الفصل الأول الإيمان بالقدر من أصول الإيمان
الإيمان بالقدر من أصول الإيمان التي لا يتم إيمان العبد إلا بها، ففي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب في سؤال جبريل ﵇ الرسول ﷺ عن الإيمان قال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال (أي جبريل ﵇ : صدقت " (١) .
والنصوص المخبرة عن قدرة الله أو الآمرة بالإيمان بالقدر كثيرة، فمن ذلك قوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) [القمر: ٤٩] . وقوله: (وكان أمر الله قدراً مقدوراً) [الأحزاب: ٣٨] ، وقوله: (ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً) [الأنفال: ٤٢] . وقال: (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) [الفرقان: ٢] . وقال: (سبح اسم ربك الأعلى - الذي خلق فسوى - والذي قدر فهدى) [الأعلى: ١-٣] .
وروى مسلم في صحيحه عن طاووس قال: " أدركت ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر حتى العجزُ والكَيْس (٢) ، أو الكَيْس والعَجْز " (٣) .
وروى مسلم أيضاً عن أبي هريرة قال: " جاء مشركو قريش يخاصمون
стр. 2
رسول الله ﷺ في القدر، فنزلت: (يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر - إنا كل شيء خلقناه بقدر) [القمر: ٤٨: ٤٩] (١) .
والنصوص في ذلك كثيرة جداً فإن النصوص الدالة على علم الله وقدرته ومشيئته وخلقه تدل على قدره ﵎، فالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله ومشيئته وخلقه، كما سيأتي بيانه، وذكر النصوص الواردة في ذلك.
والقدر يدل بوضعه - كما يقول الراغب الأصفهاني فيما نقله عنه ابن حجر العسقلاني - على القدرة وعلى المقدور الكائن بالعلم (٢) .
فلله تعالى القدرة المطلقة، وقدرته لا يعجزها شيء، ومن أسمائه ﵎ القادر والقدير والمقتدر، والقدرة صفة من صفاته.
فالقادر اسم فاعل من قدر يقدر.
والقدير فعيل منه، وهو للمبالغة، ومعنى (القدير) الفاعل لما يشاء، على قدر ما تقتضيه الحكمة لا زائداً عليه، ولا ناقصاً عنه، ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله . قال تعالى: (إنه على كل شيء قدير) [الأحقاف: ٣٣] .
و (المقتدر) مفتعل من اقتدر، وهو أبلغ من (قدير) ومنه قوله: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) [القمر: ٥٥] .
وقد سئل الإمام أحمد - رحمة الله تعالى - عن القدر: فقال: " القدر قدرة الله " (٣) .
стр. 3
قال ابن القيم: " وقال الإمام أحمد: القدرُ قدرة الله. واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جداً، وقال: هذا يدل على دقة أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين، وهو كما قال أبو الوفا، فإن إنكاره إنكار لقدرة الرب على خلق أفعال العباد وكتابتها وتقديرها " وقد صاغ ابن القيم هذا المعنى شعراً فقال:
فحقيقة القدر الذي حار الورى ××× في شأنه هو قدرة الرحمن
واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد ××× لما حكاه عن الرضا الربان
له قال الإمام شفى القلوب بلفظةٍ ××× ذات اختصار وهي ذات بيان
ولذا فإن الذين يكذبون بالقدر لا يثبتون قدرة الله تعالى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " مَنْ لم يقل بقول السلف فإنه لا يُثبِت لله قدرة، ولا يثبته قادراً كالجهمية ومن اتبعهم، والمعتزلة المجبرة والنافية: حقيقة قولهم أنه ليس قادراً، وليس له الملك، فإن المُلك إما أن يكون هو القدرة، أو المقدور، أو كلاهما، وعلى كل تقدير فلا بدَّ من القدرة، فمن لم يثبت له قدرة حقيقية لم يثبت له ملكاً " (١) .
والذين كذبوا بالقدر لم يوحدوا الله ، فإن نفاة القدر " يقولون: خالق الخير غير خالق الشر، ويقول من كان منهم في ملتنا: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وربما قالوا: ولا يعلمها أيضاً، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقعة بغير قدرته ولا صنعه، فيجحدون مشيئته النافذة، وقدرته الشاملة، ولهذا قال ابن عباس: القدر نظام التوحيد، فمن وحدَّ الله وآمن بالقدر تمَّ توحيده، ومن وَحَّدَ الله وكذَّب
стр. 4
بالقدر نقض تكذيبُه توحيدَه " (١) .
وقد تقاطر أهل العلم على تقرير القدر والنصِّ على وجوب الإيمان به، وما من عالم من علماء أهل السنة الذين هم أعلام الهدى وأنوار الدجا إلا وقد نصَّ على وجوب الإيمان به، وبدَّع وسفَّه من أنكره وردَّه.
يقول النووي رحمه الله تعالى في شرحه لأحاديث القدر من صحيح مسلم: " وفي هذه الأحاديث كلها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنة في إثبات القدر، وأن جميع الواقعات بقضاء الله وقدره خيرها وشرها نفعها وضرها " (٢) .
وقال في موضع آخر: " تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله " (٣) .
ويقول ابن حجر رحمه الله تعالى: " مذهب السلف قاطبة أن الأمور كلَّها بتقدير الله تعالى، كما قال تعالى: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) [الحجر: ٢١] (٤) .
стр. 5
الفصل الثاني نظرة في تاريخ القدر
الإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان، وقد بيَّن هذا الكتاب والسنة مفهوم القدر، وبين الرسول ﷺ أن العمل والأخذ بالأسباب هو من القدر ولا ينافيه ولا يناقضه، وحذر أمته من الذين يكذبون بالقدر، أو يعارضون به الشرع.
وغضب الرسول ﷺ غضباً شديداً عندما خرج على أصحابه يوماً وهم يتنازعون في القدر، حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فُقئ في وجنتيه الرمان، فقال: " أبهذا أمرتم، أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه " (١) .
واستجاب الصحابة رضوان الله عليهم لعزيمة نبيهم وتوجيهه، فلم يُعرف عن أحد منهم أنه نازع في القدر في حياة الرسول ﷺ أو بعد وفاته.
ولم يَردْ إلينا أن واحداً من المسلمين نازع في القدر في عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان، وكل ما ورد إلينا أن أبا عبيدة عامر بن الجراح اعترض على رجوع عمر بالناس عن دخول الشام عندما انتشر بها الطاعون، وقال لعمر بن الخطاب: " يا أمير المؤمنين أفراراً من قدرة الله "؟
стр. 6
فقال عمر: " لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت إن كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان: إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدرة الله " (١) .
وروى اللالكائي أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية (من أرض الشام) فقال في خطبته: " من يضلل الله فلا هادي له ". وكان الجثاليق (٢) بين يديه، فقال: إن الله لا يضل أحداً، وعندما كررها عمر بن الخطاب نفض الجثاليق ثوبه ينكر قول عمر.
فقال له عمر بعد أن تُرجم له كلامه: " كذبت يا عدو الله خلقك الله، والله يضلك، ثم يميتك، فيدخلك النار إن شاء الله ... إن الله خلق الخلق، وقال: حين خلق آدم نثر ذريته في يده، وكتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون، ثم قال: "هؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه " فتفرق الناس وما يختلف في القدر اثنان " (٣) .
وأول من تكلم بالقدر رجل من أهل البصرة كان يعمل بقالاً يقال له سَنْسَويه، قال الأوزاعي: " أول من نطق في القدر رجل من العراق يقال له سوسن، كان نصرانياً فأسلم، ثم تنصَّر، فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان عن معبد " (٤) .
وقال يونس بن عبيد: " أدركت البصرة وما بها قدري إلا سَنْسَويه ومعبد
стр. 7
الجهني، وآخر ملعون في بني عوافة " (١) .
وروى مسلم في صحيحه عن بُرَيْده بن يحيى بن يعمر قال: " كان أول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهني " وذكر بريدة في حديثه أن معبداً ومن معه يزعمون " أن لا قدر، وأن الأمر أنف " (٢) .
وقد أثار الصحابة الأحياء في ذلك الوقت كعبد الله بن عمر وابن عباس وواثلة بن الأصقع، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وأنس بن مالك حرباً على أصحاب هذه المقالة (٣) . ثم أخذ هذا المذهب عن معبد رؤوس الاعتزال وأئمته كواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وغيلان الدمشقي.
فأما واصل بن عطاء رأس الاعتزال، فقد زعم أن الشر لا يجوز إضافته إلى الله، لأن الله حكيم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم شيئاً، ثم يجازيهم عليه.
وقرر في مقالته: أن العبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو المجازى على فعله، والربُّ تعالى أقدره على ذلك كله (٤) .
وذهب النظام من المعتزلة إلى أن الله لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وليست هي مقدورة لله (٥) .
стр. 8
وهذه الفرقة هي التي أطلق عليها علماؤنا: اسم القدرية. " وسموا بذلك لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه، وهؤلاء مع ضلالتهم يضيفون هذا الاسم إلى مخالفيهم من أهل الهدى، فيقولون: أنتم القدرية حين تجعلون الأشياء جارية بقدر من الله، وإنكم أولى بهذا الاسم منا " (١) .
وقد ذكر النووي في شرحه على صحيح مسلم: " أن بعض القدرية قال: لسنا بقدرية، بل أنتم القدرية، لاعتقادكم إثبات القدر.
قال ابن قتيبة والإمام (يريد الإمام الجويني) : " هذا تمويه من هؤلاء الجهلة ومباهته وتواقح، فإن أهل الحق يفوضون أمورهم إلى الله ، ويضيفون القدر والأفعال إلى الله ، وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم، ومُدَّعي الشيء لنفسه، ومضيفه إليها أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره، وينفيه عن نفسه " (٢) .
وقد صح أن الرسول ﷺ سمى القدرية مجوس هذه الأمة، والحديث أخرجه أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه على الصحيحين، وقال: صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر (٣) .
والسبب في تسمية هذه الفوالنهي
رقة بمجوس هذه الأمة " مضاهاة مذهبهم المجوس في قولهم بالأصلين: النور والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثَنَوِيَّة، وكذلك القدرية يضيفون
стр. 9
الخير إلى الله تعالى، والشر إلى غيره، والله خالق الخير والشر جميعاً، لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته، فهما مضافان إليه خلقاً وإيجاداً، وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلاً واكتساباً " (١)(٢) .
ونشأ في آخر عهد بني أمية أقوام يزعمون أن العبد مجبور على فعله، ليس له خيار فيما يأخذ أو يدع، وبعضهم يثبت للعبد قدرة غير مؤثرة، وأول من ظهر عنه هذا القول هو الجهم بن صفوان، وتفرع عن هذه البدعة أقوال شنيعة، وضلال كبير (٣) .
وقد انتشر هذا القول في الأمة الإسلامية وتقلده كثير من العباد والزهاد والمتصوفة، وإذا كان الفريق الأول أشبه المجوس فإن هذا الفريق أشبه المشركين الذين قالوا: (لو شاء الله ما أشركنا ولا ءابآؤنا ولا حرمنا من شيء) . [الأنعام: ١٤٨] .
وهذا الفريق شرٌّ من الفريق الأول، لأن الأولين عظموا الأمر والنهي، وأخرجوا أفعال العباد عن تكون خلقاً لله، وهذا الفريق أثبت القدر، واحتج به على إبطال الأمر والنهي (٤)(٥) .
стр. 10
الفصل الثالث التعريف بالقضاء والقدر
المبحث الأول
التعريف بالقدر
" القدر مصدر، تقول: قَدَرت الشيء بتخفيف الدال وفتحها أقْدِره بالكسر والفتح قَدْراً وقَدَراً، إذا أحطت بمقداره " (١) .
والقدر في اللغة " القضاء والحكم ومبلغ الشيء، والتقدير التروية والتفكر في تسوية الأمر " (٢) .
والقدر في الاصطلاح: " ما سبق به العلم، وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد، وأنه قدَّر مقادير الخلائق، وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها " (٣) .
وقال ابن حجر في تعريفه: " المراد أنّ الله - تعالى - علم مقادير الأشياء
стр. 11
وأزمانها قبل إيجادها، ثمّ أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته " (١) .
ونقل السفاريني عن الأشعرية أن " القدر إيجاد الله - تعالى - الأشياء على قدر مخصوص، وتقدير معين في ذواتها وأحوالها طبق ما سبق به العلم وجرى به القلم " (٢) .
وهذه التعريفات متقاربة فيما بينها، وهي تفيد أن القدر يشمل أمرين:
الأول: علم الله الأزلي الذي حكم فيه بوجود ما شاء أن يوجده، وحدد صفات المخلوقات التي يريد إيجادها، وقد كتب كل ذلك في اللوح المحفوظ بكلماته، فالأرض والسماء أحجامهما وأبعادهما وطريقة تكوينهما وما بينهما وما فيهما كل ذلك مدون علمه في اللوح المحفوظ تدويناً دقيقاً وافياً.
والثاني: إيجاد ما قدر الله إيجاده على النحو الذي سبق علمه وجرى به قلمه، فيأتي الواقع المشهود مطابقاً للعلم السابق المكتوب.
والقدر يطلق ويراد به التقدير السابق لما في علم الله، ويطلق ويراد ما خلقه وأوجده على النحو الذي علمه.
وسئل الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - عن القدر فأجاب شعراً قائلاً:
فما شئتَ كان وإن لم أشأ ××× وما شئتُ إن تشأ لم يكنْ
خلقتَ العباد على ما علمتَ ××× ففي العلم يجري الفتى والمُسِنْ
стр. 12
على ذا مننتَ وهذا خذلتَ ×××× وهذا أعنتَ وهذا لم تُعِنْ
فمنهم شقي ومنهم سعيد ××× ومنهم قبيح ومنهم حَسَنْ (١)
стр. 13
التعريف بالقضاء
" القضاء: الفصل والحكم. وقد تكرر في أحاديث الرسول ﷺ ذكر (القضاء) وأصله القطع والفصل. يُقال: قضى يقضي قضاء فهو قاضٍ، إذا حكم وفصل. وقضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق.
وقال الزهري: القضاء في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقضاء الشيء وتمامه، وكل ما أُحكم عمله، أو أُتمَّ، أو أُدِّى، أو أُوجب، أو عُلم، أو نُفِّذ، أو أُمضى، فقد قضي، وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الأحاديث (١) .
وللعلماء في التفرقة بين القضاء والقدر قولان:
الأول: القضاء هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل، والقدر وقوع الخلق على وزن الأمر المقضي السابق. يقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: " قال العلماء القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزيئات ذلك الحكم وتفاصيله " (٢) . وقال في موضع آخر: " القضاء الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر الحكم بوقوع الجزيئات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل " (٣) .
стр. 14
الثاني: عكس القول السابق، فالقدر هو الحكم السابق، والقضاء هو الخلق.
قال ابن بطال: " القضاء هو المقضي " (١) ومراده بالمقضي المخلوق، وهذا هو قول الخطابي، فقد قال في معالم السنن: " القدر اسم لما صار مُقدَّراً عن فعل القادر، كالهدم والنشر والقبض: أسماء لما صدر من فِعل الهادم والناشر والقابض.
والقضاء في هذا معناه الخلق، كقوله تعالى: (فقضاهن سبع سماوات في يومين) [فصلت: ١٢] أي خلقهن " (٢) .
وبناء على هذا القول يكون " القضاء من الله تعالى أخص من القدر، لأنّه الفصل بين التقديرين، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع " (٣) .
ويدل لصحة هذا القول نصوص كثيرة من كتاب الله، قال تعالى: (وكان أمراً مقضياً) [مريم: ٢١] ، وقال: (كان على ربك حتماً مقضياً) [مريم: ٧١] . وقال: (وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) [البقرة: ١١٧] .
فالقضاء والقدر - بناء على هذا القول - أمران متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه " (٤) .
стр. 15
أركان الإيمان بالقدر
الإيمان بالقدر يقوم على أربعة أركان، من أقرَّ بها جميعاً فإن إيمانه بالقدر يكون مكتملاً، ومن انتقص واحداً منها أو أكثر فقد اختل إيمانه بالقدر، وهذه الأركان الأربعة هي:
الأول: الإيمان بعلم الله الشامل المحيط.
الثاني: الإيمان بكتابة الله في اللوح المحفوظ لكل ما هو كائن إلى يوم القيامة.
الثالث: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته التامة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
الرابع: خلقه ﵎ لكل موجود، لا شريك لله في خلقه.
وسنتناول هذه الأصول الأربعة بشيء من التفصيل.
الركن الأول
الإيمان بعلم الله الشامل
وقد كثر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ تقرير هذا الأصل العظيم، فعلم الله محيط بكل شيء، يعلم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف
стр. 16
يكون، ويعلم الموجود والمعدوم، والممكن والمستحيل.
وهو عالم بالعباد وآجالهم وأرزاقهم وأحوالهم وحركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم، ومن منهم من أهل الجنة، ومن منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم، ويخلق السماوات والأرض.
وكل ذلك مقتضى اتصافه ﵎ بالعلم، ومقتضى كونه ﵎ هو العليم الخبير السميع البصير.
قال تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة) [الحشر: ٢٢] وقال: (لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما) [الطلاق: ١٢] . وقال: (عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر) [سبأ: ٣] . وقال: (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) [النحل: ١٢٥] . وقال: (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم) [النجم: ٣٢] .
وقال الحق مقرراً علمه بما لم يكن لو كان كيف سيكون (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) [الأنعام: ٢٨] ، فالله يعلم أن هؤلاء المكذبين الذين يتمنون في يوم القيامة الرجعة إلى الدنيا أنهم لو عادوا إليها لرجعوا إلى تكذيبهم وضلالهم.
وقال في الكفار الذين لا يطيقون سماع الهدى: (ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون) [الأنفال: ٢٣] .
ومن علمه ﵎ بما هو كائن علمه بما كان الأطفال الذين توفوا صغاراً عاملين لو أنهم كبروا قبل مماتهم.
стр. 17
روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: " سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين " (١) .
وروى مسلم عن عائشة أم المؤمنين قالت: توفى صبي، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة.
فقال رسول الله ﷺ : " أولا تدرين أن الله خلق الجنة والنار، فخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً ".
وفي رواية عند مسلم أيضاً عن عائشة قالت: " دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبي لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه.
قال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم " (٢) .
وهذه الأحاديث تتحدث عن علم الله في من مات صغيراً، لا أن هؤلاء يدخلهم الله النار بعلمه فيهم من غير أن يعملوا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في قوله ﷺ في أبناء المشركين: " الله أعلم بما كانوا عاملين " " أي يعلم من يؤمن منهم ومن يكفر لو بلغوا، ثم إنه جاء في حديث إسناده مقارب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إذا كان يوم القيامة فإن الله يمتحنهم، ويبعث إليهم رسولاً في عرصة القيامة، فمن أجابه أدخله الجنة، ومن عصاه أدخله
стр. 18
النار " فهنالك يظهر فيهم ما علمه الله سبحانه، ويجزيهم على ما ظهر من العلم، وهو إيمانهم وكفرهم، لا على مجرد العلم " (١) .
الأدلة العقلية على أن الله علم مقادير الخلائق قبل خلقهم:
والحق أن وجود هذا الكون، ووجود كل مخلوق فيه يدلَُ دلالة واضحة على أن الله علم به قبل خلقه، " فإنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل، لأن إيجاده الأشياء بإرادته، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد هو العلم بالمراد، فكان الإيجاد مستلزماً للإرادة، والإرادة مستلزمة للعلم، فالإيجاد مستلزم للعلم " (٢) .
وأيضاً فإن " المخلوقات فيها من الأحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل لها، لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم " (٣) .
واستدل العلماء على علمه ﵎ بقياس الأولى: " فالمخلوقات فيها ما هو عالم، والعلم صفة كمال، ويمتنع أن لا يكون الخالق عالماً ".
والاستدلال بهذا الدليل له صيغتان:
أحدهما: أن يقال: نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق، وأن الواجب أكمل من الممكن، ونعلم ضرورة أنا لو فرضنا شيئين:
أحدهما عالم والآخر غير عالم، كان العالم أكمل، فلو لم يكن الخالق عالماً لزم أن يكون الممكن أكمل منه، وهو ممتنع.
стр. 19
الثاني: كل علم في المخلوقات فهو من الله ﵎، ومن الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عارياً منه، بل هو أحق به، ذلك أن كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق أحق به، وكلَُ نقص تنزه عنه مخلوق ما، فتنزه الخالق عنه أولى " (١) .
وكل هذه الأدلة يمكنك أن تلمحها في قوله تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) [الملك: ١٤] .
ويستدل على علمه ﵎ بإخباره بالأشياء والأحداث قبل وقوعها وحدوثها، فقد أخبر الحق في كتبه السابقة عن بعثة رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وصفاته وأخلاقه وعلاماته، كما أخبر عن الكثير من صفات أمته، وأخبر في محكم كتابه أن الروم سينتصرون في بضع سنين على الفُرس المجوس، ووقع الأمر كما أخبر، والإخبار عن المغيبات المستقبلة كثير في الكتاب والسنة.
الركن الثاني
الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء
دلت النصوص من الكتاب والسنة على أن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، ففي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال:
стр. 20
وعرشه على الماء " (١) .
ورواه الترمذي بلفظ: " قدرَّ الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " (٢) .
وفي سنن الترمذي أيضاً عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان، وما هو كائن إلى الأبد ".
قال أبو عيسى الترمذي: وهذا حديث غريب من هذا الوجه (٣) .
واللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير الخلائق سماه القرآن بالكتاب، وبالكتاب المبين، وبالإمام المبين وبأم الكتاب، والكتاب المسطور. قال تعالى: (بل هو قرءان مجيد - في لوح محفوظ) [البروج: ٢١-٢٢] . وقال: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب) [الحج: ٧٠] وقال: (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) [يسن: ١٢] . وقال: (والطور - وكتاب مسطور - في رق منشور) [الطور: ١-٣] . وقال: (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلى حكيم) [الزخرف: ٤] .
стр. 21
الركن الثالث
الإيمان بمشيئة الله الشاملة وقدرته النافذة
وهذا الأصل يقضي بالإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حركة ولا سكون في السماوات ولا في الأرض إلا بمشيئته، فلا يكون في ملكه إلا ما يريد.
والنصوص المصرحة بهذا الأصل المقررة له كثيرة وافرة، قال تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) [التكوير: ٢٩] ، وقال: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) [الأنعام: ١١١] ، وقال: (ولو شاء ربك ما فعلوه) [الأنعام: ١١٢] ، وقال: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) [يسن: ٣٦] ، وقال: (من يشاء الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) [الأنعام: ٣٩] .
ومشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة يجتمعان فيما كان وما سيكون، ويفترقان فيما لم يكن ولا هو كائن.
فما شاء الله تعالى كونه فهو كائن بقدرته لا محالة، وما لم يشأ الله تعالى إياه لا يكن لعدم مشيئة الله تعالى ليس لعدم قدرته عليه، قال تعالى: (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) [البقرة: ٢٥٣] ، وقال: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) [المائدة: ٤٨] ، وقال: (ولو شاء الله لجمعكم على الهدى) [الأنعام: ٣٥] ، وقال: (ولو شاء الله ما أشركوا) [الأنعام: ١٠٧] ، وقال: (ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم
стр. 22
جميعاً) [يونس: ٩٩] ، وقال: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً) [الفرقان: ٤٥] ، والآيات في هذا كثيرة تدل على عدم وجود ما لم يشأ وجوده لعدم مشيئته ذلك، لا لعدم قدرته عليه، فإنه على كل شيء قدير ﵎.
الركن الرابع
الإيمان بأن الله خالق كلّ شيء
قررت النصوص أن الله خالق كل شيء، فهو الذي خلق الخلق وكوَّنهم وأوجدهم، فهو الخالق وما سواه مربوب مخلوق (الله خالق كل شيء) [الزمر: ٦٢] ، (بلى وهو الخلاق العليم) [يسن: ٨١] ، (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور) [الأنعام: ١] ، (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً) [النساء: ١] ، (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كلٌ في فلك يسبحون) [الأنبياء: ٣٣] ، والنصوص في هذا كثيرة طيبة.
стр. 23
أفعال العباد مخلوقة مقدرة
لا يخرج العباد وأفعالهم عن غيرها من المخلوقات، فقد علم الله ما سيخلقه من عباده، وعلم ما هم فاعلون، وكتب كل ذلك في اللوح المحفوظ، وخلقهم الله كما شاء، ومضى قدر الله فيهم، فعملوا على النحو الذي شاءه فيهم، وهدى مَن كتب الله له السعادة، وأضل مَن كتب عليه الشقاوة، وعلم أهلَ الجنة ويسرهم لعمل أهلها، وعلم أهلَ النار ويسرهم لعمل أهلها.
والنصوص التي سقناها فيما سبق تكفي في الدلالة على هذا الذي قررناه هنا، ومع ذلك فهناك نصوص كثيرة أخرى أصرح في الدلالة في هذه المسألة.
قال تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) [الصافات: ٩٦] ، وقال: (وكل شيء فعلوه في الزبر) [الصافات: ٥٢] ، وقال: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يُعمًّر من مُّعمَّر ولا يُنقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير) [فاطر: ١١] . وقال: (من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون) [الأعراف: ١٧٨] ، وقال: (إنّ ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) [النحل: ١٢٥] .
وجاءت أحاديث كثيرة تواتر معناها على أن رب العباد علم ما العباد عاملون، وقدّر ذلك وقضاه وفرغ منه، وعلم ما سيصير إليه العباد من
стр. 24
السعادة والشقاء، وأخبرت مع ذلك كله أن القدر لا يمنع من العمل، " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ".
وسنورد هنا بعض النصوص الدالة على ذلك.
النصوص الدالة على تقدير الله أفعال العباد
١- الأحاديث الدالة على أن أعمال العباد جفَّت بها الأقلام وجرت بها المقادير:
روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول الله، بيّن لنا ديننا كأنّا خلقنا الآن، فيما العمل اليوم؟ أفيما جَفَّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: " لا، بل فيما جفَّت به الأقلام وجرت بها المقادير ".
قال: ففيم العمل؟
فقال: " اعملوا فكلٌّ ميسر " وفي رواية: " كل عامل ميسَّر لعمله " (١) .
وروى الترمذي في سننه أن عمر بن الخطاب قال للرسول ﷺ : " يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه، أمر مبتدع أو مبتدأ، أو فيما فرغ منه؟
فقال: فيما فرغ منه يا ابن الخطاب، وكلٌّ ميسَّر، أمّا من كان من أهل السعادة فإنّه يعمل للسعادة، وأمّا من كان من أهل الشقاء فإنّه يعمل للشقاء ".
стр. 25
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١) .
٢- علم الله بأهل الجنة وأهل النار:
وروى البخاري عن عمران بن حصين قال: قال رجل: يا رسول الله، " أَيُعْرف أهل الجنة من أهل النار؟
فقال: نعم.
قال: فلم يعملون؟ قال: كلٌّ يعمل لما خلق له، أو يسر له ".
وروى مسلم في صحيحه عن علي قال: " كنا في جنازة في بقيع الغرقد (٢) . فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مِخْصَرةٌ (٣) . فنكّس (٤) . فجعل ينكث بمخصرته (٥) ، ثم قال: " ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، وإلا قد كتبت شقيّه أو سعيدة ".
قال: فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا، وندع العمل؟ فقال: " من كان من أهل السعادة، فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة ". فقال (٦) : " اعملوا فكل ميسر، أمّا أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأمّا أهل
стр. 26
الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ". ثم قرأ: (فأما من أعطى واتقى - وصدق بالحسنى - فسنيسره لليسرى - وأما من بخل واستغنى - وكذب بالحسنى - فسنيسره للعسرى) [الليل: ٥-١٠] " (١) .
٣- استخراج ذرية آدم من ظهره بعد خلقه وقسمهم إلى فريقين: أهل الجنة وأهل النار:
وأخبرنا رسولنا ﷺ أن الله مسح ظهر آدم بعد خلقه له، واستخرج ذريته من ظهره أمثال الذر، واستخرج منهم أهل الجنة وأهل النار.
روى مالك والترمذي وأبو داود عن مسلم بن يسار قال: سئل عمر بن الخطاب ﵁ عن هذه الآية: (وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنا عن هذا غافلين) [الأعراف: ١٧٢] .
قال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عنها فقال: " إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون ".
فقال رجل: ففيم العمل يا رسول الله؟
فقال رسول الله ﷺ : " إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله الله الجنة.
стр. 27
وإذا خلق الله العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله الله النار " (١) .
وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح إلى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفه - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قُبُلاً قال: (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنا عن هذا غافلين - أو تقولوا إنما أشرك ءاباؤنا ذرية من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون) [الأعراف: ١٧٢ -١٧٣] (٢) .
وروى أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: " خلق الله آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى، فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كَفِّه اليسرى: إلى النار ولا أبالي " (٣) .
وبين الرسول ﷺ في حديث آخر " أنَّ الله خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل " فلذلك أقول جفَّ القلم على علم الله.
رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو وقال فيه: هذا حديث حسن (٤) .
стр. 28
٤- كتابة الله لأهل الجنة وأهل النار:
وروى الترمذي في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: " خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان: فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ فقلنا: لا يا رسول الله، إلا أن تخبرنا.
فقال للذي في يده اليمنى: هذا الكتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثمَّ أُجمل آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً.
ثمَّ قال للذي في شماله: هذا كتاب من ربِّ العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثمَّ أُجمل على أخرهم (١) ، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً.
فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان الأمر قد فرغ منه؟
فقال: سدِّدوا وقاربوا (٢) ، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل. وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل.
ثم قال رسول الله ﷺ بيديه فنبذهما. ثم قال: فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير ".
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح (٣) .
стр. 29
٥- التقدير في ليلة القدر والتقدير اليومي:
بينا من قبل أن الله قدَّر مقادير عباده قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ودلّ الكتاب والسنة على أن هناك تقديران تقدير حولي وتقدير يومي، فأما التقدير الحولي ففي ليلة القدر، ففيها يكتب من أم الكتاب ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر، وما يقوم به العباد من أعمال ونحو ذلك، قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين - فيها يفرق كل أمر حكيم - أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين) [الدخان: ٣-٥] .
أما التقدير اليومي فهو سوق المقادير إلى المواقيت التي قدرت لها فيما سبق، قال تعالى: (يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن) [الرحمن: ٢٩]
روى ابن جرير عن منيب بن عبد الله عن أبيه قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية، فقلنا: يا رسول الله، وما ذاك الشأن؟ قال: أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين.
وجملة أقوال المفسرين في الآية " أن الله من شأنه في كل يوم أن يحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ويعز قوماً ويذل قوماً، ويشفي مريضاً، ويفك عانياً، ويفرج مكروباً، ويجيب داعياً، ويعطي سائلاً، ويغفر ذنباً، إلى مالا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه " (١) .
стр. 30
٦- كتابة ما قدر للإنسان وهو جنين في رحم أمه:
ورد في الأحاديث أن الله يرسل ملكاً للجنين في رحم أمه فيكتب رزقه وأجله وشقاءَه وسعادته، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن عبد الله (هو ابن مسعود) قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: " إن أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.
فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها " (١) .
وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: " وكل الله بالرحم ملكاً، فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة. فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب ذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل، فيكتب كل ذلك في بطن أمه " (٢) .
وروى الترمذي في سننه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟
стр. 31
قال: يوفقه لعمل صالح قبل أن يموت ".
قال: الترمذي هذا حديث حسن صحيح (١) .
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ قال: " إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له بعمل أهل الجنة " (٢) .
وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ قال: " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة " (٣) .
ومما يحسن أن يساق في هذا الباب لما فيه من العبرة، قصة الذي أخبر الرسول ﷺ أنه من أهل النار، ففي صحيح البخاري عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن رجلاً من أعظم المسلمين غناءً في غزوة غزاها مع النبي ﷺ ، فنظر النبي ﷺ فقال: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار، فلينظر إلى هذا.
فاتبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشدِّ الناس على المشركين، حتى جُرح فاستعجل الموت، فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه، حتى خرج من بين كتفيه.
فأقبل الرجل إلى الرسول مسرعاً: فقال: أشهد أنك رسول الله.
стр. 32
فقال: وما ذاك؟
قال: قلت لفلان من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه، وكان من أعظمنا غناء عن المسلمين، فعرفت أنه لا يموت على ذلك، فلما جرح استعجل الموت فقتل نفسه.
فقال النبي ﷺ عند ذلك: " إن العبد ليعمل عمل أهل النار، وإنه من أهل الجنة. ويعمل عمل أهل الجنة، وإنه من أهل النار، وإنما الأعمال بالخواتيم " (١) .
стр. 33
الفصل الرابع حدود نظر العقل في القدر
يقول أبو المُظَفَّر السمْعَاني فيما حكاه عنه ابن حجر العسقلاني: " سبيل المعرفة في هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس والعقل، فمن عدل عن التوقيف فيه ضلَّ وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء العين، ولا ما يطمئن به القلب، لأن القدر سِرٌّ من أسرار الله تعالى، اختص العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب " (١) .
ويقول الطحاوي رحمه الله تعالى: " وأصل القدر سرّ الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة، فإن الله طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى: (لا يُسْأل عما يفعل وهم يسألون) [الأنبياء: ٢٣] " (٢) .
وقال الآجُرِّيُّ: " لا يحسن بالمسلمين التنقير والبحث في القدر، لأن القدر سر من أسرار الله ، بل الإيمان بما جرت به المقادير من
стр. 34
خير أو شر واجب على العباد أن يؤمنوا به، ثم لا يأمن العبد أن يبحث عن القدر فيكذب بمقادير الله الجارية على العباد، فيضل عن طريق الحق " (١) .
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: " من السنة اللازمة: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها، لا يقال: لِمَ؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها.
ومن لم يعرف تفسير الحديث، ولم يبلغه عقله، فقد كفى ذلك، وأحكم له، فعليه الإيمان به، والتسليم له، مثل حديث الصادق المصدوق، وما كان مثله في القدر " (٢) .
وقال علي بن المديني مثل قول الإمام أحمد في القدر (٣) .
وهذا الذي قرره أهل العلم في القدر يضع لنا عدَّة قواعد في غاية الأهمية:
الأولى: وجوب الإيمان بالقدر.
الثانية: الاعتماد في معرفة القدر وحدوده وأبعاده على الكتاب والسنة، وترك الاعتماد في ذلك على نظر العقول ومحض القياس. فالعقل الإنساني لا يستطيع بنفسه أن يضع المعالم والركائز التي تنقذه في هذا الباب من الانحراف والضلال، والذين خاضوا في هذه المسألة بعقولهم ضلوا وتاهوا فمنهم من كذَّب بالقدر، ومنهم من ظن أن الإيمان بالقدر يُلزم القول
стр. 35
بالجبر، ومنهم من ناقض الشرع بالقدر، وكل انحراف من هذه الانحرافات سبب مشكلات في واقع البشر وحياتهم ومجتمعاتهم، فالانحراف العقائدي يسبب انحرافاً في السلوك وواقع الحياة.
الثالثة: ترك التعمق في البحث في القدر، فبعض جوانبه لا يمكن للعقل الإنساني مهما كان نبوغه أن يستوعبها، وبعضها الآخر لا يستوعبها إلا بصعوبة كبيرة.
قد يقال: أليس في هذا المنهج حجر عل العقل الإنساني؟ والجواب أن هذا ليس بحجر على الفكر الإنساني، بل هو صيانة لهذا العقل من أن تتبدد قواه في غير المجال الذي تحسن التفكير فيه، إنه صيانة للعقل الإنساني من العمل في غير المجال الذي يحسنه ويبدع فيه.
إن الإسلام وضع بين يدي الإنسان معالم الإيمان بالقدر، فالإيمان بالقدر يقوم على أن الله علم كلَّ ما هو كائن وكتبه وشاءَه وخلقه، واستيعاب العقل الإنساني لهذه الحقائق سهل ميسور، ليس فيه صعوبة، ولا غموض وتعقيد.
أما البحث في سر القدر والغوص في أعماقه فإنه يبدد الطاقة العقلية ويهدرها، إنّ البحث في كيفية العلم والكتابة والمشيئة والخلق، بحث في كيفية صفات الله، وكيف تعمل هذه الصفات، وهذا أمر محجوب علمه عن البشر، وهو غيب يجب الإيمان به، ولا يجوز السؤال عن كنهه، والباحث فيه كالباحث عن كيفية استواء الله على عرشه، يقال له: هذه الصفات التي يقوم عليها القدر معناها معلوم، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عن كيفيتها بدعة.
стр. 36
إن السؤال عن الكيفية هو الذي أتعب الباحثين في القدر، وجعل البحث فيه من أعقد الأمور وأصعبها، وأظهر أن الإيمان به صعب المنال، وهو سبب الحيرة التي وقع فيها كثير من الباحثين.
ولذا فقد نصَّ جمع من أهل العلم على المساحة المحذورة التي لا يجوز دخولها في باب القدر، وقد سقنا قريباً مقالة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى التي يقول فيها: " من السَّنة اللازمة الإيمان بالقدر خيره وشره والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها، لا يقال: لِمَ؟ ولا كيف؟ " (١) .
لقد خاض الباحثون في القدر في كيفية خلق الله لأفعال العباد مع كون هذه الأفعال صادرة عن الإنسان حقيقة، وبحثوا عن كيفية علم الله بما العباد عاملون، وكيف يكلف عباده بالعمل مع أنه يعلم ما سيعملون، ويعلم مصيرهم إلى الجنة أو النار.
وضرب الباحثون في هذا كتاب الله بعضه ببعض، وتاهوا وحاروا ولم يصلوا إلى شاطئ السلامة، وقد حذر الرسول ﷺ أمته من أن تسلك هذا المسار وتضرب في هذه البيداء، ففي سنن الترمذي بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: " خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان، فقال: أبهذا أمرتم، أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه " (٢) .
стр. 37
مدى إدراك العقل للعلل والأوامر والأفعال وما فيها من حسن وقبح:
ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف إلى أن لأوامر الله ومخلوقاته عللاً وحِكماً، فإنه لا يأمر إلا لحكمة، ولا يخلق إلا لحكمة.
وبعض هذه الحِكم تعود إلى العباد، وبعضها يعود إلى الله تعالى، فما يعود إلى العباد هو ما فيه خيرهم وصلاحهم في العاجل والآجل، وما يعود إلى الله تعالى هو محبته أن يُعبد ويطاع ويتاب إليه ويُرجى ويُخاف منه ويتوكل عليه ويُجاهد في سبيله، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات: ٥٦] ، وقال: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) [القيامة: ٣٦] وقال: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [الأنبياء: ١٠٧] ، وقال: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون) [المؤمنون: ١١٥] .
والنصوص الدالة على أن لله حِكماً في خلقه وأمره كثيرة وافرة، يصعب حصرها، والعقول البشرية تستطيع أن تدرك شيئاً من هذه الحكم.
وذهب جمهور أهل العلم أيضاً إلى أن العقل يستطيع أن يدرك ما في الأفعال من حسن وقبح، فالعقول تدرك أن الظلم والكذب والسرقة وقتل النفوس قبيح، وأن العدل والصدق وإصلاح ذات البين وإنقاذ الغرقى حسن وجميل.
والحكم الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع:
الأول: أن يكون الفعل مشتملاً على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يَرِدْ الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم
стр. 38
يشتمل على فسادهم، فهذا النوع حسن وقبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع حسن ذلك وقبحه، لكن لا يلزم في العقول أن الإنسان معاقب على فعل القبيح من هذا النوع في الآخرة إن لم يرد الشرع بذلك، ومن ادعى أن الله يمكن أن يعاقب العباد على أفعالهم القبيحة من الشرك والكفر ونحو ذلك من غير إرسال رسول فقد أخطأ.
الثاني: إذا أمر الشارع بشيء صار حسناً، وإذا نهى عن شيء صار قبيحاً، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشرع.
الثالث: أن يأمر الشارع بشيء امتحاناً واختباراً كما أمر الله إبراهيم بأن يذبح ولده إسماعيل. فالشارع ليس له قصد في ذبح الابن، ولكنه الابتلاء والاختبار.
والمعتزلة أقرت بالنوع الأول دون الثاني والثالث. والأشعرية ذهبت إلى أن جميع الأوامر والنواهي الشرعية هي من قسم الامتحان، والأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع، وأما الحكماء وجمهور أهل العلم فأثبتوا الأقسام الثلاثة (١) .
وهذا الذي عليه جمهور أهل السنة من أفعال الله معللة وأن العقل بإمكانه أن يدرك ما في الأفعال من حسن وقبح، يفتح الباب أما العقول الإنسانية لتبحث في الحِكَم الباهرة التي خلق الله من أجلها المخلوقات، وشرع من أجلها ما شرعه من أحكام، وهو باب كبير، يحصل العباد منه على علم عظيم، يثبت الإيمان، ويزيد اليقين، ويُعِّرف العباد بإبداع الخالق
стр. 39
العظيم (الذي أحسن كل شيء خلقه) [السجدة: ٧] ، وكيف لا يكون الأمر كذلك وقد وعد الحق ﵎ أن يُرِى عباده من آياته العظيمة ما يظهر صدق ما جاء به الرسول، وأنزله في الكتاب (سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبن لهم أنه الحق) [فصلت: ٥٣] .
وقد جاءت النصوص آمرة بالتدبر والتأمل والنظر في آياته المنزلة، وآياته المخلوقة المبدعة (أفلا يتدبرون القرآن) [محمد: ٢٤] (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض) [يونس: ١٠١] (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت) [الغاشية: ١٧] (فلينظر الإنسان إلى طعامه - أنا صببنا الماء صباً - ثم شققنا الأرض شقاً) [عبس: ٢٤ - ٢٦] .
стр. 40
الفصل الخامس المذاهب في القدر
صار المسلمون في القدر عدة مذاهب نبينها في المباحث التالية:
المبحث الأول
مذهب المكذبين بالقدر
ذهب بعض الضالين في هذا الباب إلى نفي القدر، وزعموا أن الله - تعالى عمَّا يقولون - لا يعلم بالأشياء قبل حصولها، ولم يتقدم علمه بها، وقالوا: إنما يعلم الله بالموجودات بعد خلقها وإيجادها.
وزعم هؤلاء كذباً وزوراً أن الله إذا أمر العباد ونهاهم لا يعلم من يطيعه منهم ممن يعصيه، ولا يعلم من يدخل الجنة ممن يدخل النار، حتى إذا استجاب العباد لشرعه أو رفضوا - علم السعداء منهم والأشقياء، ويرفض هؤلاء الضلال الإيمان بعلم الله المتقدم، كما يكذبون بأن الله كتب مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض، كما ثبت في الكتاب والسنة.
وقد نشأ القول بهذا في آخر عهد الصحابة، فأول من قال به معبد الجهني، ثم تقلد عنه هذا المذهب الفاسد رؤوس المعتزلة وأئمتهم كواصل بن عطاء الغزال، وعمرو بين عبيد، ورويت عنهم ف هذا أقوال