← Сира

Сира · id 9768

أعلام النبوة للماوردي

الماوردي

Полный текст (232 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمات التحقيق] مقدمة الناشر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الملك الديان الواحد الأحد الذي ليس له في ملكه ثان، المنزه عن حلول الأمكنة ومرور الزمان الذي اصطفى نبيه محمدا ﷺ وزين به الأكوان وجعل وجودها لوجوده فلولاه ما يكون حادث ولا كان وفرض محبته على جميع خلقه وجعلها شرطا في صحة الإيمان فلا يؤمن أحد حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من النفس والآباء والبنون. نحمده تعالى ونشكره على ما له علينا من صنوف الإحسان ونستعينه ونستغفره من كلّ ذنب عملناه من عمد أو خطأ أو نسيان ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، شهادة يسمو بها قائلها فلا يعاتب يوم العتاب، ونشهد أن سيدنا محمدا حبيبه ومصطفاه خير نبي أرسله سيد ولد آدم وأشرف بني عدنان صلى الله عليه وعلى اله واصحابه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، فها نحن عزيزي القارىء نقدم إليك الكتاب الثاني من كتب الإمام أبي علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري «أعلام النبوة» بعدما قدمنا إليك سابقا كتابه أدب الدنيا والدين آملين أن نكون في الطريق الذي آلينا على أنفسنا

стр. 2

أن نسلكه في خدمة الشرع الحنيف ومحبة الرسول العظيم ﷺ وتقديم كتب التراث التي تركها لنا خير السلف زادا ومعينا للمعرفة ودليلا مرشدا في محاولة فهمنا لشرائع ديننا وسيرة نبينا، آملين أن نكون عند حسن ظنك عزيزي القارىء فيما قدمنا حاصلين على رضى الله ورضوانه هو نعم المولى ونعم النصير. دار ومكتبة الهلال.

стр. 3

تقديم [من سعيد محمد اللحام] الماوردي: ولد أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري سنة ٣٦٤ للهجرة وتوفي سنة ٤٥٠ للهجرة أي أنه عاش في فترة إزدهار الثقافة الإسلامية وفي أرقى عصور الدولة العباسية. ولد في البصرة وإليها نسب وأخذ عن شيوخها وعلمائها ثم رحل إلى بغداد وأخذ عن أئمة العلم الذين عايشهم فيها. والماوردي من فقهاء الشافعية المعدودين وعلم من أعلامها كما كان من رجال السياسة والأدب والفكر يميزه عن سواه وضوح أسلوبه ولغته وكثرة تآليفه في الفروع المختلفة للثقافة. مشايخه: لقد سمع الماوردي الحديث عن جماعة من شيوخ البصرة كان أبرزهم: محمد بن عدي بن زحر المقري. الحسن بن علي بن محمد الجبلي. جعفر بن محمد بن الفضل البغدادي. محمد بن المعلى الأسدي. الفضل بن الحباب الجمحي.

стр. 4

كما أخذ الفقة عن عدد من المشايخ كان أشهرهم: أبو القاسم عبد الواحد بن محمد الصميري القاضي. وفي بغداد أخذ الفقه عن الشيخ أحمد بن أبي طاهر الإسفرايني، كما أخذ عن الكثيرين سواهم في مختلف العلوم الإسلامية والعربية وإن كانت كتب التاريخ لم توصل إلينا أسماء أساتذته في هذه العلوم لأن أرفع العلوم شأنا هو الفقه والحديث إنما ينضح في أسطر وصفحات كتبه ما ارتوى به في علوم الأدب واللغة والفلسفة مما يوضح لنا بما لا يقبل الشك بأنه قد اضطلع بهذه العلوم كأهلها، كيف لا والعصر الذي عاش فيه كان عصر العلوم الموسوعية والعلماء الموسوعيون الذين لا يعتبر واحدهم عالما حتى يتبحر في كل أنواع العلوم والفنون التي عرفها عصره، والماوردي لا يمكن أن يختلف في هذا عن سائر علماء عصره، وكما ذكرنا فإن كتبه التي وصلت إلينا وإن لم تصلنا كلها فهي تثبت لنا أنه اغترف منها ما سمح له حظه وعمره وسعيه إليها أن يغترف. حياته: تولى الماوردي القضاء في أكثر من بلد وقد ذكر ياقوت الحموي في معجمه أنه تولى القضاء في «أستوا» وهي حسب قوله كورة من نواحي نيسابور تضم ثلاثا وتسعين قرية ومركزها مدينة خيبوشان. اختير سفيرا بين قادة الدولة العباسية وآل بويه بين سنة ٣٨١ هـ. و٤٢٢ هـ في عهد الخليفة القادر بالله. طلب جلال الدولة بن بويه في سنة ٤٢٩ هجرية من الخليفة أن يضيف إلى ألقابه لقب ملك الملوك «شاهنشاه» وهو اللقب الذي كان يحمله ملوك الفرس المجوس قبل الفتح الإسلامي فاختلف فقهاء بغداد في جواز التلقب بهذا اللقب فمنهم من وافق مسايرة لبني بويه ومنهم مسايرة للخليفة ومنهم من تحرج من الأمر وخاف من ذوي السلطان فلم يقل بهذا الأمر بنفي أو إيجاب، أما الماوردي فقد أفتاها صريحة بأنه لا يجوز وتخلى عن صداقته ومودته لجلال الدولة

стр. 5

فأرسل إليه وقال له: «أنا أتحقق أنك لو حابيت أحدا لحابيتني لما بيني وبينك وما حملك إلّا الدين، فزاد بذلك محلك عندي» . وقد تنقل الماوردي بين كثير من البلاد ثم انتهى به المطاف في بغداد فعلم بها الفقه والحديث وتفسير القرآن والأصول والفروع والآداب. مؤلفاته: لقد ألف الماوردي في كثير من أبواب العلوم لكن ما وصل إلينا منها هو إثني عشر كتابا لا غير ما لم تكشف الأبحاث الحديثة عن المخطوطات عن كتب سواها ما تزال غارقة خلف أبواب المكتبات الخاصة، أما الكتب التي وصلت إلينا فهي: ١- كتاب «النكت والعيون» غير مطبوع، ونسخه الموجودة والمعروضة هي: أ- نسخة جامع القرويين بفاس في المغرب. ب- نسخة مكتبة قليج علي في اسطنبول. ج- نسخة مكتبة كوبريلي. د- نسخة مكتبة رمبول في الهند. ٢- كتاب «الحاوي الكبير» : وهو موسوعة في عشرين جزءا وكلها في فقه الشافعية، لكن أجزاءه المختلفة ما زالت مخطوطة ومتفرقة بين المكتبات المنتشرة في الشرق والغرب وتعمل الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية على لمّ شعثه إن بشراء هذه الأجزاء المخطوطة أو بتصويرها حيث وجدت. وتسمية المؤلف لهذا الكتاب بكتاب «الحاوي الكبير» يعني للقارىء وجود كتاب آخر له في نفس الموضوع يسمى «الحاوي الصغير» ولعله الإسم الأصلي أو الإسم الأول لكتاب آخر سنتحدث عنه هو كتاب «الإقناع» . لقد قدر المؤلف عدد أوراق كتاب الحاوي الكبير بأربعة آلاف ورقة وهو كتاب في فقه الشافعية يتعرض لكل مسائل الفقه الإسلامي.

стр. 6

٣- كتاب «الإقناع» : وهو مختصر كتاب «الحاوي الكبير» ولكنه كتاب صغير جدا لا يزيد على الأربعين ورقة وقد قدمه إلى الخليفة القادر بالله الذي قدره وأثنى عليه، وقد قال ياقوت في كتابه «إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب» : «قرأت في مجموع لبعض أهل البصرة: تقدم القادر بالله إلى أربعة من أئمة المسلمين في أيامه في المذاهب الأربعة أن يصنف له كل واحد منهم مختصرا على مذهبه، فصنف له الماوردي «الإقناع» ، وصنف له أبو الحسين القدوري مختصره المعروف على مذهب أبي حنيفة، وصنف له أبو محمد عبد الوهاب بن محمد بن نصر المالكي مختصرا آخر، ولا أدري من صنف له على مذهب أحمد وعرضت عليه، فخرج الخادم إلى أقضى القضاة الماوردي وقال له: حفظ الله عليك دينك كما حفظت علينا ديننا» . وقد روى أيضا ياقوت عن نفس المجموع المذكور آنفا قول صاحب المجموع عن الماوردي: «كان أقضى القضاة ﵀ قد سلك طريقة في ذوي الأرحام: يورث القريب والبعيد بالسوية، وهو مذهب لبعض المتقدمين، فجاءه يوما الشّينيزي في أصحاب القماقم، فصعد إليه المسجد، وصلّى ركعتين، والتفت إليه فقال له: أيها الشيخ اتبع ولا تبتدع. فقال: بل أجتهد ولا أقلد، فلبس نعله وانصرف» . ٤- كتاب «أعلام النبوة» : وتوجد نسخته المخطوطة في دار الكتب المصرية تحت رقم ٦ ش علم الكلام. ٥- كتاب «أدب القاضي» : غير مطبوع وتوجد نسخته المخطوطة في مكتبة السليمانية في اسطنبول. ٦- كتاب «الأحكام السلطانية» : وهو أشبه بدستور لدولة إذ يضم بين صفحاته أسس قيام الدولة وشروط استحقاق الخلافة وصفات الخليفة وسلطات هذا الخليفة التي يتصرف من خلالها والأمور التي يحق له أن يتصرف بها، كما يتحدث عن الوزارة والقضاء والعقوبات والحدود والحسبة والجزية وكل تفريعاتها مع أصولها في الدين. والماوردي على ما يبدو أول من ابتكر هذا الموضوع وجعله مادة لكتاب إذ

стр. 7

لم يسبقه أحد بجعل شؤون الدولة موضوعا لتأليف مستقل. إن المرجح أن الماوردي خلال جمعه وإعداده لكتاب الحاوي الكبير وهو الكتاب الذي سبق أن ذكرناه وذكرنا أنه في فقه الشافعية قد وجد أن هذه المادة يمكن أن تستقل في كتاب خاص بها رغم وجودها مبثوثة في مختلف كتب الفقه وأجزاء موسوعته «الحاوي الكبير» . لقد تحدث المستشرقين عن أبي الحسن الماوردي كثيرا وخصوصا عن كتابه هذا الذي اعتبروه نظرية الماوردي في الخلافة الإسلامية» . ٧- كتاب «تسهيل النظر وتعجيل الظفر» : وهو كسابقه كتاب في السياسة والحكومة وما زال مخطوطا لم يطبع. ٨- كتاب «نصيحة الملوك» : وهو كتاب سياسي آخر ما زال غير مطبوع ومن نسخه المخطوطة المعروفة نسخة مكتبة باريس. ٩- كتاب «قوانين الوزارة وسياسة الملك» : وقد طبع في «دار العصور» في مصر سنة ١٩٢٩ ميلادية وأسماه الناشر أدب الوزير وهو أيضا كتاب في علم السياسة والاجتماع وهو من كتب الماوردي التي ترجمت إلى عدد من اللغات الأوروبية وخصوصا الألمانية والفرنسية بعد أن ترجمت أصلا في الفترات السابقة إلى اللغة اللاتينية وكانت مرجعا في علم السياسة والاجتماع وأصول الحكم وعلاقة الحاكم بالمحكومين. ١٠- كتاب «الأمثال والحكم» : وقد جمع فيه ثلاثمائة حديث وثلاثمائة حكمة وثلاثمائة بيت في الشعر وقسمها على عشرة فصول. ونسخته المخطوطة موجودة في مكتبة مدينة ليدن. ١١- كتاب «البغية العليا في أدب الدين والدنيا» : وهو الكتاب الذي عرف باسم «أدب الدنيا والدين» وهو ما بين أيدينا. ١٢- كتاب «في النحو» : لم نقع له على نسخة مخطوطة وإنما عرفناه من خلال معجم ياقوت الحموي الذي ذكره في ترجمته للمؤلف إذ قال: «وله تصانيف حسان في كل فن منها: كتاب في النحو، رأيته في حجم الإيضاح أو أكبر» .

стр. 8

قالوا عنه: الخطيب البغدادي: كان الخطيب البغدادي أحمد بن علي بن ثابت من تلامذة الماوردي وقد قال عنه في كتابه تاريخ بغداد: «علي بن محمد بن حبيب أبو الحسن البصري المعروف بالماوردي كان من وجوه الفقهاء الشافعيين، وله تصانيف عدة في أصول الفقه وفروعه، وفي غير ذلك» . جعل إليه ولاية القضاء ببلدان كثيرة. سكن ببغداد في درب الزعفران وحدث بها عن الحسن بن علي بن محمد الجبلي، وصاحب أبي خليفة الجمحي وعن محمد بن عدي بن زحر المقري، ومحمد بن المعلى الأسدي وجعفر بن محمد بن الفضل البغدادي، كتبت عنه وكان ثقة. مات في يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول في سنة خمسين وأربعمائة ودفن في الغد في مقبرة باب حرب وصليت عليه في جامع المدينة وكان قد بلغ ستا وثمانين سنة» . ابن الصلاح: جاء في «طبقات الشافعية الكبرى» لتاج الدين السبكي قول ابن الصلاح عنه: «هذا الماوردي، عفا الله عنه، يتهم بالاعتزال، وقد كنت لا أتحقق ذلك عليه، وأتأوّل له، وأعتذر عنه في كونه يورد في تفسيره، في الآيات التي يختلف فيها أهل التفسير، تفسير أهل السنة، وتفسير المعتزلة، غير معترض لبيان ما هو الحق منها، وأقول: لعل قصده إيراد كل ما قيل من حق وباطل، ولهذا يورد من أقوال «المشبّهة» أشياء، مثل هذا الإيراد، حتى وجدته يختار في بعض المواضع قول المعتزلة، وما بنوه على أصولهم الفاسدة. وتفسيره عظيم الضرر، لكونه مشحونا بتأويلات أهل الباطل، تلبيسا وتدسيسا، على وجه لا يفطن له غير أهل العلم والتحقيق، مع أنه تأليف رجل لا يتظاهر بالانتساب إلى المعتزلة، بل يجتهد في كتمان موافقتهم فيما هو لهم فيه موافق. ثم هو ليس معتزليا مطلقا، فإنه لا يوافقهم في جميع أصولهم، مثل خلق القرآن، كما دل

стр. 9

عليه تفسيره، في قوله : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ. وغير ذلك، ويوافقهم في القدر، وهي البلية التي غلبت على البصريين، وعيبوا بها قديما» . أبو إسحاق الشيرازي: ويقول الشيرازي وهو من علماء وفقهاء الشافعية الأجلاء عن الماوردي: «درس بالبصرة وبغداد سنين كثيرة في الفقه والتفسير وأصول الفقه والأدب وكان حافظا للمذهب» . ابن خلكان: يقول ابن خلكان في «وفيات الأعيان» عن الماوردي: «كان من وجوه الفقهاء الشافعية وكبارهم، وكان حافظا للمذهب، وله فيه كتاب «الحاوي» الذي لم يطالعه أحد إلّا شهد له بالتبحر والمعرفة التامة بالمذهب» . تاج الدين السبكي: ويقول تاج الدين السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى» عن الماوردي: «علي بن محمد بن حبيب الإمام الجليل القدر الرفيع المقدار والشأن، أبو الحسن المعروف بالماوردي، كان إماما جليلا له اليد الباسطة في المذهب والتفنن التام في سائر العلوم» .

стр. 10

[مقدمة المؤلف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الحمد لله الذي أحكم ما خلق وقدّر، وعدل فيما قسم ودبر، وأنذر بما أنشأ وأظهر، واستأثر بما أخفى وأسر، وأنعم بما أمر وحظر، وأرشد إلى إنذاره بنوعي تفضيل تميز بهما جنس البشر عن كل حيوان بهيم، وهما نطق يفضي إلى الفهم، وعقل يؤدي إلى العلم، ليعان بهما على ما كلف من أوان التعبد فيصل بالعقل إلى علمه واستعلامه، وبالنطق إلى فهمه واستفهامه، فيصير مهيأ لقبول ما كلف من التعارف ومعانا على ما تعبد به من الشرائع نعمة بها قطع الأعذار، وعمّ بها المصالح ليكون الخلق على رغب يدعوهم إلى الطاعة ورهب يكفهم عن المعصية فيعم الخير بالرغبة، وينحسم الشر بالرهبة، وهذا لا يستقر في النفوس إلّا برسل مبلغين عن الله ثوابه فيما أمر، وعقابه فيما حظر، فوجب أن يوضح في إثبات النبوّات ما ينتفي عنه ارتياب مغرور وشبهة معاند، وقد جعلت كتابي هذا مقصورا على ما أفضى ودل عليه ليكون عن الحق موضحا وللسرائر مصلحا وعلى صحة النبوّة دليلا ولشبه المستريب مزيلا وجعلت ما تضمنه مشتملا على أمرين: أحدهما: ما اختص بإثبات النبوّة من أعلامها. والثاني: فيما يختلف من أقسامها وأحكامها ليكون الجمع بينهما أنفى

стр. 11

للشبهة وأبلغ في الإبانة، وجعلت ما تضمنه هذا كتابا مشتملا على أحد وعشرين بابا. الباب الأول: في مقدمة الأدلة. الباب الثاني: في معرفة الإله المعبود. الباب الثالث: في صحة التكليف. الباب الرابع: في إثبات النبوّات. الباب الخامس: في مدة العالم وعدة الرسل عليهم الصلاة والسلام. الباب السادس: في إثبات نبوّة محمد ﷺ . الباب السابع: فيما يتضمنه القرآن من أنواع إعجازه. الباب الثامن: في معجزات عصمته ﷺ . الباب التاسع: فيما شوهد من معجزات أفعاله وصلى الله عليه وسلم. الباب العاشر: فيما سمع من معجزات أقواله ﷺ . الباب الحادي عشر: فيما أكرمه الله تعالى به من إجابة دعوته ﷺ . الباب الثاني عشر: في إنذاره بما يستحدث بعده ﷺ . الباب الثالث عشر: في معجزه ﷺ بما ظهر من البهائم. الباب الرابع عشر: في ظهور المعجز من الشجر والجماد. الباب الخامس عشر: في بشائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بنبوّته ﷺ . الباب السادس عشر: في هتوف الجن بنبوته ﷺ . الباب السابع عشر: فيما هجست النفوس من إلهام العقول بنبوّته ﷺ . الباب الثامن عشر: في مبادىء نسبه وطهارة مولده ﷺ . الباب التاسع عشر: في آيات مولده وظهوره بركته ﷺ . الباب العشرون: في شرف أخلاقه وكمال فضائله. الباب الحادي والعشرون: في مبتدى بعثته واستقرار نبوّته. وأنا أسأل الله تعالى حسن معونته وأرغب إليه في توفيقه وهدايته وصلى الله على محمد وعلى آله وصحابته وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 12

الباب الأول في مقدمة الأدلة والأدلة ما أوصلت إلى العلم بالمدلول عليه، والدليل معلوم بالعقل، والمدلول عليه معلوم بالدليل، فيكون العقل موصلا إلى الدليل، وليس بدليل، لأن العقل أصل كل معلوم من دليل ومدلول عليه، ولذلك سمي أم العلم، فصار العقل مستدلا وإن لم يكن دليلا، والعلم الحادث عنه ما تميز به الحق من الباطل، والصحيح من الفاسد، والممكن من الممتنع، وهو على ضربين: علم اضطرار وعلم اكتساب، فأما علم الاضطرار فهو ما أدرك ببداهة العقول وهو نوعان: حس ظاهر، وخبر متواتر، وعلم الحس متأخر عن العقل وعلم الخبر متقدم عليه، ولا يفتقر علم الاضطرار إلى نظر واستدلال لإدراكه ببديهة العقل ويشترك فيه الخاصة والعامة ولا يتوجه إليه جحد ولا تحسن المطالبة فيه بدليل لأنه غاية لتناهي النظر. علم الاكتساب وأما علم الاكتساب فطريقه النظر والاستدلال لأنه غير مدرك ببديهة العقل، فصحّ أن يتوجه إليه الاعتراض فيه بطلب الدليل عليه، فلذلك لم يتوصل إليه إلّا بالنظر والاستدلال، وهو على ضربين: أحدهما؛ ما كان من قضايا العقول، والثاني؛ ما كان من أحكام السمع، فأما قضايا العقول فضربان: أحدهما؛ ما علم إستدلالا بضرورة العقل، والثاني؛ ما علم

стр. 13

استدلالا بدليل العقل، فأما المعلوم بضرورة العقل فهو ما لا يجوز أن يكون على خلاف ما هو به كالتوحيد فيوجب العلم الضروري، وإن كان عن استدلال للوصول إليه بضرورة العقل، وأما المعلوم بدليل العقل فهو ما يجوز أن يكون على خلاف ما هو به كآحاد الأنبياء إذا ادعى النبوّة فيوجب علم الاستدلال ولا يوجب علم الاضطرار لحدوثه عن دليل العقل لا عن ضرورته، واختلف في أصل النبوّات على العموم هل يعلم بضرورة العقل أو بدليله على اختلافهم في التعبد بالشرائع هل اقترن بالعقل أو بعقبه فذهب من جعله مقترنا بالعقل إلى إثبات عموم النبوّات بضرورة العقل وذهب من جعله متأخرا عن العقل إلى إثباتها بدليل العقل، وذهب أصحاب الإلهام إلى إسقاط الاستدلال بقضايا العقول وجعلوا إثبات المعارف بالإلهام أصلا يغني عن أصل، وهذا فاسد بقول الله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ «١» فجعله بالاعتبار مدركا دون الإلهام، ويقال لمن أثبت المعارف بالإلهام لم قلت بالإلهام؟ فإن استدل ناقض، فإن قال: قلته بالإلهام، قيل له: انفصل عمن أسقط الإلهام بالإلهام، وعمن قال في الإلهام بغير إلهامك في جميع أقوالك فلا تجد فصلا، وكفى بذلك فسادا. الضرورة والدليل فإذا ثبت أن كلا الضربين «٢» مدرك بقضية العقل فيما علم بضرورته من التوحيد أو بدليله من النبوّة، صار بعد العلم به واجبا واختلف في وجوبه، هل وجب بما صار معلوما به من قضية العقل أو بالسمع، فذهب قوم إلى وجوب التوحيد والنبوة بالعقل كما علم بالعقل ويكون التوحيد وعموم النبوات قبل السمع فرضا، وذهب آخرون إلى وجوبهما بالسمع وإن علما بالعقل لأن الوجوب تعبد لا يثبت إلّا بالسمع. واختلف من قال بهذا في وجوب ورود السمع به فأوجبه بعضهم ولم يوجبه

стр. 14

آخرون منهم وأسقطوا فرض التوحيد عن العقلاء إذا لم يرد سمع بإيجابه. وذهب آخرون إلى أن ما علم بضرورة العقل من التوحيد واجب بالعقل وما علم بدليل العقل من النبوّة واجب بالسمع لأن التوحيد أصل والنبوّة فرع والاجتهاد فيهما فرض على أعيان ذوي العقول إذا اقترن بكمال عقله قوة الفطنة وصحة الروية، فيستغنى بكمال عقله وصحة رويته عن تنبيه ذوي العقول الوافرة ليصل بإجتهاد عقله من اضطرار أو استدلال إلى قضايا العقول ليصير عالما بها ومستغنيا عن عقل غيره فيها، وإن ضعفت فطنته وقلت رويته لزمه أن يتنبه بذوي العقول على الوصول إليها بعقله لا بعقولهم فيعلمها بالتنبيه كما علمها غيره بالنظر وإن لم يصل إليها بالتنبيه فليس بكامل العقل ويصير تبعا لذوي العقول لأن عدم الموجب دال على سقوط الموجب. أحكام العقل والعقل هو ما أفاد العلم بموجباته، وقيل: بل هو قوة التمييز بين الحق والباطل. وقيل: هو العلم بخفيات الأمور التي لا يوصل إليها إلّا بالاستدلال والنظر وهو ضربان، غريزي هو أصل ومكتسب هو فرع. فأما الغريزي فهو الذي يتعلق به التكليف ويلزم به التعبد. وأما المكتسب فهو الذي يؤدي إلى صحة الاجتهاد وقوة النظر ويمتنع أن يتجرد المكتسب عن الغريزي ولا يمتنع أن يتجرد الغريزي عن المكتسب لأن الغريزي أصل يصح قيامه بذات والمكتسب فرع لا يصح قيامه إلّا بأصله. ومن الناس من امتنع من تسمية المكتسب عقلا لأنه من نتائجه ولا اعتبار بالنزاع في التسمية إذا كان المعنى مسلّما. أحكام السمع وأما أحكام السمع فمأخوذة عمن يلزم طاعته من الرسل والعقل مشروط في التزامها وإن لم يكن السمع مشروطا في قضايا العقول. وما يتضمنه السمع نوعان: تعبد وإنذار، فالتعبد الأوامر والنواهي، والإنذار الوعد والوعيد فإن

стр. 15

جمع الرسول بين التعبد والإنذار فهو الشرع الكامل المغني عن غيره وإن انفرد بالتعبد دون الإنذار فإن تقدمه إنذار غيره كمل الشرع بتعبده وإنذار من تقدمه وإن لم يتقدمه إنذار من غيره، أما في مبادىء النبوات أو في من لم تبلغهم دعوة الأنبياء فقد اختلف في قضايا العقول هل تقتضي الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، فذهب فريق إلى اقتضائها لذلك فعلى هذا يكون شرعا كمل بتعبد الرسول وإنذار العقول، وذهب فريق إلى أن قضايا العقول لا تقتضي ثوابا ولا عقابا، فعلى هذا اختلف في التعبد هل يكون مستحقا على ما تقدم من نعم الله تعالى على خلقه أو لجزاء مستقبل فذهب فريق إلى استحقاقه بسابق النعمة فإن وعد الله تعالى ثوابا عليه كان تفضلا منه يستحق بالوعد دون التعبد فعلى هذا يكون التعبد فرضا مستحقا يقتضي تركه عقابا وإن لم يقتض فعله ثوابا، وذهب آخرون إلى استحقاقه بما يقابله من الجزاء بالثواب عليه وما تقدم من النعمة تفضل منه فعلى هذا يكون التزام التعبد مستحبا وليس بمستحق فلا يلزم على تركه عقاب كما لم يستحق على فعله ثواب لأنه لم يقترن به وعد بثواب يوجب التزام التعبد، وإن انفرد الرسول بالإنذار دون التعبد فالإنذار لا يكون إلّا على فعل وإلّا كان عبثا لا يصدر عن كليم، فإن كان إنذاره على شرع تقدمه تضمن إنذاره إثبات ذلك الشرع وكان هذا المنذر من أمة ذلك المتعبد، وإن كان المتعبد قد أنذر كان هذا الإنذار تأكيدا ولم يحتج هذا المنذر إلى إظهار معجز، وإن لم يكن المتعبد قد أنذر تكامل شرع المتعبد بإنذار المتأخر وتكامل إنذار المتأخر بتعبد المتقدم واحتاج هذا المنذر إلى إظهار معجز إلى إنذاره موجب لكمال الشرع وإن أنذر المتأخر على فعل الخير واجتناب الشر خرج عن حكم الشرع إلى الوعظ والزجر بأمر إلهي يستحق له بسط اليد في الانكار واستيفاء ما تضمنه الإنذار.

стр. 16

الباب الثاني في معرفة الإله المعبود لا يصح التعبد ببعثة الرسل إلّا بعد معرفة المعبود المرسل ليعلم أنهم رسل مطاع معبود فيطاعوا لفرض طاعة المعبود، والمعبود هو الله المنعم على عباده بما كلفهم من عبادته وافترض عليهم من طاعته بعد النعمة عليهم بخلق ذواتهم والإرشاد إلى مصالحهم واستودعهم علم اضطرار يدرك ببداية العقول «١» ، وعلم اكتساب يدرك بالفكر والنظر «٢» ، ولما كانوا محجوبين عن ذاته لم يدركوه ببداية الحواس اضطرارا، وقد ظهر من إظهار آثار صنعته وإتقان حكمته ما يوصل إلى معرفة ذاته وصفاته اكتسابا لإدراكها بالاعتبار والنظر، ولو شاء لخلق ما يدرك ببداية الحواس، لكن معرفته بالاستدلال أبلغ في الحكمة لظهور التباين في الرتبة فلذلك ما امتنع الوصول إلى معرفته اضطرارا ووصل إليها استدلالا واكتسابا يخرج عن بداية العقول إلى استدلال معقول. والذي يؤدي إلى معرفته ﷻ ثلاثة فصول: أحدهما: أن العالم محدث وليس بقديم. والثاني: أن للعالم محدثا قديما «٣» .

стр. 17

والثالث: أنه واحد لا شريك له. فأما الفصل الأول؛ في حدوث العالم، فالمحدث ما كان له أول، والقديم ما لا أول له، والدليل على حدوث العالم شيئان: أحدهما: أن العالم جواهر وأجسام، لا تنفك عن أعراض محدثة من اجتماع وافتراق وحركة وسكون، وإنما كانت الأعراض محدثة لأمرين: أحدهما: أنه لا يصح قيامها بذواتها. والثاني: لوجودها بعد عدمها «٤» ، وزوالها بعد وجودها «٥» ، وما لم ينفك عن الأعراض المحدثة لم يسبقها، لأنه لو سبقها لكان لا مجتمعا ولا مفترقا ولا متحركا ولا ساكنا، وهذا مستحيل فإستحال سبقه، وما لم يسبق المحدث فهو محدث فإن قيل: فليس يستنكر أن تكون الحوادث الماضية لا أول لها، فلم يلزم حدوث العالم، قيل: إذا كان لكل واحد من الحوادث أول استحال أن لا يكون لجميعها أول لأنها ليست غير آحادها، فصارت جميعها محدثة لأنها ذوات أوائل محدثة. والدليل الثاني: على حدوث العالم وجوده محدودا متناهي الأجزاء والأبعاض وما تناهت أجزاؤه وأمكن توهم الزيادة عليه والنقصان منه كان تقديره على ما هو به دليلا، على أن غيره قدره إذ ليس كون ذاته على صفة بأولى من كونه على غيرها لولا تدبر غيره لها. فإن قيل: فلم لا كانت طينته قديمة وأعراض تركيبه وتصويره حادثة، كأفعال الله تعالى حادثة عن ذاته القديمة؟ قيل: لأن حدوث أعراضه فيه، وهو لا ينفك منها فصار محدثا بها وأفعال الله تعالى حادثة في غيره، فلم يمنع حدوثها من قدمه، ولو حدثت فيه لمنعت من قدمه. وأما الفصل الثاني: أن للعالم محدثا قديما، فالدليل على أن له محدثا قديما شيئان:

стр. 18

أحدهما: أنه لما استحال أن يكون العالم محدثا لذاته لإفضائه إلى وجوده قبل حدثه دل على أن محدثه غيره. والثاني: أن وجود ما لم يكن يوجب أن يقتضي موجدا كما اقتضى المبنى بانيا والمصنوع صانعا والدليل على قدم محدثه شيئان: أحدهما: أنه لا أول له وما لا أول له قديم. والثاني: أنه لو لم يكن قديما لاحتاج إلى محدث ولاحتاج محدثه إلى محدث ولا تنتهي إلى ما لا غاية له فامتنع وثبت قدمه أنه لم يزل ولا يزال فلم يكن له أول ولا يكون له آخر. وإذا كان محدثه قديما وجب أن يكون قادرا مريدا. والدليل على قدرته أنه يصح منه أن يفعل ولا يفعل مع انتفاء الموانع وقد فعل فدل وجود الفعل منه على قدرته عليه، والدليل على أنه مريد أنه لما وجد منه الفعل وهو غير ساه ولا مكره ولا عابث لانتفاء السهو عنه بعلمه وانتفاء الإكراه عنه بقدرته وانتفاء العبث عنه بحكمته دل على إرادته كما كانت كتابة الكاتب مع انتفاء هذه العوارض دليلا على إرادة كتابته فصار إحداثه للعالم دليلا على قدمه وحدوث أفعاله وقدمه يوجب أن تكون صفات ذاته قديمة لقدمه وحدوث أفعاله يوجب أن تكون صفات أفعاله محدثه. وأما الفصل الثالث: أنه واحد لا شريك له ولا مثل، فالدليل عليه شيئان: أحدهما: أن عموم قدرته شامل لجميع المحدثات فوجب أن يكون محدث بعضها محدثا لجميعها إذ ليس بعضها بأخص بقدرته من بعض، فأوجب تكافؤ الأمرين عموم الجميع. والثاني: أنه لو كان معه غيره لم يخل أن يكون مماثلا أو مخالفا، فإن خالفه بطل أن يكون قادرا، وإن ماثله استحال وجود إحداث واحد من محدثين كما استحال وجود حركة واحدة من متحركين.

стр. 19

وذهب الثنوية «٦» من المتباينة إلى إثبات قديمين هما عندهم نور وظلمة يحدث الخير عن النور والشر عن الظلمة وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن النور والظلمة لا ينفكان أن يكونا جسما أو جوهرا أو عرضا، وجميعها محدثة فدل على حدوثهما. والثاني: أن الظلمة ليست بذات وإنما هي فقد النور عما يقبل النور، ولهذا إذا فقدنا النور في الهواء تصورناه مظلما فلم يجز أن يوصف بقدم ولا يضاف إليها فعل. وذهب المجوس إلى أن الله تعالى والشيطان فاعلان، فالله تعالى فاعل الخير وخالق الحيوان النافع، والشيطان فاعل الشر وخالق الحيوان الضار، قالوا: لأن فاعل الشر شرير ويتعالى الله عن هذه الصفة، وجعلوا الله تعالى جسما وإن كان قديما. واختلفوا في قدم الشيطان، فقال به بعضهم وامتنع من قدمه زرادشت وأكثرهم واختلفوا في علة حدوثه، فزعم زرادشت أن الله تعالى استوحش ففكر فكرة رديئة فتولد منها (اهرمن) وهو إبليس. وقال غيره، بل شكّ فتولد الشيطان من شكه. وقال آخرون: بل حدث عفن فتولد الشيطان من عفنه وهذه أقاويل تدفعها العقول، أما جعلهم الله تعالى جسما، فدليلنا على حدوث الأجسام يمنع أن يكون الله تعالى مع قدمه جسما. ودليلنا على الثنوية يمنع أن يكون الشيطان معه ثانيا وإثبات قدرته يمنع أن يكون مغلوبا وعلمه بمنع أن يكون شاكا أو مفكرا وانتفاء الحزن عنه يمنع أن يكون مستوحشا وامتناع الفساد عليه يمنع أن يكون عفنا. وقولهم أن فاعل الشر شرير قيل خروجه عن قدرته مثبت لعجزه فوجب أن يدخل في عموم قدرته.

стр. 20

قول النصارى «٧» فأما النصارى فقد كانوا قبل أن تنصّر قسطنطين الملك على دين صحيح في توحيد الله تعالى ونبوّة عيسى ﵇ ثم اختلفوا في عيسى بعد تنصّر قسطنطين وهو أول من تنصر من ملوك الروم، فقال أوائل النسطورية أن عيسى هو الله، وقال أوائل اليعاقبة أنه ابن الله، وقال أوائل الملكانية أن الآلهة ثلاثة احدهم عيسى. ثم عدل أواخرهم عن التصريح بهذا القول المستنكر حين استنكرته النفوس ودفعته العقول، فقالوا أن الله تعالى جوهر واحد هو ثلاثة أقانيم: أقنوم الآب وأقنوم الابن وأقنوم روح القدس، وأنها واحدة في الجوهرية وأن أقنوم الآب هو الذات وأقنوم الابن هو الكلمة وأقنوم روح القدس هو الحياة، واختلفوا في الأقانيم فقال بعضهم: هى خواص وقال بعضهم: هي أشخاص، وقال بعضهم. هي صفات وقالوا: إن الكلمة اتحدت بعيسى واختلفوا في الاتحاد فقال النسطورية معنى الاتحاد أن الكلمة ظهرت حتى جعلته هيكلا وأن المسيح جوهران أقنومان أحدهما إلهي والآخر إنساني فلذلك صح منه الأفعال الإلهية من اختراع الأجسام وإحياء الموتى والأفعال الإنسانية من الأكل والشرب.

стр. 21

وقال اليعاقبة: الاتحاد هو الممازجة حتى صار منها شيء ثالث نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانا هو المسيح وهو جوهر من جوهرين وأقنوم من أقنومين جوهر لاهوتي وجوهر ناسوتي. وقال الملكانية: المسيح جوهران أقنوم واحد، وليس لهذا المذهب شبهة تقبلها العقول وفسادها ظاهر في المعقول. أما قولهم أن الله تعالى جوهر فقد دللنا على حدوث الجواهر فاستحال أن يكون القديم جوهرا. وأما قولهم أنه ثلاثة أقانيم فإن جعلوها أشخاصا قالوا بالتثليث وامتنعوا من التوحيد وقد دللنا على أن القديم واحد وإن جعلوا الأقانيم خواص وصفات لذات واحدة فقد جعلوه أبا وابنا من جوهر أبيه فشركوا بينهما في الجوهر الإلهي وفضلوه على الآب بالجوهر الإنساني فلم يكن مع اشتراكهما في الإلهي أن يتولد من الآب بأولى أن يتولد منه الآب مع تفضيله بالجوهر الإنساني. وكيف يكون قديما ما تولد عن قديم وإنما ظهرت منه الأفعال الإلهية لأنها من قبل الله تعالى إظهارا لمعجزته وليست من فعله كفلق البحر لموسى ﵇ وليس ذلك من إلهية موسى وقولهم جوهر لاهوتي وجوهر ناسوتي فناسوت المسيح كناسوت غيره من الأنبياء وقد زال ناسوته فبطل لاهوته. معنى الوحدانية فإذا ثبت أن الله تعالى واحد قديم فقد اختلف في معنى وحدانيته فقالت طائفة المراد بأنه واحد وأن جميع المحدثات منسوبة إلى قدرة واحدة أحدث القادر بها جميع المحدثات. وقالت طائفة أخرى: المراد به نفي القسمة عن ذاته واستحال التبعض والتجزئة في صفته. وقال الجمهور وهو المذهب المشهور أنه واحد الذات قديم الصفات تفرد بالقدم عن شريك مماثل واختص بالقدرة عن فاعل معادل لا شبه لذاته تنتفي

стр. 22

عنه الحوادث والأعراض ولا تناله المنافع والمضار ولا ينعت بكل ولا بعض ولا يوصف بمكان يحل فيه أو يخلو منه لحدوث الأمكنة واستحالة التجزئة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «٨» كما وصف نفسه في كتابه ودلت عليه آثار صنعته وإتقان حكمته. وقد سئل علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه عن العدل والتوحيد فقال: التوحيد أن لا تتوهمه «٩» والعدل أن لا تتهمه «١٠» ففصح بما بهر إيجازه وقهر إعجازه. وقد لحظ دلائل التوحيد من السعداء من قال: أيا عجبا كيف يعصى الإل ... هـ أم كيف يجحده جاحد وفي كل شيء له شاهد ... دليل على أنه واحد

стр. 23

الباب الثالث في صحة التكليف تعريفات [للتكليف] التكليف هو إلزام ما ورد به الشرع تعبدا وهو نوعان: أحدهما: ما تعلق بحقه من أمر بطاعة «١» ونهي عن معصية «٢» . والثاني: ما تعلق بحقوق عباده من تقدير الحقوق وتقرير العقود ليكونوا مدبرين بشرع مسموع ومنقادين لدين متبوع فلا تختلف فيه الآراء ولا تتبع فيه الأهواء، وليعلموا به ابتداء النشأة وانتهاء الرجعة، فتصلح به سرائرهم الباطنية، وتخشع له قلوبهم القاسية، وتجتمع به كلمتهم المتفرقة، وتتفق عليه أحوالهم المختلفة، ويسقط به تنازعهم في الحقوق المتجاذبة، ويكونوا على رغب في الثواب يبعثهم على الخير، ورهب من العقاب يكفهم عن الشر، وهذه أمور لا يصلح الخلق إلّا عليها ولا يوصل بغير الدين المشروع إليها، إذ ليس في طباع البشر أن يتفقوا على مصالحهم من غير وازع ولا يتناصفوا في الحقوق من غير دافع لحرصهم على اختلاف المنافع، وبهذا يفسد ما ذهبت إليه البراهمة من الاقتصار على قضايا العقول وإبطال التعبد

стр. 24

بشرائع الرسل، فالتكليف حسن في العقول إذا توجه إلى من علمت معصيته واستحسنه المعتزلة لأن فيه تعريضا للثواب ولم يستحسنه الأشعرية لأنه بالمعصية معرض للعقاب، والأول أشبه بمذهب الفقهاء وإن لم يعرف لهم فيه قول يحكى، واختلف في التكليف هل يكون معتبرا بالأصلح فالذي عليه أكثر الفقهاء أنه معتبر بالأصلح لأن المقصود به منفعة العباد. وذهب فريق من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه موقوف على مشيئة الله تعالى من مصلحة وغيرها لأنه مالك لجميعها فمن اعتبر الأصلح منع من تكليف ما لا يطاق ومن اعتبره بالمشيئة جوز تكليف ما لا يطاق ويصح تكليف ما لحقت فيه المشقة المحتملة واختلف في صحة التكليف فيما لا مشقة فيه فجوزها الفقهاء ومنع منها بعض المتكلمين، وقد ورد التعبد بتحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة وليس فيه مشقة وإذا اعتبر التكليف بالاستطاعة لم يتوجه إلى ما خرج عن الاستطاعة واختلف في المانع منه فقال فريق منع منه العقل لامتناعه فيه، وقال فريق منع منه الشرع وإن لم يمنع منه العقل بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها «٣» . وجوب التكليف فإذا تقرر شروط التكليف مع كونه حسنا فقد اختلف في وجوبه، فأوجبه من اعتبر الأصلح وجعله مقترنا بالعقل لأنه من حقوق حكمته، ولم يوجبه من حمله على الإرادة لأن الواجب يقتضي علوّ الموجب، وهذا منتف عن الله تعالى، واختلف من قال بهذا في تقدم العقل على الشرع. فقال فريق: يجوز أن يقترن بالعقل ويجوز أن يتأخر عنه بحسب الإرادة ولا يجوز أن يتقدم على العقل لأن العقل شرط في لزوم التكليف. وقال فريق: بل يجب أن يكون التكليف واردا بعد كمال العقل ولا يقترن به كما يتقدم عليه لقول الله تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ

стр. 25

سُدىً «٤» وهذه صفة متوجهة إليه بعد كمال عقله. شرعية التكليف وقد استقر بما قدمناه أن التكليف الشرعي ما تضمنه الأوامر والنواهي في حقوق الله تعالى وحقوق عباده والمأمور به ضربان واجب وندب، فالواجب ما وجب أن يفعل والندب ما الأولى أن يفعل والمنهى عنه ضربان مكروه ومحظور، فالمحظور ما وجب تركه، والمكروه ما الأولى تركه، فأما المباح فما استوى فعله وتركه فلا يجب أن يفعل ولا الأولى أن يفعل ولا يجب أن يترك ولا الأولى أن يترك، واختلف في دخول المباح في التكليف، فذهب بعض أصحاب الشافعي ﵀ إلى دخوله في التكليف. واختلف قائل هذا هل دخل فيه بإذن أو بأمر على وجهين: أحدهما: بإذن ليخرج حكم الندب. والثاني: بأمر دون أمر الندب كما أن أمر الندب دون أمر الواجب وذهب آخرون من أصحاب الشافعي ﵀ إلى خروجه من التكليف بإذن أو أمر لاختصاص التكليف بما تضمنه ثواب أو عقاب واتفقوا في المباح أنه لا يستحق عليه حمد ولا ذم ويخرج عن القبيح واختلفوا في دخوله في الحسن فأدخله بعضهم فيه وأخرجه بعضهم منه. الأمر والإرادة والأمر بالتكليف هو استدعاء الطاعة بالانقياد للفعل واختلفوا في اقتران الإرادة به هل يكون شرطا في صحته، فذهب الأشعري إلى أن الإرادة غير معتبرة فيه ويجوز أن يأمر بما لا يريده ويكون أمرا كالذي يريده، وذهب المعتزلة إلى أنه لا يكون أمرا إلّا بالإرادة، فإن لم تعلم إرادته لم يكن أمرا. واختلفوا هل تعتبر إرادة الأفراد إرادة المأمور به فاعتبر بعضهم إرادة الأمر المنطوق به واعتبر آخرون منهم إرادة الفعل المأمور به والذي عليه جمهور الفقهاء أن الأمر دليل على

стр. 26

الإرادة وليست الإرادة شرطا في صحة الأمر. وإن كانت موجودة مع الأمر فيستدل بالأمر على الإرادة ولا يستدل بالإرادة على الأمر. شروط صحة الأمر ومن صحة الأمر أن يكون بما لا يمنع منه العقل فإن منع منه العقل لم يصح الأمر به لخروج التكليف عن محظورات العقول واختلف هل يعتبر صحته بحسنه في العقل فاعتبره فريق وأسقطه فريق. وإذا لم يكن يستوعب نصوص الشرع قضايا العقول كلها جاز العمل بمقتضى العقل فيها واختلف في إلحاقها بأحكام الشرع فألحقها فريق بها وجعلها داخلة فيها لأن الشرع لا يخرج عن مقتضاها وأخرجها فريق منها وإن جاز العمل بها كالمشروع لأن الشرع مسموع والعقل متبوع. وقت الأمر والأمر يكون بالقول أو ما قام مقام القول إذا عقل منه معنى الأمر واختلف فيه متى يكون أمرا. فذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يكون أمرا وقت القول ويتقدم على الفعل وذهب شاذ من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يكون أمرا وقت الفعل وما تقدمه من القول إعلام بالأمر وليس بأمر وهذا فاسد لأن الفعل يجب بالأمر فلو لم يكن ما تقدمه أمرا لاحتاج مع الفعل إلى تجديد أمر. أبواب الأمر والأمر ضربان: أمر اعلام «٥» وأمر إلزام «٦» فأما أمر الإعلام فمختص بالاعتقاد دون الفعل ويجب أن يتقدم الأمر على الاعتقاد بزمان واحد وهو وقت

стр. 27

العلم به، وأما أمر الإلزام فمتوجه إلى الاعتقاد والفعل فيجمع بين اعتقاد الوجوب وإيجاد الفعل ولا يجزئه الاقتصار على أحدهما فإن فعله قبل اعتقاد وجوبه لم يجزه وإن اعتقد وجوبه ولم يفعله كان مأخوذا به ولا يلزم تجديد الاعتقاد عند فعله إذا كان على ما تقدم من اعتقاده لأن الاعتقاد تعبد التزام والفعل تأدية مستحق، ويجب أن يتقدم الأمر على الفعل بزمان الاعتقاد واختلف في إعتبار تقديمه بزمان التأهب للفعل على مذهبين: أحدهما: وهو قول شاذ من الفقهاء يجب تقديمه على الفعل بزمانين. أحدهما: زمان الإعتقاد. والثاني: زمان التأهب للفعل وبه قال من المتكلمين من اعتبر القدرة قبل الفعل. والمذهب الثاني: وهو قول جمهور الفقهاء يعتبر تقديم الأمر على الفعل بزمان الإعتقاد وحده والتأهب للفعل شروع فيه فلم يعتبر تقدمه عليه، وبه قال من المتكلمين من اعتبر القدرة مع الفعل.

стр. 28

الباب الرابع في إثبات النبوّات الأنبياء ﵈ والأنبياء هم رسل الله تعالى إلى عباده بأوامره ونواهيه، زيادة على ما اقتضته العقول من واجباتها وإلزاما لما جوّزته من مباحاتها، لما أراده الله تعالى من كرامة العاقل وتشريف أفعاله واستقامة أحواله وانتظام مصالحه، حين هيأه للحكمة وطبعه على المعرفة، ليجعله حكيما وبالعواقب عليما، لأن الناس بنظرهم لا يدركون مصالحهم بأنفسهم ولا يشعرون لعواقب أمورهم بغرائزهم ولا ينزجرون مع اختلاف أهوائهم دون أن يرد عليهم آداب المرسلين وأخبار القرون الماضين، فتكون آداب الله فيهم مستعملة وحدوده فيهم متبعة وأوامره فيهم ممتثلة ووعده ووعيده فيهم زاجرا وقصص من غبر من الأمم واعظا فإن الأخبار العجيبة إذا طرقت الأسماع والمعاني الغريبة إذا أيقظت الأذهان استمدتها العقول فزاد علمها وصح فهمها وأكثر الناس سماعا أكثرهم خواطر وأكثرهم خواطر أكثرهم تفكرا وأكثرهم تفكرا أكثرهم علما وأكثرهم علما أكثرهم عملا فلم يوجد عن بعثة الرسل معدل ولا منهم في انتظام الحق بدا. منكرو النبوة وأنكر فريق من الأمم نبوّات الرسل وهم فيها ثلاثة أصناف: أحدها: ملحدة دهرية يقولون بقدم العالم وتدبير الطبائع فهم بإنكار المرسل أجدر أن يقولوا بإنكار الرسل.

стр. 29

والصنف الثاني: براهمة موحدة «١» يقولون بحدوث العالم ويجحدون بعثة الرسل ويبطلون النبوات وهم المنسوبون إلى بهر من صاحب مقالتهم وشذ فريق منهم فادعى أنه آدم أبو البشر ومنهم من قال هو إبراهيم ومن قال من هذه الفرقة الشاذة منهم أنه أحد هذين أقر بنبوتهما وأنكر نبوّة من سواهما وجمهورهم على خلاف هذه المقالة في اعتزائهم لصاحب مقالتهم وإنكار جميع النبوّات عموما. والصنف الثالث: فلاسفة لا يتظاهرون بإبطال النبوّات في الظاهر وهم مبطلوها في تحقيق قولهم، لأنهم يقولون أن العلوم الربانية بعد كمال العلوم الرياضية من الفلسفة والهندسة ليضعها من كملت رياضته إذا كان عليها مطبوعا. إختلاف منكر والنبوة وبطلان حججهم واختلف من أبطل النبوّات في علة إبطالها فذهب بعضهم إلى أن العلة في إبطالها أن الله تعالى قد أغنى عنها بما دلت عليه العقول من لوازم ما تأتي به الرسل وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه لا يمنع ما دلت عليه العقول جواز أن تأتي به الرسل وجوبا ولو كان العقل موجبا لما امتنع أن تأتي به الرسل وجوبا، ولو كان العقل موجبا، لما امتنع أن تأتي به الرسل تأكيدا كما تترادف دلائل العقول على التوحيد، ولا يمنع وجود بعضها من وجود غيرها. والثاني: أنه لا تستغني قضايا العقول عن بعثة الرسل من وجهين: أحدهما: أن قضايا العقول قد تختلف فيما تكافأت فيه أدلتها فانحسم ببعثة الرسل اختلافها. والثاني: أنه لا مدخل للعقول فيما تأتي به الرسل من الوعد والوعيد والجنة والنار وما يشرعونه من أوصاف التعبد الباعث على التأله فلم يغن عن

стр. 30

بعثة الرسل، وذهب آخرون منهم إلى أن العلة في إبطال النبوّات أن بعثة الرسل إلى من يعلم من حاله أنهم لا يقبلون منهم ما بلّغوه إليهم عبث يمنع من حكمة الله تعالى وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه ليس بعبث أن يكون فيهم من لا يقبله كما لم يكن فيما نصبه الله تعالى من دلائل العقول على توحيده عبثا وإن كان منهم من لا يستدل به على توحيده كذلك بعثة الرسل. والثاني: أن وجود من يقبله فيهم على هذا التعليل يوجب بعثة الرسل وهم يمنعون من إرسالهم إلى من يقبل ومن لا يقبل فبطل هذا التعليل، وقال آخرون منهم: بل العلة فيه أن ما جاء به الرسل مختلف ينقض بعضه بعضا، ونسخ المتأخر ما شرعه المتقدم. وقضايا العقول لا تتناقض فلم يرتفع بما يختلف ويتناقض وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن ما جاء به الرسل ضربان: أحدهما: ما لا يجوز أن يكون إلّا على وجه واحد وهو التوحيد وصفات الرب والمربوب، فلم يختلفوا فيه وأقوالهم متناصرة عليه. والضرب الثاني: ما يجوز أن يكون من العبادات على وجه ويجوز أن يكون على خلافه ويجوز أن يكون في وقت ولا يجوز أن يكون في غيره وهذا النوع هو الذي اختلفت فيه الرسل لاختلاف أوقاتهم إما بحسب الأصلح وإما بحسب الإرادة وهذا في قضايا العقول جائز. والوجه الثاني: أن قضايا العقول قد تختلف فيها العقلاء ولا يمنع ذلك أن يكون العقل دليلا كذلك ما اختلف فيه الرسل لا يمنع أن يكون حجة. وقال آخرون منهم: بل العلة في إبطال النبوّات أنه لا سبيل إلى العلم بصحتها لغيبها وأن ظهور ما ليس في الطباع من معجزاتهم ممتنع الطباع الدافعة لها فهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن المعجزات من فعل الله تعالى فيهم فخرجت عن حكم طباعهم.

стр. 31

والثاني: أنهم لما تميزوا بخروجهم عن الطباع من الرسالة تميزوا بما يخرج عن عرف الطباع من الإعجاز. وقال آخرون منهم: بل العلة في إبطال النبوّات أن ما يظهرونه من المعجز الخارج عن العادة قد يوجد مثله في أهل الشعبذة «٢» والمخرقة وأهل النار نجيات وليس ذلك من دلائل صدقهم فكذلك أحكام المعجزات، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن الشعبذة تظهر لذوي العقول وتندلس على الغر الجهول فخالفت المعجزة التي تذهل لها العقول. والثاني: أن الشعبذة تستفاد بالتعليم فيتعلمها من ليس يحسنها فيصير مكافئا «٣» لمن أحسنها ويعارضها بمثلها والمعجزة مبتكرة لا يتعاطاها غير صاحبها ولا يعارضه أحد بمثلها كما انقلبت عصى موسى حية تسعى تلتقف ما أفكه السحرة فخرّوا له سجدا، ولئن كان في إبطاله هذه الشبهة دليل على إثباتها فيستدل على إثبات النبوّات من خمسة أوجه وإن اشتملت تلك الأجوبة على بعضها. أحدها: أن الله تعالى منعم على عباده بما يرشدهم إليه من المصالح ولما كان في بعثة الرسل ما لا تدركه العقول كان إرسالهم من عموم المصالح التي تكفل بها. والثاني: أن فيما تأتي به الرسل من الجزاء بالجنة ثوابا على الرغبة في فعل الخير، وبالنار عقابا يبعث على الرهبة في الكف عن الشر، صارا سببا لائتلاف الخلق وتعاطي الحق. والثالث: أن في غيوب المصالح ما لا يعلم إلّا من جهة الرسل فاستفيد

стр. 32

بهم ما لم يستفد بالعقل «٤» . والرابع: أن التأله لا يخلص إلّا بالدين، والدين لا يصلح إلّا بالرسل المبلغين عن الله تعالى ما كلف. والخامس: أن العقول ربما استكبرت من موافقة الأكفاء ومتابعة النظراء، فلم يجمعهم عليه إلّا طاعة المعبود فيما أداه رسله فصارت المصالح بهم أعم والإتقان بهم أتم والشمل بهم أجمع والتنازع بهم أمنع، ويجوز إثبات التوحيد والنبوّات بدقيق الاستدلال كما يجوز بجليه، فإن ما دق في العقول هو أبلغ في الحكمة وقد تلوّح لابن الرومي هذا المعنى فنظمه في شعره فقال: غموض الحق حين يذب عنه ... يقلل ناصر الخصم المحق يجل عن الدقيق عقول قوم ... فيقضي للمجل على المدق جواز النبوات فإذا ثبت جواز النبوّات وبعثة الرسل بالعبادات فهم رسل الله تعالى إلى خلقه إما بخطاب مسموع أو بسفارة ملك منزل، ومنع قوم من مثبتي النبوّات أن تكون نبوّتهم عن خطاب أو نزول ملك لانتفاء المخاطبة الجسمانية عنه تعالى لأنه ليس بجسم، والملائكة من العالم العلوي بسيط لا تهبط كما أن العالم السفلي كثيف لا يعلو واختلف من قال بهذا فيما جعلهم به أنبياء فقال بعضهم: صاروا أنبياء بالإلهام لا بالوحي، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن ما بطل به إلهام المعارف في التوحيد كان إبطال المعارف به في النبوّة أحق. والثاني: أن الإلهام خفي غامض يدعيه المحق والمبطل، فإن ميزوا بينهما طلبت أمارة «٥» ، وإن عدلوا عن الإلهام فذلك دليل يبطل الإلهام.

стр. 33

وقال آخرون منهم: إنما صاروا أنبياء لأن لله تعالى في العالم خواص وأسرارا تخالف مجرى الطبائع، فمن أظفره الله تعالى بها من خلقه استحق بها النبوّة، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: خفاؤها فيه غير دليل على صدقه. والثاني: أنه يكون نبيا عن نفسه لا عن ربه فصار كغيره. وقال آخرون: بل صاروا أنبياء لأن الله تعالى خصهم من كمال العقول بما يتوصلون به إلى حقائق الأمور، فلا يشتبه عليهم منها ما يشتهيه على غيرهم فصاروا أنبياء عن عقولهم لا عن ربهم، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن هذا يقتضي فضل العلم في حقه ولا يقتضيه في حق غيره. والثاني: أنه إن أخبر عن نفسه لم يكن رسولا، وإن أخبر عن ربه كان كاذبا. وقال آخرون: إنما صاروا أنبياء لأن النور فيهم صفا ونما بالنور الأعظم الإلهي الذي تخلص به الإفهام وتصح به الأوهام حتى ينتقلوا إلى الطباع الروحانية ويزول عنهم كدر الطباع البشرية فيخرجوا عن شبح الكائنات بصفاء نورهم وخلاصهم، وهذا قول الثنوية وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنهم دفعوا أسهل الأمرين من بعثة الرسل بأغلظهما من إعطاء نوره وأولى أن يدفعوا عن الأغلظ بما دفعوا به عن الأسهل. والثاني: أنهم أثبتوا به ممازجة الباري سبحانه فيما اختص بذاته، ومخالفة الذات تمنع من ممازجته. والجواب عما قالوه من امتناع المخاطبة الجسمانية عمن ليس بجسم من وجهين: أحدهما: أنه لا يمتنع أن يظهر منه كخطاب الأجسام وإن لم يكن جسما كما يظهر منه كأفعال الأجسام وإن لم يكن جسما. والثاني: أن الله تعالى يجوز أن يودع خطابه في الأسماع حتى تعيه الآذان

стр. 34

وتفهمه القلوب بقدرته التي أخفاها عن خلقه. والجواب عما ذكر من أن جرم الملائكة علوي لا ينهبط من وجهين: أحدهما: أنه ليس يمتنع أن ينتقل جرم سماوي لطيف إلى جرم أرضي كثيف إما بزيادة أو انقلاب كما يقولون في العقل والنفس أنهما جرمان علويان هبطا إلى الجسم فحلا فيه. والثاني: أنهم يقولون بانقلاب الأجرام الطبيعيات، فيقولون أن الهوى المركب من حرارة رطوبة إذا ارتفعت حرارته ببرودة صار ماء باردا، وأن الماء المركب من برودة ورطوبة إذا ارتفعت برودته بحرارة صار هواء وأن الهواء المركب من حرارة رطوبة إذا ارتفعت رطوبته بيبوسة صار نارا، فإذا جاز ذلك عندهم في انقلاب الطبائع كان في فعل الله تعالى أجوز وهو عليها أقدر، ولا يمكن أن يدفع أقاويلهم الخارجة عن قوانين الشرع إلّا بمثلها، وإن خرج عن حجاج أمثالنا لينقض قولهم بقولهم فلا يتدلس به باطل ولا يضل به جهول، فما يضل عن الدين إلّا قادح في أصوله، ومزر على أهله. إثبات النبوّات فإذا أثبت أن النبوّة لا تصح إلّا ممن أرسله الله تعالى بوحيه إليه فصحتها فيه معتبرة بثلاثة شروط تدل على صدقه ووجوب طاعته. أحدهما: أن يكون مدعي النبوّة على صفات يجوز أن يكون مؤهلا لها لصدق لهجته وظهور فضله وكمال حاله فإن اعتوره نقص أو ظهر منه كذب لم يجز أن يؤهل للنبوة من عدم آلتها وفقد أمانتها. بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بعض أحياء العرب يدعوهم إلى الإسلام فقالوا: يا خالد، صف لنا محمدا، قال: بإيجاز أم بإطناب. قالوا: بإيجاز. قال: هو رسول الله، والرسول على قدر المرسل. والشرط الثاني: إظهار معجز يدل على صدقه ويعجز البشر عن مثله لتكون مضاهية للأفعال الإلهية، ليعلم أنها منه فيصح بها دعوى رسالته لأنه لا

стр. 35

يظهرها من كذب عليه ويكون المعجز دليلا على صدقه وصدقه دليلا على صحة نبوّته. والشرط الثالث: أن يقرن بالمعجز دعوى النبوّة، فإن لم يقترن بالمعجزة دعوى لم يصر بظهور المعجزة نبيا لأن المعجز يدل على صدق الدعوى، فكان صفة لها فلم يجز أن نثبت الصفة قبل وجود الموصوف، فإن تقدم ظهور المعجز على دعوى النبوة كان تأسيسا للنبوّة ككلام عيسى ﵇ في المهد تأسيسا لنبوّته، فاحتاج مع دعوى النبوّة إلى إحداث معجزة يقترن بها ليدل على صدقه فيها وإن تقدمت دعوى النبوّة على المعجز اكتفى بحدوث المعجز بعدها عن إقترانه بها لأن اصطحابه للدعوى مقترن بالمعجز «٦» ، فإن ظهر المعجز المقترن بالدعوى لبعض الناس دون جميعهم نظر، فإن كانوا عددا يتواتر بهم الخبر ويستفيض فيهم الأثر كان الغائب عنه محجوبا بالمشاهد له في لزوم الإجابة والانقياد للطاعة كما يكون العصر الثاني محجوبا بالعصر الأول وإن كان المشاهد للمعجز عددا لا يستفيض بهم الخبر ولا يتواتر بهم الأثر لإمكان تواطئهم على الكذب ويتوجه إلى مثلهم الخطأ والزلل كان المعجز حجة عليهم ولم يكن حجة على غيرهم حتى يشاهدوا على المعجز ما يكونوا محجوبين به وسواء كان من الجنس الأول أو من غير جنسه، فإن قصر من شاهد الأول عن عدد التواتر وقصر من شاهد الثاني عن عدد التواتر لم يثبت حكم التواتر فيهما ولا في واحد منهما لجواز الكذب على كل واحد من العددين. حجج الأنبياء وإذا كان حجج الأنبياء على أممهم هو المعجز الدال على صدقهم، فالمعجز ما خرق عادة البشر من خصال لا تستطاع إلّا بقدرة إلهية تدل على أن الله تعالى خصه بها تصديقا على اختصاصه برسالته، فيصير دليلا على صدقه في إدعاء نبوته إذا وصل ذلك منه في زمان التكليف، وأما عند قيام الساعة إذا سقطت فيه أحوال التكليف فقد يظهر فيه من أشراطها ما يخرق العادة فلا يكون

стр. 36

معجز المدعي نبوّة، وإنما اعتبر في المعجز خرق العادة لأن المعتاد يشمل الصادق والكاذب فاختص غير المعتاد بالصادق دون الكاذب. وإذا تقرر أن المعجز محدود بما ذكرناه من خرق العادة فقد ينقسم ما خرج عن العادة على عشرة أقاسم: القسم الأول: ما يخرج جنسه عن قدرة البشر كاختراع الأجسام وقلب الأعيان وإحياء الموتى، فقليل هذا وكثيره معجز لخروج قليله عن القدرة كخروج كثيره. * القسم الثاني: ما يدخل جنسه في قدرة البشر لكن يخرج مقداره عن قدرة البشر كطي الأرض البعيدة في المدة القريبة فيكون معجز لخرق العادة. واختلف المتكلمون في المعجز منه فعند بعضهم أن ما خرج عن القدرة منه يكون هو المعجز خاصة لاختصاصه بالمعجز وعند آخرين منهم أن جميعه يكون معجزا لا تصاله بما لا يتميز منه. * القسم الثالث: ظهور العلم بما خرج عن معلوم البشر كالأخبار بحوادث الغيوب فيكون معجزا بشرطين: أحدهما: أن يتكرر حتى يخرج عن حد الاتفاق. والثاني: أن يتجرد عن سبب يستدل به عليه. * القسم الرابع: ما خرج نوعه عن مقدور البشر وإن دخل جنسه في مقدور البشر كالقرآن في خروج أسلوبه عن أقسام الكلام فيكون معجزا بخروج نوعه عن القدرة فصار جنسا خارجا عن القدرة ويكون العجز مع القدرة على آلته من الكلام أبلغ في المعجز. * القسم الخامس: ما يدخل في أفعال البشر ويفضي إلى خروجه عن مقدار البشر كالبرء الحادث عن المرض والزرع الحادث عن البذر فإن برىء المرض المزمن لوقته واستحصد الزرع المتأكل قبل أوانه كان بخرق العادة معجزا لخروجه عن القدرة.

стр. 37

* القسم السادس: عدم القدرة عما كان داخلا في القدرة كإنذار الناطق بعجزه عن الكلام وإخبار الكاتب بعجزه عن الكتابة، فيكون ذلك معجزا يختص بالعاجز ولا يتعداه لأنه على يقين من عجز نفسه وليس غيره على يقين من عجزه. * القسم السابع: إنطاق حيوان أو حركة جماد فإن كان باستدعائه أو عن إشارته كان معجزا له وإن ظهر بغير استدعاء ولا إشارة لم يكن معجزا له وإن خرق العادة لأنه ليس اختصاصه به بأولى من اختصاصه بغيره وكان من نوادر الوقت وحوادثه. * القسم الثامن: إظهار الشي في غير زمانه كإظهار فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فإن كان استبقاؤهما في غير زمانهما ممكنا لم يكن معجزا وإن لم يمكن استبقاؤهما كان معجزا سواء بدأ بإظهاره أو طولب به. * القسم التاسع: انفجار الماء وقطع الماء المنفجر إذا لم يظهر بحدوثه أسباب من غيره فهو من معجزاته لخرق العادة به. * القسم العاشر: إشباع العدد الكثير من الطعام اليسير وارواءهم من الماء القليل يكون معجزا في حقهم وغير معجز في حق غيرهم لما قدمناه من التعليل وهذه الأقسام ونظائرها الداخلة في حدود الأعجاز متساوية الأحكام في ثبوت الإعجاز وتصديق مظهرها على ما ادّعاه من النبوّة وإن تفاوت الأعجاز فيها وتباين كما أن دلائل التوحيد قد تختلف في الخفاء والظهور وإن كان في كل منها دليل، فأما فعل ما يقدر البشر على ما يقاربه وإن عجزوا عن مثله فليس بمعجز لأن الجنس مقدور عليه وإنما الزيادة فضل حذق به كالصنائع التي يختلف فيها أهلها فلا يكون لأحذقهم بها معجز يجوز أن يدّعي به النبوّة. فإن قيل: فقد جاء زرادشت وبولس بآيات مبهرة ولم تدل على صدقهما في دعوى النبوّة. قيل: لأنهما قد أكذبا أنفسهما ما ادعياه في الله تعالى مما يدل على جهلهما به لأن بولس يقول أن عيسى إله، وزعم زرادشت أن الله تعالى كان وحده ولا

стр. 38

شيء معه، فحين طالت وحدته فكّر فتولّد من فكرته اهرمن وهو إبليس فلما مثل بين عينيه أراد قتله وامتنع منه فلما رأى امتناعه وادعه إلى مدته وسالمه إلى غايته ومن قال بهذا في الله تعالى ولم يعرفه لم يجز أن يكون رسولا له، ثم دعوا إلى القبائح والأفعال السيئة كما شرع زرادشت الوضوء بالبول وغشيان الأمهات وعبادة النيران وكذلك بولس وماني فخذلهم الله تعالى، ولو دعوا إلى محاسن الأخلاق كانت الشبهة بهم أقوى والاغترار بهم أكثر ولكن الله تعالى عصم بالعقول من استرشدها وقاد إلى الحق من أيقظه بها. المعجزات والنبوّة ولا يجوز أن يظهر الله تعالى المعجز مما يجعله دليلا على صدقه في غير النبوة وإن كان فيه مطيعا لأن النبوّة لا يوصل إلى صدقه فيها إلّا بالمعجز لأنه مغيب لا يعلم إلّا منه فاضطر إلى الإعجاز في صدقه وغير النبوّة من أقواله وأفعاله قد يعلم صدقه فيها بالعيان والمشاهدة وتخرج عن صورة الإعجاز وإن نفدت ولئلا تشتبه معجزات الأنبياء بغيرها، وأما مدعي الربوبية إذا أظهر آيات باهرة فقد ذهب قوم إلى أنها قد تكون معجزة بطلت بكذبه فلم يمتنع لظهور بطلانها أن توجد منه وإن لم توجد منه إذا كان كاذبا في ادعاء النبوّة لأنه لم يقترن بدعواه ما يبطلها كمدعي الربوبية والذي عليه قول الجمهور أنه لا يجوز أن يظهر المعجز على مدعي الربوبية كما لا يجوز أن يظهر على مدعي النبوّة لأن معصيته في ادعاء الربوبية أغلظ وأفكه فيها أعظم فكان بأن لا تظهر عليه أجدر، وإذا استوضح ما أظهره مدعي الربوبية من الآيات ظهر فسادها وبان اختلالها فخرجت عن الإعجاز إلى سحر أو شعبذة. الإدراك والمعاينة ولما علم الله تعالى أن أكثر عباده لا يشهدون حجج رسله ولا يحضرون آيات أنبيائه إما لبعد الدار أو لتعاقب الأعصار طبع كل فريق على الأخبار بما عاين فيعلمه الغائب من الحاضر ويعرفه المتأخر من المعاصر وقد علم مع اختلاف الهمم أن خبر التواتر إذا انتفت عنه الريب حق لا يعترضه شك وصدق

стр. 39

لا يشتبه بإفك فصار وروده كالعيان في وقوع العلم به اضطرارا فثبتت به الحجة ولزم به العلم، وقد قال الطفيل الغنوي مع أعرابية في وقوع العلم باستفاضة الخبر ما دلته عليه الفطرة وقاده إليه الطبع فقال: تأوبني هم من الليل منصب «٧» ... وجاء من الأخبار ما لا يكذب تظاهرن حتى لم يكن لي ريبة ... ولم يك عما أخبروا متعقب الوحي والنبوّة وأما ما يجوز لمدّعي النبوّة فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكلمه الله تعالى بغير واسطة. والثاني: أن يخاطبه بواسطة من ملائكته. والثالث: أن يكون عن رؤيا منام. فأما القسم الأول: إذا كلمه الله تعالى بغير واسطة مثل كلامه لموسى ﵇ حين نودي من الشجرة على ما قدمناه في الاختلاف في صفته، فيعلم اضطرارا أنه من الله تعالى وفيما يقع به علم الاضطرار في كلامه لأهل العلم قولان: أحدهما: أنه يضطره إلى العلم به كما يضطر خلقه إلى العلم بسائر المعلومات، فعلى هذا يستدل بمعرفة كلامه على معرفته ويسقط عنه تكليف معرفته ويجوز أن يكون كلامه من غير جنس كلام البشر للاضطرار إلى معرفة ما تضمنه. والثاني: أن يقترن بكلامه من الآيات ما يدل عن أنه منه فعلى هذا لا يسقط منه تكليف معرفته ولا يصح أن يكلمه إلّا بكلام البشر لعدم الاضطرار إلى معرفته. وأما القسم الثاني: وهو أن يكون خطابه بواسطة من ملائكته الذين هم رسله إلى أنبيائه فعلى الأنبياء معرفة الله تعالى قبل ملائكته في رسالته وطريق

стр. 40

علمهم به الاستدلال ثم يصير بعد نزول الملائكة بمعجزاتهم الباهرة علم الاضطرار وعلى الملائكة إذا نزلوا بالوحي على الرسول إظهار معجزتهم له كما يلزم الرسول إظهار معجزته لأمته. روي أن جبريل ﵇ لما تصدى لرسول الله ﷺ بمكة في الوادي قال له: قل يا محمد للشجرة أقبلي! فقال لها ذلك فأقبلت، وقال له: قل لها أدبري! فقال لها ذلك فأدبرت، فقال له رسول الله ﷺ : حسبي يعني في العلم بصدقك فيما أتيتني به عن ربي، فتستدل الرسل بالمعجزات على تصديق الملائكة بالوحي وتستدل الأمم بمعجزات الأنبياء على تصديقهم بالرسالة، ويكون خطاب الملك لفظا إن كان قرآنا أو ما قام مقام اللفظ إن كان وحيا ولا يجوز أن يؤدي الملك إلى الرسول ما تحمله عن ربه إلّا بلسان الرسول «٨» ، كما لا يؤدي الرسول إلى قومه إلّا بلسانهم ويكون الملك واسطة بين الرسول وبين ربه، والرسول واسطة بين الملك وبين قومه وما يؤديه الملك إلى الرسول ليؤديه الرسول إلى قومه ضربان: قرآن ووحي، فأما القرآن فيلزم الملك أن يؤديه إلى الرسول بصيغة لفظه، وليس للملك ولا للرسول أن يعدل بلفظه إلى غيره ويكون ما تضمنه من الخطاب المنزل متوجها إلى الرسول وإلى أمته. وأما الوحي إذا تضمن تكليفا بأمر أو نهي فضربان: أحدهما: أن يكون نصا غير محتمل وصريحا غير متأول فهذا يعلمه الرسول من الملك بنفس الخطاب وتعلمه الأمة من الرسول بالبلاغ من غير نظر ولا استدلال، وليس للملك ولا للرسول أن يعدل بالنص إلى إجمال أو احتمال له. والضرب الثاني: أن يكون من المجمل أو المحتمل لمعان مختلفة فهذا يعلم المراد به من دليل يقترن بالخطاب ودليله ضربان: أحدهما: عقل المستمع. والثاني: توقيف المبلغ فأما ما عقل دليله ببديهة العقل فمحمول على
следующие страницы →