بطيبة رسم للرسول ومعهد ... منير وقد تعفو الرسوم وتهمد
«١»
ولا تمتحى الآيات من دار حرمة ... بها منبر الهادى الذى كان يصعد
وواضح آثار وباقى معالم ... وربع له فيه مصلى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها ... من الله نور يستضاء ويوفد
معارف لم تطمس على العهد أيها ... أتاها البلى فالآى منها تجدد
عرفت بها رسم الرسول وعهده ... وقبرا بها واراه فى التراب ملحد
ظللت بها أبكى الرسول فأسعدت ... عيون ومثلاها من الجفن تسعد
يذكون ألاء الرسول وما أرى ... لها محصيا نفسى فنفسى تبلد «٢»
مفجعة قد شفها فقد أحمد ... فظلت لآلاء الرسول تعدد «٣»
وما بلغت من كل أمر عشيره ... ولكن لنفسى بعد ما قد توجد «٤»
اطالت وقوفا تذرف العين جهدها ... على طلل القبر الذى فيه أحمد
فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد
وبورك لحد منك ضمن طيبا ... عليه بناء من صفيح منضد «٥»
تهيل عليه الترب أيد واعين ... عليه وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة ... عشية علوه الثرى لا يوسد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
يبكون من تبكى السموات يومه ... ومن قد بكته الآرض فالناس أكمد
وهل عدلت يوما رزية هالك ... رزية يوم مات فيه محمد
تقطع فيه منزل الوحى عنهم ... وقد كان ذا نور يغور وينجد «٦»
يدل على الرحمن من يقتدى به ... وينفذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهدا ... معلم صدق أن يطيعوا ويسعدوا
стр. 702
عفو عن الزلات يقبل عذرهم ... وإن يحسنوا فالله بالخير أجود
وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله ... فمن عنده تيسير ما يتشدد
فبينا هم من نعمة الله وسطهم ... دليل به نهج الطريق يقصد
عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى ... حريص على أن يستقيموا ويهتدوا
عطوف عليهم لا يثنى جناحه ... إلى كتف يحنو عليهم ويمهد «٧»
فبينا هم فى ذلك النور إذ غدا ... إلى نورهم سهم من الموت مقصد
فأصبح محمودا إلى الله راجعا ... يبكيه جن المرسلات ويحمد
وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها ... لغيبة ما كانت من الوحى تعهد
قفارا سوى معمورة اللحد ضافها ... فقيد نبكيه بلاط وغرقد
ومسجده فالموحشات لفقده ... خلاء له فيها مقام ومقعد
وبالجمرة الكبرى له ثم أوحشت ... ديار وعرصات وربع ومولد
فبكى رسول الله يا عين عبرة ... ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد
ومالك لا تبكين ذا النعمة التى ... على الناس منها سابغ يتغمد
فجودى عليه بالدموع وأعولى ... لفقد الذى لا مثله الدهر يوجد
وما فقد الماضون مثل محمد ... ولا مثله حتى القيامة يفقد
أعف وأوفى ذمة بعد ذمة ... وأقرب منه نائلا لا ينكد
وأبذل منه للطريف وتالدا ... إذا ضن معطاء بما كان يتلد «٨»
وأكرم صيتا فى البيوت إذا انتهى ... وأكرم جدا أبطحيا يسود «٩»
وأمنع ذروات وأثبت فى العلا ... دعائم عز شاهقات تشيد
وأثبت فرعا فى الفروع ومنبتا ... وعودا غذاه المزن فالعود أغيد
رباه وليدا فاستتم تمامه ... على أكرم الخيرات رب ممجد
تناهت وصاة المسلمين بكفه ... فلا العلم محبوس ولا الرأى يفند
أقول ولا يلقى لما قلت عائب ... من الناس إلا عازب العقل مبعد «١٠»
وليس هواى نازعا عن ثنائه ... لعلى به فى جنة الخلد أخلد
стр. 703
مع المصطفى أرجو بذاك جواره ... وفى نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد
وقال حسان بن ثابت «١» يبكى رسول الله ﷺ .
ما بال عينك لا تنام كأنما ... كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعا على المهدى أصبح ثاويا ... يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
وجهى يقيك الترب لهفا ليتنى ... غيبت قبلك فى بقيع الغرقد
بأبى وأمى من شهدت وفاته ... فى يوم الاثنين النبى المهتدى
فظللت بعد وفاته متبلدا ... متلدا يا ليتنى لم أولد
أأقيم بعدك فى المدينة بينهم ... يا ليتنى صبحت سم الأسود
أو حل أمر الله فينا عاجلا ... فى روحة من يومنا أو من غد
فتقوم ساعتنا فنلقى طيبا ... محضا ضرائبه كريم المحتد
يا بكر آمنة المبارك ذكرها ... ولدته محصنة الأسعد
نورا أضاء على البرية كلها ... من يهد للنور المبارك يهتدى
يا رب فاجمعنا معا ونبينا ... فى جنة تبنى عيون الحسد
فى جنة الفردوس فاكتبها لنا ... يا ذا الجلال وذا العلا والسؤدد
والله أسمع ما بقيت بهالك ... إلا بكيت على النبى محمد
يا ويح أنصار النبى ورهطه ... بعد المغيب فى سواء الملحد
ضاقت بالانصار البلاد فأصبحوا ... سودا وجوههم كلون الأثمد
ولقد ولدناه وفينا قبره ... وفضول نعمته بنا لم تجحد
والله أكرمنا به وهدى به ... أنصاره فى كل ساعة مشهد
صلى الإله ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد
وقال حسان بن ثابت «٢» أيضا يبكى رسول الله ﷺ :
نب المساكين أن الخير فارقهم ... مع النبى تولى عنهم سحرا
من ذا الذى عنده رحلى وراحلتى ... ورزق أهلى إذا لم يؤنسوا المطرا
أم من نعاتب لا نخشى جنادعه ... إذا اللسان عتا فى القول أو عثرا
كان الضياء وكان النور نتبعه ... بعد الإله وكان السمع والبصرا
يا ليتنا يوم واروه بملحده ... وغيبوه وألقوا فوقه المدارا
стр. 704
لم يترك الله منا بعده أحدا ... ولم يعش بعده أنثى ولا ذكرا
ذلت رقاب بنى النجار كلهم ... وكان أمرا من أمر الله قد قدرا
واقتسم الفىء دون الناس كلهم ... وبددوه جهارا بينهم هدرا
وقال حسان بن ثابت أيضا يبكى رسول الله ﷺ :
آليت ما فى جميع الناس مجتهدا ... منى ألية بر غير إفناد «١»
تالله ما حملت أنثى ولا وضعت ... مثل الرسول نبى الأمة الهادى
ولا برا الله خلقا من بريته ... أو فى بذمة جار أو بميعاد
من ذا الذى كان فينا يستضاء به ... مبارك الأمر ذا عدل وإرشاد
أمسى نساؤك عطلن البيوت فما ... يضربن فوق قفا ستر بأوتاد
مثل الرواهب يلبسن المباذل قد ... أيقن بالبؤس بعد النعمة الباد
«٢»
يا أفضل الناس إنى كنت فى نهر ... أصبحت منه كمثل المفرد الصادى «٣»
وقال كعب بن مالك الأنصارى من كلمة يبكى رسول الله ﷺ :
وباكية حرى تحرق بالبكا ... وتلطم منها خدها والمقلدا
على هالك بعد النبى محمد ... ولو عدلت لم تبك إلا محمدا
فلست بباك بعد فقد محمد ... فقيدا وإن كان القريب المسودا
فجعنا بخير الناس حيا وميتا ... وأدناه من أهل السموات مقعدا
وأعظمه فقدا على كل مسلم ... وأكرمه فى الناس كلهم يدا
متى تنزل الأملاك بالوحى بعده ... علينا إذ ما اللبس فينا ترددا
إذا كان منه القول كان موفقا ... وإن كان وحيا كان نورا مجددا
جزى الله عنا ربنا خير ما جزى ... نبى الهدى الداعى إلى الحق أحمدا
وقال عمرو بن سالم الخزاعى يبكى رسول الله ﷺ :
لعمرى لئن جادت لك العين بالبكا ... لمحقوقة أن تستهل وتدمعا
فيا حفص إن الأمر جل عن البكا ... غداة نعى الناعى النبى فأسمعا
فلم أر يوما كان أعظم حادثا ... ولم أر يوما كان أكثر موجعا
стр. 705
ولم أر من يوم أعم مصيبة ... ولا ليلة كانت أمر وأفظعا
تعزى بصبر واذكرى الله واعلمى ... بأن سوف يجزى كل ساع بما سعى
ولا تزرئى محض الحياء فتفجعى ... بدينك والدنيا فتزريهما معا
فإن يك قد مات النبى فبعدما ... نعى نفسه بدآ وعودا فأسمعا
إذا ذكرت نفسى فراق محمد ... تهيج حزنى والفؤاد تقطعا
فيالك نفسا لا يزال يزيدها ... على الدهر طول الدهر إلا تصدعا
جزى منك رب الناس أفضل ما جزى ... نبيا هدانا ثم ولى مودعا
فو الله لا أنساك ما دمت ذاكرا ... لشىء وما قلبت كفا وإصبعا
وقد أكثر الشعراء فى تأبينه صلوات الله عليه قديما وحديثا، وقضوا من التفجيع عليه حقا، لا ينبغى أن يكون عهده نكيشا، ولم يمنعهم تقادم الأيام وتطاول الأعوام من تجديد البكاء عليه، ومزيد الحنين إليه، وبحق ما يكون ذلك، فهو الرزء الذى حقه أن ينسى جميع الأرزاء، والحادث الجلل الذى يقبح معه حسن العزاء، وطواعية الأسف عليه دائما من أعدل الشهادات بالإخلاص لمن قام بها واستقام بالنية والقول على سواء مذهبها، جعلنا الله ممن أحبه حقا، وكتبنا فيمن غدا لشفاعته المشفعة مستحقا.
فمن ذلك ما وقفت عليه لأبى إسحاق إسماعيل بن القاسم الغزى الكوفى، المعروف بأبى العتاهية من كلمة:
على رسول الله منى السلام ... ما كان إلا رحمة للأنام
أحيى به الله قلوبا كما ... أحيى موات الأرض صوب الغمام
أكرم به للخلق من مبلغ ... هاد وللناس به من إمام
وأصبح الحق به قائما ... وأصبح الباطل دحض المقام
وقال إسماعيل بن القاسم أيضا من كلمة أخرى:
ليبك رسول الله من كان باكيا ... ولا تنس قبرا بالمدينة ساويا
جزى الله عنا كل خير محمدا ... فقد كان مهديا دليلا هاديا
لمن تبتغى الذكرى لما هو أهله ... إذا كنت للبر المطهر ناسيا
أتنسى رسول الله أفضل من مشى ... وآثاره بالمسجدين كما هيا
وكان أبر الناس بالناس كلهم ... وأكرمهم بيتا وشعبا وواديا
تكدر من بعد النبى محمد ... عليه سلام الله ما كان صافيا
فكم من منار كان أوضحه لنا ... ومن علم أمسى وأصبح عافيا
стр. 706
ركنا إلى الدنيا الدنية بعده ... وكشفت الأطماع منا المساويا
وإنا لنرمى كل يوم بعبرة ... نراها فما نزداد إلا تعاميا
كأنا خلقنا للبقاء وأينا ... وإن مدت الدنيا له ليس فانيا
أبى الموت إلا أن يكون لمن ترى ... من الخلق طرا حيث ما كان لاقيا
حسمت المنى يا موت حسما مبرحا ... وعلمت يا موت البكاء البواكيا
ومزقتنا يا موت كل ممزق ... وعرفتنا يا موت منك الدواهيا
ولأبى عبد الله محمد بن أبى الخصال الغافقى الأندلسى، ومكانه من متانة العلم والدين وصدق المقالة وصحة اليقين المكان الذى يلحقه بأقرانه من العلماء المتقنين، قصائد يرثى بها النبى ﷺ وعلى آله أجمعين يساجل بها شاعره حسان بن ثابت فى قصائده المتقدمة صوتا بصوت، وكلمة بكلمة، أخبرنا بها وبسائر كلامه نثره ونظمه غير واحد من أشياخنا ﵏ عنه فمن ذلك قوله يعارض حسان فى قصيدته الأولى ويمشى فى التفجع والتوجع على طريقته المثلى:
بطيبة آثار تحج وتقصد ... ودار بها الله نور مخلد
ومهبط جبريل بوحى وحكمة ... يبينها للعالمين محمد
ومظهر آيات كأن رسومها ... على ما محى منها البلى يتجدد
وفى مسجد التقوى تأرخ روضة ... عليها من الفردوس كل ممدد
يفاوحها طيب الجنان وتربة ... تبوءها من جنة الخلد أحمد
ومنبره الأعلى على ذروة التقى ... وجذع له فيه حنين مردد
ومولد إبراهيم حيث تمخضت ... به أمه مثوى كريم ومولد
وموقعه من نفسه واختياره ... له اسم خليل الله فخر مشيد
وإعلانه بالحزن تدمع عينه ... له رحمة والنفس ترقى وتصعد
ومبنى على والهدى يألف الهدى ... بفاطمة نور بنور يقيد
ومولد سبطيه وريحان قلبه ... مكانهما من عاتقيه ممهد
وحيث ارتقت منها إمامة مرتقى ... يقوم بها جبالها ثم يسجد
وحيث بنى بالطيبات نسائه ... بعصمته الوثقى وجبريل يشهد
ومتلى كتاب الله فى حجراتها ... يقمن به فى الليل والناس هجد
وتمت لأصحاب الكساء طهارة ... من الله يحييها الكتاب المؤيد
معاهد إيمان تألق نورها ... ففى كل أفق جذوة تتوقد
стр. 707
وكانت أمانا ثم عادت مخافة ... فزائرها فوق الردى يتوسد
فيا أيها الدار التى حق أهلها ... على الناس طرا دائم ليس ينفد
لقد درست منك المغانى وأوحشت ... وكان إليها الدين يأوى ويصمد
ذكرتك ذكرى من يهيم فؤاده ... بقربك لكنى عن القرب مبعد
ومثلت لى فى بهجة الدين والتقى ... وأمر رسول الله يعلو ويمهد
وإذا برقت نورا أسارير وجهه ... فزحزح قطع الليل والليل أسود
وألقت إليه الأرض أفلاذها التى ... تحل بها عقم الأمور وتعقد
وغزو تبوك ثم حج وداعه ... ولم يبق تبين ولم يبق مشهد
ومثلت لى والمسلمون بشكوه ... فرائصهم من روعة البيت ترعد
وقد جلل الدنيا ظلام مطبق ... يخال به ليل على الناس سرمد
فما راعهم إلا وفاة رسولهم ... وكل يرى أن الرسول يخلد
وقد ذهلوا أن التى يقرونها ... إذا جاء نصر الله للموت مرصد
وودع جبريل وداع مفارق ... ولا عود يستثنى ولا وحى يعهد
وأم أبيها مسبلات دموعها ... كما انحل من سلك فريد مبدد
فأودعها سرا بكت من نجيه ... وثنى بسر فانثنت تتجلد
وقد أعلنت عند الرسول بكربها ... لكرب أبيها وهو بالموت يجهد
فقال لها كفى دموعك واصبرى ... فما بعد هذا اليوم كرب يعدد
وبشرها من قرب ملحقها له ... ببشرى حديث صادق لا يفند
فيا من رأى حيا يعزى بموته ... فيرضى كأن الموت خلد مؤيد
فرارا عن الدنيا إلى قرب ربها ... وشجا عليها من حياة تنكد
ولطفا من الله العظيم بصونها ... وباب الرزايا المستكنات مرصد
ولو أنها امتدت طويلا حياتها ... لشرد عنها النوم ليل مسهد
وغصت على قرب بثكل ابن عمها ... وفقد شهيد حزنه ليس يفقد
أقام كتاب الله فى كل مارق ... يقر به فى زعمه وهو يجحد
فقيض أشقى الناس يدنى سعادة ... لمن هو بالإيمان أولى وأسعد
وكيف بها والله يأبى هوانها ... لمصرع سبط أول وهو مقصد
وقد جرعته حتفه كف جعدة ... بمكرع سم مجه فيه أسود
ولو حدثت عن كربلاء لأبصرت ... حسينا فتاها وهو شلو مقدد
وثانى سبطى أحمد جعجعت به ... عتاة جفاة وهو فى الأرض أوحد
стр. 708
ولم يرقبوا إلا لآل محمد ... ولم يذكروا أن القيامة موعد
وأن عليهم فى الكتاب مودة ... لقرباه لا ينحاش عنها موحد
فيا سرع ما ارتدوا وصدوا عن الهدى ... ومالوا عن البيت الذى بهم هدوا
فحل عن برد الفرات عطاشهم ... وروى منهم ذابل ومهند
فيا أوجها شاهت وناهت عن الهدى ... أهذا التحفى منكم والتردد
وترتم رسول الله فى ذبح سبطه ... وبؤتم بنار حرها ليس يبرد
فما لكم عند الشفيع شفاعة ... ولا لكم فى كوثر الحوض مورد
لعمرى لقد غادرتم كل مؤمن ... على مضض برح يقوم ويقعد
ونغصتم المحيى وأرضيتم العدى ... فأنتم لغير الله جند وأعبد
فيا كبدى إن أنت لم تتصدعى ... فأنت من الصفوان أقسى وأجلد
ويا عبرتى إن لم تفيضى عليهم ... فنفسى أسخى بالحياة وأجود
أتنتهب الأيام أفلاذ أحمد ... وأفلاذ من عاداهم تتودد
ويضحى ويظمى أحمد وبناته ... وبنت زياد وردها لا يصرد
أفى دينه فى أمنه فى بلاده ... تضيق عليهم فسحة تتورد
وما الدين إلا دين جدهم الذى ... به أصدروا فى العالمين وأوردوا
ينام النصارى واليهود بأمنهم ... ونومهم بالخوف نوم مشرد
وما هى إلا ردة جاهلية ... وحقد قديم بالحديث يؤكد
ألهفى على سبطى هدى ونبوة ... جرى لها يوم من الشر أنكد
شهيدين متبوعين من كل مؤمن ... بكل صلاة برة تتعهد
فهذا أذابت سورة السم كبده ... وهذا أبادته قسى تكبد
فما عذر أهل الأرض والقسط قائم ... وكلهم فى موقف الفصل شهد
أيفعل هذا بابن بنت نبيكم ... وليس لكم فى النصر يوم ولا غد
أبى الله إلا أن فى النفس حسرة ... بغصتها أضحى وأمسى وأرقد
إلى أن يقيد الله من كل واتر ... على أن كفؤا مقنعا ليس يوجد
وأى دم يوفى دم ابن محمد ... حسين وأمسى وهو سبط موحد
فيا خاتم الأسباط إن تحيتى ... تؤمك من أرض بعيد وتقصد
مثقلة بالدمع شوقا ولوعة ... على زفرة من حرها أتأود
ويا أسوة للمؤمنين كريمة ... يلين عليها الحادق المتشدد
فمن ينكر البلوى وأنت بكربلا ... لذى البث والشكوى إمام مقلد
стр. 709
فإن تجهل الدنيا عليك وأهلها ... فإنك فى أهل السماء ممجد
أبوك شفيع الناس وهو الذى له ... مقام كريم فى البرية يحمد
ومشرعة الحوض الروى بكفه ... تزاد رجال عندها وتطرد
وممن يذود الله عنه عصابة ... بقتلك فى طغيانها تتحمد
وذنبهم فى قتلك الذنب كله ... فما لهم إلا الجحيم تغمد
وهل كنت إلا مثل عمك جعفر ... قتيلا بكفار بذى العرش ألحدوا
وإلا كليث الله جدك حمزة ... وحربة وحشى إليه تسدد
وما منهم إلا غريق شهادة ... حياتهم موصولة حين تنفد
ومثل أبى حفص وعثمان بعده ... ومثل على وهو للحق سيد
دماؤهم مسك ذكى وأجرهم ... على الله لا يحصى ولا يتحدد
أقول ببث مستكن وظاهر ... مضاضته عن حبكم تتولد
وما سرنى أنى خلى من الهوى ... هوى هو فى حم يتلى ويسند
سريرة حب يوم تتلى سرائرى ... يقوم بها عنى الصفيح المنضد
سلام على تلك المعاهد إنها ... لآل رسول الله طهر ومسجد
فيا رب وفدنى إليها مسلما ... ويا طيب مسرى من إليها يوفد
أفض بها دمعى وأنقع غلتى ... وأتهم فى ربع الرسول وأنجد
وأدعو إلى الرحمن دعوة تائب ... إلى عفوه من طيبه يتزود
وأسموا إلى البيت العتيق بفرضه ... فكل به من ذنبه يتجرد
ولست على قبر الرسول بمؤثر ... ليحشر من ذاك البقيع محمد
فيا رب حقق نيتى ومنيتى ... هنالك والأرواح جند مجند
وقال أيضا يعارض حسان فى كلمته الثانية التى أولها:
ما بال عينك لا تنام كأنما............... ......
بهذه الكلمة المرسومة بعد:
هل يجمعن صباح يوم أو غد ... بينى وبين القبر قبر محمد
حتى أروى ناظرى من عبرتى ... ويقر عينى طيب ذاك المشهد
وأقبل الأرض التى حملت به ... نورا يجلى كل جنح أسود
وأعظم البلد الذى رأسى به ... طود النبوة ثابتا بالأسعد
أشكو إلى جبل تضمن حبه ... حبا أضاق تصبرى وتجلدى
стр. 710
وأبلغ القلب المروع أمانه ... وأقول للنفس التى ظمئت ردى
وأهش للأفق المبارك جوه ... متجددا من نوره المتجدد
وأسح فى أبيات آل محمد ... دمعا كنظم اللؤلؤ المتبدد
والله يعلم أن آل رسوله ... آل تمكن حبهم فى محتدى
وبكربتى منهم أبوح وأنطوى ... وبحسرتى فيهم أروح وأغتدى
قف بالمنازل سائلا عن أهلها ... أين الرسالة والرسول المهتدى
أين الصواحب والصحابة حوله ... إذ بايعوه بالقلوب وباليد
أين الذين بسبقهم عز الهدى ... وعلت على الأديان ملة أحمد
أين الذين لعتبة ولشيبة ... وإلى الوليد سموا بكل مهند
أين الذين بيوم أحد صرعوا ... ما بين مثنى فى الإله وموحد
أين الذين بمؤتة وجلادها ... ماتوا كراما كالليوث الحرد
أين الثمانية الذين بصبرهم ... تابت بأوطاس بصائر من هدى
يا مسجد التقوى غدوت بفضلهم ... ومكانهم فى الدين أفضل مسجد
وبقيت بعدهم مثابة رحمة ... فى غربة المستوحش المتفرد
تبكى على خير البرية كلها ... بدموع كل مصدق وموحد
فقد السماء كما فقدت نديهم ... ونحيبهم فى مهبط أو مصعد
وتفرد الرحمن بالغيث الذى ... كان الرسول بوحيه عبق الند
ولقد أقام الدين من خلفائه ... أصهاره كل بأحمد يقتدى
وأتتك بعدهم الملوك فمصلح ... يضع الأمانة عند آخر مفسد
يا بيت عائشة المجن ثلاثة ... تطموا به نظم الطراز الأوحد
مثوى النبى وصاحبيه وفسحة ... عيسى ابن مريم حازها بالموعد
بوركت من بيت يضم رسالة ... ونبوة وخلافة فى ملحد
منى إليك تحية يهفو بها ... قلب بذكرهم وحلهم ند
صلى الإله وأرضه وسماؤه ... والعالمون على النبى المقتدى
بالأنبياء المهتدى بهداهم ... رشدا تبين فى الكتاب المرشد
وقال أبو عبد الله أيضا يعارض حسان فى كلمته الثالثة التى أولها:
نب المساكين أن الخير فارقهم............... .......
بهذه الكلمة المرسومة:
стр. 711
هون عليك من الأرزاء ما خطرا ... بعد الرسول ولا تعدل به خطرا
واذكره فى كل محذور تغص به ... تلقى المصاب به قد هون الحذرا
أبعد أحمد يستقرى مضاجعه ... فودع البيت والأركان والحجرا
مستقبلا طيبة والله ينقله ... إلى رضاه فلما يعد أن صدرا
ثم استعز به شكو يعالجه ... يغشى بسورته الأبيات والحجرا
حتى انتهى دوره فى بيت عائشة ... فى نومها يتبع الأنفاس والأثرا
فمال فى حجرها طلقا أسرته ... غض البشاشة إلا اللمح والنظرا
فأذهل الناس طرا عن حياتهم ... موت الرسول ومنهم من نفى الخبرا
فياله من نظام بات فى قلق ... لولا أبو بكر الصديق لانتثرا
إن كنت معتبرا فانظر تقلله ... والأرض تبر ودين الله قد ظهرا
لم يرض منها سوى قبر تضمنه ... كان الفراش له فى نومه مدرا
يا قبر أحمد هل من زورة أمم ... قبل الحمام تسر السمع والبصرا
وهل إلى طيبة ممشى يقربها ... يا طيبة إن تأتى يومه سفرا
فتنشق النفس فى أرجائها أرجا ... يشفى السقام وينفى الذنب والضررا
وأستجير ببطن الأرض من كرب ... فى ظهرها لم تدع شمسا ولا قمرا
أستجمل الله من أسرار قدرته ... عزما يخوض إليه البدو والحضرا
وقوة بالضعيف الهم ناهضة ... وحجة تنظم الآصال والبكرا
يا حب أحمد كن لى فى زيارته ... أقوى ظهير إلى أن أقضى الوطرا
صلى الإله صلاة غير نافدة ... تكاثر الريح والأشجار والمطرا
على البشير النذير المصطفى كرما ... من كل بطن وصلب طيب ظهرا
على ابن آمنة الماحى بملته ... من كان بالله والإسلام قد كفرا
وأهله الطيبين الأكرمين ومن ... آوى وساهم فى البلوى ومن نصرا
وأمهات جميع المؤمنين ومن ... هدى هداه ومن صلى ومن نحرا
ونضر الله حسانا وأعظمه ... وقد بعثت الجوى والحزن والذكرا
أبا الوليد لقد هيجت لى شجنا ... نافحت عنهم بروح القدس مقتدرا
وأنت شاعر آل الله قاطبة ... ضريحه وامسحى عن وجهه العفرا
يا رحمة الله أمى غير صاغرة ... فى الحق أن تمسح الأعطاف والغررا
فإنه سابق والسابقات لها ... عمت فى المدر استثنت ولا الوبرا
أبقى له منبر الإنشاد مكرمة ... فى الحق أن تمسح الأعطاف والغررا
стр. 712
ولم يسل لسانا فى مقاولة ... وإنما سل عضبا صارما ذكرا
يا مقولا نضر الله الرسول به ... لا زلت فى جنة الفردوس مشتهرا
وقال أيضا ﵀ يبكى رسول الله ﷺ ويعارض حسان فى كلمته المتقدمة قبل، رابعة لكلماته، وهى التى أولها:
آليت ما فى جميع الناس مجتهدا............... ...........
بهذه الكلمة الموسومة بعد:
قلبى إلى طيبة ذو غلة صادى ... إلى البشير النذير الخاتم الهادى
إلى أبى القاسم الماحى بملته ... كفران كل كفور جهله بادى
حتى أعفر خدى فى مواطئه ... غورا بغور وأنجادا بأنجاد
وأرسل الدمع سحا فى منازله ... مستفرغا جهد أفلاذ وأكباد
فى حيث أودع جبريل رسالته ... وحيا إليه بتوفيق وإرشاد
وأشرب الماء من أروى منابعه ... فطيبه قد سرى فى ذلك الوادى
يا حب أحمد إنى منك فى ثقة ... وأنت أحضر أعتادى وأزوادى
سر بى إليه وجاور بى مثابته ... حتى أضمن أكفانى وأعوادى
وما تمكنت من قلبى لتبدع بى ... ولا لتقطعنى عن ذلك النادى
نور من الله لو أنى سريت به ... لما افتقرت إلى هاد ولا حادى
لم يقذف الله فى قلبى محبته ... إلا لأحمل فوق الرأس والهاد
متى أقول لوفد الله عن كثب ... يا رايحين انظرونى إننى غاد
وقد برئت إلى الرحمن من نشبى ... وقد تخليت عن أهلى وأولادى
مستبدلا بجوار الله منقطعا ... إلى الرسول انقطاع العاطف الباد
صلى الإله وأهل الأرض يقدمهم ... أهل السموات من مثنى وآحاد
على الذى أنقذ الله العباد به ... من ظلمة الكفر رشدا بعد إفناد
على ابن آمنة المختار من نفر ... ما فوق مجدهم مرمى لمزداد
على النبى الذى تمت نبوته ... وآدم طينة قدت لأجساد
على الرسول بن عبد الله أكرم من ... أورى بنور أضاء الأرض وقاد
وبعده صلوات الله عاطرة ... على الصحابة أعداد بأعداد
وأهله الطيبين الأكرمين فهم ... فى الأرض أطهر غياب وشهاد
يا رب واحفظ مقامى فى محبتهم ... فإنها وإليك المنتهى زادى
стр. 713
فهذا ما تيسر لنا ذكره من مراثى الشعراء فى سيد المرسلين وخاتم الأنبياء. وبقى علينا منها كثير تخطيناه، إما لتخطى الاختيار له والانتقاء، وإما لقصد الاختصار والاكتفاء، وأكثر الشعراء أفحمتهم المصيبة القاصمة للظهور، الرزية المتجددة على بلى الأزمان وتجدد الدهور، عن أن يفوهوا فى ذلك ببنت شفة أو يفوا بما يناسب ذلك الكرب العظيم والخطب الجسيم من صفة متصفة، وأولئك أولى الناس بالمعذرة، وأحقهم بالتجاوز عن مقصدهم المقصرة، فمصاب المسلمين به عليه أفضل الصلاة والسلام أعظم من أن تؤدى حقيقته سعة الكلام، أو تستقل أساليب القول المتشعبة ومنادح العبارات المتطنبة المهذبة بأيسر جزء من مآثره الكرام ومحاسنه العظام، أو تفى الألفاظ على اتساعها وتعدد ضروبها وأنواعها بشرح ما يتحمل فيه القلوب المؤمنة من برح الآلام، والإعراب عن قدر مصيبة فقده على الإسلام، فجزاه الله عن نهجه لنا السبيل إلى دار السلام أفضل ما أعده من الجزاء لأنبيائه المختصين من عنايته بشرف الاجتباء والاصطفاء دون الأنام، وأدر عليه وعليهم من سحب الرحمة والبركات والسلام والصلوات ما يزرى بهطال الديم وواكف الغمام.
وهنا انتهى ما يختص من هذا المجموع بمغازى نبينا محمد ﷺ وذكر أيامه وكافة أمره إلى حين وفاته.
ونشرع الآن فى صلة ذلك بمغازى خلفائه الثلاثة الأول رضى الله عن جميعهم على نحو ما علمنا به فى مغازى من قصد التهذيب، وبذل الجهد فى حسن الترتيب، وربنا الكريم جلت قدرته نعم الوكيل بالمعونة على ذلك، لا حول ولا قوة إلا به، هو حسبى لا إله إلا هو، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 714
ذكر خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه «١» وما حفظ عن رسول الله ﷺ من الإيماء إليها والإشارات الدالة عليها مع ما كان من تقدمه ﷺ إلى الإنذار بالفتن الكائنة بعده وما صدر عنه من الأقاويل المنذرة بالردة
فى الصحيح من الآثار، أن رسول الله ﷺ ، لما سمع صوت عمر فى صلاته بالناس عندما أمر ﵇ فى مرضه أبا بكر أن يصلى، فلم يوجد حاضرا، قال: يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون.
وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدى، أبى بكر وعمر» «٢» .
وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: استخلف أبو بكر، فأقام واستقام. وقال صعصعة: استخلف الله أبا بكر، فأقام المصحف.
وذكر يعقوب بن محمد الزهرى، عن شيوخه، قالوا: وذكروا استخلاف أبى بكر بعد رسول الله ﷺ ، ومن قبل ما وصف لهم صفة من يلى بعده، حتى كاد يقول: خليفتى أبو بكر.
وحدث جبير بن مطعم «٣» أن امرأة أتت النبى ﷺ ، تكلمه فى شىء، فأمرها أن ترجع
стр. 715
إليه، فقالت: يا رسول الله، إن جئت فلم أجدك، تعنى الموت، قال: «فأتى أبا بكر» .
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ ، قال: «رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ، ونيط عمر بأبى بكر، ونيط عثمان بعمر» ، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ ، قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله، وأما ذكر من نوط بعضهم ببعض، فهم ولاة هذا الأمر الذى بعث الله به نبيه.
وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم، رأيتنى على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبى قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفى نزعه، والله يغفر له، ضعف، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر بن الخطاب، حتى ضرب الناس بعطن» .
وفى رواية: «فأروى الظمئة، وضرب الناس بعطن» «١» .
وقد أخبر رسول الله ﷺ ، بردة المرتدين من بعده، فحدث أبو سعيد الخدرى، قال:
قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم، رأيت فى يدى سوارين من ذهب، فكرهتهما فنفختهما فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان، مسيلمة والعنسى» «٢» .
وعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «بين يدى الساعة كذابون، منهم صاحب اليمامة، يعنى مسيلمة، وصاحب خيبر، يعنى طليحة، ومنهم العنسى يعنى الأسود، ومنهم الدجال، وهو أعظمهم فتنة» «٣» .
стр. 716
وعن عبد الله بن حوالة «١» ، قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من نجا منهن فقد نجا:
من موتى، ومن قتل خليفة مصطبر بالحق يعطيه، ومن الدجال» «٢» .
وقال رسول الله ﷺ ، لعبدة بن مسهر الحارثى فيما يعظه به لما قدم عليه: «وإن أدركتك الردة فلا تتبعن كندة» .
ودعا أيضا لجرير بن عبد الله «٣» لما وفد عليه، فقال: «اللهم اشرح صدره للإسلام، ولا تجعله من أهل الردة» .
ولما أسر المسلمون يوم بدر سهيل بن عمرو العامرى، سأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ ، أن ينزع ثنيتيه السفلاوين، وكان أعلم الشفة السفلى، قال: فإنه خطيب ليقوم عليك خطيبا بمكة، فقال رسول الله ﷺ لعمر: «عسى أن يقوم مقاما يسرك» «٤» ، فلما توفى رسول الله ﷺ ، وانتهى خبر وفاته إلى مكة، تكلم بها قوم كلاما قبيحا، ووعى ذلك عليهم، فقام سهيل بن عمرو بخطبة أبى بكر، كأنه كان يسمعها، فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حى لم يمت، وقد نعى الله نبيه ﷺ ، إليكم وهو بين أظهركم، ونعاكم إلى أنفسكم، فهو الموت حتى لا يبقى أحد، ألم تعلموا أن الله تعالى قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:
٣٠] ، وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ. الآية [آل عمران: ١٤٤] ، وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ١٨٥] ، وقال: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] .
فاتقوا الله، واعتصموا بدينكم، وتوكلوا على ربكم، فإن دين الله قائم، وكلمته تامة، وإن الله ناصر من نصره، ومعز دينه، جمعكم الله على خيركم.
стр. 717
وفى كلام أكثر من هذا وعظهم به، وذكرهم. وقد كان الناس نفروا وهموا، فنفعهم الله بكلامه، فلم يرتد بمكة أحد، فلما بلغ عمر بن الخطاب مقام سهيل، قال: أشهد أن ما قال رسول الله ﷺ ، حق، فهو والله هذا المقام.
ذكر بدء الردة بعد وفاة رسول الله ﷺ وما كان من تأييد الله لخليفة رسوله ﵇ فيها
قالت عائشة رضى الله عنها: لما توفى رسول الله ﷺ ، نجم النفاق وارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، وصار المسلمون كالغنم المطيرة فى الليلة الشاتية، لفقد نبيهم، حتى جمعهم الله على أبى بكر، فلقد نزل بأبى ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، فو الله ما اختلفوا فيه من أمر إلا طار أبى بعلائه وغنائه، وكان من رأى ابن الخطاب علم أنه خلق عونا فللإسلام، كان والله أحوذيا، نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها.
وفى الصحيح من حديث أبى هريرة، قال: لما توفى رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر رضى الله عنه، بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبى بكر:
كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله؟» فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ ، لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فو الله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال، فعرفت أنه الحق «١» .
стр. 718
قال عمر بن الخطاب: والله لرجح إيمان أبى بكر بإيمان هذه الأمة جميعا فى قتال أهل الردة.
وذكر يعقوب بن محمد الزهرى عن جماعة من شيوخه، قالوا: فكان أبو بكر أمير الشاكرين الذين ثبتوا على دينهم، وأمير الصابرين الذين صبروا على جهاد عدوهم، أهل الردة بعد وفاة رسول الله ﷺ .
وبرأى أبى بكر أجمعوا على قتالهم، وذلك أن العرب افترقت فى ردتها، فقالت فرقة:
لو كان نبيا ما مات، وقال بعضهم: انقضت النبوة بموته، فلا نطيع أحدا بعده، وفى ذلك يقول قائلهم:
أطعنا رسول الله ما عاش بيننا ... فيالعباد الله ما لأبى بكر
أيورثها بكرا إذا مات بعده ... فتلك وبيت الله قاصمة الظهر
وقال بعضهم: نؤمن بالله، ونشهد أن محمدا رسول الله، ونصلى، ولكن لا نعطيكم أموالنا، فأبى أبو بكر إلا قتالهم على حسب ما تقدم ذكره.
وجادل أبو بكر الصحابة فى جهادهم، وكان من أشدهم عليه عمر وأبو عبيدة بن الجراح «١» ، وسالم مولى أبى حذيفة «٢» ، وقالوا له: احبس جيش أسامة بن زيد، فيكون عمارة وأمانة بالمدينة، وارفق بالعرب حتى ينفرج هذا الأمر، فإن هذا الأمر شديد غوره وتهتكه من غير وجهه، فلو أن طائفة من العرب ارتدت قلنا: قاتل بمن معك ممن ثبت من ارتد، وقد اتفقت العرب على الارتداد، فهم بين مرتد، ومانع صدقة، فهو مثل المرتد،
стр. 719
وبين واقف ينظر ما تصنع أنت وعدوك، قد قدم رجلا وأخر رجلا «١» .
وفى كتاب الواقدى من قول عمر لأبى بكر: وإنما شحت العرب على أموالها، وأنت لا تصنع بتفريق العرب عنك شيئا، فلو تركت للناس صدقة هذه السنة.
وقدم على أبى بكر عيينة بن حصن الفزارى، والأقرع بن حابس، فى رجال من أشراف العرب، فدخلوا على رجال من المهاجرين، فقالوا: إنه قد ارتد عامة من وراءنا عن الإسلام، وليس فى أنفسهم أن يؤدوا إليكم من أموالهم ما كانوا يؤدون إلى رسول الله ﷺ ، فإن تجعلوا لنا جعلا نرجع فنكفيكم من وراءنا؛ فدخل المهاجرون والأنصار على أبى بكر، فعرضوا عليه الذى عرضوا عليهم، وقالوا: نرى أن تطعم الأقرع وعيينة طعمة يرضيان بها ويكفيانك من وراءهما، حتى يرجع إليك أسامة وجيشه، ويشتد أمرك، فإنا اليوم قليل فى كثير، ولا طاقة لنا بقتال العرب، قال أبو بكر: هل ترون غير ذلك؟ قالوا:
لا؛ قال أبو بكر: إنكم قد علمتم أنه كان من عهد رسول الله ﷺ ، إليكم المشورة فيما لم يمض فيه أمر من نبيكم ولا نزل به الكتاب عليكم، وأن الله لن يجمعكم على ضلالة، وإنى سأشير عليكم، فإنما أنا رجل منكم، تنظرون فيما أشير به عليكم وفيما أشرتم به، فتجتمعون على أرشد ذلك، فإن الله يوفقكم، وأما أنا فأرى أن ننبذ إلى عدونا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وأن لا نرشو على الإسلام أحدا، وأن نتأسى برسول الله ﷺ ، فنجاهد عدوه كما جاهدهم، والله لو منعونى عقالا لرأيت أن أجاهدهم عليه حتى آخذه، فأئتمروا يرشدكم الله، فهذا رأيى؛ وأما قدوم عيينة وأصحابه إليكم، فهذا أمر لم يغب عنه عيينة، هو راضه ثم جاء له ولو رأوا ذباب السيف لعادوا إلى ما خرجوا منه أو أفناهم السيف فإلى النار، قتلناهم على حق منعوه وكفر. فبان للناس وجه أمرهم، وقالوا لأبى بكر لما سمعوا رأيه: أنت أفضلنا رأيا، ورأينا لرأيك تبع. فأمر أبو بكر الناس بالتجهز، وأجمع على المسير بنفسه لقتال أهل الردة.
وكانت أسد وغطفان من أهل الضاحية قد ارتدت، ولم ترتد عبس ولا بعض أشجع، وارتدت عامة بنى تميم وطوائف من بنى سليم: عصية وعميرة وخفاف، وبنو عوف بن امرئ القيس، وذكوان، وبنو جارية، وارتد أهل اليمامة «٢» كلهم، وأهل البحرين «٣» ،
стр. 720
وبكر بن وائل، وأهل دبى من أزد عمان «١» ، والنمر بن قاسط، وكلب، ومن قاربهم من قضاعة، وعامة بنى عامر بن صعصعة، وفيهم علقمة بن علاثة، وقيل: إنها تربصت مع قادتها وسادتها ينظرون لمن تكون الدبرة، وقدموا رجلا وأخروا أخرى، وارتدت فزارة، وجمعها عيينة بن حصن، وتمسك بالإسلام من بين المسجدين، وأسلم وغفار وجهينة ومزينة وكعب وثقيف، قام فيهم عثمان بن أبى العاص فى بنى مالك، وقام فى الأحلاف رجل منهم، فقال: يا معشر ثقيف، نشدتكم الله أن تكونوا أول العرب ارتدادا وآخرهم إسلاما؛ وأقامت طئ كلها على الإسلام، وهذيل، وأهل السراة وبجيلة وخثعم ومن قارب تهامة من هوازن نصر وجشم وسعد بن بكر وعبد القيس، قام فيهم الجارود فثبتوا على الإسلام، وارتدت كندة وحضرموت وعنس.
وقال أبو هريرة: لم يرجع رجل واحد من دوس ولا من أهل السراة كلها. وقال أبو مرزوق التجيبى: لم يرجع رجل واحد من تجيب ولا من همدان، ولا من الأبناء بصنعاء، ولقد جاء الأبناء وفاة رسول الله ﷺ ، فشق نساؤهم الجيوب وضربن الخدود، وفيهم المرزبانة، فشقت درعها من بين يديها ومن خلفها.
وقد كان رسول الله ﷺ ، لما صدر من الحج سنة عشر، وقدم المدينة فأقام حتى رأى هلال المحرم سنة إحدى عشرة، وبعث المصدقين فى العرب، فبعث على عجز هوازن عكرمة بن أبى جهل «٢» ، وبعث حامية بن سبيع الأسدى على صدقات قومه، وعلى بنى كلاب الضحاك بن سفيان «٣» ، وعلى أسد وطئ عدى بن حاتم «٤» ، وعلى بنى يربوع
стр. 721
مالك بن نويرة «١» ، وعلى بنى دارم وقبائل بنى حنظلة الأقرع بن حابس «٢» ، وبعث الزبرقان بن بدر «٣» على صدقات قومه، وقيس بن عاصم المنقرى «٤» على صدقات قومه.
فلما بلغتهم وفاة رسول الله ﷺ اختلفوا، فمنهم من رجع، ومنهم من أدى إلى أبى بكر، وكان الذين حبسوا صدقات قومهم وفرقوها بين قومهم مالك بن نويرة، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس التميمى، وأما بنو كلاب فتربصوا، ولم يمنعوا منعا بينا، ولم يعطوا، كانوا بين ذلك.
وبعث رسول الله ﷺ ، على فزارة نوفل بن معاوية الديلى»
، فلقيه خارجة بن حصن ابن حذيفة بن بدر الفزارى بالشربة، فقال: أما ترضى أن تغنم نفسك؟ فرجع نوفل بن
стр. 722
معاوية هاربا حتى قدم على أبى بكر الصديق بسوطه، وقد كان جمع فرائض فأخذها منه خارجة، فردها على أربابها، وكذا فعلت سليم بعرباض بن سارية «١» ، وقد كان رسول الله ﷺ ، بعثه على صدقاتهم، فلما بلغتهم وفاة النبى ﷺ ، أبوا أن يعطوه شيئا، وأخذوا منه ما كان جمع، فانصرف من عندهم بسوطه، وأما أسلم وغفار ومزينة وجهينة، وكان رسول الله ﷺ ، بعث إليهم كعب بن مالك الأنصارى، فسلموا إليه صدقاتهم، لما بلغتهم وفاته، وتأدت إلى أبى بكر، فاستعان بها فى قتال أهل الردة، وكذلك فعل بنو كعب مع أمير صدقاتهم بشر بن سفيان الكعبى، وأشجع مع مسعود بن رحيلة الأشجعى «٢» ، فقدم بذلك كله على أبى بكر.
وكان عدى بن حاتم قد حبس إبل الصدقة، يريد أن يبعث بها إلى أبى بكر إذا وجد فرجة، والزبرقان بن بدر مثل ذلك، فجعل قومهما يكلمونهما فيأبيان، وكان أحزم رأيا وأفضل فى الإسلام رغبة ممن كان فرق الصدقة فى قومه، فقالا لقومهما: لا تعجلوا، فإنه إن قام بهذا الأمر قائم ألفاكم لم تفرقوا الصدقة، وإن كان الذى تظنون، فلعمرى إن أموالكم لبأيديكم، فلا يغلبنكم عليها أحد، فسكتوهم حتى أتاهم يقين خبر القوم، فلما اجتمع الناس على أبى بكر جاءهم أنه قد قطع البعوث، وسار بعث أسامة بن زيد إلى الشام، وأبو بكر يخرج إليهم، فكان عدى بن حاتم يأمر ابنه أن يسرح مع نعم الصدقة، فإذا كان المساء روحها، وإنه جاء بها ليلة عشاء، فضربه، وقال: ألا عجلت بها؟.
ثم راح بها الليلة الثانية فوق ذلك قليلا، فجعل يضربه، وجعلوا يكلمونه فيه، فلما كان اليوم الثالث قال: يا بنى إذا سرحتها فصح فى أدبارها وأم بها المدينة، فإن لقيك لاق من قومك أو من غيرهم فقل أريد الكلأ، تعذر علينا ما حولنا، فلما أن جاء الوقت الذى كان يروح فيه، لم يأت الغلام، فجعل أبوه يتوقعه ويقول لأصحابه: العجب لحبس ابنى، فيقول بعضهم: نخرج يا أبا طريف فنتبعه، فيقول: لا والله؛ فلما أصبح تهيأ ليغدو، فقال قومه: نغدو معك، فقال: لا يغدو معى منكم أحد، إنكم إن رأيتموه حلتم بينى
стр. 723
وبين ضربه، وقد عصى أمرى كما ترون؛ فخرج على بعير له سريعا حتى لحق ابنه، ثم حدر النعم إلى المدينة، فلما كان ببطن قناة لقيته خيل لأبى بكر، عليها ابن مسعود، ويقال محمد بن مسلمة «١» وهو أثبت عندنا، فلما نظروا إليه ابتدروه، وما كان معه، وقالوا له: أين الفوارس الذين كانوا معك؟ قال: ما معى أحد، قالوا: بلى، لقد كان معك فوارس، فلما رأونا تغيبوا، فقال ابن مسعود: خلوا عنه فما كذب ولا كذبتم، جنود الله معه، ولم يرهم.
فقدم على أبى بكر بثلاثمائة بعير، وكانت أول صدقة قدم بها على أبى بكر.
وذكر بعض من ألف فى الردة: أن الزبرقان بن بدر هو الذى فعل هذا الفعل المنسوب فى هذا الحديث إلى عدى بن حاتم، فإما أن يكونا فعلاه معا توفيقا من الله لهما، وإما أن يكون هذا مما يعرض فى النقل من الاختلاف، والذى ينسب ذلك إلى الزبرقان يقول:
إنه قال فى ذلك:
لقد علمت قيس وخندف أننى ... وفيت إذا ما فارس الغدر ألجما
أتيت التى قد يعلم الله أنها ... إذا ذكرت كانت أعف وأكرما
أنفت لعوف أن يسب أبوهم ... إذا اقتسم الناس السوام المقسما
وروحتها من أهل جوفاء صبحت ... تدوس بأيديها الحصاد المحرما
حبوت بها قبر النبى وقد أبى ... فلم يجبه ساع من الناس مقسما
وقال أيضا:
وفيت بأذواد النبى ابن هاشم ... على موطن ضام الكريم المسودا
فأديتها ألفا ولو شئت ضمها ... رعاء يكون الوشيج المقصدا
وذكر ابن إسحاق: أن عدى بن حاتم كانت عنده إبل عظيمة اجتمعت له من صدقات قومه عندما توفى رسول الله ﷺ ، فلما ارتد من الناس وارتجعوا صدقاتهم، وارتدت بنو أسد، وهم جيرانهم، اجتمعت طيئ إلى عدى بن حاتم، فقالوا: إن هذا الرجل قد مات، وقد انتقض الناس بعده، وقبض كل قوم ما كان فيهم من صدقاتهم، فنحن أحق بأموالنا من شذاذ الناس، فقال: ألم تعطوا من أنفسكم العهد والميثاق على الوفاء طائعين غير مكرهين.
стр. 724
قالوا: بلى، ولكن قد حدث ما ترى، وقد ترى ما صنع الناس. قال: والذى نفس عدى بيده، لا أخيس بها أبدا، ولو كنت جعلتها لرجل من الزنج، لوفيت له بها، فإن أبيتم لأقاتلنكم، يعنى على ما فى يده وما فى أيديهم، فليكونن أول قتيل يقتل على وفاء ذمته عدى بن حاتم، أو يسلمها، فلا تطمعوا أن يسب حاتما فى قبره عدى ابنه من بعده، فلا يدعونكم عذر عاذر إلى أن تعذروا، فإن للشيطان قادة عند موت كل نبى، يستخف لها أهل الجهل حتى يحملهم على قلائص الفتنة، وإنما هى عجاجة لا ثبات لها، ولا ثبات فيها، إن لرسول الله ﷺ ، خليفة من بعده يلى هذا الأمر، وإن لدين الله أقواما سينهضون ويقومون به بعد رسول الله ﷺ ، كما قاموا بعهده وذو بيته فى السماء، لئن فعلتم ليقارعنكم على أموالكم ونسائكم بعد قتل عدى وغدركم، فأى قوم أنتم عند ذلك، فلما رأوا منه الجد، كفوا عنه، وسلموا له.
ويروى أن مما قال له قومه: أمسك فى يدك، فإنك إن تفعل تسد الحليفين، يعنون طيئا وأسدا.
فقال: ما كنت لأفعل حتى أدفعها إلى أبى بكر، فجاء بها حتى دفعها إليه، فلما كان زمن عمر بن الخطاب، رأى من عمر ﵀، جفوة، فقال له عدى: ما أراك تعرفنى؟
قال عمر: بلى، والله، والله يعرفك من السماء، أعرفك والله: أسلمت إذ كفروا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا، بلى، وايم الله أعرفك.
وقدم أيضا الزبرقان بن بدر بصدقات قومه على أبى بكر، فلم يزل لعدى والزبرقان بذلك شرف وفضل على من سواهما.
وأعطى أبو بكر عديا ثلاثين بعيرا من إبل الصدقة، وذلك أن عديا لما قدم على رسول الله ﷺ ، نصرانيا فأسلم وأراد الرجوع إلى بلاده أرسل إليه رسول الله ﷺ ، يعتذر من الزاد ويقول: «والله، ما أصبح عند آل محمد شقة من الطعام، ولكن ترجع ويكون خير» ، فلذلك أعطاه أبو بكر تلك الفرائض.
ولما كان من العرب ما كان من التوائهم عن الدين ومنع من منع منهم الصدقة جد بأبى بكر الجد فى قتالهم، وأراه الله رشده فيهم، وعزم على الخروج بنفسه إليهم، وأمر الناس بالجهاز، وخرج هو فى مائة من المهاجرين، وقيل: فى مائة من المهاجرين والأنصار، وخالد بن الوليد يحمل اللواء، حتى نزل بقعاء، وهو ذو القصة «١» ، يريد أبو
стр. 725
بكر أن يتلاحق الناس من خلفه، ويكون أسرع لخروجهم، ووكل بالناس محمد بن مسلمة يستحثهم، فانتهى إلى بقعاء عند غروب الشمس، فصلى بها المغرب، وأمر بنار عظيمة فأوقدت، وأقبل خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر وكان ممن ارتد، فى خيل من قومه إلى المدينة يريد أن يخذل الناس عن الخروج، أو يصيب غرة فيغير، فأغار على أبى بكر رضى الله عنه، ومن معه، وهم غافلون، فاقتتلوا شيئا من قتال، وتحيز المسلمون، ولاذ أبو بكر بشجرة، وكره أن يعرف، فأوفى طلحة بن عبيد الله على شرف فصاح بأعلى صوته لا بأس، هذه الخيل قد جاءتكم، فتراجع الناس، وجاءت الأمداد، وتلاحق المسلمون، فانكشف خارجة بن حصن وأصحابه، وتبعه طلحة بن عبيد الله فيمن خف معه، فلحقوه فى أسفل ثنايا عوسجة، وهو هارب لا يألو فيدرك أخريات أصحابه، فحمل طلحة على رجل بالرمح فدق ظهره، ووقع ميتا، وهرب من بقى، ورجع طلحة إلى أبى بكر، فأخبره أن قد ولوا منهزمين هاربين، وأقام أبو بكر ببقعاء أياما ينتظر الناس، وبعث إلى من كان حوله من أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب يأمرهم بجهاد أهل الردة، والخفوف إليهم، فتحلب الناس إليهم من هذه النواحى، حتى شحنت منهم المدينة.
قال سبرة الجهنى «١» : قدمنا معشر جهينة أربعمائة معنا الظهر والخيل، وساق عمرو ابن مسرة الجهنى مائة بعير عونا للمسلمين، فوزعها أبو بكر فى الناس، وجعل عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب يكلمان أبا بكر فى الرجوع إلى المدينة لما رأيا عزمه على المسير بنفسه، وقد توافى المسلمون وحشدوا، فلم يبق أحد من أصحاب النبى ﷺ ، من المهاجرين والأنصار من أهل بدر إلا خرج، وقال عمر: ارجع يا خليفة رسول الله ﷺ ، تكن للمسلمين فئة وردآ، فإنك إن تقتل يرتد الناس ويعل الباطل الحق، وأبو بكر مظهر المسير بنفسه، وسألهم بمن نبدأ من أهل الردة، فاختلفوا عليه، فقال أبو بكر: نصمد لهذا الكذاب على الله وعلى كتابه، طليحة.
ولما ألحوا على أبى بكر فى الرجوع، وعزم هو عليه، أراد أن يستخلف على الناس،
стр. 726
فدعا زيد بن الخطاب «١» لذلك، فقال: يا خليفة رسول الله، قد كنت أرجو أن أرزق الشهادة مع رسول الله ﷺ ، فلم أرزقها، وأنا أرجو أن أرزقها فى هذا الوجه، وإن أمير الجيش لا ينبغى أن يباشر القتال بنفسه، فدعا أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، فعرض عليه ذلك، فقال مثل ما قال زيد، فدعا سالما مولى أبى حذيفة ليستعمله، فأبى عليه، فدعا أبو بكر خالد بن الوليد فأمره على الناس، وقال لهم وقد توافى المسلمون قبله، وبعث مقدمته أمام الجيش: أيها الناس، سيروا على اسم الله تعالى وبركته، فأميركم خالد بن الوليد، إلى أن ألقاكم، فإنى خارج فيمن معى إلى ناحية خيبر حتى ألاقيكم. ويروى أنه قال للجيش: سيروا، فإن لقيتكم بعد غد فالأمر إلى، وأنا أميركم، وإلا فخالد بن الوليد عليكم، فاسمعوا له وأطيعوا.
وإنما قال ذلك أبو بكر لأن تذهب كلمته فى الناس، وتهاب العرب خروجه، ثم خلا بخالد بن الوليد، فقال: يا خالد، عليك بتقوى الله، وإيثاره على من سواه، والجهاد فى سبيله، فقد وليتك على من ترى من أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فسار خالد، ورجع أبو بكر، وعمر، وعلى، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص فى نفر من المهاجرين والأنصار من أهل بدر رضى الله عنهم جميعهم، إلى المدينة.
وصية أبى بكر الصديق رضى الله عنه، خالد بن الوليد حين بعثه فى هذا الوجه
قال حنظلة بن على الأسلمى: بعث أبو بكر رضى الله عنه، خالد بن الوليد إلى أهل الردة، وأمره أن يقاتلهم على خمس خصال، فمن ترك واحدة من الخمس قاتله: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان. زاد زيد بن أسلم: وحج البيت، وقال: كن ستا.
وعن نافع بن جبران أن أبا بكر حين بعث خالد بن الوليد عهد إليه، وكتب معه هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر، خليفة رسول الله ﷺ ، إلى
стр. 727
خالد بن الوليد، حين بعثه فيمن بعثه من المهاجرين والأنصار، ومن معهم من غيرهم لقتال من رجع عن الإسلام بعد رسول الله ﷺ ، عهد إليه وأمره أن يتقى الله ما استطاع فى أمره كله، علانيته وسره، وأمره بالجد فى أمر الله والمجاهدة لمن تولى عنه إلى غيره ورجع عن الإسلام إلى ضلالة الجاهلية وأمانى الشيطان.
وعهد إليه وأمره أن لا يقاتل قوما حتى يعذر إليهم ويدعوهم إلى الإسلام، ويبين لهم الذى لهم فى الإسلام والذى عليهم فيه، ويحرص على هداهم، فمن أجابه إلى ما دعاه إليه من الناس كلهم، أحمرهم وأسودهم، قبل منه، وليعذر إلى من دعاه بالمعروف وبالسيف، فإنما يقاتل من كفر بالله على الإيمان بالله، فإذا أجاب المدعو إلى الإيمان، وصدق إيمانه، لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فى عمله، ومن لم يجبه إلى ما دعا إليه من دعائه الإسلام، ممن رجع عن الإسلام بعد وفاة رسول الله ﷺ ، أن يقاتل أولئك بمن معه من المهاجرين والأنصار، حيث كانوا، وحيث بلغ مراغمه، ثم يقتل من قدر عليه من أولئك، ولا يقبل من أحد شيئا دعاه إليه ولا أعطاه إياه الإسلام والدخول فيه والصبر به وعليه وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله.
وأمره أن يمضى بمن معه من المسلمين حتى يقدم اليمامة فيبدأ ببنى حنيفة ومسيلمتهم الكذاب، فيدعوهم ويدعوه إلى الإسلام، وينصح لهم فى الدين، ويحرص على هداهم، فإن أجابوا إلى ما دعاهم إليه من دعاية الإسلام قبل منهم، وكتب بذلك إلى، وأقام بين أظهرهم حتى يأتيه أمرى، وإن هم لم يجيبوا ولم يرجعوا عن كفرهم واتباع كذابهم على كذبه على الله ، قاتلهم أشد القتال بنفسه وبمن معه، فإن الله ناصر دينه ومظهره على الدين كله، كما قضى فى كتابه ولو كره الكافرون، فإن أظهره الله عليهم إن شاء الله وأمكنه منهم فليقتلهم بالسلاح، وليحرقهم بالنار، ولا يستبق منهم أحدا قدر على أن يستبقيه، وليقسم أموالهم وما أفاء الله عليه وعلى المسلمين إلا خمسه، فليرسل به إلى أضعه حيث أمر الله به أن يوضع إن شاء الله.
وعهد إليه أن لا يكون فى أصحابه فشل من رأيهم ولا عجلة عن الحق إلى غيره، ولا يدخل فيهم حشو من الناس حتى يعرفهم ويعرف ممن هم، وعلام اتبعوه وقاتلوا معه، فإنى أخشى أن يدخل معكم ناس يتعوذون بكم ليسوا منكم ولا على دينكم، فيكونون عيونا عليكم، ويتحفظون من الناس بمكانهم معكم، وأنا أخشى أن يكون ذلك فى الأعراب وجفاتهم، فلا يكونن من أولئك فى أصحابك أحد إن شاء الله تعالى، وارفق بالمسلمين فى سيرهم ومنازلهم، وتفقدهم، ولا تعجل بعض الناس عن بعض فى المسير
стр. 728
ولا فى الارتحال من مكان، واستوص بمن معك من الأنصار خيرا فى حسن صحبتهم، ولين القول لهم، فإن فيهم ضيقا ومرارة وزعارة، ولهم حق وفضيلة وسابقة ووصية من رسول الله ﷺ ، فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم كما قال رسول الله ﷺ ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
ويروى أن أبا بكر ﵀، كتب مع هذا الكتاب كتابا آخر إلى عامة الناس، وأمر خالدا أن يقرأه عليهم فى كل مجمع، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبى بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى من بلغه كتابى هذا من عامة أو خاصة، تاما على إسلامه أو راجعا عنه، سلام على من اتبع الهدى ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبد ورسوله، الهادى غير المضل، أرسله بالحق من عنده إلى خلقه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، لينذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب بالحق من أدبر عنه حتى صاروا إلى الإسلام طوعا وكرها، ثم أدرك رسول الله ﷺ ، عند ذلك أجله الذى قضى الله عليه وعلى المؤمنين، فتوفاه الله، وقد كان بين له ذلك ولأهل الإسلام فى الكتاب الذى أنزل عليه، فقال له: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] ، وقال:
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: ٣٤، ٣٥] ، وقال للمؤمنين:
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] ، فمن كان إنما يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، صلوات الله عليه، ومن كان إنما يعبد الله وحده لا شريك له، فإن الله بالمرصاد، حى قيوم لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوه، وإنى أوصيكم أيها الناس بتقوى الله، وأحضكم على حظكم ونصيبكم من الله وما جاءكم به نبيكم محمد ﷺ ، وأن تهتدوا بهدى الله، وتعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يحفظه الله ضائع، وكل من لم يصدقه الله كاذب، وكل من لم يسعده الله شقى، وكل من لم يرزقه الله محروم، وكل من لم ينصره الله مخذول، فاهتدوا بهدى الله ربكم وما جاءكم به نبيكم محمد ﷺ ، فإنه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [الكهف: ١٧] ، وإنه قد بلغنى رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به، اغترارا بالله وجهالة بأمر الله، وطاعة للشيطان، إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا
стр. 729
حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ [فاطر: ٦] ، وإنى قد بعثت خالد بن الوليد فى جيش من المهاجرين الأولين من قريش والأنصار وغيرهم، وأمرته أن لا يقاتل أحدا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن دخل فى دين الله وتاب إلى الله ورجع عن معصية الله إلى ما كان يقر به من دين الله وعمل صالحا قبل ذلك منه، وأعانه عليه، ومن أبى أن يرجع إلى الإسلام بعد أن يدعوه بداعية الله ويعذر إليه بعاذرة الله، أن يقاتل من قاتله على ذلك أشد القتال بنفسه ومن معه من أنصار دين الله وأعوانه، ثم لا يبقى على أحد بعد أن يعذر إليه، وأن يحرقهم بالنار، ويسبى الذرارى والنساء، وأمرته أن لا يقبل من أحد شيئا إلا الرجوع إلى دين الله، وشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ ، وقد أمرته أن يقرأ على الناس كتابى إليهم فى كل مجمع وجماعة، فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فهو شر له.
وعن عروة بن الزبير، قال: جعل أبو بكر رضى الله عنه، يوصى خالد بن الوليد ويقول: يا خالد، عليك بتقوى الله، والرفق بمن معك من رعيتك، فإن معك أصحاب رسول الله ﷺ ، أهل السابقة من المهاجرين والأنصار، فشاوروهم فيما نزل بك، ثم لا تخالفهم، وقدم أمامك الطلائع ترتاد لك المنازل، وسر فى أصحابك على تعبئة جيدة، فإذا لقيت أسدا وغطفان فبعضهم لك وبعضهم عليك، وبعضهم لا عليك ولا لك، متربص دائرة السوء، ينظر لمن تكون الدبرة، فيميل مع من تكون له الغلبة، ولكن الخوف عندى من أهل اليمامة، فاستعن بالله على قتالهم، فإنه بلغنى أنهم رجعوا بأسرهم، وإن كفاك الله الضاحية فامض إلى أهل اليمامة، فإنك تلقى عدوا كلهم عليك، لهم بلاد منكرة، فلا تؤتى إلا من مفازة، فارفق بجيشك فى تلك المفازة، فإن فى جيشك قوما أهل ضعف، أرجو أن تنصر بهم حتى تدخل بلادهم إن شاء الله تعالى.
فإذا دخلت بلادهم فالحذر الحذر إذا لقيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذى يقاتلونك به، السهم للسهم، والرمح للرمح، والسيف للسيف، فإن أعطاك الله الظفر عليهم، فأقل البقيا عليهم إن شاء الله تعالى، وإياك أن تلقانى غدا بما يضيق صدرى به منك، اسمع عهدى ووصيتى، لا تغيرن على دار سمعت فيها أذانا حتى تعلم ما هم عليه، وإياك وقتل من صلى، واعلم يا خالد أن الله يعلم من سريرتك ما يعلم من علانيتك، واعلم أن رعيتك إنما تعمل بما تراك تعمل، كف عليك أطرافك، وتعاهد جيشك، وانههم عما لا يصلح لهم، فإنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم، وبهذا نرجو لكم النصر على أعدائكم، سر على بركة الله تعالى.
стр. 730
ذكر مسير خالد بن الوليد رضى الله عنه، إلى بزاخة وغيرها
قالوا: وسار خالد بن الوليد ومعه عدى بن حاتم، وقد انضم إليه من طيىء ألف رجل، فنزل بزاخة، وكانت جديلة معرضة عن الإسلام، وهى بطن من طيىء، وكان عدى بن حاتم من الغوث، وقد همت جديلة أن ترتد، فجاءهم مكنف بن زيد الخيل الطائى، فقال: أتريدون أن تكونوا سبة على قومكم، لم يرجع رجل واحد من طيىء، وهذا أبو طريف عدى بن حاتم، معه ألف رجل من طيىء، فكسرهم، فلما نزل خالد بزاخة، قال لعدى: يا أبا طريف، ألا نسير إلى جديلة؟ فقال: يا أبا سليمان، لا تفعل، أقاتل معك بيدين أحب إليك، أم بيد واحدة؟ فقال خالد: بل بيدين، قال عدى: فإن جديلة إحدى يدى، فكف خالد عنهم، فجاءهم عدى فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا، فحمد الله وسار بهم إلى خالد.
فلما رآهم خالد فزع منهم، وظن أنهم أتوا للقتال، فصاح فى أصحابه بالسلاح، فقيل له: إنما هى جديلة أتت تقاتل معك، فلما جاؤا حلوا ناحية، وجاءهم خالد، فرحب بهم، وفرح بهم، واعتذروا إليه من اعتزالهم، وقالوا: نحن لك حيث أحببت، فجزاهم خيرا، فلم يرتد من طيىء رجل واحد، فسار خالد على تعبئته، وطلب إليه عدى أن يجعل قومه مقدمة أصحابه، فقال: يا أبا طريف، إن الأمر قد اقترب، وأنا أخاف أن أقدم قومك، فإذا ألحمهم القتال انكشفوا، فانكشف من معنا، ولكن دعنى أقدم قوما صبرا، لهم سوابق ونيات، وهم من قومك.
قال عدى: الرأى ما رأيت، فقدم المهاجرين، والأنصار، ولم يزل خالد يقدم طليعته منذ خرج من بقعاء حتى قدم اليمامة، وأمر عيونه أن يختبروا كل من مروا به عند مواقيت الصلاة بالأذان لها، فيكون ذلك أمانا لهم، ودليلا على إسلامهم، وانتهى خالد والمسلمون إلى عسكر طليحة، وقد ضربت لطليحة قبة من أدم، وأصحابه حوله معسكرون، فانتهى خالد ممسيا، فضرب عسكره على ميل أو نحوه من عسكر طليحة، وخرج يسير على فرس معه نفر من أصحاب النبى ﷺ ، فوقف من عسكر طليحة غير بعيد، ثم قال: يخرج إلى طليحة، فقال أصحابه: لا تصغر اسم نبينا، وهو طلحة. فخرج طليحة فوقف، فقال له خالد: إن من عهد خليفتنا إلينا أن ندعوك إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن تعود إلى ما خرجت منه، فنقبل منك، ونغمد سيوفنا عنك، فقال: يا خالد، أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، وأنى نبى مرسل يأتينى ذو النون، كما كان جبريل يأتى محمدا، وقد كان ادعى هذا فى عهد النبى
стр. 731
صلى الله عليه وسلم، فقال النبى ﷺ : لقد ذكر ملكا عظيما فى السماء يقال له: ذو النون، وكان عيينة بن حصن قد قال له: لا أبا لك، هل أنت مرينا بعض نبوتك، فقد رأيت ورأينا ما كان يأتى محمدا، قال: نعم، فبعث عيونا له حيث سار خالد بن الوليد من المدينة مقبلا إليهم قبل أن يسمع بذكر خالد، وقال: إن بعثتم فارسين على فرسين أغرين محجلين من بنى نصر بن قعين أتوكم من القوم بعين، فهيئوا فارسين، فبعثوهما، فخرجا يركضان، فلقيا عينا لخالد بن الوليد، فقالا: ما وراءك؟ فقال: هذا خالد بن الوليد فى المسلمين، قد أقبلوا، فأتوا به إليه، فزادهم فتنة، وقال: ألم أقل لكم؟.
فلما أبى طليحة على خالد أن يقر بما دعاه إليه انصرف خالد إلى معسكره، فاستعمل تلك الليلة على حرسه مكنف بن زيد الخيل، وعدى بن حاتم، وكان لهما صدق نية ودين، فباتا يحرسان فى جماعة من المسلمين، فلما كان فى السحر، نهض خالد فعبأ أصحابه، ووضع ألويته مواضعها، ودفع اللواء الأعظم إلى زيد بن الخطاب، فتقدم به، وتقدم ثابت بن قيس بن شماس بلواء الأنصار، وطلبت طيىء لواء يعقد لها، فعقد خالد لواء ودفعه إلى عدى بن حاتم، فلما سمع طليحة حركة القوم عبأ أصحابه، وجعل خالد يسوى الصفوف على رجليه، وطليحة يسوى أصحابه على راحلته، حتى إذا استوت الصفوف زحف بهم خالد حتى دنا من طليحة، فلما انتهى إليه، خرج إليه طليحة بأربعين غلاما جلداء من جنوده، مردا، فأقامهم فى الميمنة، فقال: اضربوا حتى تأتوا الميسرة، فتضعضع الناس ولم يقتل أحد، ثم أقامهم فى الميسرة ففعلوا مثل ذلك، وانهزم المسلمون، فقال رجل من هوازن، حضرهم يومئذ: إن خالدا لما كان ذلك قال: يا معشر الأنصار، الله الله، واقتحم وسط القوم، وكر عليه أصحابه، فاختلطت الصفوف، واختلفت السيوف بينهم، وضرس خالد فى القتال، فجعل يقحم فرسه ويقولون له: الله الله، فإنك أمير القوم، ولا ينبغى لك أن تقدم، فيقول: والله إنى لأعرف ما تقولون، ولكنى والله ما رأيتنى أصبر، وأخاف هزيمة المسلمين.
وفيما ذكر الكلبى عن بعض الطائيين: أنه نادى مناد من طيىء، يعنى عندما حمل أولئك الأربعون غلاما على المسلمين: يا خالد، عليك سلمى وأجأ فقال: بل إلى الله الملجأ، قال: ثم حمل، فو الله ما رجع حتى لم يبق من أولئك الأربعين رجل واحد، وقاتل خالد يومئذ بسيفين، حتى قطعهما، وتراد الناس بعد الهزيمة، واشتد القتال، وأسر حبال ابن أبى حبال، فأرادوا أن يبعثوا به إلى أبى بكر، فقال: اضربوا عنقى ولا ترونى محمديكم هذا، فضربوا عنقه.
стр. 732
وذكر الواقدى عن ابن عمر، قال: نظرت إلى راية طليحة يومئذ، حمراء يحملها رجل منهم لا يزول بها فترا، فنظرت إلى خالد أتاه فحمل عليه فقتله، فكانت هزيمتهم، فنظرت إلى الراية تطؤها الإبل والخيل والرجال حتى تقطعت.
وعنه، قال: يرحم الله خالد بن الوليد، لقد كان له غناء وجرأة، ولقد رأيته يوم طليحة يباشر الحرب بنفسه حتى ليم فى ذلك، ولقد رأيته يوم اليمامة يقاتل أشد القتال، إن كان مكانه ليتقى حتى يطلع إلينا منبهرا.
ولما تراجع المسلمون، وضرس القتال، تزمل طليحة بكساء له ينتظر، زعم أن ينزل عليه الوحى، فلما طال ذلك على أصحابه وهدتهم الحرب، جعل عيينة بن حصن يقاتل ويذمر الناس.
قال ابن إسحاق: قاتل يومئذ فى سبعمائة من فزارة قتالا شديدا، حتى إذا لج المسلمون عليهم بالسيف وقد صبروا لهم، أتى طليحة وهو متلثم فى كسائه، فقال: لا أبا لك، هل أتاك جبريل بعد؟ قال: يقول طليحة وهو تحت الكساء: لا والله ما جاء بعد، فقال عيينة: تبا لك سائر اليوم، ثم رجع عيينة فقاتل، وجعل يحض أصحابه وقد ضجوا من وقع السيوف.
فلما طال ذلك على عيينة جاء طليحة وهو مستلق متسج بكسائه فجبذه جبذة جلس منها، وقال له: قبح الله هذه من نبوة، ما قيل لك بعد شىء؟ فقال: طليحة: قد قيل لى:
إن لك رحا كرحاه، وأمرا لن تنساه، فقال عيينة: أظن قد علم الله أن سيكون لك أمر لن تنساه، يا فزارة، هكذا، وأشار له تحت الشمس، هذا والله كذاب، ما بورك له ولا لنا فيما يطالب، فانصرفت فزارة، وذهب عيينة وأخوه فى آثارها، فيدرك عيينة فأسر، وأفلت أخوه، ويقال: أسر عيينة عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائى، فأراد خالد قتله حتى كلمه فيه رجل من بنى مخزوم، فترك قتله.
ولما رأى طليحة أن الناس يقتلون ويؤسرون، خرج منهزما، وأسلمه الشيطان، فأعجزهم هو وأخوه، فجعل أصحابه يقولون له: ماذا ترى؟ وقد كان أعد فرسه وهيأ امرأته النوار فوثب على فرسه، وحمل امرأته وراءه فنجا بها، وقال: من استطاع منكم أن يفعل كما فعلت فليفعل، ولينج بأهله، ثم هرب حتى قدم الشام، فأقام عند بنى جفنة الغسانيين.
وفى كتاب يعقوب الزهرى: أن طليحة قال لأصحابه لما رأى انهزامهم: ويلكم ما
стр. 733
يهزمكم؟ فقال له رجل منهم: أنا أخبرك أنه ليس منا رجل إلا وهو يحب أن صاحبه يموت قبله، وأنا نلقى قوما كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه.
وذكر ابن إسحاق أن طليحة لما ولى هاربا تبعه عكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم، وقد كان طليحة أعطى الله عهدا أن لا يسأله أحد النزول إلا فعل، فلما أدبر ناداه عكاشة: يا طليحة، فعطف عليه، فقتل عكاشة، ثم أدركه ثابت، فقتله أيضا طليحة، ثم لحق بالشام. وقال طليحة يذكر قتله إياهما:
زعمتم بأن القوم لن يقتلوكم ... أليسوا وإن لم يسلموا برجال
عدلت لهم صدر الحمالة إنها ... معودة قيل الكماة نزال
فيوما تفى بالمشرفية خدها ... ويوما تراها فى ظلال عوال
ويوما تراها فى الجلال مصونة ... ويوما تراها غير ذات جلال
عشية غادرت ابن أقرم ثاويا ... وعكاشة الغنمى عند مجال
فإن يك أذواد أصبن ونسوة ... فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال
وقد قيل فى قتلها غير هذا، وهو ما ذكره الواقدى عن عميلة الفزارى، وكان عالما بردتهم: أن خالد بن الوليد كان لما دنا من القوم بعث عكاشة وثابتا طليعة أمامه، وكانا فارسين، فلقيهما طليحة وأخاه مسيلمة ابنى خويلد، طليعة لمن وراءهما من الناس، وخلفوا عسكرهم من ورائهم، فلما التقوا، انفرد طليحة بعكاشة، ومسلمة بثابت، فلم يلبث مسلمة أن قتل ثابتا، وصرخ طليحة بمسلمة: أعنى على الرجل فإنه قاتلى، فكر معه على عكاشة، فقاتلاه ﵀، ثم كرا راجعين إلى من وراءهما، وأقبل خالد معه المسلمون، فلم يرعهم إلا ثابت بن أقرم قتيلا تطؤه المطى، فعظم ذلك على المسلمين، ثم لم يسيروا إلا يسيرا حتى وطئوا عكاشة قتيلا، فثقل على المطى، كما وصف واصفهم، حتى ما تكاد المطى ترفع أخفافها.
وفى كتاب الزهرى: ثم لحقوا أصحاب طليحة، فقتلوا وأسروا، وصاح خالد: لا يطبخن رجل قدرا ولا يسخنن ماء إلا على أثفية رأس رجل، وتظلف رجل من بنى أسد، فوثب على عجز راحلة خالد وهو يقول:
لن يخزى الله قوما أنت قائدهم ... يا ابن الوليد ولن تشقى بك الدبر
كفاك كف عقاب عند سطوتها ... على العدو وكف برة عقر
أنشدك الله أن يكون هلاك مضر اليوم على يديك، قال: من أنت ويحك؟ قال: أنا
стр. 734
الأباء بن قيس يا خالد، حكمك فى بنى أسد، قال: حكمى فيهم أن يقيموا الصلاة، ثم يؤتوا الزكاة، ثم يرجعوا إلى بلادهم، فمن كان له بها مال فليعمده، وليسلم عليه، فهو له. فأقروا بذلك، فنادى خالد: من قام فهو آمن، فقام الناس كلهم، فآمن من قام.
وسمعت بذلك بنو عامر، فأعلنوا بالإسلام، وأمر خالد بالحظائر أن تبنى، ثم أوقد فيها النار، ثم أمر بالأسرى، فألقيت فيها، وألقى يومئذ حامية بن سبيع بن الحسحاس الأسدى، وهو الذى كان رسول الله ﷺ ، استعمله على صدقات قومه فارتد عن الإسلام.
وأخذ أم طليحة، إحدى نساء بنى أسد، فعرض عليها الإسلام، فأبت، ووثبت فاقتحمت النار وهى تقول:
يا موت عم صباحا ... كافحته كفاحا
إذا لم أجد براحا
وذكر الواقدى عن يعقوب بن يزيد بن طلحة: أن خالدا جمع الأسارى فى الحظائر، ثم أضرمها عليهم، فاحترقوا وهم أحياء، ولم يحرق أحد من بنى فزارة، فقلت لبعض أهل العلم: لم حرق هؤلاء من بين أهل الردة؟ فقال: بلغت عنهم مقالة سيئة، شتموا النبى ﷺ ، وثبتوا على ردتهم.
وذكر عن غير يعقوب: أن خالدا أمر بالأخدود يحفر، فقيل له: ما تريد بهذا الأخدود؟ قال: أحرقهم بالنار، فكلم فى ذلك، فقال: هذا عهد الصديق أبى بكر إلى، اقرؤه فى كل مجمع: إن أظفرك الله بهم فاحرقهم بالنار.
وعن عبد الله بن عمر، قال: شهدت بزاخة فظفرنا الله على طليحة، فكنا كلما أغرنا على القوم سبينا الذرارى واقتسمنا أموالهم.
ذكر رجوع بنى عامر وغيرهم إلى الإسلام
ولما أوقع الله ببنى أسد وفزارة ما أوقع ببزاخة بعث خالد بن الوليد السرايا ليصيبوا ما قدروا عليه ممن هو على ردته، وجعلت العرب تسير إلى خالد راغبة فى الإسلام أو خائفة من السيف، فمنهم من أصابته السرية، فيقول: جئت راغبا فى الإسلام، وقد رجعت إلى ما خرجت منه، ومنهم من يقول: ما رجعنا ولكنا منعنا أموالنا وشححنا
стр. 735
عليها، فقد سلمناها فليأخذ منها حقه، ومنهم من لم تظفر به السرايا، فانتهى إلى خالد مقرا بالإسلام، ومنهم من مضى إلى أبى بكر الصديق ولم يقرب خالدا.
قال الواقدى: فاختلفوا علينا فى قرة بن هبيرة القشيرى «١» ، فقال قائل: هرب إلى أبى بكر وأسلم عنده، وقال قائل: أخذته خيل خالد، فأتت به إليه، ومنهم من قال: جاء إلى خالد بن الوليد شاردا حين جاءت بنو عامر إلى خالد، وهو أثبت عندنا.
قال بعضهم: وكانت بنو عامر تربص لمن الدبرة، وصاحب أمرهم قرة بن هبيرة، فقام فيهم أبو حرب ربيعة بن خويلد العقيلى، وهو يومئذ، فارس عامر ورجلها، فقال: مهلا يا بنى عامر، قد قتلتم رسل رسول الله ﷺ ، إلى بئر معونة، وأخفرتم ذمة أبى براء، وأرداكم عامر بن الطفيل، وقد أظلكم خالد فى المهاجرين والأنصار، فكسرهم قوله، وقد رضوه، وكان عرض لعمرو بن العاص مقدمه من عمان بعد وفاة رسول الله ﷺ ، مع قرة بن هبيرة ما نذكره، وذلك أن عمرا كان عاملا للنبى ﷺ ، على عمان، فجاءه يوما يهودى من يهود عمان، فقال: أرأيتك إن سألتك عن شىء أأخشى على منك؟ قال: لا، قال اليهودى: أنشدك الله، من أرسلك إلينا؟ قال: اللهم، رسول الله ﷺ ، فقال اليهودى:
الله إنك لتعلم أنه رسول الله؟ قال عمرو: اللهم نعم، فقال اليهودى: لئن كان حقا ما تقول لقد مات اليوم.
فلما رأى عمرو ذلك جمع أصحابه وحواشيه، وكتب ذلك اليوم الذى قال له اليهودى فيه ما قال، ثم خرج بخفراء من الأزد وعبد القيس، يأمن بهم، فجاءته وفاة رسول الله ﷺ بهجر، ووجد ذكر ذلك عند المنذر بن ساوى، فسار حتى قدم أرض بنى حنيفة، فأخذ منهم خفيرا حتى جاء أرض بنى عامر، فنزل على قرة بن هبيرة القشيرى، فقال له حين أراد عمرو أن يركب: إن لك عندى نصيحة، وأنا أحب أن تسمعها، إن صاحبك قد توفى، قال عمرو: وصاحبنا هو لا أم لك، يعنى دونك، قال له قرة: وإنكم يا معشر قريش كنتم فى حرمكم تأمنون فيه ويأمنكم الناس، ثم خرج منكم رجل يقول ما سمعت، فلما بلغنا ذلك لم نكرهه، وقلنا، رجل من مضر يريد يسوق الناس، وقد توفى، والناس إليكم سراع، وإنهم غير معطيكم شيئا، فالحقوا بحرمكم تأمنون فيه، وإن كنت غير فاعل، فعدنى حيث شئت آتك، فوقع به عمرو وقال: إنى أرد عليك نصيحتك، وموعدك حفش أمك، قال قرة: إنى لم أرد هذا، وندم على مقالته، ويقال:
стр. 736
خرج مع عمرو فى مائة من قومه خفراء له. وأقبل عمرو بن العاص يلقى الناس مرتدين، حتى أتى على ذى القصة، فلقى عيينة بن حصن خارجا من المدينة، وذلك حين قدم على أبى بكر يقول: إن جعلت لنا شيئا كفيناك ما وراءنا، فقال له عمرو بن العاص: ما وراءك يا عيينة؟ من ولى الناس أمورهم؟ قال: أبو بكر. فقال عمرو: الله أكبر، قال عيينة: يا عمرو، استوينا نحن وأنتم، فقال عمرو: كذبت يا ابن الأخابث من مضر، وسار عيينة فجعل يقول لكل من لقى من الناس: احبسوا عليكم أموالكم. قالوا: فأنت ما تصنع؟ قال: لا يدفع إليه رجل من فزارة عناقا واحدة، ولحق عند ذلك بطليحة الأسدى، فكان معه.
وقدم عمرو المدينة، فأخبر أبا بكر بما كان فى وجهه، وبمقالة قرة بن هبيرة، وبمقالة عيينة بن حصن، وأتى عمرو خالدا حين بعثه أبو بكر إلى أهل الردة، فجعل يقول: يا أبا سليمان، لا يفلت منك قرة بن هبيرة، فلما صنع الله بأهل بزاخة ما صنع، عمد خالد إلى جبلى طيىء فأتته عامر وغطفان يدخلون فى الإسلام، ويسألونه الأمان على مياههم وبلادهم، وأظهروا له التوبة، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فأمنهم خالد، وأخذ عليهم العهود والمواثيق ليبايعن على ذلك أبناءكم ونساءكم آناء الليل وآناء النهار، فقالوا: نعم نعم، ولما اجتمعوا إليه، قال خالد: أين قرة بن هبيرة القشيرى؟ قال: ها أنا ذا، قال: قدمه فاضرب عنقه، وقال: أنت المتكلم لعمرو بن العاص بما تكلمت به وأنت المتربص بالمسلمين الدوائر، ولم تنصر وقلت إن كانت الدائرة على المسلمين فمالى بيدى، وجمعت قومك على ذلك، ورأسك قومك، ولم تكن بأهل أن ترأس ولا تطاع. قال: يا ابن المغيرة، إن لى عند عمرو بن العاص شهادة، فقال خالد: عمرو الذى نقل عنك إلى الخليفة ما تكلمت به.
ويروى أنه قال له هذا ما قال لك عمرو: سيأتيك فى حفش أمك. فقال له قرة: يا أبا سليمان، إنى قد أجرته فأحسنت جواره، وأنا مسلم لم أرتد، فقال: لولا ما تذكر لضربت عنقك، ولكن لا بد أن أبعث بك فى وثاق إلى أبى بكر فيرى فيك رأيه، فلما فرغ من بيعة بنى عامر أوثق عيينة بن حصن، وقرة بن هبيرة، وبعث بهما إلى أبى بكر الصديق.
قال ابن عباس: فقدم بهما المدينة فى وثاق، فنظرت إلى عيينة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ينخسه غلمان المدينة بالجريد، ويضربونه، ويقولون: أى عدو الله، أكفرت بالله بعد إيمانك؟ فيقول: والله ما كنت آمنت بالله.
стр. 737
قالوا: ووقف عليه عبد الله بن مسعود، فقال: خبت وخسرت، إنك لموضع فى الباطل قديما، فقال له عيينة: اقصر أيها الرجل، فلولا ما أنا فيه لم تكلمنى بما تكلمنى به، فانصرف ابن مسعود، وأتى بقرة بن هبيرة، فقال: يا خليفة رسول الله، والله ما كفرت، وسل عمرو بن العاص، فإن لى عنده شهادة، لما أقبل من عمان خرجت فى مائة من قومى خفراء له، وقبل ذلك ما أكرمت منزله، ونحرت له، فسأل أبو بكر رضى الله عنه، عمرا، فقال: نزلت به، فلم أر للضيف خيرا منه، لم يترك، وخرج معى فى مائة من قومه؛ ثم ذكر عمرو ما قال له قرة، فقال قرة: انزع يا عمرو، فقال عمرو: لو نزعت نزعت، فلم يعاقبه أبو بكر، وعفا عنه، وكتب له أمانا، وقبل منه.
وكان فيمن ارتد من بنى عامر ولم يرجع معهم علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر، فبعث أبو بكر إلى ابنته وامرأته ليأخذهما، فقالت امرأته: مالى ولأبى بكر، إن كان علقمة قد كفر فإنى لم أكفر، فتركها، ثم راجع علقمة الإسلام زمن عمر رضى الله عنه، فرد عليه زوجته.
وأخذ خالد بن الوليد من بنى عامر وغيرهم من أهل الردة ممن جامعهم وبايعه على الإسلام كل ما ظهر من سلاحهم، واستحلفهم على ما غيبوا عنه، فإن حلفوا تركهم، وإن أبوا شدهم أسرا حتى أتوا بما عندهم من السلاح، فأخذ منهم سلاحا كثيرا، فأعطاه أقواما يحتاجون إليه فى قتال عدوهم، وكتبه عليهم، فلقوا به العدو ثم ردوه بعد، فقدم به على أبى بكر، رضى الله عنه.
وحدث يزيد بن شريك الفزارى، عن أبيه، قال: قدمت مع أسد وغطفان على أبى بكر وافدا حين فرغ خالد من بزاخة، وجعلت أسد وغطفان تسلل، فاجتمعوا عند أبى بكر، فمنهم من بايع خالدا، ومنهم من لم يبايعه، فجاؤا إلى أبى بكر، فقال أبو بكر:
اختاروا بين خصلتين: حرب مجلية أو سلم مخزية، قال خارجة بن حصن: هذه الحرب المجلية قد عرفتها، فلما السلم المخزية؟.
قال: تقرون أن قتلانا فى الجنة، وأن قتلاكم فى النار، وأن تردوا علينا ما أخذتم منا، ولا نرد عليكم مما أخذنا منكم شيئا، وأن تدوا قتلانا دية كل قتيل مائة بعير، منها أربعون فى بطونها أولادها، ولا ندى قتلاكم، ونأخذ منكم الحلقة والكراع، وتلحقون بأذناب الإبل حتى يرى الله خليفة نبيه والمؤمنين ما شاء فيكم أو يرى منكم إقبالا إلى ما خرجتم منه. فقال خارجة بن حصن: نعم يا خليفة رسول الله، قال أبو بكر: عليكم
стр. 738
عقد الله وميثاقه أن تقوموا بالقرآن آناء الليل وآناء النهار، وتعلموه أولادكم ونساءكم، ولا تمنعوا فرائض الله فى أموالكم، قالوا: نعم، فقال عمر: يا خليفة رسول الله، كل ما قلت كما قلت إلا أن يدوا من قتلوا منا، فإنهم قوم قتلوا فى سبيل الله، واستشهدوا.
وفى رواية: فتتابع الناس على قول عمر، وقبض أبو بكر رضى الله عنه، كل ما قدر عليه من الحلقة والكراع، فلما توفى، رأى عمر رضى الله عنه، أن الإسلام قد ضرب بجرانه، فدفعه إلى أهله، أو إلى عصبة من مات منهم.
ولما فرغ خالد من بزاخة وبنى عامر ومن يليهم، أظهر أن أبا بكر عهد إليه أن يسير إلى أرض بنى تميم وإلى اليمامة، فقال ثابت بن قيس بن شماس، وهو على الأنصار، وخالد على جماعة المسلمين: ما عهد إلينا ذلك، وما نحن بسائرين، وليست بنا قوة، وقد كلّ المسلمون، وعجف كراعهم. فقال خالد: أما أنا فلست بمستكره أحدا منكم، فإن شئتم فسيروا، وإن شئتم فأقيموا، فسار خالد ومن تبعه من المهاجرين وأبناء العرب، عامدا لأرض بنى تميم، واليمامة، وأقامت الأنصار يوما أو يومين، ثم تلاومت فيما بينها، وقالوا: والله ما صنعنا شيئا، والله لئن أصيب القوم ليتولن: أخذلتموهم وأسلمتموهم، وإنها لسبة باق عارها آخر الدهر، ولئن أصابوا خيرا وفتح الله فتحا، إنه لخير منعتموه، فابعثوا إلى خالد يقيم لكم حتى تلحقوه، فبعثوا إليه مسعود بن سنان، ويقال: ثعلبة بن غنمة، فلما جاءه الخبر أقام حتى لحقوه، فاستقبلهم فى كثرة من معه من المسلمين، لما أطلوا على العسكر حتى نزلوا، وساروا جميعا حتى انتهى خالد بهم إلى البطاح من أرض بنى تميم، فلم يجد بها جمعا، ففرق السرايا فى نواحيها، وكان فى سرية منها أبو قتادة الأنصارى.
قال: فلقينا رجل، فقلنا: ممن أنت؟ قال: من بنى حنظلة، فقلنا: أين من يمنع الصدقة منا الآن؟ قال: هم بمكان كذا وكذا، فقلت: كم بيننا؟ قال: مائة، فانطلقنا سراعا حتى أتيناهم حين طلعت الشمس، ففزعوا حين رأونا، وأخذوا السلاح، وقالوا: من أنتم؟ قلنا:
نحن عباد الله المسلمون، قالوا: ونحن عباد الله المسلمون، وكانوا اثنى عشر رجلا، فيهم مالك بن نويرة، قلنا: فضعوا السلاح واستسلموا، ففعلوا، فأخذناهم، فجئنا بهم خالدا.
وذكر من خبرهم ما يأتى بعد إن شاء الله تعالى.
وكان مالك بن نويرة قد بعثه النبى ﷺ ، مصدقا إلى قومه بنى حنظلة، وكان سيدهم، فجمع صدقاتهم، فلما بلغته وفاة النبى ﷺ ، جفل إبل الصدقة، أى ردها من حيث
стр. 739
جاءت، فلذلك سمى الجفول، وجمع قومه، فقال: إن هذا الرجل قد هلك، فإن قام قائم من قريش بعد نجتمع عليه جميعا، إن رضى منكم أن تدخلوا فى أمره، ولم يطلب ما مضى من هذه الصدقة أبدا، ولم تكونوا أعطيتم الناس أموالكم، فأنتم أولى بها وأحق، فتسارع إليه جمهور قومه وفرحوا بذلك، فقام ابن قعنب، وكان سيد بنى يربوع، فقال:
يا بنى تميم، بئس ما ظننتم، أن ترجعوا فى صدقاتكم ولا يرجع الله فى نعمه عليكم، وأن تجردوا للبلاء ويلبسكم الله العافية، وأن تستشعروا خوف الكفر، وأن تسكنوا فى أمن الإسلام، إنكم أعطيتم قليلا من كثير، والله مذهب الكثير بالقليل ومسلط على أموالكم غدا من لا يأخذها على الرضى ولا يخيركم فى الصدقة، وإن منعتموها قتلتم، فأطيعوا الله واعصوا مالكا.
فقام مالك، فقال: يا معشر بنى تميم، إنما رددت عليكم أموالكم إكراما لكم، وبقيا عليكم، وإنه لا يزال يقوم قائم منكم يخطئنى فى ردها عليكم ويخطئكم فى أخذها، فما أغنانى عما يضرنى ولا ينفعكم، فو الله ما أنا بأحرصكم على المال، ولا بأجزعكم من الموت، ولا بأخفاكم شخصا إن أقمت، ولا بأخفكم رحلة إن هربت، فترضاه عند ذلك بنو حنظلة، وأسندوا إليه أمرهم، وقالوا: حربنا حربك وسلمنا سلمك، فأخذوا أموالهم، وأبى الله إلا أن يتم أمره فيهم، وقال فى ذلك مالك:
وقال رجال سدد اليوم مالك ... وقال رجال مالك لم يسدد
فقلت دعونى لا أبا لأبيكم ... فلم أخط رأيا فى المعاد ولا البد
وقلت خذوا أموالكم غير خائف ... ولا ناظر فيما يجىء به غد
فدونكموها إنها صدقاتكم ... مصررة أخلافها لم تحرد
سأجعل نفسى دون ما تحذرونه ... وأرهنكم يوما بما قلته يدى
فإن قام بالأمر المخوف قائم ... أطعنا وقلنا الدين دين محمد
ولما بلغ ذلك أبا بكر والمسلمين حنقوا على مالك، وعاهد الله خالد بن الوليد لئن أخذه ليقتلنه، ثم ليجعلن هامته أثفية للقدر، فلما أتى به أسيرا فى نفر من قومه، أخذوا معه كما تقدم.
اختلف فيه الذين أخذوهم، فقال بعضهم: قد والله أسلموا، فما لنا عليهم من سبيل وفيمن شهد بذلك أبو قتادة الأنصارى، وكان معهم فى تلك السرية، وقالوا: إنا قد أذنا فأذنوا، ثم أقمنا فأقاموا، ثم صلينا فصلوا.
стр. 740
وكان من عهد أبى بكر إلى خالد أن: أيما دار غشيتموها فسمعتم الأذان فيها بالصلاة فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم ماذا نقموا وماذا يبغون، وأيما دار غشيتموها فلم تسمعوا فيها الأذان، فشنوا عليها الغارة، فاقتلوا وحرقوا.
وشهد بعض من كان فى تلك السرية أنهم لم يسلموا، وأنهم لم يسمعوهم كبروا ولا أذنوا، وأن قتلهم وسبيهم حلال، وكان ذلك رأى خالد فيهم.
قال أبو قتادة: فجئته فقلت: أقاتل أنت هؤلاء القوم؟ قال: نعم، قلت: والله ما يحل لك قتلهم، ولقد اتقونا بالإسلام، فما عليهم من سبيل، ولا أتابعك على قتلهم، فأمر بهم خالد فقتلوا.
قال أبو قتادة: فتسرعت حتى قدمت على أبى بكر، فأخبرته الخبر، وعظمت عليه الشأن، فاشتد فى ذلك عمر، وقال: ارجم خالدا، فإنه قد استحل ذلك، فقال أبو بكر:
والله لا أفعل، إن كان خالد تأول أمرا فأخطأه.
وذكر يعقوب بن محمد الزهرى والواقدى فى مقتل مالك بن نويرة روايات غير ما تقدم، أستغنى عن إيرادها بما ذكر هنا. وفى بعض ذلك أن خالدا أمر برأسه فجعل أثفية لقدر حسب ما تقدم من نذره ذلك، وكان من أكثر الناس شعرا، فكانت القدر على رأسه، فراحوا وإن شعره ليدخن وما خلصت النار إلى شواة رأسه.
وعاتب أبو بكر خالدا لما قدم عليه فى قتل مالك بن نويرة مع ما شهد له به أبو قتادة وغيره، فاعتذر إليه خالد، وزعم أنه سمع منه كلاما استحل به قتله، فعذره أبو بكر وقبل منه.
ورثا متمم بن نويرة «١» أخاه مالكا بقصائد كثيرة منها قصيدته المشهورة المتخيرة فى مراثى العرب التى يقول فيها «٢» :
وكنا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن نتصدعا
فلما تفرقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
ويروى أن عمر بن الخطاب ﵀، قال لمتمم بن نويرة: لوددت أنى رثيت أخى زيدا بمثل ما رثيت به مالكا أخاك، وكان زيد أصيب يوم اليمامة، فقال له متمم: يا أبا