← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9759

نيل المرام من تفسير آيات الأحكام

صديق حسن خان

Полный текст (468 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وإِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ: ظرف للشهادة، والمراد إذا حضرت علاماته، لأن من مات لا يمكنه الإشهاد، وتقديم المفعول للاهتمام، ولكمال تمكن الفاعل عند النفس. حِينَ الْوَصِيَّةِ: ظرف لحضر، أو للموت، أو بدل من الظرف الأول. اثْنانِ: خبر شهادة على تقدير محذوف، أي شهادة اثنين، أو فاعل للشهادة على أن خبرها محذوف، أي فيما فرض عليكم شهادة بينكم اثنان، على تقدير أن يشهد اثنان. ذكر الوجهين أبو علي الفارسي. ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ: صفة للاثنين، وكذا منكم، أي كائنان منكم، أي من أقاربكم. أَوْ آخَرانِ معطوف على اثنان. ومِنْ غَيْرِكُمْ صفة له، أي كائنان من الأجانب. وقيل: إن الضمير في مِنْكُمْ للمسلمين وفي غَيْرِكُمْ للكفار، وهو الأنسب بسياق الآية وبه قال أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عباس وغيرهما. فيكون في الآية، دليل على جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر، في خصوص الوصايا، كما يفيده النظم القرآني ويشهد له سبب النزول «١» ، فإذا لم يكن مع الموصي من يشهد على وصيته من المسلمين، فليشهد رجلان من أهل الكفر فإذا قدما وأدّيا الشهادة على وصيته، حلفا بعد العصر أنهما ما كذبا ولا بدّلا، وأن ما شهدا به حق، فيحكم به حينئذ بشهادتهما. فإن [عثر] «٢» بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا، حلف رجلان من أولياء الموصي وغرّم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما من خيانة أو نحوهما، هذا معنى الآية عند من تقدم ذكره، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبو مجلز والنخعي وشريح وعبيد السلماني وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي والثوري وأبو عبيد وأحمد بن حنبل.

стр. 282

وذهب إلى الأول- أعني تفسير ضمير (منكم) بالقرابة أو العشيرة، وتفسير من (غيركم) بالأجانب- الزهري والحسن وعكرمة. وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء، إلى أن الآية منسوخة! واحتجوا بقوله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [البقرة: ٢٨٢] ، وقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢] والكفار ليسوا بمرضيين ولا عدول. وخالفهم الجمهور فقالوا: الآية محكمة وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ. وأما قوله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ، وقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فهما عامّان في الأشخاص والأزمان والأحوال، وهذه الآية خاصة بحال الضرب في الأرض، وبالوصية، وبحالة عدم الشهود المسلمين ولا تعارض بين عام وخاص. إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ: فاعل فعل محذوف يفسره ضَرَبْتُمْ، أو مبتدأ وما بعده خبره. والأول مذهب الجمهور من النحاة، والثاني مذهب الأخفش والكوفيين. والضرب في الأرض: هو السفر. فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ: معطوف على ما قبله، وجوابه محذوف، أي إن ضربتم في الأرض، فنزل بكم الموت، وأردتم الوصية، ولم تجدوا شهودا عليها مسلمين، ثم ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم، وبما تركتم، فارتابوا في أمرهم، أو ادّعوا عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما. ويجوز أن يكون استئنافا لجواب سؤال مقدر، كأنهم قالوا: فكيف نصنع إن ارتبنا في الشهادة؟ فقال: تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ: إن ارتبتم في شهادتهما. وخص بعد الصلاة، أي صلاة العصر- قاله الأكثر- لكونه الوقت الذي يغضب الله على من حلف فيه فاجرا كما في الحديث الصحيح «١» ، وقيل: لكونه وقت اجتماع الناس، وقعود الحكام للحكومة، وقيل: صلاة الظهر، وقيل: أي صلاة كانت. قال أبو علي الفارسي: يحبسونهما صفة لآخران، واعترض بين الصفة والموصوف

стр. 283

بقوله: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ. والمراد بالحبس: توقيف الشاهدين في ذلك الوقت لتحليفهما، وفيه دليل على جواز الحبس بالمعنى العام، وعلى جواز التغليظ على الحالف بالزمان والمكان ونحوهما. فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ: معطوف على يحبسونهما، أي يقسم بالله الشاهدان على الوصية أو الوصيات. وقد استدل بذلك ابن أبي ليلى على تحليف الشاهدين مطلقا إذا حصلت الريبة في شهادتهما، وفيه نظر لأن تحليف الشاهدين هنا إنما هو بوقوع الدعوى عليهما بالخيانة أو نحوها. إِنِ ارْتَبْتُمْ: جواب هذا الشرط محذوف، دل عليه ما تقدم كما سبق. لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً: جواب القسم، والضمير في به راجع إلى الله تعالى، والمعنى لا نبيع حظنا من الله تعالى بهذا العرض النزر فنحلف به كاذبين، لأجل المال الذي ادعيتموه علينا، وقيل: يعود إلى القسم، أي لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من أعراض الدنيا. وقيل: يعود إلى الشهادة، وإنما ذكر الضمير لأنها بمعنى القول. أي لا نستبدل بشهادتنا ثمنا. قال الكوفيون: المعنى ذا ثمن، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا مبني على أن العروض لا تسمى ثمنا، وعند الأكثر أنها تسمى ثمنا كما تسمى مبيعا. وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى: أي ولو كان المقسم له، أو المشهود له قريبا، فإنا نؤثر الحق والصدق، ولا نؤثر العرض الدنيوي ولا القرابة. وجواب (لو) محذوف لدلالة ما قبلها عليه، أي ولو كان ذا قربى لا نشتري به ثمنا. وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ: معطوف على لا نَشْتَرِي داخل معه في حكم القسم، وأضاف الشهادة إلى الله سبحانه، لكونه الآمر بإقامتها، والناهي عن كتمها. إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) . فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً: عثر على كذا: اطلع عليه. يقال: عثرت منه على خيانة، أي اطلعت، وأعثرت غيري عليه. ومنه قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ

стр. 284

[الكهف: ٢١] . وأصل العثور: الوقوع والسقوط على الشيء. والمعنى أنه إذا اطلع، بعد التحليف، على أن الشاهدين أو الوصيين استحقا إثما: أي استوجبا إثما، إما لكذب في الشهادة، أو اليمين، أو لظهور خيانة. قال أبو عليّ الفارسي: الإثم هنا اسم الشيء المأخوذ لأن آخذه يأثم بأخذه. يسمّى إثما كما سمّي ما يؤخذ بغير حق مظلمة. وقال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك فكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر. فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما: أي فشاهدان آخران، أو حالفان آخران، فيقومان مقام اللذين عثر على أنهما استحقا إثما، فيشهدان أو يحلفان على ما هو الحق، وليس المراد أنهما يقومان مقامهما في أداء الشهادة التي شهدها المستحقان للإثم. مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ: استحق مبني للمفعول في قراءة الجمهور. وقرأ علي وأبيّ وابن عباس وحفص على البناء للفاعل. والأوليان- على القراءة الأولى- مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هما الأوليان. كأنه قيل: من هما؟ فقيل هما الأوليان. وقيل: هو بدل من الضمير في يقومان، أو من آخران. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: الأوّلين جمع أول على أنه بدل من الّذين، أو من الهاء والميم في عليهم. وقرأ الحسن: الأولان، والمعنى على بناء الفعل للمفعول من الذين استحق عليهم الإثم: أي جنى عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته فإنهم أحق بالشهادة أو اليمين من غيرهم. فالأوليان تثنية أولى والمعنى- على قراءة البناء للفاعل- من الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة، ويظهروا بما كذب الكاذبين، لكونهما الأقربين إلى الميت «١» . فالأوليان فاعل استحق، ومفعوله أن تجردوهما للقيام بالشهادة. وقيل: المفعول محذوف، والتقدير: من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها.

стр. 285

فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ: عطف على يقومان، أي فيحلفان بالله. لَشَهادَتُنا أي يميننا. فالمراد بالشهادة هنا اليمين، كما في قوله: فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ [النور: ٦] أي يحلفان: لشهادتنا على أنهما كاذبان خائنان. أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما أي من يمينهما على أنهما صادقان أمينان. وَمَا اعْتَدَيْنا: أي تجاوزنا الحق في يميننا. إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) إن كنا حلفنا على باطل. ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها: أي ذلك البيان الذي قدمه الله سبحانه، في هذه القصة وعرفنا كيف يصنع من أراد الوصية في السفر، ولم يكن عنده أحد من أهله وعشيرته وعنده كفار. وأَدْنى: أي أقرب إلى أن يؤدي الشهود المتحملون للشهادة على الوصية بالشهادة على وجهها، فلا تحرفوا، ولا تبدلوا، ولا تخونوا، وهذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر المنفعة والفائدة في هذا الحكم الذي شرعه الله في هذا الموضع من كتابه، فالضمير في يأتوا عائد إلى شهود الوصية من الكفار، وقيل: إنه راجع إلى المسلمين المخاطبين بهذا الحكم. والمراد تحذيرهم من الخيانة، وأمرهم بأن يشهدوا بالحق. أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ: أي ترد على الورثة فيحلفون على خلاف ما يشهد به شهود الوصية، فيفتضح حينئذ شهود الوصية. وهو معطوف على قوله: أَنْ يَأْتُوا، فتكون الفائدة في شرع الله سبحانه لهذا الحكم في أحد الأمرين: إما احتراز لشهود الوصية عن الكذب والخيانة، فيأتون بالشهادة على وجهها. أو يخافوا الافتضاح إذا ردت الأيمان على قرابة الميت، فحلفوا بما يتضمن كذبهم أو خيانتهم فيكون ذلك سببا لتأدية شهادة شهود الوصية على وجهها من غير كذب ولا خيانة. وقيل: أن يخافوا معطوف على مقدر بعد الجملة الأولى، والتقدير: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ويخافوا عذاب الآخرة بسبب الكذب والخيانة، أو يخافوا الافتضاح برد اليمين، فأيّ الخوفين وقع حصل المقصود. حاصل ما تضمنه هذا المقام من الكتاب العزيز: أن من حضرته علامات الموت

стр. 286

أشهد على وصيته عدلين من عدول المسلمين، فإن لم يجد شهودا مسلمين- وكان في سفره- ووجد كفارا، جاز له أن يشهد رجلين منهم على وصيته، فإن ارتاب بهما ورثة الموصي حلفا بالله على أنهما شهدا بالحق، وما كتما من الشهادة شيئا، ولا أخفيا مما تركه الميت شيئا، فإن تبين بعد ذلك خلاف ما أقسما عليه، من خلل في الشهادة، أو ظهور شيء من تركه الميت، زعما أنه قد صار في ملكهما بوجه من الوجوه، حلف رجلان من الورثة، وعمل بذلك «١» . والله أعلم.

стр. 287

سورة الأنعام [مائة وخمس وستون آية] مكيّة إلا ست آيات نزلت بالمدينة وهي وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى آخر ثلاث آيات مع اختلاف في العدد «١» . [الآية الأولى] وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) . وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ الموصول عبارة عن الآلهة التي كانت تعبدها الكفار. والمعنى: لا تسب يا محمد آلهة هؤلاء الكفار التي يدعونها من دون الله فيتسبب عن ذلك سبهم الله، عدوانا وتجاوزا عن الحق، وجهلا منهم. وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل، إذا خشي أن يتسبب عن ذلك، ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد، كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه.

стр. 288

قال الشوكاني في «فتح القدير» «١» : وما أنفع هذه الآية، وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج الله، المتصدين لبيانها للناس، إذا كان بين قوم من الصم البكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه، وتركوا غيره من المعروف، وإذا نهاهم عن منكر فعلوه، وفعلوا غيره من المنكرات، عنادا للحق، وبغضا لاتباع المحقين، وجرأة على الله، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة، وجعل المخالفة لها، والتجرؤ على أهلها ديدنه، وهجيراه كما يشاهد ذلك في أهل البدع إذا دعوا إلى حق وقعوا في كثير من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة قابلوها بما لديهم من البدعة! فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين، المتهاونون بالشرائع، وهم أشر من الزنادقة، لأنهم يحتجون بالباطل، وينتمون إلى البدع، ويتظاهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين. والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام، وتحاماهم أهله، وقد ينفق كيدهم، ويتم باطلهم وكفرهم، نادرا على ضعيف من ضعفاء المسلمين، مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل. انتهى. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة، غير منسوخة، وهي أصل في سد الذرائع، وقطع التطرق إلى الشبه. وقوله: عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) منصوب على الحال، أو على المصدر، أو على أنه مفعول له. [الآيتان: الثانية والثالثة] فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) . فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ: قيل إنها نزلت في سبب خاص، كما أخرج أبو داود والترمذي وحسنه، والبزار وغيرهم، عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى

стр. 289

النبي ﵌ فقالوا: إنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله هذه الآية «١» . ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما ذكر الذبح عليه اسم الله حل، إن كان مما أباح الله أكله. وقال عطاء: في هذه الآية الأمر بذكر الله على الشراب والذبح، وكل مطعوم «٢» . [......] «٣» إلى قوله: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: أي بين لكم بيانا مفصلا يدفع الشك ويزيل الشبهة بقوله: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [الأنعام: ١٤٥] إلى آخر الآية. ثم استثنى فقال: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ: أي من جميع ما حرمه الله عليكم فإن الضرورة تحلل الحرام. وقد تقدم تحقيقه في البقرة «٤» . [الآية الرابعة] وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) . وَلا تَأْكُلُوا: نهى الله سبحانه عن الأكل: مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، بعد أن أمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه، وفيه دليل تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه «٥» . وقد اختلف أهل العلم في ذلك فذهب ابن عمر ونافع مولاه، والشعبي وابن

стр. 290

سيرين، وهو رواية عن مالك وعن أحمد بن حنبل، وبه قال أبو ثور وأبو داود الظاهري، إلى أن ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح حرام من غير فرق بين العامد والناسي لهذه الآية، ولقوله تعالى في آية الصيد: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [المائدة: ٤] . ويزيد هذا الاستدلال تأكيدا قوله سبحانه في هذه الآية: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتسمية، في الصيد وغيره. وذهب الشافعي وأصحابه- وهو رواية عن مالك ورواية عن أحمد- إلى أن التسمية مستحبة لا واجبة، وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء بن أبي رباح. وحمل الشافعي الآية على من ذبح لغير الله وهو تخصيص بالآية بغير مخصص. وقد روى أبو داود في «المراسيل» «١» أن النبي ﵌ قال: «ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله عليه أو لم يذكر» ، وليس في هذا المرسل ما يصلح لتخصيص الآية نعم حديث عائشة أنها قالت للنبي ﵌: إن قوما يأتوننا بلحمان لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سموا أنتم وكلوا» «٢» يفيد أن التسمية عند الأكل تجزىء مع التباس وقوعها عند الذبح. وذهب مالك وأحمد في المشهور عنه وأبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهوية أن التسمية إن تركت نسيانا لم تضر، وإن تركت عمدا لم يحل أكل الذبيحة، وهو مروي عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء وطاووس والحسن البصري وأبي مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد وربيعة بن أبي عبد الرحمن. واستدلوا بما أخرجه البيهقي عن ابن عباس عن النبي ﵌ قال: «المسلم إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله» «٣» .

стр. 291

وهذا الحديث رفعه خطأ وإنّما هو من قول ابن عباس. وكذا أخرجه من قوله عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر. نعم يمكن الاستدلال لهذا المذهب بمثل قوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [البقرة: ٢٨٦] ، وبقوله ﵌: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» «١» . وأما حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن عدي: «أن رجلا جاء إلى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل ذبح ونسي أن يسمي؟ فقال النبي ﵌: «اسم الله على كل مسلم» ، فهو حديث ضعيف قد ضعفه البيهقي وغيره «٢» . والضمير في قوله: إنه وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ يرجع إلى (ما) بتقدير مضاف، أي وإن أكل ما لم يذكر لفسق، ويجوز أن يرجع إلى مصدر تأكلوا، أي فإن الأكل لفسق. وقد تقدم تحقيق الفسق «٣» . وقد استدل من حمل هذه الآية على ما ذبح لغير الله بقوله: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ، ووجه الاستدلال أن الترك لا يكون فسقا، بل الفسق الذبح لغير الله. ويجاب عنه بأن إطلاق اسم الفسق على تارك ما فرضه الله عليه غير ممتنع شرعا «٤» .

стр. 292

[الآية الخامسة] وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) . وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قد اختلف أهل العلم: هل هذه محكمة؟ أو منسوخة؟ أو محمولة على الندب؟ فذهب ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير إلى أن الآية محكمة، وأنه يجب على المالك يوم الحصاد أن يعطي من حضر من المساكين القبضة والضّغث «١» ونحوهما. وذهب ابن عباس ومحمد بن الحنفية والحسن والنخعي وطاووس وأبو الشعثاء، وقتادة والضحاك وابن جريج إلى أن هذه الآية منسوخة بالزكاة، واختاره ابن جرير «٢» . ويؤيده أن هذه الآية مكية وآية الزكاة مدنية في السنة الثانية بعد الهجرة، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف. وقالت طائفة من العلماء: إن الآية محمولة على الندب لا على الوجوب. وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) : ومثلها في الأعراف «٣» ، أي لا تسرفوا في التصدق. وأصل الإسراف في اللغة: الخطأ. وفي الفقه: التبذير. وقال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة الله تعالى فهو إسراف، وإن كان قليلا. وقيل: هو خطاب للولاة يقال لهم: لا تأخذوا فوق حقكم، وقيل: المعنى: لا تأخذوا الشيء بغير حقه، ولا تضعوه في غير مستحقه.

стр. 293

[الآية السادسة] قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) . قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ: أمره الله سبحانه بأن يخبرهم أنه لا يجد في شيء مما أوحى إليه أي القرآن، وفيه إيذان بأن مناط الحل والحرمة هو الوحي لا مجرد العقل. مُحَرَّماً: غير هذه المذكورات، فدل ذلك على انحصار المحرمات فيها لولا أنها مكية وقد نزل بعدها بالمدينة سورة المائدة، وزيد فيها على هذه المحرمات المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة «١» . وصحّ عن رسول الله ﵌ تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير «٢» . وتحريم الحمر الأهلية «٣» ، والكلاب «٤» ، ونحو ذلك. وبالجملة فهذا العموم إن كان بالنسبة إلى ما يؤكل من الحيوانات، كما يدل عليه السياق، ويفيده الاستثناء، فيضم إليه كل ما ورد بعده في الكتاب والسنة، مما يدل على تحريم شيء من الحيوانات، وإن كان هذا العموم هو بالنسبة إلى كل شيء حرمه الله من حيوان وغيره، فإنه يضم إليه كل ما ورد بعده مما فيه تحريم شيء من الأشياء. وقد روي عن ابن عباس وابن عمر وعائشة أنه لا حرام إلا ما ذكره الله في هذه الآية، وروي ذلك عن مالك وهو قول ساقط ومذهب في غاية الضعف لاستلزامه إهمال غيرها مما نزل بعدها من القرآن، وإهمال ما صح عن النبي ﵌ أنه قال بحرمة شيء مثلا، بعد نزول هذه الآية بلا سبب يقتضي ذلك، ولا موجب يوجبه، مع أن

стр. 294

التمسك بقول أحد، ولو كان صحابيا، في مقابلة قوله ﵌ من سوء الاختيار وعدم الإنصاف. وقوله مُحَرَّماً: صفة لموصوف محذوف، أي طعاما محرما. عَلى أي طاعِمٍ يَطْعَمُهُ: من المطاعم، وفي يَطْعَمُهُ زيادة تأكيد وتقرير لما قبله. إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً: أي ذلك الشيء، أو ذلك الطعام، أو العين، أو الجثة، أو النفس، قرىء بالتحتية والفوقية وقرىء: ميتة، بالرفع على أن يكون تامة. أَوْ دَماً مَسْفُوحاً وهو الجاري، وغير المسفوح معفو عنه، كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم. وقد حكى القرطبي الإجماع على هذا «١» . أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ: ظاهر تخصيص اللحم أنه لا يحرم الانتفاع منه بما عدا اللحم، والضمير في: فَإِنَّهُ رِجْسٌ، راجع إلى اللحم أو إلى الخنزير. والرجس: النجس، وقد تقدم تحقيقه. أَوْ فِسْقاً عطف على لَحْمَ خِنزِيرٍ. وأُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ: صفة فسق، أي ذبح على الأصنام وغيرها، وسمي فسقا لتوغله في باب الفسق، ويجوز أن يكون فسقا مفعولا له لأهلّ، أي أهلّ به لغير الله فسق على عطف أهلّ على يكون، وهو تكلف لا حاجة إليه. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ: قد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة فلا نعيده «٢» . فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ: أي كثير المغفرة. رَحِيمٌ (١٤٥) : أي كثير الرحمة، فلا يؤاخذ المضطر لما دعت إليه ضرورته.

стр. 295

سورة الأعراف [وآياتها مائتان وخمس أو ست آيات] هي مكيّة إلا ثمان آيات، وهي قوله: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ إلى قوله: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ. [قاله] «١» ابن عباس وابن الزبير، وبه قال الحسن ومجاهد وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد «٢» . وقال قتادة: آية من الأعراف مدنية: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ وسائرها مكية. وقد ثبت أن النبي ﵌ كان يقرأ بها في المغرب، يفرقها في الركعتين «٣» . [الآية الأولى] يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) . يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ هذا خطاب لجميع بني آدم وإن كان واردا على سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب «٤» . والزينة: ما يتزين به الناس من الملبوس، أمروا بالتزيين عند الحضور إلى المساجد للصلاة والطواف «٥» .

стр. 296

وقد استدل بالآية على ستر العورة في الصلاة، وإليه ذهب جمهور أهل العلم، بل سترها واجب في كل حال من الأحوال، وإن كان الرجل خاليا، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة «١» ، والكلام على العورة وما يجب ستره منها مفصل في كتب الفروع «٢» . [الآية الثانية] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) . قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ الزينة: ما يتزين به الإنسان، من ملبوس أو غيره من الأشياء المباحة، كالمعادن التي لم يرو نهي عن التزين بها، والجواهر ونحوها، وما قيل لها الملبوس خاصة فلا وجه له بل هو من جملة ما تشمله الآية، فلا حرج على من لبس الثياب الجيدة، الغالية القيمة، إذا لم يكن مما حرّمه الله، ولا حرج على من تزين بشيء من الأشياء التي لها مدخل في الزينة، ولا يمنع منها مانع شرعي، ومن زعم أن ذلك يخالف الزهد فقد غلط غلطا بينا. وهكذا الطيبات من المطاعم والمشارب ونحوهما مما يأكله الناس، فإنه لا زهد في ترك الطيّب منها، ولهذا جاءت الآية هذه معنونة بالاستفهام المتضمن للإنكار على من حرّم ذلك على نفسه، أو حرمه على غيره.

стр. 297

وما أحسن ما قاله ابن جرير الطبري: لقد أخطأ من آثر لباس الصوف والشعر على لباس القطن، والكتّان مع وجود السبيل إليه من حله، ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر، ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض الشهوة «١» . وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ: أي المستلذات من الطعام، وقيل: هو اسم عام كسيا ومطعما. قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: أي أنها لهم بالأصالة والاستحقاق وإن شاركهم الكفار فيها ما داموا في الحياة. خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ أي مختصة بهم يوم القيامة، لا يشاركهم فيها الكفار «٢» . قرأ نافع خالصة بالرفع، وهي قراءة ابن عباس على أنها خبر بعد خبر، وقرأ الباقون بالنصب على الحال «٣» . قال أبو علي الفارسي: ولا يجوز الوقف على الدنيا لأن ما بعدها متعلق بقوله لِلَّذِينَ آمَنُوا حال بتقدير قُلْ هِيَ ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة «٤» .

стр. 298

[الآية الثالثة] قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) . قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ جمع فاحشة، وهي كل معصية. ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ: أي ما أعلن منها وما أستر، وقيل هي خاصة بفواحش الزنا! ولا وجه لذلك. وَالْإِثْمَ: يتناول كل معصية يتسبب عنها الإثم، وقيل: هو الخمر خاصة، ومنه قول الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول وقد أنكر التخصيص جماعة من أهل العلم، وحقيقته أنه جميع المعاصي. وقال الفراء: الإثم ما دون الحق والاستطالة على الناس «١» . انتهى. وليس في إطلاق الإثم على الخمر ما يدل على اختصاصه به. وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ: أي الظلم المجاوز للحد، وإفراده بالذكر بعد دخوله فيما قبله لكونه ذنبا عظيما كقوله: وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: ٩٠] . وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً أي وأن تجعلوا لله شريكا، لم ينزل عليكم به حجة، والمراد التهكم بالمشركين لأن الله لا ينزل برهانا بأن يكون غيره شريكا. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) : بحقيقته، وأن الله قاله، وهذا مثل ما كانوا ينسبون إلى الله سبحانه من التحليلات والتحريمات التي لم يأذن بها. [الآية الرابعة] وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)

стр. 299

وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا أمرهم الله سبحانه بالاستماع للقرآن، والإنصات له عند قراءته، لينتفعوا به، ويتدبروا ما فيه من الحكم والمصالح. قيل: هذا الأمر خاص بوقت الصلاة عند قراءة الإمام وقيل: هذا خاص بقراءة رسول الله ﵌ للقرآن دون غيره! ولا وجه لذلك، مع أن اللفظ أوسع من هذا، والعام لا يقصر على سببه فيكون الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في كل حالة، وعلى أي صفة، مما يجب على السامع، إلا ما استثنى الذي أنزل عليه القرآن ﵌، كقراءة المأموم الفاتحة خلف إمامه سرا وجهرا، فإنه قد صح في ذلك أخبار شهيرة واضحة، وآثار كثيرة فائحة، توجب تأكد قراءة فاتحة الكتاب، ولزومها للمقتدي، بل صرح غير واحد من أئمة الفقه والحديث المعتبرين بكون ذلك مذهب أكثر الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. ولم يصح أثر، فضلا عن خبر، صريح في النهي عن الفاتحة خاصة، وإن استدل جماعة من أهل العلم بالعمومات الواردة فلينصف. ولقد فصلت المرام بعون الله في «مسك الختام» و «الروضة الندية» «١» و «هداية السائل إلى أدلة المسائل» وفيه «إعلام الأعلام بقراءة الفاتحة خلف الإمام» لبعض الأحباب لنا، وهي مختصر نفيس «٢» . لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) : أي تنالون الرحمة، وتفوزون بها، بامتثال أمر الله . [الآية الخامسة] وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) . وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ: أمره الله سبحانه أن يذكره في نفسه، فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأدعى للقبول.

стр. 300

وقيل: المراد بالذكر هنا ما هو أعم من القرآن وغيره من الأذكار التي يذكر الله بها. وقال النحاس: لم يختلف في معنى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ أنه الدعاء «١» . وقيل: هو خاص بالقرآن، أي اقرأ القرآن بتأمل وتدبر. وتَضَرُّعاً وَخِيفَةً: تنتصبان على الحال. وَدُونَ الْجَهْرِ: أي المجهور به معطوف على ما قبله، أي اذكره حال كونك متضرعا وخائفا ومتكلما بكلام هو دون الجهر. مِنَ الْقَوْلِ، وفوق السر يعني قصدا بينهما. بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ: متعلق ب (اذكر) ، أي: أوقات الغدوات والأصائل. والغدو: جمع غدوة. والآصال: جمع أصيل، قاله الزجاج والأخفش، مثل يمين وأيمان، وقيل: الآصال جمع [أصل، والأصل] «٢» جميع أصيل، فهو على هذا جمع الجمع. قاله الفرّاء «٣» . قال الجوهري «٤» : الأصيل من بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أصل وآصال وأصائل كأنه جمع أصلية، وخص هذين الوقتين لشرفهما، والمراد دوام الذكر لله كما قال تعالى: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) أي عن ذكر الله .

стр. 301

سورة الأنفال [وجملة آياتها خمس أو ست أو سبع وسبعون آية] صرح كثير من المفسرين بأنها مدنية ولم يستثنوا منها شيئا، وبه قال الحسن وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء. وقد روي مثل هذا عن ابن عباس أخرجه النحاس في «ناسخه» ، وأبو الشيخ وابن مردويه عنه. وفي لفظ تلك سورة بدر، أي نزلت في بدر. وكان النبي ﵌ يقرؤوها في صلاة المغرب، كما أخرجه الطبراني بسند صحيح عن أبي أيوب «١» . [الآية الأولى] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) . يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ: جمع نفل محركا، وهو الغنيمة. وأصل النفل: الزيادة وسميت الغنيمة نفلا لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه الأمة مما كان محرما على غيرهم، أو لأنها زيادة على ما يحصل للمجاهدين من أجر الجهاد. ويطلق النفل على معان أخر منها: اليمين، والابتغاء، ونبت معروف. والنافلة: التطوع لكونها زائدة على الواجب. والنافلة: ولد الولد لأنها زيادة على الولد.

стр. 302

وكان سبب نزول الآية اختلاف الصحابة ﵃ في يوم بدر، بأن قال الشبان: هي لنا لأنا باشرنا القتال، وقال الشيوخ: كنا ردءا لكم تحت الرايات، فنزع الله ما غنموه من أيديهم، وجعله الله والرسول، فقال: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي حكمها مختص بهما، يقتسمها بينكم رسول الله ﵌ عن أمر الله سبحانه، فقسمها رسول الله ﵌ بينهم على السواء. رواه الحاكم في «المستدرك» «١» ، وليس لكم حكم في ذلك. وقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الأنفال كانت لرسول الله ﵌ خاصة، ليس لأحد فيها شيء حتى نزول قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [الأنفال: ٤١] الآية، فهي على هذا منسوخة وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي. وقال ابن زيد: محكمة مجملة، قد بين الله مصارفها في آية الخمس ولا نسخ! «٢» .

стр. 303

فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) : أمرهم بالتقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله بالتسليم لأمرهما، وترك الاختلاف الذي وقع بينهما. [الآيتان: الثانية والثالثة] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً: الزحف: الدنو قليلا قليلا، وأصله الاندفاع على الألية، ثم سمى كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا. والتزاحف: التداني والتقارب. تقول زحف إلى العدو زحفا، وازدحف القوم: أي مشى بعضهم إلى بعض. وانتصاب زحفا، إما على أنه مصدر لفعل محذوف، أي: يزحفون زحفا، أو على أنه حال من المؤمنين، أي: حال كونكم زاحفين إلى الكفار، أو حال من الذين كفروا، أي حال كون الكفار زاحفين إليكم، أو حال من الفريقين، أي: متزاحفين. فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) : نهى الله المؤمنين أن ينهزموا عن الكفار إذا لقوهم، وقد دب بعضهم إلى بعض للقتال. وظاهر هذه الآية العموم لكل المؤمنين في كل زمن، وعلى كل حال إلا حالة: التحرف والتحيز. وقد روي عن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي [نضرة] «١» . وعكرمة ونافع والحسن وقتادة و [يزيد] «٢» بن أبي حبيب والضحاك: أن تحريم الفرار من الزحف في هذه الآية مختص بيوم بدر، وأن أهل بدر لم يكن لهم أن ينحازوا

стр. 304

ولو انحازوا لا نحازوا إلى المشركين، إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم ولا لهم فئة إلا النبي ﵌ فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض. وبه قال أبو حنيفة. قالوا: ويؤيده قوله: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ فإنه إشارة إلى يوم بدر. وقيل: إن هذه الآية منسوخة بآية الضعف «١» . وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية محكمة عامة غير خاصة، وأن الفرار من الزحف محرم ويؤيد هذا أن هذه الآية نزلت بعد انقضاء الحرب في يوم بدر. فأجيب عن قول الأولين: إن الإشارة في يومئذ إلى يوم بدر بأن الإشارة إلى يوم الزحف، كما يفيده السياق، ولا منافاة بين هذه الآية وآية الضعف، بل هذه الآية مقيدة بها، ويكون الفرار من الزحف محرما بشرط بينه الله في آية الضعف. ولا وجه لما ذكروه من أنه لم يكن في الأرض يوم بدر مسلمون غير من حضرها، فقد كان بالمدينة إذ ذاك خلق كثير، لم يأمرهم النبي ﵌ بالخروج لأنه ﵊ ومن خرج معه لم يكونوا يرون- في الابتداء- أنه سيكون قتال. ويؤيد هذا ما ورد من الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن الفرار من الزحف من جملة الكبائر كما في حديث: «اجتنبوا السبع الموبقات» «٢» وفيه التولي يوم الزحف، ونحوه من الأحاديث. وهذا البحث تطول ذيوله وتتشعب طرقه وهو مبين في مواطنه. قال ابن عطية: والأدبار: جمع دبر والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة في

стр. 305

الفصاحة لما في ذلك من الشناعة على الفار والذم له. إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ: التحرف: الزوال عن جهة الاستواء والمراد به هنا التحرف من جانب إلى جانب في المعركة، طلبا لمكايد الحرب، وخدعا للعدو، كمن يوهم أنه منهزم ليتبعه العدو فيكر عليه ويتمكن منه، ونحو ذلك من مكايد الحرب فإن «الحرب خدعة» «١» كما في الحديث. أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ: أي إلى جماعة من المسلمين، غير الجماعة المقابلة للعدو، وانتصاب متحرفا أو متحيزا على الاستثناء من المولين، أي: ومن يولهم دبره إلا رجلا منهم متحرفا أو متحيزا، ويجوز انتصابهما على الحال، ويكون حرف الاستثناء لغوا لا عمل له. فَقَدْ باءَ: جزاء الشرط. والمعنى: من ينهزم ويفر من الزحف فقد رجع بِغَضَبٍ كائن، مِنَ اللَّهِ: إلا المتحرف والمتحيز. [الآية الرابعة] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) . قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا: أمر الله سبحانه رسوله ﵌ أن يقول للكفار هذا المعنى سواء قاله بهذه العبارة أو غيرها. قال ابن عطية: ولو كان كما قال الكسائي إنه في مصحف عبد الله بن مسعود: قل للذين كفروا إن تنتهوا- يعني بالفوقية- لما تأدت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها. قال في «الكشاف» «٢» : أي قل لأجلهم هذا القول، وهو: إن ينتهوا. ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل: إن تنتهوا يغفر لكم وهي قراءة ابن مسعود ونحوه. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [الأحقاف: ١١] خاطبوا به

стр. 306

غيرهم لأجلهم ليسمعوه. أي: إن ينتهوا عما هم عليه من عداوة رسول الله ﵌، وقتاله، بالدخول في الإسلام يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ لهم من العداوة. انتهى. وقيل: معناه: إن ينتهوا عن الكفر. قال ابن عطية: والحامل على ذلك، جواب الشرط فيغفر لهم ما قد سلف ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لمنته عن الكفر وفي هذه الآية دليل على أن الإسلام يحبّ ما قبله. [الآية الخامسة] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) . وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ: أي كفر وشرك. وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ: تحريض للمؤمنين على قتال الكفار. وقد تقدم تفسير ذلك في البقرة مستوفى. [الآية السادسة] وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) . وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ: قال القرطبي «١» : اتفقوا على أن المراد بالغنيمة، في هذه الآية، مال الكفار إذا ظفر بهم المسلمون على وجه الغلبة والقهر. قال: ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص، ولكن عرف الشرع قيّد اللفظ بهذا النوع. وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية بعد قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ،

стр. 307

وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، وأن قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر- على ما تقدمت الإشارة إليه» . وقيل: إنها- أعني يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ- محكمة غير منسوخة، وأن الغنيمة لرسول الله ﵌، وليست مقسومة بين الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة. حكاه [المازري] «٢» عن كثير من المالكية. قالوا: وللإمام أن يخرجها عنهم، واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين. وكان أبو [عبيد] «٣» يقول: افتتح رسول الله ﵌ مكة عنوة، ومنّ على أهلها فردها عليهم، ولم يقسمها، ولم يجعلها فيئا. وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم «٤» ، على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، وممن حكى ذلك: ابن المنذر وابن عبد البر والداودي والمازري والقاضي عياض وابن العربي، والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة من الغانمين وكيفيتها كثيرة جدا. قال القرطبي «٥» : ولم يقل أحد- فيما أعلم- إن قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ الآية ناسخ لقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الآية بل قال الجمهور: إن قوله: أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ، ناسخ، وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله. وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها. وأما قصة حنين، فقد عوض الأنصار لما قالوا: يعطي المغانم قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم نفسه؟! فقال لهم: «أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله ﵌ إلى بيوتكم؟» كما في مسلم وغيره «٦» . وليس لغيره أن يقول. هذا القول بل ذلك خاص به.

стр. 308

وقوله أَنَّما غَنِمْتُمْ يشمل كل شىء يصدق عليه اسم الغنيمة، إذ كان أصلها إصابة الغنم من العدو. ومِنْ شَيْءٍ بيان لما الموصولة، وقد خصص الإجماع، ومن عموم الآية، الأسارى فإن الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف. وكذلك سلب المقتول إذا نادى به الإمام. قيل: وكذلك الأرض المغنومة. وردّ بأنه لا إجماع على الأرض. فَأَنَّ: أي فحق أو واجب أن: لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ: قد اختلف العلماء في كيفية قسمة الخمس على أقوال ستة: الأول: قالت طائفة: يقسم الخمس على ستة، فيجعل السدس: للكعبة وهو الذي لله والثاني: لرسول الله ﵌، والثالث: لذوي القربى، والرابع: لليتامى، والخامس: للمساكين، والسادس: لابن السبيل. القول الثاني: قال أبو العالية والربيع: إنها تقسم أي الغنيمة على خمسة، فيعزل منها سهم واحد، ويقسم أربعة على الغانمين، ثم يضرب يده في السهم الذي عزله، فما قبضه من شىء جعله للكعبة ويقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة، للرسول ومن بعده في الآية. القول الثالث: عن زين العابدين علي بن الحسين أنه قال: إن الخمس لنا فقيل له: إن الله يقول: واليتامى والمساكين وابن السبيل؟ فقال: يتامانا ومساكيننا وأبناء سبيلنا. القول الرابع: قول الشافعي: إن الخمس يقسم على خمسة وإن سهم الله وسهم رسوله واحد، يصرف في مصالح المؤمنين، والأربعة الأخماس على الأصناف الأربعة المذكورة في الآية. القول الخامس: قول أبي حنيفة: إنه يقسم الخمس على ثلاثة: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وقد ارتفع حكم قرابة رسول الله ﵌ بموته، كما ارتفع حكم سهمه. قال: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة

стр. 309

والجند. وروي نحو هذا عن الشافعي. القول السادس: قول مالك: أنه موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه بغير تقدير، ويعطي منه الغزاة باجتهاده، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. قال القرطبي «١» : وبه قال الخلفاء الأربعة وبه عملوا، وعليه يدل قوله ﵌: «مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» «٢» فإنه لم يقسمه أخماسا ولا أثلاثا، وإنما ذكر ما في الآية من ذكره على وجه التنبيه عليهم، لأنهم من أهم من يدفع إليه. قال الزجاج محتجا لهذا القول: قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ [البقرة: ٢١٥] وجائز، بالإجماع، أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك «٣» . وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ: قيل: إعادة اللام في ذي القربى دون من بعدهم يدفع توهم اشتراكهم في سهم النبي ﵌، والمعنى أن سهما من خمس الخمس لأقاربه ﵌. وقد اختلف العلماء فيهم على أقوال: الأول: أنهم قريش كلها، روي ذلك عن بعض السلف واستدل بما روي عن النبي ﵌ أنه لما صعد الصفا جعل يهتف ببطون قريش كلها قائلا: «يا بني فلان! يا بني فلان!» «٤» . [الثاني] : وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد: هم بنو هاشم وبنو المطلب، لقوله ﵌: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء

стр. 310

واحد وشبك بين أصابعه» وهو في «الصحيح» «١» . [الثالث] : وقيل: هم بنو هاشم خاصة، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وغيرهم وهو مروي عن علي بن الحسين ومجاهد. وكذا اختلف أهل العلم هل ثبت وبقي سهمهم اليوم، أم سقط بوفاته ﵌، وصار الكل مصروفا إلى الثلاثة الباقية؟ فذهب الجمهور- ومنهم مالك والشافعي- إلى الثبوت واستواء الفقراء والأغنياء لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ١١] . وقال أبو حنيفة وأهل الرأي بسقوط ذلك، والتفصيل يطلب من مواطنه «٢» . [الآية السابعة] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) . وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا: فيه النهي عن التنازع، وهو الاختلاف في الرأي، فإن ذلك يتسبب عنه الفشل وهو الجبن في الحرب. وأما المنازعة بالحجة لإظهار الحق فجائزة كما قال: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥] ، بل هي مأمور بها بشروط مقررة، والفاء جواب النهي، والفعل منصوب بإضمار أن. ويجوز أن يكون الفعل معطوفا على تنازعوا مجزوما. بجازمه. وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ قرىء بنصب الفعل وجزمه عطفا على تفشلوا على الوجهين. والريح: القوة والنصر كما يقال: الريح لفلان، إذا كان غالبا في الأمر. وقيل: الريح الدولة، شبهت في نفوذ أمرها بالريح في هبوبها. ومنه قول الشاعر: إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فعقبى كل خافقة سكون وقيل: المراد بالريح ريح الصبا لأن بها كان ينصر النبي ﵌.

стр. 311

[الآية الثامنة] وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) . وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ: من المعاهدين وهم قريظة وبنو النضير. خِيانَةً أي غشا ونقضا للعهد. فَانْبِذْ: أي فاطرح. إِلَيْهِمْ: العهد الذي بينك وبينهم. عَلى سَواءٍ: أي على طريق مستوية، والمعنى أنه يخبرهم إخبارا ظاهرا مكشوفا بالنقض، ولا تناجزهم الحرب بغتة. وقيل: معنى عَلى سَواءٍ على وجه يستوي في العلم بالنقض أقصاهم وأدناهم، أو تستوي أنت لئلا يتهموك بالغدر وهم فيه. قال الكسائي: السواء: العدل وقد يكون بمعنى الوسط. ومنه قوله تعالى: فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) [الصافات: ٥٥] وقيل: معناه على جهر، لا على سر. والظاهر أن هذه الآية عامة في كل معاهد يخاف من وقوع النقض منه. قال ابن عطية: والذي يظهر من ألفاظ القرآن أن أمر بني قريظة انقضى عند قوله فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، [الأنفال: ٥٧] ثم ابتدأ ﵎ في هذه الآية يأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة. إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) : تعليل لما قبلها، يحتمل أن يكون تحذيرا لرسول الله ﵌ من المناجزة قبل أن ينبذ إليهم على سواء، ويحتمل أن تكون عائدة إلى القوم الذين يخاف منهم الخيانة. [الآية التاسعة] وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) .

стр. 312

وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ: أمر الله سبحانه بإعداد القوة: كل ما يتقوى به في الحرب، ومن ذلك السلاح والقسي. وقد ثبت في «صحيح مسلم» «١» وغيره من حديث عقبة بن عامر قال: «سمعت رسول الله ﵌، وهو على المنبر، يقول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ إلا أن القوة: الرمي! قالها ثلاث مرات» . وقيل: هي الحصون والمعاقل. والمصير إلى التفسير الثابت عن رسول الله ﵌ متعين. وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ: قال أبو حاتم: الرباط من الخيل الخمس فما فوقها، وهي الخيل التي تربط بإزاء العدو، ومنه قول الشاعر: أمر الإله بربطها لعدوه ... في الحرب إن الله خير موفق قال في «الكشاف» «٢» : والرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال. انتهى. وقد فسّر القوة بكل ما يتقوى به في الحرب، جعل عطف الخيل عليها من عطف الخاص على العام. تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ: في محل نصب على الحال. والترهيب: التخويف، والضمير في (به) عائد إلى (ما) في مَا اسْتَطَعْتُمْ أو إلى المصدر المفهوم من وَأَعِدُّوا، وهو الإعداد، والمراد بعدو الله وعدوهم: هم المشركون من أهل مكة وغيرهم من مشركي العرب.

стр. 313

[الآية العاشرة] وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) . وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها: الجنوح: الميل. والسلم: الصلح. وقد اختلف أهل العلم: هل هذه الآية منسوخة أم محكمة «١» ؟ فقيل: هي منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] قاله ابن عباس. وقيل: ليست بمنسوخة لأن المراد بها قبول الجزية، وقد قبلها منهم الصحابة فمن بعدهم، فتكون خاصة بأهل الكتاب. قاله مجاهد. وقيل: إن المشركين إن دعوا إلى الصلح جاز أن يجابوا إليه، وتمسك المانعون من مصالحة المشركين بقوله تعالى: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [محمد: ٣٥] ، وقيدوا عدم الجواز بما إذا كان المسلمون في عزة وقوة لا إذا لم يكونوا كذلك فهو جائز كما وقع منه ﵌ من مهادنة قريش، وما زالت الخلفاء والصحابة على ذلك، وكلام أهل العلم في هذه المسألة معروف مقرر في مواطنه. [الآية الحادية عشرة] الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) . الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ أوجب على الواحد أن يثبت لإثنين من الكفار. قيل: في التنصيص على غلب المائة للمائتين، والألف للألفين، إنه بشارة للمسلمين بأن عساكر الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات إلى الألوف.

стр. 314

وقد اختلف أهل العلم: هل هذا التخفيف نسخ أم لا؟ ولا يتعلق بذكر ذلك كثير فائدة «١» . أخرج البخاري والنحاس في «ناسخه» وابن مردويه والبيهقي في «سننه» «٢» عن ابن عباس قال: «نزلت إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٥] شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيف بقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ الآية. قال: فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم» . [الآية الثانية عشرة] ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) . ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ: هذا حكم آخر من أحكام الجهاد. ومعنى ما كان لنبي: ما صح له وما استقام. والأسرى جمع أسير. ويقال في جمع أسير أيضا: أسارى بضم الهمزة وبفتحها، وهو مأخوذ من الأسر، وهو القد «٣» ، لأنهم كانوا يشدون به الأسير. وقال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى هم غير الموثقين عند ما يؤخذون، والأسارى هم الموثقون ربطا. والإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه، يقال: أثخن فلان في هذا الأمر، أي بالغ فيه.

стр. 315

فالمعنى ما كان لنبي أن يكون له أسرى، حتى يبالغ في قتل الكافرين، ويستكثر من ذلك. وقيل: معنى الإثخان التمكن. وقيل: هو القوة. أخبر الله سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم وفداهم، ثم لما كثر المسلمون رخّص الله في ذلك فقال: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد: ٤] «١» . [الآية الثالثة عشرة] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) . وَالَّذِينَ آمَنُوا: من المقيمين بمكة المكرمة. وَلَمْ يُهاجِرُوا: منها مبتدأ خبره. ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ: أي من نصرتهم وإعانتهم أو من ميراثهم، ولو كانوا من قراباتكم. مِنْ شَيْءٍ لعدم وقوع الهجرة منهم. مِنْ شَيْءٍ لعدم وقوع الهجرة منهم. حَتَّى يُهاجِرُوا: فيكون لهم ما كان للطائفة الأولى، الجامعين بين الإيمان والهجرة. وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ: أي هؤلاء الذين آمنوا ولا يهاجروا إذا طلبوا منكم النصرة لهم على المشركين. فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ: أي فواجب عليكم، إِلَّا أن يستنصروكم، عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ:

стр. 316

فلا تنصروهم، ولا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين أولئك القوم حتى تنقضي مدته، وهي عشر سنين. [الآية الرابعة عشرة] وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) . وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ: من غيرهم ممن لم يكن بينه وبينهم رحم في الميراث، والمراد بهم القرابات، فيتناول كل قرابة. وقيل: المراد بهم هنا العصبات، كقول العرب: صلتك رحم فإنهم لا يريدون قرابة الأم، ولا يخفى عليك أنه ليس في هذا ما يمنع من إطلاقه على غير العصبات. وقد استدل بهذه الآية من أثبت الميراث لذوي الأرحام، وهم من ليس بعصبته ولا ذي سهم على حسب اصطلاح أهل علم المواريث، والخلاف في ذلك معروف مقرر في مواطنه «١» . وقد قيل إن هذه الآية ناسخة للميراث بالموالاة والنصرة عند من فسّر ما تقدم، من قوله: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الأنفال: ٧٢] . وما بعده، بالتوارث. وأما من فسّرها بالنصرة والمعونة، فيجعل هذه الآية إخبارا منه بأن القرابات بعضهم أولى ببعض. فِي كِتابِ اللَّهِ: أي في حكمه أو في اللوح المحفوظ، أو في القرآن، ويدخل في هذه الأولوية في الميراث دخولا أوليا، لوجود سببه أعني القرابة «٢» .

стр. 317

سورة براءة [آيها مائة وثلاثون أو سبع وعشرون آية] ولها أسماء منها: سورة التوبة لأن فيها التوبة على المؤمنين. وتسمى: الفاضحة لأنه ما زال ينزل فيها: ومنهم، ومنهم، حتى كادت أن لا تدع أحدا. وتسمى: البحوث لأنها تبحث عن أسرار المنافقين إلى غير ذلك. وهي مدنيّة. قال القرطبي «١» : باتفاق. أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: نزلت (براءة) بعد فتح مكة بالمدينة «٢» . [الآيات: الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة] بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) .

стр. 318

بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: أي هذه براءة، يقال: برئت من الشيء أبرأ براءة وأنا منه بريء، إذا أزلته عن نفسك، وقطعت سبب ما بينك وبينه «١» . إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) العهد: العقد الموثق باليمين، والخطاب للمسلمين وقد كانوا عاهدوا مشركي مكة وغيرهم بإذن من الله والرسول ﵌. والمعنى الإخبار للمسلمين بأن الله ورسوله قد برئا من تلك المعاهدة، بسبب ما وقع من الكفار من النقض، فصار النبذ إليهم بعهدهم واجبا على المعاهدين من المسلمين. ومعنى براءة الله سبحانه، وقوع الإذن منه- سبحانه- بالنبذ من المسلمين لعهد المشركين بعد وقوع النقض منهم وفي ذلك من التفخيم بشأن البراءة والتهويل لها، والتسجيل على المشركين بالذل والهوان ما لا يخفى. فَسِيحُوا: أيها المشركون «٢» . فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ: هذا أمر منه سبحانه بالسياحة بعد الإخبار بتلك البراءة. والسياحة: السير، يقال: ساح فلان في الأرض، يسيح سياحة وسيوحا وسيحانا. ومعنى الآية أن الله سبحانه بعد أن أذن بالنبذ إلى المشركين بعهدهم، أباح للمشركين الضرب في الأرض والذهاب إلى حيث يريدون، والاستعداد للحرب هذه الأربعة الأشهر. وليس المراد من الأمر بالسياحة تكليفهم بها، قال محمد بن إسحاق وغيره: إن المشركين صنفان: صنف كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر، فأمهل تمام الأربعة الأشهر.

стр. 319

والآخر كانت أكثر من ذلك، فقصر على أربعة أشهر، ليرتاد لنفسه وهو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيث يوجد. وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر. فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم: وذلك خمسون يوما: عشرون من ذي الحجة وشهر محرم. وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله ﵌ عهد دون أربعة أشهر، ومن كان عهده أكثر من ذلك فهو الذي أمر الله أن يتم له عهده، بقوله تعالى: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ. ورجح هذا ابن جرير وغيره إلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً أي لم يقع منهم أي نقص، وإن كان يسيرا، وفيه دليل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهده ومنهم من ثبت عليه، فأذن الله سبحانه لنبيه ﵌ بنقض عهد من نقض، وبالوفاء لمن لم ينقض إلى مدته «١» . وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ المظاهرة: المعاونة، أي لم يعاونوا أحدا من أعدائكم. فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ: أي أدوا إليهم عهدهم تاما غير ناقص إلى مدتهم التي عاهدتموهم إليها، وإن كانت أكثر من أربعة أشهر، ولا تعاملوهم معاملة الناكثين من القتال بعد مضي المدة المذكورة سابقا، وهي أربعة أشهر، أو خمسون يوما على الخلاف السابق «٢» . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) . فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ: انسلاخ الشهر تكامله جزءا فجزءا إلى أن ينقضي، كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه. وقد اختلف العلماء في تعيين الأشهر الحرم المذكورة هنا؟ فقيل: هي الأشهر الحرم المعروفة، التي هي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، ثلاثة سرد، وواحد فرد «٣» .

стр. 320

ومعنى الآية- على هذا- وجوب الإمساك عن قتال من لا عهد له من المشركين في هذه الأشهر الحرم، وقد وقع النداء والنبذ إلى المشركين بعهدهم يوم النحر، فكان الباقي من الأشهر الحرم التي هي الثلاثة المسرودة خمسين يوما تنقضي بانقضاء شهر المحرم، فأمرهم الله بقتل المشركين حيث يوجدون من حل أو حرم، وبه قال جماعة من أهل العلم منهم الضحاك. وروي عن ابن عباس واختاره ابن جرير «١» . وقيل: المراد بها شهور العهد المشار إليه بقوله: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، وسميت حرما لأن الله سبحانه حرم على المسلمين فيها دماء المشركين والتعرض لهم. وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم منهم: مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمرو بن شعيب. وقيل: هي الأشهر المذكورة في قوله: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. وقد روي ذلك عن ابن عباس وجماعة، ورجّحه ابن كثير، وحكاه عن مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم «٢» . ومعنى وَخُذُوهُمْ: الأسر فإن الأخيذ هو الأسير. ومعنى وَاحْصُرُوهُمْ منعهم من التصرف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم. وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ: هو الموضع الذي يرقب فيه العدو. وهذه الآية المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم لكل مشرك، لا يخرج عنها إلا من خصته السنة، كالمرأة والصبي والعاجز الذي لا يقاتل وكذلك يخصص منها أهل الكتاب الذين يعطون الجزية على فرض تناول المشركين لهم. وهذه الآية نسخت كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذاهم. وقال الضحاك وعطاء والسدي: هي منسوخة بقوله تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد: ٤] ، وأن الأسير لا يقتل صبرا، بل يمن عليه أو يفادى.
следующие страницы →