الولاء والبراء
في الإسلام
تأليف
محمد بن سعيد القحطاني
تقديم فضيلة الشيخ
عبد الرزاق عفيفي
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة فضيلة الشيخ العلامة
عبد الرزاق عفيفي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فموضوع هذا الكتاب له شأنه وله أهميته في نفسه، وبالنسبة لكتابته في هذا الوقت، فبين كتابته وبين الوقت الذي نعيش فيه الآن مناسبة قوية.
أما أهميته في نفسه: فذلك لأنه في أصل من أصول الإسلام هو: (الولاء والبراء) .
وهما مظهران من مظاهر إخلاص المحبة لله، ثم لأنبيائه وللمؤمنين.
والبراء: مظهر من مظاهر كراهية الباطل وأهله. وهذا أصل من أصول الإيمان وأما أهميته بالنظر للوقت الحاضر: فلأنه قد اختلط الحابل بالنابل!، وغفل الناس عن مميزات المؤمنين التي يتميزون بها عن
стр. 3
الكافرين، وضعف الإيمان في قلوبهم حتى ظهرت فيهم مظاهر يكرهها المؤمن.
والوا الكافرين أمماً ودولاً، وزهدوا في كثير من المؤمنين، وحطوا من قدرهم وساموهم سوء العذاب.
ومن هنا: تأتي أهمية نشر هذا الكتاب في هذا الوقت الحاضر بالذات.
ولقد جاء المؤلف على جوانب الولاء والبراء، ونقل في ذلك كثيراً من كلام العلماء، وقدم له ومهد، وعقب عليه وعلق، واستدل على ما جاء به من مبادئ الولاء والبراء بآيات من القرآن، وبأحاديث صحيحة عن رسول الله ﷺ ، وبكثير من آثار الصحابة ومن تبعهم من السلف.
وبين وجه الاستشهاد بهذا وبهذا، ورقم للآيات وبين سورها، وأخرج الأحاديث والآثار وبين درجتها في الغالب الكثير.
وبرزت شخصية الباحث في كتابه مما يدل على سعة اطلاعه وقوة بحثه. وأسأل الله جل شأنه أن ينفع المسلمين بهذا الكتاب، وأن يهيئ لمؤلفه إخواناً ينهجون نهجه، فالأمل كبير، الأمل في الله عظيم أن ينشأ كثير من شبابنا الحاضر على هذا المبدأ القيم، مبدأ نصرة دين الإسلام وإحياء ما اندرس منه فإن ربي مجيب الدعاء.
عبد الرزاق عفيفي
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وأصحابه ومن يسلك سبيله إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد شاء الله ﵎ أن يطبع هذا الكتاب أول مرة في لبنان إبان اشتداد الحرب الدائرة هناك، مما حال بيني وبين تصحيحه بعد الطبع فخرجت الطبعة الأولى وبها نقص في بعض المواضع، وأخطاء تحيل المعنى في مواضع أخرى.
لذلك فقد أعدت النظر فيه مستفيداً من ملاحظات القراء الكرام سائلاً المولى أن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم، وأن تكون هذه الطبعة أقرب إلى المراد والله ولي التوفيق.
المؤلف
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل الله فلن تجد له ولياً مرشداً وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإنه من رحمة الله وعظيم لطفه بخلقه: أن جعل الرسالة المحمدية هي خاتمة الرسالات السماوية، وجعلها كاملة صافية نقية لا يزيغ عنها إلا هالك. وكتب تبارك اسمه وتعالى جدّه السعادة في الدّارين لأتباع هذه الرسالة الذين قدروها حق قدرها، وقاموا بها على وفق ما أراد الله وعلى هدي نبي الله ﷺ وسماهم أولياء الله وحزبه. وكتب الشقاء والذلة على من حاد عن هذه الشريعة وتنكب الصراط المستقيم وسماهم أولياء الشيطان وجنده.
وأصل هذه الرسالة الخالدة: كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) هذه الكلمة العظيمة - كما يقول ابن القيم -:
(التي لأجلها نصبت الموازين، ووضعت الدوواين، وقام سوق الجنة والنار، وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار وأسست الملة، ولأجلها جردت السيوف للجهاد، وهي حق الله على جميع العباد) .
وحقيقة هذه الكلمة: (مركبة من معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علماً، والتصديق به عقداً، والإقرار به نطقاً، والانقياد له محبة
стр. 6
وخضوعاً، والعمل به باطناً وظاهراً، وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان، وكماله في الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله، والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده.
والطريق إليه: تجريد متابعة رسوله الله ﷺ ظاهراً وباطناً، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله) (١) .
هذه الكلمة العظيمة بكل مفاهيمها ومقتضياتها قد غابت عن حس الناس اليوم إلا من رحم الله، ومن هذه المفاهيم بل من أهمها موضوع: الولاء والبراء.
ولئن كان هذا المفهوم العقدي الهام قد غاب اليوم عن واقع حياة المسلمين - إلا من رحم ربك - فإن ذلك لا يغير من حقيقته الناصعة شيئاً.
ذلك أن الولاء والبراء: هما الصورة الفعلية للتطبيق الواقعي لهذه العقيدة. وهو مفهوم ضخم في حس المسلم بمقدار ضخامة وعظمة هذه العقيدة.
ولن تتحقق كلمة التوحيد في الأرض إلا بتحقيق الولاء لمن يستحق الولاء والبراء ممن يستحق البراء.
ويحسب بعض الناس أن هذا المفهوم العقدي الكبير يدرج ضمن القضايا الجزئية أو الثانوية ولكن حقيقة الأمر بعكس ذلك.
إنها قضية إيمان وكفر كما قال الله تعالى:﴾ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٢٣﴾ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ
стр. 7
وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿ [سورة التوبة:٢٣: ٢٤]
وقال ﷻ :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿. [سورة المائدة:٥١]
وقد قال أحد العلماء - وهو الشيخ حمد بن عتيق ﵀ (إنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم - أي الولاء والبراء - بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده) (١) .
ولقد قامت الأمة الإسلامية بقيادة البشرية دهراً طويلاً حيث نشرت هذه العقيدة الغراء في ربوع المعمورة، وأخرجت الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
ثم ما الذي حدث؟
* لقد تقهقرت هذه الأمة إلى الوراء بعد أن تركت الجهاد وأخذت بأذناب البقر!
* تراجعت بعد أن زهدت في الجهاد وهو ذروة سنام الإسلام.
* تبعت الأمم الأخرى بعد أن ركنت إلى حياة الدعة والرفاهية والبذخ والمجون.
* تبلبلت أفكارها بعد أن خلطت نبعها الصافي بالفلسفات الجاهلية والهرطقة البشرية.
* دخلت هذه الأمة في طاعة الكافرين واطمأنت إليهم، وطلبت صلاح دنياها بذهاب دينها فخسرت الدنيا والآخرة.
وبرزت صور موالاة الكفار في أمور شتى منها:
(١) محبة الكفار وتعظيمهم ونصرتهم على حرب أولياء الله، وتنحية شريعة الله عن الحكم في الأرض ورميها بالقصور والجمود وعدم مسايرة العصر ومواكبة التقدم الحضاري.
(٢) ومنها: استيراد القوانين الكافرة - شرقية كانت أم غربية - وإحلالها محل شريعة الله الغراء وغمز كل مسلم يطالب بشرع الله بـ: التعصب والرجعية والتخلف!
(٣) ومنها: التشكيك في سنة رسول الله ﷺ والطعن في دواوينها الكريمة والحط من قدر أولئك الرجال الأعلام الذين خدموا هذه السنة حتى وصلت إلينا.
(٤) قيام دعوات جاهلية جديدة تعتبر جديدة في حياة المسلمين، ذلك مثل دعوة القومية الطورانية والقومية العربية والقومية الهندية و.. و ... الخ.
(٥) إفساد المجتمعات الإسلامية عن طريق وسائل التربية والتعليم وبث سموم الغزو الفكري في المناهج والوسائل الإعلامية بكل أصنافها.
وأمام هذه الصور وغيرها من الصور الكثيرة تنشأ أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات صادقة وافية يدعمها الدليل من الكتاب والسنة والاسترشاد بآراء العلماء الأعلام ومن هذه الأسئلة:
لمن ينتمي المسلم؟
ولمن يكون ولاؤه؟
وممن يكون براؤه؟
ما حكم تولي الكفار ونصرتهم؟
ما حكم الإسلام في المذاهب الفكرية التي يروج لها المستغفلون أو الحاقدون من أبناء أمتنا وممن ينطقون بألسنتنا؟
كيف ينبغي أن تكون صورة الولاء للمسلمين الذين يضطهدون اليوم وغير اليوم في مشارق الأرض ومغاربها حيث تكالبت عليهم قوى الشر والكفر؟
ما هو طريق الخلاص بعدما تقبل المسلمون لباس العبودية العقلية الذي خلعته عليهم المدنية الأجنبية؟
стр. 8
يستثير هذه الأسئلة وغيرها غياب المفهوم الصحيح لكلمة التوحيد، وبعد ذلك عن واقع المسلمين اليوم حيث مسخت مفاهيمها حتى صار من يقر بتوحيد الربوبية فقط دون توحيد الألوهية يعتبر موحداً عند كثير من الناس!!!
أما كون لا إله إلا الله ولاء وبراء، أما كونها توحيد ألوهية وعبادة: فهذه معان لا تخطر على أذهان الكثير - إلا من رحم الله -
ورحم الله الإمام الداعية شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب حين قال: (إن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين كما قال تعالى في سورة المجادلة) :
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ [سورة المجادلة: ٢٢] .
وانطلاقاً من مجموع هذه الأمور، وحباً في خدمة هذه العقيدة، ورغبة في تفنيد الباطل وبيان الحق: عقدت العزم واستعنت بالله وكتبت هذا الموضوع وسميته: الولاء والبراء في الإسلام.
وأنا أعلم - يقيناً - أن مثلي لا يعطي هذا الموضوع حقه من البحث والدراسة نظراً لقلة البضاعة وسعة الموضوع، لكنني بذلت جهد المقل، واجتهدت أن أصل به إلى الصورة التي تليق به، فإن أصبت فذاك ما أردت والفضل لله أولاً وآخراً.
وإن كانت الأخرى فأستغفر الله لذنبي. وحسبي أني بذلت طاقتي ووضعت لبنة في طريق من يريد إكمال البناء.
وأقول كما قال سلفنا الصالح: رحم الله امرءاً أهدى إلي عيوبي.
стр. 9
كما أنني أطلب من كل قارئ كريم - عالم أو متعلم - قرأ هذا الكتاب ووجد فيه خللاً أن ينبهني إلى ذلك وله من الله الأجر والمثوبة على قيامه بواجب النصح ثم له مني الدعاء بظاهر الغيب.
وأخيراً أتقدم بخالص الشكر والتقدير لأستاذي الكبير العالم العامل الشيخ محمد قطب حفظه الله لما أسداه إلي من نصح وتوجيه، وإرشاد وتنبيه إبان إشرافه على هذا البحث، سائلاً الله العلي القدير أن يجزيه عني خير ما جازى معلم عن تلميذه والله الهادي إلى سواء السبيل.
اللهم اجعل عملنا خالصاً صائباً، خالصاً لوجهك الكريم صائباً وفق كتابك وسنة نبيك ﷺ .
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.
محمد بن سعيد بن سالم القحطاني
مكة المكرمة
١٥/٥/١٤٠٢هـ
стр. 10
التمهيد
لكي نتحدث عن الولاء والبراء من واقع التصور الإسلامي الصحيح لا بد أن نتحدث في هذا التمهيد عن حقائق ثلاث هي:
(١) حقيقة الإسلام الممثلة في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ومدلول هذه الكلمة وشروطها.
(٢) الولاء والبراء من لوازم كلمة التوحيد.
(٣) نواقض الإسلام: الشرك والكفر والنفاق والردة.
وهدفي من هذا هو: أن أحاول - بقدر الطاقة - إبراز حقيقة الإسلام، وحقيقة ما يناقضه. مع إبراز حقيقة قضية الولاء والبراء ودورهما في حياة المسلمين. لأن الولاء والبراء جزء من هذه العقيدة فالحديث عنه يستلزم الحديث عن أساس هذه العقيدة وهي كلمة التوحيد. ومعرفة هذه العقيدة معرفة صحيحة أمر ضروري للمسلم ليكون ولاؤه وبراؤه بحبسها. إذ من المحال أن تكون هناك عقيدة سليمة بدون تحقيق الموالاة والمعاداة الشرعية.
ثم إن الوقوف على حقيقة دعوة رسول الله ﷺ وما أحدثته هذه الدعوة من تحول في تاريخ البشرية، وما بنته من حضارة سعد بها الإنسان المسلم منذ أول لحظة عرف فيها ربه ودينه ونبيه: لأمر جدير بالتأمل، تلك الدعوة التي جاءت وقد كان الناس يعيشون في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، ثم أنقذتهم وأحيتهم بعد ممات:
﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ [سورة الأنعام: ١٢٢] .
стр. 11
ولقد أوضح حقيقة تلك الحال التي كانوا عليها الصحابي الجليل المقداد (١) بن الأسود ﵁ فيما رواه أبو نعيم في الحلية (.. والله لقد بعث النبي ﷺ على أشد حال بعث عليه نبي من الأنبياء، في فترة وجاهلية. ما يرون ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى أن الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافراً – وقد فتح الله تعالى قفل قلبه للإيمان – ليعلم أنه قد هلك من دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حميمه في النار، وإنها للتي قال الله :
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴿ [سورة الفرقان: ٧٤] (٢) .
هذه الجاهلية التي تحدث القرآن عنها وهو يمتن على المسلمين بالهداية. قال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فأنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿ [سورة آل عمران:١٠٣] .
стр. 12
ولما عرف الصحابة رضوان الله عليهم الجاهلية، ثم عرفوا الإسلام خرجوا – نتيجة للتربية القرآنية والعناية النبوية – وهم أعظم جيل عرفه تاريخ هذه الدعوة.
ترى، ما سر تلك العظمة التي نقرأ عنها ونسمع، وكأنها شبه أحلام، نظراً للهوة السحيقة التي وصلنا إليها؟ ذلك الجيل الذي كان الواحد منهم إذا دخل في الإسلام خلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية، وانتقل نقلة بعيدة من عالم مظلم سحيق، وتصور قاصر، ومفاهيم كليلة، وعبودية للمال والعبيد، إلى حياة رحبة فسيحة، وعالم يملؤه نور الله، وتصور كامل شامل، واستعلاء على كل عبودية إلا العبودية لله . (١) .
إن سر ذلك النجاح، وتلك العظمة هو نقطة البدء التي بدأ بها رسول الله ﷺ وهي كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) هذه الكلمة التي مزقت كل رابطة، وأهدرت كل وشيجة إلا وشيجة العقيدة. رابطة الحب في الله، رابطة المؤاخاة الإيمانية التي يتهاوى دونها كل عرق ودم وتراب وجنس ولون.
ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: - قال رسول الله ﷺ (إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي. اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظلي إلا ظلي) (٢)
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم
стр. 13
من الله تعالى) قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: (هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس) وقرأ هذه الآية:
﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿ (١) [سورة يونس: ٦٢] .
ولقد مكث رسول الله ﷺ بمكة ثلاثة عشر عاماً يدعو الناس إلى هذه العقيدة ويمكنها في نفوس العصبة المسلمة، مما جعل آثار ذلك تنعكس في أفعالهم الحميدة، وجهادهم المستمر لنشر كلمة الله في الأرض، حيث قامت دولة المصطفي ﷺ في المدينة المنورة.
إن الذي يجعلنا نتحدث عن قضية الألوهية، ومفهومها الصحيح الذي جاء به الإسلام هو الحاجة الماسة لشرحها اليوم، وبيانها للناس. بعد أن انحرف الناس - إلا من رحم الله - عن العقيدة الصافية التي جاء بها الرسول ﷺ .
لقد أصبحت هذه القضية عند سواد الناس اليوم مجرد لفظة ترددها الألسنة دون وعي وتدبر لمعناها ولوازمها، ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل تعداه إلى إيراد بعض النصوص للاستشهاد بها على ما يرون من معتقد، دون نظر لكامل النصوص في هذه القضية، ودون رجوع إلى بيان ذلك في كتب أهل العلم من كتب الحديث وشروحها وكتب التفسير وشروح جهابذة رجال الدعوة والإصلاح على مدار تاريخ هذه الأمة.
ومسخ أيضاً مفهوم العبادة الشامل الكامل للحياة الدنيا والآخرة إلى جزء يسير منها وهو الشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج.
أما النظام الذي تقوم عليه الحياة. أما الولاء لمن يكون؟ والبراء ممن يكون؟
стр. 14
أما الحب لمن؟ والبغض لمن؟ فهذه معان بعيدة عن تصورهم ومجال تفكيرهم!!
إن هذا الدين لم يكن توحيد ربوبية فحسب. وإنما هو أيضاً توحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات تليق بجلال الله وعظمته.
وتأمل - كما يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:
(حال رسول الله ﷺ لما قام ينذر المشركين عن الشرك، ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا واستحسنوا، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا، ومعلوم أنه ﷺ لم يشتم عيسى وأمه، ولا الملائكة، ولا الصالحين، ولكن لما ذكر أنهم لا يدعون ولا ينفعون، ولا يضرون: جعلوا ذلك شتماً.
فإذا عرفت هذا، عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام - ولو وحد الله وترك الشرك - إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعدواة والبغض، كما قال تعالى في سورة المجادلة:
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان ﴿ [سورة المجادلة: ٢٢] .
(فإذا فهمت هذا جيداً عرفت أن كثير من الذين يدعون الدين لا يعرفونها - أي لا إله إلا الله - وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك والعذاب والأسر، والضرب، والهجرة للحبشة، مع أنه ﷺ أرحم الناس لو يجد لهم رخصة لأرخص لهم) (١) .
стр. 15
وما دام أن هناك من يجهل حقيقة (لا إله إلا الله) فلا بد من الشرح لها، والبيان لمدلولها وحقيقتها، وشروطها ونواقضها ولوازمها وإليك ذلك مفصلاً.
ومن الله نستمد العون والسداد.
стр. 16
كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله)
ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، وبذلك تنفي الإلهية عما سوى الله ونثبتها لله وحده (١) .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
(ليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة (لا إله إلا الله) وهي ملة إبراهيم الخليل ﵇ وسائر الأنبياء والمرسلين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين) (٢) أما شقها الثاني (محمد رسول الله) فمعناه تجريد متابعته ﷺ فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر.
ومن هنا كانت (لا إله إلا الله) ولاء وبراء، نفياً وإثباتاً.
ولاء لله ولدينه وكتابه وسنة نبيه وعباده الصالحين.
وبراء من كل طاغوت عبد من دون الله (٣) :
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ ﴿ [سورة البقرة:٢٥٦] .
стр. 17
وفي هذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمناً بالله إلا بالكفر بالطاغوت والدليل هذه الآية (١) يعني الآية السابقة ٢٥٦ سورة البقرة.
وكلمة التوحيد ولاء لشرع الله: ﴿
اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴿ [سورة الأعراف:٣] .
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴿ [سورة الروم:٣٠] .
وبراء من حكم الجاهلية:
﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون﴾ [سورة المائدة:٥٠] .
وبراء من كل دين غير دين الإسلام:
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿. [سورة آل عمران:٨٥] .
ثم هي نفي وإثبات تنفي أربعة أمور. وتثبت أربعة أمور.
(تنفي: الآلهة، والطواغيت، والأنداد، والأرباب.
стр. 18
فالآلهة: ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر، فأنت متخذه إلهاً.
والطواغيت: من عبد وهو راض، أو رشح للعبادة.
والأنداد: ما جذبك عن دين الإسلام، من أهل، أو مسكن، أو عشيرة، أو مال: فهو ند لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ ﴿ [سورة البقرة: ١٦٥] .
والأرباب: من أفتاك بمخالفة الحق وأطعته، مصداقاً لقوله تعالى:
﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ﴿ [سورة التوبة:٣١] .
وتثبيت أربعة أمور:
القصد: وهو كونك ما تقصد إلا الله.
والتعظيم والمحبة: لقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ ﴿ [سورة البقرة:١٦٥] .
والخوف والرجاء: لقوله تعالى:
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ راد لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ [سورة يونس: ١٠٧] .
فمن عرف هذا قطع العلاقة مع غير الله ولا تكبر عليه جهامة الباطل، كما
стр. 19
أخبر تعالى عن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام بتكسير الأصنام وتبريه من قومه:
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴿ [سورة الممتحنة: ٤] . (١)
ولقد جاء القرآن من أوله إلى آخره يبين معنى لا إله إلا الله، بنفي الشرك وتوابعه، ويقرر الإخلاص وشرائعه، فكل قول وعمل صالح يحبه الله ويرضاه هو من مدلول كلمة الإخلاص، لأن دلالتها على الدين كله إما مطابقة وإما تضمناً وإما التزاماً (٢) ، يقرر ذلك أن الله سماها كلمة التقوى.
والتقوى: أن يتقي سخط الله وعقابه بترك الشرك والمعاصي، وإخلاص العبادة بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله) (٣) .
أما كيف تم لأصحاب رسول الله ﷺ معرفة هذه الكلمة والتزام أحكامها والعمل بمقتضياتها ولوازمها فيشرح ذلك الإمام الجليل سفيان بن عيينة: (٤) .
стр. 20
(حدث محمد بن عبد الملك المصيصي قال: كنا عند سفيان بن عيينة في سنة سبعين ومائة، فسأله رجل عن الإيمان؟ فقال: قول وعمل. قال: يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه مثل هذه، وأشار سفيان بيده. قال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون: أن الإيمان قول بلا عمل؟ قال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تقرر أحكام الإيمان وحدوده.
إن الله بعث نبينا محمداً ﷺ إلى الناس كلهم كافة أن يقولوا: لا إله إلا الله، وأنه رسول الله. فلما قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم بالصلاة، فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم (١) .
(فلما علم الله جل وعلا صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله ﵎ صدق ذلك من قلوبهم أمرهم بالرجوع إلى مكة ليقاتلوا آباءهم وأبنائهم حتى يقولوا كقولهم، ويصلوا صلاتهم ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا، حتى أتى أحدهم برأس أبيه فقال: يا رسول الله: هذا رأس شيخ الكافرين، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا هجرتهم، ولا قتالهم، فلما علم الله صدق ذلك أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبداً، وأن يحلقوا رؤسهم تذللاً ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم بها، فأمرهم ففعلوا حتى أتوا بها قليلها وكثيرها، والله لو لم يفعلوا
стр. 21
ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم، ولا طوافهم. فلما علم الله ﵎ الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده قال : قل لهم:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا ﴿ [سورة المائدة:٣] .
(قال سفيان: فمن ترك خله من خلال الإيمان كان بها عندنا كافراً، ومن تركها كسلاً أو تهاوناً بها، أدبناه وكان بها عندنا ناقصاً. هكذا السنة أبلغها عني من سألك من الناس) (١) .
وقد ذكر العلماء ﵏ شروطاً سبعة لـ (لا إله إلا الله) لا تنفع صاحبها إلا باجتماع هذه الشروط فيه. وإليك شرحها:
стр. 22
شروط لا إله إلا الله
ينبغي أن نعلم أنه
[ليس المراد من هذا عد ألفاظها وحفظها، فكم من عامي اجتمعت فيه والتزمها، ولو قيل له أعددها لم يحسن ذلك، وكم حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم، وتراه يقع كثيراً فيما يناقضها والتوفيق بيد الله] (١) .
وقد قال وهب بن منبه (٢) لمن سأله: أليس (لا إله إلا الله) مفتاح الجنة؟ قال: بلى. ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك (٣) .
وأسنان هذا المفتاح هي شروط (لا إله إلا الله) الآتية: -
الشرط الأول: العلم بمعناها المراد منها نفياً وإثباتا، المنافي للجهل بذلك قال تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ﴿ [سورة محمد:١٩] .
стр. 23
وقال تعالى:
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ ﴿ [سورة الزخرف:٨٦] .
أي: بـ "لا إله إلا الله": (وهم يعلمون) بقلوبهم ما نطقوا به بألسنتهم.
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ [سورة آل عمران:١٨] .
وفي الصحيح عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله علبه وسلم (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) (١) .
الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك. معنى ذلك: أن يكون قائلها مستيقناً بمدلول هذه الكلمة، يقيناً جازماً، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن (٢) قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿ [سورة الحجرات:١٥] .
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا
стр. 24
دخل الجنة) (١) . وفي رواية (لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة) . وعن أبي هريرة أيضاً من حديث طويل (من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة) (٢) .
وقال القرطبي: في (المفهم على صحيح مسلم) : (باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين، بل لا بد، بل لابد من استيقان القلب. وهذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كاف في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدل على فساده. بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها، ولأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح وهو باطل قطعاً) (٣) .
الشرط الثالث: القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، وقد قص الله علينا من أنباء ما قد سبق من إنجاء من قبلها، وانتقامه ممن ردها وأباها كما قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴿٢٣﴾ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ﴿٢٤﴾ فانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿ [سورة الزخرف:٢٣-٢٥] .
وقال تعالى:
﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ [سورة يونس:١٠٣] .
стр. 25
ويقول تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٣٥﴾ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ ﴿ (١) . [سورة الصافات:٣٥- ٣٦] .
الشرط الرابع: الانقياد لما دلت عليه، المنافي لترك ذلك
قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴿ [سورة الزمر:٥٤] . وقال: ﴿ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجه لله وهو محسن﴾ [سورة النساء: ١٢٥] . وقال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴿ [سورة لقمان:٢٢] .
أي بلا إله إلا الله
وفي الحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) (٢) وهذا هو تمام الانقياد وغايته
стр. 26
وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴿ [سورة النساء:٦٥] .
قال ابن كثير ﵀ في تفسيرها: يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة، ولا منازعة، كما ورد في الحديث (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) (١) .
الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب، وهو أن يقولها صدقاً من قلبه، ويواطئ قلبه لسانه، قال تعالى: ﴿الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿ (٢) [سورة العنكبوت:١ – ٣] .
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم
стр. 27
وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿ [سورة البقرة:٨-١٠] .
وفي "الصحيحين" عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ : "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار" (١) .
قال العلامة ابن القيم:
(والتصديق بلا إله إلا الله يقتضي الإذعان والإقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة، والتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.. فالمصدق بها على الحقيقة هو الذي يأتي بذلك كله، معلوم أن عصمة المال والدم على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبالقيام بحقها، وكذلك النجاة من العذاب على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبحقها) (٢) .
وفي الحديث، قال ﷺ : "شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه] (٣) .
وقال ابن رجب:
(أما من قال: لا إله إلا الله بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴿ (٤) [سورة القصص:٥٠] .
стр. 28
﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴿ [سورة ص:٢٦] .
الشرط السادس: الإخلاص، وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك (١) .
قال تعالى ﴿ألا لله الدين الخالص ﴿ [سورة الزمر: ٣]
وقال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ [سورة البينة: ٥] .
وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ :
(أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) : أو نفسه) (٢) .
وفي الصحيح عن عتبان بن مالك (٣) ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله (٤) .
وللنسائي في اليوم والليلة من حديث رجلين من الصحابة عن النبي ﷺ (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير مخلصاً بها قلبه، يصدق بها لسانه، إلا فتق الله لها السماء فتقاً حتى ينظر إلى قائلها من أهل الأرض، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤله) (٥)
стр. 29
وقال الفضيل بن عياض رحمة الله: (إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة) (١) .
ولقد ضرب الله سبحانه في القرآن العظيم مثلاً واضحاً للمخلص في توحيده وللمشرك قال تعالى:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ [سورة الزمر: ٢٩] .
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀ في تفسيرها:
(هذا مثل يضربه الله للعبد الموحد والعبد المشرك، بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضاً فيه، وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة.. وعبد يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه منه، ويكلفه به، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح) (هل يستويان) ؟ لا. لأن الذي يخضع لسيد واحد ينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين، وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه، ووضوح الطريق. والذي يخضع لسادة مشتركين معذب مقلقل، لا يستقر على حال، ولا يرضى واحداً منهم فضلاً عن أن يرضي الجميع. وهذا المثل يصور حقيقة التوحيد، وحقيقة الشرك في جميع الأحوال. فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد هو القلب الذي يسير على هدى من الله يستمد منه وحده ويتجه إليه وحده) (٢) .
стр. 30
ويقول الشيخ القاسمي ﵀:
(إن القصد هو توحيد المعبود في توحيد الوجهة، ودرء الفرقة كما قال تعالى:
﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿ (١) [سورة يوسف: ٣٩] .
إن الإسلام لابد فيه من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما سواه وهذا حقيقة (لا إله إلا الله) فمن أسلم لله ولغير الله فهو مشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴿ (٢) . [سورة غافر: ٦٠] .
الشرط السابع: المحبة لهذه الكلمة، ولما اقتضته ودلت عليه، ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، وبغض ما ناقض ذلك، قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ ﴿ (٣) [سورة البقرة:١٦٥] .
стр. 31
وقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ﴿ [سورة المائدة: ٥٤] .
وفي الحديث: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) (١) .
قال الشيخ حافظ الحكمي ﵀ (٢) :
(وعلامة حب العبد ربه: تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله. ومعاداة من عاداه واتباع رسوله، واقتفاء أثره وقبول هداه) (٣) .
ويقول ابن القيم في النونية:
شرط المحبة أن توافق من تحب ... على محبته بلا عصيان
فإذا ادعيت له المحبة مع خلا ... فك ما يحب فأنت ذو بهتان
أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حباً له ما ذاك في إمكان
وكذا تعادي جاهداً أحبابه ... أين المحبة يا أخا الشيطان
ليس العبادة غير توحيد المحبة ... مع خضوع القلب والأركان
стр. 32
إلى أن يقول:
ولقد رأينا من فريق يدعي الإ ... سلام شركاً ظاهر التبيان
جعلوا له شركاء والوهم وسو ... وهم به في الحب لا السلطان (١)
стр. 33
الولاء والبراء من لوازم لا إله الله
(لما كان أصل الموالاة: الحب. وأصل المعاداة: البغض. وينشأ عنهما من القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد، والهجرة، ونحو ذلك) (١) . فإن الولاء والبراء من لوازم لا إله إلا الله. وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة.
أما الكتاب فمن ذلك قوله تعالى:
﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ ﴿ [سورة آل عمران: ٢٨] .
ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٣١﴾ قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإن تَوَلَّوْاْ فإن اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴿ [سورة آل عمران: ٣١-٣٢] .
стр. 34
ويقول تباركت أسماؤه عن أهداف أعداء الله:
﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ ﴿ [سورة النساء: ٨٩] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فإنهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿ [سورة المائدة: ٥١] .
ويقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ﴿ [سورة المائدة: ٥٤] .
أما الأحاديث والآثار: فكثيرة وأذكر منها: -
(١) ما رواه الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ﷺ بايعه على أن (تنصح لكل مسلم، وتبرأ من الكافر) (١) .
(٢) روي أبي شيبة بسنده قال: قال رسول الله ﷺ (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) (٢) .
(٣) روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ
стр. 35
قال: (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعادة في الله، والحب في الله والبغض في الله) (١)(٤) أخرج ابن جرير ومحمد بن نصر المروزي عن ابن عباس ﵄ قال: (من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئاً) (٢) .
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في شرح قول ابن عباس هذا:
قوله: (ووالى في الله) هذا بيان للازم المحبة في الله، وهو الموالاة، فيه، إشارة إلى أنه لا يكفي في ذلك مجرد الحب، بل لا بد مع ذلك من الموالاة التي هي لازم الحب. وهي النصرة والإكرام، والاحترام والكون مع المحبوبين باطناً وظاهراً. وقوله (وعادى في الله) هذا بيان للازم البغض في الله، وهو المعاداة فيه. أي إظهار العداوة بالفعل كالجهاد لأعداء الله، والبراءة منهم، والبعد عنهم باطناً وظاهراً، وإشارة إلى أنه لا يكفي مجرد بغض القلب، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه كما قال تعالى:
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴿ (٣) [سورة الممتحنة: ٤] .
стр. 36
قلت: ومما سبق يتضح أن الولاء في الله هو: محبة الله ونصرة دينه، ومحبة أوليائه ونصرتهم. والبراء هو: بغض أعداء الله ومجاهدتهم. وعلى ذلك جاءت تسمية الشارع الحكيم للفريق الأول بـ: (أولياء الله) ، والفريق الثاني بـ: (أولياء الشيطان) قال تعالى:
﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿ [سورة البقرة: ٢٥٧] .
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴿ [سورة: ٧٦] .
واعلم أن الله سبحانه لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء، كما قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴿ [سورة الأنعام: ١١٢] .
وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، وكتب وحجج كما قال تعالى:
стр. 37
﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون ﴿ [سورة غافر: ٨٣] .
(والواجب على المسلم أن يتعلم من دين الله ما يصير له سلاحاً يقاتل به هؤلاء الشياطين، ومن ثم لا خوف ولا حزن لأن:
﴿كيد الشيطان كان ضعيفاً﴾ [سورة النساء: ٧٦] .
(والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء المشركين كما قال تعالى
﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴿ [سورة الصافات: ١٧٣] .
فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان) (١) .
وإذا كانت أهداف أعداء الإسلام من ملحدين ويهود ونصارى ومستغربين وصهيونية عالمية وشيوعية عالمية هي تمييع عقيدة المسلمين، وتذويب شخصيتهم المتفردة، لجعلهم حميراً للشعب المختار كما تنص على ذلك بروتوكولات حكماء صهيون. فإنه يتضح لدى المسلم أهمية هذا الموضوع حتى يحذر هو ومن معه، بل يحذر المسلمون عامة، من الانزلاق في مهاوي الردى خاصة وأن الدعوات المشبوهة الملحدة تدعو إلى ما يسمى بالأخوة والمساواة وأن الدين لله والوطن للجميع.! وسوف أتعرض لهذا بالتفصيل إن شاء الله في الباب الأخير.
فبان بهذه الأدلة الواضحة من الكتاب والسنة أن الولاء من لوازم لا إله إلا الله) وهو أيضاً تحقيق معناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (إن
стр. 38
تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا الله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله) (١) ويوالي المؤمنين في أي مكان حلوا ويعادي الكافرين ولو كانوا أقرب قريب.
ثم إن من الولاء والبراء ما هو شطر العقيدة وركنها الثاني الذي لا تتم إلا به وهو الكفر بالطاغوت. قال تعالى:
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ ﴿ [سورة البقرة:٢٥٦] .
فلا يكون مؤمناً من لا يكفر بالطاغوت، وهو كل متبوع أو مرغوب أو مرهوب من دون الله.
فقبول الإيمان والاستمساك بالعروة الوثقى مستلزم للكفر بالطاغوت كما نصت على ذلك الآية الكريمة.
стр. 39
الرد على من زعم أن كلمة التوحيد لفظ فقط
مع بيان المذهب الصحيح في الأحاديث الواردة بخصوصها
يقول العلامة ابن القيم ﵀:
(ليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه: لا خالق إلا الله، وأن الله رب كل شيء ومليكه، كما كان عباد الأصنام مقرين بذلك وهم مشركون، بل التوحيد يتضمن من محبة الله، والخضوع له، والذل له، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال، والمنع والعطاء، والحب والبغض، ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها، ومن عرف هذا عرف قول النبي ﷺ : (إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) (١) وقوله (لا يدخل النار من قال لا إله إلا الله) (٢) , وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث، التي أشكلت على كثير من الناس، حتى ظنها بعضهم منسوخة! وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع، وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار، وأول بعضهم الدخول بالخلود وقال: المعنى لا يدخلها خالداً، ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة. فإن الشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلاً بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، لأن المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار.
بل لا بد من قول القلب، وقول اللسان.
وقول القلب: يتضمن من معرفتها والتصديق بها، ومعرفة حقيقة ما تضمنته
стр. 40
من النفي والإثبات، ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله، المختصة به، التي يستحيل ثبوتها لغيره، وقيام هذا المعنى بالقلب علماً ومعرفة ويقيناً وحالاً: ما يوجب تحريم قائلها على النار.
وتأمل حديث البطاقة (١) التي توضع في كفة، ويقابلها تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة وتطيش السجلات، فلا يعذب صاحبها ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة، ... ولكن السر الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل هو أنه حصل له ما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات.
وتأمل أيضاً ما قام بقلب قاتل المائة (٢) من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السياق عن السير إلى القرية فجعل ينوء بصدره، ويعالج سكرات الموت، لأن ذلك كان أمراً آخر، وإيماناً آخر ولذلك ألحق بأهل القرية الصالحة. وقريب من هذا ما قام بقلب البغي (٣) التي رأت ذلك الكلب وقد اشتد به العطش، يأكل الثرى – فقام بقلبها ذلك الوقت – مع عدم الآلة، وعدم المعين، وعدم من ترائيه بعملها ما حملها على أن غررت بنفسها في نزول البئر وملء الماء في خفها، ولم تعبأ بتعرضها للتلف وحملها خفها بفيها وهو ملآن حتى أمكنها الرقي من البئر، ثم تواضعها لهذا المخلوق الذي جرت عادة الناس بضربه، فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب من غير أن ترجو منه جزاء ولا شكوراً. فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء فغفر لها) (٤) .
وقد ورد في صحيح مسلم قوله ﷺ (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله) (٥) .
يقول محمد بن عبد الوهاب.