حرب ابرويز مع الروم
قالوا: ثم ان ابن قيصر ملك الروم قدم على كسرى ابرويز، فاخبره بان بطارقه الروم وعظماءها وثبوا على ابيه قيصر وأخيه ثيادوس بن قيصر، فقتلوهما جميعا، وملكوا عليهم رجلا من قومهم، يسمى كوكسان، وذكره بلاء ابيه وأخيه عنده، فغضب ابرويز له، ووجه معه ثلاثة قواد: احدهم شاهين في اربعه وعشرين الف رجل، فوغل في ارض الروم، وبث فيها الغارات حتى انتهى الى خليج القسطنطينية، فعسكر هناك، والقائد الآخر بوذ [١] فسار نحو ارض مصر، فاغار، وعاث، وافسد حتى انتهى الى الإسكندرية، فافتتحها عنوه، وسار الى البيعه العظمى التي بالإسكندرية، فاخذ اسقفها، فعذبه، حتى دله على الخشبة التي تزعم النصارى ان المسيح صلب عليها، وكانت مدفونة في موضع قد زرع فوقها الرياحين، والقائد الثالث شهريار فسار حتى اتى الشام، فقتل أهلها قتلا ذريعا، حتى أخذها كلها عنوه.
فلما راى عظماء الروم ما حل بهم من كسرى اجتمعوا، فقتلوا الرجل الذى كانوا ملكوه، وقالوا ان مثل هذا لا يصلح للملك وملكوا عليهم ابن عم لقيصر المقتول يسمى هرقل، وهو الذى بنى مدينه هرقله [٢] ، فكانت هذه الغلبه التي ذكرها الله تعالى في كتابه [٣] :
وان هرقل الذى ملكته الروم استجاش اهل مملكته، وسار الى القائد الذى كان معسكرا على الخليج، فحاربه حتى اخرجه من ارض الروم، ثم صمد للذي كان بأرض مصر، فطرده عنها، ثم عطف على شهريار، فاخرجه عن الشام، فوافت
стр. 107
العساكر كلها الجزيرة، وسار هرقل نحوهم، فواقعهم، فهزمهم حتى بلغ بهم الموصل.
وذلك بلغ كسرى، فخرج في جنوده نحو الموصل، وانضم اليه قواده الثلاثة، وسار نحو هرقل، فاقتتلوا، فانهزم الفرس، فلما راى ذلك كسرى غضب على عظماء جنوده ومرازبته [١] ، فامر بهم، فحبسوا ليقتلهم.
توليه شيرويه بن ابرويز
ولما راى اهل المملكة ذلك تراسلوا، وعزموا على خلع كسرى، وتمليك ابنه شيرويه بن كسرى، فخلعوه وملكوا شيرويه، وحبسوا كسرى في بيت من بيوت القصر، ووكلوا به حيلوس رئيس المستميته، وكان ذلك سنه تسع [٢] من هجره النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وان شيرويه امر ان ينقل بابيه من دار المملكة، فيحبس في دار رجل من المرازبه، يسمى هرسفته [٣] ، فقنع راسه، وحمل على برذون [٤] ، فانطلق به الى تلك الدار، فحبس فيها، ووكل امره حيلوس في خمسمائة من الجند المستميته.
ثم ان عظماء اهل المملكة دخلوا على شيرويه، وقالوا: انه لا يصلح ان يكون علينا ملكان اثنان، فاما ان تامر بقتل ابيك وتنفرد بالأمر، او نخلعك ونرد الأمر اليه كما كان.
فهدت شيرويه هذه المقاله، فقال: اجلونى يومى هذا.
بين الأب والابن
ثم امر يزدان جشنس رئيس كتاب الرسائل، فقال له: انطلق عن رسالتنا
стр. 108
لأبينا، وقل له: ان الذى حل بك عقوبة من الله للذي سلف من سوء اعمالك، وأول ذلك ما كان منك الى ابيك هرمزد، ومنها حظرك علينا معاشر اولادك، ومنعك إيانا البراح، وحبسك إيانا في دار كهيئة المجلس بلا رقه ولا رحمه، ومنها كفرانك انعام قيصر عليك وأياديه عندك، فلم تحفظ فيه ابنه واقاربه حين أتوك يسالونك ان ترد عليهم خشبة الصليب التي بعث بها إليك شاهين من الإسكندرية، فرددتهم عنها بلا حاجه منك إليها ولا درك لك في حبسها، ومنها ما امرت به من قتل الثلاثين الالف رجل من مرازبتك وعظماء اساورتك بزعمك انهم أول من انهزم عن الروم، ومنها كثره ما جمعت من الأموال، وكثرتها في خزائنك من جبايتكها عن الخراج باعنف العنف، وانما ينبغى للملوك ان يملاوا خزائنهم مما يغنمون من بلاد اعدائهم بنحور الخيل وصدور الرماح، لا مما يسالونه من رعيتهم، ومنها قتلك النعمان بن المنذر، وصرفك ملك ارضه عن ولده واهل بيته الى غيرهم، يعنى اياس بن قبيصة الطائي، فلم تحفظ فيهم ما كان يحفظه آباؤك، من حضانته بهرام جور جدك، ومعونته بعد ان خرج الملك عنه، حتى رده عليه، فكل هذه ذنوب ارتكبتها، وآثام اقترفتها، لم يكن الله ليرضى منك فاخذك بها.
فانطلق يزدان جشنس فابلغ كسرى رساله شيرويه لم يخرم منها حرفا، فقال له كسرى: قد ابلغت، فاد الجواب كما أديت الرسالة: قل لشرويه القصير العمر، القليل الغمر، الناقص العقل، نحن مجيبوك عن جميع ما أرسلت به إلينا من غير اعتذار لتزداد علما بجهلك، اما رضانا بما ارتكب من أبينا فانى ما اطلعت على ما دبر القوم من الوثوب به، وقد علمت لما استوطد لي السلطان انى لم ادع أحدا مالا على خلعه واجلب عليه بارتكاب حقه الا قتلته، وختمت ذلك بخالي بندويه وبسطام مع ما كان من قيامهما بأمري، واما حظرى عليكم معاشر أبنائنا فانى فرغتكم لتعلم الأدب، ومنعتكم من الانتشار فيما لا يعينكم، ولم اقصر في مطاعمكم مع ذلك ومصارفكم وملابسكم وطيبكم ومراكبكم، واما أنت خاصه فان المنجمين قضوا في مولدك بتثريب ملكنا، وفسخ سلطاننا على يدك، فلم نأمر
стр. 109
بقتلك، ومع ذلك كتاب قرميسيا ملك الهند إلينا يعلمنا ان في انقضاء سنه ثمان وثلاثين من ملكنا يفضى إليك هذا الأمر، فكتمنا ذلك الكتاب عنك، مع علمنا انه لا يفضى إليك الا بهلاكنا، وذلك الكتاب مع قضية مولدك عند شيرين صاحبتنا، فان اردت فدونك، فاقراهما لتزداد حسره وثبورا، واما ما ذكرت من كفرانى نعمه قيصر بمنعي ولده واهل بيته خشبة الصليب، فأيها المائق، ان اكثر من ذلك الخشب ثلاثون الف الف درهم فرقتها في رجال الروم الذين قدموا معى، والف الف درهم هدايا وجهتها الى قيصر، ومثل ذلك وصلت ابنه ثيادوس عند رجوعه الى مملكته، افكنت اجود لهم بخمسين الف الف درهم وابخل بخشبه لا تساوى شيئا؟ انما احتبستها لارتهن بها طاعتهم، ولينقادوا لي في جميع ما أريده منهم لعظيم قدر الخشبة عندهم، واما غضبى لقيصر وطلبى بثاره، فقد قتلت به من الروم ما لم يحص عدده، واما قولك في أولئك المرازبه ورؤساء الأساورة الذين هممت بقتلهم فان أولئك اصطنعتهم ثلاثين سنه، واسنيت اعطياتهم واعظمت حبوتهم [١] فلم احتج اليهم في طول دهري الا ذلك اليوم الذى فشلوا فيه وخاموا [٢] ، فسل ايها الأخرق فقهاء هذه الملة عمن قصر في نصره ملكه، وخام عن محاربه عدوه، فسيخبرونك انهم لا يستوجبون العفو ولا الرحمه، فاما ما عنفتنى به من جمع الأموال فان هذا الخراج لم يكن منى بدعه، ولم يزل الملوك يجبونه قبلي ليكون قوه للملك وظهرا للسلطان، فان ملكا من ملوك الهند كتب الى جدي انوشروان: ان مملكتك شبيهه بباغ عامر عليه حائط وثيق، وباب منيع، فإذا انهدم ذلك الحائط او تكسرت الأبواب لم يؤمن ان ترعى فيه الحمير والبقر. وانما عنى بالحائط الجنود، وبأبوابه الأموال. فاحتفظ ايها السخيف العقل بتلك الأموال، فإنها حصن للملك، وقوام للسلطان، وظهير على الأعداء، ومفخره عند الملوك، واما ما زعمت من قتلى النعمان بن المنذر، وازالتى الملك عن آل عمرو بن عدى الى اياس
стр. 110
ابن قبيصة، فان النعمان واهل بيته واطئوا العرب، واعلموهم توكفهم [١] خروج الملك عنا اليهم، وقد كانت وقعت اليهم في ذلك كتب، فقتلته، ووليت الأمر أعرابيا لا يعقل من ذلك شيئا. انطلق الى شيرويه، فاخبره بذلك كله، فابلغه يزدان جشنس، لم يخرم منه شيئا، فعلت شيرويه كآبه.
ولما كان من الغد اجتمع عظماء اهل المملكة، فدخلوا على شيرويه كما فعلوا بالأمس، فخاف على نفسه، فجعل يرسل الرجل بعد الرجل من مرازبته لقتل ابيه، فلا يقدم عليه احد، حتى بعث بشاب منهم يسمى يزدك بن مردان شاه مرزبان بابل وخطرنيه، فلما دخل عليه، قال: من أنت؟ قال: انا ابن مردان شاه مرزبان بابل وخطرنيه، قال له كسرى: أنت لعمري صاحبي، وذلك انى قتلت اباك ظلما، فضربه الغلام حتى قتله، وانصرف الى شيرويه فاخبره، فلطم شيرويه وجهه، ونتف شعره، وحبسه، وانطلق في عظماء اهل المملكة حتى استودعه الناووس، ثم انصرف، وامر، فقتل الغلام الذى قتل أباه. وفي ذلك العام الذى ملك فيه شيرويه توفى [٢] رسول الله ص، واستخلف ابو بكر رضى الله عنه.
ثم ان شيرويه لما ملك عمد الى اخوته، وكانوا خمسه عشر رجلا، فضرب أعناقهم، مخافه ان يفسدوا عليه ملكه، فسلطت عليه الامراض والاسقام حتى مات، وكان ملكه ثمانية اشهر.
بعد موت شيرويه
فملكت فارس عليها بعده ابنه شيرزاد بن شيرويه، وكان طفلا، ووكلوا به رجلا يحضنه، ويقوم بتدبير الملك الى ان ادرك.
стр. 111
ولما بلغ شهريار وهو مقيم في وجه الروم مقتل كسرى اقبل في جنوده حتى ورد المدائن، وقد مات شيرويه وملك ابنه شيرزاد، فاغتصب الأمر، ودخل المدائن، فقتل كل من مالا على قتل كسرى وخلعه، وقتل شيرزاد وحاضنه، وتولى امر الملك، ودعا نفسه ملكا، وذلك في العام الثانى عشر من التاريخ الهجرى.
فلما تم لملك شهريار حول انف عظماء اهل المملكة من ان يلى ملكهم من ليس من اهل بيت المملكة، فوثبوا عليه فقتلوه، وملكوا عليهم جوان شير بن كسرى، وكان طفلا، وأمه كرديه اخت بهرام شوبين، فملك حولا، ثم مات.
فملكوا عليهم بوران بنت كسرى، وذلك ان شيرويه لم يدع من اخوته أحدا الا قتله، خلا جوان شير فانه كان طفلا، فعند ذلك وهى سلطان فارس وضعف امرهم، وفلت شوكتهم.
[الفتوحات الإسلامية في عهد أبي بكر]
حروب العرب مع العجم
قالوا: فلما افضى الملك الى بوران بنت كسرى بن هرمز شاع في اطراف الارضين انه لا ملك لارض فارس، وانما يلوذون بباب امراه، فخرج رجلان من بكر بن وائل، يقال لأحدهما المثنى بن حارثة الشيبانى، والآخر سويد بن قطبه العجلى، فاقبلا حتى نزلا فيمن جمعا بتخوم ارض العجم، فكانا يغيران على الدهاقين، فيأخذان ما قدرا عليه، فإذا طلبا امعنا في البر فلا يتبعهما احد، وكان المثنى يغير من ناحيه الحيرة، وسويد من ناحيه الأبله [١] وذلك في خلافه ابى بكر، فكتب المثنى بن حارثة الى ابى بكر رضى الله عنه يعلمه ضراوته بفارس، ويعرفه وهنهم، ويسأله ان يمده بجيش.
فلما انتهى كتابه الى ابى بكر رضى الله عنه كتب ابو بكر الى خالد بن الوليد،
стр. 112
وقد كان فرغ من اهل الرده، ان يسير الى الحيرة فيحارب فارس، ويضم اليه المثنى ومن معه، وكره المثنى ورود خالد عليه، وكان ظن ان أبا بكر سيوليه الأمر، فسار خالد والمثنى بأصحابهما، حتى أناخا على الحيرة، وتحصن أهلها في القصور الثلاثة.
ثم نزل عمرو بن بقيله، وحديثه مع خالد، وانه وجد معه شيئا من البيش [١] فاستفه [٢] على اسم الله ولم يضره ذلك معروف، ثم صالحوه من القصور الثلاثة على مائه الف درهم يؤدونها في كل عام الى المسلمين ثم ورد كتاب ابى بكر على خالد مع عبد الرحمن جميل الجمحى، يأمره بالشخوص الى الشام ليمد أبا عبيده بن الجراح بمن معه من المسلمين، فمضى، وخلف بالحيرة عمرو بن حزم الأنصاري مع المثنى، وسار على الأنبار، وانحط على عين التمر [٣] ، وكان بها مسلحه لأهل فارس، فرمى رجل منهم عمرو بن زياد بن حذيفة بن هشام بن المغيره بنشابه، فقتله، ودفن هناك.
وحاصر خالد اهل عين التمر حتى استنزلهم بغير أمان، فضرب أعناقهم، وسبى ذراريهم، ومن ذلك السبى ابو محمد بن سيرين وحمران بن ابان مولى عثمان بن عفان، وقتل فيها خالد خفيرا كان بها من العرب يسمى هلال بن عقبه، وصلبه، وكان من النمر بن قاسط، ومر بحى من بنى تغلب والنمر، فاغار عليهم، فقتل وغنم حتى انتهى الى الشام. ولم يزل عمرو بن حزم والمثنى بن حارثة يتطرفان ارض السواد ويغيران فيها حتى توفى ابو بكر [٤] رضى الله عنه.
стр. 113
الفتوحات الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب
وولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وكانت ولايه عمر سنه ثلاث عشره، ثم ان عمر رضى الله عنه عزم على توجيه خيل الى العراق، فدعا أبا عبيد بن مسعود، وهو ابو المختار بن ابى عبيد الثقفى فعقد له على خمسه آلاف رجل، وامره بالمسير الى العراق، وكتب الى المثنى بن حارثة، ان ينضم بمن معه اليه، ووجه مع ابى عبيد سليط بن قيس، من بنى النجار رى، وقال لأبي عبيد: قد بعثت معك رجلا هو افضل منك إسلاما، فاقبل مشورته وقال لسليط: لولا انك رجل عجل في الحرب لوليتك هذا الجيش، والحرب لا يصلح لها الا الرجل المكيث فسار ابو عبيد نحو الحيرة، لا يمر بحى من احياء العرب الا استنفرهم، فتبعه منهم طوائف، حتى انتهى الى قس الناطف [١] فاستقبله المثنى فيمن معه.
وبلغ العجم اقبال ابى عبيد، فوجهوا مردان شاه الحاجب في اربعه آلاف فارس، فامر ابو عبيد بالجسر، فعقد ليعبر اليهم. فقال له المثنى: ايها الأمير لا تقطع هذه اللجة، فتجعل نفسك ومن معك غرضا لأهل فارس. فقال له ابو عبيد جبنت يا أخا بكر. وعبر اليهم بمن معه من الناس، وولى أبا محجن الثقفى الخيل، وكان ابن عمه، ووقف هو في القلب، وزحف اليهم الفرس، فاقتتلوا، فكان ابو عبيد أول قتيل، فاخذ الراية اخوه الحكم، فقتل، ثم أخذها قيس بن حبيب أخو ابى محجن، فقتل، وقتل سليط بن قيس الأنصاري في نفر من الانصار كانوا معه، فاخذ المثنى الراية، وانهزم المسلمون.
فقال المثنى لعروه بن زيد الخيل الطائي انطلق الى الجسر، فقف عليه، وحل بين العجم وبينه. وجعل المثنى يقاتل من وراء الناس، ويحميهم حتى عبروا، ويوم جسر ابى عبيد معروف، وسار المثنى بالمسلمين حتى بلغ الثعلبية [٢] ، فنزل،
стр. 114
وكتب الى عمر بن الخطاب رضى الله عنه مع عروه بن زيد الخيل، فبكى عمر، وقال لعروه: ارجع الى أصحابك، فمرهم ان يقيموا بمكانهم الذى هم فيه، فان المدد وارد عليهم سريعا، وكانت هذه الوقعه في شهر رمضان يوم السبت سنه ثلاث عشره من التاريخ.
ثم ان عمر بن الخطاب استنفر الناس الى العراق، فخفوا في الخروج، ووجه في القبائل يستجيش، فقدم عليه مخنف بن سليم الأزدي في سبعمائة رجل من قومه، وقدم عليه الحصين بن معبد بن زراره في جمع من بنى تميم زهاء الف رجل، وقدم عليه عدى بن حاتم في جمع من طيّئ، وقدم عليه انس بن هلال في جمع من النمر بن قاسط، فلما كثر عند عمر الناس عقد لجرير بن عبد الله البجلي عليهم، فسار جرير بالناس حتى وافى الثعلبية، فضم اليه المثنى فيمن كان معه، وسار نحو الحيرة، فعسكر بدير هند [١] ، ثم بث الخيل في ارض السواد، تغير.
وتحصن منه الدهاقين، واجتمع عظماء فارس الى بوران، فأمرت ان يتخير اثنا عشر الف رجل من ابطال الأساورة [٢] ، وولت عليهم مهران بن مهرويه الهمدانى فسار بالجيش حتى وافى الحيرة، وزحف الفريقان، بعضهم لبعض، ولهم زجل [٣] كزجل الرعد، وحمل المثنى في أول الناس، وكان في ميمنه جرير، وحملوا معه. وثار العجاج، وحمل جرير بسائر الناس من الميسره والقلب، وصدقتهم العجم القتال، فجال المسلمون جولة، فقبض المثنى على لحيته، وجعل ينتف ما تبعه منها من الأسف، ونادى ايها الناس، الى، الى، انا المثنى فثاب المسلمون، فحمل بالناس ثانيه، والى جانبه مسعود بن حارثة اخوه، وكان من فرسان العرب، فقتل مسعود، فنادى المثنى: يا معشر المسلمين، هكذا مصرع خياركم، ارفعوا راياتكم. وحض عدى بن حاتم اهل الميسره،
стр. 115
وحرض جرير اهل القلب، وذمرهم [١] ، وقال لهم: يا معشر بجيله، لا يكونن احد اسرع الى هذا العدو منكم، فان لكم في هذه البلاد ان فتحها الله عليكم حظوة ليست لأحد من العرب، فقاتلوهم التماس إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ.
فتداعى المسلمون، وتحاضوا، وثاب من كان انهزم، ووقف الناس تحت راياتهم، ثم زحفوا، فحمل المسلمون على العجم حمله صدقوا الله فيها، وباشر مهران الحرب بنفسه، وقاتل قتالا شديدا، وكان من ابطال العجم، فقتل مهران، وذكروا ان المثنى قتله، فانهزمت العجم لما رأوا مهران صريعا، واتبعهم المسلمون، وعبد الله بن سليم الأزدي يقدمهم، واتبعه عروه بن زيد الخيل، فصار المسلمون الى الجسر، وقد جازه بعض العجم، وبقي بعض، فصار من بقي منهم في أيدي المسلمين، ومضت العجم، حتى لحقوا بالمدائن، وانصرف المسلمون الى معسكرهم، فقال عروه بن زيد الخيل في ذلك:
هاجت لعروه دار الحى أحزانا ... واستبدلت بعد عبد القيس همذانا
وقد أرانا بها، والشمل مجتمع ... إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا
ايام سار المثنى بالجنود لهم ... فقتل القوم من رجل وركبانا
سما لاجناد مهران وشيعته ... حتى أبادهم مثنى ووحدانا
ما ان رأينا أميرا بالعراق مضى ... مثل المثنى الذى من آل شيبانا
ان المثنى الأمير القرم لا كذب ... في الحرب اشجع من ليث بخفانا [٢]
قالوا: ولما اهلك الله مهران ومن كان معه من عظماء العجم استمكن المسلمون من الغارة في السواد، وانتقضت مسالح [٣] الفرس، وتشتت امرهم، واجترأ المسلمون عليهم، وشنوا الغارات ما بين سورا [٤] وكسكر [٥] والصراة [٦]
стр. 116
الى الفلاليج [١] والاستانات، فقال اهل الحيرة للمثنى: ان بالقرب منا قريه فيها سوق عظيم، تقوم في كل شهر مره، فتأتيها تجار فارس والاهواز وسائر البلاد، فان قدرت على الغارة على تلك السوق اصبت اموالا رغيبه يعنون سوق بغداد، وكانت قريه تقوم بها سوق في كل شهر.
فاخذ المثنى على البر حتى اتى الأنبار [٢] ، فتحصن منه أهلها، فأرسل الى بسفروخ مرزبانها ليسير اليه، فيكلمه بما يريد، وجعل له الامان، فاقبل المرزبان حتى عبر اليه، فخلا به المثنى، وقال: انى اريد ان اغير على سوق بغداد، فأريد ان تبعث معى ادلاء، فيدلونى على الطريق، وتسوى لي الجسر، لاعبر الفرات، ففعل المرزبان ذلك، وقد كان قطع الجسر لئلا تعبر العرب اليه، فعبر المثنى مع اصحابه، وبعث المرزبان معه الأدلاء، فسار حتى وافى السوق ضحوه، فهرب الناس، وتركوا أموالهم، فملئوا ايديهم من الذهب والفضه، وسائر الأمتعة، ثم رجع الى الأنبار، ووافى معسكره.
ولما بلغ سويد بن قطبه العجلى امر المثنى بن حارثة، وما نال من الظفر يوم مهران كتب الى عمر بن الخطاب، يعلمه وهن الناحية التي هو بها، ويسأله ان يمده بجيش. فندب عمر بن الخطاب لذلك الوجه عتبة بن غزوان المازنى، وكان حليفا لبنى نوفل بن عبد مناف، وكانت له صحبه من رسول الله ص، وضم اليه الفى رجل من المسلمين، وكتب الى سويد بن قطبه يأمره بالانضمام اليه.
فلما سار عتبة شيعه عمر رضى الله عنه، فقال: يا عتبة، ان اخوانك من المسلمين قد غلبوا على الحيرة، وما يليها، وعبرت خيلهم الفرات حتى وطئت بابل، مدينه هاروت وماروت ومنازل الجبارين، وان خيلهم اليوم لتغير حتى تشارف المدائن، وقد بعثتك في هذا الجيش، فاقصد قصد اهل الاهواز، فاشغل اهل تلك الناحية، ان يمدوا اصحابهم بناحيه السواد على إخوانكم الذين هناك، وقاتلهم مما يلى الأبله.
стр. 117
فسار عتبة بن غزوان حتى اتى مكان البصره اليوم، ولم تكن هناك يومئذ الا الخريبة، وكانت منازل خربه، وبها مسالح لكسرى تمنع العرب من العبث في تلك الناحية، فنزلها عتبة بن غزوان باصحابه في الاخبيه والقباب، ثم سار حتى نزل موضع البصره، وهي إذ ذاك حجارة سود وحصى، وبذلك سميت البصره، ثم سار حتى اتى الأبله، فافتتحها عنوه، وكتب الى عمر رضى الله عنه: اما بعد، فان الله، وله الحمد، فتح علينا الأبله، وهي مرقى سفن البحر من عمان، والبحرين، وفارس، والهند، والصين، واغنمنا ذهبهم وفضتهم وذراريهم، وانا كاتب إليك ببيان ذلك ان شاء الله.
وبعث بالكتاب مع نافع بن الحارث بن كلده الثقفى، فلما قدم على عمر رضى الله عنه تباشر المسلمون بذلك، فلما اراد نافع الانصراف، قال لعمر: يا امير المؤمنين. انى قد افتليت [١] فلاء بالبصرة، واتخذت بها تجاره. فاكتب الى عتبة ابن غزوان ان يحسن جواري.
فكتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه الى عتبة: اما بعد، فان نافع بن الحارث ذكر انه قد افتلى فلاء، وأحب ان يتخذ بالبصرة دارا، فاحسن جواره، واعرف له حقه، والسلام.
فخط له عتبة بالبصرة خطه، فكان نافع أول من خط خطه بالبصرة، وأول من افتلى بها الافلاء، وارتبط بها رباطا، ثم ان عتبة سار الى المذار [٢] ، واظهره الله عليهم، ووقع مرزبانها في يده، فضرب عنقه، وأخذ بزته، وفي منطقته الزمرد والياقوت، وارسل بذلك الى عمر رضى الله عنه، وكتب اليه بالفتح، فتباشر الناس بذلك، وأكبوا على الرسول، يسالونه عن امر البصره، فقال ان المسلمين يهيلون بها الذهب والفضه هيلا، فرغب الناس في الخروج، حتى كثروا بها، وقوى امرهم، فخرج عتبة بهم الى فرات البصره [٣] ، فافتتحها، ثم سار الى
стр. 118
دست ميسان [١] فافتحها بعد ان خرج اليه مرزبانها بجنوده، فالتقوا، فقتل المرزبان، وانهزمت العجم، فدخل مدينتها لا يمنعه شيء، فخلف بها رجلا، وسار الى ابرقباذ فافتتحها، ثم انصرف الى مكانه من البصره، وكتب الى عمر رضى الله عنه بما فتح الله عليه من هذه المدن والبلدان، وبعث بالكتاب مع انس بن الشيخ بن النعمان، فاختلفت القبائل إليها حتى كثروا بها.
ثم ان عتبة استاذن عمر في القدوم عليه، فاذن له، فاستخلف المغيره بن شعبه، ثم خطب الناس حين اراد الخروج خطبه طويله، قال فيها: اعوذ بالله ان أكون في نفسي عظيما، وفي اعين الناس صغيرا، وانا سائر، ولا حول ولا قوه الا بالله، وستجربون الأمراء بعدي، فتعرفون. وكان الحسن البصرى يقول، إذا تحدث بهذا الحديث: قد جربنا الأمراء بعده، فوجدنا له الفضل عليهم.
وان عمر رضى الله عنه اقر المغيره على ثغر البصره، فسار بالناس نحو ميسان، فخرج اليه مرزبانها، فحاربه، فأظهر الله المسلمين، وافتتح البلاد عنوه، وكتب الى عمر بالفتح، ثم كان من امر المغيره والنفر الذين رموه ما كان.
وبلغ ذلك عمر رضى الله عنه، فامر أبا موسى الأشعري بالخروج إليها، وان يصرف الخطط لمن هناك من العرب، ويجعل كل قبيله في محله، وان يأمر الناس بالبناء، وان يبنى لهم مسجدا جامعا، وان يشخص اليه المغيره بن شعبه، فقال ابو موسى: يا امير المؤمنين، فوجه معى نفرا من الانصار، فان مثل الانصار في الناس كمثل الملح في الطعام، فوجه معه عشره من الانصار، فيهم انس بن مالك، والبراء بن مالك، فقدم ابو موسى البصره، وبعث اليه بالمغيره بن شعبه، والنفر الذين شهدوا عليه، فسألهم عمر رضى الله عنه، فلم يصرحوا، فجلدهم، وامر المغيره ان يلحق بالبصرة، فيعاون أبا موسى على امره، ونظر ابو موسى الى زياد بن عبيد، وكان عبدا مملوكا لثقيف، فاعجبه عقله وأدبه، فاتخذه كاتبا، واقام معه، وقد كان قبل ذلك مع المغيره بن شعبه.
стр. 119
قالوا: فلما نظرت الفرس الى العرب قد حدقوا بهم، وبثوا الغارات في ارضهم قالوا فيما بينهما: انما أتينا من تملك النساء علينا، فاجتمعوا على يزدجرد بن شهريار بن كسرى ابرويز، فملكوه عليهم، وهو يومئذ غلام ابن ست عشره سنه، وثبتت طائفه على آزرميدخت، فتحارب الفريقان، فكان الظفر ليزدجرد، فخلعت آزرميدخت، وتملك يزدجرد، فجمع اليه اطرافه، واستجاش اقطار ارضه، وولى عليهم رستم بن هرمز، وكان محنكا، قد جربته الدهور، فسار رستم نحو القادسية.
موقعه القادسية
وبلغ ذلك جرير بن عبد الله والمثنى بن حارثة، فكتبا الى عمر رضى الله عنه، يخبرانه، فندب عمر الناس، فاجتمع له نحو من عشرين الف رجل، فولى امرهم سعد بن ابى وقاص، فسار سعد بالجيوش حتى وافى القادسية، فضم اليه من كان هناك، وتوفى المثنى بن حارثة ﵀، فلما انقضت عده امراه المثنى تزوجها سعد بن ابى وقاص، واقبل رستم بجنوده حتى نزل دير الأعور [١] .
وان سعدا بعث طليحة بن خويلد الأسدي، وكان من فرسان العرب في جمع ليأتيه بخبر القوم، فلما عاينوا سوادهم، ورأوا كثرتهم قالوا لطليحه: انصرف بنا، فقال: لا، ولكنى ماض حتى ادخل عسكرهم، واعلم علمهم. فاتهموه، وقالوا له: ما نحسبك تريد الا اللحاق بهم، وما كان الله ليهديك بعد قتلك عكاشة بن محصن وثابت بن اقرم، فقال لهم طليحة: ملا الرعب قلوبكم، واقبل طليحة حتى دخل عسكر الفرس ليلا، فلم يزل يجوسه ليلته كلها، حتى إذا كان وجه السحر مر بفارس منهم يعد بألف فارس، وهو نائم، وفرسه مقيد، فنزل، ففك قيده، ثم شد مقوده بثغر [٢] فرسه،
стр. 120
وخرج من المعسكر، واستيقظ صاحب الفرس، فنادى في اصحابه، وركب في اثره، فلحقوه، وقد أضاء الصبح، فبدر صاحب الفرس اليه، ووقف له طليحة، فأطعنا، فقتله طليحة، ولحقه فارس آخر، فقتله طليحة، ولحقه ثالث، فاسره طليحة، وحمله على دابته، واقبل به نحو عسكر المسلمين، فكبر الناس، ودخل على سعد، واخبره الخبر.
واقام رستم بدير الأعور معسكرا اربعه اشهر، وأرادوا [١] مطاوله العرب ليضجروا، وكان المسلمون إذا فنيت ازوادهم واعلافهم جردوا الخيل، فأخذت على البر حتى تهبط على المكان الذى يريدون، ويغيرون، فينصرفون بالطعام والعلف والمواشى.
ثم ان عمر رضى الله عنه كتب الى ابى موسى يأمره ان يمد سعدا بالخيل، فوجه اليه ابو موسى المغيره بن شعبه في الف فارس، وكتب الى ابى عبيده بن الجراح، وهو بالشام يحارب الروم ان يمد سعدا بخيل، فامده بقيس بن هبيرة المرادى في الف فارس، وكان في القوم هاشم بن عتبة بن ابى وقاص، وكانت عينه فقئت يوم اليرموك، وفيهم الاشعث بن قيس، والاشتر النخعى، فساروا حتى قدموا على سعد بالقادسية.
وان يزدجرد الملك كتب الى رستم يأمره بمناجزه العرب، فزحف رستم بجنوده وعساكره حتى وافى القادسية، فعسكر على ميل من معسكر المسلمين، وجرت الرسل فيما بينه وبين سعد شهرا، ثم ارسل الى سعد: ان ابعث إلي من أصحابك رجلا، له فهم وعقل وعلم، لأكلمه، فبعث اليه بالمغيره بن شعبه، فلما دخل عليه قال له رستم: ان الله قد اعظم لنا السلطان، وأظهرنا على الأمم، واخضع لنا الأقاليم، وذلل لنا اهل الارضين، ولم يكن في الارض أمه اصغر قدرا عندنا منكم، لأنكم اهل قله وذله وارض جدبه، ومعيشة ضنك، فما حملكم على تخطيكم الى
стр. 121
بلادنا؟ فان كان ذلك من قحط نزل بكم، فانا نوسعكم ونفضل عليكم، فارجعوا الى بلادكم.
فقال له المغيره: اما ما ذكرت من عظيم سلطانكم، ورفاهه عيشكم، وظهوركم على الأمم، وما أوتيتم من رفيع الشان، فنحن كل ذلك عارفون، وساخبرك عن حالنا: ان الله وله الحمد، أنزلنا بقفار من الارض، مع الماء النزر، والعيش القشف يأكل قوينا ضعيفنا، ونقطع أرحامنا، ونقتل أولادنا خشيه الاملاق، ونعبد الأوثان، فبينا نحن كذلك بعث الله فينا نبيا، من صميمنا واكرم ارومه [١] فينا، وامره ان يدعو الناس الى شهاده ان لا اله الا الله، وان نعمل بكتاب انزله إلينا، فآمنا به، وصدقناه، فأمرنا ان ندعو الناس الى ما امره الله به، فمن أجابنا كان له ما لنا، وعليه ما علينا، ومن ابى ذلك سالناه الجزية [٢] عن يد، فمن ابى جاهدناه، وانا ادعوك الى مثل ذلك، فان أبيت فالسيف. وضرب يده مشيرا بها الى قائم سيفه.
فلما سمع ذلك رستم تعاظمه ما استقبله به، واغتاظ منه، فقال: والشمس، لا يرتفع الضحى غدا حتى اقتلكم اجمعين فانصرف المغيره الى سعد، فاخبره بما جرى بينهما، وقال لسعد استعد للحرب، فامر الناس بالتهيؤ والاستعداد، فبات الفريقان يكتبون الكتائب، ويعبون الجنود، وأصبحوا وقد صفوا الصفوف، ووقفوا تحت الرايات، وكانت بسعد عله من خراج [٣] في فخذه قد منعه الركوب، فولى امر الناس خالد بن عرفطه، وولى القلب قيس بن هبيرة، وولى الميمنه شرحبيل ابن السمط، وولى الميسره هاشم بن عتبة بن ابى وقاص، وولى الرجاله قيس بن خريم، واقام هو في قصر القادسية، مع الحرم والذرية، ومعه في القصر ابو محجن الثقفى محبوسا في شراب شربه.
стр. 122
ثم ان سعدا تقدم الى عمرو بن معدى كرب، وقيس بن هبيرة، وشرحبيل بن السمط، وقال: انكم شعراء وخطباء وفرسان العرب، فدوروا في القبائل والرايات، وحرضوا الناس على القتال.
قال: ثم زحف الفريقان بعضهم الى بعض، وقد صف العجم ثلاثة عشر صفا، بعضها خلف بعض، وصفت العرب ثلاثة صفوف، فرشقتهم العجم بالنشاب حتى فشت فيهم [١] الجراحات، فلما راى قيس بن هبيرة ذلك، قال لخالد ابن عرفطه، وكان امير الأمراء: ايها الأمير، انا قد صرنا لهؤلاء القوم غرضا، فاحمل عليهم بالناس حمله واحده، فتطاعن الناس بالرماح مليا، ثم أفيضوا الى السيوف.
وكان زيد بن عبد الله النخعى صاحب الحمله الاولى، فكان أول قتيل، فاخذ الراية اخوه ارطاه، فقتل، ثم حملت بجيله، وعليها جرير بن عبد الله، وحملت الأزد، وثار القتام، واشتد القتال، فانهزمت العجم حتى لحقوا برستم، وترجل رستم، وترجل معه الأساورة والمرازبه وعظماء الفرس، وحملوا، فجال المسلمون جولة.
وكلم ابو محجن أم ولد سعد، فقال: اطلقينى من قيدي، ولك على عهد الله ان لم اقتل ان ارجع الى محبسى هذا، وقيدي. ففعلت، وحملته على فرس لسعد ابلق [٢] ، فانتهى الى القوم مما يلى الأزد، وبجيله، مما يلى الميمنه، فجعل يحمل، ويكشف العجم، وقد كانوا كثروا على بجيله، فجعل سعد يعجب، ولا يدرى من هو، ويعرف الفرس.
وبعث سعد الى جرير بن عبد الله، وكان معه لواء بجيله، والى الاشعث بن قيس، ومعه لواء كنده، والى رؤساء القبائل: ان احملوا على القوم من ناحيه الميمنه على القلب، فحمل الناس عليهم من كل وجه، وانتقضت تعبئة الفرس، وقتل رستم، وولت العجم هاربه، وانصرف الى محبسه ابو محجن، وطلب رستم في المعركة،
стр. 123
فاصيب بين القتلى، وبه مائه جراحه، ما بين طعنه وضربه، ولم يدر من قتله، ويقال: بل ارتطم في نهر القادسية، فغرق، وانتهت هزيمه العجم الى دير كعب، فنزلوا هناك، فاستقبلهم النخارجان، وقد وجهه يزدجرد مددا، فوقف بدير كعب، فكان لا يمر به احد من الفل الا حبسه قبله.
ثم عبى القوم، وكتبوا كتائبهم واوقفوهم مواقفهم حتى وافتهم العرب، وتواقف الفريقان، وبرز النخارجان، فنادى، مرد ومرد، اى رجل ورجل، فخرج اليه زهير بن سليم أخو مخنف بن سليم الأزدي، وكان النخارجان سمينا بدينا جسيما، وزهير رجلا مربوعا [١] شديد العضدين والساعدين، فرمى النخارجان نفسه عن دابته عليه، فاعتركا، فصرعه النخارجان، وجلس على صدره، واستل خنجره ليذبحه، فوقعت ابهام النخارجان في فم زهير، فمضغها، واسترخى النخارجان، وانقلب عليه زهير، وأخذ خنجره وادخل يده تحت ثيابه، فبعجه [٢] ، وقتله.
وكان برذون النخارجان مدربا، فلم يبرح، فركبه زهير وقد سلبه سواريه ودرعه وقباءه ومنطقته، فاتى به سعدا، فاغنمه اياه، وامره سعد ان يتزيى بزيه، ودخل على سعد، فكان زهير بن سليم أول من لبس من العرب السوارين، وحمل قيس بن هبيرة على جيلوس راس المستميته، فقتله، وحمل المسلمون من كل جانب، فانهزمت العجم، وبادر جرير بن عبد الله الى القنطرة، فعطفوا عليه، فاحتملوه برماحهم، فسقط الى الارض، ولحقه اصحابه، وهربت عنه العجم، ولم يصبه شيء، وعار فرسه [٣] ، فلم يلحق، فاتى ببرذون من مراكب الفرس في عنقه قلاده زمرد، فركبه، وذهبت العجم على وجوهها حتى لحقت بالمدائن.
وكتب سعد الى عمر رضى الله عنه بالفتح. وكان عمر يخرج في كل يوم ماشيا وحده، لا يدع أحدا يخرج معه، فيمشى على طريق العراق ميلين او ثلاثة،
стр. 124
فلا يطلع عليه راكب من جهة العراق الا ساله عن الخبر، فبينا هو كذلك يوما طلع عليه البشير بالفتح، فلما رآه عمر رضى الله عنه ناداه من بعيد: ما الخبر؟، قال: فتح الله على المسلمين، وانهزمت العجم. وجعل الرسول يخب ناقته، وعمر يعدو معه، ويسأله، ويستخبره، والرسول لا يعرفه، حتى دخل المدينة كذلك، فاستقبل الناس عمر رضى الله عنه، يسلمون عليه بالخلافة وامره المؤمنين، فقال الرسول، وقد تحير: سبحان الله يا امير المؤمنين! الا أعلمتني؟ فقال عمر: لا عليك. ثم أخذ الكتاب، فقراه على الناس.
واقام سعد في عسكره بالقادسية الى ان أتاه كتاب عمر، يأمره ان يضع لمن معه من العرب دار هجره، وان يجعل ذلك بمكان لا يكون بين عمر وبينهم بحر، فسار الى الأنبار [١] ليجعلها دار هجره، فكرهها لكثرة الذباب بها، ثم ارتحل الى كويفه ابن عمر [٢] ، فلم يعجبه موضعها، فاقبل حتى نزل موضع الكوفه اليوم، فخطها خططا بين من كان معه، وبنى لنفسه القصر والمسجد.
وبلغ عمر ان سعدا علق بابا على مدخل القصر، فامر محمد بن مسلمه ان يسير الى الكوفه، فيدعو بنار، فيحرق ذلك الباب، وينصرف من ساعته، واقبل محمد، فسار حتى دخل الكوفه، وفعل ما امر به، وانصرف من ساعته، واخبر سعد، فلم يحر جوابا، وعلم ان ذلك من امر عمر، فقال بشر بن ابى ربيعه:
الم خيال من اميمه موهنا ... وقد جعلت احدى النجوم تغور
ونحن بصحراء العذيب ودونها ... حجازيه ان المحل شطير
فزارت غريبا نازحا، جل ماله ... جواد، ومفتوق الغرار طرير
وحلت بباب القادسية ناقتي ... وسعد بن وقاص على امير
تذكر، هداك الله، وقع سيوفنا ... بباب قديس والمكر غرير
стр. 125
عشيه ود القوم لو ان بعضهم ... يعار جناحي طائر فيطير
إذا برزت منهم إلينا كتيبه ... أتونا بأخرى كالجبال تمور
فضاربتهم حتى تفرق جمعهم ... وطاعنت، انى بالطعان بصير
وعمرو ابو ثور شهيد، وهاشم ... وقيس، ونعمان الفتى، وجرير
وقال عروه بن الورد:
لقد علمت عمرو ونبهان اننى ... انا الفارس الحامى إذا القوم أدبروا
وانى إذا كروا شددت أمامهم ... كأني أخو قصباء جهم غضنفر
صبرت لأهل القادسية معلما ... ومثلي إذا لم يصبر القرن يصبر
فطاعنتهم بالرمح حتى تبددوا ... وضاربتهم بالسيف حتى تكركروا
بذلك أوصاني ابى، وابو ابى ... بذلك اوصاه، فلست اقصر
حمدت الهى إذ هداني لدينه ... فلله اسعى ما حييت واشكر
وقال قيس بن هبيرة:
جلبت الخيل من صنعاء تردى ... بكل مدجج كالليث حامى
الى وادي القرى فديار كلب ... الى اليرموك والبلد الشامي
فلما ان زوينا الروم عنها ... عطفناها ضوامر كالجلام
فابنا القادسية بعد شهر ... مسومة دوابرها دوامي [١]
فناهضنا هناك جموع كسرى ... وأبناء المرازبه العظام
فلما ان رايت الخيل جالت ... قصدت لموقف الملك الهمام
فاضرب راسه فهوى صريعا ... بسيف لا افل ولا كهام
وقد ابلى الإله هناك خيرا ... وفعل الخير عند الله نامى
نفلق هامهم بمهندات ... كان فراشها قيض النعام [٢]
стр. 126
قالوا: ولما انهزمت العجم من القادسية وقتل صناديدهم مروا على وجوههم حتى لحقوا بالمدائن، واقبل المسلمون حتى نزلوا على شط دجلة بإزاء المدائن، فعسكروا هناك، وأقاموا فيه ثمانية وعشرين شهرا، حتى أكلوا الرطب مرتين، وضحوا اضحيتين، فلما طال ذلك على اهل السواد صالحه عامه الدهاقين بتلك الناحية.
ولما راى يزدجرد ذلك جمع اليه عظماء مرازبته، فقسم عليهم بيوت أمواله وخزائنه، وكتب عليهم بها القبالات [١] ، وقال: ان ذهب ملكنا، فأنتم أحق به، وان رجع رددتموه علينا، ثم تحمل في حرمه وحشمه، وخاصه اهل بيته، حتى اتى حلوان [٢] ، فنزلها، وولى خرزاد بن هرمز أخا رستم المقتول بالقادسية الحرب، وخلفه بالمدائن.
وبلغ ذلك سعدا، فتأهب، وامر اصحابه ان يقتحموا دجلة، وابتدأ، فقال باسم الله، ودفع فرسه فيها، ودفع الناس، فسلموا عن آخرهم الا رجلا غرق، وكان على فرس شقراء [٣] ، فخرجت الفرس تنفض عرفها، وغرق راكبها، وكان من طيّئ، يسمى سليك بن عبد الله، فقال سلمان، وكان حاضرا يومئذ: يا معشر المسلمين، ان الله ذلل لكم البحر، كما ذلل لكم البر، اما والذى نفس سلمان بيده، ليغيرن فيه، وليبدلن.
قالوا: ولما نظرت الفرس الى العرب قد اقحموا دوابهم الماء وهم يعبرون، تنادوا ديوان آمدند، ديوان آمدند [٤] ، فخرج خرزاد في الخيل حتى وقف على الشريعه، ونادى: يا معشر العرب، البحر بحرنا، فليس لكم ان تقتحموه علينا. وأقبلوا يرمون العرب بالنشاب، واقتحم منهم ناس كثير الماء، فقاتلوا ساعه،
стр. 127
وكاثرتهم العرب، فخرجت الفرس من الشريعه، وخرج المسلمون، وقاتلوهم مليا، وانهزمت العجم حتى دخلت المدائن، فتحصنوا فيها، واناخ المسلمون عليهم مما يلى دجلة، فلما نظر خرزاد الى ذلك خرج من الباب الشرقى ليلا في جنوده نحو جلولاء، واخلى المدائن، فدخلها المسلمون، فأصابوا فيها غنائم كثيره، ووقعوا على كافور [١] كثير، فظنوه ملحا، فجعلوه في خبزهم، فامر عليهم.
وقال مخنف بن سليم: لقد سمعت في ذلك اليوم رجلا ينادى: من يأخذ صحفه حمراء بصحفه بيضاء. لصحفه من ذهب لا يعلم ما هي.
وكتب سعد الى عمر رضى الله عنه بالفتح، واقبل علج [٢] من اهل المدائن الى سعد، فقال: انا ادلكم على طريق، تدركون فيه القوم قبل ان يمعنوا في السير. فقدمه سعد امامه، واتبعته الخيل، فقطع بهم مخائض وصحارى.
موقعه جلولاء
ثم ان خرزاد لما انتهى الى جلولاء [٣] اقام بها، وكتب الى يزدجرد، وهو بحلوان، يسأله المدد، فامده، فخندق على نفسه، ووجهوا بالذراري والاثقال الى خانقين [٤] ، ووجه سعد اليهم بخيل، وولى عليها عمرو بن مالك بن نجبه بن نوفل بن وهب بن عبد مناف بن زهره، فسار حتى وافى جلولاء، والعجم مجتمعون قد خندقوا على انفسهم. فنزل المسلمون قريبا من معسكرهم، وجعلت الامداد تقدم على العجم من الجبل، وأصبهان.
فلما راى المسلمون ذلك قالوا لاميرهم عمرو بن مالك: ما تنتظر بمناهضه القوم،
стр. 128
وهم كل يوم في زياده؟. فكتب الى سعد بن وقاص يعلمه ذلك، ويستاذنه في مناجزه القوم، فاذن له سعد، ووجه اليه قيس بن هبيرة مددا في الف رجل، أربعمائة فارس، وستمائه راجل.
وبلغ العجم ان العرب قد أتاهم المدد، فتأهبوا للحرب، وخرجوا، ونهض اليهم عمرو بن مالك في المسلمين، وعلى ميمنته حجر بن عدى، وعلى ميسرته زهير ابن جويه، وعلى الخيل عمرو بن معدى كرب، وعلى الرجاله طليحة ابن خويلد، فتزاحف الفريقان، وصبر بعضهم لبعض، فتراموا بالسهام حتى انفدوها، وتطاعنوا بالرماح حتى كسروها، ثم أفضوا الى السيوف وعمد الحديد، فاقتتلوا يومهم ذلك كله الى الليل، ولم يكن للمسلمين فيه صلاه الا إيماء والتكبير، حتى إذا اصفرت الشمس انزل الله على المسلمين نصره، وهزم عدوهم، فقتلوهم الى الليل، واغنمهم الله عسكرهم بما فيه.
فقال محقن بن ثعلبه، فدخلت في معسكرهم الى فسطاط، فإذا انا بجاريه على سرير في جوف الفسطاط، كان وجهها دارة القمر، فلما نظرت الى فزعت وبكت، فأخذتها، واتيت الأمير عمرو بن مالك، فاستوهبته إياها، فوهبها لي، فاتخذتها أم ولد.
وأصاب خارجه بن الصلت في فسطاط من فساطيطهم ناقه من ذهب موشحه باللؤلؤ والدر الفارد [١] ، والياقوت، عليها تمثال رجل من ذهب، وكانت على كبر الظبية، فدفعها الى المتولى لقبض الغنائم.
قال: ومرت الفرس على وجوهها، لا تلوى على شيء حتى انتهت الى يزدجرد، وهو بحلوان، فسقط في يديه، فتحمل بحرمه وحشمه وما كان معه من أمواله وخزائنه حتى نزل قم [٢] وقاشان.
стр. 129
وأصاب المسلمون يوم جلولاء غنيمه لم يغنموا مثلها قط، وسبوا سبيا كثيرا من بنات احرار فارس، فذكروا ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يقول: اللهم انى اعوذ بك من اولاد سبايا الجلوليات. فأدرك ابناؤهن قتال صفين، فخلف عمرو بن مالك بجلولاء جرير بن عبد الله البجلي في اربعه آلاف فارس مسلحه بها، ليردوا العجم عن نفوذها الى ما يلى العراق، وسار ببقية المسلمين حتى وافى سعد بن ابى وقاص، وهو مقيم بالمدائن، فارتحل سعد بالناس حتى ورد الكوفه، وكتب الى عمر رضى الله عنه بالفتح، واقام سعدا أميرا على الكوفه وجميع السواد ثلاث سنين ونصفا، ثم عزله عمر، وولى مكانه عمار بن ياسر على الحرب، وعبد الله بن مسعود على القضاء، وعمرو بن حنيف على الخراج.
قالوا: ولما انتهت هزيمه العجم الى حلوان، وخرج يزدجرد هاربا حتى نزل قم وقاشان ومعه عظماء اهل بيته واشرافهم، قال له رجل من خاصته واهل بيته، يسمى هرمزان، وكان خال شيرويه بن كسرى ابرويز: ايها الملك ان العرب قد اقتحمت عليك من هذه الناحية، يعنى حلوان، ولهم جمع بناحيه الاهواز، ليس في وجوههم احد يردهم، ولا يمنعهم من العيث والفساد، يعنى خيل ابى موسى الأشعري ومن كان معه. قال يزدجرد: فما الرأي؟ قال الهرمزان: الرأي ان توجهني الى تلك الناحية، فاجمع الى العجم، وأكون ردءا في ذلك الوجه، واجمع لك الأموال من فارس والاهواز، واحملها إليك، لتتقوى بها على حرب اعدائك، فاعجبه ذلك من قوله، وعقد له على الاهواز وفارس، ووجه معه جيشا كثيفا.
стр. 130
يوم مدينه تستر
فاقبل الهرمزان حتى وافى مدينه تستر [١] ، فنزلها، ورم حصنها، وجمع الميرة فيها لحصار، ان رهقه [٢] ، وارسل فيما يليه يستنجدهم، فوافاه بشر عظيم، فكتب ابو موسى الى عمر، يخبره الخبر، فكتب عمر رضى الله عنه الى عمار بن ياسر، يأمره ان يوجه النعمان بن مقرن في الف رجل من المسلمين الى ابى موسى، فكتب عمار الى جرير، وكان مقيما بجلولاء، يأمره باللحاق بابى موسى، فخلف جرير بجلولاء عروه ابن قيس البجلي في الفى رجل من العرب، وسار ببقية الناس حتى لحق بابى موسى، فكتب ابو موسى الى عمر يستزيده من المدد، فكتب عمر الى عمار يأمره ان يستخلف عبد الله بن مسعود على الكوفه في نصف الناس، ويسير بالنصف الآخر حتى يلحق بابى موسى، فسار عمار حتى ورد على ابى موسى، وقد وافاه جرير من ناحيه جلولاء.
فلما توافت العساكر عند ابى موسى ارتحل بالناس، وسار حتى اناخ على تستر، وتحصن الهرمزان منه في المدينة، ثم تاهب للحرب، وخرج الى ابى موسى، وعبى ابو موسى المسلمين، فجعل على ميمنته البراء بن مالك أخا انس بن مالك، وعلى ميسرته مجزاه بن ثور البكرى، وعلى جميع الناس انس بن مالك، وعلى الرجاله سلمه بن رجاء.
وتزاحف الفريقان فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى كثرت القتلى بين الفريقين، ثم انزل الله نصره، فانهزمت الأعاجم حتى دخلوا مدينه تستر، فتحصنوا بها، وقتل البراء بن مالك ومجزاه بن ثور، وقتل من الأعاجم في المعركة الف رجل، واسر منهم ستمائه اسير، فقدمهم ابو موسى، فضرب أعناقهم.
стр. 131
واقام المسلمون على باب مدينه تستر أياما كثيره، وحاصروا العجم بها، فخرج ذات ليله رجل من اشراف اهل المدينة، فاتى أبا موسى مستسرا، فقال تؤمننى على نفسي واهلى وولدى ومالي وضياعي حتى اعمل في أخذك المدينة عنوة؟ قال ابو موسى: ان فعلت فلك ذلك. قال الرجل، وكان اسمه سينه: ابعث معى رجلا من أصحابك. فقال ابو موسى: من رجل يشرى نفسه، ويدخل مع هذا العجمي مدخلا لا آمن عليه فيه الهلاك، ولعل الله ان يسلمه، فان يهلك فالى الجنه، وان يسلم عمت منفعته جميع الناس؟.
فقام رجل من بنى شيبان، يقال له الاشرس بن عوف، فقال: انا. فقال ابو موسى امض، كلأك الله. فمضى حتى خاض به دجيل [١] ، ثم اخرجه من سرب [٢] حتى انتهى به الى داره، ثم اخرجه من داره، والقى عليه طيلسانا [٣] ، وقال: امش ورائي كأنك من خدمي. ففعل، فجعل سينه يمر به في اقطار المدينة طولا وعرضا، حتى انتهى به الى الاحراس الذين يحرسون أبواب المدينة، ثم انطلق حتى مر به على الهرمزان، وهو على باب قصره، ومعه ناس من مرازبته، وشمع امامه، حتى نظر الرجل الى جميع ذلك، ثم انصرف الى داره، واخرجه من ذلك السرب، حتى اتى به أبا موسى، فاخبره الاشرس بجميع ما راى، وقال: وجه معى مائتي رجل حتى اقصد بهم الحرس، فاقتلهم، وافتح لك الباب، ووافنا أنت بجميع الناس.
فقال ابو موسى: من يشترى نفسه لله، فيمضى مع الاشرس؟. فانتدب مائتا رجل، فمضوا مع الاشرس وسينه حتى دخلوا من ذلك النقب، وخرجوا في دار سينه، وتأهبوا للحرب، ثم خرجوا والاشرس امامهم، حتى انتهوا الى باب المدينة، واقبل ابو موسى في جميع الناس حتى وافوا الباب من خارج، واقبل
стр. 132
الاشرس واصحابه حتى أتوا الاحراس، فوضعوا فيهم السيف، وتداعى الناس، واسندوا ظهورهم الى حائط السور، وابو موسى واصحابه يكبرون لتشتد بذلك ظهورهم، وافضى اصحاب الاشرس الى الباب، فضربوا القفل حتى كسروه، وفتحوا الباب، ودخل ابو موسى والمسلمون، فوضعوا فيهم السيوف، وهرب الهرمزان في عظماء مرازبته حتى دخلوا الحصن الذى في جوف المدينة، وأخذ ابو موسى المدينة بما فيها وحاصروا الهرمزان حتى فنى ما كان اعد في الحصن من الميرة، ثم سال الامان، فقال ابو موسى: أومنك على حكم امير المؤمنين. فرضى بذلك، وخرج فيمن كان معه من اهل بيته ومرازبته الى ابى موسى، فوجه به وبهم ابو موسى الى عمر رضى الله عنه، ووجه معه ثلاثمائه رجل، وامر عليهم انس بن مالك، فساروا حتى انتهوا الى ماء يقال له السمينة [١] ، فاقبل اهل الماء يمنعونهم من النزول خوفا من ان يفنوا ماءهم، فلما علموا ان أنسا صاحب القوم جاؤوهم، فنزلوا، فقال رجل من اصحاب انس لانس: اخبر امير المؤمنين بما صنع هؤلاء بنا، ليخرجوهم من هذا الماء. قال الهرمزان: وان اراد مريد ان يحولهم الى مكان شر منه، هل كان يجده؟.
ثم ساروا حتى وافوا المدينة، فاتوا دار عمر، وقد زينوا الهرمزان بقبائه [٢] ومنطقته وسيفه وسواريه وتوامتيه [٣] ، وكذلك من كان معه، لينظر عمر رضى الله عنه الى زي الملوك والمرازبه وهيئتهم، فكان من خبره ما هو مشهور.
وانصرف عمار بن ياسر فيمن كان معه من اصحابه الى أوطانهم بالكوفه، وسار ابو موسى من تستر، حتى أتوا السوس [٤] ، فحاصرها، فسأله مرزبانها ان يؤمنه في ثمانين رجلا من اهل بيته وخاصه اصحابه، فأجابه الى ذلك، فخرج اليه، فعد ثمانين رجلا، ولم يعد نفسه فيهم فامر ابو موسى به، فضربت عنقه، واطلق الثمانين الذين عدهم، ثم دخل المدينة، فغنم ما فيها، ثم بعث منجوف بن ثور الى
стр. 133
مهرجان قذق [١] ، فافتتحها، ومعه السائب بن الأقرع، فانتهى السائب الى قصر الهرمزان صاحب تستر، وكان موطنه الصيمرة، فدخل القصر، وكان من المدينة على ميل، فنظر في بعض البيوت الى تمثال في الحائط ماد اصبعه مصوبها الى الارض، فقال السائب ما صوبت اصبع هذا التمثال الى هذا المكان الا لامر، احفروا هاهنا فحفروا، فأصابوا سفطا [٢] ، كان للهرمزان مملوءا جوهرا، فاحتبس منه السائب فص خاتم، وسرح بالباقي الى ابى موسى، واعلمه انه أخذ منه فصا، فسأله ان يهبه له، ففعل ابو موسى، ووجه بالسفط الى عمر رضى الله عنه، فأرسل عمر الى الهرمزان، وقال: هل تعرف هذا السفط؟ فقال: نعم، افقد منه فصا قال عمر: ان صاحب المقسم استوهبه، فوهبه له ابو موسى، فقال: ان صاحبكم لبصير بالجوهر.
ثم ان عمر ولى عثمان بن ابى العاص ارض البحرين، فلما بلغه فتح الاهواز سار بمن كان معه حتى اوغل في ارض فارس، فنزل مكانا يسمى توج [٣] فصيره دار هجره، وبنى مسجدا جامعا، فكان يحارب اهل أردشير، حتى غلب على طائفه من ارضهم، وغلب على ناحيه من بلاد سابور، وبلاد اصطخر، وارجان، فمكث بذلك حولا، ثم خلف أخاه الحكم بن ابى العاص على اصحابه ولحق بالمدينة.
وان مرزبان فارس جمع جموعا عظيمه، وزحف الى الحكم، فظفر به الحكم، فقتله، وكان اسمه سهرك.
وقعه نهاوند
ثم كانت وقعه نهاوند [٤] سنه احدى وعشرين ٦٤١ م، وذلك ان العجم لما قتلوا بجلولاء، وهرب يزدجرد، فصار بقم، ووجه رسله في البلدان يستجيش، فغضب له اهل مملكته، فتحلبت [٥] اليه الأعاجم من اقطار البلاد،
стр. 134
فأتاه اهل قومس، وطبرستان، وجرجان، ودنباوند، والري، وأصبهان، وهمذان، والماهين، واجتمعت عنده جموع عظيمه، فولى امرهم مردان شاه بن هرمز، ووجههم الى نهاوند.
وكتب عمار بن ياسر الى عمر بن الخطاب بذلك، فخرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وبيده الكتاب حتى صعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: يا معشر العرب، ان الله ايدكم بالإسلام، والف بينكم بعد الفرقة، واغناكم بعد الفاقة، واظفركم في كل موطن لقيتم فيه عدوكم، فلم تفلوا، ولم تغلبوا، وان الشيطان قد جمع جموعا ليطفئ نور الله، وهذا كتاب عمار ابن ياسر، يذكر ان اهل قومس وطبرستان ودنباوند وجرجان والري وأصبهان وقم وهمذان والماهين وماسبذان قد اجفلوا [١] الى ملكهم، ليسيروا الى إخوانكم بالكوفه والبصره حتى يطردوهم من ارضهم، ويغزوكم في بلادكم، فأشيروا على.
فتكلم طلحه بن عبيد الله، فقال: يا امير المؤمنين، ان الأمور قد حنكتك، وان الدهور قد جربتك، وأنت الوالي، فمرنا نطع، واستنهضنا ننهض. ثم تكلم عثمان بن عفان، فقال: يا امير المؤمنين، اكتب الى اهل الشام، فيسيروا من شامهم، والى اهل اليمن، فيسيروا من يمنهم، والى اهل البصره، فيسيروا من بصرتهم، وسر أنت باهل هذا الحرم حتى توافى الكوفه، وقد وافاك المسلمون من اقطار ارضهم وآفاق بلادهم، فإنك إذا فعلت ذلك كنت اكثر منهم جمعا وأعز نفرا.
فقال المسلمون من كل ناحيه صدق عثمان، فقال عمر لعلى رضى الله عنهما: ما تقول أنت يا أبا الحسن؟، فقال على رضى الله عنه: انك ان اشخصت اهل الشام من شامهم سارت الروم الى ذراريهم، وان سيرت اهل اليمن من يمنهم خلفت الحبشه على ارضهم، وان شخصت أنت من هذا الحرم انتقضت عليك
стр. 135
الارض من أقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العيالات أهم إليك مما قدامك، وان العجم إذا رأوك عيانا قالوا، هذا ملك العرب كلها، فكان أشد لقتالهم، وانا لم نقاتل الناس على عهد نبينا ص ولا بعده بالكثرة، بل اكتب الى اهل الشام ان يقيم منهم بشامهم الثلثان، ويشخص الثلث، وكذلك الى عمان، وكذلك سائر الأمصار والكور.
فقال عمر: هو الرأي الذى كنت رايته، ولكنى احببت ان تتابعونى عليه، فكتب بذلك الى الأمصار، ثم قال: لاولين الحرب رجلا يكون غدا لاسنه القوم جزرا [١] . فولى الأمر النعمان بن مقرن المزنى، وكان من خيار اصحاب رسول الله ص، وكان على خراج كسكر، فدعا عمر السائب بن الأقرع، فدفع اليه عهد النعمان بن مقرن، وقال له: ان قتل النعمان فولى الأمر حذيفة بن اليمان، وان قتل حذيفة فولى الأمر جرير بن عبد الله البجلي، وان قتل جرير فالأمير المغيره ابن شعبه، وان قتل المغيره فالأمير الاشعث بن قيس.
وكتب الى النعمان بن مقرن ان قبلك رجلين هما فارسا العرب: عمرو بن معدى كرب، وطليحة بن خويلد فشاورهما في الحرب، ولا تولهما شيئا من الأمر، ثم قال للسائب: ان اظفر الله المسلمين فتول امر المغنم ولا ترفع الى باطلا، وان يهلك ذلك الجيش فاذهب، فلا ارينك.
فسار السائب حتى ورد الكوفه ودفع الى النعمان عهده، ووافت الامداد، وخلف ابو موسى بالبصرة ثلثى الناس، وسار بالثلث الآخر حتى وافى الكوفه، فتجهز الناس، وساروا الى نهاوند، فنزلوا بمكان يسمى الاسفيذهان [٢] من مدينه نهاوند على ثلاثة فراسخ، قرب قريه يقال لها قديسجان، واقبلت الأعاجم يقودها مردان شاه بن هرمزد، حتى عسكروا قريبا من عسكر المسلمين، وخندقوا على انفسهم، واقام الفريقان بمكانهما، فقال النعمان لعمرو وطلحه: ما تريان؟
стр. 136
فان هؤلاء القوم قد أقاموا بمكانهم لا يخرجون منه، وامدادهم تترى عليهم كل يوم فقال عمرو: الرأي ان تشيع ان امير المؤمنين توفى، ثم ترتحل بجميع من معك، فان القوم إذا بلغهم ذلك طلبونا فنقف لهم عند ذلك، ففعل النعمان ذلك، وتباشرت الأعاجم، وخرجوا في آثار المسلمين، حتى إذا قاربوهم وقفوا لهم، ثم تزاحفوا، فاقتتلوا، فلم يسمع الا وقع الحديد على الحديد، وكثرت القتلى من الفريقين، وحال بينهما الليل، فانصرف كل فريق الى معسكرهم، وبات المسلمون لهم أنين من الجراح، ثم أصبحوا، وذلك يوم الأربعاء، فتزاحفوا، واقتتلوا يومهم كله، وصبر الفريقان، ثم كان ذلك دأبهم يوم الخميس، وتزاحفوا يوم الجمعه، وتواقفوا، وركب النعمان بن مقرن برذونا اشهب، ولبس ثيابا بيضاء، وسار بين الصفوف، يذمر المسلمين، ويحضهم، وجعل ينتظر الساعة التي كان الرسول ص يقاتل فيها، ويستنزل النصر، وهي زوال النهار، ومهب الرياح، وسار في الرايات يقول لهم: انى هاز لكم الراية ثلاثا، فان هززتها أول مره فليشد كل رجل منكم حزام فرسه، وليستلم شكته، فإذا هززتها الثانيه فصوبوا رماحكم، وهزوا سيوفكم، فإذا هززتها الثالثه، فكبروا، واحملوا، فانى حامل.
فلما زالت الشمس بأدنى صلوا ركعتين ركعتين، ووقف، ونظر الناس الى الراية، فلما هزها الثالثه كبروا، وحملوا، فانتقضت صفوف الأعاجم، وكان النعمان أول قتيل، فحمله اخوه سويد بن مقرن الى فسطاطه، فخلع ثيابه، فلبسها، وتقلد سيفه، وركب فرسه، فلم يشك اكثر الناس انه النعمان، وثبتوا، يقاتلون عدوهم، ثم انزل الله نصره، وانهزمت الأعاجم، فذهبت على وجوهها، حتى صاروا الى قريه من نهاوند على فرسخين، تسمى دزيزيد فنزلوها لان حصن نهاوند لم يسعهم، واقبل حذيفة بن اليمان، وقد كان تولى الأمر بعد النعمان، حتى اناخ عليهم، فحاصرهم بها.
стр. 137
قال: وانهم خرجوا ذات يوم مستعدين للحرب، فقاتلهم المسلمون، فانهزمت الأعاجم، وانقطع عظيم من عظمائهم يسمى دينار فحال المسلمون بينه وبين الدخول الى الحصن، واتبعه رجل من عبس، يسمى سماك بن عبيد فقتل قوما كانوا معه، واستسلم له الفارس، فاستاسره سماك، فقال لسماك: انطلق بي الى اميركم، فانى صاحب هذه الكورة، لاصالحه على هذه الارض، وافتح له باب الحصن، فانطلق به الى حذيفة، فصالحه حذيفة عليها، وكتب له بذلك كتابا.
فاقبل دينار حتى وقف على باب حصن نهاوند، ونادى من فيه افتحوا باب الحصن، وانزلوا، فقد آمنكم الأمير، وصالحني على أرضكم. فنزلوا اليه، فبذلك سميت ماه دينار. واقبل رجل من اشراف تلك البلاد الى السائب بن الأقرع، وكان على المغانم، فقال له اتصالحنى على ضياعي، وتؤمننى على أموالي، حتى ادلك على كنز لا يدرى ما قدره، فيكون خالصا لاميركم الأعظم، لأنه شيء لم يؤخذ في الغنيمه.
وكان سبب هذا الكنز ان النخارجان الذى كان يوم القادسية اقبل بالمدد، فالفى العجم قد انهزموا، فوقف، فقاتل حتى قتل، وكان من أعاظم الأعاجم، وكان كريما على كسرى ابرويز، وكانت له امراه من اكمل [١] النساء جمالا، وكانت تختلف الى كسرى، فبلغ النخارجان ذلك، فرفضها، فلم يقربها، وبلغ ذلك كسرى، فقال يوما للنخارجان وقد دخل عليه مع العظماء والاشراف: بلغنى ان لك عينا عذبه الماء، وانك لا تشرب منها. فقال النخارجان ايها الملك، بلغنى ان الأسد ينتاب تلك العين، فاجتنبتها مخافه الأسد فاستحلى كسرى جواب النخارجان، وعجب من فطنته، فدخل دار نسائه، وكانت له ثلاثة آلاف امراه لفراشه، فجمعهن وأخذ ما كان عليهن من حلى، فجمعه، ودفعه الى امراه النخارجان،
стр. 138
ودعا بالصاغه، فاتخذوا للنخارجان تاجا من ذهب مكللا بالجوهر الثمين، فتوجه به، فبقى ذلك التاج وتلك الحلى عند ولد بنى المرأة، فلما وقعت الحرب بناحيتهم ساروا به الى قريه لأبيهم، سميت باسمه، يقال لها الخوارجان وفيها بيت نار، فاقتلعوا الكانون [١] . ودفنوا الحلى تحته، وأعادوا الكانون كهيئته.
فقال له السائب: ان كنت صادقا فأنت آمن على اولادك وضياعك واهلك وولدك، فانطلق به حتى استخرجه في سفطين: أحدهما التاج، والآخر الحلى.
فلما قسم السائب الغنائم بين من حضر القتال، وفرغ حمل السفطين في خرجين على ناقته، وقدم بهما على عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فكان من امرهما الخبر المشهور، اشتراهما عمرو بن الحارث بعطاء المقاتله والذرية جميعا، ثم حملهما الى الحيرة فباع بفضل كثير، واعتقد بذلك اموالا بالعراق، وكان أول قرشي اعتقد بالعراق، فقال عروه بن زيد الخيل يذكر ايامهم:
الا طرقت رحلي وقد نام صحبتي ... بايوان سيرين المزخرف خلتي
ولو شهدت يومى جلولاء حربنا ... ويوم نهاوند المهول استهلت
إذا لرأت ضرب امرى غير خامل ... مجيد بطعن الرمح اروع مصلت
ولما دعوا يا عروه بن مهلهل ... ضربت جموع الفرس حتى تولت
دفعت عليهم رحلتي وفوارسى ... وجردت سيفي فيهم ثم التي
وكم من عدو اشوس متمرد ... عليه بخيلى في الهياج اظلت
وكم كربه فرجتها وكريهة ... شددت لها ازرى الى ان تجلت
وقد اضحت الدنيا لدى ذميمة ... وسليت عنها النفس حتى تسلت
واصبح همى في الجهاد ونيتى ... فلله نفس ادبرت وتولت
فلا ثروه الدنيا نريد اكتسابها ... الا انها عن وفرها قد تحلت
وماذا ارجى من كنوز جمعتها ... وهذى المنايا شرعا قد اظلت
стр. 139
ولايه عثمان بن عفان
وتوفى عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوم الجمعه لاربع ليال بقين من ذي الحجه سنه ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وسته اشهر، واستخلف عثمان ابن عفان، فعزل عمار بن ياسر عن الكوفه، وولى الوليد بن عقبه بن ابى معيط، وكان أخا عثمان لامه، أمهما اروى بنت أم حكيم بن عبد المطلب بن هاشم، وعزل أبا موسى الأشعري عن البصره، وولاها عبد الله بن عامر بن كريز، وكان ابن خال عثمان، وكان حدث السن، واستعمل عمرو بن العاص على حرب مصر، واستعمل عبد الله بن ابى سرح على خراجها، وكان أخاه من الرضاعه، ثم عزل عمرو بن العاص، وجمع الحرب والخراج لعبد الله بن ابى سرح.
الفتوحات في عهد عثمان
ثم كانت غزوه سابور من ارض فارس، وافتتاحها. وأميرها عثمان بن ابى العاص، ثم كان فتح إفريقية سنه تسع وعشرين، وأميرها عبد الله بن ابى سرح، ثم كان فتح قبرس، وأميرها معاويه بن ابى سفيان.
ثم ان اهل اصطخر نزعوا يدا من الطاعة، وقدمها يزدجرد الملك في جمع من الأعاجم، فسار اليهم عثمان بن ابى العاص وعبد الله بن عامر، فكان الظفر للمسلمين، وهرب يزدجرد نحو خراسان، فاتى مرو. فاخذ عامله بها، وكان اسمه ماهويه بالأموال، وقد كان ماهويه صاهر خاقان ملك الاتراك، فلما تشدد عليه ارسل الى خاقان يعلمه ذلك، فاقبل خاقان في جنوده حتى عبر النهر مما يلى آمويه، ثم ركب المفازة حتى اتى مرو، ففتح له ماهويه أبوابها، وهرب يزدجرد على رجليه وحده، فمشى مقدار فرسخين حتى انتهى في السحر الى رحى فيها سراج يتقد، فدخلها، وقال للطحان: آونى عندك الليلة قال الطحان: أعطني اربعه دراهم، فانى اريد ان ادفعها الى صاحب الرحا [١] ، فناوله سيفه
стр. 140
ومنطقته، وقال: هذا لك، ففرش له الطحان كساءه، فنام يزدجرد لما ناله من شده التعب، فلما استثقل نوما قام اليه الطحان بمنقار الرحا، فقتله، وأخذ سلبه [١] ، والقاه في النهر.
ولما اصبح الناس تداعوا، فاجلبوا على الاتراك من كل وجه، فخرج خاقان منهزما حتى اوغل في المفازة، فطلبوا الملك فلم يجدوه، فخرجوا يقفون اثره حتى انتهوا اليه، فوجدوه قتيلا مطروحا في الماء، وأصابوا بزته عند الطحان.
وذلك في السنه السادسه من خلافه عثمان، وهي سنه ثلاثين من التاريخ [٢] ، فعند ذلك انقضى ملك فارس، وارخوا عليه تاريخهم الذى يكتبون به اليوم.
وهرب ماهويه حتى نزل ابرشهر مخافه ان يقتله اهل مرو، فمات بها.
وسار عبد الله بن خازم السلمى الى سرخس [٣] ، فافتتحها أيضا، وسار عبد الله ابن عامر الى كرمان وسجستان، فافتتحهما.
[ولاية على بن ابى طالب ع]
بيعه على بن ابى طالب
ثم قتل [٤] عثمان رضى الله عنه، فلما قتل بقي الناس ثلاثة ايام بلا امام، وكان الذى يصلى بالناس الغافقي، ثم بايع الناس عليا رضى الله عنه، فقال: ايها الناس، بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وانما الخيار قبل ان تقع البيعه، فإذا وقعت فلا خيار، وانما على الامام الاستقامة، وعلى الرعية التسليم، وان هذه بيعه عامه، من ردها رغب عن دين الاسلام، وانها لم تكن فلته.
ثم ان عليا رضى الله عنه اظهر انه يريد السير الى العراق، وكان على الشام يومئذ معاويه بن ابى سفيان، وليها لعمر بن الخطاب سبعا، ووليها جميع ولايه عثمان
стр. 141
رضى الله عنه اثنتى عشره سنه، فواتاه الناس على السير الا ثلاثة نفر: سعد بن ابى وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمه الأنصاري.
وبعث على رضى الله عنه عماله الى الأمصار، فاستعمل عثمان بن حنيف على البصره، وعماره بن حسان على الكوفه، وكانت له هجره، واستعمل عبد الله بن عباس على جميع ارض اليمن، واستعمل قيس بن سعد بن عباده على مصر، واستعمل سهل بن حنيف على الشام.
فاما سهل فانه لما انتهى الى تبوك، وهي تخوم ارض الشام استقبله خيل لمعاوية، فردوه، فانصرف الى على، فعلم على رضى الله عنه عند ذلك ان معاويه قد خالف، وان اهل الشام بايعوه.
وحضر الموسم، فاستأذن الزبير وطلحه عليا في الحج، فاذن لهما، وقد كانت عائشة أم المؤمنين خرجت قبل ذلك معتمره، وعثمان محصور، وذلك قبل مقتله بعشرين يوما، فلما قضت عمرتها اقامت، فوافاها الزبير وطلحه.
وكتب على بن ابى طالب الى معاويه اما بعد، فقد بلغك الذى كان من مصاب عثمان رضى الله عنه، واجتماع الناس على ومبايعتهم لي، فادخل في السلم او ائذن بحرب. وبعث الكتاب مع الحجاج بن غزيه الأنصاري، فلما قدم على معاويه، واوصل كتاب على اليه، فقراه، فقال: انصرف الى صاحبك، فان كتابي مع رسولي على اثرك، فانصرف الحجاج، وامر معاويه بطومارين [١] ، فوصل أحدهما بالآخر، ولفا، ولم يكتب فيهما شيئا الا بسم الله الرحمن الرحيم، وكتب على العنوان من معاويه بن ابى سفيان الى على بن ابى طالب.
ثم بعث به مع رجل من عبس، له لسان وجسارة، فقدم العبسى على على، فناوله الكتاب، ففتحه، فلم ير فيه شيئا، الا بسم الله الرحمن الرحيم، وعند على وجوه الناس.
стр. 142
فقام العبسى، فقال: ايها الناس، هل فيكم احد من عبس؟ قالوا: نعم. قال: فاسمعوا منى، وافهموا عنى، انى قد خلفت بالشام خمسين الف شيخ خاضبى لحاهم بدموع اعينهم تحت قميص عثمان، رافعيه على اطراف الرماح، قد عاهدوا الله الا يشيموا [١] سيوفهم حتى يقتلوا قتلته، او تلحق ارواحهم بالله.
فقام اليه خالد بن زفر العبسى، فقال: بئس لعمر الله وافد الشام أنت، اتخوف المهاجرين والانصار بجنود اهل الشام وبكائهم على قميص عثمان، فو الله ما هو بقميص يوسف ولا بحزن يعقوب، ولئن بكوا عليه بالشام، فقد خذلوه بالعراق.
ثم ان المغيره بن شعبه دخل على على رضى الله عنه، فقال: يا امير المؤمنين، ان لك حق الصحبه، فاقر معاويه على ما هو عليه من امره الشام، وكذلك جميع عمال عثمان، حتى إذا اتتك طاعتهم وبيعتهم استبدلت حينئذ او تركت، فقال على رضى الله: انا ناظر في ذلك.
وخرج عنه المغيره ثم عاد اليه من غد، فقال: يا امير المؤمنين، انى اشرت أمس عليك براى، فلما تدبرته عرفت خطاه، والرأي ان تعاجل معاويه وسائر عمال عثمان بالعزل، لتعرف السامع المطيع من العاصي، فتكافئ كلا بجزائه ثم قام، فتلقاه ابن عباس داخلا، فقال لعلى رضى الله عنه: فيم أتاك المغيره؟
فاخبره على بما كان من مشورته بالأمس، وما اشار عليه بعد، فقال ابن عباس: اما أمس فانه نصح لك، واما اليوم فغشك.
وبلغ المغيره ذلك، فقال: صدق ابن عباس، نصحت له، فلما رد نصحى بدلت قولي، ولما خاض الناس في ذلك سار المغيره الى مكة، فأقام بها ثلاثة اشهر، ثم انصرف الى المدينة.
ثم ان عليا رضى الله عنه نادى في الناس بالتأهب للمسير الى العراق، فدخل عليه سعد بن ابى وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمه،
стр. 143
فقال لهم: قد بلغنى عنكم هناه كرهتها لكم، فقال سعد: قد كان ما بلغك، فأعطني سيفا يعرف المسلم من الكافر حتى اقاتل به معك.
وقال عبد الله بن عمر: أنشدك الله ان تحملني على ما لا اعرف.
وقال محمد بن مسلمه: ان رسول الله ص أمرني ان اقاتل بسيفي ما قوتل به المشركون، فإذا قوتل اهل الصلاة ضربت به صخر احد حتى ينكسر، وقد كسرته بالأمس. ثم خرجوا من عنده.
ثم ان اسامه بن زيد دخل، فقال: اعفنى من الخروج معك في هذا الوجه، فانى عاهدت الله الا اقاتل من يشهد ان لا اله الا الله.
وبلغ ذلك الاشتر، فدخل على على، فقال: يا امير المؤمنين، انا وان لم نكن من المهاجرين والانصار، فانا من «التابعين باحسان،» وان القوم وان كانوا اولى بما سبقونا اليه فليسوا باولى مما شركناهم فيه، وهذه بيعه عامه، الخارج منها طاعن مستعتب، فحض هؤلاء الذين يريدون التخلف عنك باللسان، فان أبوا فادبهم بالحبس فقال على: بل ادعهم ورأيهم الذى هم عليه.
ولما هم على رضى الله عنه بالمسير الى العراق، اجتمع اشراف الانصار، فاقبلوا حتى دخلوا على على، فتكلم عقبه بن عامر، وكان بدريا [١] فقال: يا امير المؤمنين ان الذى يفوتك من الصلاة في مسجد رسول الله ص، والسعى بين قبره ومنبره اعظم مما ترجو من العراق، فان كنت انما تسير لحرب الشام، فقد اقام عمر فينا، وكفاه سعد زحف القادسية، وابو موسى زحف الاهواز، وليس من هؤلاء رجل الا ومثله معك، والرجال اشباه، والأيام دول، فقال على ان الأموال والرجال بالعراق، ولأهل الشام وثبه أحب ان أكون قريبا منها. ونادى في الناس بالمسير، فخرج وخرج معه الناس.
стр. 144
وقعه الجمل
[١] قالوا: ولما قضى الزبير وطلحه وعائشة حجهم تأمروا في مقتل عثمان، فقال الزبير وطلحه لعائشة: ان اطعتنا طلبنا بدم عثمان. قالت: وممن تطلبون دمه؟، قالا: انهم قوم معروفون، وانهم بطانه على ورؤساء اصحابه، فاخرجى معنا حتى ناتى البصره فيمن تبعنا من اهل الحجاز، وان اهل البصره لو قد رأوك لكانوا جميعا يدا واحده معك. فاجابتهم الى الخروج، فسارت والناس حولها يمينا وشمالا.
ولما فصل على من المدينة نحو الكوفه بلغه خبر الزبير وطلحه وعائشة، فقال لأصحابه: ان هؤلاء القوم قد خرجوا يؤمون البصره، لما دبروه بينهم، فسيروا بنا على أثرهم، لعلنا نلحقهم قبل موافاتهم، فإنهم لو قد وافوها لمال معهم جميع أهلها، قالوا: سر بنا يا امير المؤمنين. فسار حتى وافى ذا قار [٢] ، فأتاه الخبر بموافاه القوم البصره، ومبايعه اهل البصره لهم الا بنى سعد، فإنهم لم يدخلوا فيما دخل فيه الناس، وقالوا لأهل البصره: لا نكون معكم ولا عليكم، وقعد عنهم أيضا كعب بن سور في اهل بيته، حتى اتته عائشة في منزله، فأجابها، وقال: اكره الا اجيب أمي، وكان كعب على قضاء البصره.
ولما انتهى الخبر الى على وجه هاشم بن عتبة بن ابى وقاص ليستنهض اهل الكوفه، ثم اردفه بابنه الحسن وبعمار بن ياسر، فساروا حتى دخلوا الكوفه، وابو موسى يومئذ بالكوفه، وهو جالس في المسجد، والناس محتوشوه [٣]
стр. 145
وهو يقول: يا اهل الكوفه، أطيعوني تكونوا جرثومة [١] من جراثيم العرب، يأوي إليكم المظلوم، ويامن فيكم الخائف، ايها الناس، ان الفتنة إذا اقبلت شبهت، وإذا ادبرت تبينت، وان هذه الفتنة الباقره [٢] لا يدرى من اين تأتي، ولا من اين تؤتى، شيموا سيوفكم، وانزعوا اسنه رماحكم، واقطعوا اوتار قسيكم، والزموا قعور البيوت، ايها الناس، ان النائم في الفتنة خير من القائم، والقائم خير من الساعى.
فانتهى الحسن بن على وعمار رضى الله عنهما الى المسجد الأعظم وقد اجتمع عالم من الناس على ابى موسى، وهو يقول لهم هذا وأشباهه، فقال له الحسن: اخرج عن مسجدنا، وامض حيث شئت. ثم صعد الحسن المنبر، وعمار صعد معه، فاستنفرا الناس، فقام حجر بن عدى الكندى، وكان من افاضل اهل الكوفه فقال: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا، رحمكم الله فأجابه الناس من كل وجه: سمعا وطاعه لأمير المؤمنين، نحن خارجون على اليسر والعسر والشده والرخاء.
فلما أصبحوا من الغد خرجوا مستعدين، فاحصاهم الحسن، فكانوا تسعه آلاف وستمائه وخمسين رجلا، فوافوا عليا بذى قار قبل ان يرتحل. فلما هم بالمسير غلس الصبح، ثم امر مناديا، فنادى في الناس بالرحيل، فدنا منه الحسن، فقال: يا أبت اشرت عليك حين قتل عثمان وراح الناس إليك وغدوا، وسالوك ان تقوم بهذا الأمر الا تقبله حتى تأتيك طاعه جميع الناس في الافاق، واشرت عليك حين بلغك خروج الزبير وطلحه بعائشة الى البصره ان ترجع الى المدينة، فتقيم في بيتك، واشرت عليك حين حوصر عثمان ان تخرج من المدينة، فان قتل قتل وأنت غائب، فلم تقبل رأيي في شيء من ذلك.