر.
المطلب الثاني فيما اتفق الأئمة على جوازه من أنواعها وما اختلفوا فيه
стр. 72
ذكر الختلي في كتاب (الفروسية) من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ سابق بين الخيل وجعل بينهما مجالاً، وقال: لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل" زاد أبو البخري - بالخاء المعجمة - قاضي المدينة المنورة في الحديث كلمة (أو جناح) كذباً. فلما بلغ هارون الرشيد ذلك أمر بذبح الحمام فقيل له: ما ذنبها؟ قال: زيادة (أو جناح) في الحديث كذباً على رسول الله ﷺ . ذكر أيضاً حديث عبد الله بن نافع عن عمر ﵁ "أن النبي ﷺ سابق بين الخيل وراهن". وحديث واصل مولى أبي عيينة عن موسى بن عبيدة قال: "قلت لابن عمر: أكنتم تراهنون على عهد النبي ﷺ ؟ فقال: لقد راهن على فرس له". وعن أبي لبيد قال: "قلت لأنس بن مالك: أكان رسول الله ﷺ يراهن على الخيل؟ قال أي: والله لقد راهن على فرس له يقال لها سبحة فسبقت فهش لذلك وأعجبه. وهي فرس شقراء ابتاعها من أعرابي من جهينة بعشر من الإبل؛ وسابق عليها يوم خميس ومد الجعل بيده ثم خلى عنها ومسح عليها، فأقبلت الشقراء حتى أخذ صاحبها العلم، وهي تفر في وجوه الخيل فسميت سبحة الرهان" الجعل: الذي يقع عليه السباق، ويقال لما يوضع في الرهان، والنضال: الخطر، والسبق: - بإسكان الباء - والذرب والقرع والوجب، قال الخطابي: والرواية الصحيحة - بفتح الباء - أي: أن الجعل والعطاء لا يستحق إلا في سباق الخف، أي: ذي الخف، وهي: الإبل أو الحافر، وهي الخيل، أو النصل أي: الرمي بالسهام. وقال أبو الفضل عياض: "لا تجوز المراهنة في غيرهم عند الأئمة الأربعة، وأما الرهان بغيرها فلا يجوزه الأكثر". والمسابقة على الأقدام جائزة؛ لمسابقة النبي ﷺ عائشة، وقد تكون من باب المسابقة المرغب فيها لما فيها من التدريب والتجربة للحاجة إلى السابق على قدميه، كما يحتاج إلى السباق على الخيل، وروي عن عطاء: "السبق في كل شيء جائز" أي: بغير رهان، وإلا كان من باب الميسر المنهي عنه. وعن سعيد بن المسيب "ليس في رهان الخيل بأس، إذا أدخلوا فيها محللاً، ليس دونها إن سبق أخذ السبق، وإن سبق لم يكن عليه شيء". وعن أبي هريرة: "عن النبي ﷺ : من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين، وقد أمن أن يسبق فهو قمار"، فالمحلل: أي الفرس المدخل بين المتسابقين إن كان كفواً يخاف أن يسبقهما فيحرز السبق جاز، وإلا فلا، وكان إدخاله بينهما لغواً. وقال القاضي: "لا خلاف في جواز المراهنة في المسابقة إن أخرج الأمير سبقاً يكون للسابق، ولا فرس له بينهما، أو يخرج أسباقاً أحدها للسابق، والثاني للمصلي، والثالث للتالي وهكذا". ويأخذون السبق على ما اشترط، أو أخرج أحد الناس السبق تطوعاً ولا فرس له في الحلبة؛ لأن ذلك من باب التفضل على السابق وإكرامه به. والمتفق على عدم جوازه: أن يخرج كل من المتسابقين سبقاً ويضعاهما عند مؤتمن والسابق منهما يأخذهما فهذا قمار عند مالك والشافعي وسفيان، وأما إذا كان بينهما محلل إن سبق أحرز السبق وإلا فلا شيء عليه فقد أجازه ابن المسيب، وقال بجوازه مالك مرة، والمشهور عنه عدم جوازه وقال الشافعي: إن سبق المحلل أحرز السبق كله وإن سبق أحد المتسابقين أحرزه وإن تساويا في السبق كان لكل واحد منهما ما أخرجه، وإن سبق أحدهما المحلل، وتأخر الآخر أحرز السابق سبق المتأخر. واختلفوا فيمن أخرج سبقاً وله فرس في الحلبة، واشترط إن سبق حبس سبقه وإن سبق يكون للسابق. فأكثر العلماء أجازه، وهو أحد قولي مالك والشافعي وأبي حنيفة. وقالوا: الأسباق على ملك أربابها وهم فيها على شروطهم، ومنعه مالك في رواية أخرى، وقال: إنما يأخذه من حضر. إن سبق مخرجه، ويجوز السبق على المصارعة. وقد "صارع رسول الله ﷺ ركانة بن عبيد بن زيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف حين لقيه ببطحاء مكة ومعه غنم له، فصرعه النبي ﷺ على سبق، ثم سأله العود فصرعه ثانية فأسلم، فرد النبي ﷺ عليه غنمه. وأول من حرم القمار في الجاهلية الأقرع بن حابس ﵁ وهو أحد حكام العرب في الجاهلية، وكان يحكم في كل موسم -. واشترط لوضع الرهان في المسابقة: أن
стр. 73
تكون الخيل متساوية في الجنس والعدو، فإن كان أحدهما محقق السبق كان الرهن قماراً. وإدخال المحلل لغو، وذلك كمسابقة العراب غيرها، والمضمرة منها غير المضمرة، وقد ميز النبي ﷺ ما ضمر في السباق منفرداً عن ما لم يضمر، وتجوز المسابقة فيهما بغير رهان.
روي عن جعفر بن محمد قال: حدثني أبي: "أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل والإبل". وفي سنة ست من الهجرة: "سابق رسول الله ﷺ ، بين الرواحل فسبق قعود لأعرابي ناقة رسول الله ﷺ . ولم تكن تسبق قبلها، فشق ذلك على المسلمين. فقال ﷺ : "حق على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه". وفي هذه السنة: "سابق بين الخيل فسبق فرس لأبي بكر ﵁". وهما أول مسابقة كانت في الإسلام. ذكره غير واحد من العلماء وروى أبو داود بإسناده: "أن النبي ﷺ سابق بين الخيل، وفضل القرح في الغاية" ويشترط في السباق الأمد.
روي عن موسى بن عقبة عن نافع عن عمر ﵄ قال: "سابق رسول الله ﷺ بين الخيل التي ضمرت، فأرسلها من الحفيا، - وكان أمدها ثنية الوداع -؛ فقلت لموسى: وكم بين ذلك؟ قال: ستة أميال أو سبعة. - وسابق بين الخيل التي لم تضمر فأرسلها من ثنية الوداع، وكان أمدها مسجد بني زريق - قلت: فكم بين ذلك؟ قال: ميل أو نحوه -. وكان ابن عمر ممن سابق فيها، قال ابن عمر: فجئت سابقاً فطفف بي الفرس أي وثب جدار المسجد وكان جداره قصيراً". الحفيا: - بالمد والقصر - موضع بالمدينة، وثنية الوداع: كذلك، وسميت بذلك لأن الخارج منها يودع مشيعه، والميل: أربعة آلاف ذراع، والفرسخ: ثلاثة أميال، والبريد: ثلاثة فراسخ. ويشترط هذا في مسابقة الإبل أيضاً، ووضع الرهان في الرمي لمن سبق، أو أصاب الغرض جائز. ومسابقة الخيل كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، وهي من باب التدريب لا التعذيب، للاحتياج إليها في الكر والفر، واختلف في التدريب بين الندب والإباحة.
فائدة
روى عبد الله بن المبارك عن سفيان قال: "إذا سبق الفرس بأذنه فهو سابق" وهذا محمول على تساوي أعناقها في الطول والقصر، فإن اختلفت كان السبق بالكاهل.
المطلب الثالث في ترتيب خيل الحلبة وذكر أسمائها
الحلبة - بالتسكين - خيل تجمع للسباق من كل أوب، لا تخرج من موضع واحد، وتجمع على حلائب وحلبات. قال الشاعر:
نحن سبقنا الحلبات الأربعا ... الفحل والقرح في شوطٍ معا
وقال سويد بن شداد العبسي يخاطب فرسه:
أناصح أبرز للسباق فإنها ... غداة رهان جمعته الحلائب
فإنك مجلوب علي ضحى غد ... ومالك إن لم يجلب الله جالب
وقال عتاب بن الأصم:
يا حزم قد جد الرهان بالقدم ... ليس عليك اليوم في جري لوم
إن أنت جليت الوجوه ذي اليوم
وموضع المسابقة، يسمى: المبطان، أي: موضع الذي يوطن لترسل منه الخيل، ويسمى: المضمار، قال أبو عبيد الله بن الخطيب:
ما ضرني إن لم أكن متقدماً ... فالسبق يعرف آخر المضمار
ولأن غدا ربع البلاغة بلقعاً ... فلرب كنز في أساس جدار
والمبنى والمبدا: هي غاية مدى السبق المتفق عليه، ويقدرونه بالغلوات قال غيلان الربع:
أمسوا فغادرهن حول المطاء ... بمئتين بغلا الغلاء
والغلوة: منتهى غاية المريح، وهو سهم خفيف يوضع في القوس ويرمى به، بشرط أن يرفع راميه يديه بقدر ما أمكنه، ويضعون السبق على رؤوس قصب الرماح عند منتهى الغاية.
روي أن سعيد بن العاص سابق بين الخيل في الكوفة فجعلها مئة قصبة، وجعل لأخيرها قصبة ألف درهم. ومنه قولهم: (حاز فلان قصب السبق) أو: يبنون في منتهى الغاية بناء يشبه المنارة، ويضعون السبق عليه ويسمونه: (الطربال) ، قال دكين:
حتى إذا كان دوين الظربال ... رجعن منه بصهيل صلصال
مطهم الصورة كالتمثال
وينصبون قبل إرسال الخيل حبلاً يسمونه: (المقوس) يجعل في صدورها لتكون متساوية عند الإرسال، قال الشاعر:
إن البلاء لدى المقوس مخرج ... ما كان من عيب ورجم ظنون
وقال المتنبي:
وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب
стр. 74
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب
أي: أن منزلة الخيل من الإنسان كمنزلة الصديق، فالجياد منهل قليلة وإن كثرت في العدد عند من لم يجربها، وعند الامتحان يكرم الشيء أو يهان. وفي الحديث: "الخيل تجري بأعراقها وعنقها، فإذا وضعت على المقوس جرت بجدود أربابها"، وفي الطلب: على إقبال فرسانها، وفي الهزيمة: على آجالهم، ومن الأمثال: (عند الرهان تعرف السوابق) . وقال الشاعر:
ولا يسبق المضمار في كل موطن ... من الخيل عند الجد إلا عرابها
وقد "نهى النبي ﷺ عن الجلب والجنب في المسابقة"، والجلب: أن يتبع الرجل فرسه، فغن قرب من الغاية زجره وجلب عليه، وهذا مما يعين الفرس على الجري. والجنب: أن يجنب مع الفرس الذي سابق عليه فرساً آخر، فيرسل حتى إذا دنا تحول راكبه على الفرس المجنوب، فأحرز السبق. والأول: من نوع الخديعة وكانوا يرسلون خيل الحلبة عشرة عشرة ولكل واحد منها اسم، فالأول: المجلس ثم المصلي ثم المسلي ثم التالي ثم المرتاح ثم العاطف ثم المؤمل ثم الخطي ثم اللطيم ثم السكيت - بتشديد الكاف، وقد تخفف -.وقال الجاحظ: كانت العرب تعد السوابق ثمانية ولا تجعل لما وراءها حظاً. فأولها: السابق، ويسمى: متجرداً؛ لأنه انجرد من الحلبة وتقدمها، ثم المصلي، ثم المقفي، ثم التالي، ثم العاطف، ثم المزمر، ثم البارع، ثم اللطيم، وما جاء بعد ذلك لا يعتد به. وكانت العرب تلطم وجه التاسع وإن كان له حظ. وقال أبو عبيدة: لم نسمع في سوابق الخيل ممن يوثق بعلمه أسماء لشيءٍ منها، إلا المصلي للثاني، والسكيت للعاشر، وما سوى ذلك يقال له: الثالث والرابع وهكذا إلى التاسع، وحكى المسعودي قال: جاء غلام الرقي إلى المتقي بالله العباسي فتحادثا واتصل الحديث بأخبار الحلائب ومراتب الخيل فيها فقال الغلام: يا أمير المؤمنين أذكر لك قولاً جامعاً أخبرني به كلاب بن حمزة العقيلي قال: كانت العرب ترسل خيلها عشرة عشرة أو أسفل، والقصب تسعة، ولا يدخل الحجر المحجر إلا ثمانية، وهذه أسماؤها: الأول السابق: وهو المجلي؛ لأنه جلى عن صاحبه ما كان فيه من الكرب والشدة، والثاني: المصلي؛ لأنه وضع جحفلة على قطاة المجلي، وهي صلاته، والصلاة: عجب الذنب، والثالث: المسلي؛ لأنه سلى عن صاحبه بعض همه، والرابع: لأنه تلى المسلي، والخامس: المرتاح مأخوذ من راحة الكف؛ لأن فيها خمس أصابع والعربي إذا أومأ إلى خمسة من العدد فتح يده وفرق أصابعه، فالخامس: مثل خامسة الأصابع. والسادس: حظيّاً، فقد أعطى النبي ﷺ السادس قصبة. ذكر ابن بنين: "أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل على حلل أتته من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حلل، والمصلي حلتين، والثالث حلة، والرابع ديناراً، والخامس درهماً، والسادس قصبة. وقال: بارك الله فيك وفي كلكم وفي السابق". ويسمون السابع: العاطف؛ لأنه قد عطف بشيءٍ وإن قل ودخل المحجرة، أي: الحظيرة التي اتخذوها لدخول السابق منها، والثامن: المؤمل تفاؤلاً، كما يسمون الفلاة: مفازة، واللديع: سليماً، لأنه يؤمل سبقه حيث قرب من بعض ذوات الحظوظ، والتاسع: اللطيم؛ لأنه لو رام المحجرة للطم دونها. والعاشر: السكيت؛ لأن صاحبه يسكت حزناً وحياءً، وكانوا يجعلون في عنق السكيت حبلاً، ويجعلون عليه قرداً، ويعطون للقرد سوطاً، فيركضه تعييراً لصاحبه، قال الوليد بن حصين الكلبي:
إذا أنت لم تسبق وكنت مخلفاً ... سبقت إذا لم تدع بالقرد والحبل
وإن تك حقاً بالسكيت مخلفاً ... فتورث مولاك المذلة بالنبل
وأشر بقوله: (فتورث مولاك المذلة بالنبل) إلى ما يفعله البعض من رمي السكيت بالنبل حتى ينجعف، كما يفعل النعمان بن المنذر بفرسه النهب، وكانوا يمسحون وجه السابق. قال ابن عبد ربه:
وإذا جياد الخيل ما طلها المدا ... وتقطعت في شأوها المبهور
فالووا عناني في الحلائب وامسحوا ... مني بغرة أشقر مشهور
وقال جرير:
إذا شئتم أن تمسحوا وجه سابق ... جواد فمدوا في الرهان عنانيا
وقال كلاب بن حمزة: لم نعلم أحداً من العرب في الجاهلية والإسلام وصف خيل الحلبة العشرة بأسمائها وصفاتها ومراتبها غير محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان بقوله:
стр. 75
شهدنا الرهان غداة الرهان ... بجمعية ضمها الموسم
نقود إليها مقاد الجميع ... ونحن بصنعتها أقوم
غدونا بمقوورة كالقداح ... غدت بالسعود لها الأنجم
مقابلة نسبة في الصريح ... فها هي للأكرم الأكرم
فمنهن أحوى طمر أغر ... يفوت الخطوط إذا يلجم
تلألأ في وجهه قرحة ... كأن تلألؤها المرزم
ومنها كميت بهي الصفات ... وأشقر ذو غرة أرثم
وأدهم ليس له غرة ... لقد حاز من فضلها الأدهم
فقيدت لمدخور ما عندها ... لمنتظري أنها تنجم
عليهم سحم صغار الشخوص ... وكالأسد صوتاً إذا تنجم
كأنهم فوق أثباجها ... زرازير في نعف حوم
فصفت على الحبل في محضر ... يلي أمره ثقة مسلم
تراضوا به حكماً بينهم ... فبالحق بينهم يحكم
وربك بالسبق عن ساعة ... من الناس كلهم أعلم
فقلت ونحن على جدة ... من الأرض نيرها مظلم
لقد فرغ الله مما يكون ... ومهما يكن فهو لا يكتم
فأقبل في إثرنا نافر ... كما يقبل الوابل المنجم
وأتبع فوضي مرفضة ... كما أرفض من سلكه المنظم
أو السرب سرب القطا راعه ... من الجو شواذنق أظلم
فواصل من كل سقط له ... كأن عنابيبها العندم
وللمرء من قدح ما تستثير ... سنابكهن سنا يحذم
فجلى الأغر وصلّى الكميت ... وسلى فلم يذمم الأدهم
وأردفها رابع تاليا ... وأين من المنجد المتهم
وما ذم مرتاحها خامساً ... وقد جاء يقدم ما يقدم
وجاء الحظي لها سادساً ... فأسهم حصته المسهم
وسابعها العاطف المستحير ... يكاد لحيرته يحرم
وجاء المؤمل فيما نجيب ... وغنى له الطائر الأشيم
حذى سبعة وأتى ثامناً ... وثامنه الخيل لا تسهم
وجاء اللطيم لها تاسعاً ... فمن كل ناحية يلطم
يخيب السكيت على إثره ... حياؤه من خزيه أعظم
كأن جوانبه بين ذي ... جمانة نيط بها قمقم
على ساقة الخيل يعدو به ... مليماً وسائسه ألوم
إذا قيل من رب ذا لم يجب ... من الخزي بالصمت مستعصم
ومن لا يقد للحلاب الجياد ... وشيكاً لعمرك إن يندم
وما ذو اقتضاب لمحمولها ... كمن ينتميها ويستلزم
فرحنا بسبق شهرنا به ... ونيل به الفخر والمغنم
وأحرزنا عن قصبات الرهان ... رغائب أمثالها تقسم
بروداً من القصب موشية ... وأكيسة الخز والملحم
فراحت عليهن منشورة ... كأن حواشيهن الدم
ومن ورق صامت بدرة ... ينوء بها الأغلب الأعصم
ففضت لهن خواتيمها ... وبدرتنا الدهر لا تختم
نوزعها بين خدامها ... ونحن لها منهم أخدم
وإنا لنرتبط المعربا ... ت في اللدنات فلا ترزم
نعدلها المحض بعد الثليث ... كما يصلح الصبية المطعم
ونخلطها بصميم العيال ... بمن لم يخب وهو المحرم
مشاربها الصافيات العذاب ... ومطعمهن هو المطعم
فهن بأكناف أبياتنا ... صوافهن يصلهن أو حؤم
ونظمها الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي بقوله:
قالوا المجلي أول ثم المصلي بعده ... ثم المسلي ثالث والتالي طرف رابع
والخامس المرتاح ثم عاطف سادسهم ... ثم الحظي بعده وهو الجواد السابق
والثامن مؤمل ثم اللطيم تاسع ... سكيتهم عاشرهم أهلة طوالع
فكلهم آخرهم فلا يعد فيهم=إن المجلي أول وتسعة توابع ثم قال: المحفوظ عن العرب السابق ثم المصلي والسكيت الذي هو العاشر، والسابق هو الأول وهو المجلي والمبرز، وسائر ما ذكر من الأسماء؛ فإن بعض الحفاظ من أهل اللغة قال: أراها محدثة، والله أعلم.
المطلب الرابع فيما ورد فيها عن الملوك والأمراء
стр. 76
اعلم أن أكثر ما يتفاخرون باقتنائه ويتباهون بالاعتناء به، ارتباط كرائم الخيل يجلبونها من الآفاق، ويسبرون عتاقها بحسن السباق، ويتخذون طراد الحلبة ميدان مراحهم ومضمار انشراحهم، ويحتفلون ليومه، ويستدعون لشهوده الأعيان، ويستحضرون لمشاهدته ذوي الخبرة والفرسان. ولا ريب في أن الملوك بهذه الوسيلة يتوصلون إلى حماية ملكهم إذ لا يحامي عنه إلاّ كل شجاع جواد على متون الصافنات العتاق فبها يملؤون قلوب الأعداء رعباً، ويذيقونهم نكال الحرب طعناً وضرباً.
ذكر أبو الفرج الأصبهاني أن المهدي العباسي أجرى الخيل فسبقها فرسه الغضبان، فطلب الشعراء فلم يجد منهم أحداً غير أبي دلامة، فقال له: قلده يا يزيد، فقلده عمامته ليضحكه بذلك، فقال له المهدي: يا ابن الخنا أنا أكثر منك عمائم، إنما أردت أن تقلده شعراً، ثم قال: يا لهفي على العماني، فأحضروه فقال له: قلد فرسي هذا فقال:
قد غضب الغضبان إذ جد الغضب ... وجاء يحمي حسباً فوق الحسب
من إرث عباس بن عبد المطلب ... وجاءت الخيل به تشكو النصب
له عليها ما لكم على العرب
فقال المهدي: أحسنت والله! وأمر له بعشرة آلاف درهم. وقال ابن الأعرابي: أجرى هارون الرشيد خيله فجاء فرسه المشمر سابقاً، وكان معجباً به، فأمر الشعراء أن يصفوه فقال أبو العتاهية:
جاء المشمر والأفراس يقدمها ... هوناً على رسله منها وما انبهرا
وجاء الريح حسرى وهي جاهدة ... ومر يختطف الأبصار والنظرا
وذكر المسعودي: أن الرشيد أجرى الخيل، فلما أرسلت صار إلى مجلسه في صدر الميدان حيث توافى إليه الخيل، فكان في أوائلها سوابق من خيله، يقدمها فرسان في عنان واحد، لا يتقدم أحدهما على صاحبه فتأمل أحدهما فقال: فرسي والله، ثم تأمل الآخر فقال: فرس ابني المأمون. فكان فرسه السابق وفرس المأمون ثانية فسر بذلك. فلما انقضى المجلس وهم بالانصراف، قال الأصمعي: - وكان الفضل بن الربيع حاضراً - فقلت: يا أبا العباس! هذا يوم من الأيام، فأحب أن توصلني إلى أمير المؤمنين. فقام الفضل وقال: يا أمير المؤمنين هذا الأصمعي يذكر شيئاً من الفرسين يزيد الله بن أمير المؤمنين سروراً، فقال: هاته فلما دنا قال: ما عندك يا أصمعي؟ قال: يا أمير المؤمنين كنت وابنك اليوم والفرسين كما قالت الخنساء:
جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر
حتى إذا بدت القلوب وقد ... لزت هناك القدر بالقدر
وهما كأنهما وقد برزا ... صقران قد حطا على وكر
برزت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر
وذكر المقريزي: أن العزيز بالله سابق بين الطيور، فسبق طائر الوزير يعقوب طائر العزيز، فشق ذلك على العزيز، ووجد أعداء الوزير سبيلاً إلى الطعن فيه، فكتبوا إلى العزيز أنه قد اختار من كل صنف أعلاه، ولم يترك لأمير المؤمنين إلاّ أدناه حتى الحمام فبلغ ذلك الوزير فكتب إلى العزيز:
قل لأمير المؤمنين الذي ... له العلا والمثل الثاقب
طائرك السابق لكنه ... لم يأت إلاّ وله حاجب
فأعجب العزيز ذلك، ولم يلتفت للواشي. وقال ابن ظافر: ركب المعتمد على الله أبو القاسم بن عباد للنزهة بظاهر إشبيلية في جماعة من ندمائه وخواص شعرائه: فلما أبعد أخذ في المسابقة فجاء فرسه بين البساتين سابقاً فرأى شجرة تين قد أينعت وبرزت منها ثمرة قد بلغت وانتهت، فسدد إليها عصا كانت بيده فأصابها وثبتت على أعلاها، فأطربه ما رأى من حسنها وثباتها، ثم التفت إلى ابن جامع الصباغ فقال له أجز:
كأنها فوق العصا فقال ... هامة زنجي عصى
فزاد سروره بحسن ارتجاله وأجزل جائزته. وقال الوزير عبد الغفور الكاتب يصف فرساً أشهب للأمير يحيى بن سير جاء سابقاً:
يا ملكاً لم يزل قديماً ... بكل علياء جد وامق
وسابقاً في الندى أتتنا ... جياده في المدى سوابق
لله منها أسيل خدٍّ ... أهريت شدقيه كالجوالق
حديد قلب حديد طرف ... ذو منكب يشبه البواسق
ذو جشة في الصهيل دلت ... منه على أكرم الخلائق
أشهب كالرجع مستطير ... كأنه الشيب في المفارق
стр. 77
خب غداة الرهان حتى ... أجهد في إثره البوارق
ما أنس لا أنس إذ شالها ... مشربات مثل البواشق
وبدها شزباً عتاقاً ... لم ترض عن خصرها العواتق
فقمن يمسحن منه رشحاً ... مطيبات به المخانق
أفديه من شافع لبيض ... قد كن عن بغيتي عوائق
أنضع منه لرأي عيني ... سود عذار الفتى الغرانق
وحكي أن الحجاج كتب إلى قتيبة بن مسلم، أنه قد اجتمعت جياد خيل العرب بخراسان فاكتب إلى أهل الكور وأمرهم بإجراء الخيل وابعث إلي بسوابقها. فبعث إليه بفرسه الأشقر والرؤاسي وهما أبناء الحميراء، فجاءت بهما رسله، فعرض لهما لص يسمى أشكاب، فسرق الأشقر وجاؤوا بالرؤاسي إلى عبد الملك بن مروان فاستوهبه منه أخوه بشر فوهبه إياه. فكانت خيل بشر من بناء الرؤاسي، وهي سوابق الخيل في العراق. وحكي أن بشراً سابق بفرسه من بنات الرؤاسي خيل يوسف بن عمر فسبقها فشق عليه ذلك. وبعد مدة قيل ليوسف بن عمر ألا تجري الخيل؟ فقال: الآن ابعثني وابعث بالسبق إلى عبد الملك، لأن بشراً حمل بعض الرؤاسي على بعض، فرققن وضعفن، والزائدية أغلظ منها وأقوى، وسمي الرؤاسي لأن رجلاً من سليم يسمى عبد الملك رأس استوهب ما في بطن الحميراء من معقل بن عروة فوهبه إياه. فلما وضعته أعجب معقل، فقال لعبد الملك: دعه وأهب لك ما شئت، فأبى فقال معقل: إذن لا ألبؤه لك فقال: هاته. فأخذه واشترى له برزونة، حين وضعت فألبأه منها ثم خدمه حتى أجدع، فأرسله في الحلبة فلم يصنع شيئاً ثم أثنى فأرسله في الحلبة فلم يصنع شيئاً. فأعاره إلى رجل من دهاقين خراسان، فابتذله فانتسب أي رجع إلى نسبه ونزع إلى عرقه بعد ما أربع، فكان سابقاً لا يجارى، وكان معقل خبيراً بالخيل، فإذا أجريت استدبرها فأيها كان أدنى سنبكاً من الأرض سابق عليه، فالزائدية سوابق خيل الشام، والرؤاسية سوابق خيل العراق. وحكى المسعودي: أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك كان مغرماً بالخيل وجمعها للحلبة؛ وكان فرسه السندي جواداً سابقاً إلاّ أنه يقصره في الحلبة عن فرس هشام المعروف بالزائد. وربما جاء معه مصلياً، فأجرى الوليد الخيل يوماً بالرصافة، وكانت الحلبة ألف قارح، فوقف بها ينتظر الزائد ومعه سعيد بن العاص، وكان جواده المصباح فيها فلما طلعت الخيل قال الوليد:
خيلي ورب الكعبة المحرمة ... سبقن أفراس الرجال اللومة
كما سبقناهم وحزنا المكرمه
فأقبل فرس يسمى الوضاح أمام الخيل فلما دنا صرع فارسه وأقبل المصباح فرس سعيد يتلوه وعليه فارسه فقال سعيد:
نحن سبقنا اليوم خيل اللومه ... وصرف الله إلينا المكرمه
كذاك كنا في الدهور المقدمه ... أهل العلا والرتب المعظمه
فضحك الوليد لما سمعه، وخشي أن يسبق فرس سعيد فركض فرسه حتى ساوى الوضاح، فقذف بنفسه عليه ودخل سابقاً. ثم عرضت على الوليد الخيل في الحلبة الثانية، فمر به فرس لسعيد فقال: لا نسابقك أبا عنيسه وأنت القائل: (نحن سبقنا اليوم خيل اللومة) فقال سعيد: ليس كذا يا أمير المؤمنين، وإنما قلت (نحن سبقنا اليوم خيلاً لومه) فضحك الوليد وضمه إلى نفسه وقال: لا عدمت قريش أخا مثلك. وقال الأصمعي: حدثني ابن قتب قال: قدم أعرابي من أهل نجد على الوليد بن عبد الملك وقد ضمر الخيل للمسابقة، فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين أريد أن أرسل خيلي مع خيلك، فقال: كيف تراها فقال: حجازية لو ضمها مضمارك ذهبت. فقال له الوليد: ما اسمك؟ قال: أسيلم بن الأحنف، فقال له: إنك لمنقوص الاسم أعوج اسم الأب. ثم أرسلت الخيل فسبق الأعرابي على فرسه حزمة. فقال له الوليد: أواهبها أنت لي؟ قال: إنها قديمة الصحبة ولها حق، ولكني أحملك على مهر لها قد سبق عاماً أول، وهو في بطنها له تسعة أشهر والمهر إذا أتت عليه عشرة أشهر في بطن أمه ربض، أي: تحرك. وقال أيضاً: كان ابن هشام بن عبد الملك يعتني بشأن الخيل حتى أن خيله لا تكاد تسبق فسبقت له فرس وصلت أختها ففرح بذلك، وقال: عليَّ بالشعراء، قال أبو النجم فدعينا له فقال: قولوا في هذه الفرس وأختها. فطلب الشعراء منه المهلة، وقلت مرتجلاً:
أشاع للغراء فينا ذكرها ... قوائم عوج أطعن أمرها
وما نسينا بالطريق مهرها ... حين نقيس قدره وقدرها
стр. 78
وصبره إذا عدا وصبرها ... والماء يعلو نحره ونحرها
مملومة شد المليك أسرها ... أسفلها وبطنها وظهرها
قد كان هاديها يكون شطرها
قال أبو النجم: فأمر لي بجائزة وانصرف القوم. وقال أيضاً:
ثم سمعنا برهان نأمله ... قيد له من كل أفق جحفله
فقلت للسائس قد أعجله ... عدواً ولعناً في الرهان نرسله
نعلو به الحزن ولا نسهله ... إذا علا الأخشب صاح جند له
ترنم النوح يبكي مثكله ... كان في الصوت الذي يفصله
زمار دف يتغنى جلجله ... حتى وردنا المصر يطوي قنبله
طي التجار العصب إذ تنخله ... وقد رأينا فعلهم فنفعله
وأبتع الأيدي منه أرجله ... قمنا على هول شديد وجله
نمد حبلاً فوق خط نعد له ... نقول قدم ذا وهذا أدخله
وقام مشقوق القميص يعقله ... فوق الخماسي قليلاً يفضله
أدرك عقلاً والرهان عمله ... حتى إذا أدرك خيلاً مرسله
ثار عجاج مستطير قسطله ... تنفش منه الخيل ما لا تغزله
مرا يغطيها ومرا تجعله ... مر القطا صب عليه أجدله
وهو رخي البال سام دهله ... قدامها ميلاً لمن يمثله
تطيره الحن وحيناً ترجله ... تسبح أخراه ويطفو أوله
ترى الغلام ساجياً ما تركله ... تعطيه ما شاء وليس يسأله
كأنه من زبد تسربله ... في كرسف النداف لولا بلله
تخال مسكاً عله معلله ... ثم تناولنا الكلام نشرله
عن مقرع الكتفين حلو عطله ... منتفخ الجوف عريض كلكله
فوافت الخيل ونحن فشكله ... والجن عكاف به نقبله
ومما أدرك عليه قوله: "تسبح أخراه ويطفو أوله" مع أنه كان وصافاً للخيل، لأن اضطراب مؤخره قبيح. قال الأصمعي: إذا كان الفرس كذلك، فحمار الكساح أسرع منه، وإنما الوجه فيه ما قيل في وصف فرس أبي الأعور السلمي:
مر كلمع البرق سام ناظره ... يسبح أولاه ويطفو آخره
فما يمس الأرض منه حافره
وقال المسعودي: إن هشاماً. كان يستجيد الخيل وأقام الحلبة مرة، فاجتمع فيها من خيله وخيل غيره أربعة آلاف فرس، ولم يسمع بمثل ذلك جاهلية ولا إسلاماً. ونقل الأصمعي: أن الرشيد ركب في سنة خمس وثمانين ومئة إلى الميدان لشهود الحلبة، فدخلت فيمن شهدها من خواص أمير المؤمنينوالحلبة يومئذ أفراس الرشيد ولولديه الأمين والمأمون وسليمان بن أبي جعفر المنصور، وعيسى بن جعفر، فجاء الأدهم فرس الرشيد سابقاً. فظهرت علامة السرور بوجهه، وقال عليَّ بالأصمعي. فأقبلت سريعاً حتى مثلت بين يديه فقال: خذ بناصية هذا الريد، ثم صفه من قونسه إلى سنبكه، فإنه يقال أن في الخيل عشرين اسماً من أسماء الطير، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، وأنشدك شعراً جامعاً من قول أبي حرزة قال: فأنشد لله أبوك، فأنشدته:
وأقب كالسرحان تم له ... ما بين هامته إلى النسر
رحبت نعامته ووقر فرخه ... وتمكن الصردان في النحر
وأناف في العصفور في سعف ... هام أشم موثق الجذر
وازدان بالديكين صلصله ... ونبت دجاجته عن الصدر
والناهضان أمر حلزهما ... فكأنما عثما على كسر
مسحنفر الجنبين ملتئم ... ما بين شيمته إلى الغر
وصفت سماناه وحافره ... وأديمه ومنابت الشعر
وسما الغراب لموقعيه معاً ... فأبين بينهما على قدر
وتقدمت عنه القطاة له ... فنأت بموقعها عن الحسر
واكتن دون قبيحه خطافه ... ونأت ثمامته عن الصقر
وسما على نقويه دون حداثه ... خربان بينهما مدى الشبر
يدع الرضيم إذا جرى قلقاً ... بقوائم كمواسم سمر
ركبن في محض الشوى سبط ... كفت الوقوب مشدد الأسر
стр. 79
الأقب: الضامر، والسرحان: الذئب، والهامة: أعلى الرأس، والنسر: لحمة في باطن الحافر، وهما اسما طائرين، والنعامة: جلدة الرأس، والفرخ: مقدم الدماغ، والصردان: عرقان ملتفان في باطن اللسان، وبياض يكون في الظهر من أثر الدبر، وهما من أسماء الطير، والعصفور: أصل منبت الناصية، وعظم ناتئ في الجبين، والغرة إذا سالت ورقت ولم تتجاوز العينين, وهو اسم طائر، والسعف: سيلان الناصية، وهام: انتشر، والأشم: المرتفع، والموثق: الجديد القوي، والجذر: الأصل من كل شيء، والديكان: عظمان ناتئان خلف الأذنين، والصلصل: بياض في طرف الناصية، والدجاجة: لحمة زوره، والناهض: لحم العضد من أعلاه، واسم لفرخ الطائر الذي وقر جناحه. وقوله (أمر حلزهما) : أي أحكم فتلهما، وعثما: أي جرى، والمسحنفر: المنتفخ، والملتئم: المعتدل، والشيمة: المنخر، والفر: عضلة الساق، وهي اسم الرخمة والسماني: الدائرة التي في صفحة العنق، وهو اسم طائر يشبه الخطاف، والغراب: رأس الورك، ويقال للصليان: غرابان، وهما مكتنفا عجب الذنب، والقطاة: مقعد الردف، وهي من أسماء الطير، والحر: سواد في ظاهر الأذنين، وهو اسم ذكر الحمام، والخطاف: ما أدرك عقب الفارس إذا حرك رجليه، ويقال له: المركن، وهو اسم طائر، والصقر: دائرة خلف موضع لبد الدابة، وهو اسم طير، والنقم: عظم الورك، واسم ذكر الحبارى، والحدأة: سالفة الفرس، وهي اسم طائر، والرخيم: الحجارة، والتوائم: الحوافر، والموسم: موسم الحديد شبهها به في الشدة، والشوى: القوائم.
ونظمها جلال الدين السيوطي فزادت على الثلاثين بقوله:
الفرخ والناهض والنعامه ... والصقر واليعسوب والحمامه
والنسر والعصفور ثم الهامه ... والديك والكرسوع والسمانه
والصر والفراش والغراب ... والخرب والفرة والذباب
والزرق والصلصل والسحاة ... والساق والخطاف والقطاة
والحر والأسقع والسعدانه ... والجراد والعقاب والسمانه
كذاك ثم حدأة وورشان ... ومثله رخمة إنسان
هذا تمام نظمي المهذب ... والحمد لله بنيل المطلب
وقال أبو سراج الضبي إن صرد بن شداد اليربوعي عم مالك بن نورة سابق أبا سراج على فرس له تسمى بذوة، وفرس صرد تسمى: القطيب فسبق أبو سراج وقال:
ألم تر أن بذوة إن جرينا ... وجد الجدو منا والقطيبا
كأن قطيبهم يتلو عقاباً ... على الصلعاء رازنة طلوبا
ثم سرى الشر بينهما إلى أن احتال أبو سراج على صرد وسقاه منيّ عبدٍ له في عس حلب عليه فشربه، فانتفخ فمات.
قال الأخطل فيهم:
يعب الخمر وهي شراب كسرى ... ويشرب قومك العجب العجيبا
منيُّ العبد عبد أبي سراج ... أحق من المدامة أن تعيبا
وقال العلامة أبو عبد الله محمد بن يوسف الثغري كاتب سلطان تلمسان من أعمال الجزائر، أبي حمو موسى بن يوسف الزياتي يصف حلبة جياده:
قم مبصراً زمن الربيع المقبل ... تر ما يسر المجتني والمجتلي
وانشق نسيم الروض مطلولاً وما ... أهداك من عرف وعرف فاقبلِ
وانظر إلى زهر الرياض كأنه ... در على لبات ربات الحلي
في دولة فاضت يداها بالندى ... وقضت بكل منى لكل مؤملِ
بسطت بأرجاء البسيطة عدلها ... وسطت بكل معاند لم يعدل
سلطانها المولى أبو حمو الرضا ... ذو المنصب السامي الرفيع المعتلي
تاهت تلمسان بدولته على ... كل البلاد بحسن منظرها الجلي
راقت محاسنها ورق نسيمها ... فحلا بها شعري وطاب تغزلي
عرج بمنعرجات باب جيادها ... وافتح بها باب الرجاء المقفل
ولتغدو للعباد منها غدوة ... تضحى هموم النفس عنك بمعزل
وضريح تاج العارفين شعيبها ... زره هناك فحبذا ذاك الولي
فمزاره للدين والدنيا معاً ... تمحى ذنوبك أو كروبك تنجلي
وبكهفها الضحاك قف متنزهاً ... تسرح نفوسك في الجمال الأجمل
وتمشَّ في جناتها ورياضها ... واجنح إلى ذاك الجناح المخضل
يسليك في دوحاتها وتلاعها ... نغم البلابل واطراط الجدول
وبربوة العشاق سلوة عاشق ... فتنت وألحاظ الغزال الأكحل
بنواسم وبواسم من زهرها ... تهديك أنفاساً كعرق المندل
стр. 80
فلو امرؤ القيس ابن حجر زارها ... قدماً تسلى عن معاهد ماسل
لو حام حول فنائها وظبائها ... ما كان مختفلاً بحومة حومل
فاذكر لها كلفي بسقط لوائها ... فهواي عنها الدهر ليس بمنسل
كم جاد فيها الزمان بمطلب ... جادته أخلاق الغمام المسبل
واعمد إلى الصفصيف يوماً ثانياً ... وبه تسل وعنه دوماً فاسأل
وإذا تراه من الأزاهر خالياً ... أحسن بعه عطلاً وغير معطل
ينساب كالإثم انسياباً دائماً ... أو كالحسام جلاه كف الصيقل
فزلاله في كل قلت قد حلا ... وجماله في كل عين قد حلي
واقصد بيوم ثالث فوارة ... وبعذب منهلها المبارك فانهل
تجري على در لجيناً سائلاً ... أحلى وأعذب من رحيق سلسل
وأشرف على الشرف الذي بإزائها ... لترى تلمسان العلية من عل
تاج عليه من المحاسن بهجة ... أحسن بتاج بالبهاء مكلل
وإذا علشية شمسها مالت فمل ... نحو المصلى ميلة المتمهل
وبملعب الخيل الفسيح مجاله ... أجل النواظر في العتاق الجفل
فلحلبة الأشراف كل عشية ... لعب بذلك الملعب المتسهل
فترى المجلي والمصلي خلفه ... وكلاهما في جريه لا يأتلي
هذا يكر وذا يفر فينثني ... عطفاً على الثاني عنان الأول
من كل طرف كل طرف يستبي ... قيد النواظر قتنة المتأمل
ورد كأن أديمه شفق الدجى ... أو أشهب كشهاب رجم مرسل
أو أحمر قاني الأديم كعسجد ... أو أشقر يزهو بعرف أشعل
أو من كميت لا نظير لحسنه ... سام معم في السوابق مخول
أو أدهم كالليل إلاّ غرة ... كالصبح بورك من أغر محجل
جمع المحاسن في بديع شياته ... مهما ترق العين فيه تسفل
عقبان خيل فوقها فرسانها ... كالأسد تنقض انقضاض الأجدل
فرسان عبد الواد آساد الوغى ... حامو الذمار أولو الفخار الأطول
فإذا دنت شمس الأصيل لغربها ... فإلى تلمسان الأصيلة فادخل
من باب ملعبها لباب حديدها ... متنزهاً في كل ناد أحفل
وتأن من بعد الدخول هنيهة ... واعدل إلى قصر الإمام الأعدل
فهو المؤمل والديار كناية ... والسر في السكان لا في المنزل
وقال الوزير أبو عبد الله بن زمرك الكاتب في وصف جياد السلطان الغني بالله:
لك الجياد إذا تجري سوابقها ... فللرياح جياد ما تجاريها
إذا انبرت يوم سبق في أعنتها ... ترى البروق طلاحاً لا تباريها
من أشهب قد بدا صبحاً تراع له ... شهب السماء فإن الصبح يفخيها
إلاّ التي في لجام منه قيدها ... فإنه سامها عزّاً وتنويها
أو أشقر مرعب شقر البروق وقد ... أبقى لها شفقاً في الجو تنبيها
أو أحمر جمرة في الحرب متقد ... يعلو لها شرر من بأس مذكيها
لون العقيق وقد سال العقيق دماً ... بعطفه من كماة كاد يدميها
أو أدهم ملء صدر الليل تنعله ... أهلة فوق وجه الأرض يبديها
إن حارت الشهب ليلاً في مقلده ... فصبح غرته بالنور يهديها
أو أصفر بالعشيات ارتدى مرحاً ... وعرفه بتمادي الليل ينبيها
مموه بنضار تاه من عجب ... فليس يدعم تنويهاً ولا تيها
وقال ابن الأحمر من قصيدة يمدح بها السلطان الغني بالله ويذكر جياد خيله:
والعاديات إذا تلت فرسانها ... آي القتال صفوفها تترتل
لله خيلك إنها لسوابح ... بحر القتام وموجه متهيل
من كل برق بالثريا ملجم ... بالبدر يسرج والأهلة ينعل
أوفى بهادٍ كالظليم وخلفه ... كفل كما لاح الكثيب الأهيل
هن البوارق غير أن جيادها ... عن سبق خيلك يا مؤبد تنكل
غداة غدت من أبلق ومجزع ... وورد ويحموم وأصدى وأشقرا
ومن أدرع قد قنع الليل حالكاً ... على أنه قد سربل الصبح مسفرا
وأشعل وردي وأصفر مذهب ... وأدهم وضاح وأشهب أقمرا
وذي كمتة قد نازع الخمر لونها ... فما تدعيه الخمر إلاّ تنمرا
محجلة غراً وزهراً نواصعاً ... كأن قباطياً عليها منسرا
وأدهماً إذا استقبلن كأنما ... عللن إلى الأرساغ مسكاً وعنبرا
стр. 81
يقر بعيني ما أرى من صفاتها ... ولا عجب أن يعجب العين ما ترى
أرى صوراً يستعبد النفس مثلها ... إذا وجدته أو رأته مصورا
أفكه منه الطرف في كل شاهد ... لأن دليل الله في كل ما ترى
وقال البحتري يصف حلبة المتوكل على الله العباسي:
يا حسن مبدى الخيل في بكورها ... تلوح كالأنجم في ديجورها
كأنما أبدع في تشهيرها ... وصور الحسن على تصويرها
تحمل غرباناً على ظهورها ... في السرق المنقوش من حريرها
إن حاذروا النبوة من نفورها ... أهدوا بأيديهم إلى نحورها
كأنها والحبل في صدورها ... أجادل ينهض في سيورها
مرت تباري الريح في مرورها ... والشمس قد غابت ضياء نورها
والرهج الواسع من تدويرها ... حتى إذا أصغت إلى مديرها
وانقلبت تهبط في حدورها ... تصوب الطير إلى وكورها
في حلبة تضحك عن بدورها ... صار الرجال شرفاً لسورها
أعطي فضل السبق من جمهورها ... من فضل الأمة في أمورها
المطلب الخامس في اسماء خيل النبيّ ﷺ والمشهور من خيل العرب
اعلم أن العرب لمحتبهم بالخيل واعتنائهم بها، يضعون لها أسماء كما يضعونها لأولادهم، وقد وضع النبيّ ﷺ أسماء لبعض خيله فمنها: السكب، روى ابن سعد عن الواقدي عن أبي خيثمة عن أبيه قال: "أول فرس ملكه النبيّ ﷺ فرس ابتاعه في المدينة من رجل من بني فزارة بعشرة أواق وكان اسمه عند الأعرابي الضرس، فسماه ﷺ السكب، فكان أول ما غزا عليه".
قال ابن حبيب البغدادي: كان كميتاً أغر محجلاً مطلق اليمين: وعن عطاء بن دينار عن ابن عباس ﵄ قال: "كان للنبي ﷺ فرس أدهم يسمى السكب".
وقال أبو منصور الثعالبي: إذا كان الفرس خفيف الجري سريعه فهو فيض وسكب، أي: يشبه فيض الماء وانسكابه.
ومنها: المرواح، ذكر ابن سعد في وفادات العرب عن أسامة بن زيد قال: "قدم على النبيّ ﷺ خمسة عشر رجلاً من الرهاويين - وهم حي من مذحج - وأهدوا إليه هدايا منها فرس يقال له المرواح، فأمر به فشور بين يديه"، والمرواح - بكسر الميم -، مشتق من الريح، ويمسى بذلك لسرعته في الجري، وقوله: (فشور) أي: عرض، والمشور: المكان الذي يعرض فيه الدواب.
ومنها: المرتجز ابن الملاءة.
стр. 82
روى ابن سعد عن الواقدي قال: سألت محمدة بن أبي خيثمة عن المرتجز، فقال: هو الفرس الذي اشتراه النبيّ ﷺ من الأعرابي الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت وكان الأعرابي من بني مرة. قال الزهري: أخبرنا عمارة بن خزيمة الأنصاري أن عمه حدثه "أن النبيّ ﷺ ابتاع فرساً من أعرابي، فأشبعه النبيّ ﷺ لتقضيه عن فرسه، فأسرع النبيّ ﷺ المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومون الفرس، لا يشعرون أن النبيّ ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم للأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه به النبيّ ﷺ ، فنادى الأعرابي النبيّ ﷺ فقال: إن كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه، وإلا بعته، فقام النبيّ ﷺ فقال: أليس قد ابتعته منك؟ قال: لا، فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ والأعرابي، وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيداً يشهد أني بايعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبيّ ﷺ لا يقول إلاّ حقاً، حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبيّ ﷺ ومراجعة الأعرابي فطفق يقول: هلم شهيداً يشهد أني قد بايعتك، فقال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبيّ ﷺ على خزيمة فقال: بم تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل النبيّ ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين" وفي رواية: "أن النبيّ ﷺ قال لخزيمة: لم تشهد ولم تكن معنا. قال: يا رسول الله إن نصدقك بخبر السماء أفلا نصدقك بما تقول". وقيل: "اشتراه من الحارث بن ظالم"؛ قال ابن الأثير: وكان أبيض، وإنما سمي المرتجز لحسن صهيله، مأخوذ من الرجز، ضرب من الشعر، قال ابن قتيبة: وفي رواية: اسمه الطرف - بكسر الطاء - أي الكريم من الخيل، وقيل: اسمه النجيب. ومنها: البحر، قال ابن بنين: "اشتراه النبيّ ﷺ من تُجُر قدموا من اليمن فسابق عليه مرات". وقال ابن الأثير: "كان كميتاً". وفي رواية: "أدهم". ومنها: سبحة، قال ابن بنين: "وهي فرس شقراء ابتاعها ﷺ من أعرابي من جهينة بعشر من الإبل وسابق عليها ومد الجعل بيده الشريفة". ومنها: ذو اللمة، ذكره ابن حبيب في خيله ﷺ . ومنها: ذو العقال - بضم العين وتشديد القاف وتخفف - والعقال: الضلع الذي يلي قوائم الدابة. ومنها: اللحيف، ففي البخاري عن ساعدة الساعدي عن أبيه عن جده قال: "كان لرسول الله ﷺ في حائطنا فرس، يقال له اللحيف" - بالحاء المهملة -، فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه كان يلحف الأرض بذنبه، لطوله، وقيل: بضم اللام وفتح الحاء مصغر، وقيل: بالنون بدل اللام -.
ومنها: لزاز = بلام مكسورة وزايين - أي: لا يسابقه فرس إلاّ لاصقه ولاززه لسرعته. ومنها: الضرب. واحد الضراب، وهي الرابية الصغيرة، سمي بذلك لقوته وصلابة حوافره. قال ابن سعد: "كان مع النبيّ ﷺ في غزوة المريسيع فرسان: لزاز والضرب".
وروي عن الواقدي عن أبي عباس بن سهل عن أبيه عن جده قال: "كان لرسول الله ﷺ عندي ثلاثة أفراس: لزاز والضرب واللحيف، فأما لزاز فأهداه له المقوقس عظيم القبط، وأما اللحيف فأهداه له ربيعة بن البراء فأثابه عليه قلائص من نعم بني كلاب، وأما الضرب فأهداه له فروة بن عمر الجذامي". ومنها: الورد، قال ابن سعد: "أهدى تميم الداري إلى النبيّ ﷺ فرساً يسمى الورد فأ'طاه لعمر ﵁". وحكى ابن بنين عن ابن خالويه قال: "كان للنبي ﷺ من الخيل سبحة واللحيف ولزاز والضرب والسكب وذو اللمة والسرحان والمرتجل والأدهم والمرتجز، - وذكر أيضاً - وملاوح والورد واليعسوب واليعبوب". وقال الحافظ الدمياطي وجماعة أن خيل النبيّ ﷺ المتفق عليها سبعة والباقي مختلف فيها. ومن الخيل التي اشتهر اسمها: الحرون فرس مسلم بن عمرو الباهلي، وإنما سمي بذلك؛ لأنه كان يسبق الخيل ثم يحرن إلى أن تلحقه، فإذا لحقته سبقها، ثم يحرن وهكذا كان دأبه وفيه يقول:
إذا ما قريش خلا ملكها ... فإن الخلافة في باهله
стр. 83
لرب الحرون أبي صالح ... وما تلك بالنسبة العادله
ثم اشتراه مسلم من أعرابي بألف دينار فسبق عليه عشرين سنة وإليه تنسب الخيل الحرونية. ومن نسله: الغطيفي، فرس لبني غطيف قبيلة بالشام، وإليه تنسب الخيل الغطيفيات، ومنها: هراوة العزاب، وفرس الريان بن حوص العبدي وكان اسمها: سهوة، وإنما لقبت بهراوة العزاب؛ لأنه تصدق بها على عزاب قومه، فكان الأعزب منهم يغزو عليها، فإذا استفاد مالاً وأهلاً دفعها إلى غيره، وهكذا كانوا يتداولونها بينهم. قال عمرو المحاربي بن عبد القيس:
سقى جدث الريان كل عشية ... من المزن دكان العشي دلوح
أقام لفرسان العشيرة سهوة ... لهم منكح من حربها وصبوح
فيا من رأى مثل الهراوة منكحاً ... إذن بل أعطاف الجياد جروح
وذي إبل لولا الهراوة لم يثب ... له المال ما انشق الصباح يلوح
قال لبيد:
لا تسقني بيديك إن لم التمس ... نعم الضجوع بغارة أسراب
تهدى أوائلهن كل طمرة ... جرداء مثل هراوة العزاب
ومنها: ذو العقال، فرس سوط بن جابر اليربوعي، وأبوه (داحس) فرس قيس بن زهير العبسي. ومنها: الأعوج، فرس هلال بن عامر بن صعصعة، وسمي بذلك لأنه ركب صغيراً اعوجت قوائمه، وإليه تنسب الخيل الأعوجية، قال بشر بن أبي حازم:
وبكل أجرد سابح ذي ميعة ... متماحل في آل أعوج ينتمي
وقال طفيل بن عوف:
بنات الوجيه والعزاب ولاحق ... وأعوج تنمى نسبه المتنسب
وقال الأديب إبراهيم الساحلي:
ركبوا إلى الهيجاء كل طمرة ... من نسل أعوج أو بنات الأبجر
من كل مخضوب الشوى عبل التوى ... عاري النواهق مستدير المحجر
ألوي بقادمتي جناحي أفتح ... ولوى بسالفتي غزال أغفر
وإذا زحفنا أشوسياً مبصراً ... ظل الفوارس في الظلام المعكر
من أحمر كالورد أو من أصفر ... كالتبر أو من أشهب كالعنبر
وبكل صهوة أجرد متقضب ... إلاّ إذا ضحك السنان السمهري
وقال ابن خفاجة:
وقد جال دمع القطر في مقلة الدجى ... ولفت نواصي الخيل نكباء زعزع
له من صدور الأعوجية والقنا ... شفيع إلى نيل الأماني مشفع
وظفره في ملتقى الخيل ساعد ... ألف وقلب بين جنبيه أصمع
وأبيض يتلو سورة الفتح ينتضى ... ويستقبل الفرق الكريم فيركع
ومبخر ضخم الجرارة أوحد ... يطير به تحت العجاجة أربع
وحصداء تزري بالسنان حصينة ... ووجه وقاح بالحديد مقنع
وقال ابن خلوف الأندلسي:
وأشهب يعبوباً وطمراً مضمراً ... طموحاً مروعاً أعوجياً مطهما
جرى هازياً بالبرق والريح مسرعاً ... فدارك ما عن نيل أدناه أحجما
تضمخ بالكافور والمسك وارتدى ... وداء ظلام بالصباح تسهما
أشم لجين المتن أعين سابحاً ... أقب غليظ الساق أجرد صلدما
قصير المطا والرسغ أتلع صافناً ... طويل الشوى والذيل أعظم شيظما
تخيل سرحاناً وساير كوكباً ... ولا حظ يعفوراً ولاعب أرقما
فأسرج لما أن توقب جارحاً ... والجم لما أن تثاوب ضيغما
فلم أر بدراً مسرجاً ذا محاسن ... سواه وبرقاً بالثريا ملجما
وأروق ضخم الكف أعوج باذلاً ... بترك رحيب الباع أقود أيهما
ذلولاً لؤوباً شدقمياً مكلثماً ... أموتاً صموتاً أرجلياً حثمثما
إذا خب عاينت الحرون وداحساً ... وإن سار أنساك الجديل وشدقما
فريت به فود الفلاة ولم أزل ... أروح وأغدو طائراً ومحوما
وقد تقدم الكلام على الأعوج الأكبر والأصغر، وزاد الراكب والحنفا والغبرا والعسجدي (في آهر الفصل الثاني من الباب الخامس) ومنها: أطلال، فرس بكير بن شداد بن يعمر الشداخي، كانت تحته يوم القادسية، وقد أحجم الناس عن عبور نهرها، فصاح بها بني أطلال فوثبته، وكان عرض النهر ثلاثين ذراعاً. ومثل هذا قد وقع مع سيدي الوالد قدس سره، فإني سمعت منه أنه ركب يوم (أرهيو) من أيامه مع دولة فرنسا فرسه الكميت اسماً ولوناً، وقد ألجأه الأمر إلى وثوب نهره وكان عرضه ثلاثين ذراعاً فشد على الفرس فوثبه من الجانب إلى الجانب.
تتمة في ذكر ما وقع فيها من الفكاهات والمنادمة
стр. 84
قال أبو عبيدة: كان لعجل بن نجيم فرس جواد فقيل له: إن لكل جواد اسماً فما اسم فرسك؟ فقال: لم أسمه بعد، فقيل له: سمه. ففقأ إحدى عينيه وقال: سميته الأعور فقيل فيه:
رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وهل أحد في الناس أحمق من عجل
أليس أبوهم عار عين جواده ... فصارت به الأمثال تضرب بالجهل
عار عينه: أي فقأها.
وحكى أبو الفرج الأصبهاني أن النصيب الشاعر كان هجاءً فأهدى الربيع بن عبد الله الحارثي فرساً فقبله ثم ندم خوفاً من المكافأة، فجعل يعيبه ويذكر بطأه وعجزه، فبلغ ذلك النصيب فقال:
اعبت جوادنا ورغبت عنه ... وما فيه لعمرك من معاب
وما بحوادنا عجز ولكن ... أظنك قد عجزت عن الثواب
فأجابه الربيع بقوله:
رويدك لا تكن عجلاً إلينا ... أتاك بما يسوؤك من ثواب
وجدت جوادكم قدماً بطيئاً ... فما لكم لدينا من ثواب
فلما كان بعد أيام، رأى النصيب الفرس تحت الربيع فقال:
أجدت مشهراً في كل أرض ... فعجل يا ربيع مشهرات
يمانية تخيرها يماني ... منمنمة البيوت مقطعات
وجارية أضلت والديها ... مولدة وبيضاً وافيات
فعجلها وأنفذها إلينا ... ودعنا من بنيات الثرات
فأجابه الربيع بقوله:
بعثت بمقرفٍ حطم إلينا ... بطيء الحضر ثم تقول هات
فقال النصيب:
في سبيل الله أودى فرسي ... ثم عللت بأبيات هرج
كنت أرجو من ربيع فرجاً ... فإذا ما عنده لي من فرج
فأمر له بألف درهم. وحكي أنه مات لأبي الحسين الجزار حمار فكتب له بعض أصحابه:
مات حمار الأديب قلت لهم ... مضى وقد فات فيه ما فاتا
من مات في عزه استراح ومن ... خلف مثل الأديب ما ماتا
فأجابه بقوله:
وكم جهول رآني ... أمشي لأطلب رزقا
فقال لي صرت تمشي ... وكنت ماشي ملقى
فقلت مات حماري ... تعيش أنت وتبقى
وسأل بعض الأدباء من أمير جملاً، فأرسل إليه جملاً ضعيفاً هزيلاً، فكتب الأديب إليه: حضر الجمل فرأيته متقادم الميلاد. كأنه من نتاج قوم عاد. قد أفنته الدهور. وتعاقبته العصور. فظننته أحد الزوجين اللذين جعلهما الله تعالى لنوح في سفيتنخ. وحفظ بهما جنس الجمال لذريته. ناحلاً ضيئلاً. بالياً هزيلاً. يعجب العاقل من طول الحياة به. وتأتي الحركة فيه. لأنه عظم مجلد. وصوف ملبد. لو ألقي إلى السبع لأباه. أو طرح إلى الذيب لعافه وقلاه. قد طال لكلاء فقده. وبعد بالمرعى عهده. لم ير العلف إلاّ نائماً. ولا يعرف الشعير إلاّ حالماً. وقد خيرتني بين أن أقنيه فيكون فيه غنى الدهر. أو أذبحه فيكون فيه خصب الرحل. فملت إلى استبقائه لما تعلم من محبتي للتوفير. ورغبتي في التثمير. وجمعي للولد. وإدخاري للغد. فلم أجد فيه مدقعاً لغناه. ولا مستمتعاً لبقاه. لأنه ليس بأنثى فيحمل. ولا فتى فينسل. ولا صحيح فيرعى. ولا سليم فيبقى. فملت إلى الثاني من رأييك. وعملت على الآخر من قوليك. فقلت أذبحه فيكون وظيفة للعيال. وأقيمه رطباً مقام قديد الغزال. فأنشدني وقد أضرمت النار. وحددت الشفار وتشمر الجزار:
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وقال: فما الفائدة في ذبحي ولم يبق في الأنفس خافت. ومقلة إنسانها باهت. لست بذي لحم فأصلح للأكل. لأن الدهر قد أكل لحمي. ولا جلدي يصلح للدباغ لأن الأيام مزقت أدمي. ولا صوف يصلح للغزل لأن الحوادث قد جزت وبري. فإن أردتني للوقود فكف بعر أبقى من ناري. ولن تفي حرارة جمري بريحٍ قثاري، فوجدته صادقاً في مقالته. ناصحاً في مشورته. ولم أدر من أي أمر به أعجب. أمن مماطلته الدهر بالبقا. أم من صبره على الضر والبلا. أم قدرتك عليه مع إعواز مثله. أم تأهلك الصديق به مع خساسة قدره. فما هو إلاّ كقائم من القبور. أو ناشر عند نفخ الصور:
ما إن درى ذاك الذميم وقد شكى ... من نيل ممتدح ورمح جواد
هل يشتكي وجعاً به في سرة ... بالسين أم في صرة بالصاد
стр. 85
وروي أن ملكاً قال لصاحب خيله: قدم لي الفرس الأبيض، فقال له وزيره: أيها الملك، لا تقل الفرس الأبيض، فإنه عيب يخل بهيبة الملك، ولكن قل الفرس الأشهب، فلما حضر الطعام قال لصاحب السماط: قدم الصحن الأشهب، فقال له الوزير: قل ما شئت فما لي حيلة في تقويم لسانك. وحكي أن الاسكندر استعرض جنده فتقدم إليه رجل على فرس أعرج، فأمر بإسقاطه فضك الرجل، فاستعظم ضحكه في ذلك المقام، فقال له: ما أضحكك وقد أسقطتك، قال: أتعجب منك تحتك آلة الهرب وتحتي آلة الثبات ثم تسقطني، فأعجب بقوله وأثابه. وعرض عمرو بن الليث عسكره فمر به رجل على فرس أعجف فقال: لعن الله هؤلاء يأخذون المال ويسمنون به أكفال نسائهم فقال له: أيها الأمير لو نظرت إلى كفل امرأتي لرأيته أهزل من كفل دابتي فضحك وأمر له بمال، وقال: خذه وسمن به كفل امرأتك ودابتك.
وحكي أن المتوكل على الله سقط عن فرسه فقال أبو الإصبع عبد العزيز البطليوسي:
لا عتب للطرف إن ذلت قوائمه ... ولا يدسه من عائب دنس
حملت جوداً وبأساً فوقه ونهى ... وكيف يحمل هذا كله الفرس
وركب ذو الرياستين متصيداً في يوم غيم، نضح رذاذه وجه الثرى، فسقط به فرسه، فشمت به أحد أعدائه، فقال في الحال:
إني سقطت ولا جبن ولا خور ... وليس يدفع ما قد شاءه القدر
لا يشمتن حسودي إن سقطت فقد ... يكبو الجواد وينبو الصارم الذكر
وقال أبو حامد الحسين بن شعيب حين كبا به فرسه فحصل في أسر العدو:
وكنت أعد طرفي للرزايا ... يخلصني إذا جعلت تحوم
فأصبح للعدى عوناً لأني ... أطلت أعنانه فأنا الظلوم
وكم دامت مسراتي عليه ... وهل شيء على الدنيا يدوم
وزلت بغلة الأتابك صاحب الموصل تحته، فسقط فقال أبو السعادات المبارك:
إن زلت البغلة من تحته ... فإن في زلتها عذار
حملها من علمه شاهقاً ... ومن ندى راحته بحرا
стр. 86
وكتب الشيخ زين الدين الوهراني للأمير عز الدين موسك كتاباً على لسان بغلته يقول فيه: المملوكة ريحانة بغله الوهراني تقبل الأرض بين يدي المولى عز الدين ظهير أمين المؤمنين نجاه الله من حر السعير، وعطر ذكره قوافل العير، ورزقه من القرط والتبن والشعير، ما وسق مئة ألف بعير، واستجاب فيه أدعية الجم الغفير، من الخيل والبغال والحمير، وتنهي ما تقاسيه مواصلة الصيام وسوء القيام، والتعب بالليل والدواب نيام، وقد أشرفت المملوكة على التلف وصاحبها لا يحتمل الكلف، ولا يوقن بالخلف، ولا يقول بالعلف، لأنه في بيته مثل المسك والعبير، والطريف الكبير، أقل من الأمانة في الأقباط، ومن العقل في رأس قاضي سنباط، فشعيره أبعد من الشعرى العبور، لا وصول إليه ولا عبور، وقرطه أعز من قرط مارية، لا تخرجه صدقة ولا هبة ولا عارية، والتبن أحب إليه من الابن، والجلبان عنده أعز نم دهن البان، والقصيم أعز من الدر النظيم، والفصة أجمل من سنابك الفضة، وأما الفول فمن دونه ألف باب مقفول، وما يهون عليه أن يعلف الدواب، إلاّ بعيوب الآداب وفقه اللباب والسؤال والجواب، وما عند الله من الثواب، ومعلوم يا سيدي أن البهائم لا توصف بالحلوم، ولا تعيش بسماع العلوم، ولا تطرب بشعر أبي تمام، ولا تعرف الحارث بن همام، ولا سيما البغال، تشتغل في جميع الأشغال، سلة من القصيل، أحب إليها من كتاب البيان والتحصيل، وقفة من الدريس، أحب إليها من فقه محمد بن إدريس، لو أكل البغل كتاب المقامات مات، ولو لم يجد إلاّ كتاب الرضاع ضاع، ولو قيل له أنت هالك، إن لم تأكل موطأ مالك، ما قبل ذلك، وكذلك الجمل، لا يتغذى بشرح أبيات الجمل، وحزمة من الكلا، أحب إليه من شعر أبي العلا. وليس عنده بطيب، شعر أبي الطيب، وأما الخيل فلا تطرب إلا لسماع الكيل. ولو أكلت كتاب الذيل. ماتت بالنهار قبل الليل، والويل لها ثم الويل، ولا تسغني الأكاديش عن أكل الحشيش، بما في الحماسة من شعر أبي الجريش، وإذا أطعمت الحمار شعر ابن عمار حل به الدمار، وأصبح منفوخاً كالطبل على باب الإصطبل، وبعد هذا كله فقد راح صاحبها إلى العلاف، وعرض عليه مسائل الخلاف، وطلب من تبنه خمس قفاف، فقام إليه بالخلاف، فخاطبه بالتقعير، وفسر عليه آية البعير، وطلب منه ويبة شعير، فحمل على عياله ألف بعير، وأكثر له من الشخير والنخير، فانصرف الشيخ مكسور القلب، مغتاظاً من السلب، وهو أنحس من ابن بنت الكلب، فالتفت إلى المسكينة، وقد سلبه الله ثوب السكينة، وقال لها: إن شئت أن تكدي فكدي، لا ذقت شعيراً ما دمت عندي، فبقيت المملوكة حائرة، لا قائمة ولا سائرة، فقال لها العلاف لا تجرعي من خباله، ولا تلتفتي إلى أسباله. ولا تنظري إلى نفقته، ولا يكون عندك أحسن من عنفقته، هذا الأمير عز الدين سيف المجاهدين أندى يداً من الغمام، وأبهى من البدر ليلة التمام، يرثي للمحروب ويفرج عن المكروب، ولا يرد قائلاً، ولا يخيب سائلاً، فلما سمعت المملوكة هذا الكلام، جذبت الزمام، ورفست الغلام، وقطعت الحزام، وفتحت اللجام، حتى طرحت خدها على الأقدام، ورأيك أعلى، والسلام.
وكان لأبي دلامة بغلة جامعة لعيوب الدواب كلها، وكانت أشوه الدواب خلقاً في منظر العين وأسوأها خلقاً في مخبرها، وكان إذا ركبها تبعه الصبيان يتضاحكون به، وكان يقصد ركوبها في موكب الخلفاء والكبراء ليضحكهم بشماسها، ونظم فيها قوله:
أبعد الخيل أركبها كراماً ... وبعد الفره من خضر البغال
رزقت بغيلة فيها وكال ... وليته لم يكن غير الوكال
رأيت عيوبها كثرت وليست ... وإن كثرت ثم من المقال
ليحصي منطقي وكلام غيري ... عشير خصالها شر الخصال
فأهون عيبها أني إذا ما ... نزلت وقلت أمشي لا تبالي
تقوم فما تبت هناك شبراً ... وترمحني وتأخذ في قتالي
وإني إن ركبت أذيت نفسي ... بضرب باليمين وبالشمال
وبالرجلين أركبها جميعاً ... فيالك في الشقاء وفي الكلال
أتاني خائب يستام مني ... عريق في الخسارة والضلال
وقال تبيعها؟ قلت ارتبطها ... بحكمك إن بيعي غير غال
فأقبل ضاحكاً نحوي سروراً ... وقال أراك سهلاً ذا جمال
هلم إلي يخلو بي خداعاً ... وما يدري الشقي لمن يخالي
стр. 87
فقلت بأربعين فقال أحسن ... إلي فإن مثلك ذو سجال
فأترك خمسة منها لعلمي ... بما فيه بصير من الخبال
فلما ابتاعها مني وبت ... له في البيع غير المستعال
أخذت بثوبه أبرأت مما ... أعد عليه من سوء الخلال
برأت إليك من مشتى يديها ... ومن جرذ ومن بلل المخالي
ومن فتق بها في البطن ضخم ... ومن عقالها ومن انفتالي
ومن قطع اللسان ومن بياض ... بعينيها ومن قرض الحبال
وأفطى من فريخ الذر مشياً ... بها عرن وداء في سلال
وتكسر سرجها أبداً شماساً ... وتقمص للأكاف على اغتيال
ويدبر ظهرها من مس كف ... وتهرم في الجعام وفي الجلال
تظل لركبة منها وقيذاً ... يخاف عليك من روم الطحال
ومشغار تقدم كل سرج ... تصير دفتيه على القذال
وتخفى لو تسير على الحشايا ... ولو تمشي على دمث الرمال
وترمح أربعين إذا وقفنا ... على أهل المجالس للسؤال
فتقطع منطقي وتحول بيني ... وبين حديثهم فيما توالي
وتذعر للدجاجة إذ تراها ... وتنفر للصفير وللخيال
فأما الاعتلاف فأدن منها ... من الأتبان أمثال الجبال
وأما القت فات بألف وقر ... كأعظم حمل أحمال الجمال
فلست بعالف منه ثلاثاً ... وعندك منه عود للخلال
وإن عطشت فأوردها دجيلاً ... إذا أوردت أو نهري بلال
فذاك لريها سقيت حميماً ... وإن مد الفرات فللنهال
وكانت قارحاً أيام كسرى ... وتذكر تبعاً عند الفصال
وقد دبرت ونعمان صبي ... وقبل فصاله تلك الليالي
وتذكر إذ نشا بهرام جور ... وعامله على خرج الجوالي
وقد مرت بقرن بعد قرن ... وآخر عهدها لهلاك مالي
فأبدلني بها يا رب طرفاً ... يزين جمال مركبها جمالي
ثم إنه أنشدها للمهدي، فقال له: قد أقلت من بلاءٍ عظيم، فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد مكثت شهراً أتوقع صاحبها أن يردها علي، فقال المهدي لصاحب دوابه: خيره بين مركبين في الإصطبل، فقال إن كان الاختيار إلي فقد وقعت في شر من البغلة، ولكن مره يختر لي ففعل.
стр. 88
واشترى رجل دابة من دميرة فوجد بها عيوباً كثيرة، فحضر إلى القاضي يشتكي حاله، وما أصابه من الغم وناله، فقال له القاضي: ما قصتك وشكواك، وما الذي من الهم والغم دهاك، فقال أيها القاضي، إني بحكمك راض، اشتريت من هذا الدميري دابة اشترط لي فيها الصحة والسلامة، فوجدت بها عيوباً أعقبتني ندامة، وقد سألت ردها فأبى، وقال عند رؤيته إياي لا أهلاً بك ولا مرحباً، فقال القاضي: أبن ما بها من العيوب، فقال له: كلها عيوب وذنوب، وهي أنحس مركوب، وأخس مصحوب، إن ركبتها رفصت، وإن نخستها شمصت، وإن همزتها قمصت، وإن لكزتها رقصت، وإن سقتها رقدت، وإن نزلت عنها شردت، تقطع في يديها، وتصك في رجليها، كردة جردة، قصيرة الذنب، محلولة العصب، مقطوعة العقب، حدباء جرباء، كباء لا تقوم حتى تحمل على الخشب، ولا تنام حتى تكبل بالسلب، إن قربت من الجرار كسرتها، وإن دنت من الصغار رفصتهم عفشة نكشة تكشر عن أسنانها، وتقرض في عنانها، وتمشي في سنة أقل من يوم، فالويل لراكبها إن وثب عليه القوم، إن قلت لها حاحا قالت ازاز، وإن قلت لها ترتر قال من حولها زر زر، إن رمت تقديمها تأخرت، وإن لكزتها سخرت ونخرت، من استنصر بها خذلته ومن ساقها رمته فقتلته، وتمام أحوالها أنها تبول وترش صاحبها ببولها، ومتى حملتها فلا تنهض، وتقرض في حبلها، وتجفل من ظلها، ولا تعرف منزل أهلها، كرامة هجامة، نوامة كأنها هامة، وهي في الدواب مشؤومة، حرونة ملعونة مجنونة، تقلع الوتد وتمرض الجسد، وتفتت الكبد، ولا تركن إلى أحد، تشمر وتغدر، وتعثر، واقفة الصدر، محلولة الظهر، بداءة الأذنين، عمشاءة العينين طويلة الإصبعين، قصيرة الرجلين، ضيقة الأنفاس، مقلعة الأضراس، صغيرة الرأس، كثيرة النعاس، مشيها قليل، وجشمها نحيل، وراكبها عليل، وهو بين الأعزاء ذليل، تجفل من الهوا، وتعثر بالنوى، وتخيل بشعره (أي يعتريها الجنون بأدنى سبب) وتتكبل ببعره، نهاقة شهاقة، غير مطراقة، لا تقفز معدية، ولا تشرب إلا في قصديةوبها وجع الكبد والرئة، لا تبول إلا في الطريق، وتحشر صاحبها في كل ضيق، وتهوس عليه في المكان المضيق، وتنقطع به في الطريق عن الصديق، وتعض ركبة الرفيق، وهي عديمة التوفيق على التحقيق، فإن ردها فأكرم جانبه، وإن لم يردها فانتف شاربه، وأصقع غاربه، وأفك مضاربه ولا تحوجني أن أضاربه والسلام.
واشترى رجل برزونا، وقال لبائعه: سألتك بالله هل فيه عيب، فقال له: لا إلا أن يكون فيه قليل مشش كأنه بطيخة، وقليل جرذ كأنه قتاية، وقليل وبر كأنه سفرجلة، فقال له المشتري: جئنا نشتري منك برذوناً أو بستاناً.
وبات صفي الدين الحلي في منزل رجل يسمى عيسى فلم يقره ولم يطعم فرسه، فلما أصبح خرج من عنده وهو يقول:
رأى فرسي إسطبل عيسى فقال لي: ... قفا نبك من ذكر حبيب ومنزل
به لم أذق طعم الشعير كأنني ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
تقعقع من برد الثناء أضالعي ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
إذا سمع السواس صوت تحمحمي ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل
أعول في وقت العليق عليهم ... وهل عند رسم دارس من معول
وقال أيضاً في ذم فرس له:
ولي فرس ليست شكوراً وإنما ... بها تضرب الأمثال في العض والرفس
إذا جفلت بي في ضياع دوارس ... فليس لها قبض سوى في جوى فرس
تعربد في وقت الصباح من الضيا ... وتجفل في الآصال من شفق الشمس
فيا ليتها عند العليق جفوله ... كما هي منكاد من الجر والحس
فلو شربت بالغلس من كف حاتم ... لأصبح ندماناً على تلف الغلس
ولو برزت في جحف تحت عنتر ... لجندل وانفلت حبوس بني عبس
وكان لمحمد بن عبد الملك برزوناً أشيهب لم ير مثله، فسعى به محمد بن خالد إلى المعتصم، ووصفه له فبعث المعتصم إليه وأخذه منه، فقال:
كيف العزاء وقد مضى لسبيله ... عنا فودعنا الأحم الأشهب
دب الوشاة فأبعدوك وربما ... بعد الفنا وهو الأحب الأقرب
لله يوم نأيت عنا ظاعناً ... وسلبت قربك أي علق أسلب
نفس مفرقة أقام فريقها ... ومضى لطيته فريق يجنب
فالآن إذ كملت أدانك كلها ... ودعا العيون إليك لون معجب
واختير من سر الحدائد خيرها ... لك خالصاً ومن الحلي الأغرب
стр. 89
وغدوت طنان اللجام كأنما ... في كل عضو منك صنج يضرب
وكان سرجك إذا علاك غمامة ... وكأنما تحت الغمامة كوكب
ورأى علي بك الصديق جلالة ... وغدا العدو وصدره يتلهب
أنساك لا زالت إذا منيته ... نفسي ولا زالت يميني تنكب
أضمرت منك اليأس حين رأيتني ... وقوى حبالي من قواك تقضب
ورجعت حين رجعت منك بحسرة ... لله ما فعل الأحم الأشهب
وقال موسى بن هارون الهاشمي حدثني أبي قال: كنت واقفاً بين يدي المعتصم، وهو جالس والخيل تعرض عليه، وهو يشرب وبين يديه علوية ومخارق يغنيان، فعرض عليه فرس كميت أحمر ما رأيت مثله قط، فتغامز علوية ومخارق وغناه علوية:
وإذا ما شربوا وأنشدوا ... وهبوا كل جواد وطمر
فتغافل عنه وغناه مخارق:
يهب البيض كالظباء وجرداً ... تحت أجلالها وعيس الركاب
فضحك ثم قال اسكتا يا ابني الزانيتين، فليس يملكه والله أحد منكما، ولما دار الدور غنى علوية:
وإذا ماشربوها وانتشوا ... وهبوا كل بغال وحمر
فضحك، وقال أما هذا فنعم وأمر لأحدهما ببغل وللآخر بحمار.
وحكي أن رجلاً كان له فرس يسمى: (الأبيلق) وكان يجريه فرداً ليس معه غيره، وكل ما مر به طائر أجراه معه، فأعجبه ما رأى من سرعة جريه، فنادي قومه وقال: إني أردت أن أراهن على فرسي هذا فأيكم يرسل معه فرسه، فقيل له إن الحلبة غداً فقال إني لا أرسله إلا في خطر. فراهنوه على ذلك. فلما كان الغد أرسله فسبق، فقال لكل مجرى نجلاء سابق.
وقال أبو عبيدة: أجريت الخيل للرهان فسبق منها فرس، فجعل رجل من الحاضرين يكر ويثب من الفرح، فقيل له: أكان الفرس لك قال: لا، ولكن اللجام لي.
وحكى الأسعد القرقرة من أهل هجر كان يضحك النعمان، وكان اليحموم فرس النعمان يردي من ركبه، فقال النعمان لسعد اركبه واطلب عليه الوحش، فامتنع سعد، فألزمه النعمان على ذلك، فلما ركبه نظر إلى بعض ولده وقال بأبي وجوه اليتامى، فضحك النعمان وأعفاه، فقال سعد:
نحن بفرس الوادي أعلمنا ... منا بجري الجياد في السلف
يا لهف أمي فكيف أطعنه ... متمسكاً واليدان في العرف
وقال محمد أبو شبيب غلام النظام دخلت إلى دار الأمير بالبصرة، وأرسلت فرسي فأخذه صبي ليلعب عليه، فقلت له دعه، فقال: إني أحفظه لك، فقلت له: إني لا أريد حفظه: فقال: إذن يضيع، قلت لا أبالي بضياعه، فقال: إن كنت لا تبالي بضياعه فهبه لي، فانقطعت من كلامه. وقيل لسيدنا علي كرم الله وجهه وهو على بغلة في بعض حروبه: لو اتخذت الخيل يا أمير المؤمنين. فقال: لا أفر ممن كر ولا أكر على من فر، فالبغلة تكفيني. ورقى سليك بن سلكة فرسه النحام وكان عزيزاً عليه بقوله:
كأن قوائم النحام لما ... تحمل صحبتي أصلاً محار
على قرماء عالية شواه ... كأن بياض غرته ضمار
وحكى المسعودي: أن أبا العباس المكي قال: كنت أنادم محمد بن طاهر بالري ليلة فقال: كأني أشتهي الطعام فما أكل؟ قلت: صدر دراج أو قطعة من جدي باردة. قال: يا غلام هات رغيفاً وخلاً وملحاً فأكل من ذلك، فلما كان في الليلة الثانية، قال: يا أبا العباس كأني جائع فقلت: ما أكلت البارحة قال: إنك لا تعرف فرق ما بين الكلامين قلت: البارحة: كأني أشتهي الطعام والليلة كأني جائع وبينهما فرق، فدعا بالطعام، ثم قال: صف لي الطعام والشراب والسماع والطيب والنساء والخيل، قلت: أيكون ذلك نثراً أم نظماً، قال: نثراً. قلت: أطيب الطعام ما لقي الجوع بطعم وافق شهوة. قال: فما أطيب الشراب؟ قلت: كاس مدام تبرد بها غليلك وتعاطي بها خليلك، قال: فأي السماع أفضل؟ قلت: أوتار أربعة وجارية متربعة، غنائها معجب وصوتها مطرب، قال: فأي الطيب أطيب؟ قلت: ريح حبيب تحبه وقرب ولد تربه، قال: فأي النساء أشهى؟ قلت من تخرج من عندها كارهاً وترجع إليه والهاً. قال: فما صفة العتيق من الخيل؟ قلت: الأشدق الذي إذا طلب سبق، وإذا طُلب لحق، قال: أحسنت. يا بشير أعطه مئة ديناء، قلت وأين يقع مني مئتا دينار، قال: أوقد زدت نفسك مئة دينار؟ يا غلام أعطه كما ذكرنا والمئة الأخرى لحسن ظنه بنا. فانصرفت بمئتي دينار. وقال البها زهير يصف فرسه بالهزال:
أياديك لا يفل يوماً حسامها ... بجود إذا ضن الغمام غمامها
стр. 90
وكم أوثر التخفيف عنكم فلم أجد ... سواك لأيامٍ قليل كرامها
ولي فرس أنت العليم بحالها ... وبالرغم مني ربطها ومقامها
ولم يبق منها الجهد إلا بقية ... فيغدو عليها أو يروح حمامها
شكتني بين الناس وهي بهيمة ... ولكن لها حال فصيح كلامها
إذا خرجت تحت الظلام فما ترى ... من الضعف إلا أن يصك لجامها
وليست تراها العين إلا عباءة ... يشد عليها سرجها ولجامها
لها تربة في كل يوم على الطوى ... ولو تركتها صح منها صيامها
وعهدي بها تبكي على التبن وحده ... فكيف على فقد الشعير مقامها
وشكى بعض أهل الأدب زمانه بقوله:
ولي فرس من نل أعوج سابق ... ولكن على فقد الشعير يحمحم
وأقسم ما قصرت فيما يزيدني ... علواً ولكن عند من أتقدم
وجاء غلام شرف الدين الحلاوي وأخبره بأن فرسه قد تشبك بالحمر فقال:
جاء غلامي وشكا ... أمر كميتي وبكى
وقال برذونك لا ... نشك قد تشبكا
قد سقته اليوم فما ... مشى ولا تحركا
فقلت من غيظ له ... مجاوباً لما حكى
ابن الحلاوي أنا ... فلا تكن معلكا
لو أنه مسير ... لما غدا مشبكا
وقال لسان الدين ابن الخطيب:
قال جوادي عندما ... همزن همزاً أعجزه
إلى متى تهمزني ... ويل لكل همزه
وقال ابن نباته يرثي فرسه:
لهفي على فرسي الذي ... أضحى قريح المقلتين
يكبو وأملك رقه ... فمعتر في الحالتين
وأهدى ثقيل إلى بعض الظرفاء جملاً، ثم نزل عليه حتى أبرمه فقال فيه:
يا مبرماً أهدى جمل ... خذ وانصرف ألفي جمل
قال وما أوقارها ... قلت زبيب وعسل
قال ومن يقودها ... قلت له ألفا رجل
قال ومن يسوقها ... قلت له ألفا بطل
قال وما لباسهم ... قلت حلي وحلل
قال وما سلاحهم ... قلت سيوف وأسل
قال عبيد لي إذن ... قلت: نعم ثم خول
قال بهذا فاكتبوا ... إذن عليكم لي سجل
قلت له الفي سجل ... فاضمن لنا أن ترتحل
قال ترى أضجرتكم؟ ... قلت أجل ثم أجل
قال وقد أبرمتكم؟ ... قلت له الأمر جلل
قال وقد أثقلتكم؟ ... قلت له فوق الثقل
قال إني راحل ... قلت العجل ثم العجل
يا كوكب الشؤم ومن ... أربى على نحس زحل
يا جبلاً من جبل ... في جبل فوق جبل
وحمل محمد بن عبيد الله بن خاقان أبا الغياء على فرس، زعم أنه غير فاره، فكتب إليه: أعلم الوزير أعزه الله أن أبا علي محمد أراد أن يبرني فعقني، وأن يركبني فأرجلني أمر لي بفرس تقف للنبرة، وتعثر بالبعرة، كالقضيب اليابس عجفاً، وكالعاشق المجهور زلفاً، وقد ذكرت الرواة عذرة العذري والمجنون العامري، مساعد أعلاه لأسفله، حباق مقرون بسعاله فلو أمسك لترجيت، ولو أفرد لتعزيت، ولكنه يجمعهما في الطريق المعمور والمجلس المشهور، كأنه خطيب مرشد، أو شاعر منشد، تضحك من فعله النسوان، وتتناغى من أجله الصبيان، فمن صائح يصيح داوه بالطباشير، ومن قائل يقول نوله الشعير، قد حفظ الأشعار وروى الأخبار ولحق العلماء في الأمصار، فلو أعين بنطق لروى بحق وصدق، عن جابر الجعفي وعامر الشعبي، وإنما أتيت من كاتبه الأعور الذي إذا اختار لنفسه أطاب وأكثر، وإن اختار لغيره أخبث وأنذر، فإن رأى الوزير أن يبدلني به ويريحني منه بمركوب يضحكني كما أضحك مني، يمحو بحسنه وفراهته، ما سطره العيب بقبحه ودمامته، ولست أذكر أمر سرجه ولجامه، فإن الوزير أكرم من أن يسلب ما يهديه أو ينقص ما يمضيه فوجه عبيد الله إليه برزوناً من برازينه بسرجه ولجامه.
ثم اجتمع مع محمد بن عبيد الله عند أبيه، فقال عبيد الله: شكوت دابة محمد وقد أخبرني الآن أنه يشتريه منك بمئة دينار وما هذا ثمنه، لا يشتكي، فقال: أعز الله الوزير لو لم أكذب مستزيداً لم أنصرف مستفيداً، وإني وإياه لكما قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق، أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين. فضحك عبيد الله وقال: حجتك الداحضة بملاحتك وظرفك أبلغ من حجة غيرك البالغة.
стр. 91
وحكي أن المتوكل على الله قال لأبي العنيس الشاعر: أخبرني عن حمارك، وما كان من شعره في الرؤيا التي رأيتها قال: نعم يا أمير المؤمنين! كان أعقل من القضاة، ولو لم تكن له جريمة ولا زلة، فاعتل على غفلة، فمات فرأيته فيما يرى النائم، فقلت يا حماري ويلك ما لك مت؟ ألم أبرد لك الماء؟ وأنقي لك الشعير؟ وأحسن إليك جهدي؟ فلم مت غفلةظ وما خبرك؟ قال: إنك ركبتني يوم كذا وكذا ووقفت على فلان الصيدلاني تكلمه فرأيت أتاناً عند بابه فعشقتها فمت. فقلت له: هل قلت فيها شهراً؟ قال: نعم وأنشدني:
سيدي خذ لي أمانا ... من أمان الأصبهاني
هام قلبي بأتانٍ ... عند باب الصيدلاني
تيمتني يوم رحنا ... بثناياها الحسان
وبغنج ودلال ... سل جسمي وبراني
ولها خد أسيل ... مثل خد الشنفراني
فيها مت ولو عش ... ت إذن طال هواني
فقلت له يا حماري وما الشنفراني؟ قال هو شيء يتحدث به الحمير، فإذا لقيت حمراً فاسأله عنه. فطرب المتوكل وأمر المغنين أن يغنوا ذلك اليوم بشعر الحمار وزاد في جائزتي. قيل للفضل الرقاشي: إنك لتؤثر الحمير على سائر الدواب. قال: لأنها أرفق وأرفق. قيل: ولم ذلك؟ قال: لا يستدل بالمكان على طول الزمان، ثم هي: أقل داء، وأيسر دواء، وأخفض مهوى، وأسلم صريعاً، واقل جماحاً وأشهر فارهاً، وأقل تطيراً، يزهى راكبه وقد تواضع بركوبه، ويعد مقتصداً وقد أسرف في ثمنه.
وحكي أن رجلاً كان له فرس يسمى: (الأبيلق) وكان يجريه فرداً ليس معه غيره، وكل ما مر به طائر أجراه معه، فأعجبه ما رأى من سرعته، فنادي قومه وقال: إني أردت أن أراهن على فرسي هذا، فأيكم يرسل معه، فقيل له إن الحلبة غداً. فقال: إني لا أرسله إلا في خطر. فراهنوه على ذلك. فلما كان الغد أرسله فسبق، فقال لكل مجرى نجلاء سابق.
وهنا وقف بنا جواد القلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف رسل الأمم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاماً دائمين إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين وقد وقع الفراغ من كتابته في اليوم الحادي عشر من شوال سنة ألف وثلاث مئة وثلاث وعشرين من هجرة من له كمال الفخر والشرف.