وقد زعم بعض الناس أن عبد الله لم يبرح البصرة حتى صالح الحسن معاوية، وليس ذلك بثبت، والثبت انه، لما قتل أمير المؤمنين علي ﵇ كتب إلى الحسن كتابه - الذي نذكره إن شاء الله في خبر صلح الحسن ومعاوية - من الحجاز.
قالوا: وكان من عماله ربعي بن كاس العنبري ولاه سجستان وكان قد ولى قبله عون بن جعدة (١) فلقيه بهدل اللص فقتله، فطلب عقيل بن جعدة بدمه فحبس له وقتل بالمدينة.
وولى علي بن أبي طالب عبيدة السلماني، من مراد، الفرات، وولى الأشتر نصيبين، وولى عبد الله الأهتم كرمان.
حدثني روح بن عبد المؤمن، عن أبي عوانة، عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة:
ان عليا أتاهم عائدا فقال: ما لقي أحد من هذه الأمة ما لقيت، توفي رسول الله ﷺ وأنا أحق الناس بهذا الأمر؛ فبايع الناس أبا بكر، فاستخلف عمر، فبايعت ورضيت وسلمت، ثم بايع الناس عثمان فبايعت وسلمت ورضيت، وهم الآن يميلون بيني وبين معاوية.
حدثني الحسين بن الأسود، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل عن الأعمش، عن إبراهيم قال: ان لم ينفع حبّ علي سرّا لم ينفع علانيته.
المدائني عن أبي محمد الناجي عن قتادة قال:
стр. 877
مرّ سعد بن مالك برجل شتم عليا فقال: ويحك ما تقول؟ قال:
أقول ما تسمع. فقال: اللهم إن كان كاذبا فأهلكه فخبطه جمل حتى قتله.
حدثني محمد بن سعد، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، عن سيف بن هارون، عن قيس بن سعد، عن داود بن أبي عاصم الثقفي:
عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر صائما فعرضت له جارية فأعجبته فواقعها وهو صائم، فأعظم من حضره ما صنع، فقال علي يا أمير المؤمنين أتيت حلالا، يوما مكان يوم. فقال: أنت خيرهم فتيا (١).
المدائني في اسناده أن بعض عمال عمر - رضي الله تعالى عنه - باع خنازير وجعل ثمنها في بيت المال، فرفع ذلك إليه، فقال علي ﵇: إما أن تعزله وإما أن تكتب إليه أن لا يعود.
حدثنا إسحاق، حدثنا جعفر بن سليمان، عن هشام بن حسان:
عن الحسن قال: بلغ عمر عن امرأة من قريش أمر فبعث إليها عمر يدعوها فارتاعت فولدت غلاما فاستهل (٢)، فبلغ ذلك من عمر كل مبلغ فجمع أصحاب رسول الله فقال: ما تقولون؟ قالوا: ما نرى عليك شيئا، فقال علي: أرى أنك قد ضمنت ديته قال: صدقتني فأقسمت عليك ألا تبرح حتى تقسمها على بني أبيك، يعني قريشا.
حدثنا ابراهيم بن مسلم الخوارزمي، عن وكيع، عن مسعر، عن أبي أيوب مولى بني ثعلبة، عن قطبة بن مالك قال:
стр. 878
سبّ أمير من الأمراء، عليا، فقام إليه زيد بن أرقم فقال: أما علمت أن رسول الله ﷺ نهى عن سب الموتى أفتسبّ عليا وهو ميت.
حدثني روح بن عبد المؤمن، عن أبي عوانة، عن نعيم بن حكيم عن أبي مريم قال: قال عمار: لو أن عليا لم يعمل عملا ولم يصنع شيئا إلا أنه أحيا التكبيرتين عند السجود لكان قد أصاب بذلك فضلا عظيما.
حدثنا عمرو بن محمد، والحسين بن الأسود، حدثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا كامل أبو العلاء:
عن حبيب بن أبي ثابت قال: قال ابن عمر: ما أجدني آسى على شيء من الدنيا إلا قتالي مع علي الفئة الباغية.
حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا سليمان بن حرب، وعارم بن الفضل، عن حماد بن زيد، حدثنا غيلان:
عن مطرف بن عبد الله قال: صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب فكان إذا سجد كبّر، وإذا رفع رأسه كبّر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما انصرفنا أخذ عمران بيدي فقال: لقد صلى صلاة محمد، ولقد ذكرني صلاة محمد ﷺ .
حدثني محمد بن سعد، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب:
عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال:
حدثني عن علي. فقال ابن عمر: إن سرّك أن تعلم ما كانت منزلته من رسول الله ﷺ فأنظر إلى بيته من بيوت رسول الله ﷺ . قال الرجل: فإني أبغضه.
قال: أبغضك الله.
стр. 879
حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثت عن علي بن هاشم، عن أبي سعد الأعور، عن جواب التيمي:
عن سويد بن غفلة أن عليا قتل الزنادقة ثم حرقهم بعد ما قتلهم.
حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن أبي إسحاق الشيباني:
عن إبراهيم انه قال: علي أحبّ إليّ من عثمان، ولأن أخرّ من السماء أحب إلي من أن أتناول عثمان بسوء.
حدثني الحسين بن الأسود، حدثني يحي بن آدم، حدثنا أبو معاوية الضرير:
حدثنا الأعمش قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى وقفه الحجاج فقال: العن الكذابين عليا وعبد الله بن الزبير، والمختار بن أبي عبيد.
فقال: لعن الله الكذابين. ثم ابتدأ فقال: علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير، والمختار بن أبي عبيد، قال: فعلمت أنه حين ابتدأهم ورفعهم انه لم يلعنهم.
حدثني عمرو بن محمد الناقد، عن أبي معاوية، عن الأعمش بمثله.
حدثني خلف البزار وهبار بن بقية قالا: حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن رجل أخبره قال: ذكرت شيعة علي وعثمان عند أم سلمة؛ فقالت: ما تذكرون من شيعة علي وهم الفائزون يوم القيامة.
حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا فطر خليفة، عن أبي إسحاق:
стр. 880
عن أبي عبد الله الجدلي، قال: دخلت على أمّ سلمة فقالت: يا أبا عبد الله أيسبّ رسول الله ﷺ فيكم وأنتم أحياء؟! قلت: معاذ الله.
قالت: أليسوا يسبّون عليا ومن أحبه قلت: بلى.
حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، ومحمد بن سعد، قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل:
عن أبي إسحاق قال: مرّ رجل على سلمان فقال: أرى عليا يمرّ بين ظهرانيكم فلا تقومون فتأخذون بحجزته، فو الذي نفسي بيده لا يخبركم أحد بسرّ نبيكم بعده.
حدثنا سريج بن يونس، عن مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا غيلان بن جرير، قال:
سمعت سعيد بن المسيب يقول: شهدت عليا وعثمان ﵄ وقد وقع بينهما كلام شديد؛ حتى رفع عثمان الدّرة على علي، فقلت لعثمان: يا أمير المؤمنين علي من حاله وحاله ثم قلت: يا أبا الحسن أمير المؤمنين، فلم أزل به حتى سكن وصلح الذي كان بينهما، وقعدا يتحدثان كأن لم يكن بينهما شيء.
حدثني محمد بن سعد، حدثنا عفان، أنبأنا حماد بن زيد عن مجالد:
عن عمير بن رودي قال: قام عليّ يوما يخطب، فقام أولئك الخوارج فقطعوا عليه كلامه، فنزل فدخل ونحن معه، فقال: ألا إنما أكلت يوم أكل الأبيض. ثم قال: إن هذا مثل ثلاثة أثوار وأسد؛ اجتمعن في أجمة، أحمر وأسود وأبيض، فكان يريد أخذها فتمتنع منه، فقال للأسود والأحمر:
إنما يفضحنا في هذه الأجمة، ويشهرنا ويدلّ علينا الأبيض فخليا بينه وبين
стр. 881
الأسد فأكله، ثم جلسوا فلم يقدر منهما على شيء، فقال الأسد للأحمر:
لوني مثل لونك وما يشهرنا ويفضحنا في هذه الأجمة إلا الأسود؛ فخل بيني وبينه آكله، ففعل، ثم قال للأحمر: إني آكلك. قال: فدعني أصوت ثلاثة أصوات. قال: افعل. فجعل يصيح: ألا إني ما أكلت إلا يوم أكل الأبيض، ألا وإني إنما وهيت يوم قتل عثمان.
المدائني، عن شريك، عن محمد بن إسحاق، عن عمر بن علي قال: قال مروان لعلي بن الحسين: ما كان أحد أكفّ عن صاحبنا من صاحبكم. قال: فلم تشتمونه على المنابر؟ قال: لا يستقيم لنا هذا إلا بهذا.
حدثنا عبد الله بن صالح، أنبأنا شريك بن عبد الله، عن جابر عن هرمز مولى جعفر قال: رأيت عليا وعليه عمامة سوداء قد أرخاها من بين يديه ومن خلفه.
حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة أبو بكر، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن إبراهيم بن عبد الله بن جبير:
عن ابن عباس عن علي قال: قال لي رسول الله ﷺ : إذا كان إزارك واسعا فاتشح به، وإذا كان ضيقا فاتزر به.
حدثني محمد بن سعد، حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس عن سليمان بن بلال:
عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن عليا تختم في يساره.
стр. 882
حدثني محمد بن سعد، حدثنا محمد بن ربيعة عن كيسان عن يزيد بن الحارث الفزاري قال: رأيت على علي قلنسوة بيضاء مضرّبة.
حدثنا العباس بن الوليد النرسي، وروح بن عبد المؤمن، قالا:
حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه:
عن أبي إسحاق قال: قرأت نقش خاتم علي في صلح أهل الشام بعد صفين «محمد رسول الله».
حدثني أبو بكر الأعين، ومظفر بن مرجا، قالا: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، عن زهير، عن جابر:
عن محمد بن علي قال: نقش خاتم علي: «الله الملك».
حدثني محمد بن سعد، عن مالك بن اسماعيل النهدي، حدثنا جعفر بن زياد، عن الأعمش:
عن أبي ظبيان قال: خرج علينا عليّ في إزار أصفر، وخميصة سوداء شبه البرنكاني (١).
حدثني بكر بن الهيثم، حدثنا أبو نعيم، عن أيوب المكتب، عن أبيه أنه رأى على علي بردين نجرانيين.
أبو الحسن المدائني، عن بكر بن الأسود، عن أبيه الأسود بن قيس قال:
كان علي يطعم الناس بالكوفة بالرحبة، فإذا فرغ أتى منزله فأكل فقال رجل من أصحابه: قلت في نفسي: أظنّ أمير المؤمنين يأكل في منزله طعاما
стр. 883
أطيب من طعام الناس، فتركت الطعام مع العامة، ومضيت معه، فقال:
أتغديت؟ قلت: لا. قال: فانطلق معي. فمضيت معه إلى منزله فنادى: يا فضّة. فجاءت خادم سوداء فقال: غدينا. فجاءت بأرغفة وبجرّة فيها لبن فصبّتها في صحفة وثردت الخبز، فإذا فيه نخالة، فقلت:
يا أمير المؤمنين لو أمرت بالدقيق فنخل. فبكى ثم قال: والله ما علمت أنه كان في بيت رسول الله ﷺ منخل قط.
حدثني أبو هاشم الجعفري، عن أشياخهم أنّ عليا قال:
ما لبس رجل بعد تقوى الله لباسا أحسن من فصاحة، ولا تحلّت امرأة بأزين من شحم.
وحدثني أبو عبيد القاسم بن سلاّم، قال: بلغنا أنّ رجلا أثنى على علي في وجهه - وكان علي اتّهمه - فقال له علي:
أنا دون وصفك وفوق ما في نفسك. ثم قام الرجل فأطراه، فقال علي: اللهم إني أعلم بنفسي، وأنت أعلم بي مني، فاغفر لي مالا يعلمه النّاس منّي.
حدثنا يوسف بن موسى، عن حكّام الرازي، عن عمرو، عن معروف، عن ليث:
عن مجاهد قال: قال علي ﵇ بالكوفة: كيف أنتم إذا أتاكم أهل بيت نبيكم؟ قالوا: نفعل ونفعل، قال: فحرك رأسه ثم قال: بل توردون ثم تعرّدون (١) فلا تصدرون، ثم تطلبون البراءة ولا براءة لكم.
стр. 884
وفي عليّ ﵇ يقول الشاعر:
في كلّ مجمع غاية أجراكم … جذع أمرّ على المذاكي القرّح
هذا ابن فاطمة الذي أفناكم … بالسيف يعمل حدّه لم يصفح
ابن الكهول وابن كل دعامة … في المعضلات وابن زين الأبطح
في أبيات.
стр. 885
ولد علي بن أبي طالب ﵇
ولد علي بن أبي طالب الحسن والحسين، ومحسن درج صغيرا وزينب الكبرى تزوّجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فولدت له. وأم كلثوم الكبرى تزوجها عمر بن الخطاب وأمهم فاطمة بنت رسول الله ﷺ .
وسمّى رسول الله ﷺ كل واحد من الحسن والحسين يوم سابعه، ووزنت فاطمة ﵍ شعرهما فتصدقت بوزنه فضّة.
تزويج عمر بن الخطاب ﵁
حدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه عن جده قال: خطب عمر بن الخطاب أم كلثوم بنت علي - رضي الله تعالى عنهم - فقال: إنها صغيرة. فقال: يا أبا حسن إنما حرصي عليها لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما سبب ولا صهر إلا وهو منقطع يوم القيامة إلا سببي وصهري».
فقال عليّ: أنا مرسلها إليك لتراها، فلما جاءته قال لها: قولي لأبيك: إني
стр. 886
قد رضيت الحلة فأدّت الرسالة، فزوّجه عليّ إياها وأصدقها عمر أربعين ألفا.
وقال هشام بن الكلبي: وقد ذكر قوم: أنه اصدقها مائة ألف درهم.
حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل:
عن عثمان بن محمد بن عليّ قال: خرج عمر إلى الناس فقال: زفوني بابنة رسول الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي».
حدثني محمد بن سعد، حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي حدثنا سيف بن هارون، عن فضل بن كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
لّما ابتنى عمر بأم كلثوم، دخل على مشيخة المهاجرين وكانت تحفته إيّاهم أن صفر لحاهم بملاب (١).
وقال ابن الكلبي: ولدت أم كلثوم بنت علي لعمر، زيد بن عمر، ورقية بنت عمر، فمات زيد وأمه في يوم واحد، وكان موته من شجّة اصابته. وخلف على أم كلثوم بعد عمر؛ عون بن جعفر بن أبي طالب، ثم محمد بن جعفر ثم عبد الله بن جعفر.
وعبيد الله بن علي، قتله المختار في الوقعة يوم المذار.
стр. 887
وأبا بكرة، وأمهما ليلى بنت مسعود النهشلية من بني تميم، ولا بقية لهما.
والعباس الأكبر؛ وهو السقاء، كان حمل قربة ماء للحسين بكربلاء، ويكّنى أبا قربة.
وعثمان، وجعفر الأكبر، وعبد الله، قتلوا مع الحسين رضي الله تعالى عنهم، ولا بقية لهم إلا العباس فإن له بقية.
وأمهم أم البنين بنت حزام بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة الشاعر، وأخوها مالك بن حزام الذي قتل مع المختار بالكوفة.
ومحمد الأصغر بن علي، قتل مع الحسين، وأمه ورقاء أم ولد.
ويحيى وعون ابني عليّ، أمهما أسماء بنت عميس الخثعمية، وكان علي خلف عليها بعد أبي بكر - رضي الله تعالى عنهما.
وعمر الأكبر، وكان له عقل ونبل وكان يشبه أباه فيما يقال. وولد له محمد، وأمّ موسى من اسماء بنت عقيل، وكان محمد بن عمر نهى زيدا (١) عمّا فعل، فلما أبى عليه تركه وخرج إلى المدينة.
وكان عمر بن الخطاب سمّى عمر بن علي باسمه، ووهب له غلاما يسمى مورقا.
ورقية أمها الصهباء - وهي أم حبيب بنت حبيب بن بجير التغّلبي سبيت من ناحية عين التمر - تزوّجها مسلم بن عقيل بن أبي طالب.
стр. 888
ومحمد الأوسط وأمّه أمامه بنت أبي العاص بن الربيع، وأمّها زينب بنت رسول الله ﷺ .
حدثت عن هشيم بن بشير، عن داود بن أبي هند:
عن الشعبي قال: كتب معاوية إلى مروان أن زّوجني أمامة بنت أبي العاص، فأرسل إليها، فولت أمرها المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب فقال لها المغيرة: يا أمامة ألست قد وليتني أمرك ورضيت بمن أزوجك؟ قالت: نعم. قال: إشهدوا أني قد تزوجتها. فكتب مروان بذلك إلى معاوية فكتب إليه أن أعرض عنها.
وأم الحسين بنت علي، كانت عند جعدة بن هبيرة المخزومي، ثم خلف عليها جعفر بن عقيل، فقتل مع الحسين، فخلف عليها عبد الله بن الزبير.
ورملة الكبرى، وأمهما أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي.
وعمر الأصغر، وأمه أم سعيد هذه.
ويقال: إن أمه أم ولد، وكان صاحب نبيذ.
وميمونة تزوجها عبد الله بن عقيل.
وأم هانئ. وزينب الصغرى تزوجها محمد بن عقيل، ثم خلف عليها كثير بن العباس.
ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى تزوجها كثير بن العباس قبل أختها أو بعدها.
وفاطمة، تزوجها سعيد بن الأسود بن أبي البختري من ولد الحارث بن أسد بن عبد العزى.
стр. 889
ورملة وأمامة وخديجة، تزوجها عبد الرحمن بن عقيل.
وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، وجمانة، وتقية، ونفيسة، تزوجها تمام بن العباس بن عبد المطلب، وهنّ لأمهات أولاد شتى.
وأم يعلى هلكت وهي جارية لم تبرز، وأمها كلبية، وكان يقال لها:
من أخوالك يا أم يعلى؟ فتقول: أو أو. أي كلب.
حدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه عن جده عن عبد الله ابن حسن بن حسن، عن عبد الجبار بن منظور بن ريان الفزاري، عن عوف بن حارثة المري قال:
بينا نحن عند عمر إذ أقبل امرؤ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن جناب الكلبي، فإذا رجل أمغر أجلى (١) فوقف على عمر فقال: يا أمير المؤمنين إنى أحببت الإسلام فاشرحه لي، قال: ومن أنت؟ قال: أنا امرؤ القيس بن عدي بن أوس العليمي من كلب. فقال عمر:
أتعرفونه؟ قالوا: هذا الذي أغار على بكر بن وائل، وهو أسر الدعاء بن عمرو، أخا معروف بن عمرو. فشرح له عمر الإسلام فأسلم وعقد له على جنود قضاعة، فلم ير رجل قبله لم يصل قط عقد له على مسلمين - فخرج يهتز لواؤه بين يديه، فأدركه عليّ فأخذ بمنكبيه وقال: يا عم أنا علي بن أبي طالب ابن عم النبي ﷺ وهذان ابناي الحسن والحسين أمّهما فاطمة بنت رسول الله ﷺ وقد أحببت مصاهرتك لنفسي ولهما فزوّجنا.
стр. 890
قال: نعم ونعمة عين وكرامة، قد زوّجتك يا أبا الحسن المحياة بنت امرئ القيس، وزوّجت حسنا زينب وزوّجت حسينا الرباب بنت امرئ القيس.
قال: فولدت المحياة لعلي أم يعلى، وكانت تخرج إلى المسجد في إزار فيقال لها: من أخوالك؟ فتقول أو أو.
ولم تلد زينب للحسن، وولدت الرباب للحسين سكينة بنت الحسين تزوجها عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب وكان أبا عذرها (١) فمات عنها؛ ثم خلّف عليها مصعب بن الزبير فولدت له فاطمة. ماتت صغيرة، فقتل عنها، وكانت تقول: لعنكم الله يا أهل الكوفة أيتمتوني صغيرة وأرملتموني كبيرة. وخطبها عبد الملك بن مروان فأبته؛ فتزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام بن خويلد، ثم الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان ففارقها ولم يدخل بها وذلك أن عبد الملك نهاه عنها.
ويقال: بل حملت إلى مصر، فلما قدمتها وجدته قد مات، فتزوجها زيد بن عمرو بن عثمان، ثم إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، لم يدخل عليها ولم ترض به اختارت نفسها.
وكان عبد الله بن عمر، ومصعب بن الزبير، وعروة بن الزبير؛ اجتمعوا فتمنوا؛ فتمنى ابن عمر الجنة، وتمنى مصعب أن يلي العراق ويتزوج سكينة وعائشة بنت طلحة، وتمنى عروة الفقه والعلم - وكان معهما عبد الملك فتمنى الخلافة - فأعطى كلّ امرئ منهم ما تمنى.
وقال الحسين بن علي ﵉:
стр. 891
لعمرك إنني لأحبّ أرضا … تحل بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جلّ مالي … وليس للائم فيهم عتاب
وقال أيضا:
أحب لحبها زبدا جميعا … ونتلة كلها وبني الرباب
وأخوالا لها من آل لام … أحبهم وطرّ بني جناب
والرباب هذه بنت أنيف بن حارثة بن لام الطائي، وهي أم الأحوص وعروة ابني عمرو بن ثعلبة بن ثعلبة بن الحارث بن حصين بن ضمضم ابن عدي بن جناب بن هبل، وبها يعرفون.
وزبد بنت مالك بن عميت بن عدي بن عبد الله بن كنانة بن بكر؛ من كلب وهي أم جابر وقيس وعدي بني كعب بن عليم وإليها ينسبون.
ونتلة بنت مالك بن عمرو بن ثمامة من طيء، وهي أم حصن ومصاد، ومعقل بني كعب بن عليم وبها يعرفون.
سكينة بنت الحسين
وحدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه عن خلف الزهري قال:
كنت في سلطان هشام بن عبد الملك بالمدينة وعليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص - ويقال: إنّ خالدا كان خياطا فادعاه عبد الملك بعد ما كبر - قال: فماتت سكينة في يوم صائف شديد الحرّ فقال:
لا تخرجوها حتى أرجع. ومضى إلى الغابة وتركها إلى نصف النهار حتى تغيّرت فاشتري لها طيب بثلاثين دينارا، ثم رجع ممسيا فأمر شيبة بن نصاح
стр. 892
مولى أم سلمة - وكان يقرأ في مسجد النبي ﷺ أن يصليّ عليها، فصلى شيبة عليها ودفنت.
وحدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي، حدثني أبي عن عمه قال:
لّما ماتت سكينة أمر خالد بن عبد الملك أن لا يحدث في دفنها حدث حتى يرجع من ركوبه، فتأخر أمرها إلى الليل فقال أخوها علي بن الحسين:
رحم الله من أعان ببخور، فاشترى لها ابن أختها محمد بن عبد الله بن عمرو ابن عثمان بن عفان - وأمه فاطمة بنت الحسين - بخورا وأتى بالمجامر فجعلت حول نعشها، فلم تزل العود توقد فيها إلى أن دفنت وصلى الناس عليها بعد العشاء الآخرة بغير إمام.
وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي عن أشياخه:
قالوا: توفيت سكينة بنت الحسين بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة وعلى المدينة من قبل هشام؛ خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وكانت أم عبد الملك ابنة الزبرقان بن بدر فأرسل ألا تصلوا عليها حتى أشهدها وركب إلى الغابة قبل الظهر، ووضعت جنازتها بالبقيع قبل الظهر، واجتمع الناس فصليت الظهر ولم يأت ثم العصر ثم المغرب، واشترى محمد بن عبد الله المطرف - ابن أختها - بن عمرو بن عثمان بن عفان - وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي أختها - تلك الساعة بثلاثين دينارا عودا، وأمر بالمجامر فوضعت حول النعش وذلك في يوم شديد الحرّ، فسطعت تلك المجامر خوفا من أن تتغير ويشمّ من نعشها رائحة مكروهه
стр. 893
فلما صلى الناس العشاء الآخرة أتى خالد فأمر شيبة بن نصاح المقرئ أن يصليّ عليها ففعل ثم دفنت (١).
فاطمة بنت الحسين بن علي
وحدثني محمد بن سعد، عن أبي عبد الله محمد بن عمر قال:
ولىّ يزيد عبد الملك؛ عبد الرحمن بن الضحّاك بن قيس الفهري المدينة، فخطب فاطمة بنت الحسين بن علي فأبته وقالت: ما النكاح من حاجتي وأنا مشبلة مقيمة على ولدي، فألحّ في الخطبة فأبت أن تجيبه فقال:
والله لئن لم تفعلي لآخذنّ أكبر ولدك - يعني عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ - في شراب ثم لأضربنّه على رؤوس النّاس ولأفعلنّ حتى أفضحك - وكانت فاطمة بنت الحسين عند الحسن بن الحسن، فولدت له عبد الله بن الحسن بن الحسن، وحسن بن حسن بن حسن، وإبراهيم بن الحسن بن الحسن، ثم خلّف عليها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وعبد الله هو المطرف، فولدت له محمدا (٢) -فلما رأت أنه غير مقلع عنها بعثت إلى يزيد [بن عبد الملك] رسولا وكتبت معه كتابا تصف فيه قرابتها وماسّ رحمها، وتشكو عبد الرحمن بن الضحاك، وتذكر ما تلقى منه وما يتهددها به وتقول: إنما أنا حرمتك وإحدى نسائك، و والله لو كان التزويج من شأني
стр. 894
ما كان لي بكفؤ، فإنّ عمر بن الخطاب قال على منبر رسول الله ﷺ : لأمنعنّ من ذوات الأحساب من أن يتزوجهنّ إلا الأكفاء.
وكان عبد الرحمن بن هرمز على الديوان، فأراد الشخوص إلى يزيد فأرسلت إليه وأخبرته بقصتها وقصة ابن الضحاك، وسألته أن ينهي ذلك إلى يزيد فلما قدم على يزيد؛ جعل يسائله عن المدينة وأهلها فبينا هو يخبره بذلك إذ استأذن الحاجب لرسول فاطمة، فذكر ابن هرمز ما كانت حملته من الرسالة؛ ودخل الرسول فقرأ يزيد الكتاب الذي معه، فغضب واستشاط ونزل عن سريره إلى الأرض وضرّب بقضيب معه الأرض حتى أثار الغبار؛ وقال: ابن الضحاك يتزوج امرأة من بني عبد مناف، ثم قال: من يسمعني صراخه من العذاب وأنا على فراشي؟ فقال ابن هرمز: عبد الواحد بن عبد الله البصري وهو بالطائف فولّه المدينة ومره بأمرك. فكتب إلى عبد الواحد بولايته وأمره أن يغرم ابن الضحاك ما يدعى عليه إذا أقامه للناس وما صار إليه من المال، فلما مرّ رسول يزيد بالمدينة؛ أحس ابن الضحاك بالشرّ فأعطى الرسول ألف دينار على أن يتحبس في طريقه، وركب رواحله فأتى مسلمة بن عبد الملك فقال له: يا أبا سعيد جئتك مستجيرا بك. فركب مسلمة إلى يزيد ليلا فكلّمه فيه، فقال: لا تريني وجهه حتى يأتي المدينة، ويغرم ما يلزمه.
فرجع فأخذه عبد الواحد بالمال، وقد كان أودعه، فأحضر وجعل يطيف بالمدينة في جبّة صوف ويقيمه للناس حتى خرج من أربعين ألف دينار سأل الناس في بعضها (١).
стр. 895
تنازع زيد بن علي مع عبد الله بن الحسن
قال فتنازع زيد بن علي بن الحسين وعبد الله بن الحسن في صدقات علي بن أبي طالب ووصيته، فقال حسن لزيد: يا بن السندية الساحرة.
فقال له زيد: إنها لسندية وما كانت - بحمد الله - ساحرة ولكنها بقية عين التقية ولقد صبرت بعد وفاة سيدها فما تعيّب بأنها إذ لم تصبر مثل غيرها ولكن تذكر ابن الضحاك وأمّك تبعث إليه معك بالعلك الأحمر والأصفر والاخضر فتقول له: فمك فتطرح ذلك فيه.
فأتاها بنوها فأخبروها بقوله، فقالت: كنتم فتيانا فكنت أداريه فيكم وأمنّيه أن أتزوجه حتى كتبت إلى يزيد فعزله.
وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي قال: اجتمع زيد وعبد الله بن حسن عند هشام، فأعان عمر بن علي الاصغر زيد بن علي فقال له هشام:
ما بالك تخاصم عن غيرك ولا تتكلّم عن نفسك؟ فقال [عبد الله بن] حسن: يمنعه من ذلك خولة والرباب جرّتاه اللتان صب أبان بن عثمان ما فيها من نبيذ على رأسه في ولايته المدينة لعبد الملك بن مروان.
وذكر المدائني أن أبان حدّ عمر بن علي بالنبيذ، ضربه ثمانين، وقدم عمر مع أبان على الوليد بن عبد الملك يسأله أن يوليه صدقة علي. فقال: أنا لا أدخل على ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ غيرهم. ووصله فلم يقبل صلته.
وقال الواقدي: لما عزل عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة بكى ثم قال: والله ما أبكي جزعا من العزل؛ ولا أسفا على الولاية، ولكني أربأ
стр. 896
بهذه الوجوه أن يمتهنها من لا يعرف لها مثل الذي أعرف ثم أنشدّ.
فما السجن أضناني ولا القيد شفني … ولكنني من خشية النار أجزع
بلى إنّ أقواما أخاف عليهم … إذا خفت أن يعصوا الذي كنت أمنع
وولد لعلي بن أبي طالب: محمد
وأمه خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة من الدول بن حنيفة بن لجيم.
قال علي بن محمد المدائني بعث رسول الله ﷺ عليا إلى اليمن فأصاب خولة في بني زبيد، وقد ارتدّوا مع عمرو بن معدي كرب، وصارت في سهمه، وذلك في عهد رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : «إن ولدت منك غلاما فسمه باسمي وكنّه بكنيتي»، فولدت له بعد موت فاطمة ﵍ غلاما، فسماه محمدا وكناه أبا القاسم.
وحدثني محمد بن إسماعيل الواسطي الضرير، حدثنا أبو أسامة، أنبأنا فطر بن خليفة، عن منذر الثوري، عن محمد بن الحنفية، عن علي ﵇ أنه قال لرسول الله ﷺ : إن ولد لي غلام اسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: «نعم».
قال: وحدثني علي بن المغيرة الأثرم وعباس بن هشام الكلبي، عن هشام، عن خراش بن إسماعيل العجلي قال: أغارت بنو أسد بن خزيمة على بني حنيفة فسبوا خولة بنت جعفر، ثم قدموا بها المدينة في أول خلافة أبي بكر فباعوها من علي، وبلغ الخبر قومها فقدموا المدينة على علي فعرفوها وأخبروه بموضعها منهم، فأعتقها و مّهرها وتزوجها، فولدت له محمدا ابنه،
стр. 897
وقد كان قال لرسول الله ﷺ : أتأذن لي إن ولد لي [غلام] بأن اسميه باسمك واكنيّه بكنيتك؟ فقال: «نعم». فسمي ابن الحنفية محمدا، وكناه أبا القاسم.
وهذا أثبت من خير المدائني.
موت محمد بن الحنفية
وقال الواقدي: مات ابن الحنفية سنة اثنتين وثمانين وله خمس وستون سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو والي المدينة وقال له أبو هاشم بن محمد بن الحنفية: إن الإمام أولى بالصلاة، ولولا ذلك ما قدمناك.
وقال بعضهم: إن أبا هاشم أبى أن يصلي عليه أبان، فقال: أنتم أولى بميتكم فصلى عليه أبو هاشم.
وكانت الشيعة تسمي محمد بن علي المهدي وقال فيه كثير - وكان يزعم أنّ الأرواح تتناسخ واحتجّ بقول الله : ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ (١).
أقر الله عيني إذ دعاني … أمين الله يلطف في السؤال
وأثنى في هواي عليّ خيرا … ويسأل عن بنيّ وكيف حالي
هو المهدي خبّرناه كعب … أخو الأحبار في الحقب الخوالي (٢)
فقال له علي بن عبد الله بن جعفر: يا أبا صخر ما يثني عليك في هواك خيرا إلا من كان على مثل رأيك. فقال: أجل بأبي أنت.
стр. 898
وشيعة محمد بن الحنفية يزعمون انه لم يمت ولذلك قال السيد:
ألا قل للوصي فدتك نفسي … أطلت بذلك الجبل المناما (١)
يعني رضوى.
وقال كثير:
ألا إن الأئمة من قريش … ولاة الحق أربعة سواء
عليّ والثلاثة من بنيه … هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط ايمان وبرّ … وسبط غيبّته كربلاء
وسبط لا تراه العين حتى … يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى فيهم زمانا … برضوى عنده عسل وماء (٢)
وقال السيد:
أيا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى … ويهيج قلبي والصبابة أولق (٣)
حتى متى وإلى متى وكم المدى … يا بن الوصي وأنت حيّ ترزق
وزعم بعضهم أن اخت محمد بن عليّ لأمه عوانة بنت أبي مكمل من بني عفان.
стр. 899
بيعة علي بن أبي طالب ﵇
بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا خلف بن سالم المخزومي، حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثنا ابن جعدبة.
عن صالح بن كيسان قال: قتل عثمان بن عفان لإثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، فدعا علي بن أبي طالب الناس إلى بيعته، فبويع يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، وكان أول من بايعه طلحة بن عبيد الله، وكانت إصبعه أصيبت يوم أحد، فشلت، فبصر بها أعرابي حين بايع، فقال: ابتدأ هذا الأمر أشل لا يتم، ثم بايعه الناس بعد طلحة في المسجد؛ ثم خرج حتى أتى مسجد بني عمرو بن مبذول من الأنصار فبويع فيه أيضا.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا إسماعيل بن مسلم العبدي:
عن أبي المتوكل؛ قال: قتل عثمان وعليّ بأرض له يقال لها: البغيبغة
стр. 900
فوق المدينة بأربعة فراسخ، فأقبل علي، فقال له عمار بن ياسر: لتنصبنّ لنا نفسك أو لنبدأنّ بك، فنصب لهم نفسه فبايعوه.
وحدثني عباس بن هشام بن محمد الكلبي، عن لوط بن يحيى أبي مخنف، عن أبي روق الهمداني، وعن المجالد بن سعيد:
عن الشعبي أن عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - لما قتل أقبل الناس إلى علي رضي الله تعالى عنه ليبايعوه ومالوا إليه فمدوا يده فكفّها، وبسطوها فقبضها وقالوا: بايع فإنا لا نرضى إلا بك ولا نأمن من اختلاف الناس وفرقتهم. فبايعه الناس وخرج حتى صعد المنبر.
وأخذ طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام مفتاح بيت المال؛ وتخلفا عن البيعة فمضى الأشتر حتى جاء بطلحة يتله تلا عنيفا وهو يقول: دعني حتى أنظر ما يصنع الناس، فلم يدعه حتى بايع عليا، فقال رجل من بني أسد يقال له قبيصة بن ذويب: أول يد بايعت هذا الرجل من أصحاب محمد ﷺ شلاء والله ما أرى هذا الأمر يتمّ.
وكان طلحة أول من بايع من أصحاب رسول الله ﷺ ، وبعث علي بن أبي طالب من أخذ مفاتيح بيت المال من طلحة. وخرج حكيم بن جبلة العبدي إلى الزبير بن العوام حتى جاء به فبايع، فكان يقول: ساقني لصّ من لصوص عبد القيس حتى بايعت مكرها.
قال: وأتي عليّ بعبد الله بن عمر بن الخطاب ملببا والسيف مشهورّ عليه، فقال له: بايع. فقال: لا أبايع حتى يجتمع الناس عليك. قال:
فأعطني حميلا (١) ألا تبرح. فقال لا أعطيك حميلا، فقال الأشتر: إن هذا
стр. 901
رجل قد أمن سوطك وسيفك فأمكني منه. فقال عليّ: دعه أنا حميله فو الله ما علمته إلا سيء الخلق صغيرا وكبيرا.
قال: وجيء بسعد بن أبي وقاص فقيل له: بايع. فقال: يا أبا الحسن إذا لم يبق غيري بايعتك. فقال عليّ: خلوا سبيل أبي إسحاق.
وبعث عليّ إلى محمد بن مسلمة الأنصاري ليبايع فقال: إن رسول الله ﷺ «أمرني إذا اختلف الناس أن أخرج بسيفي فأضرب به عرض أحد حتى ينقطع فإذا انقطع أتيت بيتي فكنت فيه لا أبرح حتى تأتيني يد خاطفة أو ميتة قاضية». قال: فانطلق إذا. فخلى سبيله.
وبعث إلى وهب بن صيفي الأنصاري ليبايعه فقال: إن خليلي وابن عمك قال لي: «قاتل المشركين بسيفك فإذا رأيت فتنة فأكسره، واتخذ سيفا من خشب واجلس في بيتك»، فتركه.
قال: ودعا أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ إلى البيعة؛ فقال: أنت أحبّ الناس إليّ وآثرهم عندي، ولو كنت بين لحيي أسد لأحببت أن أكون معك، ولكني عاهدت الله أن لا أقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله.
قال: وبايع أهل المدينة عليا فأتاه ابن عمر فقال له: يا علي اتق الله ولا تنتزين على أمر الأمة بغير مشورة. ومضى إلى مكة.
حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي حدثني محمد بن عائشة، حدثنا معتمر بن سليمان قال: قلت لأبي: إن الناس يقولون: إن بيعة علي لم تتم. قال: يا بني بايعه أهل الحرمين وإنما البيعة لأهل الحرمين.
حدثني عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي قال: سمعت إسرائيل
стр. 902
يحدث عن أصحابه:
أن الأحنف بن قيس لقي طلحة والزبير؛ فقالا له: بايعت عليا وآزرته فقال: نعم ألم تأمراني بذلك؟ فقالا له: إنما أنت ذباب طمع وتابع لمن غلب. فقال: يغفر الله لكما.
وقال أبو مخنف وغيره: قال عليّ لعبد الله بن عباس: سر إلى الشام فقد بعثتك عليها. فقال: ما هذا برأي؛ معاوية ابن عم عثمان وعامله والناس بالشام معه وفي طاعته، ولست آمن إن يقتلني بعثمان على الظنّة، فإن لم يقتلني تحكم علي وحبسني، ولكن اكتب إليه فمنّه وعده فإذا استقام لك الأمر بعثتني إن أردت.
وحدثنا عفان بن مسلم أبو عثمان، حدثنا الأسود بن شيبان، أنبأنا خالد بن سمير قال:
غدا علي على ابن عمر صبيحة قتل عثمان فقال: أيّم (١) أبو عبد الرحمن أيم الرجل اخرج إلينا، فقال له: هذه كتبنا قد فرغنا منها فاركب بها إلى الشام. فقال: أذكرك الله واليوم الآخر فإن هذا أمر لم أكن في أوله ولا آخره، فلئن كان أهل الشام يريدونك لتأتينّك طاعتهم وإن كانوا لا يريدونك فما أنا برادّ منهم عنك شيئا فقال: لتركبنّ طائعا أو كارها. ثم انصرف فلما أمسى دعا بنجائبه أو قال: برواحله في سواد الليل فرمى بها مكة وترك عليا يتذمّر عليه بالمدينة.
وقال أبو مخنف وغيره: قال المغيرة بن شعبة: أرى أن تقرّ معاوية على الشام وتثبت ولايته وتولي طلحة والزبير المصرين يستقيم لك الناس، فقال
стр. 903
عبد الله بن العباس: إن الكوفة والبصرة عين المال وإن وليتهما إياهما لم آمن أن يضيّقا عليك، وإن وليت معاوية الشام لم تنفعك ولايته. فقال المغيرة:
لا أرى لك أن تنزع ملك معاوية فإنّه الآن يتّهمكم بقتل ابن عمه، وإن عزلته قاتلك فوله وأطعني. فأبى وقبل قول ابن عباس.
حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن سليمان، عن سلمة بن كهيل، عن سالم بن أبي الجعد:
عن محمد بن الحنفية، قال: إني لقاعد مع علي إذا أتاه رجل فقال:
ائت هذا الرجل فإنه مقتول. فذهب ليقوم فأخذت بثوبه وقلت: أقسمت عليك أن تأته، ثم جاء رجل آخر فقال: قد قتل فقام فدخل البيت ودخل الناس عليه فقالوا: ابسط يدك نبايعك. فقال؛ لا، أنا لكم وزير خير مني لكم أمير. فأبوا فقال: أما إذ أبيتم فإن بيعتي لا تكون سرا فاخرجوا إلى المسجد فخرجوا.
وحدثت أيضا عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن عبد الملك عن سلمة، عن سالم:
عن ابن الحنفية قال: كنت عند علي إذ أتاه رجل فقال: أمير المؤمنين مقتول الساعة. قال: فقام واخذت بسوطه فقال: خل لا أم لك. فانطلق إلى الدار وقد قتل الرجل، فأتاه الناس فقالوا: إنه لا بدّ للناس من خليفة ولا نعلم أحدا أحق بها منك. فقال لهم: لا تريدوني فإني لكم وزيرا خير منى أميرا، قالوا: والله ما نعلم أحق بها منك. قال: فإذ ابيتم فإن بيعتي لا تكون سرّا، ولكن اخرج إلى المسجد فمن شاء بايعني. فخرج إلى المسجد فبايعه الناس.
стр. 904
حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا وهب بن جرير حدثنا جويرية بن اسماء، حدثني مالك بن أنس، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله:
عن المسور بن مخرمه قال: قتل عثمان وعلي في المسجد، فمال الناس قبل طلحة ليبايعوه، وانصرف علي يريد منزله، فلقيه رجل من قريش عند موضع الجنائز، فقال: انظروا إلى رجل قتل ابن عمتّه وسلب ملكه، فولىّ راجعا فرقى المنبر فقيل: هذا عليّ على المنبر. فترك الناس طلحة ومالوا إليه فبايعوه.
حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا وهب بن جرير، عن ابن جعدبة.
عن صالح بن كيسان قال: لما بايع الناس عليا كتب إلى خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة يؤمّره على مكة، وأمره بأخذ البيعة، فأبى أهل مكة أن يبايعوا عليا، فأخذ فتى من قريش يقال له: عبد الله بن الوليد بن زيد بن ربيعة بن عبد العزّى بن عبد شمس الصحيفة فمضغها وألقاها فوطئت في سقاية زمزم، فقتل ذلك الفتى يوم الجمل مع عائشة.
قال: وسار علي بن عدي بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس - وكان حين قتل عثمان أمير مكة - إلى البصرة فقتل بها وله يقال:
يا رب فاعقر لعلي جمله … ولا تبارك في بعير حمله
إلا علي بن عدّي ليس له
وقال أبو مخنف وغيره: وجّه عليّ ﵇ المسور بن مخرمة الزهري إلى معاوية ﵀ لأخذ البيعة عليه؛ وكتب إليه معه: إن الناس قد قتلوا عثمان عن غير مشورة منّي وبايعوا لي فبايع رحمك الله موفقا، وفد إليّ في
стр. 905
اشراف أهل الشام. ولم يذكر له ولاية، فلما ورد الكتاب عليه؛ أبى البيعة لعلي واستعصى، ووجّه رجلا معه صحيفة بيضاء؛ لا كتاب فيها ولا عليها خاتم - ويقال كانت مختومة - وعنوانها: من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب فلما رآها علي قال: ويلك ما وراؤك؟ قال: أخاف أن تقتلني؟ قال: ولم اقتلك وأنت رسول! فقال: إني اتيتك من قبل قوم يزعمون انك قتلت عثمان وليسوا براضين دون أن يقتلوك به. فقال عليّ: يا أهل المدينة والله لتقاتلنّ أو ليأتينكم من يقاتلكم.
فبايع عليا أهل الامصار الا ما كان من معاوية وأهل الشام وخواص من الناس.
«وحدثنا» خلف بن سالم المخزومي، حدثنا وهب بن جرير، عن ابن جعدبة:
عن صالح بن كيسان قال: قتل عثمان وبويع علي وعائشة في الحج فأقامت بمكة؛ وخرج إليها طلحة والزبير، وقد ندما على الذي كان من شأنهما في أمر عثمان، وكتب علي إلى معاوية:
إن كان عثمان ابن عمك فأنا ابن عمك، وإن كان وصلك فإني اصلك وقد امّرتك على ما أنت عليه، فأعمل فيه بالذي لحقّ عليك.
فلما ورد الكتاب على معاوية دعا بطومار لا كتاب فيه ثم كتب:
«بسم الله الرحمن الرحيم» فقط، ثم طواه وختم عليه وكتب عنوانه:
من معاوية إليّ عليّ بن أبي طالب. وبعث به مع رجل من عبس يقال له: يزيد ابن الحرّ، فقدم به على علي فقال لعليّ: أجرني. قال: قد اجرتك إلا من دم. فدفع الكتاب إليه، فلما نظر فيه عرف ان معاوية مباعدله. ثم إن
стр. 906
يزيد بن الحرّ قال: يا معشر قريش الخيل الخيل، والذي نفسي بيده ليدخلنها عليكم أربعة آلاف فارس - أو قال: فرس
المدائني أبو الحسن عن اشياخ ذكرهم، وعلي بن مجاهد.
قالوا: لما بويع عليّ أتى الكوفة الخبر فبايع هشام بن عتبة لعلي وقال:
هذه يميني وشمالي لعلي وقال:
أبايع غير مكتتم عليا … ولا أخشى أميري الأشعريا
وقدم ببيعته على أهل الكوفة يزيد بن عاصم المحاربي فبايع أبو موسى لعلي فقال عمّار - حين بلغته بيعته له-: والله لينكثنّ عهده ولينقضنّ عقده وليفرنّ جهده وليسلمنّ جنده. فلما كان من طلحة والزبير ما كان قال أبو موسى: الإمرة ما أمر فيه، والملك ما غلب عليه. فلم يزل واليا على الكوفة حتى كتب إليه عليّ من «ذي قار» يأمره أن يستنفر الناس فثبّطهم وقال: هذه فتنة. فوجّه عليّ حينئذ عمار بن ياسر، مع الحسن بن عليّ إلى الكوفة لاستنفار الناس.
حدثني عمر بن محمد، ومحمد بن حاتم، وعبد الله بن صالح، قالوا:
حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن أبي صالح قال: قال علي: لو ظننت أن الأمر يبلغ ما بلغ ما دخلت فيه.
حدثني محمد بن سعد، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، قال:
قال ابن شهاب: حدثني حميد بن عبد الرحمن، أن عمر بن الخطاب كان يناجي رجلا من الأنصار؛ من بني حارثة فقال: من تحدثون أنه يستخلف من بعدي؟ فعدّ الأنصاري المهاجرين ولم يذكر عليا، فقال عمر:
стр. 907
فأين أنتم عن علي، فو الله إني لأرى أنّه إن ولي شيئا من أمركم سيحملكم على طريقة الحق.
حدثني روح بن عبد المؤمن، ومحمد بن سعد؛ قالا: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن عبد الجليل القيسي قال:
ذكر عمر من يستخلف بعده فقال رجل: يا أمير المؤمنين علي. فقال:
أيم الله لا يستخلفونه، ولئن استخلفتموه أقامكم على الحق وإن كرهتموه.
وحدثني أحمد بن هشام بن بهرام، والحسين بن علي بن الأسود قالا:
حدثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق:
عن حارثة قال: حججت مع عمر، فسمعت حادي عمر يحدو:
إن الأمير بعده ابن عفان.
وسمعت الحادي يحدو في إمارة عثمان:
إن الأمير بعده عليّ … وفي الزبير خلف رضيّ
حدثني محمد بن سعد، حدثنا أنس بن عياض، عن محمد بن أبي ليلى مولى الأسلميين، ومحمد بن عطية الثقفي:
إن عطية أخبره قال: لما كان الغد من يوم قتل عثمان أقبلت مع عليّ فدخلت المسجد، فوجدت جماعة من الناس قد اجتمعوا على طلحة، فخرج أبو جهم بن حذيفة العدوي فقال: يا عليّ إنّ الناس قد اجتمعوا على طلحة وأنت غافل. فقال: أيقتل ابن عمتي وأغلب على ملكه، ثم أتى بيت المال ففتحه فلما سمع النّاس بذلك تركوا طلحة وأقبلوا إليه.
حدثني محمد بن حاتم المروزي، وروح بن عبد المؤمن، قالا: حدثنا موسى بن إسماعيل، عن محمد بن راشد صاحب مكحول، عن عوف قال:
стр. 908
كنت عند الحسن فقال له أبو جوشن الغطفاني: ما أزرى بأبي موسى إلا إتباعه عليا. قال: فغضب الحسن ثم قال: ومن يتّبع؟ قتل عثمان مظلوما فعمدوا إلى أفضلهم فبايعوه، فجاء معاوية باغيا ظالما، فإذا لم يتّبع أبو موسى عليا فمن يتّبع؟.
حدثني إبراهيم بن محمد البيامي وبكر بن الهيثم، قالا: حدثنا عبد الرزاق بن همّام، حدثنا معمر:
عن الزهري قال: كان عليّ قد خلى بين طلحة وبين عثمان، فلمّا قتل عثمان برز عليّ للناس فدعاهم إلى البيعة فبايعوه، وذلك إنه خشي أن يبايع الناس طلحة، فلما دعاهم إلى البيعة لم يعدلوا به طلحة ولا غيره.
حدثنا محمد بن سعد، حدثنا صفوان بن عيسى الزهري عن عوف قال: لما قتل عثمان جعل الناس يبايعون عليا: قال: فجاء طلحة فقال له عليّ:
هات يدك أبايعك. فقال طلحة: أنت أحق بها منّي.
وحدثت عن عبد الله بن علي بن السائب، عن صهبان مولى الأسلميين قال: جاء علي والناس معه والصبيان يعدون ومعهم الجريد الرطب، فدخل حائطا في بني مبذول، وطرح الأشتر النخعي خميصته (١) عليه ثم قال: ما تنتظرون؟ يا علي أبسط يدك. فبسط يده فبايعه ثم قال: قوموا فبايعوا، قم يا طلحة قم يا زبير، فبايعا وبايع الناس.
حدثنا خلف بن هشام، حدثنا هشيم بن بشير، حدثنا حميد، عن الحسن قال: رأيت الزبير بايع عليا في حش من أحشاش المدينة.
стр. 909
المدائني عن جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار: أن طلحة والزبير بايعا عليا.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني أبو زكريا يحيى بن معين حدثنا عبد الله بن نمير عن العلاء بن صالح، عن عدي بن ثابت:
حدثني أبو راشد قال: انتهت بيعة عليا (١) إلى حذيفة وهو بالمدائن، فبايع بيمينه شماله ثم قال: لا أبايع بعده لأحد من قريش، ما بعده إلا أشعر أو أبتر.
قال أحمد بن إبراهيم: وروي عن حذيفة انه قال: من أراد أن يلقى أمير المؤمنين حقا فليأت عليا.
حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن أبي أيوب، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب:
ان الحسن بن عليّ قال لعليّ: يا أمير المؤمنين إني لا أستطيع أن أكلمك وبكى، فقال عليّ: تكلم ولا تحن حنين المرأة. فقال: إن الناس حصروا عثمان فأمرتك أن تعتزلهم وتلحق بمكة حتى تؤوب إلى العرب عوازب أحلامها فأبيت، ثم قتله الناس فأمرتك أن تعتزل الناس فلو كنت في جحر ضبّ لضربت إليك العرب أباط الإبل حتى يستخرجوك؛ فغلبتني، وأنا آمرك اليوم أن لا تقدم العراق؛ فإني أخاف عليك أن تقتل بمضيعة، فقال عليّ: أما قولك تأتي مكة فو الله ما كنت لأكون الرجل الذي تستحل به مكة، وأما قولك حصر الناس عثمان فماذنبي إن كان بين الناس وبين عثمان ما كان وأما قولك اعتزل الناس ولا تقدم العراق فو الله لا أكون مثل الضبع أنتظر اللدم (٢).
стр. 910
حدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن أبي مخنف قال: حدثني أبو يوسف الانصاري: أنه سمع أهل المدينة يتحدثون ان الناس لما بايعوا عليا ﵇ بالمدينة بلغ عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن الناس بايعوا لطلحة؛ فقالت: إيه ذا الإصبع لله أنت، لقد وجدوك لها محشا (١)، وأقبلت جذلة مسرورة حتى إذا انتهت إلى سرف (٢) استقبلها عبيد بن مسلمة الليثي الذي يدعى ابن أم كلاب فسألته عن الخبر، قال: قتل الناس عثمان. قالت:
نعم ثم صنعوا ماذا؟ قال: خيرا، حارت بهم الأمور إلى خير محار بايعوا ابن عم نبيهم عليا. فقالت: أو فعلوها؟ وددت أن هذه أطبقت على هذه إن تمت الأمور لصاحبك الذي ذكرت، فقال لها: ولم؟ والله ما أرى اليوم في الأرض مثله فلم تكرهين سلطانه؟ فلم ترجع إليه جوابا وانصرفت إلى مكة فأتت الحجر فاستترت فيه وجعلت تقول: إنا عتبنا على عثمان في أمور سميناها له ووقفناه عليها فتاب منها واستغفر ربّه فقبل المسلمون منه ولم يجدوا من ذلك بدّا، فوثب عليه من إصبع من أصابع عثمان خير منه فقتله، فقتل - والله - وقد ماصّوه كما يماص الثوب الرحيض (٣) وصفّوه كما يصفى القلب.
حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، وخلف بن سالم، قالا: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، عن يونس بن يزيد الايلي:
عن الزهري قال سأل طلحة والزبير عليا أن يوليهما البصرة والكوفة فقال: تكونان عندي فأتجمّل بكما فإني أستوحش لفراقكما.
стр. 911
قال الزهري: وقد بلغنا أن عليا قال لهما: إن أحببتما أن تبايعاني فافعلا، وإن أحببتما بايعت أيكما شئتما؟ فقالا: بل نبايعك. ثم قالا بعد: إنما صنعنا ذلك خشية على أنفسنا، وقد عرفنا أنه لم يكن ليبايعنا. ثم طمرا (١) إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر.
حدثني الحسن بن علي، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين قال:
دعا عبد الله بن عامر بن كريز: طلحة والزبير إلى البصرة، وأشار عليهما بها وقال: لي بها صنائع، وكان واليها من قبل عثمان بعد أبي موسى الأشعري فقال أبو موسى الأشعري: يا أهل البصرة قد أتاكم فتى من قريش كريم الأمهات والعمات والخالات، يقول بالمال فيكم كذا وكذا.
стр. 912
وقعة الجمل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خبر الجمل:
حدثني أحمد بن إبراهيم، وخلف بن سالم، قالا: حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن يونس بن يزيد الايلي:
عن الزهري قال: صار طلحة والزبير إلى مكة وابن عامر بها بحرّ الدنيا قد قدم من البصرة، وبها يعلى بن منية - وهي أمّه وأبوه أميّة تميمي - ومعه مال كثير قدم به من اليمن، وزيادة على أربعمائة بعير، فاجتمعوا عند عائشة فأداروا الرأي فقالوا: نسير إلى المدينة فنقاتل عليا. فقال بعضهم: ليست لكم بأهل المدينة طاقة، قالوا: فنسير إلى الشام فيه الرجال والأموال وأهل الشام شيعة لعثمان؛ فنطلب بدمه ونجد على ذلك أعوانا وأنصارا ومشايعين. فقال قائل منهم: هناك معاوية وهو والي الشام والمطاع به، ولن تنالوا ما تريدون، وهو أولى منكم بما تحاولون لأنه ابن عم الرجل. فقال بعضهم: نسير إلى العراق، فلطلحة بالكوفة شيعة، وللزبير بالبصرة من يهواه ويميل إليه،
стр. 913
فاجتمعوا على المسير إلى البصرة، وأشار عبد الله بن عامر عليهم بذلك وأعطاهم مالا كثيرا قوّاهم به، وأعطاهم يعلى بن منية التميمي مالا كثيرا وإبلا، فخرجوا في تسعمائة (١) رجل من أهل المدينة، ومكة، ولحقهم الناس حتى كانوا ثلاثة آلاف رجل. فبلغ عليا مسيرهم، ويقال: إن أم الفضل بنت الحارث بن حزن كتبت به إلى عليّ، فأمّر عليّ سهل بن حنيف الأنصاري (٢) وشخص حتى نزل ذاقار.
حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي مخنف:
أن طلحة والزبير استأذنا عليا في العمرة، فقال: لعلكما تريدان الشام أو العراق؟ فقالا: اللهم غفرا إنما نوينا العمرة. فأذن لهما فخرجا مسرعين وجعلا يقولان: لا والله ما لعليّ في أعناقنا بيعة، وما بايعناه إلا مكرهين تحت السيف. فبلغ ذلك عليا فقال: أخذهما (٣) الله إلى أقصى دار وأحرّ نار.
وولىّ علي عثمان بن حنيف الأنصاري البصرة، فوجد بها خليفة عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن عبد شمس، وهو ابن عامر الحضرمي حليف بني عبد شمس، فحبسه وضبط البصرة.
وحدثني خلف بن سالم، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا ابن جعدبه، عن صالح بن كيسان قال:
قدم طلحة والزبير على عائشة فأجمعوا على الخروج إلى البصرة للطلب
стр. 914
بدم عثمان، وكان يعلى بن منية قد قدم من اليمن فحملهم على أربعمائة بعير، فيها «عسكر» جمل عائشة الذي ركبته.
وحدثني روح بن عبد المؤمن، عن وهب بن جرير، عن ابن جعدبة، عن صالح بن كيسان.
وحدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن أبي مخنف في اسناده - فسقت حديثهما ورددت من بعضه على بعض-:
قالوا: قدم طلحة والزبير على عائشة فدعواها إلى الخروج، فقالت:
أتأمراني أن أقاتل؟ فقالا: لا ولكن تعلمين الناس أن عثمان قتل مظلوما، وتدعيهم إلى أن يجعلوا الأمر شورى بين المسلمين، فيكونوا على الحالة التي تركهم عليها عمر بن الخطاب وتصلحين بينهم.
وكان بمكة سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، ومروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، وعبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية، والمغيرة بن شعبة الثقفي قد شخصوا من المدينة، فأجمعوا على فراق علي والطلب بدم عثمان والمغيرة يحرض الناس ويدعوهم إلى الطلب بدمه، ثم صار إلى الطائف معتزلا للفريقين جميعا.
فجعلت عائشة تقول: إن عثمان قتل مظلوما وأنا أدعوكم إلى الطلب بدمه وإعادة الأمر شورى.
وكانت أم سلمة بنت أبي أمية بمكة، فكانت تقول: أيها الناس آمركم بتقوى الله، وأن كنتم تابعتم عليا فارضوا به فو الله ما أعرف في زمانكم خيرا منه.
стр. 915
وسار طلحة والزبير وعائشة فيمن اجتمع إليهم من الناس فخرجوا في ثلاثة آلاف، منهم من أهل المدينة ومكة تسعمائة.
وسمعت عائشة في طريقها نباح كلاب فقالت: ما يقال لهذا الماء الذي نحن به؟ قالوا: الحوأب. فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون ردّوني ردّوني فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول وعنده نساؤه: «أيتّكن ينبحها كلاب الحوأب» (١) وعزمت على الرجوع فأتاها عبد الله بن الزبير فقال:
كذب من زعم أن هذا الماء الحوأب، وجاء بخمسين من بني عامر فشهدوا وحلفوا على صدق عبد الله.
وكان مروان بن الحكم مؤذنّهم فقال: من أدعو للصلاة؟ فقال عبد الله بن الزبير: ادع أبا عبد الله. وقال محمد بن طلحة: ادع أبا محمد.
فقالت عائشة: ما لنا ولك يا مروان أتريد أن تغري بين القوم وتحمل بعضهم على بعض؟ ليصلّ أكبرهما فصلّى الزبير.
ولمّا قربت عائشة ومن معها من البصرة بعث إليهم عثمان بن حنيف عمران بن الحصين الخزاعي أبا نجيد، وأبا الأسود الديلي فلقياهم بحفر أبي موسى، فقالا لهم: فيما قدمتم؟ فقالوا: نطلب بدم عثمان وأن نجعل الأمر شورى فإنا غضبنا لكم من سوطه وعصاه أفلا نغضب له من السيف؟!
وقالا لعائشة: أمرك الله أن تقرّي في بيتك فإنك حبيس رسول الله ﷺ وحليلته وحرمته. فقالت لأبي الأسود: قد بلغني عنك يا أبا الأسود ما تقول في. فانصرف عمران وأبو الأسود الى ابن حنيف وجعل أبو الأسود يقول: