اولاد آدم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فوضت امرى الى الله
قال ابو حنيفه احمد بن داود الدينورى ﵀، وجدت فيما كتب اهل العلم بالاخبار الاولى، ان آدم ﵇ كان مسكنه الحرم، وان ولده كثروا في زمان مهليل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم، وكان سيد ولد آدم في دهره، والقائم بامره، وكذلك كان آباؤه الى آدم ﵈ اجمعين، ووقع بينهم التنازع في الأوطان، ففرقهم مهليل في مهب الرياح الأربع، وخص ولد شيث بافضل الارض، فأسكنهم العراق.
ادريس ونوح
وكان أول نبى بعد شيث ادريس، واسمه اخنوخ بن يرد بن مهليل، وسمى ادريس، لكثرة دراسته، ثم بعث الله نوحا ع الى اهل عصره، وكان مسكنه بأرض العراق، وهو نوح بن لمك بن متوشلح، فكذبوه، فاغرقهم الله، ونجى نوحا ومن كان معه في السفينة، وكان جنوح السفينة واستقرارها على راس الجودي، جبل بقردى وبازبدى [١] . من ارض الجزيرة، فلما مات نوح استخلف ابنه ساما، فكان أول من وطد السلطان، واقام منار الملك بعد سام جم بن ويرنجهان بن ايران، وهو ارفخشذ بن سام بن نوح، واعقم الله جميع من نجى مع نوح في السفينة الا بنيه الثلاثة، ساما وحاما ويافثا. وكان لنوح ابن رابع اسمه يام، وهو الغريق، ولم يكن له عقب، واما الثلاثة فكلهم اعقب.
стр. 2
وكان سام هو المتولى لامر نوح من بعده، وكان يشتو بأرض جوخى ويصيف بالموصل، وكان طريقه في مبدئه ومنصرفه على شط دجلة من الجانب الشرقى، فسمى لذلك سام راه، [١] . وهو الذى تسميه العجم ايران. وقد كان تبوأ ارض العراق، واختصها لنفسه، فسمى ايران شهر، وقام بالأمر بعده ابنه شالخ، فلما حضرته الوفاة اسند الأمر الى ابن أخيه جم بن ويرنجهان بن ارفخشذ فثبت اساس الملك، ووطد أركانه وبنى معالمه، واتخذ يوم النيروز عيد [٢] .
اختلاف الالسن
قالوا: وفي زمان جم تبلبلت الالسن ببابل. وذلك ان ولد نوح كثروا بها، فشحنت بهم، وكان كلام الجميع السريانية، وهي لغة نوح، فأصبحوا ذات يوم، وقد تبلبلت السنتهم، وتغيرت الفاظهم، وماج بعضهم في بعض، فتكلمت كل فرقه منهم باللسان الذى عليه اعقابهم الى اليوم، فخرجوا من ارض بابل، وتفرقت كل فرقه جهة، وكان أول من خرج منهم ولد يافث بن نوح، وكانوا سبعه اخوه: الترك، والخزر، وصقلاب، وتاريس، ومنسك، وكمارى، والصين. فأخذوا ما بين المشرق والشمال، ثم سار بعدهم ولد حام بن نوح، وكانوا أيضا سبعه اخوه: السند والهند والزنج والقبط وحبش ونوبه وكنعان، فأخذوا ما بين الجنوب والدبور [٣] .، واقام ولد سام بن نوح مع ابن عمهم جم الملك بأرض بابل على تغير الفاظهم.
стр. 3
الساميون
وكان لسام بن نوح خمسه بنين: ارم وكان اكبرهم سنا، وارفخشذ، وعالم، واليفر، والاسور، فخص ولد ارم باللسان العربي عند تبلبل الالسن، وكانوا أيضا سبعه اخوه: عاد، وثمود، وصحار، وطسم، وجديس، وجاسم، ووبار. فارتحل عاد مع من تبعه حتى حل بأرض اليمن. ونزل ثمود بن ارم ما بين الحجاز الى الشام. ونزل طسم بن ارم عمان والبحرين، ونزل جديس بن ارم اليمامه، ونزل صحار ما بين الطائف الى جبلي طيّئ، ونزل جاسم ما بين الحرم الى سفوان [١] .، ونزل وبار بن ارم ما وراء الرمل بالبلاد التي تعرف بوبار، وهؤلاء العرب الاولى انقرضوا عن آخرهم.
قالوا: ولما خرج هؤلاء تحركت قلوب سائر ولد نوح للخروج من بابل، فخرج خراسان بن عالم بن سام، فاتخذ خراسان خطه، وفارس بن الاسور بن سام، والروم بن اليفر بن سام، وارمين بن نورج بن سام، وهو صاحب أرمينية، وكرمان بن تارح بن سام، وهيطل بن عالم بن سام، وولده من وراء نهر بلخ [٢] .، وتسمى بلاد الهياطلة، ونزل كل رجل منهم مع ولده في الارض التي سميت به، ونسبت اليه، فلم يبق مع الملك جم بأرض بابل الا ولد ارفخشذ بن سام.
قالوا: ولما كثرت عاد باليمن تجبروا وعتوا، وعليهم شديد بن عمليق بن عاد بن ارم بن سام بن نوح، فوجه الى ولد سام ابن أخيه الضحاك بن علوان بن عمليق ابن عاد، وهو الذى تسميه العجم بيوراسف، فصار الى ارض بابل، وهرب منه جم الملك، فطلبه الضحاك حتى ظفر به، فأخذه، واشره بميشار [٣] .،
стр. 4
فاستولى على ملكه. وكان الذى وجه الى ولد حام بن نوح ابن عمه الوليد بن الريان بن عاد بن ارم، وكان ملكهم يومئذ مصر بن القبط بن حام الذى تبوأ ارض مصر، فسار اليه الوليد بن الريان حتى قتله، واستولى على ملكه.
ومن ولد الوليد بن الريان الريان بن الوليد عزيز مصر، صاحب يوسف ع، ومن ولدهما الوليد بن مصعب فرعون موسى ع، وكان جالوت الجبار الذى قتله داود النبي من ولد الوليد بن الريان.
وكان الذى وجه شديد بن عمليق الى ولد يافث بن نوح ابن أخيه غانم بن علوان أخو الضحاك بن علوان، وكان ملك ولد يافث بن نوح يومئذ فراسياب بن توذل ابن الترك بن يافث بن نوح، فغلب على ملكه أيضا، واستولى على ارضه، ومن ولد غانم بن علوان فيما يقال فؤر ملك الهند الذى قتله الاسكندر مبارزه، ويقال ان رستم الشديد من ولد غانم.
الضحاك
قالوا: وان الضحاك الذى تسميه العجم بيوراسف عند ما كان من غلبته جم الملك وقتله اياه واطمئنانه في الملك وفراغه أخذ يجمع اليه السحره من آفاق مملكته، ويتعلم السحر حتى صار فيه اماما، وبنى مدينه بابل [١] .، وجعلها اربعه فراسخ في اربعه، وشحنها بجنود من الجبابرة وسماها خوب، وسام اولاد ارفخشذ الخسف، ونبتت في منكبيه سلعتان كهيئة الحيتين، تؤذيانه حتى يطعمهما ادمغه الناس فتسكنان. قالوا: فكان يؤتى كل يوم باربعه رجال جسام فيذبحون
стр. 5
وتؤخذ أدمغتهم فيغذى بها تانك الحيتان. وكان له وزير من قومه، فولى وزارته رجلا من ولد ارفخشذ يسمى ارمياييل، فكان إذا اتى بالرجال ليذبحوا استحيا منهم اثنين، وجعل مكانهما كبشين من الغنم، وامر الرجلين ان يذهبا حيث لا يوجد اثرهما، فكانوا يصيرون الى الجبال، فيكونون فيها، ولا يقربون القرى والأمصار، فيقال انهم اصل الأكراد. [١] .
بعثه هود
وملك بعد شديد بن عمليق اخوه شداد بن عمليق بن عاد بن ارم، فعتا، وتجبر، فبعث الله اليه هودا ع رسولا، وكان من صميم قومه واشرافهم، وهو هود بن خالد بن الخلود بن العيص بن عمليق بن عاد، فلم يحفل به، فاهلكه، ومن كفر معه من عاد، كما قد قصه الله ﵎ في كتابه، وهو اصدق الحديث [٢] .
قال: ونشا في ذلك الدهر عابر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح، فولد له فالغ بن عابر، ثم ولد له بعد ذلك قحطان بن عابر، قال: وانما سمى قحطان لقحطه القحوط، وطرده بالسخاء والجود، ثم ولد له لام بن عابر، فكان اعبد اهل عصره، وكانت اسفار آدم وشيث ونوح وقعت اليه، فدرسها، وعلمها.
ثم ان الضحاك البيوراسف طلبه ليفتنه عن دينه، فهرب منه باهله وولده من مدينه بابل حتى حل بمفازه من ارض الروم، فقبره بها، ويقال: ان مكان قبره معروف حتى الان.
стр. 6
نمروذ بن كنعان
ولما اهلك الله عادا مع شداد ضعف ركن الضحاك، ووهى امره، واجترأ عليه ولد ارفخشذ بن سام، وكان الوباء وقع في جنده، ومن كان معه من الجبابرة، فخرج يريد أخاه غانم بن علوان الذى ملكه شديد على ولد يافث، ويستعين به على امره، فاستغنم ولد ارفخشذ بن سام خروجه، فأرسلوا الى نمروذ بن كنعان بن جم الملك، وكان مستترا هو وأبوه في طول ملك الضحاك، بجبل دنباوند [١] .، فأتاهم، فملكوه عليهم، فصمد وصمد من كان بأرض بابل من اهل بيت الضحاك، فقتلهم اجمعين، واستولى على ملك الضحاك، وبلغ ذلك الضحاك فاقبل نحوه، فظفر به نمروذ وضربه على هامته بجرز [٢] . حديد، فأثخنه، ثم شده وثاقا، واقبل به الى غار في جبل دنباوند، فادخله فيه وسد عليه، واستدف [٣] . الملك لنمروذ واستوسق، وهو الذى يسميه العجم فريدون.
قالوا: ولما توفى هود ع اجتمع ولد ارم بن سام من اقطار الارض، فملكوا مرثد بن شداد، وذلك في أول ملك نمروذ بن كنعان، فغزاهم نمروذ في آخر ملكه، وقد وهى امرهم، فقدر عليهم. وقالوا: فالغ وقحطان اخوان، وهما ابنا عابر، ففالغ جد ابراهيم ع، واما قحطان فابو اليمن، ويروى ان ابن المقفع كان يقول: يزعم جهال العجم ومن لا علم له ان جم الملك هو سليمان بن داود، وهذا غلط، فبين سليمان وبين جم اكثر من ثلاثة آلاف [٤] . سنه، ويقال: ان نمروذ بن كنعان فرعون ابراهيم من ولد جم. وكان ابن عم آزر بن تارح ابى ابراهيم، وهو ابراهيم بن آزر بن تارح بن ناخور بن ارغوا بن شالخ بن ارفخشذ
стр. 7
الذى سمته العجم، ايران، ومن ولد ارفخشذ جميع العرب، ومنهم أيضا ملوك العجم واشرافهم من اهل العراق وغيرهم.
قحطان
قالوا: ولما انقرضت عاد من ارض اليمن وبادوا، وذلك في عصر نمروذ بن كنعان، أقطعها نمروذ ابن عمه قحطان بن عابر، فسار إليها في ولده، حتى نزلها، وبها بقايا قليله ممن آمن بهود ع من عاد، فجاورهم قحطان بها، فلم يكن الا قليل حتى انقرضوا وبادوا، وصفت الارض لقحطان.
ويقال: ان السائر إليها يعرب بن قحطان بعد وفاه ابيه، فسار إليها في اخوته وأولادهم، فقطنها، فكانت أم يعرب دون اخوته من عاد، فتكلم بلسان أمه.
وذكر عن ابن الكيس النمرى [١] . انه قال: ان قحطان تزوج امراه من العماليق، فولدت يعرب، وجرهم، والمعتمر، والمتلمس، وعاصما، ومنيعا، والقطامي، وعاصيا، وحمير، فتكلموا جميعا بلسان أمهم بالعربية، وكان قحطان في عصر نمروذ. وذكر عن ابن الشريه [٢] . انه قال: كان الذى خرج إليها يعرب بن قحطان في ولده، وكان اكبرهم سنا، واعظمهم قدرا.
ثمود
قالوا: وان ثمودا قفت ما كانت عليه عاد من الكفر بالله، والعتو عليه، فأرسل الله اليهم صالحا رسولا، فكان من اشرفهم منصبا، واكرمهم حسبا، فدعاهم الى توحيد الله، فلم يقبلوا منه، ولم يرعووا، فاهلكهم الله ، كما نص في كتابه، وهو اصدق الحديث [٣] . ويقال: انه كان بين مهلك عاد ومهلك ثمود خمسمائة عام، وكان ذلك في عصر ابراهيم ع.
стр. 8
ابراهيم
وفي آخر ملك نمروذ، وتسميه العجم فريدون تجبر نمروذ، وعتا، ولهج بعلم النجوم، واجتلب المنجمين من آفاق الارض، وحباهم بالأموال، واختار سبعه نفر من اهل بيته، فسماهم الكوهبارين [١] . فولاهم أموره، ووكل كل رجل منهم بعمل افرده به.
وكان آزر ابو ابراهيم احد السبعه الذين اختارهم. وقد كان دان له الشرق والغرب، فكان من امر مولد ابراهيم ما قد جاءت به الآثار، وكان أول من آمن بابراهيم امراته ساره، وكانت من اجمل اهل عصرها. ولوط كان ابن اخته، فأقام ابراهيم مع ابيه ما شاء الله، ثم خرج مهاجرا له، وخرجت معه ساره، وكان ابو لوط من اهل مدينه سدوم [٢] . وكانت أمه بنت آزر، وانما كان قدم الى بابل زائرا لجده آزر، فآمن بابراهيم، فأقام معه ببابل مؤازرا له على امره، فلما خرج ابراهيم ع مهاجرا خرج معه لوط، فلحق بابيه واهل بيته بمدينه سدوم، وهي فيما بين ارض الأردن وتخوم ارض العرب، وسار ابراهيم حتى اتى ارض مصر.
هجره جرهم والمعتمر
قالوا: وان ولد قحطان كثروا بأرض اليمن، فوقع بينهم التباغى والتحاسد، فاجتمع ولد يعرب بن قحطان على جرهم بن قحطان وولد المعتمر بن قحطان، فنفوهم عن اليمن وارضه، فسارت جرهم نحو الحرم، وسار بنو المعتمر نحو الحجاز، ورئيس جرهم مصاص بن عمر بن عبد الله بن جرهم بن قحطان، وأرادوا نزول الحرم،
стр. 9
فمنعهم العماليق من ذلك، فاقتتلوا، فغلبتهم جرهم على الحرم، ونفوهم منه، ونزلت جرهم الحرم. فلما قطنوه بلغ ذلك بنى المعتمر بن قحطان، فاقبلوا من ارض الحجاز حتى أتوا الحرم، وسألوا جرهم السكنى معهم، فابت عليهم جرهم، ورئيس بنى المعتمر السميدع بن عمرو بن قنطور بن المعتمر بن قحطان، فتداعى الفريقان للحرب، فبحر بهم هذه سميت قعيقعان والمطابخ واجياد وفاضح، لان به فضحت بنو المعتمر، وقتل السميدع، وكان الظفر لجرهم.
نمروذ واولاده
قالوا: وكان لنمروذ ثلاثة بنين: ايرج، وسلم، وطوس، ففوض الى ايرج ملكه، وجعل سلما على ولد حام، وطوسا على ولد يافث، فحسد ايرج اخواه، إذ خصه أبوه بالأمر دونهما، وهو اصغر سنا منهما، فاغتالاه، فقتلاه، فصير الملك الى ابن ابنه منوشهر بن ايرج، وصرفه عن ابنيه: سلم، وطوس، ثم مات.
فملك منوشهر بن ايرج، وفي عصر منوشهر كثرت قحطان باليمن، فملكوا عليهم سبا بن يشجب، واسم سبا عبد شمس.
اولاد اسماعيل
قالوا: وفي ذلك العصر توفى اسماعيل بن ابراهيم ع، وخلف ثلاثة بنين، قيذر بن اسماعيل، ونابت بن اسماعيل، وهو كان القيم بأمر مكة والحرم بعد ابراهيم، ومدين بن اسماعيل، وهو الذى صار الى ارض مدين، فنزلها، ومن ولده شعيب النبي ع، وقومه الذين ارسل اليهم.
غلبه جرهم على الحرم
قالوا: ولما توفى نابت بن اسماعيل غلبت جرهم على البيت والحرم، فخرج قيذر بن اسماعيل باهله وماله يتبع مواقع القطر فيما بين كاظمه، وغمر ذي كنده،
стр. 10
والشعثمين، وما والى تلك الارضين حتى كثر ولده، وانتشروا في جميع ارض تهامه، والحجاز، ونجد.
بنو قحطان
فملك سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان ارض اليمن طول ملك منوشهر مائه وعشرين سنه، ثم مات، وملك بعده ابنه حمير بن سبا، وجعل ابنه كهلان وزير حمير.
[ملك منوشهر]
نهاية ملك منوشهر
قالوا: ولما اتى لملك منوشهر مائه سنه وعشرون سنه سار اليه فراسياب بن فايش بن نوذسف بن الترك بن يافث بن نوح. وذلك حين ملك حمير ارض اليمن. وكان مسيره من ناحيه المشرق في جموع من ولد يافث بن نوح، حتى انتهى الى ارض بابل، وخرج اليه منوشهر الملك في جنوده، ففضت جموع منوشهر، وقفا فراسياب اثر منوشهر حتى لحقه، فقتله، واستولى على ملكه، وجلس على سريره.
وسام ولد ارفخشذ الخسف، وهدم ما كان بأرض بابل من الحصون، وعور [١] . ما كان فيها من العيون، وطم [٢] . ما كان فيها من الانهار، وقحط الناس في ملكه قحطا شديدا، وكان اهل ايران شهر في ملكه في اعظم بلاء.
زاب بن بودكان
فلما تم لملك فراسياب تسع سنين ظهر زاب بن بودكان بن منوشهر بن ايرج بن نمروذ بأرض فارس، فخلع فراسياب، ودعا لنفسه، فمال اليه جميع ولد سام بن نوح للجهد الذى نالهم في ملك فراسياب، فسار الى فراسياب حتى نفاه عن
стр. 11
مملكته، وعمد الى المدن والحصون التي هدمها فراسياب، فاعاد بناءها، وحفر الانهار والقنى التي كان طمها، واصلح كل ما كان فراسياب افسده، وكرى بالعراق أنهارا عظيمه سماها الزوابي، اشتق اسمها من اسمه، وهي الزابي الأعلى، والزابي الأوسط، والزابي الأسفل، وابتنى المدينة العتيقة، وسماها طيسفون، [١] . ثم سار في اثر فراسياب، وقد اقام بخراسان في جموعه، وعساكره، فزحف اليه فراسياب فاقتتلوا، واقبل ارسناس الذى كان منوشهر امره بتعليم الناس الرمى بالنشاب، وقد وتر قوسه وفوق [٢] . فيها نشابه، فاقبل حتى دنا من فراسياب، فلما تمكن رماه رميه خالطت فؤاده، وخر ميتا، وانصرف ولد يافث حين قتل ملكهم حتى لحقوا بأرضهم، وكان زاب قد اصابته جراحات كثيره، فمات منها بعد مهلك فراسياب بشهر. وفي ذلك العام مات حمير بن سبا.
قالوا: كان ملك الوليد بن مصعب فرعون موسى ع [٣] . على جميع ارض ولد حام، وهي المملكة التي تعرف بملك مصر بن حام.
وقالوا: ولما توفى يوسف بن يعقوب واخوته بأرض مصر بقي اعقابهم بها، وكثروا فيها، وكانوا في زمان موسى ع ستمائه الف رجل، وكان ملك اليمن في زمن موسى الملطاط بن عمرو بن حمير بن سبا.
كيقباذ بن زاب
وكان ملك ارض بابل كيقباذ بن زاب، وكان الملطاط يلقب بالرائش، لأنه راش قومه واغناهم، وكانت ملوك الارض كلها قد دانوا لكيقباذ، واتقوه بالاتاوه، [٤] .،
стр. 12
وكان له ثلاثة بنين: قابوس، وهو الذى ملك من بعده، وكيابنه، وهو جد لهراسف الذى ملك بعد سليمان بن داود ع، وقيوس، وهو جد الاشغانيين الذين كانوا ملوك الجبل في زمان الطوائف.
وفي عصره خرج موسى بن عمران من مصر هاربا من فرعون حتى اتى ارض مدين [١] .، ونزل على شعيب، فاجره نفسه ثماني حجج، كما ذكر الله جل ثناؤه في الكتاب الناطق [٢] ، ثم خرج من عند شعيب لما قضى الأجل، وسار باهله، فكان من امره واكرام الله اياه بتكليمه ورسالته ما قد قصه علينا في كتابه، وانصرف الى شعيب، ورد اهله اليه، ومضى حتى بلغ رساله ربه، وفي هذا العصر بعث شعيب الى قومه، فكان منهم ما حكاه الله في كتابه [٣] .
أبرهة
قالوا: ثم ملك ارض اليمن أبرهة بن الملطاط، وهو أبرهة ذو المنار، سمى بذلك، لأنه امر بعمل المنار والايقاد عليها بالليل، ليهتدى بها جنوده، وتوفى موسى بن عمران ع، وتولى امر إسرائيل من بعده يوشع بن نون، فخرج ببني إسرائيل من ارض مصر الى ارض الشام، فأسكنهم بفلسطين.
قالوا: وان أبرهة تجهز وسار في بشر كثير يؤم ارض المغرب، واستخلف على ملكه ابنه افريقيس، فاوغل في ارض السودان، فأعطوه الطاعة، فجاز ارضهم، وسار حتى انتهى الى أمه من الناس، اعينهم وأفواههم في صدورهم، ويقال انهم أمه من ولد نوح ع، غضب الله عليهم، فبدل خلقهم، فأعطوه الطاعة، وانصرف راجعا، فمر بامه من الناس، يقال لهم النسناس، للرجل والمرأة منهم نصف راس، ونصف وجه، وعين واحده، ونصف بدن، ويد واحده،
стр. 13
ورجل واحده، يقفزون قفزا في اسرع من حضر [١] . الفرس الجواد، وهم يهيمون في الغياض التي على شاطئ البحر، خلف رمل عالج [٢] .، يعنى رمل بلاد اليمن، فسال عنهم، فاخبر انهم أمه من ولد وبار بن ارم بن سام بن نوح.
كيكاوس بن كيقباذ
قالوا: وكان ملك العجم في عصر أبرهة بن الملطاط كيكاوس بن كيقباذ، وكان متشددا على الأقوياء [٣] .، رحيما بالضعفاء، وكان منصورا محمودا الى ان خطرت منه خطره ضلال، فيما كان هم به من الصعود الى السماء، فهو صاحب التابوت والنسور، وكان قد وجد على ابنه سياوش، ولم يكن له ولد غيره، فاراد قتله، فهرب منه، فلحق بملك الترك، فحل منه محلا لطيفا لما بلاه واختبره، وراى عقله وآدابه وبأسه ونجدته، ففوض اليه امره، فلما راى ذلك اهل بيت الملك حسدوه، وخافوا ان يبزهم الأمر، فدسوا اليه الغوائل [٤] . عند الملك حتى اقدم عليه، فقتله، وقد كان زوجه ابنته، وحملت منه، فاراد ان يبقر بطنها عن جنينها، فناشده برايان الوزير فيها، وفي ولدها الا يقتلها من غير جرم، فقال له: دونك، فخذها إليك، فإذا ولدت فاقتل ولدها. فكانت عنده حتى ولدت غلاما، وهو كيخسرو والذى ملك بعده، فاخرجه من المصر، واسترضع له في سكان الجبال من الأكراد، فنشأ عندهم، وقال للملك: انها ولدت جاريه وقد قتلتها فصدقه.
ملك كيخسرو
وان اهل فارس شنئوا كيكاوس لما اظهر من الجبروت والعتو والجرأة على الله،
стр. 14
وتأمروا على خلعه، وفشا ذلك حتى بلغ أم الغلام، وقد اتى له سبع عشره سنه، فدست رسولا الى اهل فارس، تعلمهم مقتل سياوش، وامر الغلام، فاختاروا رجلا من افاضلهم، يسمى زو، فوجهوه الى ابريان الوزير في الاقبال بالغلام، فقدم عليه، واعلمه ما اجمعت عليه اهل فارس، فسلم اليه الغلام، وحمله على فرس ابيه سياوش الذى قدم عليه من العراق، فسار به زو، يكمن النهار، ويسير الليل، حتى ورد يم جيحون [١] .، وهو نهر بلخ مما يلى خوارزم، فعبره سباحه على فرسه، واقبل به، حتى اورده دار الملك، فخلعوا كيكاوس، وملكوا الغلام، وسموه كيخسرو، ومنحوه الطاعة، فامر بجده فحبس، فلم يزل محبوسا حتى هلك.
افريقيس واليمن
قالوا: وكان ملك كيخسرو وملك افريقيس بن أبرهة في عصر واحد، وان افريقيس تجهز يريد المغرب، حتى اوغل في ارض طنجه والاندلس، فراى بلادا واسعه، فابتنى هناك مدينه، وسماها إفريقية اشتق اسمها من اسمه، ونقل إليها سكانا، وهي المدينة التي ينزلها اليوم سلطان ذلك البلد وعظماؤها، ثم انصرف الى وطنه، وفي ذلك العصر نشا معد بن عدنان، وفيه انقرض ولد ارم من جميع ارض العرب الا بقايا من طسم وجديس، غبروا بعمان والبحرين واليمامه.
ملك ابن افريقيس وهلاك طسم وجديس
ولما مات افريقيس بن أبرهة ملك ابنه ذو جيشان بن افريقيس، فتجهز لغزو كيخسرو ملك فارس، وجمع جنوده، وسار حتى نزل بنجران [٢] .، وكان بعمان
стр. 15
والبحرين واليمامه بشر كثير من ولد طسم، وجديس، ابنى ارم بن سام، وكانوا من العرب العاربة، وكان ملكهم رجلا من طسم، يسمى عمليقا، وكان جائرا ظلوما، وبلغ من عتوه ان امر الا تزف امراه من جديس الى زوجها الا بدؤوه بها، فمكثوا بذلك دهرا طويلا.
وان رجلا من جديس تزوج عفيره بنت غفار اخت الأسود بن غفار عظيم جديس وسيدها، فلما أرادوا اهداءها ادخلت على الملك، فافترعها، ثم خلى سبيلها، فخرجت الى قومها في دمائها رافعه ثوبها عن عورتها، وهي تقول:
ايصلح ما يؤتى الى فتياتكم ... وأنتم رجال ثوره عدد النمل
فلو اننا كنا رجالا وكنتم ... نساء لكنا لا نقر على الذل
فبعدا لبعل ليس فيه حميه ... ويختال يمشى مشيه الرجل الفحل
فحميت من ذلك جديس، فاغتالوا عمليقا، فقتلوه على غره، وامامهم الأسود بن غفار يرتجز، ويقول:
يا ليله ما ليله ... جاءت تمشى بدم جميس [١]
يا طسم ما لاقيت من جديس ... احدى لياليك فهيس هيس [٢] .
فابادوا طسما، فلم يفلت منهم الا رجل يقال له، رياح بن مره، فانه مضى على وجهه حتى اتى ذا جيشان، وهو معسكر في جنوده بنجران، فمثل بين يديه، ثم قال:
انك لم تسمع بيوم ولا ترى ... كيوم اباد الحى طسما به المكر
أتيناهم في ازرنا ونعالنا ... علينا الملاء الحمر والحلل الخضر
فصرنا لحوما بالعراء وطعمة ... تنازعها ذيب الوشيمه والنمر
[٣] .
стр. 16
فدونك قوما ليس لله فيهم ... ولا لهم منه حجاب ولا ستر
فقال الملك: كم بيننا وبينهم؟، قال: ثلاث. فقال من حضره: كذب، ايها الملك، بينك وبين القوم عشرون ليله، فامر جنوده بالمسير نحو اليمامه، ففي مسيرهم، وقصه الزرقاء [١] . يقول الأعشى بعد ذلك بدهر طويل:
قالت ارى رجلا في كفه كتف ... او يخصف النعل، لهفي ايه صنعا
فكذبوها بما قالت، فصبحهم ... ذو آل جيشان، يزجى الموت والشرعا
فاستنزلوا اهل جو من مساكنهم ... وهدموا مشرف البنيان، فاتضعا
فام جديسا، واستاصلهم، ثم رحل نحو العراق يريد كيخسرو، وزحف اليه كيخسرو، فالتقوا، فقتل ذو جيشان، وانفضت جموعه.
ملك الفند ذي الاذعار
فملكت اليمن ابنه الفند ذا الاذعار، وانما لقب ذا الاذعار لرعب الناس منه، فلم تكن له همه الا الطلب بثار ابيه.
هجره ربيعه الى اليمامه والبحرين
قال: وبقيت اليمامه والبحرين بعد قتل جديس ليس بها احد الى ان كثرت ربيعه، وانتشرت، وتفرقت في البلاد، فسارت عتره [٢] اسد بن ربيعه، تتبع مواقع الغيث، وتقدمها عبد العزى بن عمرو العنزي حتى هجم على اليمامه، فراى بلادا واسعه، ونخلا وقصورا، وإذا هو بشيخ قاعد تحت نخله سحوق [٣] ، يرتجز، ويقول:
تقاصرى، اجن جناك قاعدا ... انى ارى حملك ينمى [٤] صاعدا
стр. 17
فقال له عبد العزى: من أنت ايها الشيخ؟ قال: انا من هزان، الضراغمه الاقران، غزانا ذو جيشان، الملك القرم [١] اليمان، فاعمل فيها المران [٢] .، فلم يبق بهذا المكان غيرى، وانى لفان. فقال عبد العزى: ومن هزان؟ قال: هزان بن طسم أخو النهى والحزم، وابن الشجاع القرم.
فأقام عبد العزى أياما، ثم تبرم بمكانه، فمضى سائرا حتى سقط الى البحرين، فراى بلادا اوسع من اليمامه، وبها من وقع إليها من ولد كهلان، حين هربوا من سيل العرم [٣] .، فأقام معهم، وسارت بنو حنيفه على ذلك السمت، يتبعون مواقع الغيث، وتقدمهم عبيد بن يربوع، وكان سيد هم، فنزل قريبا منها، فمضى غلام له ذات يوم حتى هجم على اليمامه، فراى نخلا وريفا، وإذا هو بشيء من تمر قد تناثر تحت النخل، فأخذه، واتى به عبيدا، فأكل منه، فقال: وابيك ان هذا الطعام طيب. فارتفع حتى اتى اليمامه، فدفع فرسه، فخط على ثلاثين دارا وثلاثين حديقة، فسمى ذلك المكان حجرا، فهو اليوم قصبه اليمامه، وموضع ولاتها، وسوقها، وتسامعت بنو حنيفه بما أصاب عبيد بن يربوع، فاقبلوا حتى أتوا اليمامه، فقطنوها، فعقبهم بها الى اليوم. قال: وكان داود النبي ع في عصر ذي الاذعار، وكان ملك العجم كيخسرو بن سياوش.
داود الملك
وكان سلطان بنى إسرائيل قد وهى، فكان من حولهم من الأمم يغزونهم، فيقتلون، ويأسرون، فاتوا نبيهم شعيبا، فقالوا: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً، نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [٤] فملك عليهم طالوت، وكان من سبط يوسف ﷺ [٥]
стр. 18
وكان الملك في بيت يهوذا، وقد كان بقي في ذلك العصر من ولد عاد جالوت الجبار، فسار غازيا لبنى إسرائيل في جنوده، فجمع طالوت بنى إسرائيل، وخرج لمحاربته، فمروا بالنهر الذى نهاهم طالوت عن شربه، وشربوا منه الا ثلاثمائه رجل وسبعه عشر رجلا، عدد اهل بدر مع رسول الله ﵌.
وكان داود النبي حينئذ حدث السن، فلما تواقف الفريقان وضع داود ع حجرا في قذافه، ثم فتلها، ورماه، فصك بين عيني جالوت، فكانت نفسه فيه، وانهزم جنوده، وغنم بنو إسرائيل أموالهم، فاجتمع بنو إسرائيل عند ذلك على تمليك داود ﷺ ، وخلع طالوت برضى منه، وداود من سبط يهوذا بن يعقوب. قالوا: وكان ملك الروم في ذلك العصر دقينوس صاحب الفتيه اصحاب الكهف.
وذكر عن عبد الله بن الصامت، قال: وجهني ابو بكر الصديق رضى الله عنه [١] سنه استخلف الى ملك الروم، لادعوه الى الاسلام او آذنه بحرب، قال، فسرت حتى اتيت القسطنطينية، فاذن لنا عظيم الروم، فدخلنا عليه، فجلسنا، ولم نسلم، ثم سالنا عن أشياء من امر الاسلام، ثم صرفنا يومنا ذلك، ثم دعا بنا يوما آخر، ودعا خادما له، فكلمه بشيء، فانطلق، فأتاه بعتيده [٢] ، فيها بيوت كثيره، وعلى كل بيت باب صغير، ففتح بابا، فاستخرج خرقه سوداء، فيها صوره بيضاء، كهيئة رجل اجمل ما يكون من الناس وجها، مثل داره القمر ليله البدر، فقال: اتعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا أبونا آدم ع، ثم رده. وفتح بابا آخر، فاستخرج خرقه سوداء، فيها صوره بيضاء، كهيئة شيخ جميل الوجه، في وجهه تقطيب، كهيئة المحزون المهموم، فقال: اتدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا نوح، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج خرقه سوداء، فيها صوره بيضاء [٣] على صوره نبينا محمد ﵌، وعلى جميع الأنبياء،
стр. 19
فلما نظرنا اليه بكينا، فقال: ما لكم؟ فقلنا: هذه صوره نبينا محمد ﵌، فقال: ابدينكم، انها صورة نبيكم؟ قلنا: نعم، هي صوره نبينا، كانا نراه حيا، فطواها، وردها، وقال: اما انها آخر البيوت الا انى احببت ان اعلم ما عندكم، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه خرقه سوداء، فيها صوره بيضاء، اجمل ما يكون من الرجال، واشبههم بنبينا محمد ﵌، ثم قال: وهذا ابراهيم، ثم فتح بيتا آخر، فاستخرج صوره رجل آدم [١] ، كهيئة المحزون المفكر، ثم قال: هذا موسى بن عمران، ثم فتح بيتا آخر، فاستخرج صوره رجل، له ضفيرتان، كان وجهه داره القمر، ثم قال: وهذا داود، ثم فتح بيتا آخر، فاستخرج صوره رجل جميل على فرس، له جناحان، ثم قال: وهذا سليمان [٢] ، وهذه الريح تحمله، ثم فتح بيتا آخر، فاستخرج صوره شاب جميل الوجه، في يده عكازه، وعليه مدرعه [٣] صوف، ثم قال: وهذا عيسى، روح الله، وكلمته، ثم قال: ان هذه الصورة وقعت الى الاسكندر، فتوارثها الملوك من بعده حتى افضت الى.
قالوا: وان ذا الاذعار خرج في جنوده، يطلب بثار ابيه ذي جيشان الذى صار الى ارض فارس، فحارب كيخسرو، فقتل في المعركة، فمات ذو الاذعار في طريقه قبل ان يدرك ما اراد.
ملك بلقيس
فملكت اليمن عليهم الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن مالك بن الرائش، وكان الهدهاد يلقب بذى شرخ، فامر بجسم ذي الاذعار، فحمل، ورجع بقومه الى ارض اليمن، فامر به، فدفن بصنعاء [٤] في مقبره الملوك. قالوا: وان الهدهاد
стр. 20
تزوج ابنه ملك الجن بأرض اليمن، فولدت له بلقيس، وهذا حديث منتشر، قد حملته الرواه.
قالوا: فلما اتى لها ثلاثون سنه حضر الهدهاد الموت، فجمع وجوه حمير، فقال: يا قوم، انى قد عجمت الناس، واختبرت اهل الرأي والعقل، فلم أر مثل بلقيس، وانى قد وليتها امركم، لتقيم لكم الملك الى ان يبلغ ابن أخي ياسر ينعم بن عمرو، فرضوا بذلك، فملكت بلقيس.
ملك سليمان
وفي أول ملكها توفى داود، ع، وورث سليمان ملكه، وذلك كله في عصر كيخسرو بن سياوش، فلما ملك سليمان سار من ارض الشام الى ارض العراق باهله وخزائنه، فلحق بخراسان، فنزل مدينه بلخ [١] ، وكان هو الذى بناها قبل ذلك، واقبل سليمان حتى نزل العراق، فبلغ كيخسرو نزول سليمان بأرض العراق، وما اعطى من عظيم السلطان، فدخله فزع، واسف خامره، فنهكه، فلم يلبث الا قليلا حتى مات.
وان سليمان سار من العراق الى مرو [٢] ، ثم سار منها الى بلخ، ثم سار من بلخ الى بلاد الترك، فوغل فيها، وجاوزها الى بلاد الصين، ثم عطف متيامنا عن مطلع الشمس على ساحل البحر حتى اتى القندهار [٣] ، ثم سار منها الى كسكر [٤] ، ثم عاد الى الشام، فوافى تدمر، وكانت موطنه.
قالوا: ووجد في صخر بكسكر:
غدونا طلوع الشمس من ارض فارس ... فها نحن قد قلنا ببلده كسكر
стр. 21
ونحن ولا حول سوى حول ربنا ... نروح الى الأوطان من ارض تدمر [١]
وكان داود ع ابتدأ بناء مسجد بيت المقدس، فتوفى قبل استتمامه، فاستتمه سليمان، واتم بناء مدينه إيليا [٢] ، وقد كان أبوه ابتدأها قبله، فبنى مسجدها بناء لم ير الناس مثله، وكان يضيء في ظلمه الليل الحندس اضاءه السراج الزاهر، لكثرة ما كان جعل فيه من الجواهر والذهب، وجعل اليوم الذى فرغ فيه منه عيدا في كل سنه، فلم يكن في الارض عيد ابهى ولا اعظم خطرا منه، ولا احسن منظرا، فلم يزل المسجد على ما بناه سليمان حتى غزا بخت نصر بيت المقدس، فأخربها، ونقض المسجد، وأخذ ما كان فيه من الذهب والفضه والجوهر، فنقله الى العراق.
قالوا: وكان سليمان مطعاما للطعام، فكان يذبح في مطابخه كل غداه سته آلاف ثور، وعشرون الف شاه. قالوا: ولما فرغ سليمان من بناء مسجد إيليا [٣] تجهز سائرا الى تهامه [٤] ، يريد بيت الله الحرام، فطاف به، وكساه، وذبح عنده، واقام سبعا، ثم سار الى صنعاء، وتفقد الطير، فلم ير الهدهد، فكان من حديثه وحديث صاحبه سبا وهي بلقيس ما قد قصه الله ﵎ في كتابه [٥] ، الى ان تزوجها، وبنى بأرض اليمن ثلاثة حصون، لم ير الناس مثلها، وهي سلحين، وبينون، وغمدان، وانصرف سليمان الى الشام، فكان يزورها في كل شهر، فيقيم عندها ثلاثا.
وانه غزا بلاد المغرب: الاندلس، وطنجه، وفرنجه، وإفريقية، ونواحيها من ارض
стр. 22
بنى كنعان بن حام بن نوح، وعليهم ملك جبار عات، عظيم الملك، فدعاه الى الايمان بالله، وخلع الأنداد، فتمرد عليه، فقتله، وأصاب ابنه له من اجمل الناس، فتسراها، ووقعت منه موقعا لطيفا.
وقفل الى الشام، فامر بمقصوره، فبنيت لها، وأفردها فيها مع ظئورتها [١] وخدمها، وكان سليمان لا يدخل عليها الا وجدها باكيه حزينه، فكدر ذلك عليه حبه لها، وعجبه بها، وهي المرأة التي نال سليمان في امرها ما ناله من سلب ملكه، وزوال سلطانه وبهائه، حين اتخذت تلك المرأة تمثال أبيها في داره، وعبدته سرا من سليمان، الا ان اتخاذها التمثال كان عن علم من سليمان، واذن لها، اراد بذلك ان تسكن إذا نظرت اليه، فتتسلى.
ويقال: ان سليمان بنى في أقاصي بلاد المغرب مدينه من نحاس في مفاوز الاندلس، وأودعها خزائن من خزائنه، وان عبد الملك بن مروان كتب الى عامله على بلاد المغرب، موسى بن نصير وكان من أبناء العجم، غير ان ولاءه كان لقيس يأمره بالمسير الى هذه المدينة ليعلم له علم خبرها، ويكتب اليه، وان موسى بن نصير سار إليها، وانصرف راجعا حتى سار الى القيروان، وكتب بالخبر الى عبد الملك، يصف له المدينة، وما لقى في سفره إليها، وما رآه عند مصيره نحوها.
ارخبعم بن سليمان
قالوا: ولما توفى سليمان قام بالأمر بعده ارخبعم بن سليمان، فتفرقت بنو إسرائيل، ووهى امره، فمكث بذلك الى ان سار بخت نصر وهو بوخت نرسى عند العجم الى بيت المقدس، فهدمه.
انقسام امبراطوريه سليمان
قالوا: وقام باليمن بعد بلقيس ياسر ينعم بن عمر بن شرحبيل بن عمرو، وكان
стр. 23
ابن أخي الهدهاد، وانما سمى ياسر ينعم لانعامه على قومه. قالوا: وان ياسر ينعم تجهز غازيا لارض المغرب، حتى بلغ وادي الرمل، ولم يبلغه ملك قبله، فاراد ان يعبره، فلم يجد مجازا، لأنه رمل فيما زعموا، يجرى كما يجرى الماء، فعسكر على حافته، ونصب عليه صنما، وكتب على جبهته ليس ورائي مذهب، فانصرف، وانصرف الى بلاده.
هدم مدينه إيليا
قالوا: وان فارس لما مات سليمان بن داود اجتمع عظماؤها واشرافها ليختاروا رجلا من ولد كيقباذ الملك، فيملكوه عليهم، فوقعت خيرتهم على لهراسف بن كيميس بن كيابنه بن كيقباذ الملك، فملكوه عليهم، وان لهراسف عقد لابن عمه، بخت نصر بن كانجار بن كيابنه بن كيقباذ في اثنى عشر الف رجل من خيله، وامره ان ياتى الشام فيحارب ارخبعم بن سليمان، فان كان الظفر له قتل من قدر عليه من عظماء إسرائيل، وهدم مدينه إيليا، فسار بخت نصر حتى اتى الشام، فشن فيها الغارات، وعاث، فانهزم ملوك الشام منه، وهرب ارخبعم من بيت المقدس، فنزل فلسطين، فتوفى بها.
واقبل بخت نصر حتى ورد مدينه بيت المقدس، فدخلها لا يمتنع منه احد، فوضع في بنى إسرائيل السيف، وسبى أبناء الملوك والعظماء، وهدم مدينه إيليا، فلم يدع فيها بيتا قائما، ونقض المسجد، وحمل ما كان فيه من الذهب والفضه والجوهر، وحمل كرسي سليمان، وقفل راجعا الى العراق، وكان في السبى دانيال النبي ع، فسار حتى قدم على لهراسف الملك، وهو نازل بالسوس [١] ، فمات دانيال عنده بالسوس.
ملك العجم واليمن
قالوا: ولما حضر لهراسف الموت اسند الملك الى ابنه بشتاسف، وفي ذلك
стр. 24
العصر مات ياسر ينعم صاحب اليمن، وقام بالأمر بعده شمر بن افريقيس بن أبرهة بن الرائش، وهو الذى يزعمون انه اتى الصين وهدم مدينه سمرقند [١] ، فيزعمون ان وزير صاحب الصين مكر به، وذلك انه امر الملك ان يجدعه ويخلى سبيله، فسار الأجدع الى شمر، فاخبره انه نصح لصاحبه، يعنى ملك الصين، وامره بالنجوع [٢] لشمر، واعطائه الطاعة والاتاوه، فغضب عليه، وجدعه، وانه سار الى شمر ليدله على عوره صاحب الصين جزاء بما فعل به، فاغتر شمر بذلك، وساله عن الرأي، فقال: ان بينك وبينه مفازة، تقطع في ثلاثة ايام، ومأتاه منها قريب، فاحمل الماء لثلاثة ايام، وسر حتى افاجئه بك من كثب، فتستبيح بلده، وتأخذه سلما، واهله، وماله. ففعل، فسلك به مفازة لا ترام، فلما ساروا ثلاثة، ونفد الماء، ولم يروا علما، ولا انتهوا الى ماء، قالوا له: اين ما زعمت؟، فاعلمه انه مكر به، ووقى اهل بيته بنفسه، لأنه قد علم انه سيقتله، وقال قد اهلكتك، فاصنع ما أنت صانع، فما لك ولمن تبعك في الحياه [٣] مطمع.
فوضع شمر درعه [٤] تحت راسه، وترس [٥] حديد كان معه فوق راسه، يستكن به من الشمس.
قالوا: وقد كان المنجمون قالوا له، انك تموت بين جبلي حديد، فمات بين درعه وترسه عطشا، فلم يبق من جنوده احد الا هلك، وقد سمعنا نحن بهذا الحديث في غير قصه شمر.
стр. 25
زرادشت ودعوته
قالوا: وكان زراذشت صاحب المجوس اتى بشتاسف الملك، فقال: انى رسول الله إليك، وأتاه بالكتاب الذى في أيدي المجوس، فآمن له بشتاسف، ودان بدين المجوسية، وحمل عليه اهل مملكته، فأجابوه طوعا وكرها.
وكان رستم [١] الشديد عامله على سجستان [٢] وخراسان، وكان جبارا مديد القامة، شديد القوه، عظيم الجسم، وكان ينتمى الى كيقباذ الملك، ولما بلغه دخول بشتاسف في المجوسية، وتركه دين آبائه غضب من ذلك غضبا شديدا، وقال: ترك دين آبائنا الذى توارثوه آخرا عن أول، وصبا الى دين محدث.
ثم جمع اهل سجستان، فزين لهم خلع بشتاسف، وأظهروا عصيانه، فدعا بشتاسف ابنه اسفندياذ وكان أشد اهل عصره، فقال له: يا بنى، ان الملك مفض إليك وشيكا، ولا تصلح امورك كلها الا بقتل رستم، وقد عرفت شدته وقوته، وأنت نظيره في الشده والقوه، فانتخب من الجنود ما احببت، ثم سر اليه.
فانتخب اسفندياذ من جنود ابيه اثنى عشر الف رجل من ابطال العجم، وسار نحو رستم، وزحف اليه رستم، فالتقيا ما بين بلاد سجستان وخراسان، فدعاه اسفندياذ الى اعفاء الجيشين من القتال، وان يبرز كل واحد منهما لصاحبه، فأيهما قتل صاحبه استولى على اصحابه، فرضى رستم بذلك، وعاهده عليه،
стр. 26
وحالفه، فوقف العسكران، وخرج كل واحد منهما الى صاحبه، فاقتتلا بين الصفين، فيقول العجم في ذلك قولا كثيرا، الا ان رستم هو الذى قتل اسفندياذ، وانصرف جنوده الى ابيه بشتاسف، فاخبروه بمصاب ابنه اسفندياذ، فخامره حزن انهكه، فمرض من ذلك، فمات، واسند الملك الى ابن ابنه بهمن بن اسفندياذ.
قالوا: ولما رجع رستم الى مستقره من ارض سجستان لم يلبث ان هلك.
ملك اليمن
قالوا: وان اهل اليمن لما بلغهم مهلك شمر وجنوده بأرض الصين اجتمعوا، فملكوا عليهم أبا مالك بن شمر، وهو الذى ذكره الأعشى في قوله:
وخان النعيم أبا مالك ... واى امرئ صالح لم يخن
وهو الذى يزعمون انه هلك في طرف الظلمه [١] التي في ناحيه الشمال، فدفن على طرفها.
قالوا: وذلك، انه بلغه مسير ذي القرنين إليها، وانه اخرج منها جوهرا كثيرا، فتجهز يريد الدخول فيها، فقطع إليها ارض الروم، وجاوزها حتى انتهى الى طرف الظلمه، وتهيأ لاقتحامها، فمات قبل ان يدخلها، فدفن في طرفها، فانصرف من كان معه الى ارض اليمن.
ملك العجم، وخلاص بنى إسرائيل
قالوا: وملك بهمن بن اسفندياذ، فامر ببقايا ذلك السبى الذى سباهم بخت نصر من بنى إسرائيل، ان يردوا الى أوطانهم من ارض الشام، وقد كان تزوج قبل ان يفضى الملك اليه ابراخت بنت سامال بن ارخبعم بن سليمان بن داود، وملك روبيل أخا امراته ارض الشام، وامره ان يخرج معه من بقي من ذلك السبى، وان يعيد بناء إيليا، ويسكنهم فيه، كما لم يزالوا، ويرد كرسي سليمان،
стр. 27
فينصبه مكانه، فخرج روبيل بذلك السبى، حتى ورد بهم إيليا، واعاد بناءها، وبنى المسجد. وسار بهمن الى سجستان، وقتل من قدر عليه من ولد رستم واهل بيته، واخرب قريته.
قالوا: وقد كان بهمن دخل في دين بنى إسرائيل، فرفضه أخيرا، ورجع الى المجوسية، وتزوج ابنته خمانى وكانت اجمل اهل عصرها، فادركه الموت وهي حامل منه، فامر بالتاج فوضع على بطنها، واوعز الى عظماء اهل المملكة ان ينقادوا لأمرها حتى تضع ما في بطنها، فان كان غلاما أقروا الملك في يدها الى ان يشب ويدرك، ويبلغ ثلاثين سنه، فيسلم له الملك.
قالوا: وكان ساسان بن بهمن يومئذ رجلا ذا رواء وعقل وادب وفضل، وهو ابو ملوك الفرس من الاكاسره، ولذلك يقال لهم الساسانيه، فلم يشك الناس ان الملك يفضى اليه بعد ابيه، فلما جعل أبوه الملك لابنته خمانى انف من ذلك أنفا شديدا، فانطلق، فاقتنى غنما، وصار مع الأكراد في الجبل، يقوم عليها بنفسه، وفارق الحاضره غيظا من تقصير ابيه.
قالوا: فمن ثم يعير ولد ساسان الى اليوم برعي الغنم، فيقال ساسان الكردى، وساسان الراعى.
خمانى زوج بهمن
فملكت خمانى، فلما تم حملها وضعت غلاما، وهو دارا بن بهمن، ثم انها تجهزت غازية لارض الروم، فسارت حتى اوغلت في بلاد الروم، وخرج إليها ملك الروم في جنوده، فالتقوا، واقتتلوا، فكان الظفر لخمانى، فقتلت، واسرت، وغنمت، فقفلت وقد حملت معها بناءين من بنائى الروم، فبنوا لها بأرض فارس ثلاثة ايوانات [١] : أحدها وسط مدينه اصطخر [٢] ، والثانى على المدرجة
стр. 28
التي يسلك فيها من اصطخر الى خراسان، والثالث على طريق دارابجرد على فرسخين من اصطخر.
دارا بن بهمن
فلما اتى لابنها دارا ثلاثون سنه جمعت عظماء المملكة، ودعت بابنها دارا، فأقعدته على سرير الملك، وتوجته بالتاج، وولته الأمر.
ملك تبع بن ابى مالك
قالوا: ولما هلك ابو مالك بطرف الظلمه اجتمع اشراف اهل اليمن، فملكوا امرهم ابنه تبع الاقران وانما سمى لنجدته تبع الاقران، وقد قيل: بل هو تبع الاقرن. كل ذلك يقال.
فلما ملك تجهز يريد بلاد الصين طالبا بثار ابيه وجده، فسار إليها، فمر بسمرقند، وهي خراب، فامر ببنائها، فاعيد، ثم ركب المفازة حتى انتهى الى بلاد التبت [١] ، فراى مكانا واسعا ظاهر المياه مكتلئا، فابتنى هناك مدينه، فاسكن فيها ثلاثين الف رجل من اصحابه، فهم التبعيون، وزيهم الى اليوم زي العرب، وهيئتهم هيئة العرب، ثم سار الى ارض الصين، فقتل، واخرب مدينه الملك، فهى خراب الى اليوم، ثم قفل راجعا الى اليمن، وامتد ملكه، الى ان ملك الاسكندر، فخرج الملك عنه، فصار في المقاول. قالوا، وفي ذلك العصر نشا النضر بن كنانه.
دارا والروم
قالوا: وان دارا بن بهمن لما ملك تجهز غازيا الى ارض الروم، فسار حتى اوغل في ارضهم، فخرج اليه الفيلفوس ملك الروم في جنوده، فالتقوا،
стр. 29
فاقتتلوا، فكان الظفر لدارا، فصالحه الفيلفوس على اتاوه يؤديها اليه كل عام، وهي مائه الف بيضه ذهب، في كل بيضه اربعون مثقالا [١] ، وتزوج ابنته، ثم انصرف الى فارس.
ملك داريوش
فلما تم لدارا اثنتا عشره سنه في الملك حضرته الوفاة، فاسند الملك الى ابنه دارا بن دارا، وهو الذى يعرف بداريوش، مقارع الاسكندر، فلما افضى الملك الى دارا بن دارا تجبر، واستكبر، وطغى. وكانت نسخه كتبه الى عماله: من دارا بن دارا المضيء لأهل مملكته كالشمس الى فلان. وكان عظيم السلطان، كثير الجنود، لم يبق في عصره ملك من ملوك الارض الا بخع له بالطاعة، واتقاه بالاتاوه.
نشاه الاسكندر
ونشا الاسكندر، وقد اختلف العلماء في نسبه، فاما اهل فارس فيزعمون انه لم يكن ابن الفيلفوس، ولكن كان ابن ابنته، وان أباه دارا بن بهمن.
قالوا: وذلك ان دارا بن بهمن لما غزا ارض الروم صالح الفيلفوس ملك الروم على الاتاوه، فخطب اليه دارا ابنته، وحملها بعد تزويجها اياه الى وطنه، فلما اراد مباشرتها وجد منها ذفرا [٢] ، فعافها، وردها الى قيمه نسائه، وامرها ان تحتال لذلك الذفر، فعالجتها القيمه بحشيشه، تسمى السندر، فذهب عنها بعض تلك الرائحة، ودعا بها دارا، فوجد منها رائحه السندر، فقال: آل سندر.
اى ما أشد رائحه السندر، وآل، كلمه في لغة فارس يراد بها الشده، وواقعها، فعلقت منه، ونبا قلبه عنها لتلك الذفره التي كانت بها، فردها الى أبيها
стр. 30
الفيلفوس، فولدت الاسكندر، فاشتقت له اسما من اسم تلك العشبه التي عولجت بها، على ما سمعت دارا قاله ليله واقعها، فنشأ الاسكندر غلاما لبيبا أديبا ذهنا، فولاه جده الفيلفوس جميع امره لما راى من حزمه وضبطه ما راى. ولما حضر الفيلفوس الوفاة اسند الملك اليه، واوعز الى عظماء المملكة بالسمع والطاعة له.
غلبه الاسكندر
فلما ملك الاسكندر لم تكن له همه الا ملك ابيه دارا بن بهمن، فسار الى أخيه دارا بن دارا، فحاربه على الملك. واما علماء الروم فيأبون هذا، ويزعمون انه ابن الفيلفوس لصلبه، وانه لما مات الفيلفوس وافضى الملك الى الاسكندر امتنع على دارا بن دارا بتلك الضريبه التي كان يؤديها أبوه اليه.
فكتب اليه دارا بن دارا يأمره بحمل تلك الاتاوه، ويعلمه ما كان بين ابيه وبينه من الموادعة عليها، فكتب اليه الاسكندر ان الدجاجة التي كانت تبيض ذلك البيض ماتت. فغضب دارا من ذلك، وآلى ليغزون ارض الروم بنفسه حتى يخربها، فلم يحفل الاسكندر بذلك، ولم يعبأ به، وكان الاسكندر جبارا معجبا، وقد كان عتا في بدء امره عتوا شديدا، واستكبر.
وكان بأرض الروم رجل من بقايا الصالحين في ذلك العصر، حكيم فيلسوف، يسمى ارسطاطاليس، يوحد الله، ويؤمن به، ولا يشرك به شيئا، فلما بلغه عتو الاسكندر وفظاظته وسوء سيرته اقبل من أقاصي ارض الروم حتى انتهى الى مدينه الاسكندر، فدخل عليه، وعنده بطارقته [١] ، ورؤساء اهل مملكته، فمثل قائما بين يديه غير هائب له، فقال له: ايها الجبار العاتي، الا تخاف ربك الذى خلقك، فسواك وانعم عليك، ولا تعتبر بالجبابره الذين كانوا قبلك، كيف اهلكهم الله حين قل شكر هم، واشتد عتوهم ... ؟!. في موعظه طويله.
стр. 31
فلما سمع الاسكندر ذلك غضب عضبا شديدا، وهم به، ثم امر بحبسه ليجعله عظه لأهل مملكته. ثم ان الاسكندر راجع نفسه، وتدبر كلامه لما اراد الله به من الخير، فوقع منه في نفسه ما غير قلبه، فبعث اليه على خلاء، فاصغى اليه، واستمع لموعظته وامثاله وعبره، وعلم ان ما قال هو الحق، وان ما خلا الله من معبود باطل، فارعوى واستجاب للحق، وصح يقينه، فقال لذلك العابد: فانى اسالك ان تلزمنى، لاقتبس من علمك، واستضيء بنور معرفتك. فقال له: ان كنت تريد ذلك فاحسم اتباعك من الغشم والظلم وارتكاب المحارم.
فتقدم الاسكندر بذلك، واوعد فيه، وجمع اهل مملكته ورؤساء جنوده، فقال لهم: اعلموا انا انما كنا نعبد الى هذا اليوم أصناما، لم تكن تنفعنا ولا تضرنا. وانى آمركم، فلا تردوا على امرى، وارضى لكم ما ارضاه لنفسي، من عباده الله وحده لا شريك له، وخلع ما كنا نعبده من دونه، فقالوا باجمعهم: قد قبلنا قولك، وعلمنا ان ما قلت الحق، وآمنا بإلهك وإلهنا.
فلما صحت له نيات خاصته، واستقامت له طريقتهم، وطابقوه على الحق امر ان يعلن للعامه، انا قد امرنا بالأصنام التي كنتم تعبدونها ان تكسر، فان ظننتم انها تنفعكم او تضركم فلتدفع عن أنفسها ما يحل بها، واعلموا انه ليس لأحد عندي هواده في مخالفه امرى، وعباده غير الهى، وهو الإله الذى خلقنا جميعا. ثم امر بتفريق الكتب بذلك في شرق الارض، وغربها، ليعامل الناس على قدر القبول والآباء، فمضت رسله بكتبه بذلك الى ملوك الارض.
فلما انتهى كتابه الى دارا بن دارا غضب من ذلك غضبا شديدا، وكتب اليه: من دارا بن دارا المضيء لأهل مملكته كالشمس الى الاسكندر بن الفيلفوس، انه قد كان بيننا وبين الفيلفوس عهد ومهادنة على ضريبه، لم يزل يؤديها إلينا ايام حياته، فإذا أتاك كتابي هذا فلا اعلمن ما بطات بها، فاذيقك وبال امرك، ثم لا اقبل عذرك، والسلام.
стр. 32
دارا والاسكندر
فلما ورد كتابه على الاسكندر جمع اليه جنوده، وخرج متوجها نحو ارض العراق، وبلغ ذلك دارا بن دارا، فاحرز خزائنه وحرمه واولاده في حصن همذان، وكان من بنائه، ثم لقى الاسكندر جادا مستنفرا، فواقعه وقائع كثيره، لم يجد الاسكندر مطمعا فيه، ولا في شيء منها، ثم انه دس الى رجلين من اهل همذان، كانا من بطانته وخاصه حرسه، وارغبهما، فرغبا، وغدرا بدارا: اتياه من ورائه حين صاف الاسكندر في بعض ايامه، ففتكا به، وانفضت جموع دارا، واقبل الاسكندر حتى وقف على دارا صريعا، فنزل، فجعل راسه في حجره، وبه رمق، فجزع عليه، وقال: يا أخي، ان سلمت من مصرعك خليت بينك وبين ملكك، فاعهد الى بما احببت، أف لك به.
فقال دارا: اعتبر بي [١] ، كيف كنت أمس، وكيف انا اليوم، الست الذى كان يهابنى الملوك، ويذعنون لي بالطاعة، ويتقوننى بالاتاوه؟ وها انا ذا اليوم صريع فريد بعد الجنود الكثيره والسلطان العظيم.
فقال الاسكندر: ان المقادير لا تهاب ملكا لثروته، ولا تحقر فقيرا لفاقته، وانما الدنيا ظل يزول وشيكا، وينصرم سريعا.
قال دارا: قد علمت ان كل شيء بقضاء الله وقدره، وان كل شيء سواه فان، وانا موصيك لمن خلفت من اهلى وولدى، وسائلك ان تتزوج روشنك ابنتى، فقد كانت قره عيني وثمره قلبي.
فقال الاسكندر: انا فاعل ذلك، فأخبرني من فعل هذا بك، لانتقم منه.
فلم يحر في ذلك جوابا دارا، واعتقل لسانه بعد ذلك، ثم قضى، فامر الاسكندر بقاتليه، فصلبا على قبر دارا، فقالا: ايها الملك، الم تزعم انك ترفعنا على جنودك؟! قال: قد فعلت.
стр. 33
ثم امر بهما، فرجما حتى ماتا. ثم كتب الى أم دارا وامراته بالتعزية، وهما بمدينه همذان، وكتب الى أمه وهي بالإسكندرية ان تسير الى ارض بابل، فتجهز روشنك بنت دارا باحسن جهاز، وتوجهها اليه الى ارض فارس، ففعلت.
فتوح الاسكندر
ثم شخص الاسكندر نحو فؤر ملك الهند، فالتقيا على تخوم [١] ارض الهند، وان الاسكندر دعا فؤرا الى البراز، والا يقتل الجمعان، بعضهم بعضا بينهما، فاهتبلها [٢] منه فؤر، وكان رجلا مديدا عظيما ايدا قويا، فراى الاسكندر قليلا قضيفا [٣] ، وبرز اليه، فأجلى النقع عن فؤر قتيلا، واستسلم له جنوده، فقبل سلمهم.
وسار حتى دخل ارض السودان، فراى ناسا كالغربان، عراه، حفاه، يهيمون في الغياض، ويأكلون من الثمار، فان استنوا [٤] واجدبوا اكل بعضهم بعضا، فجاوزهم حتى انتهى الى البحر، فقطع الى ساحل عدن من ارض اليمن، فخرج اليه تبع الاقرن ملك اليمن، فاذعن له بالطاعة، واقر بالاتاوه، وادخله مدينه صنعاء، فانزله، والطف له [٥] من الطاف اليمن، فأقام شهرا.
الاسكندر في مكة
ثم سار الى تهامه، وسكان مكة يومئذ خزاعة، قد غلبوا عليها، فدخل عليه النضر بن كنانه، فقال له الاسكندر: ما بال هذا الحى من خزاعة نزولا بهذا
стр. 34
الحرم؟، ثم اخرج خزاعة عن مكة، واخلصه للنضر، ولبنى ابيه، وحج الاسكندر بيت الله الحرام، وفرق في ولد معد بن عدنان، القاطنين بالحرم، صلات وجوائز. ثم قطع البحر من جده يؤم بلاد المغرب.
الاسكندر في بلاد المغرب
وروى عن ابن عباس: ان نوحا ع قسم الارض بين ولده الثلاثة، فخص ساما بوسط الارض التي تسقيه الانهار الخمسة: الفرات، ودجلة، وسيحان، وجيحان، [١] ، وقيسون، وهو نهر بلخ، وجعل لحام ما وراء النيل الى منفح الدبور، وجعل ليافث ما وراء قيسون الى منفح الصبا.
وقالوا: الارض اربعه وعشرون الف فرسخ، فبلاد الاتراك من ذلك ثلاثة آلاف فرسخ، وارض الخزر [٢] ثلاثة آلاف فرسخ، وارض الصين ألفا فرسخ، وارض الهند والسند والحبشه وسائر السودان سته آلاف فرسخ، وارض الروم ثلاثة آلاف فرسخ، وارض الصقالبه ثلاثة آلاف فرسخ، وارض كنعان، وهي مصر، وما وراءها مثل إفريقية، وطنجه، وفرنجه، والاندلس ثلاثة آلاف فرسخ، وجزيرة العرب وما والاها الف فرسخ.
قالوا: وبلغ الاسكندر امر قنداقه ملكه المغرب، وسعه بلادها، وخصب أرضها وعظم ملكها، وان مدينتها اربعه فراسخ، وان طول الحجر الواحد من سور مدينتها ستون ذراعا. واخبر عن حال قنداقه وعقلها وحزمها، فكتب إليها: من الاسكندر بن الفيلفوس الملك المسلط على ملوك الارض الى قنداقه ملكه سمره، اما بعد، فقد بلغك ما أفاء الله على به من البلاد، وأعطاني من العد
стр. 35
والنصره، فان سمعت، واطعت، وآمنت بالله، وخلعت الأنداد التي تعبد من دون الله، وحملت الى وظيفه الخراج، قبلت منك وكففت عنك، وتنكبت أرضك، وان أبيت ذلك سرت إليك، ولا قوه الا بالله.
فكتبت اليه: ان الذى حملك على ما كتبت به فرط بغيك، وعجبك بنفسك، فإذا شئت ان تسير فسر، تذق غير ما ذقت من غيرى، والسلام.
فلما رجع جواب كتابه ارسل إليها بملك مصر، وكان في طاعته، ليدعوها الى الطاعة، وينذرها وبال المعصية، فسار إليها في مائه رجل من خاصته، فلم يجد عندها ما يحب، فرجع الى الاسكندر، فاعلمه، فتجهز الاسكندر إليها، ومضى في جنوده، حتى انتهى الى مدينه القيروان [١] وهي من مصر على شهر فافتتحها بالمجانيق [٢] ، ثم سار الى القنداقه، فكانت له ولها قصص وأنباء، فعاهدها على الموادعة والمسالمه، والا يطور بسلطانها وشيء مما في مملكتها. ثم سار من هناك قاصدا الظلمه التي في الشمال، حتى دخلها، فسار فيها ما شاء الله، ثم انكفأ راجعا حتى إذا صار في تخوم ارض الروم ابتنى هناك مدينتين، يقال لإحداهما، قافونية، وللأخرى سوريه.
الاسكندر وبلاد الشرق الأقصى
ثم هم بالاجتياز الى ارض المشرق، فقال له وزراؤه: كيف يمكنك الاجتياز الى مطلع الشمس من هذه الجهة، ودون ذلك البحر الأخضر، ولا تعمل فيه السفن، لان ماءه شبيه بالقيح، ولا يصبر على نتن ريحه احد؟ فقال: لا بد من المسير، ولو لم اسر الا وحدي. قالوا: نحن معك حيث سرت. فسار حتى قطع ارض الروم، يؤم مشرق الشمس، ثم جاوزهم
стр. 36
الى ارض الصقالبه، فأذعنوا له بالطاعة، فجازهم الى ارض الخزر، فأذعنوا له، فجازهم الى ارض الترك، فأذعنوا له، فسار في ارضهم حتى بلغ المفازة التي بينهم وبين بلاد الصين، فركبها، وسار، حتى إذا قرب من ارض الصين اجلس وزيرا له يقال له فيناوس في مجلسه، وامره ان يتسمى باسمه، وتسمى هو فيناوس، وقصد الملك حتى وصل اليه، فلما دخل عليه قال له: من أنت؟ قال: انا رسول الاسكندر، المسلط على ملوك الارض، قال: واين خلفته؟، قال: على تخوم أرضك، قال: وبماذا ارسلك؟، قال: أرسلني لانطلق بك اليه، فان اجبت اقرك في أرضك، واحسن حباءك [١] ، وان أبيت قتلك، واخرب أرضك، فان كنت جاهلا بما اقول، فسل عن دارا بن دارا ملك ايران شهر، هل كان في الارض ملك اعظم ملكا منه، واكثر جنودا، واقوى سلطانا، وكيف سار اليه، واغتصبه نفسه، وسلبه ملكه، وسل عن فؤر ملك الهند الى ما آل امره.
قال ملك الصين: يا فيناوس، انه قد بلغنى امر هذا الرجل، وما اعطى من النصر والظفر، وكنت على توجيه وفد اليه، اساله الموادعة، واصالحه على الهدنة، فابلغه، انى له على السمع والطاعة، وأداء الاتاوه في كل عام، فليست به حاجه الى دخول ارضى.
ثم بعث اليه بتاجه، وبهدايا من تحف ارضه، من السمور [٢] والقاقم، والخز، والحرير الصيني، والسيوف الهندية، والسروج الصينية، والمسك، والعنبر، وصحاف الذهب والفضه، والدروع، والسواعد، والبيض [٣] ، فقبض ذلك الاسكندر.
стр. 37
يأجوج وماجوج
وسار راجعا الى عسكره، وتنكب ارض الصين، وسار الى الامه التي قص الله جل ثناؤه قصتها ف قالُوا: يا ذَا الْقَرْنَيْنِ، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فكان من قصته وبنائه الردم ما قد اخبر الله به في كتابه [١] ، فسألهم عن اجناس تلك الأمم، فقالوا: نحن نسمى لك من بالقرب منا منهم، فاما ما سوى ذلك، فلا نعرفه، هم يأجوج وماجوج، وتاويل وتاريس، ومنسك وكمارى.
فلما فرغ من بناء السد بينهم وبين تلك الأمم رحل عنهم، فوقع الى أمه من الناس، حمر الألوان، صهب الشعور، رجالهم معتزلون عن نسائهم، لا يجتمعون الا ثلاثة ايام في كل عام، فمن اراد منهم التزويج، فإنما يتزوج في تلك الثلاثة الأيام، وإذا ولدت المرأة ذكرا، وفطمته دفعته الى ابيه في تلك الثلاثة الأيام، وان كانت أنثى حبستها عندها، فارتحل عنهم، وسار حتى صار الى فرغانه [٢] فراى قوما لهم اجسام وجمال، فأعطوه الطاعة، فسار من فرغانه الى سمرقند، فنزلها واقام شهرا، ثم رحل، فسلك على بخارى [٣] ، حتى انتهى الى النهر العظيم، فعبره في السفن الى مدينه آمويه، وهي آمل خراسان، ثم سلك المفازة حتى خرج الى ارض قد غلب عليها الماء، فصارت آجاما ومروجا، فامر بتلك المياه، فسدت عنها حتى جفت الارض، فابتنى هناك مدينه، واسكنها قطانا، وجعل لها رساتيق، وقرى، وحصونا، وسماها مر خانوس، وهي مدينه مرو [٤] ، وتسمى
стр. 38
أيضا ميلانوس، ثم اجتاز بنيسابور، وطوس حتى وافى الري [١] ، ولم تكن ايامئذ، وانما بنيت بعد ذلك في ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، ثم اجتاز من هناك على الجبل، وحلوان [٢] ، حتى وافى العراق، فنزل المدينة العتيقة التي تسمى طيسفون [٣] ، فأقام حولا، ثم سار يريد الشام حتى اتى بيت المقدس.
ملوك الطوائف
فلما اطمان بها، قال لمؤدبه ارسطاطاليس: انى قد وترت اهل الارض جميعا لقتلى ملوكهم، واحتوائى على بلدانهم وأخذي أموالهم، وقد خفت ان يتضافروا على اهل ارضى من بعدي، فيقتلونهم ويبيدونهم لحنقهم على، وقد رايت ان ارسل الى كل نبيه وشريف، ومن كان من اهل الرياسة في كل ارض، والى أبناء الملوك فاقتلهم.
فقال له مؤدبه: ليس ذاك راى اهل الورع والدين، مع انك ان قتلت أبناء الملوك واهل النباهة والرياسة كان الناس عليك، وعلى اهل أرضك أشد حنقا من بعدك، ولكن لو بعثت الى أبناء الملوك واهل النباهة فتجمعهم إليك، فتتوجهم بالتيجان، وتملك كل رجل منهم كوره [٤] واحده، وبلدا واحدا، فإنك تشغلهم بذلك، بتنافسهم في الملك، وحرص كل واحد على أخذ ما في
стр. 39
يدي صاحبه، عن اهلاك بلادك، فتلقى بأسهم بينهم، وتجعل شغلهم بانفسهم، فقبل الاسكندر ذلك منه، وفعله، وهم الذين يقال لهم ملوك الطوائف.
نهاية الاسكندر
ثم هلك الاسكندر ببيت المقدس، وقد ملك ثلاثين سنه، جال الارض منها أربعا وعشرين سنه، واقام بالإسكندرية في مبتدإ امره ثلاث سنين، وبالشام عند انصرافه ثلاث سنين، فجعل في تابوت من ذهب، وحمل الى الاسكندرية.
وبنى الاسكندر [١] اثنتى عشره مدينه، الإسكندرية بأرض مصر، ومدينه نجران بأرض العرب، ومدينه مرو بأرض خراسان، ومدينه جى بأرض أصبهان، ومدينه على شاطئ البحر تدعى صيدودا، ومدينه بأرض الهند تدعى جروين، ومدينه بأرض الصين تدعى قرنيه، وسائر ذلك بأرض الروم.
قالوا: ولما توفى الاسكندر حمى كل رجل من أولئك الذين ملكهم حيزه [٢] ، ودفعوا الحرب، فلم يكن يغلب احدهم صاحبه الا بالحكمه والآداب، يتراسلون بالمسائل، فان أصاب المسئول حمل اليه السائل، وان بغى احد منهم على الآخر، وانتقصه شيئا من حيزه أنكروا جميعا ذلك عليه، فان تمادى اجمعوا على حربه، فسموا بذلك ملوك الطوائف.
ملوك اليمن
وزعموا ان الملوك الأربعة [٣] ، الذين لعنهم النبي ص، ولعن أختهم ابضعه، لما هموا بنقل الحجر الأسود الى صنعاء ليقطعوا حج العرب عن البيت الحرام الى صنعاء، وتوجهوا لذلك الى مكة، فاجتمعت كنانه الى فهر بن مالك ابن النضر، فلقيهم، فقاتلهم، فقتل ابن لفهر، يسمى الحارثة، لم يعقب،
стр. 40
وقتل من الملوك الأربعة ثلاثة، واسر الرابع، فلم يزل مأسورا عند فهر بن مالك حتى مات.
واما ابضعه، فهى التي يقال لها العنقفير، ملكت بعد إخوتها باخبث سيره، كانت تتخير الرجال على عينها، فمن أعجبها دعته الى نفسها، فوقع بها، لا يقدر احد ان ينكر عليها، وانها ابصرت فتى من قيس، فأعجبها، فدعته الى نفسها، فوقع بها، فالقحها غلامين في بطن، فسمت أحدهما سهلا، والآخر عوفا، وفي ذلك يقول شاعر من شعراء قيس:
وذي تومه في اذنه وضفيرة ... وسيم جميل لا يخيل مخايله
إذا ما رأته قيلة حميرية ... تجر له حبل الشموس تهازله
قالوا: وكان ذو الشنائر ملك عنس ويحاير [١] ، وكان عظيم الملك، كثير الجنود، وكان ملكه على عمان، والبحرين، واليمامه، وسواحل البحر.
ملك اردوان بن اشه
قالوا: ولم يكن في ملوك الطوائف الذين كانوا بأرض العجم ملك اعظم ملكا، ولا اكثر جنودا من اردوان بن اشه بن اشغان ملك الجبل، كان اليه الماهان وهمذان، وماسبذان، ومهرجانقذق، وحلوان [٢] ، وسائر الملوك انما كان يكون الى الرجل منهم كوره واحده وبلد واحد. وكان الملك منهم إذا مات قام بالملك بعده ابنه او حميمه، وكان جميع ملوك الطوائف يقرون لاردوان ملك الجبل بفضله، لاختصاص الاسكندر اياه دونهم بفضل الملك، وكان مسكنه بمدينه نهاوند [٣] العتيقة.
قالوا: وفي ذلك العصر بعث المسيح عيسى بن مريم ع.