حديث بيروذ
قالوا «١» : ولما فصلت الجنود إلى الكور اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الأكراد وغيرهم، وكان عمر، ﵀، قد عهد إلى أبى موسى حين سارت الجنود إلى الكور أن يسير حتى ينتهى إلى حد ذمة البصرة، كى لا يؤتى المسلمون من خلفهم، وخشى أن يستلحم بعض جنوده أو ينقطع منهم طرف أو يخلف فى أعقابهم، فكان الذى حذر من اجتماع أهل بيروذ وقد أبطأ أبو موسى حتى تجمعوا، فخرج أبو موسى حتى ينزل ببيروذ على الجمع الذى تجمع بها، وذلك فى رمضان، فنزل على جمع لهم منعة، فالتقوا بين نهرى تيرى ومناذر، وقد توافى إليها أهل النجدات من أهل فارس والأكراد ليكيدوا المسلمين، أو ليصيبوا منهم عورة، ولم يشكوا فى واحدة من اثنتين.
فقام المهاجر بن زياد وقد تحنط واستقل فقال لأبى موسى: أقسم على كل صائم إلا رجع فأفطر، فرجع أخوه فيمن رجع لإبرار القسم، وذلك الذى أراد المهاجر أن يرجع أخوه لئلا يمنعه من الاستقتال، وتقدم فقاتل حتى قتل، ﵀، وفرق الله المشركين حتى تحصنوا فى قلة وذلة، وأقبل الربيع بن زياد، أخو المهاجر، فاشتد حزنه عليه، ورق له أبو موسى للذى رآه دخله من مصاب أخيه، فخلفه عليهم، وخرج أبو موسى حتى بلغ أصبهان، فلقى بها جنود أهل الكوفة محاصرين جىّ، ثم انصرف إلى البصرة وقد فتح الله على الربيع بن زياد أهل بيروذ من نهرتيرى، فهزمهم وجمع السبى والأموال، فتنقى أبو موسى ستين غلاما من أبناء الدهاقين وعزلهم، وبعث بالفتح إلى عمر، ﵀، ووفد وفدا، فجاءه رجل من عنزة يقال له: ضبة بن محصن، فقال:
اكتبنى فى الوفد، فقال: قد كتبنا من هو أحق منك، فانطلق مغاضبا مراغما، وكتب أبو موسى إلى عمر بقصة الرجل.
فلما قدم الكتاب بالفتح والوفد على عمر قدم العنزى فأتى عمر فسلم عليه، فقال:
من أنت؟ فأخبره، فقال: لا مرحبا ولا أهلا، فقال: أما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل، فاختلف إليه ثلاثا، يقول هذا ويرد عليه هذا، حتى إذا كان اليوم الرابع فدخل عليه، فقال له: ما نقمت على أميرك؟ فقال: تنقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه، وله جارية تدعى عقيلة، تغذى جفنة وتعشى جفنة، وليس منا رجل يقدر على ذلك، وله قفيزان، وله خانان، وفوض إلى زياد، وكان زياد هو ابن أبى سفيان، يلى أمور البصرة، وأجاز الحطيئة بألف.
стр. 1227
فكتب عمر، ﵀، كل ما قال، وبعث إلى أبى موسى، فلما قدم حجبه أياما، ثم دعا به، ودعا ضبة بن محصن، ودفع إليه الكتاب، فقال: اقرأ ما كتبت، فقرأ: أخذ ستين غلاما لنفسه، فقال أبو موسى: دللت عليهم، وكان لهم فداء ففديتهم، فأخذته فقسمته بين المسلمين، فقال ضبة: والله ما كذب ولا كذبت، وقرأ: له قفيزان، فقال أبو موسى:
قفيز لأهلى أقوتهم به، وقفيز فى أيديهم للمسلمين، يأخذون به أرزاقهم، فقال ضبة:
والله ما كذب ولا كذبت، فلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر، وعلم أن ضبة قد صدقه.
قال: وزياد يلى أمور الناس ولا يعرف هذا ما يلى، قال أبو موسى: وجدت له نبلا ورأيا، فأسندت إليه عملى. قال: وأجاز الحطيئة بألف. قال: سددت فمه بمالى أن يشتمنى، فقال: قد فعلت ما فعلت، فرده عمر، ﵀، وقال: إذا قدمت فأرسل إلىّ زيادا وعقيلة، ففعل، فقدمت عقيلة قبل زياد، وقدم زياد فأقام بالباب، فخرج عمر وزياد بالباب قائم وعليه ثياب بيض كتان، فقال: ما هذه الثياب؟ فأخبره، فقال: كم أثمانها؟
فأخبره بشىء يسير، وصدقه، فقال له: كم عطاؤك؟ قال: ألفان، قال: ما صنعت بأول عطاء خرج لك؟ فقال: اشتريت به والدتى فأعتقتها، واشتريت فى الثانى ربيبى عبيدا فأعتقته، فقال: وفقت، وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن، فوجده فقيها، فرده، وأمر أمراء البصرة أن يستعينوا برأيه، وحبس عقيلة بالمدينة.
وقال عمر، رضى الله عنه: ألا إن ضبة بن محصن غضب على أبى موسى فى الحق أن أصابه، وفارقه مراغما أن فاته أمر من أمور الدنيا، فصدق عليه وكذب، فأفسد كذبه صدقه، فإياكم والكذب، فإن الكذب يهدى إلى النار.
وكان الحطيئة قد لقيه فى غزاة بيروذ، وكان أبو موسى ابتدأها فحاصرهم حتى فلهم ثم جازاهم ووكل بهم الربيع، ثم رجع إليهم بعد الفتح فولى القسم.
ومن مدح الحطيئة فى أبى موسى:
وغارة كشعاع الشمس مشعلة ... تهوى بكل صبيح الوجه بسام
قب البطون من التعداء قد علمت ... أن كل عام عليها عام الجام
مستحقبات رواياها جحافلها ... يسمو بها أشعرى طرفه سامى
لا يزجر الطير إن مرت به سنحا ... ولا ياض له قسم بأزلام
جمعت من عامر فيها ومن أسد ... ومن تميم وذبيان ومن حام
стр. 1228
وما رضيت لهم حتى رفدتهم ... من وائل رهط بسطام بإصرام
فى متلف طائعا لله محتسبا ... يرجو ثواب كريم العفو رحام
غزوة سلمة بن قيس الأشجعى الأكراد
ذكر الطبرى «١» من طريقين، كلاهما ينمى إلى سليمان بن بريدة، واللفظ فى الحديثين متقارب، وربما كان فى أحدهما زيادة على الآخر، وأحدهما عن سيف بن عمر، وفيه: أن سليمان بن بريدة قال: لقيت رسول سلمة بن قيس الأشجعى، فقال:
كان عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، إذا اجتمع له جيش من العرب، بعث عليهم رجلا من أهل العلم والفقه، فاجتمع إليه جيش، فبعث سلمة بن قيس، فقال: سر باسم الله، قاتل فى سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال: ادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا واختاروا دارهم فعليهم فى أموالهم الزكاة، وليس لهم فى فىء المسلمين نصيب، وإن اختاروا أن يكونوا معكم فلهم مثل الذى لكم وعليهم مثل الذى عليكم، وإن أبوا فسلوهم الخراج، فإن أعطوكموه فقاتلوا عدوكم من ورائهم، وفرغوهم لخراجهم، ولا تكلفوهم فوق طاقتهم، فإن أبوا فقاتلوهم، فإن الله ناصركم عليهم، وإن تحصنوا منكم فى حصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله ورسوله فلا تعطوهم على حكم الله ورسوله، فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم، وإن سألوكم أن ينزلوا على ذمة الله ورسوله فلا تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله، وأعطوهم ذمم أنفسكم، فإن قاتلوكم فلا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا.
قال: فلقينا عدونا من المشركين من الأكراد، فدعوناهم إلى ما أمر به أمير المؤمنين من الإسلام، فأبوا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوا، فقاتلناهم، فنصرنا عليهم، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية وجمعنا الرثة، فوجد فيها سلمة حقى جوهر، فجعلهما فى سقط، ثم قال:
إن هذا لا يبلغ فيكم شيئا، فإن طابت أنفسكم به لأمير المؤمنين بعثت به إليه، فإن له بردا ومؤونة، فقالوا: نعم، قد طابت أنفسنا، فبعثنى سلمة، يعنى بالخبر والسفط، إلى أمير المؤمنين.
قال: فدفعت إليه ضحى والناس يتغدون وهو متكئ على عصا كهيئة الراعى فى غنمه يطوف فى تلك القصاع يقول: يا يرفاء، زد هؤلاء لحما، زد هؤلاء خبزا، زد هؤلاء
стр. 1229
مرقة، فلما دفعت إليه قال: اجلس، فجلست فى أدانى الناس، فإذا طعام فيه خشونة وغلظ، طعامى الذى معى أطيب منه، فلما فرغ الناس قال: يا يرفاء، ارتفع قصاعك، ثم أدبر واتبعته، فدخل داره ثم دخل حجرته، فاستأذنت وسلمت، فأذن لى، فإذا هو جالس على مسح متكئ على وسادتين من أدم محشوتين ليفا، فنبذ إلىّ إحداهما، فجلست عليها، فقال: يا أم كلثوم، غداءنا، فجاؤا إليه بقصعة فيها خبز وزيت فى عرضها ملح لم يدق، فقال لى: كل، فأكلت قليلا، وأكل حتى فرغ، ما رأيت رجلا أحسن أكلا منه، ما يتليس طعامه بيده ولا فمه، ثم قال: اسقونا، فجاؤا بغس، فقال: اشرب، فشربت قليلا، شرابى الذى معى أطيب منه، فأخذه فشربه حتى قرع القدح جبهته، وقال: إنك لضعيف الأكل والشرب، ثم قال: الحمد لله الذى أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا.
قال: قلت: قد أكل أمير المؤمنين فشبع، وشرب فروى، حاجتى يا أمير المؤمنين، قال:
وما حاجتك؟ قلت: أنا رسول سلمة بن قيس، فقال: مرحبا بسلمة وبرسوله، وكأنما خرجت من صلبه، قال: حدثنى عن المهاجرين، كيف هم؟ قلت: كما تحب من السلامة والظفر على العدو، قال: كيف أسعارهم؟ قلت: أرخص أسعار، قال: كيف اللحم فيهم؟ فإنه شجرة العرب ولا تصلح العرب إلا بشجرتها، قلت: البقرة بكذا، والشاة بكذا، ثم قلت: يا أمير المؤمنين، سرنا حتى لقينا عدونا من المشركين، فدعوناهم إلى ما أمرتنا به من الإسلام فأبوا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوا، فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، وجمعنا الرثة، وخرج له عن الحديث كله حتى انتهى إلى السقط وأخرجه إليه.
قال: فلما نظر إلى تلك الفصوص من بين أحمر وأصفر وأخضر، وثب وجعل يديه فى خاصرتيه، وقال: لا أشبع الله إذا بطن عمر! وظن النساء أنى قد اغتلته، فكشفن الستر، فقال: يا يرفاء، جأ عنقه، فوجأ عنقى وأنا أصيح، فقال: النجاء، وأظنك ستبطئ، أما والذى لا إله غيره لئن تفرق الناس إلى مشاتيهم قبل أن يقسم هذا فيهم لأفعلن بك وبصاحبك فاقرة، قلت: يا أمير المؤمنين، ابدع بى فاحملنى، قال: يا برفاء، اعطه راحلتين من الصدقة، فإذا لقيت أفقر إليهما منك فادفعهما إليه، قلت: نعم، وارتحلت حتى أتيت سلمة، فقلت: ما بارك الله لى فيما اختصصتنى به، اقسم هذا فى الناس قبل أن أفضح والله وتفضح. قال: فقسمه فيهم قبل التفرق إلى مشاتيهم، والفص يباع بخمسة دراهم وستة دراهم، وهو خير من عشرين ألفا.
стр. 1230
وقد تقدم قبل فى فتح فسا ودرابجرد خبر لرسول سارية بن زنيم شبيه بهذا الخبر، فالله تعالى أعلم.
وذكر الطبرى غزوة سلمة بن قيس هذه فى سنة ثلاث وعشرين، وهى السنة التى قتل عمر، رضى الله عنه، فى آخرها، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر الخبر عن إحرام عمر بن الخطاب، رضى الله عنه إلى حين مقتله
لم يزل عمر، رضى الله عنه، قائما على أمر الله، مجتهدا فيه، مجاهدا لأعدائه متعرفا منه سبحانه، من المعونة والتأييد وجميل الكفاية والعناية والصنع ما وطأ له البلاد ودوخ الممالك، وألقى إليه مقاليد الأمم من الفرس والروم والترك والأكراد وغيرهم من الأمم والأجيال الذين تقدم ذكرهم، وأنجز الله فى مدة خلافته معظم ما وعد به رسوله ﷺ من الفتوح، وجمع إليه أكثر ما زواه له من الأرض، وتغلغلت جنوده فى الآفاق عند ما أذن لها فى الانسياح، حتى أمرهم آخر إمارته بالإقصار، والكف احتياطا على المسلمين ونظرا للإسلام، وأقبل عند ما أذن لهم فى ذلك على الدعاء، وتتبع آثار العمال بالعيون والنصحاء فى السر والعلانية، وتفقد الناس فى الشرق والغرب، إلى أن أتته منيته المحتومة، بالشهادة المقدرة له فى مصلاه، على ما يأتى الذكر له إن شاء الله تعالى.
وقد ورد فى غير موضع من الآثار ذكر رسول الله ﷺ لاستشهاده مخبرا وداعيا، وهو الداعى المجاب، والصادق المصدوق، صلوات الله وبركاته عليه.
وروى عن عوف بن مالك الأشجعى أنه رأى فى المنام على عهد أبى بكر، رحمه الله تعالى، كأن الناس جمعوا، فإذا فيهم رجل قد علاهم، فهو فوقهم بثلاثة أذرع، قال:
فقلت: من هذا؟ قالوا: عمر، قلت: ولم؟ قالوا: لأن فيه ثلاث خصال: لا يخاف فى الله لومة لائم، وإنه خليفة مستخلف، وشهيد مستشهد، قال: فأتى أبا بكر فقصها عليه، فأرسل أبو بكر إلى عمر ليبشره، قال: فجاء، فقال لى أبو بكر: اقصص رؤياك، فلما بلغت: خليفة مستخلف، زبرنى عمر وانتهرنى، وقال: اسكت، تقول هذا وأبو بكر حى.
قال: فلما كان بعد وولى عمر، مررت بالشام وهو على المنبر، فدعانى فقال: اقصص
стр. 1231
رؤياك، فقصصتها، فلما قلت: إنه لا يخاف فى الله لومة لائم، قال: إنى لأرجو أن يجعلنى الله منهم، فلما قلت: خليفة مستخلف، قال: قد استخلفنى، فأسأله أن يعيننى على ما ولانى، فلما ذكرت: شهيد مستشهد، قال: أنّى لى الشهادة وأنا بين أظهركم تغزون ولا أغزو؟ ثم قال: بلى، يأتى الله بها أنّى شاء، يأتى الله بها أنّى شاء.
وكان عمر، ﵀، ملازما للحج فى سنى خلافته كلها، وكان من سيرته أن يأخذ عماله بموافاته كل سنة فى موسم الحج ليحجزهم بذلك عن الرعية، ويحجر عليهم الظلم، ويتعرف أحوالهم فى قرب، وليكون للرعية وقت معلوم ينهون إليه شكاويهم فيه. فلما كانت السنة التى قتل منسلخها، رضى الله عنه، خرج إلى الحج على عادته، وأذن لأزواج النبى ﷺ فخرجن معه، فلما وقف عمر، ﵀، يرمى الجمرة أتاه حجر فوقع على صلعته فأدماه، وثم رجل من بنى لهب، قبيلة من الأزد، تعرف فيها العيافة والزجر، وإياها عنى القائل:
تيممت لهبا أبتغى العلم عندهم ... وقد رد علم العالمين إلى لهب
فقال اللهبى عند ما أدمى عمر، ﵀: أشعر أمير المؤمنين لا يحج بعدها.
ويروى عن عائشة، رضى الله عنها، وحجت مع عمر تلك الحجة: أنه لما ارتحل من الحصبة أقبل رجل متلثم، قالت: فقال وأنا أسمع: أين كان منزل أمير المؤمنين؟ فقال قائل: هذا كان منزله، فأناخ فى منزل عمر، ثم رفع عقيرته يتغنى:
عليك السلام من أمير وباركت ... يد الله فى ذلك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحى نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق فى أكمامها لم تفتق
قالت عائشة: فقلت لبعض أهلى: اعلموا لى من هذا الرجل، فذهبوا، فلم يجدوا فى مناخه أحدا، قالت عائشة: فو الله إنى لأحسبه من الجن، فلما قتل عمر نحل الناس هذه الأبيات للشماخ بن ضرار أو لأخيه مزرد.
وقال سعيد بن المسيب: لما صدر عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، من منى أناخ بالأبطح، ثم كوم كومة بطحاء، ثم طرح عليها رداءه واستلقى، ثم مد يديه إلى السماء، فقال: اللهم كبرت سنى، وضعفت قوتى، وانتشرت رعيتى، فاقبضنى إليك غير مضيع ولا مفرط، ثم قدم المدينة، فخطب الناس فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا، وضرب بإحدى يديه على الأخرى.
стр. 1232
قال سعيد: فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل، ﵀.
وروى عن عمر، ﵀، أنه لما انصرف من حجته هذه التى لم يحج بعدها وانتهى إلى ضجنان، وقف فقال: الحمد لله ولا إله إلا الله، يعطى من يشاء ما يشاء، لقد كنت بهذا الوادى أرعى إبلا للخطاب، وكان فظا غليظا يتعبنى إذا عملت، ويضربنى إذا قصرت، وقد أصبحت وأمسيت وليس بينى وبين الله أحد أخشاه، ثم تمثل:
لا شىء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجرى الرياح له ... والإنس والجن فيما بينها برد
أين الملوك التى كانت نوافلها ... من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بد من ورده يوما كما وردوا
ثم إن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، بعد أن قدم المدينة من حجه خرج يوما يطوف بالسوق، فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وكان نصرانيا، فقال: يا أمير المؤمنين، أعدنى على المغيرة، فإن علىّ خراجا كثيرا، قال: وكم خراجك؟ قال: درهمان فى كل يوم، قال: وإيش صناعتك؟ قال: نجار، نقاش، حداد، قال: فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من الأعمال، قال: وبلغنى أنك تقول: لو أردت أن أعمل رحا تطحن بالريح لفعلت، قال: نعم، قال: فاعمل لى رحا، قال: لئن سلمت لأعملن لك رحا يتحدث بها من بالمشرق والمغرب، ثم انصرف عنه، فقال عمر: لقد توعدنى العلج آنفا، ثم انصرف عمر إلى منزله.
فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار، فقال: يا أمير المؤمنين، اعهد، فإنك ميت فى ثلاثة أيام، قال: وما يدريك؟ قال: أجده فى كتاب الله، التوراة، فقال عمر: آلله إنك لتجد عمر بن الخطاب فى التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك، بأنه قد فنى أجلك، وعمر لا يحس وجعا ولا ألما، فلما كان من الغد جاءه كعب فقال: يا أمير المؤمنين، ذهب يوم وبقى يومان، ثم جاء من بعد الغد فقال: ذهب يومان وبقى يوم وليلة، وهى لك إلى صبحها، فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة، وكان يوكل بالصفوف رجالا، فإذا استوت أخبروه فكبر، ودخل أبو لؤلؤة فى الناس فى يده خنجر له رأسان نصابه فى وسطه، فضرب به عمر ست ضربات، إحداهن تحت سرته، هى التى قتلته، فلما وجد عمر حر السلاح سقط، وقال: دونكم الكلب فإنه قتلنى، وماج الناس وأسرعوا إليه، فجرح منهم ثلاثة عشر رجلا، حتى جاء رجل منهم فاحتضنه من خلفه،
стр. 1233
وقيل: ألقى عليه برنسا، فقيل: إنه لما أخذ قتل نفسه. وقال عمر، رضى الله عنه، عندما سقط: أفى الناس عبد الرحمن بن عوف؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين، هو ذا، قال: تقدم فصل بالناس. قال: فصلى عبد الرحمن بن عوف، وحمل عمر إلى منزله، فدعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: إنى أريد أن أعهد إليك، قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، أتشير علىّ بذلك؟ قال: اللهم لا، قال: والله لا أدخل فيه أبدا، قال: فهبنى صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفى رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، ادع لى عليا وعثمان والزبير وسعدا، قال: وانتظروا أخاكم طلحة ثلاثا، فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم، أنشدك الله يا على إن وليت من أمر الناس شيئا أن تحمل بنى هاشم على رقاب الناس، وأنشدك يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بنى أبى معيط على رقاب الناس، وأنشدك يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس، قوموا فتشاوروا، ثم اقضوا أمركم، وليصل بالناس صهيب، وأمرهم أن يحضر معهم عبد الله بن عمر على أن لا يكون له فى الأمر شىء.
ثم دعا أبا طلحة الأنصارى، فقال: قم على بابهم لا تدع أحدا يدخل إليهم، وأوصى الخليفة من بعدى بالأنصار الذين تبوؤا الدار والإيمان، أن يحسن إلى محسنهم، وأن يتجاوز عن مسيئهم، وأوصى الخليفة من بعدى بالعرب، فإنها مادة الإسلام، أن تؤخذ صدقات أغنيائهم فتوضع فى فقرائهم، وأوصى الخليفة من بعدى بذمة رسول الله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم، اللهم هل بلغت، تركت الخليفة من بعدى على أنقى من الراحة، يا عبد الله بن عمر، اخرج فانظر من قتلنى، فقال: يا أمير المؤمنين، قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، قال: الحمد لله الذى لم يجعل منيتى بيد رجل سجد لله سجدة واحدة، يحاجنى بلا إله إلا الله، يا عبد الله، إن اختلف القوم فكن مع الأكثر، وإن كانوا ثلاثة وثلاثة فاتبع الحرب الذى فيه عبد الرحمن بن عوف، يا عبد الله، ائذن للناس، فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه، ويقول لهم: أعن ملأ منكم كان هذا؟
فيقولون: معاذ الله، ودخل فى الناس كعب، فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول:
وأوعدنى كعب ثلاثا أعدها ... ولا شك أن القول ما قاله كعب
وما بى حذار الموت إنى لميت ... ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب
فقيل له: لو دعوت الطبيب، فدعى له طبيب من بنى الحارث بن كعب، فسقاه نبيذا فخرج مشكلا، فقال: اسقوه لبنا، فخرج اللبن أبيض، فقال له الطبيب: لا أرى أن تمسى، فما كنت فاعلا فافعل. وفى رواية أنه قيل له عند ذلك: يا أمير المؤمنين، اعهد،
стр. 1234
قال: قد فرغت، وقال لعبد الله ابنه: يا عبد الله، اذهب إلى عائشة، فاسألها أن تأذن لى أن أدفع مع النبى ﷺ وأبى بكر. وفى رواية أنه قال له: اذهب إلى عائشة فقل لها: إن عمر يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، ولا تقل أمير المؤمنين، فإنى لست اليوم بأمير المؤمنين، فذهب إليها عبد الله فوجدها تبكى، فذكر لها ذلك، فقالت: نعم، قد كنت أردته لنفسى ولأوثرنه اليوم على نفسى، فرجع إليه عبد الله وهو متطلع إليه، فقال: ما قالت لك؟ قال: أذنت، قال: الحمد لله، ما كان علىّ أمر أهم من هذا، فإذا أنا مت فاغسلنى، ثم احملنى، وأعد عليها الاستئذان، فإذا أذنت وإلا فاصرفنى إلى مقابر المسلمين.
فلما توفى، ﵀ ورضى عنه، خرجوا به، فصلى عليه صهيب، ودفن فى بيت عائشة، رضى الله عنه وعنها.
ويروى أنه لما احتضر قال ورأسه فى حجر ابنه عبد الله، رضى الله عنهما:
ظلوم لنفسى غير أنى مسلم ... أصلى الصلاة كلها وأصوم
وكان مقتله لأربع بقين من ذى الحجة من سنة ثلاث وعشرين، وقيل: لثلاث بقين منه، وقيل: إن وفاته كانت غرة المحرم من سنة أربع وعشرين.
ونزل فى قبره عثمان وعلى وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبى وقاص، وقيل: صهيب وابنه عبد الله بن عمر عوضا من الزبير وسعد.
واختلف فى مبلغ سنه يوم توفى، وأشهر ما فى ذلك أنه توفى ابن ثلاث وستين سنة، وأنه استوفى عدة خلافته سن رسول الله ﷺ التى توفى لها، وسن أبى بكر الصديق، رضى الله عنهما.
ويروى عن عامر الشعبى أنه لما طعن عمر، رضى الله عنه، دخل عليه عبد الله بن عباس، فقال: يا أمير المؤمنين، أبشر بالجنة، فقال: ما تقول؟ قال: اللهم نعم، أسلمت حين كفر الناس، وقاتلت مع رسول الله ﷺ حين خذله الناس، ومات نبى الله ﷺ وهو عنك راض، ولم يختلف فى خلافتك رجلان، ثم قتلت شهيدا، فقال عمر: والله إن من تغرونه لمغرور، والله لو أن لى ما طلعت عليه الشمس من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع.
وعن ابن عباس أيضا قال: لما وضع عمر فى أكفانه، اكتنفه الناس يصلون عليه
стр. 1235
ويدعون، فإذا أنا برجل قد زحمنى من خلفى، فنظرت، فإذا على بن أبى طالب، رضى الله عنه، فقام فدعا له وترحم عليه، ثم قال: والله ما أصبح أحد أحب إلىّ من أن ألقى الله بمثل صحيفته منك، وإنى لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأنى كثيرا ما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خرجت أنا وأبو بكر وعمر» ، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وفعلت أنا وأبو بكر وعمر» «١» ، فإنى أرجوا أن يجعلك الله مع صاحبيك.
وذكر عبد الله بن مسعود يوما عمر، رضى الله عنه، فهملت عيناه وهو قائم حتى بل الحصى، ثم قال: إن عمر كان حائطا كثيفا يدخله المسلمون ولا يخرجون منه، فلما مات عمر انثلم الحائط فهم يخرجون ولا يدخلون، وما من أهل بيت من المسلمين لم تدخل عليهم مصيبة من موت عمر إلا أهل بيت سوء، فإذا ذكر الصالحون فحىّ هلا بعمر.
وروى أنس، عن أبى طلحة أنه قال: والله ما أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم لموت عمر، رضى الله عنه، نقص فى دينهم وفى دنياهم.
وعن أبى وائل قال: خرج حذيفة إلى المدائن وهم يذكرون الدجال، فأخبرنا مسروق أنه سأله عن ذلك، فقال: نجب تجىء من هاهنا تنعى عمر.
وعن حذيفة أيضا قال: كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربا، فلما قتل عمر، رضى الله عنه، كان كالرجل المدبر، لا يزداد إلا بعدا.
وقالت عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نفيل، امرأة عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ترثيه:
وفجعنى فيروز لا در دره ... بأبيض تال للكتاب منيب
رؤف على الأدنى غليظ على العدا ... أخى ثقة فى النائبات نجيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله ... سريع إلى الخيرات غير قطوب
ومما ينسب إلى الشماخ بن ضرار، وإلى أخيه مزرد بن ضرار أنه قال فى عرم بن الخطاب، ويروى عن عائشة أن الجن بكت به على عمر، ﵀، قبل أن يقتل بثلاث، وقد تقدم ذكر بعض هذا الشعر:
أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتز العضاة بأسوق
جزى الله خيرا من إمام وباركت ... يد الله فى ذاك الأديم الممزق
стр. 1236
وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفى سبنتى أزرق العين مطرق
وقبل هذا البيت بيتان قد تقدما قبل، فلذلك حذفناهما الآن هنا اختصارا.
стр. 1237
ذكر خلافة ذى النورين أبى عمرو عثمان بن عفان أمير المؤمنين، رضى الله عنه ومبايعة أهل الشورى له بعد وفاة عمر، رضى الله عنه
ولما مضى عمر، ﵀، لسبيله، تفاوض أهل الشورى فيما بينهم ثلاثا بعد وفاته، وانصرف أمر جميعهم إلى عبد الرحمن بن عوف، رضى الله عنه، فباثع لعثمان، ﵀، فبايعه بقية أهل الشورى، وكافة الصحابة، رضى الله عن جميعهم، وذلك يوم السبت غرة المحرم من سنة أربع وعشرين.
وذكر سيف «١» بإسناد له، أنه لما بايع أهل الشورى عثمان، ﵀، خرج وهو أشدهم كآبة، فأتى منبر النبى ﷺ فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه ﷺ ، ثم قال: إنكم فى دار قلعة، وفى بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: ٣٣] ، اعتبروا بمن مضى، ثم جدوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين آيروها وعمروها ومتعوا بها طويلا، ألم تلفظهم؟ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة، فإن الله ضرب لها مثلها، والذى هو خير، فقال: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف: ٤٤، ٤٥] .
وذكر سيف «٢» أن أول كتاب كتبه عثمان، رضى الله عنه، إلى عماله:
أما بعد، فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدم إليهم فى أن يكونوا جباة، وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة، ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة ولا يكونوا رعاة، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء، ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا فى أمور الناس وفيما عليهم، فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم،
стр. 1238
ثم تثنوا بالذمة، فتعطوهم الذى لهم، وتأخذوهم بالذى عليهم، ثم العدو الذى تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء.
قال «١» : وأول كتاب كتبه إلى أمراء الجنود فى الفروج:
أما بعد، فإنكم حماة المسلمين وذادتهم، وقد وضع لكم عمر، ﵀، ما لم يغب عنا، بل كان عن ملأ منا، فلا يبلغنى عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغير الله بكم ويستبدل بكم غيركم، فانظروا كيف تكونون؟ فإنى أنظر فيما ألزمنى الله النظر فيه والقيام عليه.
وكتب، ﵀، إلى عمال الخراج:
أما بعد، فإن الله تعالى خلق الخلق بالحق، ولا يقبل إلا الحق، خذوا الحق وأعطوا الحق به، والأمانة الأمانة، قوموا عليها، ولا تكونوا أول من سلبها، فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء، لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد، فإن الله ورسوله خصم لمن ظلمهم.
وكان كتابه إلى العامة:
أما بعد، فإنكم إنما بلغتم ما بلغتم بالإقتداء والإتباع، فلا تلفتنكم الدنيا عن أمركم، فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولادكم من السبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن، فإن رسول الله ﷺ قال: «الكفر فى العجمة، فإذا استعجم عليهم أمر تكلفوا وابتدعوا» .
وزاد عثمان، رضى الله عنه، الناس فى أعطياتهم مائة مائة، وهو أول خليفة زاد الناس فى العطاء، وكان عمر، ﵀، يجعل لكل نفس منفوسة من أهل الفىء فى رمضان درهما فى كل يوم، وفرض لأزواج النبى ﷺ درهمين درهمين، فقيل له: لو وضعت لهم طعاما فجمعتهم عليه، فقال: أشبع الناس فى بيوتهم، فأقر عثمان الذى صنع عمر، وزاد فوضع طعام رمضان للمتعبد الذى يبيت فى المسجد ولابن السبيل وللمثوبين بالناس فى رمضان.
وكان فى مدة خلافته، ﵀، فتوح عظام فى البر والبحر، وهو أول من أغزى فيه، وقد تقدم ذكر كثير من ذلك كأفريقية وغزوة ذات الصوارى فى البحر على يدى
стр. 1239
عبد الله بن سعد، وغزوة قبرس على يدى معاوية بن أبى سفيان، وغير ذلك مما سلف فى هذا الكتاب.
ونذكر الآن من ذلك ما تيسر ذكره إن شاء الله تعالى مما لم نذكر قبل، وأكثر من ذلك مما كان قد افتتح على عهد عمر، ﵀، وانتقض بعد وفاته، فوجه إليه عثمان، ﵀، فاستردده، حتى استوثق الأمر، وانتظمت الفتوح.
ذكر غزوة الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية لمنع أهلها ما صالحوا عليه أهل الإسلام أيام عمر بن الخطاب «١»
ويقال: إنها كانت فى السنة التى بويع فيها عثمان، وقيل: فى سنة خمس وعشرين بعدها، وقيل: فى سنة ست، ذكر ذلك كله الطبرى.
وحكى «٢» أيضا عن أبى مخنف، عن قرة بن لقيط الأزدى ثم العامرى: أن مغازى أهل الكوفة كانت الرى وأذربيجان، وكان بالبحرين عشرة آلاف مقاتل من أهل الكوفة، ستة آلاف بأذربيجان، وأربعة آلاف بالرى، وكان بالكوفة إذ ذاك أربعون ألف مقاتل، وكان يغزو هذين المصرين منهم عشرة آلاف كل سنة، فكان الرجل تصيبه فى كل أربع سنين غزوة، فغزا الوليد بن عقبة فى أزمانه على الكوفة فى سلطانه عثمان أذربيجان وأرمينية، فدعا سلمان بن ربيعة الباهلى، فبعثه أمامه مقدمة له، وخرج الوليد فى جماعة الناس يريد أن يمعن فى أرض أرمينية، فمضى حتى دخل أذربيجان، فبعث عبد الله بن شبل بن عوف الأحمسى فى أربعة آلاف، فأغار على أهل موقان والببر والطيلسان، فأصاب من أموالهم وغنم، وسبى سبيا يسيرا، وتحرز القوم منه، فأقبل بذلك إلى الوليد.
ثم إن الوليد صالح أهل أذربيجان على ثمانمائة ألف درهم، وذلك هو الصلح الذى كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان أيام عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ثم حبسوها بعد وفاته، فلما وطئهم الوليد بالجيش، انقادوا وطلبوا إليه أن يتم لهم على ذلك صلح ففعل، وقبض منهم المال، وبث الغارات فيمن حولهم من أعداء الإسلام، فبعث سلمان ابن ربيعة إلى أرمينية فى إنثى عشر ألفا، فسار فى أرضها، فقتل وسبى، وغنم وانصرف
стр. 1240
مملوء اليدين إلى الوليد، فانصرف الوليد وقد ظفر وأصاب حاجته. فلما دخل الموصل راجعا أتاه كتاب من عثمان، ﵀:
أما بعد، فإن معاوية بن أبى سفيان كتب إلىّ يخبرنى أن الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع كثيرة عظيمة، وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة، فإذا أتاك كتابى هذا فابعث رجلا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وسخاءه وإسلامه فى ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إليهم من المكان الذى يأتيك فيه رسولى، والسلام.
فقام الوليد فى الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فإن الله قد أبلى المسلمين فى هذا الوجه بلاء حسنا، فرد عليهم بلادهم التى كفرت، وفتح بلادا لم تكن افتتحت، وردهم سالمين غانمين مأجورين، والحمد لله رب العالمين. وقد كتب إلىّ أمير المؤمنين أن أندب منكم ما بين العشرة الآلاف إلى ثمانية آلاف، تمدون إخوانكم من أهل الشام، فإنهم قد جاشت عليهم الروم، وفى ذلك الأجر العظيم، والفضل المبين، فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة، فانتدب الناس، فلم يمض ثلاثة أيام حتى خرج فى ثمانية آلاف من أهل الكوفة، فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشام إلى أرض الروم، فشنوا عليهم الغارات، وأصابوا ما شاؤا من سبى، وملأوا أيديهم من المغانم، وافتتحوا بها حصونا كثيرة.
وكان على أهل الشام حبيب بن مسلمة، وسلمان على أهل الكوفة، وزعم الواقدى أن سعيد بن العاص هو الذى أمد حبيبا بسلمان، وأن سبب ذلك أن عثمان، رضى الله عنه، أمر معاوية بإغزاء حبيب فى أهل الشام وأرمينية، فوجهه إليها معاوية، فبلغ حبيبا أن الموريان الرومى قد توجه نحوه فى ثمانين ألفا من الروم والترك، فأعلم بذلك معاوية فكتب معاوية إلى عثمان، فكتب عثمان إلى سعيد بإمداد حبيب، فأمده بسلمان فى ستة آلاف، وكان حبيب صاحب كيد، فأجمع على أن يبيت الموريان، فسمعته امرأته، أم عبد الله بنت يزيد الكلبية، يذكر ذلك، فقالت له: فأين موعدك؟ قال: سرادق الموريان أو الجنة، ثم بيتهم، فقتل من اشرأب له، وأتى السرادق فوجد امرأته قد سبقت، فكانت أول امرأة من العرب ضرب عليها سرادق، ثم مات عنها حبيب، فخلف عليها الضحاك ابن قيس الفهرى، فهى أم ولد.
стр. 1241
ذكر انتقاض فارس، ومسير عبد الله بن عامر إليها وفتحه إياها «١»
ولما ولى عثمان، ﵀، أقر أبا موسى الأشعرى على البصرة ثلاث سنين، وعزله فى الرابعة، وأمر على خراسان عمير بن عثمان بن سعد، وعلى سجستان عبيد الله بن عمير الليثى من بنى ثعلبة، فأثخن فيها إلى كابل، وأثخن عمير فى خراسان حتى بلغ فرغانة، فلم يدع دونها كورة إلا أصلحها، وبعث إلى مكران عبيد الله بن معمر التيمى، فأثخن فيها حتى بلغ النهر، وبعث على كرمان عبيد الله بن عنبس، وبعث إلى فارس والأهواز نفرا، وأبو موسى فى كل ذلك على البصرة.
فلما كان فى السنة الثالثة كفر أهل ايذج والأكراد، فنادى أبو موسى فى الناس، وحضهم، وذكر من فضل الجهاد فى الرجلة، حتى حمل نفر على دوابهم، وأجمعوا على ألا يخرجوا إلا رجالة، ثم نشأ بينه وبين أهل البصرة فى هذا الاستنفار ما نفرهم عنه، وطلبوا إلى عثمان أن يديلهم عنه، فدعا عثمان عند ذلك عبد الله بن عامر، فأمره على البصرة وصرف عبيد الله بن معمر إلى فارس، واستعمل مكانه عمير بن عثمان بن سعد، واستعمل على خراسان أمين بن أحمر اليشكرى، وعلى سجستان عمران بن الفضل البرجمى، وعلى كرمان عاصم بن عمرو، فمات بها.
فجاشت فارس فانتفضت بعبيد الله بن معمر، واجتمعوا له باصطخر، فالتقوا على بابها، فقتل عبيد الله، وبلغ الخبر عبد الله بن عامر، فاستنفر أهل البصرة إليهم، وخرج فى الناس وعلى مقدمته عثمان بن أبى العاص، فالتقى هو وأهل فارس باصطخر، فقتل منهم مقتلة عظيمة لم يزالوا منها فى ذل، وكتب بذلك إلى عثمان بن عفان، فكتب إليه يأمره أن يولى على كور فارس نفرا سماهم له، وفرق خراسان بين ستة نفر، منهم الأحنف بن قيس على المروين.
ذكر انتقاض خراسان، وخروج سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر إليها وذكر طبرستان واستيلاء سعيد عليها
ذكر الطبرى أن أدانى أهل خراسان وأقاصيهم اعترضوا زمان عثمان، رضى الله عنه،
стр. 1242
لسنتين خلتا من إمارته، فبدأ بنو كنارى وهم أخوال كسرى، فأنثروا وألجأوا عبد الرحمن ابن سمرة وعماله إلى مرو الروذ، وثنى أهل مرو الشاهجان، وثلث بنيزل فاستولى على بلخ، وأرز من بها إلى مرو الروذ وعليها ابن سمرة، فكتب إلى عثمان بخلع أهل خراسان، فأرسل إلى ابن عامر أن يسير فى جند البصرة، فخرج ابن عامر فى الجنود حتى يدخل خراسان على الطبسين من قبل يزدجرد، وبث الجنود فى كورها وأمرهم أن يطأوا فيهم، ووطأ هو فى أهل هراة بعد ما وهنهم الجزاء، وصالحوه، ثم ثنى بنيسابور ففعلت فعل هراة، ولقيت الكور من الجنود مثل ذلك، فذلوا لهم، واكتتب منهم أهل مرو الشاهجان وسائر خراسان، وسار ابن عامر إلى نيزل فقتل تركه قتل الكلاب، ولحق هو بترك بلاد الشام، وسيأتى بعد هذه المجملات مفصلة بعد.
وذكر الطبرى «١» بإسناد له قال: غزا سعيد بن العاص، وهو على الكوفة سنة ثلاثين يريد خراسان، ومعه حذيفة بن اليمان وناس من أصحاب رسول الله ﷺ ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو وابن الزبير، وخرج عبد الله ابن عامر من البصرة يريد خراسان، فسبق سعيدا ونزل ابرشهر، وبلغ ذلك سعيدا، فنزل قرمس، وهى صلح، صالحهم حذيفة بعد نهاوند، فأتى جرجان، فصالحوه على مائتى ألف، ثم أتى طميسة، وهى كلها من طبرستان متاخمة لجرجان، وهى مدينة على ساحل البحر، فقاتله أهلها حتى صلى يومئذ صلاة الخوف، وهم يقتتلون، بعد أن سأل حذيفة فأخبره كيف صلاة رسول الله ﷺ وضرب يومئذ سعيد رجلا من المشركين على حيل عاتقه، فخرج السيف من مرفقه، وحاصرهم، فطلبوا الأمان، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا، ففتحوا الحصن، فقتلهم جميعا إلا رجلا واحدا، وحوى ما كان فى الحصن.
وذكر الطبرى «٢» من طريق آخر أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان، ثم امتنعوا وكفروا، فلم يأت جرجان بعد سعيد أحد، ومنعوا ذلك الطريق، فلم يكن يسلك طريق خراسان من ناحية قومس إلا على وجل وخوف من أهل جرجان، وكان الطريق إلى خراسان من فارس إلى كرمان، فأول من صير الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولى خراسان.
وعن بشر بن حنظلة العمى أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان، فكانوا يجبون
стр. 1243
أحيانا مائة ألف، ويقولون: صلحنا، وأحيانا مائتى ألف، وأحيانا ثلاثمائة ألف، وكانوا ربما أعطوا ذلك، وربما منعوه، ثم امتنعوا وكثروا، فلم يعطوا خراجا حتى أتاهم يزيد بن المهلب، فلما صالح صولا وفتح البحيرة ودهستان صالح أهل جرجان على صلح سعيد ابن العاص.
ذكر مقتل يزدجرد «١»
قال الطبرى «٢» : اختلف فى سبب قتله، كيف كان؟ فذكر عن ابن إسحاق أن يزدجرد هرب من كرمان فى جماعة ليسير إلى مرو، فسأل مرزبانها مالا فمنعه، فخافوا على أنفسهم، فأرسلوا إلى الترك يستنصرون بهم عليه، فأتوه فبيتوه، وقتلوا أصحابه، وقيل: بل أهل مرو هم الذين بيتوه لما خافوه، ولم يستجيشوا عليه الترك، فقتلوا أصحابه، وخرج هاربا على رجليه، معه منطقته وسيفه وتاجه، حتى أتى إلى منزل نقار على شط المرغاب، فلما غفل يزدجرد، وقيل: لما نام، قتله النقار وأخذ متاعه، وألقى جسده فى المرغاب، فأصبح أهل مرو فاتبعوا أثره، حتى خفى عليهم عند منزل النقار، فأخذوه لهم بقتله، وأخرج متاعه، فقتلوا النقار وأهل بيته، وأخذ متاعه ومتاع يزدجرد وأخرجوه من المرغاب فجعلوه فى تابوت خشب، فزعم بعضهم أنه حمل إلى اصطخر فدفن بها فى أول سنة إحدى وثلاثين.
وكان يزدجرد قد وطئ امرأة بمرو، فولدت منه بعد مقتله غلاما ذاهب الشق، فسمى المخدج، وعاش حتى ولد له أولاد بخراسان، فوجد قتيبة حين افتتح الصغد أو غيرها جاريتين فقيل له: إنهما من ولد المخدج، فبعث بهما أو بإحداهما إلى الحجاج بن يوسف فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك، فولدت له يزيد بن الوليد بن عبد الملك الناقص.
وذكر عن المدائنى أن يزدجرد أتى خراسان، ومعه خرزادمهر أخو رستم، فقال لمرزبان مرو واسمه ماهويه: إنى قد أسلمت إليك الملك، ثم أقام بمرو وهم بعزل ماهويه، فكتب ماهويه إلى الترك يخبرهم بمكانه وعاهدهم على المؤازرة عليه وخلى لهم الطريق،
стр. 1244
فأقبلوا إلى مرو وخرج إليهم يزدجرد فى أصحابه، فقاتلهم ومعه ماهويه فى أساورة مرو، فأثخن فى الترك حتى خشى ماهويه أن ينهزموا، فتحول إليهم فى أساورة مرو، فانهزم جند يزدجرد وقتلوا، وعقر عند المساء فرس يزدجرد، فمضى ماشيا هاربا حتى انتهى إلى بيت فيه رحى على شط المرغاب، فمكث فيه ليلتين، فطلبه ماهويه فلم يقدر عليه إلى أن دخل صاحب الرحى بيته فى اليوم الثانى، فرأى يزدجرد، فقال: ما أنت؟ إنسى أم جنى؟ قال: إنسى، فهل عندك طعام؟ قال: نعم، فأتاه به، فقال: إنى مزموم، فأتنى بما أزمزم به.
فذهب الطحان إلى بعض الأساورة، فطلب منه ما يزمزم به، قال: وما تصنع به؟
فقال: عندى رجل لم أر مثله قط، وقد طلب هذا منى، فجاء الأسوار بالطحان إلى ماهويه، فأخبره فقال: هذا يزدجرد، اذهبوا فجيئونى برأسه، فقال له الموبذ: ليس ذلك إليك، قد علمت أن الدين والملك مقترنان، لا يستقيم أحدهما إلا بالآخر، ومتى فعلت انتهكت الحرمة العظيمة، وتكلم الناس فأعظموا ذلك، فشتمهم ماهويه وقال للأساورة:
من تكلم فاقتلوه، وأمر عدة فذهبوا مع الطحان ليقتلوا يزدجرد، فانطلقوا، فلما رأوه كرهوا قتله، وتدافعوا ذلك، وقالوا للطحان: ادخل فاقتله، فدخل عليه وهو نائم ومعه حجر فشدخ به رأسه، ثم اجتزه فدفعه إليهم، وألقى جسده فى المرغاب، فخرج قوم من أهل مرو فقتلوا الطحان وهدموا أرحاءه.
وذكر الطبرى «١» حديثين مختلفين مطولين، وأحدهما أطول من الآخر يتضمن ضروبا من الاضطرابات تقلب فيها، وأنواعا من الدوائر دارت عليه، حتى كانت منيته آخرها، وفيه أن رجال ماهويه الذين وجههم لطلب يزدجرد وأمرهم بقتله لما انتهوا إلى الطحان، فسألوه عنه، فأنكره، فضربوه ليدل عليه فلم يفعل، فلما أرادوا الانصراف قال أحدهم:
إنى أجد ريح المسك، ونظر إلى طرف ثوب من ديباج فى الماء، فاجتذبه، فإذا هو يزدجرد، فسأله ألا يقتله ولا يدل عليه، وجعل له سواره وخاتمه ومنطقته، فأبى عليه إلا أن يعطيه دراهم ويخلى عنه، ولم يكن ذلك عند يزدجرد، فقال: قد كنت أخبر أنى سأحتاج إلى أربعة دراهم، وقال للرجل: ويحك، خاتمى لك، وثمنه لا يحصى، فأبى وأنذر أصحابه، فأتوه، فطلب إليهم يزدجرد ألا يقتلوه، وقال: ويحكم، إنا نجد فى كتبنا أن من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق فى الدنيا، مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلونى وائتوا بى إلى الدهقان، أو سرحونى إلى العرب، فإنهم يستحيون مثلى من
стр. 1245
الملوك، فأخذوا ما كان عليه من الحلى، فجعلوه فى جراب وختموا عليه، ثم خنقوه بوتر، وطرحوه فى نهر مرو.
وفى آخر الحديث «١» : أنه لما بلغ مقتله رجلا من أهل الأهواز كان مطرانا على مرو، جمع من كان قبله من النصارى، وقال لهم: إن ملك الفرس قد قتل، وهو ابن شهريار بن كسرى، ولهذا الملك عنصر فى النصرانية، وإنما شهريار ولد شيرين التى قد عرفتم حقها وإحسانها إلى أهل ملتها فى غير وجه، مع ما نال النصارى فى مملكة جده كسرى من الشرف، وقبل ذلك فى مملكة ملوك من أسلافه، حتى بنى لهم بعضهم البيع، وسدد لهم بعضهم، يعنى للنصارى، ملتهم فينبغى لنا أن نحزن لقتل هذا الملك ونظهر من كرامته بقدر ما كان من إحسان سلفه وجدته إلى النصارى، وقد رأيت أن أبنى له ناووسا، وأحمل جثته فى كرامة حتى أواريها.
فقال له النصارى: أمرنا لأمرك تبع، ونحن لك على رأيك هذا مواطئون، فأمر المطران ببناء ناووس فى جرف بستان المطارنة بمرو، ومضى بنفسه ومعه نصارى مرو حتى استخرج جثة يزدجرد من النهر وكفنها وجعلها فى تابوت وحملها هو وأولئك النصارى على عواتقهم حتى أتوا به الناووس الذى بنى له وواروه فيه، وردموا بابه، فكان ملك يزدجرد عشرين سنة، منها أربع سنين فى دعة وست عشرة فى تعب من محاربة العرب إياه.
وكان آخر ملك من آل أردشير بن بابك، وصفا الملك بعده للعرب، فسبحان ذى العظمة والملكوت، الملك الحق الدائم الذى لا يموت، لا إله إلا هو، كل شىء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون.
ذكر فتح أبرشهر، وطوس، وبيورد، ونسا، وسرخس، وصلح مرو
ذكر الطبرى «٢» أن ابن عامر لما فتح فارس قام إليه أوس بن حبيب التميمى، فقال:
أصلح الله الأمير إن الأرض بين يديك، ولم تفتح من ذلك إلا القليل، فسر فإن الله ناصرك، قال: أو لم نأمرك بالمسير؟ وكره أن يظهر له أنه قبل رأيه.
وذكر فى بعض ما ذكره عن المدائنى أن ابن عامر لما فتح فارس رجع إلى البصرة
стр. 1246
واستعمل على اصطخر شريك بن الأعور الحارثى، فدخل على ابن عامر رجل من بنى تميم يقال له: الأحنف، وقيل غيره، فقال له: إن عدوك منك هارب، ولك هائب، والبلاد واسعة، فسر فإن الله ناصرك ومعز دينه.
فتجهز ابن عامر وأمر الناس بالتجهيز للمسير، واستخلف على البصرة زيادا، وسار إلى كرمان، ثم أخذ إلى خراسان.
قال: وأشياخ كرمان يذكرون أنه نزل العسكر بالسيرجان، وسار إلى خراسان، واستعمل على كرمان مجاشع بن مسعود، وأخذ ابن عامر على مفازة رابر، وهى ثمانون فرسخا، ثم سار إلى الطبسين يريد أبرشهر، وهى مدينة نيسابور، وعلى مقدمته الأحنف ابن قيس، فأخذ إلى قهستان، وخرج إلى أبرشهر فلقيته الهياطلة فقاتلهم الأحنف فهزمهم، ثم أتى ابن عامر نيسابور، وافتتح ابن عامر مدينة أبرشهر، قيل: صالحا، وقيل:
عنوة، وفتح ما حولها: طوس وبيورد ونسا وحمران وسرخس.
ويقال: إنه بعث إلى سرخس عبد الله بن خازم ففتحها، وأصاب جاريتين من آل كسرى.
ويروى أن أهل أبرشهر لما فتحها ابن عامر صالحا فى قول من قال ذلك، أعطوه جاريتين من آل كسرى.
وعن أشياخ من أهل خراسان: أن ابن عامر سرح الأسود بن كلثوم، من عدى الرباب، إلى بيهق، وهى من أبرشهر، بينهما ستة عشر فرسخا، ففتحها، وقتل الأسود، وكان فاضلا فى دينه ومن أصحاب عامر بن عبد قيس، وكان عامر يقول بعد ما خرج من البصرة: ما آسى من العراق على شىء إلا على ظماء الهواجر وتجاوب المؤنين، وإخوان مثل الأسود بن كلثوم.
ويروى أن ابن عامر لما غلب على من بنيسابور أرسل إله أهل مرو يطلبون الصلح، فبعث إليهم حاتم بن النعمان، فصالح مرزبان مرو على ألفى ألف ومائتى ألف.
وقال مقاتل بن حيان: على ستة آلاف ألف ومائتى ألف.
قال الطبرى «١» : وفى سنة اثنتين وثلاثين كانت غزوة معاوية بن أبى سفيان مضيق القسطنطينية، ومعه زوجته عاتكة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف،
стр. 1247
وقيل: فاختة. واستعمل سعيد بن العاص، سلمان بن ربيعة على فرج بلنجر، وأمد الجيش الذى كان به مقيما مع حذيفة بأهل الشام، عليهم حبيب بن مسلمة.
وكان عثمان، ﵀، قد أمر سعيدا بإغزاء سلمان، فيما ذكره سيف عن بعض رجاله، وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة، الذى يقال له: ذو النور، وهو على الباب: أن الرعية قد أبطر كثيرا منها البطنة، فقصر ولا تقتحم بالمسلمين، فإنى خاش أن يبتلوا، فلم يزجر ذلك عبد الرحمن عن غايته، فغزا فى السنة التاسعة من إمارة عثمان حتى إذا بلغ بلنجر حصرها ونصب عليها المجانيق والعرادات، فجعل لا يدنو منها أحد إلا أعنتوه أو قتلوه، وأسرعوا فى الناس.
ثم إن الترك اتعدوا يوما، فخرج أهل بلنجر، وتوافى إليهم الترك فاقتتلوا فأصيب عبد الرحمن، ذو النور، فانهزم المسلمون وتفرقوا.
وقد تقدم ذكر مقتله قبل، وأن المشركين احتازوه إليهم فجعلوه فى سفط، فكانوا يستسقون به بعد ويستنصرون به.
وذكر سيف من بعض طرقه»
: أنه لما تتابعت الغزوات على الخزر تذامروا وتعايروا وقالوا: كنا أمة لا يقوم لها أحد حتى جاءت هذه الأمة القليلة فصرنا لا نقوم لها، فقال بعضهم: إنهم لا يموتون، ولو كانوا يموتون لما افتتحوا علينا. ثم كمنوا فى الغياض ليجربوا، فرموا بعض من مر بهم فى ذلك الكمين من جند المسلمين فقتلوهم، فعند ذلك تداعوا إلى الحرب وتواعدوا يوما، فاقتتلوا فقتل عبد الرحمن وتفرق الناس فرقتين، فرقة نحو الباب فحماهم سلمان الفارسى حتى أخرجهم، وفرقة نحو الخزر، فطلعوا على جيلان وجرجان، فيهم سلمان الفارسى وأبو هريرة.
وقال بعضهم: غزا أهل الكوفة ثمان سنين من إمارة عثمان، رضى الله عنه، لم تئم فيهن امرأة، ولم ييتم فيهن صبى من قتل حتى كان، يعنى فى السنة التاسعة، فكان ما ذكر من قتل عبد الرحمن بن ربيعة ومن أصيب معه.
ذكر فتح مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان
ذكر الطبرى «٢» بإسناده عن ابن سيرين قال: بعث ابن عامر، الأحنف بن قيس إلى
стр. 1248
مرو الروذ، فحصر أهلها، فخرجوا إليهم فقاتلوهم، فهزمهم المسلمون حتى اضطروهم إلى حصونهم، فأشرفوا عليهم، فقالوا: يا معشر العرب، ما كنتم عندنا كما نرى، لو علمنا أنكم كما نرى لكاتب لنا ولكم حال غير هذه، فأمهلونا ننظر فى يومنا، وارجعوا إلى عسكركم، فرجع الأحنف.
فلما أصبح غاداهم وقد أعدوا له، فخرج من المدينة رجل من العجم معه كتاب، فقال: إنى رسول فأمنونى، فأمنوه، فإذا هو ابن أخى مرزبان مرو ومعه كتابه إلى الأحنف، وإذا فيه: إلى أمير الجيش، إنا نحمد الله الذى بيده الدول، يغير ما شاء من الملك، ويرفع من شاء بعد الذلة، ويضع من شاء بعد الرفعة، إنى دعانى إلى مصالحتك وموادعتك ما كان من إسلام جدى، وما كان رأى من صاحبكم من الكرامة والمنزلة، فمرحبا بكم فأبشروا، وأنا أدعوكم إلى الصلح على أن أؤدى إليكم خراجنا ستين ألف درهم، وأن تقروا بيدى ما كان ملك الملوك كسرى أقطع جد أبى حيث قتل الحية التى أكلت الناس وقطعت السبيل من الأرض والقرى بما فيها من الرجال، ولا تأخذوا من أحد من أهل بيتى شيئا من الخراج، ولا تخرجوا المرزبة من أهل بيتى إلى غيرهم، فإن جعلت ذلك لى خرجت إليك، وقد بعثت إليك ابن أخى ماهك ليستوثق منك بما سألت.
فكتب إليه الأحنف:
بسم الله الرحمن الرحيم، من صخر بن قيس أمير الجيش إلى باذان مرزبان مرو الروذ ومن معه من الأساورة والأعاجم، سلام على من اتبع الهدى وآمن واتقى، أما بعد، فإن ابن أخيك ماهك قدم علىّ، فنصح لك جهده، وأبلغ عنك، وقد عرضت ذلك على من معى من المسلمين، وأنا وهم فيما عليك سواء، وقد أجبناك إلى ما سألت، وعرضت علىّ أن تؤدى عن كورتك وفلاحيك والأرضين ستين ألف درهم إلىّ وإلى الوالى بعدى من أمراء المسلمين، إلا ما كان من الأرضين التى ذكرت أن كسرى الظالم لنفسه أقطعها جد أبيك، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وإن عليك نصرة المسلمين وقتال عدوهم بمن معك من الأساورة إن أحب المسلمون ذلك، وإن لك على ذلك نصر المسلمين على من يقاتل من ورائك من أهل ملتك، جار لك بذلك منى كتاب يكون لك بعدى، ولا خراج عليك ولا على أحد من أهل بيتك من ذوى الأرحام، وإن أنت أسلمت واتبعت الرسول كان لك ما للمسلمين من العطاء والمنزلة والرزق وأنت أخوهم، ولك بذلك ذمتى وذمة أبى وذمة المسلمين وذمم آبائهم.
стр. 1249
وعن مقاتل بن حيان: أن ابن عامر صالح أهل مرو، وبعث الأحنف فى أربعة آلاف إلى طخارستان، فأقبل حتى نزل موضع قصر الأحنف من مرو الروذ، وجمع له أهل طخارستان، وأهل الجوزجان، والطالقان، والفارياب، وكانوا ثلاثة زحوف، ثلاثين ألفا، وأتى الأحنف خبرهم، فاستشار الناس فاختلفوا، فمن قائل: نرجع إلى مرو، وقائل:
نرجع إلى أبرشهر، وقائل: نقيم ونستمد، وقائل: نلقاهم فنناجزهم.
قال: فلما أمسى الأحنف خرج يمشى فى العسكر، ويسمع حديث الناس، فمر بأهل خباء ورجل يوقد تحت خزيرة أو يعجن، وهم يتحدثون ويذكرون العدو، فقال بعضهم:
الرأى للأمير إذا أصبح أن يسير حتى يلقى القوم حيث لقيناهم، فإنه أرعب لهم، فنناجزهم، فقال صاحب الخزيرة أو العجين: إن فعل ذلك فقد أخطأ، أتأمرونه أن يلقى حد العدو مصحرا فى بلاده، فيلقى جميعا كثيرا بعدد قليل، فإن جالوا جولة اصطلموا؟
ولكن الرأى له أن ينزل بين المرغاب والجبل، فيجعل المرغاب عن يمينه والجبل عن يساره فلا يلقاه من عدوه وإن كثروا إلا عدد أصحابه، فرجع الأحنف وقد اعتقد ما قال، فضرب عسكره، وأقام فأرسل إليه أهل مرو يعرضون عليه أن يقاتلوا معه، فقال: إنى أكره أن أستنصر بالمشركين، فأقيموا على ما أعطيناكم، فإن ظفرنا فنحن على ما جعلنا لكم، وإن ظفروا بنا وقاتلوكم فقاتلوا عن أنفسكم.
قال: فوافوا المسلمين صلاة العصر، فعاجلهم المشركون، فناهضوهم وقاتلوهم فصبر الفريقان حتى أمسوا، والأحنف يتمثل:
أحق من لم يكره المنية ... حزور ليست له ذرية
وفى غير حديث مقاتل أن الأحنف لقيهم فى المسلمين ليلا فقاتلوهم حتى ذهب عامة الليل، ثم هزمهم الله، فقتلهم المسلمون حتى انتهوا إلى رسكن، وهى على أثنى عشر فرسخا من قصر الأحنف، وكان مرزبان مرو الروذ قد تربص بحمل ما كان صالح عليه، لينظر ما يكون من أمرهم، فلما ظفر الأحنف سرح رجلين إلى المرزبان، وأمرهما أن لا يكلماه حتى يقبضاه ففعلا، فعلم أنهما لم يصنعا ذلك به إلا وقد ظفروا، فحمل ما كان عليه.
وبعث الأحنف إلى الجوزجان الأقرع بن حابس فى جريدة خيل إلى بقية كانت بقيت من الزحوف التى هزمهم الأحنف، فقاتلهم الأقرع بخيله، فجال المسلمون جولة، فقتل بعض فرسانهم، ثم أظفر الله المسلمين بهم فهزموهم وقتلوهم، وأولئك القتلى من فرسان
стр. 1250
المسلمين عنى أبو كثير النهشلى إذ قال:
سقى مزن السحاب إذا استهلت ... مصارع فتية بالجوزجان
إلى القصرين من رستاق خوط ... أقادهم هناك الأقرعان
وهى طويلة.
ذكر جرى الصلح بين الأحنف وبين أهل بلخ «١»
قال المدائنى بإسناده عن إياس بن المهلب: سار الأحنف من مرو الروز إلى بلخ، فحاصرهم، فصالحه أهلها على أربعمائة ألف، فرضى بذلك منهم، واستعمل ابن عمه أسيد بن المتشمس على أخذها منهم، ومضى إلى خوارزم، فأقام حتى هجم عليه الشتاء، فقال لأصحابه: ما ترون؟ فقال له حصين: قد قال عمرو بن معدى كرب:
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
فأمر الأحنف بالرحيل، ثم انصرف إلى بلخ، وقد قبض ابن عمه ما صالحهم عليه، ووافق مهرجانهم وهو يجيبهم، فأهدوا إليه هدايا من آنية الذهب والفضة ودنانير ودراهم ومتاع ودواب، فقال أسيد: هذا لم نصالحكم عليه، قالوا: لا، ولكن هذا شىء نصنعه فى هذا اليوم لمن ولينا، نستعطفه به، قال: ما أدرى ما هذا؟ وإنى لأكره أن أرده، ولعله من حقى، ولكنى أقبضه وأعزله حتى أنظر، وقدم الأحنف، فأخبره، فسألهم عنه، فقالوا مثل ما قالوا له، فقال الأحنف: آتى به الأمير، فحمله إلى ابن عامر وأخبره عنه، فقال:
اقبضه يا أبجر، فهو لك، قال: لا حاجة لى فيه، فقال ابن عامر: ضمه إليك يا مسمار، قال: فضمه القرشى، وكان مضما.
وذكر المدائنى بإسناد آخر: أن ابن عامر حين صالح أهل مرو، وصالح الأحنف أهل بلخ بعث خليد بن عبد الله الحنفى إلى هراة وإلى باذغيس، فافتتحهما، ثم كفر العدو بعد ذلك فكان مع قارن.
وقال: ولما رجع الأحنف قال الناس لابن عامر: ما فتح على أحد ما فتح عليك، فارس، وكرمان، وسجستان، وعامة خراسان، فقال: لا جرم، لأجعلن شكرى لله على ذلك أن أخرج معتمرا من موقفى، فأحرم بعمرة من نيسابور، فلما قدم على عثمان، رضى الله عنه، لامه على إحرامه من خراسان، وقال له: ليتك تضبط الميقات الذى يحرم
стр. 1251
منه الناس. قال: استخلف ابن عامر على خراسان حين خرج منها سنة اثنتين وثلاثين قيس بن الهيثم، فجمع قارن جمعا كثيرا من ناحية الطبسين وأهل باذغيس وهراة وقهستان، فأقبل فى أربعين ألفا، فقال قيس لعبد الله بن حازم: ما ترى؟ قال: أرى أن تخلى البلاد فإنى أميرها، ومعى عهد من ابن عامر، إذا كانت حرب بخراسان فأنا أميرها، وأخرج كتابا قد افتعله، فكره قيس مشاغبته، فخلاه والبلاد، وأقبل إلى ابن عامر، فلامه ابن عامر، وقال: تركت البلاد حربا وأقبلت؟ قال: جاءنى بعهد منك.
قال: وسار ابن خازم إلى قارن فى أربعة آلاف، وأمر الناس فحملوا الودك، فلما قرب من عسكره أمر الناس أن يدرج كل واحد منهم على زج رمحه ما كان من خرقة أو قطن أو صوف، ثم يوسعوه ودكا من سمن أو زيت أو دهن أو إهالة. وقدم مقدمته ستمائة، ثم أتبعهم، وأمر الناس فأشعلوا النيران فى أطراف الرماح، وجعل بعضهم يقتبس من بعض، وانتهت مقدمته إلى عسكر قارن نصف الليل، ولهم حرس، فناوشوهم، وهاج المشركون على دهش، وكانوا آمنين على أنفسهم من البيات، ودنا ابن خازم منهم، فرأوا النيران يمنة ويسرة، وتتقدم وتتأخر، وتنخفض وترتفع، ولا يرون أحدا فهالهم ذلك، ثم غشيهم ابن خازم بالمسلمين، ومقدمته تقاتلهم، فقتل قارن وانهزم العدو، فاتبعوهم يقتلونهم كيف شاؤا، وأصابوا سبيا كثيرا، وأخذ ابن خازم عسكر قارن بما كان فيه، وكتب بالفتح إلى ابن عامر، فرضى وأقره على خراسان، فلبث عليها حتى انقضى أمر الجمل.
وقد روى أنه لما جمع قارن هذا الجمع للمسلمين، ضاق المسلمون بأمرهم، واستشار قيس، عبد الله بن خازم فى ذلك، فقال له: إنك لا تطيق كثرة من أتانا، فاخرج بنفسك إلى ابن عامر فتخبره بكثرة من جمعوا لنا، ونقيم نحن فى هذه الحصون نطاولهم حتى تقدم ويأتينا مددكم، فخرج قيس، فلما أمعن أظهر ابن خازم عهدا، وقال: قد ولانى ابن عامر على خراسان، فسار إلى قارن وظفر به، وكتب بالفتح إلى ابن عامر، فأقره على خراسان، فلم يزل أهل البصرة يغزون من لم يكن صالح من أهل خراسان، فإذا رجعوا خلفوا أربعة آلاف للعقبة، فكانوا كذلك حتى كانت الفتنة، فالله أعلم أى ذلك كان.
فتح عمورية وانتقاضها
وعن سعيد بن عبد العزيز: أن عثمان رضى الله عنه إئتم بأبى بكر وعمر رضى الله
стр. 1252
عنهما فى أثرة المجاهدين وتقويتهم بالأموال، ولقد زاد عثمان أهل العطاء مائة مائة، وتابع إغزاءهم أرض الروم، حتى ذلت عمورية وما دونها من مدائن ضاحية الروم على أداء الجزية، وعلى إنزال جماعة من المسلمين مدينة عمورية يقاتلون من خلفها، فلم يزل المسلمون بها حتى بلغ أهل عمورية قتل عثمان رضى الله عنه قبل أن يبلغ ذلك من كان بها من المسلمين، فقتلوهم على فرشهم، وانتقض ذلك الصلح.
وتمت الفتوح بعثمان رضى الله عنه ورحمه فلم تفتح بعده بلدة إلا صالحا، كان كفر أهلها، أو أرض مما افتتح، عيال على ما افتتح عمر، لا يقوى عليها الجنود إلا بالفىء الذى أفاء الله على عمر رضى الله عنه.
مقتل عثمان رضى الله عنه
وقتل عثمان رضى الله عنه بالمدينة فى الثامن عشر لذى الحجة سنة خمس وثلاثين، وقيل فى وسط أيام التشريق، وقيل يوم التروية، وقيل غير ذلك، ولا خلاف بينهم فى أنه قتل فى ذى الحجة، وإنما الخلاف فى أى يوم منه قتل، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وأياما، وسنه يوم قتل مختلف فيها أيضا على ما قيل فى ذلك أنه كان ابن تسعين سنة، وقيل: ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل: ابن ست وثمانين سنة، وقيل: ابن اثنتين وثمانين، وقيل، ابن ثمانين.
وقتل ﵀ ورضى عنه ظلما وتعديا، بمقدمات فتن نشأت على عهده، وقد كان رسول الله ﷺ أنذر بها، وأخبر ان الحق مع عثمان ﵀ ورضى عنه فيها.
وروى مرة البهزى أن رسول الله ﷺ قال: «إنها ستكون فتن كأنها صياصى بقمر» ، فمر علينا رجل متقنع فقال: هذا وأصحابه على الحق، فذهبت فنظرت إليه، فإذا هو عثمان بن عفان رضى الله عنه.
وحديث عائشة رضى الله عنها أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول له: «إن الله ملبسك قميصا تريدك أمتى على خلعه فلا تخلعه» ، قال: فلم أدر ما هو حتى رأيت عثمان قد أعطى كل شىء سئله إلا الخلع، فعلمت أنه على عهد رسول الله ﷺ الذى سمع منه.
وفى حديث آخر عنها: أنها رأت رسول الله ﷺ يسار عثمان، ولون عثمان يتغير،
стр. 1253
فلما حصر قيل له، ألا تقاتل؟ قال: لا إن رسول الله ﷺ عهد إلى عهدا فأنا صابر نفسى عليه.
وضايق الناس عثمان رضى الله عنه وانبسطوا عليه، وآذوه، وهو صابر على عهد رسول الله ﷺ راض بقضاء الله فيه، آمر بكف الأسلحة والأيدى، كل من انبعث لنصره، واق للمؤمنين بنفسه.
حدث عبد الله بن ربيعة أنهم كانوا معه فى الدار، فلما سمع أنهم يريدون قتله قال:
ما أعلم أنه يحل دم المؤمن إلا الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، أو قتل نفس بغير حق، وأيم الله، ما زنيت فى جاهلية ولا إسلام، وما ازددت للإسلام إلا حبا، ولا قتلت نفسا بغير حق، فعلام تقتلوننى؟ ثم عزم علينا أن نكف أيدينا وأسلحتنا، وقال: إن أعظمكم غناء أكفكم ليده وسلاحه.
وقال أبو هريرة لأهل الدار وهو معهم فيها: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول:
«تكون بعدى فتن وأمور» ، قلنا: فأين الملتجأ منها يا رسول الله؟ قال: «إلى الأمين وحزبه» ، وأشار إلى عثمان. فقام الناس فقالوا: قد أمكنتنا البصائر، فإذن لنا فى الجهاد، فقال عثمان: أعزم على من كانت لى عليه طاعة أن لا يقاتل.
ومما ينسب إلى كعب بن مالك يذكر هذه الحال من عثمان بعد قتله رضى الله عنه وقال مصعب: هى لحسان، وقال ابن أبى شبة: هى للوليد بن عقبة:
فكف يديه ثم أغلق بأبه ... وأيقن أن الله ليس بغافل
وقال لأهل الدار لا تقتلونهم ... عفا الله عن ذنب امرئ لم يقاتل
فكيف رأيت الله ألقى عليهم ال ... عداوة والبغضاء بعد التواصل
وكيف رأيت الخير أدبر بعده ... عن الناس إدبار السحاب الحوامل
وقال ابن عمر لبعض من وقع عنده فى عثمان: أما والله ما تعلم عثمان قتل نفسا بغير حق، ولا جاء من الكبائر شيئا، ولكن هو هذا المال إن أعطاكموه رضيتم، وإن أعطاه ذوى قرابته سخطتم، إنما تريدون أن تكونوا كفارس والروم، ولا يتركون أميرا إلا قتلوه، وفاضت عيناه من الدمع، وقال: اللهم إنا لا نريد ذلك.
وحسب عثمان، رضى الله عنه، من الفضل العظيم، والحظ الجسيم، إلى ما له فى الإسلام من الآثار الكرام والنفقات التى بيضت وجه النبى ﵇ قوله صلوات الله عليه: أنت وليى فى الدنيا والآخرة.
стр. 1254
ويروى أنه لما قتل سقطت من دمه قطرات على المصحف فصادفت قول الله تعالى:
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: ١٣٧] ، ويقال: إن الذى تولى قتله من الذين دخلوا عليه رجل من أهل مصر يقال له جبلة بن الأيهم، وكذلك كان جمهور الداخلين عليه من أهل مصر. فيروى عن يزيد بن أبى حبيب، وهو من جملة المصريين أنه قال: بلغنى أن عامة النفر الذين ساروا إلى عثمان بن عفان جنوا.
وعن أبى قلابة قال: كنت فى فندق بالشام، فسمعت مناديا ينادى: يا ويلة، النار النار، فقمت فإذا أنا برجل مقطوع اليدين من المنكبين، مقطوع الرجلين من الحقوين، أعمى، منكب لوجهه ينادى: يا ويلة، النار النار، فقلت: ما لك؟ قال: كنت فيمن دخل على عثمان يوم الدار، وكنت فى سرعان الناس، أو من أول الناس وصل إليه، فلما دنوت منه صاحت امرأته فلطمتها، فنظر إلى عثمان فتغرغرت عيناه بالدموع، وقال: ما لك سلب الله يدك ورجليك وأعمى بصرك وأدخلك جهنم، قال: فأخذتنى رعدة شديدة، ولا والله ما أحدثت شيئا غير هذا.
فخرجت وركبت راحلتى، حتى إذا صرت بموضعى هذا ليلا أتانى آت، واله ما أدرى إنسى هو أم جنى، ففعل بى الذى ترى، وقد استجاب الله دعوته فى يدى ورجلى وبصرى، فو الله إن بقى إلا النار. قال أبو قلابة: فهممت أن أطاء برجلى، ثم قلت: بعدا وسحقا.
وكان مع عثمان ﵀ ورضى عنه فى الدار جماعة من الصحابة وأناء الصحابة، يدرؤن عنه، وقاتلوا عنه يوم الدار حتى أخرج منهم يومئذ أربعة من شباب قريش محمولين مضرجين بالدم، وهم الحسن بن على، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم، ولما أخبر على بقتله قال للذين أخبروه: تبا لكم آخر الدهر، وسمع يومئذ ضجة، فسأل عنها، فقيل: عائشة تلعن قتلة عثمان، والناس يؤمنون، فقال على:
اللهم العن قتلة عثمان، اللهم العن قتلة عثمان.
وقال سعيد بن زيد: لو أن أحدا انقض لما فعل بعثمان لكان حقيقا أن ينقض.
وقال ابن العباس: لو اجتمع الناس على قتل عثمان لرموا بالحجارة كما رمى قوم لوط.
وقال عبد الله بن سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا ينغلق عنهم إلى يوم القيامة.
стр. 1255
وفى ذلك يقول بعضهم:
لعمر أبيك ولا تكذبين ... لقد ذهب الخير إلا قليلا
لقد سفه الناس فى دينهم ... وخلى ابن عفان شرا طويلا
وذكرت عائشة رضى الله عنها قتله وقتلته فقالت: اقتحم عليه النفر الثلاثة حرمة البلد الحرام والشهر الحرام وحرمة الخلافة، ولقد قتلوه وإنه لمن أوصلهم للرحم وأتقاهم لربه.
وقال أيمن بن خريم:
ضحوا بعثمان فى الشهر الحرام ضحى ... فأى ذبح حرام ويلهم ذبحوا
وأى سنة كفر من أولهم ... وباب شر على سلطانهم فتحوا
ماذا أرادوا أضل الله سعيهم ... بسفك ذاك الدام الذاكى الذى سفحوا
وقال على بن حاتم: سمعت يوم قتل عثمان صوتا يقول:
أبشر يا ابن عفان بروح وريحان ... أبشر يا ابن عفان برب غير غضبان
أبشر يا ابن عفان بغفران ورضوان
قال: فالتفت فلم أر أحدا.
والأخبار والأشعار فى هذه المعنى كثيرة، أعجلتنا عن الإكثار منها محاولة الخاتمة، فنسأل الله أن يجعلها جميلة، ويتقبلها قربة إليه وإلى رسوله ووسيلة.
стр. 1256
الخاتمة
وقد انتهى والحمد لله ما عملنا عليه فى هذا الكتاب، من قصد الاستيفاء لمغازى رسول الله ﷺ ومغازى الثلاثة الخلفاء، ولم يقع فى خلافة رابعهم فى تقلدها المحتوم بأيام محتوم أمدها، أبى الحسن على بن أبى طالب، رضى الله عنه وعنهم، من أمثال هذه الفتوح ما نثبته معها، ونجرى فى إيراده على الطريقة التى سلكنا مهيعها، لاستقباله بخلافته، رضى الله عنه، من مكابدة الفتن المارجة، ومحاربة الفئة الباغية، والفرقة الخارجة، ما أشتهر عند أهل الإسلام، وأغنى العلم به عن الإعلام، ولو كان لاغتنمنا به زيادة الإمتاع، وإفادة القلوب والأسماع، لأن هؤلاء الخلفاء الأربعة، رضى الله عنهم، هم بعد نبيهم، صلوات الله عليه، خير الأمة، والراشدون من الأئمة، وأولى من صرف إلى تقييد أخبارهم وتخليد آثارهم عنان الهمة، وأحق من اعتلق من حبهم، والإيواء إلى شعبهم، والثناء عليهم، والانضواء إلى حزبهم بأوثق أسباب العصمة وأمتن ذرائع الحرمة والرحمة، وكل صحابة المصطفى أهل منا لذلك، والموفق من سلك فى حبهم هذه المسالك.
وما فضل أصحاب النبى وقومه ... لمن رام إحصاء له بمحسب
ولكنه أجر وزخر أعده ... وأجعله أمنى وحصنى ومهربى
سأقطع عمرى بالصلاة عليهم ... وأداب فى حبى لهم كل مدأب
إليك رسول الله منها وسيلة ... تناجيك عن قلب بحبك مشرب
يزورك عن شحط الديار مسلما ... ويلقاك بالإخلاص لم يتنكب
تم كتاب الاكتفاء من مغازى سيدنا رسول الله ﷺ ومغازى الثلاثة الخلفاء، رضى الله عنهم، وحشرنا معهم، وربنا المحمود لا إله غيره، ولا مرجو إلا بركته وخيره. برسم الفقير إلى الله تعالى جمال الدين محمد بن ناصر الدين محمد بن السابق الحنفى الحموى، لطف الله تعالى به، على يد الفقير لعفو ربه القدير محمد بن خليل بن إبراهيم الحنفى، عامله الله بلطفه الخفى، وفرغ من كتابته فى اليوم المبارك نهار الأربعاء السادس من صفر سنة ستين وثمانمائة، أحسن الله عقبتها، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 1257
فهرس محتويات الجزء الثانى
ذكر بعث رسول الله ﷺ إلى الملوك، وكتابه إليهم يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام ٣ ذكر كتاب النبى ﷺ إلى قيصر، وما كان من خبر دحية معه ٤ ذكر توجه عبد الله بن حذافة إلى كسرى بكتاب النبى ﷺ وما كان من خبره معه ١٠ ذكر إسلام النجاشى، وكتاب رسول الله ﷺ إليه مع عمرو بن أمية الضمرى ١٢ كتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس صاحب الإسكندرية مع حاطب بن أبى بلتعة ١٣ ذكر كتاب رسول الله ﷺ إلى المنذر بن ساوى العبدى مع العلاء بن الحضرمى بعد انصرافه من الحديبية ١٥ ذكر كتاب النبى ﷺ إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى الأزديين، ملكى عمان، مع عمرو بن العاص ١٧ كتاب رسول الله ﷺ إلى هوذة بن على مع سليط بن عمرو العامرى، وما كان من خبره معه ١٩ ذكر كتاب النبى ﷺ إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى مع شجاع بن وهب ٢٢ ذكر كتاب النبى ﷺ إلى فروة بن عمرو الجذامى ثم النفاتى، وما كان من تبرعه بالإسلام هداية من الله له ٢٦
ذكر حجة الوداع وتسمى أيضا حجة التمام، وحجة البلاغ ٣٠ ذكر مصيبة الأولين والآخرين من المسلمين بوفاة رسول الله ﷺ وعلى آله أجمعين ٣٦ بيعة أبى بكر رضى الله عنه وما كان من تحيز الأنصار إلى سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة ومنتهى أمر المهاجرين معهم ٥٠ ذكر غسل رسول الله ﷺ ودفنه، وما يتصل بذلك من أمره صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته ٥٨ ذكر خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه وما حفظ عن رسول الله ﷺ من الإيماء إليها والإشارات الدالة عليها مع ما كان من تقدمه ﷺ إلى الإنذار بالفتن الكائنة بعده وما صدر عنه من الأقاويل المنذرة بالردة ٨٥ ذكر بدء الردة بعد وفاة رسول الله ﷺ وما كان من تأييد الله لخليفة رسوله ﵇ فيها ٨٨ وصية أبى بكر الصديق رضى الله عنه، خالد بن الوليد حين بعثه فى هذا الوجه ٩٧ ذكر مسير خالد بن الوليد رضى الله عنه، إلى بزاخة وغيرها ١٠١ ذكر رجوع بنى عامر وغيرهم إلى الإسلام ١٠٥
стр. 1258
قصة مسيلمة الكذاب وردة أهل اليمامة ١١٢
ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح ١١٩
ذكر ردة بنى سليم ١٤٤
ردة البحرين ١٤٨
ذكر ردة أهل دبا وأزد عمان ١٥٤
ذكر ردة صنعاء ١٥٦
ذكر ردة كندة وحضرموت ١٥٩
ذكر بدء الغزو إلى الشام وما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك وما قوى عزمه عليه ١٦٦
وقعة أجنادين ٢٠١
وقعة مرج الصفر ٢٠٦
ذكر الخبر عن وفاة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وما كان من عهده إلى عمر بن الخطاب، جزاهما الله عن دينه الحق أفضل الجزاء ٢٠٨
استخلاف عمر بن الخطاب ٢١٢
ذكر الخبر عما صار إليه أمر دمشق من الفتح والصلح بعد طول الحصار فى خلافة عمر بن الخطاب، على نحو ما ذكره من ذلك أصحاب فتوح الشام ٢١٨
ذكر بيسان ٢٢٣
ذكر طبرية ٢٢٣
حديث مرج الروم من رواية سيف أيضا ٢٢٤
وقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام ٢٢٦
فتح حمص فيما حكاه أصحاب فتوح الشام ٢٤٣
حديث حمص آخر ٢٤٨
فتح قنسرين ٢٥٠
جمع الروم للمسلمين ٢٥١
وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام ٢٥٩
قصة صلح إيلياء وقدوم عمر رضى الله عنه الشام ٣٠١
ذكر ما وعدنا به قبل من سياقة فتح قيسارية حيث ذكرها أصحاب فتوح الشام خلافا لما أوردناه قبل ذلك عن سيف بن عمر، مما لا يوافق هذا مساقا ولا زمانا، حسب ما يوقف عليه فى الموضعين إن شاء الله تعالى ٣١٨
ذكر فتح مصر ٣٢٢
ذكر فتح أنطابلس ٣٥٤
فتح أطرابلس ٣٥٥
ذكر انتقاض الإسكندرية فى خلافة عثمان رضى الله عنه ٣٥٦
ذكر غزو أفريقية وفتحها ٣٥٨
ذكر صلح النوبة ٣٦٢
ذكر البحر والغزو فيه ٣٦٣
غزو معاوية بن أبى سفيان قبرس ٣٦٤
غزوة ذات الصوارى ٣٦٦
ذكر فتح العراق وما والاه على ما ذكره سيف بن عمر وأورده أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى عنه وعن غيره ٣٦٨
أخبار الأيام فى زمان خالد بن الوليد رضى الله عنه ٣٧٢
حديث الثّنى والمذار ٣٧٦
حديث الولجة وهى مما يلى كسكر من
стр. 1259
البر ٣٧٨
حديث ألّيس، وهى على صلب الفرات ٣٧٩
حديث أمغيشيا وكيف أفاءها الله بغير قتال ٣٨٢
حديث يوم المقر وفم فرات بادقلى مع ما يتصل به من حديث الحيرة ٣٨٢
حديث الأنبار وهى ذات العيون ٣٩٠
حديث عين التمر ٣٩١
حديث دومة الجندل وما بعدها من الأيام بحصيد والخنافس ومصيخ والبشر والفراض ٣٩٢
حديث المثنى بعد خالد ٣٩٨
ذكر ما كان من خبر العراق فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وما كان من أمر المثنى بن حارثة معه، وذكر أبى عبيد بن مسعود، على ما فى ذلك كله من الاختلاف بين رواة الآثار ٤٠٠
حديث وقعة الجسر ٤٠٧
حديث البويب ووقعة مهران ٤١٥
حديث غارة المثنى على سوقى الخنافس وبغداد ٤٢٦
حديث السرايا من الأنبار ٤٢٨
ذكر ما هيج حرب القادسية على ما ذكره سيف عن أشياخه ٤٢٩
تأمير عمر، رضى الله عنه، سعد بن أبى وقاص على العراق وذكر الخبر عن حرب القادسية ٤٣١
يوم أرماث ٤٦٥
ذكر اليوم الثانى من أيام القادسية، وهو يوم أغواث ٤٧٨
حديث يوم عماس، وهو اليوم الثالث من أيام القادسية ٤٨٤
خبر اليوم الرابع من أيام القادسية ٤٨٨
ذكر فتح المدائن وما نشأ بينه وبين القادسية من الأمور ٥٠٤
حديث وقعة جلولاء ٥٢٥
حديث يوم تكريت ٥٣١
ذكر يوم ماسبذان ويوم قرقيسيا ٥٣٣
ذكر الحديث عن تمصير الكوفة والبصرة وتحول سعد بن أبى وقاص عن المدائن إلى الكوفة وما يندرج مع ذكر البصرة من فتح الأبلة ٥٣٤
ذكر الجزيرة، وذكر السبب الذى دعا عمر إلى الأمر بقصدها ٥٤١
ذكر فتح سوق الأهواز ومناذر ونهرتير ٥٤٤
حديث فتح الأهواز ومدينة سرق ٥٤٦
ذكر غزو المسلمين أرض فارس ٥٤٧
ذكر فتح رامهرمز والسوس وتستر وأسر الهرمزان ٥٤٩
ذكر فتح السوس ٥٥٣
فتح جندى سابور ٥٥٥
حديث وقعة نهاوند ٥٥٦
ذكر الانسياح فى بلاد فارس، وعمل المسلمين به بإذن عمر رضى الله عنه، فيه بعد منعه إياهم، وما تبع ذلك من الفتوح فى بقية خلافته وقتال الترك والديلم وغيرهم ٥٧٢
ذكر الخبر عن أصبهان ٥٧٤
стр. 1260
ذكر فتح همذان ثانية وقتال الديلم ٥٧٦
فتح الرى ٥٧٨
ذكر فتح قومس وجرجان ٥٧٩
ذكر فتح طبرستان ٥٨٠
فتح أذربيجان ٥٨٠
حديث فتح الباب ٥٨١
ذكر مسير يزدجرد إلى خراسان ودخول الأحنف إليها غازيا ٥٨٥
فتح توج ٥٩٠
حديث اصطخر ٥٩١
حديث فسا ودارابجرد ٥٩٣
حديث فتح كرمان ٥٩٥
فتح سجستان ٥٩٥
فتح مكران ٥٩٦
حديث بيروذ ٥٩٧
غزوة سلمة بين قيس الأشجعى الأكراد ٥٩٩
ذكر الخبر عن إحرام عمر بن الخطاب، رضى الله عنه إلى حين مقتله ٦٠١ ذكر خلافة ذى النورين أبى عمرو عثمان بن عفان أمير المؤمنين، رضى الله عنه ومبايعة أهل الشورى له بعد وفاة عمر، رضى الله عنه ٦٠٨
ذكر غزوة الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية لمنع أهلها ما صالحوا عليه أهل الإسلام أيام عمر بن الخطاب ٦١٠
ذكر انتقاض فارس، ومسير عبد الله بن عامر إليها وفتحه إياها ٦١٢
ذكر انتقاض خراسان، وخروج سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر إليها وذكر طبرستان واستيلاء سعيد عليها ٦١٢
ذكر مقتل يزدجرد ٦١٤
ذكر فتح أبرشهر، وطوس، وبيورد، ونسا، وسرخس، وصلح مرو ٦١٦
ذكر فتح مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان ٦١٨
ذكر جرى الصلح بين الأحنف وبين أهل بلخ ٦٢١
فتح عمورية وانتقاضها ٦٢٢
مقتل عثمان رضى الله عنه ٦٢٣
الخاتمة ٦٢٧
الفهرس ٦٢٨