عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ ﴿ [سورة الحج: ٧٨] .
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴿ [سورة البقرة: ١٣٠] .
فهذه الأخبار من الله لأمة محمد ﷺ عن فعل إبراهيم ﵇ من أجل الاقتداء به في الإخلاص، والتوكل على الله وحده، وعبادة الله وحده والبراء من الشرك وأهله ومعاداة الباطل وحزبه.
(ب) أمثلة أخرى على طريق الحق والهدى:
كما سبق أن ذكرنا أن دعوة الأنبياء واحدة. دعوة لعبادة الله وحده وإفراده بالدينونة والتأله والحب والرضى بحكمه وشرعه، والبراءة من كل طاغوت معبود من دون الله سواء بالرغبة أو الرهبة
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ﴿ [سورة النحل: ٣٦] .
فإننا نجد أمثلة مشرقة ونماذج إيمانية رفيعة على طريق العقيدة الغراء.
إنهم المؤمنون، أينما وحيثما كانوا وحلوا وفي أي عصر ومصر عاشوا. يوردها ربنا ﵎ في محكم تنزيله، حتى تكون لنا أسوة حسنة. وتسلية لرسوله الكريم ﷺ عما كان يلاقيه هو وصحابته الأخيار.
وما أحوج الداعية المسلم - وهو الحريص على حب الخير لكل الناس - أن يتدبر هذه الأمثلة والنماذج الإيمانية فسيجد فيها العزاء والتسلية فيما يلاقيه من
стр. 143
مشقة وعنت. وإذا كانت هذه سنة الله في أنبيائه وعباده الصالحين أن يتعرضوا للأذى والعنت – وهم أكرم خلق الله على الله – فمن باب أولى أن يلاقي دعاة الهدى والخير صنوفاً شتى من الأذى والسخرية والاستهزاء والعذاب وسيجدون معية الله تصحبهم وترعاهم وحفظه وقدره يحوطهم. وكل ما يلقونه إنما هو ابتلاء واختيار كما قال تعالى:
﴿مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴿ [سورة آل عمران: ١٧٩] .
وحين يثبت المؤمنون على الحق، ويتوكلون على الله حق توكله، ويخافونه وحده، ولا يخافون إلا الله، فسيكون هذا دافعاً عظيماً لدخول الناس في دين الله، والاهتداء بهديه، والاقتداء بهؤلاء الصادقين الذين ضحوا بكل غال ونفيس، وزهدوا فيما عند الناس راغبين ومؤملين فيما عند الله.
ومن هذه الأمثلة التي نريد الحديث عنها باختصار، نوح ﵊ فقد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً فلم يؤمن معه إلا القليل، والموقف الذي نريد أن نتحدث عنه من مواقفه ﵇ هو موقفه مع ابنه الذي عصاه وأبى أن يستجيب لدعوة أبيه. قال تعالى:
﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ ﴿٤٢﴾ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴿٤٣﴾ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ
стр. 144
عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٤٤﴾ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴿٤٥﴾ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿٤٦﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ ﴿ [سورة هود: ٤٢ – ٤٧] .
" إن الوشيجة التي يتجمع عليها الناس في هذا الدين ليست وشيجة الدم والنسب، وليست وشيجة الأرض والوطن، وليست وشيجة القوم والعشيرة. وليست وشيجة اللون واللغة. ولا الجنس والعنصر، ولا الحرفة والطبقة إنها وشيجة العقيدة.
"أما الوشائج الأخرى فقد توجد ثم تنقطع العلاقة بين الفرد والفرد.
(ويبين الله لنوح لماذا لا يكون ابنه من أهله؟ " إنه عمل غير صالح " فوشيجة الإيمان قد انقطعت بينكما " فلا تسألن ما ليس لك به علم " إنه ليس من أهلك ولو كان هو ابنك من صلبك) (١) .
وهنا يأتي الإذعان الكامل والخوف من الله سبحانه وطلب مرضاته ورحمته فيقول عبده الصالح نوح ﴿رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ .
стр. 145
لقد استعلى نبي الله على العاطفة ورضي بحكم الله، فلا لجاجة ولا التواء، ولا معذرة ولا تأويل، بل تسليم مطلق، واتباع لما يحب الله ويرضى، واعرض عما يكره ويبغض وولاء بمن يحب الله وبراء وعداء لمن حاد الله ولو كان أقرب قريب.
ولم يكن شأن نبي الله نوح ﵇ هذا مقصوراً على هذا الابن الكافر، بل أيضاً مع زوجته، ويا له من امتحان عظيم في الزوجة والابن!
هذه الزوجة تحدث عنها القرآن وعن نظيرة لها وشبيهة بفعلها وهي زوجة لوط ﵇، فقد ابتلى هذان النبيان بزوجتين فاسدتين ذكرهما الله لنا مثلاً في كتابه العزيز فقال:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴿ [سورة التحريم: ١٠] .
على أن مما يجب التنويه عنه هنا – استطراداً – أن هذه الخيانة في الدين، وليست في الفاحشة، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء ﵈.
أما امرأة نوح فكانت تفشي سره، إذا آمن معه أحد أخبرت الجبابرة من قومها، وامرأة لوط تخبر قومها بضيوف زوجها من أجل فعل السوء القبيح (١) .
وعلى النقيض من هذا الفعل المشين من هاتين المرأتين يضرب لنا القرآن مثلاً عالياً في الإيمان والاستعلاء على الكفار من قبل امرأة مؤمنة هي زوجة فرعون اللعين قال تعالى:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ
стр. 146
رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ [سورة التحريم: ١١] .
(إن هذه المرأة لم يصدها طوفان الكفر الذي تعيش فيه، في قصر فرعون عن طلب النجاة وحدها، وقد تبرأت من قصر فرعون طالبة إلى ربها بيتاً في الجنة وتبرأت من صلتها بفرعون فسألت ربها النجاة منه، وتبرأت من عمله مخافة أن يلحقها من عمله شيء وهي ألصق الناس به. " ونجني من فرعون وعمله" وتبرأت من قوم فرعون وهي تعيش بينهم " ونجني من القوم الظالمين " أنه مثل للاستعلاء على عرض الحياة الدنيا في أزهى صورة، فقد كانت امرأة فرعون، أعظم ملوك الأرض يومئذ!! في قصر فرعون أمتع مكان تجد فيه امرأة ما تشتهي! لقد استعلت على هذا بالإيمان ولم تعرض عنه فحسب، بل اعتبرته شراً ودنساً وبلاء تستعيذ بالله منه.
إنها امرأة واحدة في مملكة عريضة قوية. وقفت وحدها في وسط ضغط المجتمع وضغط القصر، وضغط الملك، وضغط الحاشية، ورفعت رأسها للسماء! إنه التجرد الكامل من كل هذه المؤثرات والأواصر) (١) .
إن وقوف هذه المرأة أمام ذلك الجبار من الأهمية بمكان، عل في ذلك ما يدفع تثبيط الشيطان وحزبه لبعض دعاة الإسلام وهم يخافون أن يمسهم الناس بشيء لم يكتبه الله عليهم.
ألا فلنأخذ من قرآننا عبرة وعظة، وشحنة عمل، ومنهاج دنيا وآخرة حتى نقوم بما كلفنا الله به وشرفنا بالانتساب إليه وهي الدعوة إلى الله.
يقول قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأبعده ـ فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حكم عدل، لا يؤاخذ أحداً إلا بذنبه (٢)
стр. 147
وهناك أيضاً نموذج آخر، وعلم من أعلام دعاة صراط الله المستقيم. أنه مثل رفيع في الولاء لله ودينه وعبادة الصالحين في النصرة والجهاد بقدر الطاقة لإعلاء كلمة الله، والبراءة من الكفار بعد إقامة الحجة والبرهان عليهم، إنه مؤمن آل فرعون.
لننظر في موقفه وفي ولائه حين عزم الطاغية فرعون على قتل رسول الله موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. لقد قال مؤمن آل فرعون كما حكاه القرآن عنه:
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴿ [سورة غافر: ٢٦] .
واسم هذا الرجل حبيب النجار والمشهور أنه قبطياً من آل فرعون. وكان يكتم إيمانه عن قومه القبط، ولم يظهره إلا هذا اليوم حين قال فرعون
﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ﴿ [سورة غافر: ٢٦] .
فأخذت الرجل غضبه لله و (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) (١) .
ولا أعظم من هذه الكلمة وهي قوله أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله (٢) .
стр. 148
فانظر إلى ولاء هذا الرجل المؤمن لنبي الله موسى ونصرته له، وتدبر براءة من الطاغية حتى وهو يصب عليه العذاب.
وأخيراً نقف مع الفتية الصلحاء (أصحاب الكهف) الذين تركوا الأهل والولد والوطن والعشيرة حين علموا أنه لا طاقة لهم بمواجهة ومجابهة قومهم فنجوا بأنفسهم إلى ذلك الكهف الذي تجلت فيه معجزة عظيمة يسوقها الله لنا عبرة وعظة في حفظه لعباده الصالحين.
قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴿١٣﴾ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ﴿١٤﴾ هَؤُلاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴿١٥﴾ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا ﴿ [سورة الكهف: ١٣-١٦] .
لقد كان موقف هؤلاء الفتية صريحاً وواضحاً وحاسماً. وحين تتباين الطريقان ويختلف المنهجان لا يعود هناك سبيل إلى الالتقاء ولا للمشاركة في الحياة. بل لا بد من الفرار بالعقيدة.
انهم ليسوا رسلاً إلى قومهم فيواجهوا بالعقيدة الصحيحة ويدعوهم إليها، ويتلقوا ما يتلقاه الرسل، إنما هم فتية تبين لهم الهدى في وسط ظالم كافر، ولا حياة لهم في هذا الوسط إن هم أعلنوا عقيدتهم وجاهروا بها. وهم أيضاً لا
стр. 149
يطيقون مداراة قومهم، وعبادة آلهتهم على سبيل التقية وإخفاء عبادتهم لله.
على أن الأرجح أن أمرهم قد كشف فلا بد من الفرار بدينهم إلى الله، وقد فروا إلى كهف خشن ضيق، مؤثرين له على كل زينة من زينة الحياة الدنيا.
إنهم يستروحون رحمة الله ويحسونها ظليلة فسيحة ممتدة (ينشر لكم ربكم من رحمته) ولفظه (ينشر) تلقي ظلال السعة والبحبوحة والانفساح فإذا الكهف فضاء فسيح رحيب، تنتشر فيه الرحمة وتتسع خيوطها.
إنه الإيمان! وما قيمة الظواهر؟ وما قيمة القيم والأوضاع والمدلولات التي تعارف عليها الناس في حياتهم الأرضية؟
إن هناك عالماً آخر في جنبات القلب المعمور بالإيمان، المأنوس بالرحمن عالماً تظلله الرحمة والرفق والاطمئنان والرضوان (١) .
وهكذا تتعد الأمثال في جميع الوشائج والروابط، وشيجة الأبوة في قصة نوح ووشيجة البنوة والوطن في قصة إبراهيم، ووشيجة الأهل والعشيرة والوطن جميعاً في قصة أصحاب الكهف، ورابطة الزوجية في قصص امرأتي نوح ولوط وامرأة فرعون.
هكذا يمضي الموكب الكريم حتى تجيء الأمة الوسط، فنجد هذا الرصيد من الأمثال والنماذج والتجارب، فتمضي على النهج الرباني للأمة المؤمنة وتفترق العشيرة الواحدة والبيت الواحد حيث تفترق العقيدة.
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴿ [سورة المجادلة: ٢٢] .
стр. 150
لقد جمعت هذه العقيدة صهيباً الرومي وبلالاً الحبشي، وسلمان الفارسي وأبا بكر العربي القرشي تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله (وتوارت عصبية القبيلة والجنس والأرض وقال لهم ﷺ (دعوها فإنها منتنة) (١) . وقال (ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية) (٢) فانتهى أمر هذا النتن، وماتت نعرة الجنس. واختفت لوثة القوم، واستروح البشر أرج الآفاق العليا، ومنذ ذلك اليوم لم يعد وطن المسلم هو الأرض وإنما وطنه هو (دار الإسلام) ، تلك الدار التي تسيطر عليها عقيدة، وتحكم فيها شريعة الله وحدها (٣) .
وتبقى سيرة المصطفى ﷺ وسيرة صحابته الأخيار منار هدي وإصلاح لمن سلك ذلك السبيل، ورضي بذلك النهج القويم.
أما من حاد عن ذلك وابتعد فالله ليس بوليه، وإنما وليه (الطاغوت)
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿ [سورة البقرة: ٢٥٧] .
стр. 151
الفصل الخامس
الولاء والبراء في العهد المكي
كان الحديث في الفصل السابق عن أمثلة مشرقة، وصور مضيئة من ولاء وبراء الأنبياء والرسل، والصالحين عبر تاريخ البشرية الطويل.
ونتحدث هنا عن الولاء والبراء من خلال سيرة نبينا محمد ﷺ ، مستمدين ذلك من الوحيين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكتب السير والمغازي.
وقد اعتمدنا في تقسيم الآيات إلى مكي ومدني، على ما ذكره العلماء في كتب التفسير وعلوم القرآن من أن المكي: - على الأشهر - هو ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها (١) .
وسبق أن قلنا في التمهيد: أن المسلم منذ أن يعلن شهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فإن ذلك يعني إفراد الله بالوحدانية والألوهية والربوبية وخلع كل ولاء وعبودية وطاعة وخضوع وخوف ورجاء لأي معبود أو متبوع أو مطاع من دون الله. وقصر هذا الولاء والحب والتعظيم لله .
وقد نزل الوحي الآلهي أول ما نزل على المصطفى ﷺ في غار حراء بقوله سبحانه:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الإِنسَانَ
стр. 152
مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿ [سورة العلق: ١-٥]
ثم بعد ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنذِرْ ﴿٢﴾ ﴿ [سورة المدثر: ١-٢] .
وبدأ المصطفى ﷺ يدعو الناس سراً إلى الإسلام وأسلم معه نفر قليل، منهم أبو بكر الصديق، وعلى بن أبي طالب وخديجة بنت خويلد زوجته ﵃ جميعاً. وبدأ رسول الله ﷺ يغرس في نفوس أصحابه محبة لله ومحبة رسوله والاجتماع على ذلك وإخلاص الحب والولاء والنصرة للمؤمنين وبغض الكفر والشرك وأهله وهذا هو لازم كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وهنا نشأت الوشيجة الجديدة وشيجة العقيدة في نفوس المؤمنين وبدأ يقر في نفوسهم أن هذه هي الرابطة الحقيقية. هي الرابطة التي تطمئن لها نفس المؤمن ومع نمو هذه الغرسة الجديدة بدأت تذبل شجرة العصبية الجاهلية، والروابط الجاهلية، وبدأت نظرة الريب والاحتقار لتلك الروابط تكبر يوماً فيوماً في نفس كل من آمن بالله ورسوله.
الملتقى الأول
وأولى خطوات الطريق
اختار المصطفى ﷺ دار الأرقم لتلقين من آمن معه أمور هذا الدين. ولقد كانت هذه الدار هي الملتقى الأول لأولئك القادة العظام، كانت هي الدار التي بدأ يشع منها ذكر الله وتوحيده في الأرض.
стр. 153
ترى ما هو حال المسلمين آنذاك؟ وماذا بعد النطق بالشهادتين؟
يجيب على ذلك الأستاذ سيد قطب ﵀ فيقول: إنه لم يكن للإسلام والمسلمين في مكة شريعة ولا دولة، ولكن الذين كانوا ينطقون بالشهادتين كانوا يسلمون قيادهم من فورهم للقيادة المحمدية، ويمنحون ولاءهم من فورهم للعصبة المسلمة. وكان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية، ويبدأ عهداً جديداً، منفصلاً كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية. إنه يقف من كل ما عهده في جاهليته موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف.
(لقد كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماضي المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه، ونشأت عن هذه العزلة، عزلة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية أيضاً.
(إنه قد انفصل نهائياً من بيئة الجاهلية، واتصل نهائياً ببيئته الإسلامية، حتى لو كان يأخذ من بعض المشركين ويعطي في عالم التجارة والتعامل اليومي.
فالعزلة الشعورية شيء، والتعامل اليومي شيء آخر.
(وحين انخلع المسلم من عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد، ومن تصور الجاهلية إلى تصور الإسلام فإنه أيضاً كان ينسلخ من القيادة الجاهلية، وينزع ولاءه من الأسرة والعشيرة والقبيلة، ويترجم ذلك إلى واقع وحقيقة يقوم عليها الإسلام. وهذا هو الذي أزعج (الملأ) من قريش!
(أزعجهم زحف الإسلام، وأزعجهم القرآن، ولم يزعجهم من قبل أن (الحنفاء) اعتزلوا معتقدات المشركين وعباداتهم، واعتقدوا بألوهية الله وحده، وقدموا له الشعائر وحده فهذا لا يهم الطاغوت، كما يفهم بعض الطيبين الخيرين اليوم الذين لا يدركون ولا يعرفون حقيقة الإسلام.
(إنما الإسلام هو تلك الحركة المصاحبة للنطق بالشهادتين ثم الانخلاع من المجتمع الجاهلي وتصوراته وقيمه وقيادته وسلطانه وشرائعه. والولاء لقيادة الدعوة الإسلامية التي تريد أن تحقق الإسلام في عالم الواقع، ولذلك قاوم ((الملأ)) من
стр. 154
قريش هذه الدعوة بشتى الأساليب) (١) والتقى المؤمنون على حب الله ورسوله، فكان لقاء عميقاً لأن كلا منهم جاء إلى الله ورسوله يتلقى منه، ويهتدي بهديه، ويتوجه إليه، وأحسن كل منهم نحو أخيه برباط من نوع جديد، يربطه بأخوته في الله، إنه يحبه كنفسه مع أنه ليس من قبيلته ولا بينهما آصرة دم (٢) .
وأخذ القرآن الكريم ينزل حسب النوازل والحوادث على ما يشاء الله لتربية الأمة على أسس العقيدة فكان الولاء والبراء يزيد كلما ازدادت التكاليف وكان من الطرق التي سلكها القرآن في عرض هذه العقيدة ضرب المثل، لأنه كما يقال: بالمثال يتضح المقال. ومعلوم أن كلام الله واضح ولكن سياق المثل يستثير في الإنسان نوعاً من التفكر وتدبر العبرة والعظة لتغيير المسار الخاطئ والاتجاه في الطريق الصحيح.
ومن هذه الأمثلة في موضوعنا قوله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿ [سورة العنكبوت: ٤١] .
وبتقرير هذه الحقيقة الضخمة في النفوس، كان المؤمنون أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقهم، وداسوا بها على كبرياء الجبابرة في الأرض، ودكوا بها المعاقل والحصون.. إن قوة الله وحدها هي القوة، وولاية الله وحدها هي الولاية وما عداها فهو واهن ضئيل هزيل، مهما علا واستطال، ومهما تجبر وطغى ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل (٣) .
стр. 155
ومكث المصطفى ﷺ في دعوته للناس بالسر ثلاث سنوات، كما قال ذلك علماء السير والمغازي (١) .
وبعد أن فشا ذكر الإسلام في مكة، وتحدث الناس به أمر الله رسوله ﷺ أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادئ الناس بأمره، وأن يدعو إليه ونزل قوله تعالى:
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿ [سورة الحجر: ٩٤] .
وقال الله له:
﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴿٢١٤﴾ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ (٢) [سورة الشعراء: ٢١٤ - ٢١٥] .
وهنا بدأ الابتلاء للمسلمين، وهذا الابتلاء الذي ظاهره الشدة هو في حقيقته نعمة، لأنه يتضح من خلاله: الصادق من الكاذب، والخبيث من الطيب. قال تعالى:
﴿الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿ [سورة العنكبوت: ١ - ٣] .
стр. 156
وحدث لأصحاب رسول الله ﷺ من الابتلاء والشدة الشيء الكثير، حتى إنهم كانوا يذهبون للشعاب يستخفون بصلاتهم عن قومهم (١) .
صدق التحمل
ماذا فعل المؤمنون تجاه العذاب الذي صبه عليهم أعداء الله؟ ما هو رد فعل المسلمين تجاه ما فعل بهم عامة وما فعل ببلال وآل ياسر وغيرهم من المستضعفين خاصة؟
إنه الصبر على الأذى والهجر الجميل. قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً ﴿١٠﴾ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً ﴿ [سورة المزمل: ١٠-١١] .
وصبر المصطفى ﷺ وكانت تربيته الربانية كفيلة بتطهير نفوس المؤمنين معه فكانوا كل يوم يزدادون من سمو الروح ونقاء القلب ونظافة الخلق والتحرر من سلطان الماديات والشهوات شيئاً كثيراً.
(كان ﷺ يأخذهم بالصبر على الأذى والصفح الجميل، وقهر النفس مع أنهم قوم قد وضعوا حب الحرب، وكأنهم ولدوا مع السيف، وهم من أيامها حرب البسوس وداحس والغبراء. وما يوم الفجار ببعيد!!
ولكن رسول الله ﷺ قهر طبيعتهم الحربية، وكبح نخوتهم العربية فانقهروا لأمره، وكفوا أيديهم وتحملوا من قريش ما تسيل منه النفوس، في غير جبن وفي غير عجز) (٢) . هذا بالنسبة لموقف المسلمين من أعدائهم.
стр. 157
أما ولاؤهم فيما بينهم، فنقول: أن المصطفى ﷺ قد حرص على غرس ركيزتين أساسيتين في نفوسهم هما:
(١) الإيمان بالله، ذلك الإيمان المنبثق من معرفته سبحانه، وتمثيل صفاته في الضمائر، وتقواه، ومراقبته، مع اليقظة والحساسية التي بلغت في نفوسهم حداً غير معهود إلا في النادر من الأحوال.
(٢) الحب الفياض، والتكافل الجاد العميق، حيث بلغت فيه الجماعة المسلمة مبلغاً لولا أنه وقع بالفعل لعد من أحلام الحالمين (١) .
إن نقطة الحب في الله التي التقى عليها المؤمنون، كانت أيضاً لقاء على ما يتبع هذه الدعوة من جهد أو غرم، وما يستتبع ذلك من ألم أو سرور وجعل العاطفة الإنسانية تحب وتبغض تبعاً لما يصيب الإسلام من خير أو شر (٢) .
ولكي يكون لهذا الكلام ما يدعمه من دليل، وحتى نعلم ما هي نتائج تربية (دار الأرقم) أذكر موقفاً واحداً لصديق هذه الأمة، أبي بكر الصديق ﵁.
وطئ أبو بكر ﵁ في مكة يوماً بعد ما أسلم، وضرب ضرباً شديداً، ودنا منه عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين، ويحرفهما لوجهه، ثم نزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا، وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعيمه شيئاً أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك ذهبت قالت: نعم
стр. 158
فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دنفاً، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت والله إن قوماً نالوا منك هذا لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم، قال: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالت: هذه أمك تسمع!! قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح، قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن الأرقم، قال: فإن لله على أن لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله ﷺ فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله ﷺ (١) .
يا لله! رجل مضروب، مثخن بالجراح لا يتناول حتى شربة الماء وهو أشد ما يكون حاجة إليها حتى يرى رسول الله ﷺ ؟!
حقاً إنها تربية دونها كل تربية. حقاً نقول إن ذلك الجيل الذي رباه المصطفى ﷺ جيل فريد على غير مثال سابق ولا لاحق.
سمات العلاقة بين
المسلمين وأعدائهم في العهد المكي
إن المرحلة المكية كانت تقتضي أن تكون العلاقة بين المسلمين والمشركين علاقة غير قتالية، علاقة بيان للحق، وصبر على الأذى فيه، واحتساب لكل ما عرفته رباع مكة ورمضاؤها والطائف وفجاجها من أذى للمصطفى ﷺ وعذاب واضطهاد لبلال وعمار وخباب وآل ياسر وغيرهم ﵃ أجمعين.
ذلك أن ظروف تلك المرحلة كانت تقتضي اتخاذ الأساليب السلمية، وعرض الحقائق الإيمانية عرضاً مؤثراً، عله يكون في هذا وفيما أبداه المؤمنون الصابرون من تحمل وصبر، ما يرجع لأهل اللب صوابهم، وما أجدر ذلك باستجابة القوم لولا اتباع الهوى وسلطان المصالح الزائلة من زعامة ووجاهة ومكاسب مادية، وما إلى ذلك (٢) .
стр. 159
والتربية النبوية في هذا العهد ذات شأن عظيم ذلك أنها كانت تربية تقوم على ضبط النفس، والصبر على الأذى، وإعداد العدة مع حبس دواعي الانطلاق وكف حدة الإقدام، واحتمال جهل الجاهلين وبغي الطاغين. وكل ذلك من غير ذل ولا استجداء، ولا يأس ولا وهن، بل إن عيونهم قريرة وقلوبهم مطمئنة إلى نصر الله ونفوسهم مستعلية على شرك المشركين وضلالهم وفتنتهم (١) .
ومن المهم في هذا الموضوع أن نلاحظ الحكمة الربانية في عدم فريضة القتال في مكة فإنه إنما شرع في العهد المدني أما (حين كان المسلمون في مكة فقد كان المشركون أكثر عدداً، فلو أمر المسلمون وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله ﷺ وكانوا نيفاً وثمانين قالوا: يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي - يعنون أهل منى - ليالي منى فنقتلهم؟ فقال رسول الله ﷺ ((إني لم أؤمر بهذا) (٢) .
ونحن حين نلتمس الحكمة في هذه الحالة وفي غيرها من التكاليف الشرعية - كما يقول الأستاذ سيد قطب ﵀ لا نجزم بما نتوصل إليه، لأننا حينئذ نتألى على الله ما لم يبين لنا من حكمة. ونفرض أسباباً وعللاً قد لا تكون هي الأسباب والعلل الحقيقة، أو قد تكون.
ذلك أن شأن المؤمن أمام أي تكليف، أو أي حكم من أحكام الشريعة هو التسليم المطلق لأن الله سبحانه هو العليم الخبير، وإنما نقول هذه الحكمة والأسباب من باب الاجتهاد وعلى أنه مجرد احتمال لأنه لا يعلم الحقيقة إلا الله، ولم يحددها هو لنا ويطلعنا عليها بنص صريح) (٣) .
وهذه الأسباب والعلل ذكرها الأستاذ سيد قطب ﵀ في كتابيه القيمين: ((في ظلال القرآن)) عند تفسير سورة النساء، وفي ((معالم في الطريق)) (٤)
стр. 160
فصل الجهاد في سبيل الله وسأوجزها فيما يلي:
(١) إن الكف عن القتال في مكة ربما كان لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد، في بيئة معينة، لقوم معينين، وسط ظروف معينة، ومن أهداف التربية في مثل هذه البيئة: تربية الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم حين يقع عليه أو على من يلوذون به: ليخلص من شخصه، ويتجرد من ذاته، فلا يندفع لأول مؤثر، ولا يهتاج لأول مهيج ومن ثم يتم الاعتدال في طبيعته وحركته. ثم تربيته على أن يتبع نظام المجتمع الجديد والتقيد بأوامر القيادة الجديدة، حيث لا يتصرف إلا وفق ما تأمره – مهما يكن مخالفاً لمألوفه وعادته – وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية العربي المسلم لإنشاء "المجتمع المسلم".
(٢) وربما كان ذلك أيضاً لأن الدعوة السلمية أشد أثراً وأنفذ في مثل بيئة قريش ذات العنجهية والشرف، والتي قد يدفعها القتال معها – في مثل هذه الفترة – إلى زيادة العناد ونشأة ثارات دموية جديدة كثارات العرب المعروفة أمثال داحس والغبراء وحرب البسوس، وحينئذ يتحول الإسلام من دعوة إلى ثارات تنسى معها فكرته الأساسية.
(٣) وربما كان ذلك أيضاً اجتناباً لإنشاء معركة ومقتلة داخل كل بيت، فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة هي التي تعذب المؤمنين، وإنما كان ذلك موكولاً إلى أولياء كل فرد ومعنى الإذن بالقتال – في مثل هذه البيئة – أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت ثم يقال: هذا هو الإسلام!! ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في المواسم، أن محمداً يفرق بين الوالد وولده فوق تفريقه لقومه وعشيرته! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد، والمولى بقتل الولي؟
(٤) وربما كان ذلك أيضاً لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون المسلمين عن دينهم ويعذبونهم هم أنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص، بل من قادته. ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟
стр. 161
(٥) وربما كان ذلك أيضاً لأن النخوة العربية في بيئة قبلية من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى، ولا يتراجع وبخاصة إذا كان الأذى واقعاً على كرام الناس فيهم. وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة في هذه البيئة - فابن الدغنة (١) لم يرض أن يترك أبا بكر - وهو رجل كريم - يهاجر ويخرج من مكة، ورأى في ذلك عاراً على العرب! وعرض عليه جواره وحمايته.. وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب.
(٦) وربما كان ذلك أيضاً لقلة عدد المسلمين حينذاك وانحصارهم في مكة حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة، أو بلغت ولكن بصورة متناثرة، حيث كانت القبائل تقف على الحياد من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها، لترى ماذا يكون مصير الموقف. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة - حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم - ويبقى الشرك، ولا يقوم للإسلام في الأرض نظام، ولا يوجد له كيان واقعي، وهو دين جاء ليكون منهج حياة ونظام دنيا وآخرة.
(٧) إنه لم تكن هناك ضرورة قاهرة ملحة، لتجاوز هذه الاعتبارات كلها، والأمر بالقتال، ودفع الأذى، لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائماً ومحققاً وهو " وجود الدعوة" ووجودها في شخص الداعية محمد ﷺ ، وشخصه في حماية سيوف بني هاشم، فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع. ولذلك لا يجرؤ أحد على منعه من إبلاغ الدعوة وإعلانها في ندوات قريش حول الكعبة، ومن فوق جبل الصفا، وفي الاجتماعات العامة ولا يجرؤ أحد على سجنه أو قتله، أو أن يفرض عليه كلاماً بعينه يقوله، بل إنهم حين طلبوا إليه أن يكف عن سب آلهتهم وعيبها لم يكف، وحين طلبوا إليه أن يسكت عن سب دين آبائهم وأجدادهم لم يسكت، وحين طلبوا إليه أن يدهن فيدهنوا، أي يجاملهم فيجاملوه، بأن يتبع بعض تقاليدهم ليتبعوا بعض عبادته لم يدهن.
стр. 162
إن هذه الاعتبارات كلها – فيما نحسب – كانت بعض ما اقتضت حكمة الله – معه – أن يأمر المسلمين بكف أيديهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، لتتم تربيتهم، وإعدادهم، وليقف المسلمون في انتظار أمر القيادة، في الوقت المناسب، وليخرجوا أنفسهم من المسألة كلها، فلا يكون لذواتهم فيها حظ.. لتكون خالصة لله، وفي سبيل الله – (انتهى ملخصاً من الظلال) .
والناظر في الفترة المكية والتي كانت ثلاثة عشر عاماً كلها تربية وإعداد وغرس لمفاهيم لا إله إلا الله يدرك ما لأهمية هذه العقيدة من شأن في عدم الاستعجال واستباق الزمن فالعقيدة بحاجة إلى غرس يتعهد بالرعاية والعناية إلى الله أن يقفوا أمام تربية المصطفى ﷺ لأصحابه على هذه العقيدة وقفة طويلة، فيأخذوا منها العبرة والأسوة، لأنه لا يقف في وجه الجاهلية – أياً كانت قديمة أم حديثة أم مستقبلية – إلا رجال اختلطت قلوبهم ببشاشة العقيدة الربانية، وعمقت جذور شجرة لا إله إلا الله في نفوسهم، فيصدق عليهم حينئذ أنهم
﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴿ [سورة الأحزاب: ٢٣] .
لا تهمهم قوة عدو، ولا تنقصهم عزيمة باسل لأن الله هو وليهم وناصرهم،
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿ [سورة الحج: ٤٠]
قال ابن اسحاق:
(لما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ثم من عمه أبي طالب، وإنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم: " لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم
стр. 163
فيه " فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله بدينهم فكانت أول هجرة في الإسلام (١) .
ثم إن لطف الله ورحمته غمرت المؤمنين المستضعفين وذلك بإسلام عمر بن الخطاب ﵁، حيث أعز الله به الإسلام، ولذلك قال عبد الله بن مسعود ﵁ "إن إسلام عمر كان فتحاً، وإن هجرته كانت نصراً، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه " (٢) إنها نعمة كبرى تجلت في إسلام عمر، الذي منح ولاءه ونصرته للمسلمين، وصير بغضه وعداوته وبراءه للكافرين، كيف لا وهو الذي اشتبك مع القوم بعد إسلامه ثم قال: " افعلوا ما بدا لكم فوالله لو أن قد كنا ثلاث مئة رجل لقد تركناها – أي مكة – لكم أو تركتموها لنا " (٣)
وسمع المؤمنون بإسلام عمر ﵁ وهم في الحبشة ففرحوا بذلك ورجع منهم من رجع إلى مكة – ولكن قريشاً صبت عليهم ألواناً من العذاب والاضطهاد فلم يزدهم ذلك إلا صلابة في العود وثباتاً على الحق وأملاً في فرج من الله قريب.
ثم تعرض رسول الله ﷺ ومن معه لدرس آخر من دروس الابتلاء التي هي من سنن الدعوة إلى الله: ذلك الدرس هو موت أبي طالب عم رسول الله الذي كان مناصراً له وحامياً. وموت زوجة رسول الله خديجة ﵂ أول امرأة أسلمت وكانت مثالاً للمرأة المسلمة الصالحة وهنا يطمع أعداء الله في رسول الله ﷺ ، ولكن الله أكبر من كل شيء ثم رأى المصطفى ﷺ أن يتجه إلى غير قريش عسى أن يجد مجيباً وناصراً فخرج إلى الطائف، ولكن ثقيفاً خيبت أمله وآذته وسخرت منه، فاتجه إلى ربه قائلاً (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة
стр. 164
حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك) (١) . ثم رجع إلى مكة.
وعلى الدعاة أن يقفوا طويلاً عند قول المصطفى ﷺ (إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي) فإن هم الداعية المسلم هو رضاء الله وكفى. ثم بعد ذلك ليكن ما يكون من أمر الناس فإن ذلك ليس كبير حسبان طالما أن الغاية هي رضاء الله.
بر الأقارب المشركين
ومن خلال تتبع القرآن المكي نجد أنه رغم قطع الولاء سواء في الحب أو النصرة بين المسلم وأقاربه الكفار فإن القرآن أمر بعدم قطع صلتهم وبرهم والإحسان إليهم ومع ذلك فلا ولاء بينهم.
قال تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فأنبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ [سورة العنكبوت: ٨] .
стр. 165
قال البغوي: إن هذه الآية وآية ١٥ من سورة لقمان وهي قوله تعالى:
﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فإنبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿
نزلت في سعد بن أبي وقاص ﵁ وأمه حمنة بنت أبي سفيان، فقد كان سعد من السابقين الأولين للإسلام، وكان باراً بأمه.
قالت له أمه: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، يقال: يا قاتل أمه! ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل، فأصبحت قد جهدت ثم مكثت يوماً آخر وليلة لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال: يا أماه: لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني، فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل الله هذه الآية وأمره بالبر بوالديه، والإحسان إليهما، وعدم طاعتهما في الشرك لأنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (١) .
لذلك فالولاء لله ودينه والمؤمنين شيء لا طاعة لمخلوق في مخالفته، وبر القريب المشرك شيء. قد يكون من باب تأليفه وترغيبه في الإسلام.
стр. 166
كيف كانت صورة البراء في العهد المكي
(١) إن المسلم من حين أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وهو يحس بأنه قد دخل في دين جديد غير دين آبائه وأجداده، إنه (يشعر في اللحظة التي يجيئ فيها إلى الإسلام أنه يبدأ عهداً جديداً منفصلاً كل الانفصال عن حياته التي عاشها في الجاهلية. وكان يقف من كل ما عهده في جاهليته موقف المستريب الشاك الحذر المتخوف الذي يحس أن كل هذا رجس لا يصلح للإسلام. وبهذا الإحساس كان يتلقى هدي الإسلام الجديد ... ويمكننا أن نسمي هذا بـ (العزلة الشعورية) فالمسلم قد انخلع من البيئة الجاهلية، وعرفها وتصورها وعاداتها وروابطها. وانخلع من عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد، ومن تصور الجاهلية إلى تصور الإسلام عن الحياة والوجود، وانضم إلى التجمع الإسلامي الجديد بقيادته الجديدة. ومنح هذا التجمع وهذه القيادة كل ولائه وطاعته وحبه وتبعيته) (١) .
(٢) بعد ذلك جاء الأمر بالإعراض عن الكفار ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٢٩﴾ ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ﴿ [سورة النجم ٢٩-٣٠] .
(٣) وجاء الأمر أيضاً بالصبر والهجر الجميل قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً ﴿ [سورة المزمل: ١٠] .
стр. 167
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ﴿٦٠﴾ [سورة الروم: ٦٠] .
ثم يذكر الله سبحانه المؤمنين بفعل أبيهم إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم ليأخذوا منه أسوة وقدوة فيقول سبحانه:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءؤا مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦﴾ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فإنهُ سَيَهْدِينِ ﴿٢٧﴾ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿ [سورة الزخرف: ٢٦-٢٨] .
(٤) وإلى جانب هذا التذكير الرباني، يضرب أيضاً المثل المحسوس والملموس في حياة الناس لمن يوزع ولاءه بين أرباب متفرقة، ومن يكون ولاؤه لرب واحد، واتجاه واحد.
قال تعالى:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿ [سورة الزمر: ٢٩] .
فقد وضح الله في هذا المثال القرآني حال المشرك الذي لا يؤمن بالله ولا يكون ولاؤه وحبه لله وفي الله بحال العبد الذي تملكه جماعة مشتركين في خدمته لهم لا يمكنه إرضاؤهم أجمعين وحال الموحد الذي يعبد الله وحده ويوالي في الله وحده مثله كمثل عبد لمالك واحد قد سلم له وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه بل هو سالم لمالكه من غير منازع فيه، مع رأفة
стр. 168
مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليته بمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟ لا. إنهما لا يستويان (الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) (١) .
وعلى طريقة القرآن في اهتمامه بقضية اليوم الآخر لما لها من أثر عظيم في قضية الإيمان: نجد القرآن الكريم يسوق مشهداً من مشاهد يوم القيامة لمن يكون ولاؤه لغير الله، وكيف انقلب هذا الولاء إلى عداء وبغضاء. ثم كيف أصبحت الخلة عداوة وشحناء.
قال تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ﴿ [سورة فصلت: ٢٩] .
وقال:
﴿الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ﴿ [سورة الزخرف: ٦٧] .
وقال: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا وَيْلَتَي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً ﴿٢٨﴾ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً ﴿ [سورة الفرقان: ٢٧-٢٩] .
стр. 169
(٥) ثم جاء التصريح الكامل لأعداء الله بأن دينكم باطل لا ندخل فيه، وديننا هو الحق الذي ندين الله به، فلا نعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما نعبد.
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
ولما رأى المشركون صلابة المسلمين واستعلائهم بدينهم، ورفعة نفوسهم فوق كل باطل ولما بدأت خطوط اليأس في نفوسهم من أن المسلمين يستحيل رجوعهم عن دينهم سلكوا مهزلة أخرى من مهازلهم الدالة على طيش أحلامهم ورعونتهم الحمقاء.
فقد دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة فأنزل الله سورة الكافرون:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴿٤﴾ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥﴾ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾ [سورة الكافرون ١-٦] . (١)
ومثل هذه السورة آيات أخرى تشابههما في إعلان البراء من الكفر وأهله مثل قوله تعالى:
﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿ [سورة يونس: ٤١] .
стр. 170
وقوله تعالى:
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴿٥٦﴾ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ﴿ [سورة الأنعام: ٥٦ - ٥٧] .
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٤﴾ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ [سورة يونس: ١٠٤-١٠٥] .
بهذه النصاعة وهذا الوضوح جاءت هذه الآيات الكريمات لترسم معالم الطريق بين الصف الإسلامي والصف الكافر المشرك الذي لا يؤمن بالله ورسوله. ومع هذا الوضوح القرآني نجد أن بعض المنتسبين للعلم قد فهم من
стр. 171
هذه الآيات - وخاصة سورة الكافرون - إنها إقرار من رسول الله ﷺ للكفار على دينهم الباطل وهذا زعم باطل. مخالف لحقيقة الإسلام، ودعوة رسول الإسلام.
ومضاد لدعوة الرسل جميعاً.
يقول العلامة ابن القيم ﵀:
(إن هذه السورة - سورة الكافرون - تشتمل على النفي المحض وهذه خاصية هذه السورة، فإنها سورة براءة من الشرك كما جاء في وصفها) (١) .
(ومقصودها الأعظم البراءة المطلوبة بين الموحدين والمشركين، ولهذا أتى بالنفي في الجانبين تحقيقاً للبراءة المطلوبة. مع تضمنها للإثبات بأن له معبوداً يعبده وأنتم بريئون من عبادته، وهذا يطابق قول إمام الحنفاء ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦﴾ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي ﴿ [سورة الزخرف ٢٦ - ٢٧] فانتظمت حقيقة لا إله إلا الله.
(ولهذا كان النبي ﷺ يقرنها بسورة الإخلاص في سنة الفجر (٢) وسنة المغرب (٣) وحين أخبر الله أن لهم دينهم وله دينه: هل هو إقرار فيكون منسوخاً أو مخصوصاً؟ أو لا نسخ في الآية ولا تخصيص؟
(هذه مسألة شريفة من أهم المسائل، وقد غلط في السورة خلائق، وظنوا أنها منسوخة بآية السيف لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم! وظن آخرون: أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب!
وكلا القولين محض، فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة وهي من السورة التي يستحل دخول النسخ في مضمونها، فإن أحكام التوحيد التي اتفقت عليه الرسل يستحيل دخول النسخ فيه.
(وهذه السورة أخلصت التوحيد، ولهذا تسمى أيضاً سورة الإخلاص. ومنشأ الغلط: ظنهم أن الآية اقتضت إقرارهم على دينهم. ثم رأوا أن هذا الإقرار زال بالسيف فقالوا: منسوخة!!
стр. 172
وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار وهم من لا كتاب لهم فقالوا هذا مخصوص! ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريراً لهم أو إقراراً على دينهم أبداً. بل لم يزل رسول الله ﷺ في أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد على الإنكار عليهم، وعيب دينهم وتقبيحه، والنهي عنه، والتهديد والتوعيد في كل وقت وفي كل ناد. فكيف يقال إن الآية، اقتضت تقريراً لهم؟ معاذ الله من هذا الزعم الباطل.
وإنما الآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم، وأن ما أنتم عليه من الدين لا نوافقكم عليه أبداً، فإنه دين باطل فهو مختص بكم لا نشرككم فيه، ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق.
فهذه غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار حتى يدعى النسخ أو التخصيص؟!
أفترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال: لكم دينكم ولي دين؟
بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يطهر الله منهم عباده وبلاده، وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع الرسول ﷺ أهل سنته وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به، الداعين إلى غير سنته إذ قال لهم خلفاء الرسول وورثته لكم دينكم ولنا ديننا لا يقتضي هذا إقرارهم على بدعتهم، بل يقولون لهم هذه براءة منها، وهم هذا منتصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان (١) .
وزاد هذا الأمر إيضاحاً وبياناً: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: (قوله تعالى ((لكم دينكم ولي دين)) اللام في لغة العرب يدل على الاختصاص فإنتم مختصون بدينكم لا أشرككم فيه، وأنا مختص بديني لا تشركونني فيه كما قال تعالى:
﴿لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ
стр. 173
لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ﴾ [سورة يونس: ٤١] .
وليس في هذه الآية أنه رضي بدين المشركين، ولا أهل الكتاب كما يظنه بعض الملحدين، ولا أنه نهى عن جهادهم كما ظنه بعض الغالطين، وجعلوها منسوخة. بل فيها براءته من دينهم، وبراءتهم من دينه، وأنه لا تضره أعمالهم، ولا يجزون بعمله ولا ينفعهم. وهذا أمر محكم لا يقبل النسخ، ولم يرض الرسول بدين المشركين، ولا أهل الكتاب طرفة عين قط.
ومن زعم أنه رضي بدين الكفار، واحتج بقوله تعالى:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴿٤﴾ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥﴾ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾ [سورة الكافرون: ١-٦] .
فظن هذا الملحد أن قوله (لكم دينكم ولي دين) معناه أنه رضي بدين الكفار، ثم قال هذه الآية منسوخة فيكون قد رضي بدين الكفار، فهذا من أبين الكذب والافتراء على محمد ﷺ ، فإنه لم يرض قط إلا بدين الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه.. ونظير هذه الآية قوله تعالى:
﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ
стр. 174
مما أعمل وأنا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿ [سورة يونس: ٤١] .
وقوله تعالى:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ" ﴿ [سورة الشورى: ١٥] .
وإذا كان الله سبحانه قد قال:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ٢١٥﴾ فإن عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٢١٦ – ٢١٧] .
فبرأه من معصية من عصاه من أتباعه المؤمنين، فكيف لا يبرئه من كفر الكافرين الذين هم أشد له معصية ومخالفة؟) (١) .
стр. 175
ورحم الله عبد الله بن عباس حين قال في شأن هذه السورة (ليس في القرآن أشد غيظاً لإبليس منها، لأنها توحيد وبراءة من المشرك) (١) وقال الأصمعي: كان يقال لـ (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) المشقشقتان. أي أنهما تبرئان من النفاق (٢) .
فرج من الله قريب
قال ابن إسحاق: (فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه ﷺ ، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً، فقال لهم ﷺ من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.. فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام. وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا، فلما قدموا المدينة ذكروا لقومهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ (٣) .
أجل: بعد كل ذلك العناء وتلك المصابرة هيأ الله اللطيف الخبير من ينصر هذا الدين ويعلي كلمته، وينشره في الأرض بعد أن آوى رسول الله وأصحابه الأوائل. إنه لشرف دونه كل شرف أن يسموا (الأنصار) أنصار الله، أنصار
стр. 176
نبيه، أنصار دينه أنصار عباده المؤمنين، وليسوا أنصار الجاهلية وطواغيتها وجبابرتها الذين هم في أعين الناس كبار وهم حقيقة الأمر صغار وأقزام!!
ولما كان العام المقبل وصل إلى مكة من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوا رسول الله ﷺ بالعقبة الأولى فبايعوه، وكانت البيعة على الإسلام وأرسل معهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير (١) ﵁ يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، ويؤمهم في الصلاة (٢) .
وقدم مصعب ﵁ ومعه وفد كريم من الأنصار في موسم الحج فكانت بيعة العقبة الكبرى حيث تساءلوا وهم خارجون من المدينة: حتى متى نترك رسول الله يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟
(لقد بلغ الإيمان أوجه في هذه القلوب الفتية، وآن لها أن تتنفس عن حماسها، وأن تفك هذا الحصار الخانق المضروب حول الدعوة والداعية (٣) .
صيغة البيعة
تكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام ثم قال: (أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم) فأخذ البراء
стр. 177
بن معرور (١) بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعك مما نمنع منه أزرنا (٢) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة (٣) ، ورثناها كابراً عن كابر. فاعترض أبو الهيثم بن التيهان (٤) فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها – يعني اليهود – فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: " بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم " (٥) .
قال ابن هشام: الهدم الهدم: يعني الحرمة، أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم (٦)
ثم قال: أسعد بن زرارة (٧) فقال: رويداً يا أهل يثرب: فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة، وقتل خياركم وإن تعضكم السيوف، وإما أنتم قوم تصبرون على ذلك
стр. 178
فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبنة فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله، فقالوا يا أسعد: أمط عنا بيدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، ثم قاموا إليه رجلاً رجلاً فبايعوه (١) .
أجل: (وإنه الإيمان بالله والحب فيه، والإخوة على دينه، والتناصر باسمه، ذلك كله كان يتدافع في النفوس المجتمعة في ظلام الليل بجوار مكة السادرة في غيها، يتدافع ليعلن أن أنصار الله سوف يحمون رسوله كما يحمون أعراضهم، سوف يمنعونه بأرواحهم، فلا يخلص إليه أذى وهم أحياء) (٢) .
ترى: أي صورة أعظم من هذه الصورة لهذا الولاء الصادق؟ لقد كانت بيعة على دين الله ومرضاته. وانظر إلى رد المصطفى ﷺ " بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم " هذه هي الصلة الحقيقية والوشيجة الصادقة لعلاقة المسلم بأخيه المسلم. لقد أصبح الدم واحداً. " أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم " وهكذا تنقطع علائق الدم الجاهلي والتناصر الجاهلي والولاء الجاهلي ليحل محلها الولاء الإسلامي والوقوف في الصف الإسلامي والبراءة من الكفر وأهله واعتناق الإخوه الجديدة التي أمر الله بها. إنها البديل الصالح لتلك الوشائج الجاهلية كما قال ﷺ "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً " (٣) .
وهكذا نصل إلى معرفة ما فعل الله بنبيه ودعوته ومن معه، وما هيأ لهم من النصرة والمنعة والدار التي يقام فيها حكم الله وشريعته ومنهاجه في الأرض. أرض الأنصار. أرض الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
فإلى صورة جديدة مشرقة للولاء في العهد المدني.
стр. 179
الفصل السادس
الولاء والبراء في العهد المدني
لما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز عبده ورسوله محمد ﷺ ومن معه، أمره بالهجرة لتكون مبدأ فاصلاً بين الحق والباطل، وبين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (١) .
ولقد كانت الهجرة إيذاناً من المولى جل وعلا بقرب وعده الذي وعد به المؤمنين وهو وعد دائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿ [سورة النور: ٥٥] .
ولقد وقع هذا التمكين الرباني بالفعل ولذلك نجد القرآن يذكر المؤمنين بهذا
стр. 180
التمكين والنصر فيقول:
﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ [سورة الأنفال: ٢٦] .
وسيبقى هذا الوعد بالتمكين ما دام المسلمون ملتزمون بالشرط وهو عبادته وحده لا شريك له.
نبذة تاريخية
لما أذن الله بالهجرة: خرج المسلمون إلى المدينة زرافات ووحداناً، ولم يبق بمكة منهم إلا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعلي حيث أقاما بأمر منه ﷺ إلا من احتبسه المشركون كرهاً.
ولما رأى المشركون أصحاب رسول الله ﷺ قد تجهزوا، وخرجوا وساقوا الذرارى والأطفال والأموال إلى المدينة، وعرفوا أنها دار منعة، وأن أهلها أهل حلقة وشوكة وبأس: خافوا خروج رسول الله ﷺ إليهم ولحوقه بهم حيث سيشتد أمره وتقوى شوكته، فلذلك اجتمعوا في دار الندوة ولم يتخلف أحد من أهل الرأي والحجا منهم ليتشاوروا في أمره.
وخرجوا من ذلك الاجتماع برأي واحد: وهو أن يقوم من كل قبيلة شاب ثم يضربوه ضربة رجل واحد ليتفرق دمه في القبائل.
ولكن حماية الله ونصرته لنبيه ﷺ أكبر من مكر أولئك المجرمين، فقد نزل جبريل ﵇ على المصطفى ﷺ يأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة.