← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9759

نيل المرام من تفسير آيات الأحكام

صديق حسن خان

Полный текст (468 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأصل المعرة: العيب، مأخوذة من العر وهو الحرب. وذلك أن المشركين سيقولون إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم. قال الزجاج: معرة أي إثم، وكذا قال الجوهري- وبه قال ابن زيد-. وقال الكلبي ومقاتل وغيرهما: المعرة كفارة قتل الخطأ. وقال ابن إسحق: المعرة غرم الدية. وقال قطرب: المعرة الشدة، وقيل: الغم. بِغَيْرِ عِلْمٍ متعلق بأن تطئوهم أي غير عالمين. وجواب لولا محذوف أي لإذن الله لكم، أو لما كف أيديكم عنهم «١» .

стр. 422

سورة الحجرات ثمان عشرة آية وهي مدنية، قال القرطبي: بالإجماع «١» . [الآية الأولى] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا: من التبيين. وقرأ حمزة والكسائي من التثبيت فتثبتوا. والمراد من التبيين التعرف والتفحص، ومن التثبيت الأناة وعدم العجلة والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر «٢» . قال المفسرون: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط «٣» . كراهة أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ: أو لئلا تصيبوا، لأن الخطأ ممن لم يتبين الأمر ولم يتثبت فيه هو الغالب وهو جهالة، لأنه لم يصدر عن علم. والمعنى متلبسين بجهالة بحالهم. فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ: بهم من إصابتهم بالخطأ. نادِمِينَ (٦) : على ذلك مغتمين له مهتمين به.

стр. 423

[الآية الثانية] وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) . وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا: باعتبار كل فرد من أفراد الطائفتين. فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما: أي إذا تقاتل فريقان من المسلمين فعلى المسلمين أن يسعوا في الصلح بينهم ويدعوهم إلى حكم الله. فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ: أي فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين على الأخرى ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم ويتحروا في الصواب المطابق لحكم الله ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة، حتى تخرج من الظلم وتؤدي ما يجب عليها للأخرى. ثم أمر الله سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم بعد أمرهم بهذا العدل الخاص بالطائفتين المقتتلتين فقال: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) أي واعدلوا إن الله يحب العادلين، ومحبته لهم تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء. وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في هذا المرام في شرحه «نيل الأوطار للمنتقى» «١» ، وبسطنا الكلام على أحكام البغي والبغاة في شرحنا «مسك الختام لبلوغ المرام» فليرجع إليهما.

стр. 424

سورة النجم إحدى وستون وقيل: اثنتان وستون آية مكية جميعها، في قول الجمهور «١» . وروي عن ابن عباس: إلا آية منها، وهي قوله: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم: ٣٢] الآية. [الآية الأولى] وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) . وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ٣٩: أي ليس له إلا أجر سعيه وجزاء عمله، ولا ينفع أحدا عمل أحد. وهذا العموم مخصوص مثل قوله سبحانه: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١] ، وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد «٢» ، ومشروعية دعاء الأحياء للأموات وتصدقهم عنهم ونحو ذلك «٣» . ولم يصب من قال: إن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور فإن الخاص لا ينسخ العام بل يخصصه، فكلما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به- وهو من غير سعيه- كان مخصصا لما في هذه الآية من العموم «٤» .

стр. 425

سورة الواقعة سبع أو ست وتسعون آية وهي كلها مكية، في قول جماعة من العلماء كالحسن وعكرمة وجابر وعطاء. قال ابن عباس وقتادة: إلا آية منها نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) [الواقعة: ٨٢] «١» . [الآية الأولى] لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) . لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) : قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن الضمير عائد إلى الكتاب المكنون. والمطهرون: هم الملائكة. وقيل: هم الملائكة والرسل من بني آدم. ومعنى لا يمسه: المسّ الحقيقي. وقيل: المعنى لا ينزل به إلا المطهرون. وقيل: المعنى لا يقرؤه. وعلى كون المراد بالكتاب المكنون هو القرآن، فقيل: لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس، كذا قال قتادة وغيره «٢» . وقال الكلبي: المطهرون من الشرك. وقال الربيع بن أنس: المطهرون من الذنوب والخطايا. وقال محمد بن الفضل وغيره: معنى الآية لا يقرؤه إلا الموحدون. وقال الحسين بن الفضل: لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره الله من الشرك والنفاق «٣» .

стр. 426

وقد ذهب الجمهور إلى منع المحدث من مس المصحف، وبه قال علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وابن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي. وروي عن ابن عباس والشعبي وجماعة منهم أبو حنيفة: ويجوز للمحدث مسه «١» . وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في «شرحه للمنتقى» فليرجع إليه «٢» .

стр. 427

سورة الحديد تسع وعشرون آية كلها مدنية. قال القرطبي: في قول الجميع «١» . [الآية الأولى] ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) . وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً: الذين اتبعوه هم. الحواريون، جعل الله في قلوبهم مودة لبعضهم البعض. وَرَحْمَةً: يتراحمون بها بخلاف اليهود فإنهم ليسوا كذلك. أصل الرأفة: اللين. والرحمة: الشفقة. وقيل: الرأفة: أشد الرحمة. وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها: أي ابتدعوا رهبانية. ورجحه أبو علي الفارسي على العطف على ما قبلها. والرهبانية: بفتح الراء وضمها، وهي بالفتح الخوف من الرهب، وبالضم منسوبة إلى الرهبان وذلك لأنهم غلوا في العبادة وحملوا على أنفسهم المشقات في الامتناع من

стр. 428

المطعم والمشرب والمنكح، وتعلقوا بالكهوف والصوامع، لأن ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي منهم نفر قليل فترهبوا وتبتلوا. ذكر معناه قتادة والضحاك وغيرهما. ما كَتَبْناها: أي ما فرضناها. عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ: استثناء منقطع، أي ما كتبناها عليهم رأسا ولكن ابتدعوها ابتغاء. رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها أي هذه الرهبانية التي ابتدعوها من جهة أنفسهم. حَقَّ رِعايَتِها، بل ضيعوها وكفروا بدين عيسى ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا وبدلوا وتركوا الترهب ولم يبق على دين عيسى إلا قليل منهم وهم المرادون بقوله: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ الذي يستحقونه بالإيمان، وذلك لأنهم آمنوا بعيسى وثبتوا على دينه حتى آمنوا بمحمد ﵌ لما بعثه الله. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) : خارجون عن الإيمان بما أمروا أن يؤمنوا به «١» .

стр. 429

سورة المجادلة اثنتان وعشرون آية وهي مدنية، قاله القرطبي «١» : في قول الجميع، إلا رواية عن عطاء: أن العشر الأول منها مدنية. [الآيتان: الأولى والثانية] وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) . وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ: بأن يقول الزوج لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي كذا قال ابن عباس. فالمعنى والذين يقولون ذلك القول المنكر الزور. ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا: بالتدارك والتلافي، كما في قوله: أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ [النور: ١٧] ، أي إلى مثله. قال الأخفش: لما قالوا وإلى ما قالوا يتعاقبان. قال: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الأعراف: ٤٣] ، وقال: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) [الصافات: ٢٣] ، وقال: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) [الزلزلة: ٥] ، وقال: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ [هود: ٣٦] . وقال الفراء: اللام بمعنى ثم يرجعون عما قالوا ويريدون الوطء. وقال الزجاج: المعنى يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا.

стр. 430

قال الأخفش أيضا: الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما كانوا عليه من الجماع. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، لما قالوا. أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا. واختلف أهل العلم في تفسير العود المذكور على أقوال: الأول: أنه العزم على الوطء، وبه قال العراقيون: أبو حنيفة وأصحابه، وروي عن مالك. وقيل: هو الوطء نفسه، وبه قال الحسن. وروي أيضا عن مالك، وهو أن يمسكها زوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق، وبه قال الشافعي. وقيل: هو الكفارة، والمعنى أنه لا يستبيح وطأها إلا بكفارة، وبه قال الليث بن سعد وروي عن أبي حنيفة. وقيل: هو تكرير الظهار بلفظه، وبه قال أهل الظاهر. والظاهر أنها تجزىء أي رقبة كانت. وقيل: يشترط أن تكون مؤمنة، كالرقبة في كفارة القتل. وبالأول قال أبو حنيفة وأصحابه، وبالثاني قال مالك والشافعي واشترطا سلامتها من كل عيب. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا المراد بالتماس: هنا الجماع، وبه قال الجمهور، فلا يجوز للمظاهر الوطء حتى يكفّر. وقيل: المراد به الاستمتاع بالجماع أو اللمس أو النظر إلى الفرج بشهوة، وبه قال مالك، وهو أحد قولي الشافعي. والإشارة بقوله: ذلِكُمْ إلى الحكم المذكور، وهو مبتدأ وخبره: تُوعَظُونَ: أي تؤمرون بِهِ أو تزجرون به عن ارتكاب الظهار. وفيه بيان لما هو المقصود من شرع الكفارة. قال الزجاج: المعنى ذلكم التغليظ في الكفارة توعظون به، أي أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) : لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فهو مجازيكم عليها.

стр. 431

ثم ذكر سبحانه حكم العاجز عن الكفارة، فقال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا أي فمن لم يجد الرقبة في ملكه ولم يتمكن من قيمتها، فعليه صيام شهرين متواليين لا يفطر فيهما، فإن أفطر يستأنف إن كان الإفطار لغير عذر، وإن كان لعذر من سفر أو مرض، فقال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمر بن دينار والشعبي والشافعي ومالك: يبني ولا يستأنف. وقال أبو حنيفة: إنه يستأنف، وهو مروي عن الشافعي. فلو وطئ ليلا أو نهارا عمدا أو خطأ استأنف، وبه قال أبو حنيفة ومالك. وقال الشافعي: لا يستأنف إذا وطئ ليلا لأنه ليس محلا للصوم. والأول أولى. فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً لكل مسكين مدّان، وهما نصف صاع. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي وغيره: لكل مسكين مد واحد. والظاهر من الآية أنه يطعمهم حتى يشبعوا مرة واحدة، أو يدفع إليهم ما يشبعهم، ولا يلزمه أن يجمعهم مرة واحدة، بل يجوز له أن يطعم بعض الستين في يوم وبعضهم في يوم آخر. والإشارة بقوله: ذلِكَ إلى ما تقدم من الأحكام، وهو مبتدأ وخبره مقدر، أي ذلك واقع. لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ: أي لتصدقوا أن الله أمر به وشرعه، أو لتطيعوا الله ورسوله في الأوامر والنواهي وتقفوا عند حدود الشرع، ولا تعتدوها ولا تعودا إلى الظهار الذي هو منكر من القول وزور. والإشارة بقوله: وَتِلْكَ إلى الأحكام المذكورة، وهو مبتدأ وخبره: حُدُودُ اللَّهِ: فلا تجاوزوا حدوده التي حدها لكم، فإنه قد بين لكم أن الظهار معصية، وأن كفارته المذكورة توجب العفو والمغفرة. وَلِلْكافِرِينَ: الذين لا يقفون عند حدود الله ولا يعملون بما حده الله لعباده وسماه كفرا تغليظا وتشديدا. عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) : هو عذاب جهنم «١» .

стр. 432

سورة الحشر وهي مدنيّة. قال القرطبي «١» : في قول الجميع. [الآية الأولى] ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) . ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) قال مجاهد: إن بعض المهاجرين وقعوا في قطع النخل، فنهاهم بعضهم وقالوا: إنما هي مغانم للمسلمين. وقال الذين قطعوا: بل هو غيظ للعدو، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطع النخيل وتحليل من قطعه من الإثم. واختلف المفسرون في تفسير اللينة؟ فقال الزهري ومالك وسعيد بن جبير وعكرمة والخليل: إنها النخل كله إلا العجوة. وقال الثوري: هي كرام النخل. وقال أبو عبيدة: إنها جميع ألوان التمر سوى العجوة والبرني. وقال جعفر بن محمد: إنها العجوة خاصة. وقيل: هي ضرب من النخل.

стр. 433

وقال الأصمعي: هي الدقل، وأصل اللينة لونة فقلبت الواو الساكنة ياء لانكسار ما قبلها، وجمع اللينة لين، وقيل: ليان. وقد استدل بالآية على أن حصون الكفار وديارهم لا بأس بأن تهدم وتحرق وترمى بالمجانيق، وكذلك قطع أشجارهم ونحوها. وكذا استدل بها على جواز الاجتهاد، وعلى تصويب المجتهدين، والبحث مستوفى في كتب الأصول. [الآية الثانية] وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) . وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ: أي ما رده عليه من أموال الكفار، والضمير عائد إلى بني النضير. فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ يقال: وجف البعير يجف وجفا: وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع. والركاب: ما يركب من الإبل خاصة. والمعنى لم تركبوا لتحصيله خيلا ولا إبلا ولا تجشمتم لها مشقة ولا لقيتم به حربا، وإنما كانت من المدينة على ميلين، فجعلها الله سبحانه لرسوله ﵌ وبارك وسلم خاصة، فإنه افتتحها صلحا وأخذ أموالها، وقد كان يسأله المسلمون أن يقسم لهم فنزلت الآية. وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ: من أعدائه، وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله ﵌ دون أصحابه، لكونهم لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، بل مشوا إليها مشيا ولم يقاسوا فيها شيئا من شدائد الحروب. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ، يسلط من يشاء على من أراد، ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) [الأنبياء: ٢٣] .

стр. 434

[الآية الثالثة] ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ: هذا بيان لمصارف الفيء بعد بيان أنه لرسول الله ﵌ خاصة، والتكرير لقصد التقرير والتأكيد. ووضع مِنْ أَهْلِ الْقُرى، موضع قوله: مِنْهُمْ للإشعار بأن هذا الحكم لا يختص ببني النضير وحدهم، بل هو حكم على كل قرية يفتحها رسول الله ﵌ صلحا، ولم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب. والمراد بالقرى بنو النضير وقريظة وفدك وخيبر. وقد تكلم أهل العلم في هذه الآية والتي قبلها: هل معناهما متفق أو مختلف؟ فقيل: معناهما متفق كما ذكرنا، وقيل: مختلف. وفي ذلك كلام لأهل العلم طويل. قال ابن العربي: لا إشكال في أنها ثلاثة معان في ثلاث آيات: أما الآية الأولى وهي قوله: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فهي خاصة لرسول الله ﵌، خالصة له وهي أموال بني النضير وما كان مثلها. وأما الآية الثانية وهي: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فهذا كلام مبتدأ غير الأول المستحق غير الأول، وإن اشتركت هي والأولى في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئا أفاءه الله على رسوله، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية الأنفال وهي الآية الثالثة أنه حاصل بقتال، [وعريت] «١» الآية الثانية وهي: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى عن ذكر حصوله بقتال أو بغير قتال، فنشأ الخلاف من هاهنا: فطائفة قالت: هي ملحقة بالأولى وهي مال الصلح.

стр. 435

وطائفة قالت: هي ملحقة بالثالثة وهي آية الأنفال، والذين قالوا إنها ملحقة باية الأنفال اختلفوا هل هي منسوخة؟ أو محكمة؟ هذا أصل كلامه. وقال مالك: إن الآية الأولى من هذه السورة خاصة برسول الله ﵌، والآية الثانية هي في بني قريظة، يعني أن معناها يعود إلى آية الأنفال. ومذهب الشافعي أن سبيل خمس الفيء سبيل خمس الغنيمة، وأن أربعة أخماسه كانت للنبي ﵌ وهي بعده لمصالح المسلمين. فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ: المراد بقوله: فَلِلَّهِ أنه يحكم فيه بما يشاء، وللرسول ويكون ملكا له، ولذي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، لأنهم قد منعوا من الصدقة فجعل لهم حقا في الفيء، قيل: تكون القسمة في هذا المال على أن تكون أربعة أخماسه لرسول الله ﵌ وخمسه يقسم أخماسا للرسول خمس ولكل صنف من الأصناف الأربعة المذكورة خمس. وقيل: يقسم أسداسا، السادس سهم الله سبحانه، ويصرف إلى وجوه القرب، كعمارة المساجد ونحو ذلك. كَيْ لا يَكُونَ: أي الفيء. دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ دون الفقراء. والدولة: اسم للشيء يتداوله القوم بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة. قال مقاتل: المعنى أنه يغلب الأغنياء الفقراء فيقسمونه بينهم ثم لما بين لهم سبحانه مصارف هذا المال أمرهم بالاقتداء برسوله ﵌ فقال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ: أي ما أعطاكم من مال الغنيمة. فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ: أي عن أخذه. فَانْتَهُوا عنه ولا تأخذوه. قال الحسن والسدي: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه. وقال ابن جريج: ما أتاكم من طاعتي فافعلوا وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه.

стр. 436

والحق أن هذه الآية عامة في كل شيء يأتي به رسول الله ﵌ من أمر أو نهي أو قول أو فعل، وإن كان السبب خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصله إلينا، وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها «١» . ثم لما أمرهم بأخذ ما أمرهم بأخذه الرسول وترك ما نهاهم عنه أمرهم بتقواه وخوفهم شدة عقوبته فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ فهو معاقب لمن لم يأخذ ما آتاه الرسول ولم يترك ما نهاه عنه.

стр. 437

سورة الممتحنة ثلاث عشرة آية وهي مدنيّة، قال القرطبي: في قول الجميع «١» . [الآيتان: الأولى والثانية] لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) . لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ: بدل من الموصول بدل اشتمال. وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ: يقال أقسط إلى الرجل إذا عاملته بالعدل. قال الزجاج: المعنى وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) : أي العادلين. ومعنى الآية أن الله سبحانه لا ينهى عن بر أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال، وعلى أن لا يظاهروا الكفار عليهم، ولا ينهى عن معاملتهم. قال ابن زيد: كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخ. قال قتادة: نسختها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] . وقيل: هذا الحكم كان ثابتا في الصلح بين النبي ﵌ وبين قريش فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم. وقيل: هي خاصة في خلفاء النبي ﵌ ومن بينه وبينه عهد، قاله الحسن.

стр. 438

قال الكلبي: هم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناة. وقال مجاهد: هي خاصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا. وقيل: هي خاصة بالنساء والصبيان. وحكى القرطبي «١» عن أكثر أهل التأويل أنها محكمة. ثم بيّن سبحانه من لا يحل بره ولا العدل في معاملته، فقال: إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ: وهم صناديد الكفر من قريش. وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ: أي عاونوا الذين قاتلوكم وأخرجوكم على ذلك، وهم سائر أهل مكة ومن دخل معهم في عهدهم. أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) : أي الكاملون في الظلم لأنهم تولوا من يستحق العداوة لكونه عدوا لله ولرسوله ولكتابه وجعلوهم أولياءهم. [الآيتان: الثالثة والرابعة] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ: من بين الكفار، وذلك أن النبي ﵌ لما صالح قريشا يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاءهم من المسلمين فلما هاجر إليه النساء أبى الله أن يرددن إلى المشركين، وأمر بامتحانهن فقال: فَامْتَحِنُوهُنَّ: أي فاختبروهن. وقد اختلف فيما كان يمتحن به؟ فقيل: كنّ يستحلفن بالله ما خرجن من بغض

стр. 439

زوج ولا رغبة من أرض إلى أرض ولا لالتماس دنيا، بل حبا لله ولرسوله ﵌، ورغبة في دينه فإذا حلفت كذلك أعطى النبي ﵌ زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها إليه. وقيل: الامتحان هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وقيل: ما كان الامتحان إلا بأن يتلو عليهن رسول الله ﵌ الآية، وهي يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ إلى آخرها. واختلف أهل العلم هل دخل النساء في عهد الهدنة أم لا؟ على قولين: فعلى القول بالدخول تكون هذه الآية مخصصة لذلك العهد، وبه قال الأكثر. وعلى القول بعدمه لا نسخ ولا تخصيص. اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ: هذه الجملة معترضة لبيان أن حقيقة حالهن لا يعلمها إلا الله سبحانه. ولم يتعبدكم بذلك وإنما تعبدكم بامتحانهن حتى يظهر لكم ما يدل على صدق دعواهن في الرغوب في الإسلام. فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ: أي علمتم ذلك، بحسب الظاهر بعد الامتحان الذي أمرتم به. فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ: أي إلى أزواجهن الكافرين. لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ: تعليل للنهي عن إرجاعهن. وفيه دليل على أن المؤمنة لا تحل لكافر، وأن إسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها لا مجرد هجرتها، والتكرير لتأكيد الحرمة أو الأول لبيان زوال النكاح القديم، والثاني لامتناع النكاح الجديد. وَآتُوهُمْ: أي وأعطوا أزواج هؤلاء اللاتي هاجرن وأسلمن مثل: ما أَنْفَقُوا: عليهن من المهور. قال الشافعي: إذا طلبها غير الزوج من قراباتها منع منها بلا عوض. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ لأنهنّ قد صرن من أهل دينكم. إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ: أي مهورهن، وذلك بعد انقضاء عدتهن كما تدل عليه أدلة وجوب العدة. وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ: قد قرأ الجمهور بالتخفيف من الإمساك. واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [البقرة: ٢٣١] .

стр. 440

وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو عمرو بالتشديد من التمسك «١» . والعصم: جمع عصمة وهي ما يعتصم به. والمراد هنا عصمة عقد النكاح. والمعنى أن من كانت له امرأة كافرة فليست له بامرأة لانقطاع عصمتها باختلاف الدين. قال النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر. وكان الكفار يزوجون المسلمين والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك لهذه الآية. وهذا خاص بالكوافر المشركات دون الكوافر من أهل الكتاب، وقيل: عامة في جميع الكوافر، مخصصة بإخراج الكتابيات منها. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه إذا أسلم وثنيّ أو كتابيّ لا يفرق بينهما إلا بعد انقضاء العدة. وقال بعض أهل العلم: يفرق بينهما بمجرد إسلام الزوج، وهذا إنما هو إن كانت المرأة مدخولا بها، وأما إذا كانت غير مدخول بها فلا خلاف بين أهل العلم في انقطاع العصمة بينهما بالإسلام، إذ لا عدة عليها. وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا: أي اطلبوا مهور نسائكم اللاحقات بالكفار. قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدة إلى الكفار من أهل العهد، يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاءت امرأة من الكفار إلى المسلمين وأسلمت: ردوا مهرها على زوجها الكافر. ذلِكُمْ: أي المذكور من إرجاع المهور من الجهتين. حُكْمُ اللَّهِ، ورسوله. يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) . قال القرطبي «٢» : وكان هذا مخصوصا بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة، بإجماع المسلمين.

стр. 441

ولما نزلت الآية المتقدمة قال المسلمون: رضينا بحكم الله، وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا، فنزل قوله: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ: أي مما دفعتم. مِنْ أَزْواجِكُمْ أي من مهور نسائكم المسلمات. وقيل: المعنى وإن انفلت منكم أحد من نسائكم. إِلَى الْكُفَّارِ: فارتدت المسلمة. فَعاقَبْتُمْ: قال الواحدي، قال المفسرون: أي فغنمتم. وقال الزجاج: تأويله وكانت العقبى لكم، أي كانت الغنيمة لكم حتى غنمتم. فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا: من مهر المهاجرة التي تزوجوها ودفعوه إلى الكفار ولا تؤتوه زوجها الكافر. قال قتادة ومجاهد: إنما أمروا أن يعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفيء والغنيمة، وهذه الآية منسوخة قد انقطع حكمها بعد الفتح. وقال قوم: بل محكمة «١» . وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) : أي احذروا أن تتعرضوا لشيء مما يوجب العقوبة عليكم، فإن الإيمان الذي أنتم متصفون به يوجب على صاحبه ذلك. [الآية الخامسة] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ: أي قاصدات مبايعتك على الإسلام.

стр. 442

وعَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً: من الأشياء كائنا ما كان، هذا كان يوم فتح مكة، فإن نساء أهل مكة أتين رسول الله ﵌ يبايعنه فأمره الله أن يأخذ عليهن أن لا يشركن. وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ: وهو ما كانت تفعله الجاهلية من وأد البنات. وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ: أي لا يلحقن بأزواجهن ولدا ليس منهم. قال الفرّاء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن، وذلك أن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها، وليس المراد هنا أنها نسيت ولدها من الزنا إلى زوجها، لأن ذلك قد دخل تحت النهي عن الزنا. وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ: أي في كل أمر هو طاعة لله. قال عطاء: في كل بر وتقوى. وقال المقاتل: عني بالمعروف النهي عن النوح، وتمزيق الثياب، وجز الشعر، وشق الجيب، وخمش الوجوه، والدعاء بالويل. وكذا قال قتادة وسعيد بن المسيب ومحمد بن السائب وزيد بن أسلم، ومعنى القرآن أوسع مما قالوه! قيل: ووجه التقييد بالمعروف مع كونه ﵌ لا يأمر إلا به، للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق. فَبايِعْهُنَّ: هذا جواب إذا، والمعنى إذا بايعنك على هذه الأمور فبايعهن، ولم يذكر في بيعتهن الصلاة والزكاة والصيام والحج لوضوح كون هذه الأمور ونحوها من أركان الدين وشعائر الإسلام، إنما خص الأمور المذكورة لكثرة وقوعها من النساء. وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ: أي اطلب من الله المغفرة لهن بعد هذه المبايعة لهن منك. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) : أي بليغ المغفرة والرحمة لعباده «١» .

стр. 443

سورة الجمعة إحدى عشرة آية وهي مدنيّة، قال القرطبي «١» : في قول الجميع. [الآية الأولى] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ: أي وقع النداء: لها، والمراد به الأذان إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة، لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﵌ نداء سواه. مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ: بيان لإذا وتفسير لها. وقال أبو البقاء: (من) بمعنى في. فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ: قال عطاء: يعني الذهاب والمشي إلى الصلاة. وقال الفراء: المضي، والسعي، والذهاب، في معنى واحد. ويدل على ذلك قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود: (فامضوا إلى ذكر الله) . وقيل: المراد القصد. قال الحسن: والله ما هو سعي على الأقدام ولكنه قصد بالقلوب والنيات. وقيل: هو العمل كقوله: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ [الإسراء: ١٩] ، وقوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) [الليل: ٤] ، وقوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) [النجم: ٣٩] .

стр. 444

قال القرطبي «١» : وهذا قول الجمهور. وَذَرُوا الْبَيْعَ: أي اتركوا المعاملة به، ويلحق به سائر المعاملات. قال الحسن: إذا أذّن المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء والبيع. والإشارة بقوله: ذلِكُمْ إلى السعي إلى ذكر الله وترك البيع، وهو مبتدأ وخبره: خَيْرٌ لَكُمْ لما في الامتثال من الأجر والجزاء، وفي عدمه من عدم ذلك إذا لم يكن موجبا للعقوبة. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) : أي إن كنتم من أهل العلم، فإنه لا يخفى عليكم أن ذلكم خير لكم، أو فاختاروا ذلك «٢» .

стр. 445

سورة المنافقين إحدى عشرة آية وهي مدنيّة، قال القرطبي «١» : في قول الجميع. [الآية الأولى] إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) . إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ: أي إذا وصلوا إليك وحضروا مجلسك. قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ: أكدوا شهادتهم بأن، واللام للإشعار بأنها صادرة من صميم قلوبهم مع خلوص اعتقادهم، والمراد بالمنافقين: عبد الله بن أبيّ وأصحابه. ومعنى نشهد: نحلف، فهو يجري مجرى القسم، ولذلك يتلقى بما يتلقى به القسم. وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ: معترضة مقررة لمضمون ما قبلها، وهو ما أظهروه من الشهادة وإن كانت بواطنهم على خلاف ذلك. وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) : أي في الشهادة التي زعموا أنها من صميم القلب وخلوص الاعتقاد، لا إلى منطوق كلامهم وهو الشهادة بالرسالة فإنه حق. والمعنى والله يشهد إنهم لكاذبون فيما تضمنه كلامهم من التأكيد الدال على أن شهادتهم بذلك صادرة عن خلوص اعتقاد وطمأنينة قلب وموافقة باطن لظاهر «٢» .

стр. 446

سورة الطلاق إحدى واثنتا عشرة آية وهي مدنيّة، قال القرطبي «١» : في قول الجميع. [الآية الأولى] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ: نادى النبي ﵌ أولا تشريفا له ثم خاطبه مع أمته، أو الخطاب له خاصة والجمع للتعظيم، وأمته أسوته في ذلك. والمعنى إذا أردتم تطليقهن وعزمتم عليه. فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ: أي مستقبلات لعدتهن، أو في قبل عدتهن، أو لقبل عدتهن، أو لزمان عدتهن وهو الطهر. والمراد أن تطلقوهن في طهر لم يقع فيه جماع ثم يتركن حتى تنقضي عدتهن فإذا طلقتموهن هكذا فقد طلقتموهن لعدتهن. وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ: أي احفظوها واحفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق حتى تتم العدة وهي ثلاثة قروء، والخطاب للأزواج، وقيل: للزوجات، وقيل: للمسلمين على العموم. والأول أولى لأن الضمائر كلها لهم «٢» .

стр. 447

وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ: فلا تعصوه فيما أمركم ولا تضاروهن. لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ: أي التي كن فيها عند الطلاق ما دمن في العدة، وأضاف البيوت إليهن مع كونها لأزواجهن لتأكيد النهي وبيان كمال استحقاقهن للسكنى في مدة العدة، ومثله: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: ٣٤] ، وقوله: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: ٣٣] . ثم لما نهى الأزواج عن إخراجهن من البيوت التي وقع الطلاق وهن فيها، نهى الزوجات عن الخروج أيضا فقال: وَلا يَخْرُجْنَ: أي من تلك البيوت ما دمن في العدة إلا لأمر ضروري وقيل: المراد لا يخرجن من أنفسهن إلا إذا أذن الأزواج لهن، فلا بأس، والأول أولى. إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ: فهذا الاستثناء هو من الجملة الأولى، أي لا تخرجوهن من بيوتهن، لا من الجملة الثانية. قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا، وذلك أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها. وقال الشافعي وغيره: هي البذاء في اللسان والاستطالة به على من هو ساكن معها في ذلك البيت. ويؤيد هذا ما قال عكرمة: إن في مصحف أبيّ: إلّا أن يفحشن عليكم وقيل: المعنى إلا أن يخرجن تعديا، فإن خروجهن على هذا الوجه فاحشة، وهو بعيد. وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ: يعني أن هذه الأحكام التي بينها لعباده هي حدوده التي حددها لهم ليس لأحد أن يتجاوزها إلى غيرها. وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ: أي يتجاوزها إلى غيرها أو يحل شيئا منها. فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ: بإيرادها موارد الهلاك وأوقعها في مواقع الضرر، بعقوبة الله له

стр. 448

على مجاوزته لحدوده وتعديه لرسمه. لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) قال القرطبي «١» : قال جميع المفسرين أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة، والمعنى التحريض على الطلاق الواحدة، والنهي عن الثلاث. فإنه إذا طلق ثلاثا أضر بنفسه عند الندم على الفراق والرغبة في الارتجاع، فلا يجد إلى المراجعة سبيلا. وقال مقاتل: بعد ذلك، أي بعد طلقة أو طلقتين أمرا بالمراجعة. قال الواحدي: الأمر الذي يحدث أن يوقع في قلب الرجل المحبة لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين. قال الزجاج: وإذا طلقها ثلاثا في وقت واحد؟! فلا معنى لقوله: لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. [الآيتان: الثانية والثالثة] فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (٣) . فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: أي قاربن انقضاء أجل العدة. فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ: أي راجعوهن بحسن معاشرة ورغبة فيهن من غير قصد إلى مضارة لهن. أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ: أي اتركوهنّ حتى تنقضي عدتهنّ، فيملكن نفوسهن مع بقائهن بما هو لهن عليكم من الحقوق وترك المضارة لهن. وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ: على الرجعة، وقيل: على الطلاق، وقيل: عليهما قطعا للتنازع وحسما لمادة الخصومة. والأمر للندب كما في قوله: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢]

стр. 449

وقيل: إنه للوجوب. وإليه ذهب الشافعي. قال: الإشهاد واجب للرجعة مندوب إليه في الفرقة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل، وفي قول للشافعي: إن الرجعة لا تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق. وروي نحو هذا عن أبي حنيفة وأحمد. وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ: هذا أمر للشهود بأن يأتوا بما شهدوا به تقربا إلى الله. وقيل: الأمر للأزواج بأن يقيموا الشهادة عند الرجعة فيكون قوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ أمرا بنفس الإشهاد، ويكون قوله: وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ، أمرا بأن تكون خالصة لله «١» . ذلِكُمْ: أي ما تقدم من الأمر بالإشهاد وإقامة الشهادة. يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ: وخص المؤمن. بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لأنه المنتفع بذلك دون غيره. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) مما وقع فيه من الشدائد والمحن. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ أي من وجه لا يخطر بباله ولا يكون في حسابه. قال الشعبي والضحاك: هذا في الطلاق خاصة، أي من طلق كما أمر الله يكن له مخرج في الرجعة في العدة وأنه يكون كأحد الخطاب بعد العدة. قال الكلبي: ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجا من النار إلى الجنة. وقال الحسن: مخرجا مما نهى الله عنه. وقال أبو العالية: مخرجا من كل شيء ضاق على الناس. وقال الحسين بن الفضل: ومن يتق الله في أداء الفرائض يجعل له مخرجا من العقوبة، ويرزقه الثواب من حيث لا يحتسب، أي يبارك له فيما آتاه. وقال سهل بن عبد الله: ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل له مخرجا من عقوبة

стр. 450

أهل البدع، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب، وقيل غير ذلك. وظاهر الآية العموم، ولا وجه للتخصيص بنوع خاص، ويدخل ما فيه السياق دخولا أوليا. وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ: أي ومن يثق بالله فيما نابه كفاه ما أهمه. إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ: أي بالغ ما يريده من الأمر، لا يفوته شيء ولا يعجزه مطلوب، أو نافذ أمره لا يرده شيء. قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (٣) : أي تقديرا وتوقيتا أو مقدارا، فقد جعل الله سبحانه للشدة أجلا تنتهي إليه وللرخاء أجلا ينتهي إليه. وقال السدي: هو قد الحيض والعدة «١» . [الآية الرابعة] وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) . وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ: من الكبار اللاتي قد انقطع حيضهن وأيسن منه. إِنِ ارْتَبْتُمْ: أي شككتم وجهلتم كيف عدتهن. فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ: لصغرهن وعدم بلوغهن سن المحيض، أي فعدتهن ثلاثة أشهر أيضا، وحذف هذا لدلالة ما قبله عليه. وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ: أي انتهاء عدتهن وضع الحمل، وظاهر الآية أن عدة الحوامل هي بالوضع سواء كن مطلقات أو متوفى عنهن، وقد تقدم الكلام في هذا في سورة البقرة «٢» مستوفى، وحققنا البحث في هذه الآية وفي الآية الأخرى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً.

стр. 451

وقيل: معنى إِنِ ارْتَبْتُمْ: إن تيقنتم. ورجح ابن جرير «١» أنه بمعنى الشك، وهو الظاهر. قال الزجاج: إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن تحيض مثلها. وقال مجاهد: إِنِ ارْتَبْتُمْ أي لم تعلموا عدة الآيسة والتي لم تحض، فالعدة هذه. وقيل: المعنى إن ارتبتم في الدم الذي يظهر منها هل هو حيض أم لا بل استحاضة، فالعدة ثلاثة أشهر «٢» . وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) : أي من يتقيه في امتثال أوامره واجتناب نواهيه، يسهل عليه أمره في الدنيا والآخرة. وقال الضحاك: من يتق الله فيطلق للسّنّة، يجعل له من أمره يسرا في الرجعة. وقال مقاتل: من يتق الله في اجتناب معاصيه، يجعل له من أمره يسرا في توفيقه للطاعة. [الآيتان: الخامسة والسادسة] أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) .

стр. 452

أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ: هذا بيان ما يجب للنساء من السكنى، و (من) للتبعيض، أي بعض مكان سكناكم، وقيل: زائدة. مِنْ وُجْدِكُمْ: أي من سعتكم وطاقتكم. والوجد: القدرة. قال الفراء: يقول على من يجد، فإن كان موسعا وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيرا فعلى قدر ذلك. قال قتادة: إن لم تجد إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه. وقد اختلف أهل العلم في المطلّقة ثلاثا هل لها سكنى ونفقة أم لا؟ فذهب مالك والشافعي إلى أن لها السكنى ولا نفقة لها. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن لها النفقة والسكنى. وذهب أحمد وإسحق وأبو ثور إلى أنه لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا هو الحق. وقد قرره الشوكاني في «شرحه للمنتقى» «١» بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ: في المسكن والنفقة. وقال مجاهد: في المسكن. وقال مقاتل: في النفقة. وقال أبو الضحى: هو أن يطلقها فإذا بقي يومان من عدتها راجعها ثم طلقها. وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ: أي إلى غاية هي وضعهن للحمل. ولا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة. فأما الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال علي وابن عمر وابن مسعود وشريح والنخعي والشعبي وحماد وابن أبي ليلى وسفيان وأصحابه: ينفق عليها من جميع المال حتى تضع. وقال ابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله ومالك والشافعي وأبو حنيفة

стр. 453

وأصحابه: لا ينفق عليها إلا من نصيبها، وهذا هو الحق للأدلة الواردة في ذلك من السنة. فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ: أولادكم بعد ذلك. فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي أجور إرضاعهن. والمعنى أن المطلقات إذا أرضعن أولاد الأزواج المطلّقين لهن منهن، فلهن أجورهن على ذلك. وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ: هو خطاب للأزواج والزوجات، أي تشاوروا بينكم بمعروف غير منكر، وليقبل بعضكم من بعض المعروف والجميل. وأصل معناه: ليأمر بعضكم بعضا بما هو متعارف بين الناس غير منكر عندهم. قال مقاتل: المعنى ليتراض الأب والأم على أجر مسمى. قيل: فالمعروف الجميل من الزوج أن يوفر لها الأجر، والمعروف الجميل منها أن لا تطلب ما يتعاسره الزوج من [الأجر] «١» . وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ: أي في أجر الرضاع، فأبى الزوج أن يعطي الأم الأجر وأبت الأم أن ترضعه إلا بما تريد من الأجر. فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) : أي يستأجر مرضعة أخرى ترضع ولده، ولا يجب عليه أن يسلم بما تطلبه الزوجة، ولا يجوز له أن يكرهها على الإرضاع بما يريد من الأجر. قال الضحاك: إن أبت الأم أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإن لم تقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجر. لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ: فيه الأمر لأهل السعة بأن يوسعوا على المرضعات من نسائهم على قدر سعتهم. وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ: أي كان رزقه بمقدار القوت أو مضيقا ليس بموسع. فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ: أي مما أعطاه من الرزق ليس عليه غير ذلك. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها: أي ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير بأن ينفق ما ليس في وسعه، بل عليه ما يقدر عليه وتبلغ إليه طاقته مما أعطاه الله من الرزق. سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) : أي بعد ضيق وشدة سعة وغنى «٢» .

стр. 454

سورة التحريم اثنتا عشرة آية وهي مدنيّة، قال القرطبي «١» : في قول الجميع. وتسمى سورة النبي ﵌. [الآيتان: الأولى والثانية] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ: اختلف في سبب نزول الآية على أقوال: الأول: قول أكثر المفسرين، قال الواحدي: قال المفسرون: كان النبي ﵌ في بيت حفصة فزارت أباها، فلما رجعت أبصرت مارية في بيتها مع النبي ﵌، فلم تدخل حتى خرجت مارية، ثم دخلت. فلما رأى النبي ﵌ في وجه حفصة الغيرة والكآبة قال لها: «لا تخبري عائشة ولك عليّ أن لا أقربها أبدا» فأخبرت حفصة عائشة- وكانتا متصافيتين- فغضبت عائشة، ولم تزل بالنبي ﵌ حتى حلف أن لا يقرب ماريّة، فأنزل الله هذه السورة «٢» .

стр. 455

قال القرطبي «١» : أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة وذكر القصة. وقيل: السبب أنه كان النبي ﵌ يشرب عسلا عند زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة أن يقولا له إذا دخل عليهما: إنا نجد منك ريح مغافير «٢» . وقيل: السبب المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﵌، وسنده ضعيف «٣» . والجمع ممكن بوقوع القصتين: قصة العسل وقصة مارية، وأن القرآن نزل فيهما جميعا. تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ: ومرضاة اسم مصدر وهو الرضا. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) : لما فرط منك من تحريم ما أحل الله لك. قيل: وكان ذلك ذنبا من الصغائر، فلذا عاتبه الله عليه، وقيل: إنها معاتبة على ترك الأولى. قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ: أي شرع لكم تحليلها وبين لكم ذلك، فكان اليمين عقد والكفارة حل، لأنها تحل للحالف ما حرمه على نفسه. قال مقاتل: المعنى قد بين الله كفارة أيمانكم في سورة المائدة، أمر الله نبيه أن يكفر يمينه ويراجع وليدته فأعتق رقبة. قال الزجاج: وليس لأحد أن يحرم ما أحل الله. قلت: وهذا هو الحق، إن تحريم ما أحل الله لا ينعقد ولا يلزم صاحبه، فالتحليل والتحريم هو إلى الله سبحانه لا إلى غيره، ومعاتبته نبيه ﵌ في هذه السورة أبلغ دليل على ذلك، والبحث طويل والمذاهب فيه كثيرة والمقالات فيه طويلة، وقد حققه الشوكاني رحمه الله تعالى في مؤلفاته بما يشفي. واختلف العلماء هل مجرد التحريم يمين يوجب الكفارة أم لا؟ وفي ذلك خلاف وليس في الآية ما يدل على أنه يمين لأن الله سبحانه عاتبه على تحريم ما أحله الله له،

стр. 456

ثم قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ، وقد ورد في القصة التي ذهب أكثر المفسرين إلى أنها هي سبب نزول الآية «١» أنه حرم أولا، ثم حلف ثانيا كما قدمنا. وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ: أي وليكم وناصركم والمتولي لأموركم. وَهُوَ الْعَلِيمُ: بما فيه صلاحكم وفلاحكم. الْحَكِيمُ (٢) : في أقواله وأفعاله «٢» .

стр. 457

سورة نوح تسع وعشرون أو ثمان وعشرون آية مكيّة، قاله عبد الله بن [عباس] «١» وأخرجه عنه ابن [الضريس] «٢» والنحاس وابن مردويه. [الآيات: الأولى والثانية والثالثة] فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢) . فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (١٠) : أي سلوه المغفرة من ذنوبكم السالفة بإخلاص النية، إنه كثير المغفرة للمذنبين، وقيل: معنى استغفروا: توبوا عن الكفر إنه كان غفارا للتائبين عنه «٣» . يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) : المراد بالسماء: المطر. والمدرار الدّرور: وهو التحلب بالمطر، أي إرسالا مدرارا. وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق، ولهذا قال: وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢) : جارية.

стр. 458

سورة المزمل تسع عشرة أو عشرون آية وهي مكيّة، قال الماوردي: كلها، في قول الحسن وعكرمة وجابر. قال: وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ والتي تليها [المزمل: ١٠- ١١] . [الآيات: الأولى والثانية والثالثة] قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) . قُمِ اللَّيْلَ: أي قم للصلاة في الليل. واختلف هل كان هذا القيام الذي أمر به فرضا عليه أو نفلا؟. وقوله: إِلَّا قَلِيلًا (٢) : استثناء من الليل، أي صل الليلة كلها إلا يسيرا منها. والقيام من الشيء: هو ما دون النصف، وقيل: ما دون السدس، وقيل: ما دون العشر. وقال مقاتل والكلبي: المراد بالقليل هنا الثلث. وقد أغنانا عن هذا الاختلاف قوله: نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ، أي من النصف. قَلِيلًا (٣) : إلى الثلث. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ، قليلا إلى الثلثين. فكأنه قال: قم ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه. وقيل: إن نصفه بدل من قوله: قَلِيلًا (٢) : فيكون المعنى قم الليل إلا نصفه أو أقل

стр. 459

من نصفه أو أكثر من نصفه. قال الأخفش: نصفه أي أو نصفه كما يقال أعطه درهما درهمين ثلاثة يريد أو درهمين أو ثلاثة. قال الواحدي: قال المفسرون: أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث، أو زد على النصف إلى الثلثين. جعل له سعة في مدة قيامه في الليل وخيره في هذه الساعات للقيام، فكان النبي ﵌ وطائفه معه يقومون على هذه المقادير، وشق ذلك عليهم، فكان الرجل لا يدري كم صلى أو كم بقي من الليل وكانوا يقومون الليل كله حتى خفف الله عنهم. وقيل: الضمير في (منه) و (عليه) راجعان إلى الأقل من النصف كأنه قال: قم أقل من نصفه، أو قم انقص من ذلك الأقل أو أزيد منه قليلا! وهو بعيد جدا. والظاهر أن نصفه قليلا والضميران راجعان إلى النصف المبدل من (قليلا) «١» . واختلف في الناسخ لهذا الأمر فقيل: هو قوله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ [المزمل: ٢٠] إلى آخر السورة، وقيل: هو قوله: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ [المزمل: ٢٠] ، وقيل: هو قوله: أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى [المزمل: ٢٠] ، وقيل: هو منسوخ بالصلوات الخمس. وبهذا قال مقاتل والشافعي وابن كيسان، وقيل: هو فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ [المزمل: ٢٠] وذهب الحسن وابن سيرين إلى أن صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو قدر حلب شاة «٢» . وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) : أي اقرأه على مهل مع تدبر. قال الضحاك: اقرأه حرفا حرفا. قال الزجاج: هو أن تبين جميع الحروف وتوفي حقوقها من الإشباع. وأصل الترتيل: [التنضيد] «٣» والتنسيق وحسن النظام، وتأكيد الفعل بالمصدر،

стр. 460

يدل على المبالغة على وجه لا يلتبس فيه بعض الحروف ببعض، ولا ينقص من النطق بالحرف من مخرجه المعلوم مع استيفاء حركته المعتبرة. [الآية الرابعة] إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠) . إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ: معنى أدنى: أقل، استعير له الأدنى لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما. وَنِصْفَهُ: معطوف على أدنى. وَثُلُثَهُ: معطوف على نصفه. والمعنى أن الله يعلم أن رسوله ﵌ يقوم أقل من ثلثي الليل ويقوم نصفه ويقوم ثلثه. وبالنصب قراءة ابن كثير والكوفيين. وقرأ الجمهور: ونصفه وثلثه بالجر عطفا على ثلثي الليل. والمعنى أن الله يعلم أن رسوله يقوم أقل من ثلثي الليل وأقل من نصفه وأقل من ثلثه. واختار قراءة الجمهور أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ فكيف يقومون نصفه وثلثه وهم لا يحصونه. وقال الفرّاء: القراءة الأولى أشبه بالصواب لأنه قال: أقل من ثلثي الليل، ثم فسر نفس القلة «١» .
следующие страницы →