والبلاذري (١):
هو أحمد بن يحيى بن جابر بن داود. أبو بكر، وقيل أبو الحسن، وقيل أبو جعفر. ترجم له كثير من المؤرخين من أمثال: النديم في الفهرست
_________
(١) - البلاذري: بفتح الباء وضم الذال وكسر الراء نسبة إلى البلاذر وهو شجر من فصيلة البطميات، وثمرة شبيه بنوى التمر ولبه مثل لب الجوز، وقشرة متخلخل. قيل إنه يقوي الحفظ لكن الإكثار منه يؤدي إلى الجنون.
стр. 2
وابن عساكر في تاريخ دمشق، وياقوت الحموي في معجم الأدباء، وابن العديم في تاريخ حلب، والذهبي في سير أعلام النبلاء، ومحمد بن شاكر الكتبي في فوات الوفيات، وابن حجر في لسان الميزان. ولم يترجم له الخطيب البغدادي مع أنه توفي بعده بأكثر من ثلاثة أرباع القرن.
ويعدّ البلاذري واحدا من أبرز مؤرخي القرن الثالث الهجري، وهو بحق من أشهر مؤرخي الفتوحات.
وقد ولد على الأرجح في بغداد، ولعل ذلك كان فيما بين سنة ١٧٠ - ١٨٠ هـ /٧٨٦ - ٧٩٦ م، ذلك أننا لا نعرف تاريخ ميلاده بشكل محدد، ولا حتى تاريخ وفاته، لكن يمكن افتراض هذا التاريخ على أساس ما ورد في ترجمته لدى ابن عساكر: أنه مدح المأمون بشعره، وأن يصل البلاذري كشاعر إلى بلاط المأمون يفترض أنه كان في العقد الثالث من عمره على الأقل.
وعاش البلاذري مطلع شبابه في بغداد في جو تفتحت فيه أزاهير الأدب واينعت ثمار العلم، ونشطت حركة الترجمة والنقل بعد أن فتحت النوافذ على ثقافات الأمم الأخرى، وكان من الطبيعي أن يتأثر هو بمثل هذا الجو الأدبي والعلمي ولا عجب وقد كان من أسرة عرفت بممارستها للأدب، فقد كان جده جابر بن داود يكتب للخصيب صاحب مصر.
وقد تنوعت مواهب البلاذري فكان كاتبا أديبا، شاعرا، راوية للأخبار، نسّابة. وامتاز بذهن متوقد وبذاكرة تختزن المعلومات الغزيرة.
وقد تتلمذ على عدد من مشاهير العلماء والمحدثين في بغداد من أمثال:
عفان بن مسلم، وأحمد بن ابراهيم الدورقي، ومحمد بن الصبّاح الدولابي، وعلي بن المديني، وعبد الله بن صالح العجلي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وعلي بن محمد المدائني، وعثمان بن أبي شيبة، ومصعب
стр. 3
الزبيري، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، وعبد الأعلى بن حماد، ومحمد بن حاتم السمين، وعباس بن هشام الكلبي، وعباس بن الوليد النرسي، وشيبان بن فروخ، وعبد الواحد بن غياث، والحسين بن علي بن الأسود العجلي، وعمرو بن ميمون الناقد، وإسحاق بن إسرائيل، وأبي الربيع الزهراني، وخلف البزار، وهوذة بن خليفة وعشرات غيرهم.
كما روى عنه عدد من شيوخ الحديث منهم: محمد بن خلف، وأحمد بن عمار، ويعقوب بن نعيم بن قرقارة الأرزني، ووكيع القاضي، ويحيى بن البريم، وعبد الله بن أبي سعد، ويحيى بن المنجم.
وبعد أن استوعب البلاذري ما لدى شيوخ العراق من علوم الحديث والأخبار والأنساب بدأ يبحث عن مصادر أخرى ليأخذ ما لم يجده لدى شيوخه في العراق، أو ليقابله مع ما تلقاه، وهكذا اختار بلاد الشام التي كانت تعدّ بالنسبة للحديث في مرتبة تالية لمرتبة العراق في تلك الحقبة من حيث أنها كانت تضم عددا من أبرز شيوخ الحديث ممن تتلمذ بعضهم على عدد من التابعين - وخصوصا فيما يتعلق بالسير وغزوات الرسول ﷺ ، وكانت تشدّ نحوهم الرحال وتضرب إليهم أكباد الإبل من سائر الآفاق.
ومع أن المصادر المتوفرة لا تتعرض للتاريخ الذي قام البلاذري فيه برحلته هذه إلا أنه يمكن الافتراض أن ذلك كان خلال الحقبة ما بين خلافة كل من المأمون والمتوكل [١٩٨ - ٢٣٢ هـ /٨١٣ - ٨٤٦ م]، وكان أن يمم شطر دمشق وحمص وحلب ومنبج وأنطاكية والثغور حيث تتلمذ على يد أبرز علمائها من أمثال هشام بن عمار [ت ٢٤٥ هـ /٨٥٩ م] وعمر بن سعيد في دمشق، ومحمد بن مصفى الحمصى [ت ٢٤٦ هـ /٨٦٠ م] في حمص، ومحمد بن عبد الرحمن [ت ٢٤٣ هـ /٨٥٧ م] وأحمد بن الوليد بن برد في انطاكية.
стр. 4
ويمكن من خلال معرفتنا لتاريخ وفاة هؤلاء الشيوخ الشاميين الاستنتاج أن هذه الرحلة تمت قبيل عام ٢٤٣ هـ على أبعد تقدير. ويبدو لنا هذا التفسير مقبولا سيما وأن المصادر المتوفرة لا تتعرض إلى تاريخ حياة البلاذري في الحقبة الواقعة بين خلافتي المأمون والمتوكل مما يبعث على الإفتراض أنه كان آنذاك منكبا على تلقي العلم والأخذ عن شيوخ العراق، ثم رحل بعدها إلى الشام والثغور لاستكمال علومه، وعند ما عاد من الشام إلى سامراء، عاد وهو متسلح بفيض زاخر من مختلف العلوم التي أسهمت في إنضاج موهبته الشعرية بفضل ما كان يقرأه من أخبار العرب وأشعارهم في الشواهد الكثيرة في كتب التاريخ وفي الأخبار والأنساب، وبدأ نجمه في المجتمع بالسطوع زمن المتوكل الذي قرّبه وجعله من بين خالص ندمائه.
تجلت موهبة البلاذري الشعرية في وقت مبكر من شبابه وكانت بغداد آنذاك تعج بالعديد من فطاحل الشعراء ممن يتزاحمون على أبواب الخليفة وأبواب الرؤساء، يمدحونهم وينالون عطاياهم من أمثال كلثوم بن عمرو العتابي، وحبيب بن أوس الطائي - الذي مدح المأمون ولكنه لم يلق حظوة لديه - وغيرهما كثيرون.
وشرع البلاذري - كغيره من شعراء عصره - بالتكسب عن طريق الشعر، فحاول التقرب من الخليفة المأمون [١٩٨ - ٢١٨ هـ/٨١٣ - ٨٣٣ م] ومدحه بأبيات، إلا أن تجربته الشعرية وسنه لم يكونا آنذاك قد نضجا بدرجة كافية بحيث يمكنه مزاحمة فحول الشعراء المحيطين بالخليفة آنذاك بدليل أن محاولته هذه لم تلق صدى لدى المأمون الذي كان بحق يتمتع بحس فلسفي وأدبي عميق، فكان أن طرق بابا آخر من أبواب العلم والأدب له سوق رائجة في كل مكان، هو باب الحديث والأنساب ورواية الأخبار، فصرف سنوات كثيرة من حياته في التردد على العلماء يأخذ عنهم
стр. 5
اللغة والنحو والفقه والتفسير والحديث، كما كان ينهل من جداول الشعر والأدب والرواية، ثم ما لبث أن ظهر في حقبة اضمحل فيها مذهب المعتزلة الذين هيمنوا على شؤون العقيدة الإسلامية طوال ربع قرن تقريبا، وأكرهوا القضاة على الأخذ بمذهبهم.
وكانت الخلافة قد آلت إلى المتوكل [٢٣٢ - ٢٤٧ هـ /٨٤٦ - ٨٦١ م] فبادر في خطوة منه إلى التقرب إلى العامة، بإلغاء الاعتزال وإعلاء شأن السنة وتقريب علمائها، ومن الطبيعي أن يكون البلاذري واحدا من هؤلاء، وأن ينضم إلى جماعة النخبة من الشعراء والأدباء والمحدثين الذين كانوا يحيطون بالخليفة المتوكل، بل لقد أفلح في أن يكون واحدا من أصفيائه وندمائه وجلسائه، وهي مرتبة لم يصل إليها إلا أكابر الشعراء وعلى رأسهم البحتري الشاعر الشامي الذي كان شاعر الخليفة الخاص به.
وهكذا انخرط البلاذري في قافلة الأدباء المتكسبين بشعرهم، فنظم القصائد في مدح الخلفاء والوزراء وكبار قادة الدولة، لكنه كان في الوقت نفسه هجّاء بارعا لم يسلم حتى الوزراء والرؤوساء من لسانه، ومنهم وهب بن سليمان بن وهب الذي كان من جلساء الوزير عبيد الله بن خاقان، وحدث أن حبق في حضرته فهجاه البلاذري بقصيدة قال فيها:
أيا ضرطة حسبت رعدة … تنوّق (١) في سلّها جهده
تقدّم وهب بها سابقا … وصلّى (٢) أخو صاعد بعده
لقد هتك الله ستريهما … كذلك من يطعم الفهده (٣)
_________
(١) - تنوق: تأنّق.
(٢) - المصلي: هو الذي يأتي تاليا في السباق.
(٣) - الفهده: الاست.
стр. 6
وكان يهجو الذين لا يجيزونه أو يمتنعون عن تلبية مطاليبه مما جعلهم يتحاشون لسانه ويبادرون إلى شراء سكوته، وقد دخل مرة إلى أحمد بن صالح بن شيرزاد، فعرض عليه رقعة له فيها حاجة فتشاغل عنه. فقال له البلاذري:
تقدم وهب سابقا بضراطه … وصلّى الفتى عبدون والناس حضّر
وإني أرى من بعد ذاك وقبله … بطونا لناس آخرين تقرقر
فقال له ابن شيرزاد: يا أبا الحسن، بطون من؟. فردّ عليه البلاذري في تهديد خفي: بطن من لم يقض حاجتي.
وفهم ابن شيرزاد المقصود بالتلميح، فتناول الرقعة ووقّع له فيها بما أراد البلاذري. كما هجا البلاذري صاعدا وزير المعتمد فقال:
أصاعد قد ملأت الأرض جورا … وقد سست الأمور بغير لبّ
وساميت الرجال وأنت وغد … لئيم الجدّ ذو عيّ وعيب
أضلّ عن المكارم من دليل … وأكذب من سليمان بن وهب
وقد خبّرت أنك حارثيّ … فردّ مقالتي أولاد كعب
وهجا عافية بن شيث (وقيل شبيب) بقوله:
من رآه فقد رأى … عربيا مدلّسا
ليس يدري جليسه … أفسا أم تنفسا
هذا ولم يقتصر البلاذري في شعره على المديح والهجاء بل أورد له ابن العديم أبياتا في الزهد، ونقل ابن العديم عن البلاذري نفسه أن محمودا الوراق قال له يوما: قل من الشعر ما يبقى لك ذكره ويزول عنك إثمه، فقال:
استعدي يا نفس للموت واسعي … لنجاة فالحازم المستعدّ
стр. 7
قد تبينت أن ليس للحيّ خل … ود ولا من الموت بدّ
إنما أنت مستعيرة ماس … وف تردّين والعواري تردّ
أنت تسهين والحوادث لا تس … هو وتلهين والمنايا تجدّ
أيّ ملك في الأرض أو أيّ حظ … لامرئ حظه من الموت لحد
لا ترجّى البقاء في معدن الم … وت ودار حتوفها لك ورد
كيف يهوى امرؤ لذاذة أي … ام عليه الأنفاس فيها تعدّ
ومن شعر البلاذري الذي رواه المرزباني في معجم الشعراء:
يا من روى أدبا ولم يعمل به … فيكفّ عادية الهوى بأديب
حتى يكون بما تعلم عاملا … من صالح فيكون غير معيب
وقد ظل البلاذري على صلات طيبة مع خلفاء المتوكل كالمستعين والمعتز، ولا تتحدث المصادر المتوفرة عن علاقته بالمنتصر [٢٤٧ - ٢٤٨ هـ / ٨٦١ - ٨٦٢ م]. ولعل الأشهر القصيرة التي تولى هذا فيها الخلافة، والاضطرابات التي رافقت أيام خلافته لم تتح للبلاذري أو لغيره من الأدباء الارتباط بعلاقات أدبية معه، بيد أن صلته بالمستعين كانت قوية، وكان مقربا إليه، كما كان على علاقة حسنة مع المعتز الذي اختاره مؤدبا لابنه عبد الله الذي نشأ فيما بعد شاعرا وأديبا.
وقد روى البلاذري حكاية عن علاقته الوطيدة بالمستعين، فذكر أنه دخل إليه يوما مع الشعراء، فقال له المستعين قبل أن يشرع أحدهم بإنشاده:
من كان قال فيّ مثل قول البحتري في عمي المتوكل:
ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما … في وسعه لسعى إليك المنبر
وإلا فلا ينشدني شيئا، فانصرف الشعراء جميعهم خائنين، وانصرف البلاذري معهم إلى منزله حيث خلا إلى نفسه أياما قليلة يعمل فكره في نظم
стр. 8
قصيدة فريدة في مدح المستعين، ثم عاد إليه بعد ذلك وقال له: يا أمير المؤمنين، قد قلت فيك أحسن مما قال البحتري في عمك. فقال: إن كان ذلك أسنيت جائزتك فهات. فأنشده قصيدة قال فيها:
ولو أن برد المصطفى إذ حويته … يظنّ لظنّ البرد أنك صاحبه
وقال وقد أعطيته فلبسته … نعم هذه أعطافه ومناكبه
فأعجب المستعين بقصيدته وأمره بالانصراف، وأن ينتظر رسوله، ولم يلبث أن جاءه الرسول برقعة بخطه يقول فيها:
«قد أنفذت إليك سبعة آلاف دينار وأنا أعلم أنك ستجفى بعدي وتطرح، وتجتدي فلا يجدى عليك، فاحفظ هذه الدنانير عندك، فإذا بلغت بك الحال إلى هذا فانفق منها ولا تتعرض لأحد ليبقى ماء وجهك عليك. ولك عليّ أن لا تحتاج ما عشت إلى شيء من أمر دنياك كبير ولا صغير على حسب حكمك وشهرتك».
وفعلا فقد أجرى المستعين عليه الجرايات والأرزاق السنية، وتتابعت عليه جوائزه فما احتاج إلى غيرها، وقد آلى على نفسه ألا يريق ماء وجهه أو يجتدي أحدا بعده.
ويبدو أن الأمور التي كان المستعين قد نبّه البلاذري إليها قد تحققت فيما بعد، ذلك أن حال البلاذري قد ساءت، ولم تعد قصائده ومدائحه تؤمن له أسباب عيشه، ولعل فحشه في الهجاء كان أحد الأسباب في تناقص أصدقائه، وإكسابه مزيدا من الأعداء، وحاربه معارف الأمس من المسؤولين وجسوا أرزاقه أو أخروها، وتنكر له أصدقاؤه القدامى ومنهم أبو الصقر اسماعيل بن بلبل الذي كتب البلاذري له كتابا لطيفا سأله فيه أن يطلق له شيئا من أرزاقه، فوعده ولم يفعل، فهجاه بقصيدة قال فيها:
تجانف اسماعيل عني بودّه … وملّ إخائي واللئيم ملول
стр. 9
وإن امرأ يغشى أبا الصقر راغبا … إليه ومفترا به لذليل
وقد علمت شيبان أن لست منهم … فما الذي إن أنكروك تقول
ولو كانت الدعوى تثبّت بالرشا … لثبتّ دعواك الذين تنيل
ولكنهم قالوا مقالا فكذبوا … وجاؤوا بأمر ما عليه دليل
وقصد يوما أحد أصدقائه القدامى فوقف ببابه طويلا دون أن يؤذن له، فعاد إلى منزله حزينا كاسف البال، وبعث إلى ذلك الصديق بهذين البيتين:
لما رأيتك زاهيا … ورأيتني أجفى ببابك
عدّيت رأس مطيتي … وحجبت نفسي عن حجابك
وتوجه إلى صديقه عبيد الله بن خاقان - الذي كان مقربا له زمن المتوكل، والذي لم يلجأ إليه قبل هذه المرة لاستغنائه عنه - لكن هذا حجبه ولم يأذن له، فأنشد وهو على بابه:
قالوا اصطبارك للحجاب مذلة … عار عليك مدى الزمان وعاب
فأجبتهم ولكل قول صادق … أو كاذب عند المقال جواب
إني لأغتفر الحجاب لماجد … أمست له منن عليّ رغاب
قد يرفع المرء اللئيم حجابه … ضعة ودون العرف منه حجاب
ويبدو أم الأمور بلغت بالبلاذري مبلغا اضطره إلى بذل ماء وجهه، وهو الذي ألزم نفسه بصونها عن الامتهان والاجتداء وخصوصا زمن المعتمد، حيث اضطرته الحاجة إلى اللجوء ثانية إلى صديقه القديم عبيد الله ابن خاقان، واغتنم مناسبة جلوس الوزير للمظالم فمثل أمامه شاكيا إليه تأخر رزقه وإلحاف الدائنين وقال له: إن عيبا على الوزير - أعزه الله - حاجة مثلي في أيامه - فغض الوزير طرفه عنه ووقّع له ببعض ما أراد، لكنه سأله بشيء من التأنيب: أين حياؤك المانع من الشكوى على الاستبطاء؟.
стр. 10
فرد عليه البلاذري بمرارة: غرس البلوى يثمر ثمر الشكوى. ثم انصرف وكتب إليه:
لحاني الوزير المرتضى في شكايتي … زمانا أحلّت للجدوب محارمه
وقال لقد جاهرتني بملامة … ومن لي بدهر كنت فيه أكاتمه
فقلت حياء المرء ذو الدين والتقى … يقلّ إذا قلّت لديه دراهمه
كان البلاذري إلى جانب ضلوعه بالعربية والشعر وعدد من العلوم الأخرى متمكنا من الفارسية، وقد نقل عنها إلى العربية شعرا كتاب «عهد أزدشير» كما خلف عددا من المؤلفات، أهمها:
كتاب البلدان الصغير، وكتاب البلدان الكبير الذي شرع في تأليفه لكنه لم يتمه، ولعله اختصره في الكتاب المتقدم الذي عرف فيما بعد باسم /فتوح البلدان/، وكتاب الأخبار والأنساب.
وكان كتاب «البلدان» قد نشر لأول مرة في عام ١٨٨٦ م من قبل المستشرق دي غويه ثم نشر في العالم العربي لأول مرة في القاهرة في عام ١٩٣٢ م من قبل السيد رضوان محمد رضوان دون تحقيق أو حواش أو فهارس فنية، ودون ضبط للنص، كما أعيد طبعه مرارا بالشكل نفسه فيما بعد في كل من القاهرة ثم بيروت، وقمت مؤخرا باعادة تحقيقه ونشرته في بيروت عام ١٩٩٢ ضمن مجموع ضم معه: السيرة النبوية، ومغازي ابن حبيش، والفتوح لابن الأعثم وفتح الهند للكوفي.
وقد استهل البلاذري كتابه «البلدان» بهجرة الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة، ثم تحدث عن غزوات الرسول ﷺ وفتح مكة والطائف، ثم انتقل إلى الحديث عن حروب الردة زمن أبي بكر والفتوحات التي قام بها المسلمون في الشام والجزيرة وأرمينية ومصر وكذلك في العراق وفارس، متبعا في كتابه أسلوب الأسانيد.
стр. 11
واختتم كتابه بفصول عن أحكام الخراج والدواوين واستعمال الخاتم والسكة والنقود. والكتاب في حد ذاته عظيم الأهمية من حيث أنه لا يكتفي بالتحدث عن الفتوح بل إنه يتناول أيضا بحوثا في قضايا العمران وفي النظم الاجتماعية، وكذلك أمورا أخرى يندر أن ترد في كتاب من هذا النوع مثل ما أورده عن الخراج والسكة والخط العربي والقراطيس والنقود والخاتم وغير ذلك، علاوة على أنه تطرق إلى دقائق قد لا تتوفر في مصدر آخر مثل حديثه عن قيام معاوية بن أبي سفيان بنقل من الفرس من بعلبك وحمص وانطاكية إلى سواحل الأردن وصور وعكا وإلى أماكن أخرى الأمر الذي يدل على تغيير في الخارطة الديموغرافية زمن معاوية لأسباب عسكرية.
كما تتحدث عن صناعة السفن في الدولة الأموية وأنها كانت في السواحل الشامية وكذلك في مصر.
كذلك تحدث عن قضايا قد لا تكون المصادر تعرضت إليها مثل حديثه عن سيف عمرو بن معدي كرب المسمى الصمصامة وكان قد وهبه إلى خالد بن سعيد، وعند ما استشهد خالد في مرج الصفّر، أخذ معاوية السيف لنفسه فنازعه فيه سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، فقضى له به الخليفة عثمان.
وهناك كذلك أخبار كثيرة عن المدن القديمة، وعن أحياء كانت موجودة ثم اندثرت ولم تعد تعرف في الوقت الحاضر، وأخبار هامة عن تطور كل من البصرة والكوفة، ومن أهم ما انفرد به ما تعلق بإنتشار العرب في أطراف دار الاسلام وتأسيس بعضهم لدول ذات عطاءات حضارية.
وحين تحدث النديم عن مصنفات البلاذري ذكر له «كتاب الأخبار والأنساب» أما ابن العديم فقال: «أنساب الأشراف، وهو كتاب ممتع، كثير الفائدة والنفع، ومات ولم يتمه» وكتاب الأنساب هذا سماه الذهبي «التاريخ
стр. 12
الكبير» ويرجح أن البلاذري نفسه سماه «جمل من أنساب الأشراف» وهو العنوان الذي التزمنا للكتاب الذي نقدم له اليوم.
أرخ البلاذري في هذا الكتاب للجوانب الاجتماعية والاقتصادية، واهتم بها أكثر من الجوانب السياسية والعسكرية، ومفهوم الأشراف لديه هو المفهوم العربي القديم، لكن خلال تأريخه لكل بيت قديم ألحق به أخبار مواليه الذي وصلوا إلى مراتب الثروة والشرف، مثل آل أبي بكرة.
بدأ البلاذري كتابه بالحديث عن أنساب القبائل العدنانية، ويبدو أنه كان ينوي بعد استيفاء أنساب هذه القبائل الحديث عن القبائل القحطانية، لكن الأجل حال بينه وبين ذلك.
وبما أن النبي ﷺ هو سيد بني عدنان - وسواهم - من البشر فقد جاء الجزء الأول من الكتاب مصنفا بالسيرة النبوية مع مقدماتها حول عرب ما قبل الإسلام مع شيء من أخبار مكة المكرمة.
وبعد ما فرغ من السيرة النبوية تابع التأريخ لأشراف بني هاشم بن عبد مناف، أي الإمام علي ﵇ وآله وآل أبي طالب، ثم انتقل للتأريخ لآل العباس، وبعد ما فرغ من التأريخ لبني هاشم شرع بالتأريخ لبني عبد شمس بن عبد مناف، أي للدولة الأموية، واستحوذ التأريخ لبني عبد شمس الجزء الأكبر من كتاب البلاذري، وبات بذلك أفضل مصدر متوفر للتأريخ للدولة الأموية فيه من المواد الاخبارية ما لا نجده في مصدر آخر.
وأرخ البلاذري إثر هذا لبقية بطون قريش ثم للقبائل الأقرب فالأقرب من قريش وانتهى حديثه بالتأريخ لثقيف.
واضطر البلاذري أثناء عرضه لأخباره إلى التكرار، وازدادت وتيرة التكرار في آخر الكتاب إلى حد يعطي الانطباع أنه لم يتح له مراجعة هذه المواد مثلما فعل أول الكتاب ووسطه.
стр. 13
واستخدم البلاذري طريقة الأسانيد على قاعدة المحدثين، لكنه قام كما فعل بعض معاصريه بدمج بعض الأسانيد والروايات بشكل متوازن.
ومادة البلاذري الإخبارية مشرقية: حجازية - عراقية - شامية، فيها عن مصر إشارات عابرة، وليس لديه ما يقوله عن بلدان المغرب والأندلس.
وكان ابن الكلبي بين أهم مصادر البلاذري، لكن مواد البلاذري أوسع وأكمل من المواد الموجودة لدى ابن الكلبي في جمهرته ولدى غيره من النسابين، وعلى هذا قدم لنا البلاذري أخبارا عن أيام العرب قبل الاسلام هامة جدا، ومع هذه الأخبار وغيرها كميات كبيرة من الشعر حتى لشعراء مشهورين مثل الفرزدق غير موجودة في ديوانه المنشور.
وصحيح أن البلاذري شهر بالهجاء، وقد يوحي هذا بخلفيات اجتماعية ناقمة، لكن يلاحظ أن حسه الاجتماعي النامي انعكس موضوعيا خلال مواد أنساب الأشراف، وحافظ البلاذري على حياده فلم يستخدم اللعن أو الشتم ولم تظهر عليه آثار الانحياز، ويشير هذا أنه امتلك طباع المؤرخ الحيادي، وفعلا لقد امتلك البلاذري طباع المؤرخ، وتميز عن غيره بإبداء آرائه في بعض الراويات وترجيح رواية أخرى.
ولقد عمّر البلاذري كما يبدو طويلا، فقد روي أنه توفي في أيام المعتمد [٢٥٦ - ٢٧٩ هـ /٨٧٠ - ٨٩٢ م] وقيل إنه عمّر حتى أيام المعتضد [٢٧٩ - ٢٨٩ هـ /٨٩٢ - ٩٠٢ م] ومن هنا قيل إنه «وسوس في أواخر أيامه فشد بالمارستان ومات فيه» وقيل إن سبب وسوسته شربه لمنقوع ثمر البلاذر، وكان يستخدم لتقوية الذاكرة، لذلك عرف بالبلاذري، ورجح ياقوت أن يكون جده هو الذي وسوس بسبب تناوله لثمر البلاذر، وأنه هو الذي عرف بالبلاذري، واستند بترجيحه على روايات نقلها عن ابن عبدوس
стр. 14
الجهشياري، صاحب كتاب الوزراء والكتاب، الذي ذكر أن «جابر بن داود البلاذري كان يكتب للخصيب بمصر» وطالما أن كلمة «البلاذري» كانت ملصقة بالجدّ - في وقت يحتمل فيه أن أحمد بن يحيى، حفيده، لم يكن قد ولد بعد - من غير المعقول تصور انتقال الكنية من الحفيد إلى الجد، لكن هذا لا ينفي إصابة البلاذري بالوسوسة في أخر أيامه، فلعل ذلك مما عاناه من ضيق ذات اليد، ومن الوحدة وجفوة الأصدقاء، وانحراف الأصحاب، العوامل التي كان لها أثر في إصابته بهذا العارض، وإنه لمن المحزن أن لا يلقى هذا المؤرخ العبقري والشاعر الأديب التقدير الذي استحقه في شيخوخته، وأن تؤول خاتمته إلى الشدّ بالمارستان والموت فيه بشكل محزن.
وكان لهذا آثاره السلبية على انتشار الكتاب وتوفر نسخه، هذا في الماضي، أما في التاريخ الحديث فقد حظي الكتاب باهتمام كبير وعناية شديدة، فكانت أول محاولة لنشره في ١٨٨٤، حيث نشرت قطعة منه تحت عنوان «الجزء الحادي عشر» في توبنغن في ألمانيا، ثم تولت الجامعة العبرية بالقدس نشر المجدلين الرابع والخامس [١٩٣٨ - ١٩٧٠]، وفي هذه الأثناء نشرت دار المعارف بالقاهرة [١٩٥٩] الجزء الأول من الكتاب، ثم نشر الأستاذ محمد باقر المحمودي الجزء الثاني من الكتاب في بيروت [١٩٧٣]، ووضع المعهد الألماني ببيروت خطة لنشر الكتاب كاملا، ووزع أجزاءه على عدد من العلماء المختصين، وكانت المحصلة أن أعاد الدكتور إحسان عباس ما نشرته الجامعة العبرية مع تدقيق رفيع وبعض الزيادات، كما قام الدكتور عبد العزيز الدوري بنشر جزء لطيف يتعلق ببني العباس [بيروت ١٩٧٨] وقام الدكتور إحسان العمد بجمع أخبار الشيخين: أبو بكر وعمر، ونشر ذلك في مجلد في الكويت [١٩٨٩].
стр. 15
وفي وقفة مع هذه الأجزاء المنشورة لاحظت أن التصحيفات في طبعة ألمانيا كثيرة جدا، وهذه الطبعة حجرية نادرة الوجود، وقفت على نسخة منها في مكتبة كلية الآداب في جامعة القاهرة، وصورها، لي مشكورا زميلي وصديقي الاستاذ حسنين محمد ربيع، نائب رئيس جامعة القاهرة، أما طبعة القاهرة فالتصحيفات أقل من الطبعة الألمانية، لكنها انتشرت على كل صفحة، وفيما يتعلق بالجزء الثاني فقد طبع مشوها عن سابق اصرار وعمد، حيث سمح المحقق لنفسه بالتلاعب بالنص وتوزيع الرضى واللعنات هنا وهناك على الذين ورد ذكرهم في النص، وهناك أيضا تصحيفات كثيرة في الجزئين اللذين طبعا في القدس، أما الأجزاء التي طبعها: الدكتور إحسان عباس والدكتور الدوري، والدكتور العمد، فقد جاءت بدرجة مثالية من الضبط والعناية.
وكانت الحاجة ملحة دوما لنشر الكتاب بأكمله، وعقدت العزم على هذا منذ عدة سنوات، وفي ندوة تلفزيونية في دمشق عن البلاذري أعلنت عن نيتي بإخراج الكتاب كاملا، وبعد ما ناقش السيد رياض زركلي اطروحته لنيل الدكتوراه، طلبت منه العمل معي في سبيل تحقيق الكتاب واخراجه دفعة واحدة، فوافق بحرارة.
والسيد الزركلي درس معي في مرحلتي الماجستير والدكتوراه والتمست فيه دوما الجدية والصبر والدأب، مع قدرة جيدة على ضبط الشعر، وتعاونا معا بشكل منسق متكامل حتى تم لنا تحقيق النص بعد عمل شاق استغرق عدة سنوات، ونقوم الآن بإعداد الفهارس الفنية، ويحتاج ذلك إلى عدة أشهر.
واعتمدنا بالتحقيق على:
стр. 16
أ - نسخة الخزانة العامة بالرباط رقم/٧٩/، وهي أفضل نسخة كاملة متوفرة للكتاب صنعت في دمشق «في سنة تسع وخمسين وستمائة» من قبل «أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بكر الموصلي ثم الدمشقي الشافعي بسكنه برباط الشميشاطي بدمشق» ووقعت النسخة التي اتخذها الموصلي أصلا لنسخته في اثنين وأربعين جزئا، وهي منسوخة في مصر سنة ٣٩٥، وعارض نسخته على نسختين أحداهن على واحد من مجلداتها قراءة تاريخها «سنة تسعين وثلاثمائة» واستدرك من الأخرى - وهي أيضا قديمة - ما كان في الأولى من «اضطراب وتأخير واسقاط ومحو» وهكذا باتت النسخة الجديدة مرجحة على الأصل، وهي بالفعل نسخة ممتازة جاءت في/٩٣٤/صفحة كتبت بقلم دقيق ليس من السهل قراءته خاصة وأن الحبر عدا مع الرطوبة على كثير من الأماكن فطمسها بدرجات متفاوتة.
ب - ومع هذه النسخة هناك نسخة أخرى كاملة موجودة في مكتبة السليمانية في استانبول برقم ٥٩٨، وهذه النسخة نسخت عن النسخة الدمشقية من قبل «أحمد بن حسن العشماوي» سنة «ثلاث وعشرين ومائة وألف» وهذه النسخة تعاني من التصحيف وبعض السقط، لكنها رديف مفيد جدا.
ج - وعلمت بوجود نسختين من الكتاب احداهن ناقصة ربعها في المكتبة الملكية بالرباط حصلت على شريط فيه جزئين من واحدة وجزء من أخرى، وأفدت فقط من الجزء الثالث من النسخة رقم/٦٩١٤/، وهو مكتوب بخط مغربي جيد،
لقد بذلت مع الدكتور زركلي كل جهد ممكن لضبط نص الكتاب، ولم يكن ذلك بالسهل أبدا، ورجعت إلى كل ما يعين العمل من أصول تاريخية وكتب أنساب وتراجم ودواوين شعر ومعاجم، كما راجعنا تجارب الطباعة
стр. 17
عدة مرات، واستهدفنا أثناء تقسيم الكتاب إلى أجزاء أن يتراوح الجزء ما بين ٤٠٠ إلى ٥٠٠ صفحة على الأكثر، وأقللت من الحواشي إلا ما هو ضروري لا يمكن الإستغناء عنه.
ومما لا شك فيه أن توفر كتاب البلاذري للمهتمين بالتاريخ الاسلامي سيكون موضع ترحيب، وسيحتل هذا الكتب مكانا في المكتبة العربية لا يمكن لكتاب آخر أن ينازعه عليه.
والله الموفق إلى السداد، وله تعالى الحمد والثناء والصلاة والسّلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه ومن تمسك بهداه.
دمشق ٢٣ جمادى الآخر ١٤١٧ هـ
٥ تشرين الأول ١٩٩٦ م
سهيل زكار
стр. 18
أول صفحة من طبعة توبنغن في ألمانيا ١٨٨٤ م
стр. 19
الوجه الأول من نسخة استانبول
стр. 20
الوجه الأخير من نسخة استانبول
стр. 21
الوجه الأول من جزء الخزانة الملكية
стр. 22
الوجه الأخير من جزء الخزانة الملكية
стр. 23
الوجه الأول من نسخة الخزانة العامة (الأصل)
стр. 24
الوجه الأخير من نسخة الخزانة العامة
стр. 25
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه ثقتي
- قال أحمد بن يحيى بن جابر: أخبرني جماعة من أهل العلم بالكتب قالوا:
نوح ﵇ بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ - وهو إدريس ﵇ بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم.
- وقالوا: لما قتل قائين بن آدم أخاه هابيل، ولد لآدم شيث. فقال آدم: هذا هبة من الله، وخلف صدق من هابيل. فسمّى شيث: هبة الله.
- وروي عن محمد بن إسحاق بن يسار، إنه قال:
سمّى أخنوخ «إدريس» لأنه أول من خطّ بقلم، ودرس الكتب.
قال: وكان أنوش أول من غرس النخلة، وزرع الحبّة، ونطق بالحكمة.
- وقال بعض أهل المدينة:
هو نوح بن سلكان بن مثوبة بن إدريس ﵇ بن الزائد بن
стр. 26
مهلهل بن قنان بن الطاهر بن هبة الله بن آدم؛ وزعم أن ذلك عن الزهري. والأول أثبت وأشهر.
- وحدثني عباس بن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه، عن جده وغيره، قالوا:
العرب العاربة عاد، وعبيل ابنا عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وجرهم بن عابر بن سبأ، وهو ابن أرفخشذ بن سام بن نوح. وطسم، وعمليق، وجاسم، وأميم بنو يلمع بن عابر بن أشليخا بن لوذ بن سام بن نوح. وحضرموت، وهو حضرموت، وشالاف وهو السلف، والموذاذ وهو الموذ بنو يقطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وثمود، وجديس بن إرم بن نوح. ويقطان هو يقطن في قول بعضهم.
- وقال عباس: قال أبي:
دخل ولد السلف في حمير، فقالوا: نحن بنو السلف بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقال بنو لوذ: نحن بنو لوذ بن سبأ بن يشجب بن يعرب. ودخلوا في حمير فانضمّوا إليه على هذا النسب.
- حدثني بكر بن الهيثم بن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن مكحول، عن مالك بن يخامر:
أن النبي ﷺ قال: العرب كلها بنو إسماعيل إلا أربع قبائل:
السلف، والأوزاع، وحضرموت، وثقيف.
- وحدثني عباس، عن أبيه، قال:
اختلف الناس في قحطان. فقال بعضهم: قحطان هو يقطان المذكور في التوراة بعينه، إلا أن العرب أعربته فقالت قحطان. وقال آخرون: هو
стр. 27
قحطان بن هود ﵇ بن عبد الله بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح؛ وهو غير يقطان.
وقال هشام: كان أبي، وشرقي بن القطامي يقولان:
قحطان بن الهميسع بن تيمن بن نبت بن قيذار، وهو قيذر. وكان قيذر صاحب إبل إسماعيل. واسمه مشتق من ذلك. وهو ابن إسماعيل ﵇ بن إبراهيم الخليل ﷺ بن آزر - وهو تارخ - بن ناحور بن ساروع بن أرعوا بن فالغ بن عابر بن أرفخشذ - والنصارى تقول: أرفخشاذ - بن سام بن نوح بن لامك. وبعض المدنيين يقولون: آزر بن ناحر بن الشارع بن الراع بن القاسم - الذي قسم الأرض بين ولد نوح - بن كعبر بن السالح بن الرافد بن السائم بن نوح. ويزعم أن ذلك عن الزهري.
والأول أثبت وأشهر. وقال الكلبي، والشرقي: إسماعيل أبو كل عربي في الأرض.
- وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي:
أن النبي ﷺ قال لقوم من أسلم: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا» (١).
وقال هشام بن الكبي: سمعت من يذكر أن تارح لقب لأبي إبراهيم.
وقال الشرقي بن القطامي: اسمه تارح، ولقبوه آزر. وهو السند والمعين.
стр. 28
وقال أحمد بن يحيى بن جابر، وحدثت عن أبي روق الهمداني، عن الضحاك بن مزاحم، أنه قال:
ازر يا شيخ. وأثبت ذلك قول الشرقي. وأهل التوراة يقولون للسند والمعين. عازر. والله أعلم.
أول من تكلم بالعربية
- وحدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، قال:
تكلمت العرب العاربة بالعربية حين اختلفت الألسن ببابل.
قال هشام: وأهل اليمن يقولون: أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان.
قال هشام: وأخبرني أبي، والشرقي:
أنّ أول من تكلم بالعربية من ولد إبراهيم: إسماعيل ﵇ حين أتى مكة، وله أقل من عشرين سنة؛ ونزل بجرهم. فأنطقه الله بكلامهم، وكان كلامهم العربية.
قال هشام: وسمّت العرب إسماعيل: عرق الثرى، يريدون أنه راسخ، ممتدّ.
قال: وقال قوم: سمّي بذلك لأن أباه لم تضرّه النار، كما لا تضرّ الثرى.
- وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن عدة من أهل الرواية، قالوا:
لما تفرق ولد نوح في الأرض حين قسمها فالغ بن عابر، وأخ له يقال له نوناطر، نزلت عاد الشّحر؛ وبه أهلكوا. ونزلت عبيل بناحية يثرب،
стр. 29
فأخرجتهم العماليق، بعد حين، من منزلهم. فنزلوا موضع الجحفة. فأتى عليهم سيل، اجتحفهم إلى البحر. فسمى الموضع الجحفة. وكان مع العماليق رجل من بني عبيل، فنجا. فقال، فيما يزعمون:
عين بكّى وهل يرجع … ما فات فيضها بالسجام
عمّروا يثربا وليس بها … شر ولا صارخ ولا ذو سنام
وقال الربيع بن خثيم: ملأت عاد ما بين الشام واليمن.
حدثني بذلك أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة، عن الربيع قال:
إنّ عادا كانوا قد ملأوا ما بين الشام إلى اليمن؛ من دلّني على رجل من آل عاد، فله ما شاء. ونزلت العماليق في أول الأمر صنعاء اليمن. ثم انتقلوا إلى يثرب فنزلوها. وإنما سمّيت يثرب برئيس لهم، يقال له يثرب.
ثم انتقلوا إلى ناحية فلسطين من الشام. ومضت عامتهم إلى مصر، وناحية إفريقية. وتفرقوا بالمغرب. فالبرابرة منهم. والبرابرة اليوم يقولون: نحن بنو برّ بن قيس. وذلك باطل. وإنما غزا رجل من التبابعة، يقال له أفريقيس بن قيس بن صيفي الحميري إفريقية فافتتحها. فسميت به.
وسمع كلام هؤلاء العماليق، فقال: ما أكثر بربرتهم. فسموا البرابرة.
وأقام مع البرابرة: بنو صنهاجة، وكتامة من حمير. فهم فيهم اليوم.
ونزلت ثمود الحجر، بين الحجاز والشأم؛ وبه أهلكوا.
ونزلت طسم بين اليمن واليمامة.
ونزلت جديس بموضع اليمامة. وكانت اليمامة تعرف بجوّ؛ سمتها جديس بذلك. وكانت بين طسم وجديس حروب، أفنت جديس فيها أكثر طسم. فقال القائل:
стр. 30
يا طسم ما لاقيت من جديس
ثم إن بقية طسم انضمّت إلى جديس باليمامة، فتوجه تبّع من اليمن، وقدم عبد كلال بن مثوب بن ذي حرث بن الحارث بن مالك بن عيدان، فقتل طسما وجديسا باليمامة، وصلب امرأة من جديس، يقال لها اليمامة بنت مرّ، على باب جوّ؛ فسميت جوّ اليمامة باسمها.
وقال حماد الراوية: منعت جديس خرجا كان عليها، فأخذت طسم بذنبهم. فقيل:
يا طسم ما لاقيت من جديس
والله أعلم.
ونزلت جاسم بالموضع الذي يدعى جاسم، بالشأم، وكانوا قليلا.
ونزل بنو تميم بين اليمن والحجاز. فدرجوا، حتى لم يبق منهم كبير أحد.
ونزلت جرهم بمكة وما حولها. وسموها صلاحا. ثم إنهم استخفّوا بحرمة البيت وأضاعوا حقّه، فوقع فيهم طاعون أهلك أكثرهم؛ حتى قويت خزاعة عليهم، وغلبت على البيت وأخرجتهم. فنزلوا بين مكة ويثرب، فهلكوا بداء يعرف بالعدسة إلا من سقط منهم في نواحي البلاد.
- وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: بوّأ الله لإبراهيم مكان البيت، وهو حذو البيت المعمور الذي يدعى الصراح. فبناه إبراهيم، ومعه ابنه إسماعيل. واستعانا بأولاد جرهم بن عابر بن سبأ بن يقطن، فعملوا معهما. وكانت منازل
стр. 31
جرهم بمكة وما حولها. فلما قبض الله نبيه إسماعيل ﵇، قام بأمر البيت بعده قيذر بن إسماعيل، وأمه جرهمية. ثم نبت بن قيذر، ثم تيمن بن نبت، ثم نابت بن الهميسع بن تيمن بن نبت. فلما مات نابت، غلبت جرهم على البيت، فكانوا ولاته وقوّامه ما شاء الله. وتفرق ولد إسماعيل من العرب بتهامة، وفي البوادي والنواحي إلا من أقام حول مكة من ولد نزار، تبركا بالبيت. فلما أرسل الله جل وعز على ولد سبأ بمأرب ما أرسل من سيل العرم - وهو سدّ كان لهم بين جبلين - تفرقت الأسد (١)؛ وانخزعت منها خزاعة، وهم ولد لحيّ بن حارثة، وأفصى بن حارثة بن عمرو، مزيقيا، فنزلوا بظهر مكة. فلم يزالوا يكثرون؛ وتقلّ جرهم لاستخفافهم بالبيت وفجورهم فيه، حتى غلبتهم خزاعة وألفافها على مكة، وطردوهم عنها. فدخل بعضهم في قبائل اليمن. ونزل بعضهم بين مكة ويثرب، فأصابهم الداء الذي يعرف بالعدسة، فهلكوا.
قال هشام: ومما يروى في خروج جرهم من مكة شعر عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ولم يتربع في واسط فجنوبه (٢) … إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا … صروف الليالي والجدود العواثر
وكنا ولاة البيت من بعد نابت … نطوف بذاك البيت والخير ظاهر
وقال أيضا:
يا أيها الناس سيروا إنّ نظركم … أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
стр. 32
كنا أناسا كما كنتم فأسلمنا … دهر فأنتم كما كنا تكونونا
حثّوا المطي وأرخوا من أزمتها … قبل الممات وقضّوا ما تقضونا (١)
وقال بعضهم:
واد حرام طيره ووحشه … نحن ولاته فلا نغشّه
وابن مضاض قائم يمشه … يأخذ ما يهدي له يفشه
ونزلت حضرموت مكانها من ناحية اليمن.
وقال هشام بن الكلبي: تزوج مرتع بن معاوية بن ثور - وثور هو كندي، وإليه تنسب كندة - امرأة من حضرموت. واشترط أبوها عليه أن لا يتزوج سواها، وأن لا تلد إلا في دار قومها. فلم يف بشرطه. فتحاكموا إلى الأفعى بن الحصين الجرهمي - ويقال إنه الأفعى بن الحصين بن تميم بن رهم بن مرة بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وكانت العرب تتحاكم إليه، وثبتوا عنده الشرط الذي كان شرط. فقال الأفعى: «الشرط أملك». وهو أول من قالها. فأخذ الحضرميون الامرأة وابنها من مرتع، واسمه مالك. فقال مرتع: أما مالك، ابني، فصدف عني. فسمى الصّدف. فمن كان من ولد مالك الصدف بن مرتع، ببلاد حضرموت، فهم ينسبون إلى كندة، ومن كان بالكوفة، فهم ينسبون إلى حضرموت.
ومن الحضرميين من أهل الكوفة: وائل بن حجر من الطبقة الأولى؛ أوس بن ضمعج مات بولاية بشر بن مروان؛ أبو الزعراء عبد الله بن هانئ؛ وائل بن مهانة؛ عبيس بن عقبة، كثير بن نمير، عبد الله بن الجليل؛ عبد الله بن يحيى، سلمة بن كهيل، مات سنة اثنتين وعشرين
стр. 33
ومائة حين قتل زيد بن علي ﵇ وقال أبو نعيم: مات يوم عاشوراء من هذه السنة - يحيى بن سلمة بن كهيل، وتوفي في خلافة موسى أمير المؤمنين (١). أخوه محمد بن سلمة بن كهيل.
ومن أهل البصرة: يحيى بن إسحاق؛ عبد الله بن أبي إسحاق كان صاحب قرآن وخطب، ويكنى أبا بحر، يعقوب بن إسحاق الحضرمي المقرئ؛ أخوه أحمد بن إسحاق. يقال إنهم موالى العلاء بن الحضرمي، وهم من أهل البحرين.
ومن أهل الشأم: جبير بن نفير الحضرمي، يكنى أبا عبد الرحمن، أسلم في خلافة أبي بكر، ومات سنة خمس وسبعين، ويقال في سنة ثمانين؛ كثير بن مرّة الحضرمي؛ أبو الزاهرية، واسمه جعفر بن كريب، ويقال إنه حميري، مات سنة تسع وعشرين ومائة، أبو لقمان الحضرمي، مات سنة ثلاثين ومائة، حاتم بن حريث، مات سنة ثمان وثلاثين ومائة.
ومن أهل مصر: عبد الله بن عقبة بن لهيعة، مات في سنة أربع وسبعين ومائة؛ عون بن سليمان، مات في خلافة المهدي أمير المؤمنين.
وبمصر منهم جماعة.
- وقال محمد بن سعد: بالمدينة قوم من الحضرميين؛ لهم دار تعرف بدار الحضرمين في بني جديلة. ومولاهم بسر بن سعيد، مات في سنة مائة وهو ابن ثمان وسبعين سنة؛ وكان ينزل في دارهم بالمدينة.
- أخبرني محمد بن زياد الأعرابي الراوية، عن هشام بن محمد الكلبي.
стр. 34
قال: من قبائل حضرموت تنعة؛ ولهيعة وهم اللهائع، وأكثرهم بمصر؛ وضمعج وهم الضماعج؛ وعلقمة، وهم العلاقم؛ والأدمون، والأربوع؛ والأملوك، غير الذي في حمير، وذو مرّان، ويقال إنهم الذين في همدان؛ وشعب، دخلوا في همدان فقالوا: شعب بن معدي كرب بن حاشد بن جشم، وهم رهط عامر بن شراحيل الشعبى؛ وشعبان، وهم في حمير، وكان يقال لشعبان عبد كلال، فلما انشعب من قومه قيل «شعبان»؛ ومرحب؛ وجعشم، وهم الجعاشمة؛ وأخدر؛ وهم الأخادرة؛ وسلع، وذو طحن؛ ووليعة، غير وليعة كندة؛ ووائل؛ وأنسى. قال بعضهم:
وجدّي الأنسويّ أخو المعالي … وخالي المرحبيّ أبو لهيعه
وردمان، وأشوع، وأحمر دخلوا في همدان، والأثروم؛ والأذمور رهط الصعبة بنت عبد الله بن عماد الحضرمي، أم «طلحة بن عبيد الله» المسمّى «صاحب رسول الله» ﷺ ، ورهط عامر الحضرمي - حليف بني أمية - ابن عبد الله بن عامر الحضرمي صاحب معاوية، وكسروهم بناحية فلسطين، ورهط مسروق بن وائل أبي شمر الذي يقول:
وأكرم ندماني وأحفظ غيبه … وأملأ زق الشرب غير مشائط
ويقال إنه من الأدمون. ومن الحضرميين ميمون الحضرمي، صاحب بئر ميمون بمكة وعندها دفن أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور. ومنهم عمرو بن الحضرمي الذي قتله المسلمون في سرية عبد الله بن جحش. وسنذكر خبره إن شاء الله تعالى.
стр. 35
نسب ولد عدنان بن أدد
- حدثني عمرو بن محمد الناقد، ثنا عبد الله بن وهب المصري، عن أبي لهيعة، عن أبي الأسود، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة بن حذافة، قال:
ما وجدنا في علم عالم ولا شعر شاعر من وراء عدنان بثبت.
وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
كان رسول الله ﷺ ، إذا بلغ في النسب إلى أدد، قال: «كذب النسّابون، كذب النسّابون؛ قال الله : ﴿وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً» (١). قال ابن عباس: ولو شاء رسول الله ﷺ أن يعلمه لعلمه.
وحدثني روح بن عبد المؤمن، عن أبي اليقظان، عن وضاح بن خيثمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال:
إنما حفظت العرب من أنسابها إلى أدد. قال الكلبي: فأدد من ولد نابت بن الهميسع بن تيمن بن نبت بن قيذر بن إسماعيل.
стр. 36
وقال بعض المدنيين: أدد من ولد الهميسع بن أشجب بن نبت بن قيذر بن إسماعيل. وقول الكلبي أثبت.
- وولد أدد: عدنان - وأمه، فيما ذكر غير الكلبي، المتمطّرة بنت علي، من جرهم أو من جديس-؛ ونبت؛ وعمرو، درج. فولد نبت بن أدد: شقرة. وهم في مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة.
قال الشاعر، وهو الحارث بن نمر التنوخي:
أيّ يوميّ من الموت أفر … يوم لم يقدر أم يوم قدر
إنّ أخوالي من شقرة قد … لبسوا لي غمسا جلد نمر
نحتوا أثلتنا ظلما ولم … يرهبوا لفت الوبال المستمر
فلئن طأطأت في قتلهم … لتهاضنّ عظامي من عفر
ولئن غادرتهم في ورطة … لأكونن نهزة الشيخ النفر (١)
ويشجب بن نبت، وهم في وحاظة من ذي الكلاع، من حمير.
ويقال، والله أعلم، إن نبت بن أدد هذا هو الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وبعض الرواة يقول: هو عدنان بن أدد. والثبت أنه عدنان بن أدد.
- وولد عدنان: معدّ - وبه كان يكنى - والديث، وأبيّ، والعيّ.
وهو الثبت. وبعضهم يقول: العيّ، وعدين درج. هؤلاء الثلاثة، وأمهم مهدد بنت اللهم بن جلحب، من جديس. وقال بعضهم: هي من طسم. والأول أثبت.
стр. 37
-فولد الديث بن عدنان: عكّ. ويقال: إنه عكّ بن عدنان نفسه.
وبعضهم يقول: عكّ بن عدنان بن عبد الله بن الأزد بن الغوث.
وبعض الناس يقول: عكّ بن عدثان بن عبد الله بن الأزد. وذلك تصحيف؛ ليس في الأزد عدثان (مضموم العين تعجم بثلاث) إلاّ عدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وهو أبو دوس. وقال الكميت بن زيد الأزدي:
كعكّ في مناسبها منار … إلى عدنان واضحة السبيل (١)
وقال عباس بن مرداس السّلمي:
وعكّ بن عدنان الذين تلقبّوا … بغسّان حتى طردّوا كل مطرد (٢)
- فولد عكّ بن الديث - واسم عكّ «الحارث» -: الشاهد، وصحار واسمه غالب، وسبيع درج، وقرن وهم في الأزد يقولون: قرن بن عكّ بن عدنان بن عبد الله بن الأزد.
- فولد الشاهد بن عكّ، غافق، وساعدة.
- فولد غافق، لعسان، ومالك، والقياتة - بالتاء -
- وولد صحار بن عكّ: السمناة، وعنس. وبولان، وهما عدد عكّ. فمن بني بولان: مقاتل بن حكيم بن عبد الرحمن الخراساني، من رجال دولة بني العباس.
- فولد لعسان بن غافق: الحوثة، وأسلم، وأكرم. فولد أكرم:
وائل، ورّيان بالراء، وخضران.
- وولد مالك بن غافق: رهنة، وصحار.
стр. 38
-وولد القياتة بن غافق: أحدب، وأوفى، وأسيلم، وخدران، وأسلم.
- وولد رهنة بن مالك: كعب، وطريف، ومالك.
- وولد صحار بن مالك بن غافق بن الشاهد: عبد، وربيعة، ومعاوية.
- وكان من ولد غافق، سملقة بن مرىّ بن الفجّاع صاحب أمر عكّ يوم قاتلوا غسّان. وهو أول من جزّ ناصية أسير، وأطلقه. وكان رئيس غسان يومئذ ربيعة بن عمرو (١).
- ويقال إنّ أول من كسا الكعبة عدنان. كساها أنطاع الأدم.
- وولد معدّ بن عدنان: نزار بن معدّ، وبه كان يكنى، ويقال إنه يكنى أبا حيدة، وبعضهم يقول إنه كان يكنى أبا قضاعة - وقنص بن معدّ، وقناصة، وسنام. والعرف، وعوف، وشك، وحيدان، وحيدة، وعبيد الرماح - في بنى كنانة بن خزيمة - وجنيد في عكّ، وجنادة، والقحم. وأمهم معانة بنت جشم بن جلهة بن عمرو بن جرهم. وبعضهم يقول جلهمة.
والأول أثبت.
وقال بعضهم: اسمها عنة بنت جوشن بن جرهم.
وقال ابن مزروع: اسمها ناعمة. والأول قول ابن الكلبي.
وقال هشام بن محمد: يقال إن معانة كانت عند مالك بن عمرو بن مرة بن مالك بن حمير، ثم خلف عليها بعده معدّ بن عدنان فجاءت معها بقضاعة بن مالك بن عمرو. فكان يقال له قضاعة بن معدّ. فولدت.
стр. 39
قال: ويقال إن معانة كانت بديّا عند معدّ، فولدت له قضاعة، ثم خلف عليها مالك بن عمرو، وتبنى قضاعة فنسب إليه، وأنّ قضاعة كان يسمى عمرا. فلما تقضّع عن قومه، أي بعد، سمّى قضاعة. والله أعلم.
- وقال هشام. كان عمرو بن مرّة الجهني أول من ألحق قضاعة باليمن.
فقال بعض البلويين:
أيا إخوتي لا ترغبوا عن أبيكم … ولا تهلكوا في لجّة لجّها عمرو
- وقال بعض الرواة: أم قضاعة عكبرة. وقال الكلبي: لا أدري ما هذا.
- وحدثني أبو عدنان الأعور، عن أبي زيد الأنصاري النحوي، عن أبي عمرو بن العلاء، قال:
لم تزل قضاعة معدّية في الجاهلية، ثم تحولوا فقالوا: قضاعة بن مالك بن عمرو. وذلك لأن بني مالك بن عمرو إخوتهم لأمّهم.
وحدثني أبو الحسن المدائني، عن أبي اليقظان:
أن عمر بن عبد العزيز - وكانت أم أبيه كلبية - قال لبعض أخوال أبيه: إن علىّ منكم لغضاضة عضتّكم حرب قوم؛ فانتفيتم من أبيكم وانتميتم إلى غيره؛ وكنتم إخوة قوم لأمّهم فصيّرتم أنفسكم إخوتهم لأبيهم وأمهم.
وحدثني محمد بن الأعرابي الراوية، عن المفضل الضبي، عن القاسم بن معن وغيره:
стр. 40
أنّ أول من ألحق قضاعة بحمير، عمرو بن مرّة الجهني، وكانت له صحبة.
وروي عن هشام بن عروة، عن عائشة، قالت:
قلت: يا رسول الله، قضاعة ابن من؟ قال: ابن معدّ.
وحدثني محمد بن حبيب مولى بني هاشم، قال: أنشدني أبو عمرو الشيباني لشاعر قديم:
قضاعة كان تنسب من معدّ … فلجّ بها السفاهة والضرار
فإن تعدل قضاعة عن معدّ … تكن تبعا وللتبع الصّغار
وزنّيتم عجوزكم وكانت … حصانا لا يشمّ لها خمار
وكانت لو تناولها يمان … للاقى مثل ما لاقى يسار
وأكره أن يكون شعار قومي … لذي يمن إذا ذعرت نذار
قال: وكان «يسار» هذا عبدا لإياد، فتعرض لابنة مولاه فزجرته.
فأتى صاحبا له فاستشاره في أمرها. فقال له: ويلك يا يسار كل من لحم الحوار، واشرب من لبن العشار، وإياك وبنات الأحرار. فقال: كلا، إنها تبسمت في وجهي. فعاودها، فقالت له: ائتني الليلة. فلما أتاها، قالت: ادن مني أشمّك طيبا. فلما دنا، جدعت أنفه بسكّين كانت قد أعدّته، وأحدّته؛ وكانت قد دفعت إلى وليدتين لها سكينتين، وقالت لهما:
إذا أهويت لأجدع أنفه، فلتصلّم كل واحدة منكما أذنه التي تليها، ففعلتا ذلك، فلما أتى صاحبه الذي استشاره، قال له: والله ما أدري أمقبل أنت أم مدبر. فقال يسار - ويقال هو يسار الكواعب-: هبك لا ترى الأنف والأذنين؛ أما ترى وبيص العينين؟ فذهبت مثلا.