Полный текст (11 044 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.
стр. 10011
كَانَتْ تَصْدُرُ مِنْهُمْ بِالنَّيْلِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ اللَّهُ يُطْلِعُهُ عَلَى أَقْوَالِهِمْ فَيُخْبِرُهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِأَنَّكُمْ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَسرُّوا قَوْلكُم كَيْلا يَسْمَعَهُ رَبُّ مُحَمَّدٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ كَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَصِيغَةُ الْأَمْرِ فِي وَأَسِرُّوا واجْهَرُوا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي التَّسْوِيَةِ كَقَوْلِه تَعَالَى:
فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا [الطّور: ١٦] ، وَهَذَا غَالِبُ أَحْوَالِ صِيغَةِ افْعَلْ إِذَا جَاءَتْ مَعَهَا أَوِ عَاطِفَةُ نَقِيضِ أَحَدِ الْفِعْلَيْنِ على نقيضه.
فَقَوله: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ تَعْلِيلٌ لِلتَّسْوِيَةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ وَسَبَبِ النُّزُولِ، أَيْ فَسَوَاءٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ الْإِسْرَارُ وَالْإِجْهَارُ لِأَنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِمَا يَخْتَلِجُ فِي صُدُورِ النَّاسِ بَلْهَ مَا يُسِرُّونَ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَلِذَلِكَ جِيءَ بِوَصْفِ عَلِيمٍ إِذِ الْعَلِيمُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمُبَالَغَةِ وَهُوَ الْقَوِيُّ عِلْمُهُ.
وَضَمِيرُ إِنَّهُ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْمَعْلُومُ مِنَ الْمَقَامِ، وَلَا مَعَادَ فِي الْكَلَامِ يَعُودُ إِلَيْهِ الضَّمِيرُ، لِأَنَّ الْاسْمَ الَّذِي فِي جُمْلَةِ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ [الْملك: ١٢] لَا يَكُونُ مَعَادًا لِكَلَامٍ آخَرَ.
وَ (ذَاتِ الصُّدُورِ) مَا يَتَرَدَّدُ فِي النَّفْسِ مِنَ الْخَوَاطِرِ وَالتَّقَادِيرِ وَالنَّوَايَا عَلَى الْأَعْمَالِ.
وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ (ذَاتِ) الَّتِي هِيَ مُؤَنَّثُ (ذُو) بِمَعْنَى صَاحِبٍ، والصُّدُورِ بِمَعْنَى الْعُقُولِ وَشَأْنُ (ذُو) أَنْ يُضَافَ إِلَى مَا فِيهِ رِفْعَةٌ.
وَجُمْلَةُ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ اسْتِئْنَاف بياني ناشىء عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ بِأَنْ يَسْأَلَ سَائِلٌ مِنْهُمْ: كَيْفَ يَعْلَمُ ذَاتَ الصُّدُورِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ مَا فِي نَفْسِ الْمَرْءِ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُ نَفْسِهِ؟ فَأُجِيبُواْ بِإِنْكَارِ انْتِفَاءِ عِلْمِهِ تَعَالَى بِمَا فِي الصُّدُورِ فَإِنَّهُ خَالِقُ أَصْحَابِ تِلْكَ الصُّدُورِ، فَكَمَا خَلَقَهُمْ وَخَلَقَ نُفُوسَهُمْ جَعَلَ اتِّصَالًا لِتَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِمَا يَخْتَلِجُ فِيهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ عِلْمِ أَصْحَابِ الصُّدُورِ بِمَا يَدُورُ فِي خَلَدِهَا، فَالْإِتْيَانُ بِ مَنْ الْمَوْصُولَةِ لِإِفَادَةِ التَّعْلِيلِ بِالصِّلَةِ.
فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ خَلَقَ مَفْعُولَ يَعْلَمُ فَيَكُونُ يَعْلَمُ وخَلَقَ رَافِعَيْنِ
ضَمِيرَيْنِ عَائِدَيْنِ إِلَى مَا عَادَ إِلَيْهِ ضَمِيرُ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، فَيَكُونُ مَنْ الْمَوْصُولَةُ صَادِقَةً عَلَى الْمَخْلُوقِينَ وَحُذِفَ الْعَائِدُ مِنَ الصِّلَةِ لِأَنَّهُ ضَمِيرُ نَصْبٍ يَكْثُرُ حَذْفُهُ.
وَالتَّقْدِيرُ: مَنْ خَلَقَهُمْ.
стр. 10012
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ خَلَقَ فَاعِلَ يَعْلَمُ وَالْمُرَادُ اللَّهُ تَعَالَى، وَحُذِفَ مَفْعُولُ يَعْلَمُ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ. وَالتَّقْدِيرُ: ألَا يَعْلَمُ خَالِقُكُمْ سِرَّكَمْ وَجَهْرَكُمْ وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِلَطِيفٍ خَبِيرٍ.
وَالْعِلْمُ يَتَعَلَّقُ بِذَوَاتِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ لِأَنَّ الْخَلْقَ إِيجَادٌ وَإِيجَادُ الذَّوَاتِ عَلَى نِظَامٍ مَخْصُوصٍ دَالٌّ عَلَى إِرَادَةِ مَا أُودِعَ فِيهِ مِنَ النِّظَامِ وَمَا يَنْشَأُ عَنْ قُوَى ذَلِكَ النِّظَامِ، فَالْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى عُمُومِ عَلْمِهِ تَعَالَى وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ لِلْانْفِكَاكِ الظَّاهِرِ بَيْنَ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ وَتَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ.
وَجُمْلَةُ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الْأَحْسَنُ أَنْ تُجْعَلَ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ لِتُفِيدَ تَعْلِيمًا لِلنَّاسِ بِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ مُحِيطٌ بِذَوَاتِ الْكَائِنَاتِ وَأَحْوَالِهَا فَبَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ ظَنَّهُمُ انْتِفَاءً عَلَى اللَّهِ بِمَا يُسِرُّونَ، أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَمَا هُوَ أَخْفَى مِنَ الْإِسْرَارِ مِنَ الْأَحْوَالِ.
واللَّطِيفُ: الْعَالم خبايا الْأُمُورِ وَالْمُدَبِّرُ لَهَا بِرِفْقٍ وَحِكْمَةٍ.
والْخَبِيرُ: الْعَلِيمُ الَّذِي لَا تَعْزُبُ عَنْهُ الْحَوَادِثُ الْخَفِيَّةُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يُخْبِرَ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا بِحُدُوثِهَا فَلِذَلِكَ اشْتُقَّ هَذَا الْوَصْفُ مِنْ مَادَّةِ الْخَبَرِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
فِي الْأَنْعَامِ [١٠٣] وَعِنْدَ قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ فِي سُورَة لُقْمَان [١٦] .
[١٥]
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ١٥]
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)
اسْتِئْنَافٌ فِيهِ عَوْدٌ إِلَى الْاسْتِدْلَالِ، وَإِدْمَاجٌ لِلْامْتِنَانِ، فَإِنَّ خَلْقَ الْأَرْضِ الَّتِي تَحْوِي النَّاسَ عَلَى وَجْهِهَا أَدَلُّ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلِمِهِ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ إِذْ مَا الْإِنْسَانُ إِلَّا جُزْءٌ مِنَ الْأَرْضِ أَوْ كَجُزْءٍ مِنْهَا قَالَ تَعَالَى: مِنْها خَلَقْناكُمْ [طه: ٥٥] ، فَلَمَّا ضَرَبَ لَهُمْ بِخَلْقِ أَنْفُسِهِمْ دَلِيلًا عَلَى عِلْمِهِ الدَّالِّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ شَفَعَهُ بِدَلِيلِ خَلْقِ الْأَرْضِ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا، مَعَ
الْمِنَّةِ بِأَنَّهُ خَلَقَهَا هَيِّنَةً لَهُمْ صَالِحَةً لِلسَّيْرِ فِيهَا مُخْرِجَةً لِأَرْزَاقِهِمْ، وَذَيَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ النُّشُورَ مِنْهَا وَأَنَّ النُّشُورَ إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيْرِهِ.
وَالذَّلُولُ مِنَ الدَّوَابِّ الْمُنْقَادَةُ الْمُطَاوِعَةُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الذُّلِّ وَهُوَ الْهَوَانُ وَالْانْقِيَادُ،
стр. 10013
فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّها بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ الْآيَةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٧١] ، فَاسْتُعِيرَ الذَّلُولُ لِلْأَرْضِ فِي تَذْلِيلِ الْانْتِفَاعِ بِهَا مَعَ صلابة خلقتها تَشْبِيهًا بِالدَّابَّةِ الْمَسُوسَةِ الْمُرْتَاضَةِ بَعْدَ الصُّعُوبَةِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُصَرَّحَةِ.
وَالْمَنَاكِبُ: تَخْيِيلٌ لِلْاسْتِعَارَةِ لِزِيَادَةِ بَيَانِ تَسْخِيرِ الْأَرْضِ لِلنَّاسِ فَإِنَّ الْمَنْكَبَ هُوَ مُلْتَقَى الْكَتِفِ مَعَ الْعَضُدِ، جَعَلَ الْمَنَاكِبَ اسْتِعَارَةً لِأَطْرَافِ الْأَرْضِ أَوْ لِسَعَتِهَا.
وَفُرِّعَ عَلَى هَذِهِ الْاسْتِعَارَةِ الْأَمْرُ فِي فَامْشُوا فِي مَناكِبِها فَصِيغَةُ الْأَمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعْنَى الْإِدَامَةِ تَذْكِيرًا بِمَا سَخَّرَ اللَّهُ لَهُم من الْمَشْيِ فِي الْأَرْضِ امْتِنَانًا بِذَلِكَ.
وَمُنَاسَبَةُ وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ أَنَّ الرِّزْقَ مِنَ الْأَرْضِ. وَالْأَمْرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِدَامَةِ أَيْضًا لِلْامْتِنَانِ، وَبِذَلِكَ تَمَّتِ اسْتِعَارَةُ الذَّلُولَ لِلْأَرْضِ لِأَنَّ فَائِدَةَ تَذْلِيلِ الذَّلُولِ رُكُوبُهَا وَالْأَكْلُ مِنْهَا. فَالْمَشْيُ عَلَى الْأَرْضِ شَبِيهٌ بِرُكُوبِ الذَّلُولِ، وَالْأَكْلُ مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ شَبِيهٌ بِأَكْلِ الْأَلْبَانِ وَالسَّمْنِ وَأَكْلِ الْعُجُولِ وَالْخِرْفَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَجَمْعُ الْمَنَاكِبِ تَجْرِيدٌ لِلْاسْتِعَارَةِ لِأَنَّ الذَّلُولَ لَهَا مِنْكِبَانِ وَالْأَرْضُ ذَاتُ مُتَّسَعَاتٍ كَثِيرَةٍ.
وَكُلُّ هَذَا تَذْكِيرٌ بِشَوَاهِدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِنْعَامِ لِيَتَدَبَّرُوا فَيَتْرُكُوا الْعِنَادَ، قَالَ تَعَالَى: كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [النَّحْل: ٨١] .
وَأَمَّا عَطْفُ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ فَهُوَ تَتْمِيمٌ وَزِيَادَة عبر أسطر لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ الْأَرْضِ فَإِنَّهَا مَثْوَى النَّاسِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَالْمَعْنَى: إِلَيْهِ النُّشُورُ مِنْهَا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفًا، أَيْ وَفِيهَا تَعُودُونَ.
وَتَعْرِيفُ النُّشُورُ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ فَيَعُمُّ أَيْ كُلُّ نُشُورٍ، وَمِنْهُ نُشُورُ الْمُخَاطَبِينَ فَكَانَ قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ النُّشُورُ بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ.
وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ تَعْرِيفِ جُزْأَيْ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَصْرُ قَلْبٍ بِتَنْزِيلِ الْمُخَاطَبِينَ مَنْزِلَةِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَصْنَامَ خَلَقَتِ الْأَرْضَ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُمْ إِلَهِيَّتِهَا يَقْتَضِي إِلْزَامَهُمْ بِهَذَا الظَّنِّ الْفَاسِدِ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوهُ.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ فِي جُمْلَةِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ لِلْاهْتِمَامِ.
وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ النُّشُورِ هُوَ ذِكْرُ خَلْقِ الْأَرْضِ فَإِنَّ الْبَعْثَ يَكُونُ من الأَرْض.
стр. 10014
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ١٦]
أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦)
انْتِقَالٌ مِنَ الْاسْتِدْلَالِ إِلَى التَّخْوِيفِ لِأَنَّهُ لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ خَالِقُ الْأَرْضِ وَمُذَلِّلُهَا لِلنَّاسِ وَتَقَرَّرَ أَنَّهُمْ مَا رَعَوْا خَالِقَهَا حَقَّ رِعَايَتِهِ فَقَدِ اسْتَحَقُّوا غَضَبَهُ وَتَسْلِيطَ عِقَابِهِ بِأَنْ يُصَيِّرَ مَشْيِهِمْ فِي مَنَاكِبِ الْأَرْضِ إِلَى تَجَلْجُلٍ فِي طَبَقَاتِ الْأَرْضِ. فَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ وَالْاسْتِفْهَامُ إِنْكَارٌ وَتَوْبِيخٌ وَتَحْذِيرٌ.
ومَنْ اسْمٌ مَوْصُولٌ وَصِلَتُهُ صَادِقٌ عَلَى مَوْجُودٍ ذِي إِدْرَاكٍ كَائِنٍ فِي السَّمَاءِ. وَظَاهِرُ وُقُوعِ هَذَا الْمَوْصُولِ عَقِبَ جُمَلِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا إِلَى قَوْلِهِ: وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الْملك: ١٥] أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَوْصُولِ مِنْ قَبِيلِ الْإِظْهَارِ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ، وَأَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ أَأَمِنْتُمُوهُ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَيَتَأَتَّى أَنَّ الْإِتْيَانَ بالموصول لما تَأذن بِهِ الصِّلَةُ مِنْ عَظِيمِ تَصَرُّفِهِ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ الْقُوَى وَالْعَنَاصِرَ وَعَجَائِبَ الْكَائِنَاتِ فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: مَنْ فِي السَّماءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي يُعْطِي ظَاهِرُهُ مَعْنَى الْحُلُولِ فِي مَكَانٍ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ، وَيَجِيءُ فِيهِ مَا فِي أَمْثَالِهِ مِنْ طَرِيقَتَيِ التَّفْوِيضِ لِلسَّلَفِ وَالتَّأْوِيلِ لِلْخَلَفِ ﵏ أَجْمَعِينَ.
وَقَدْ أَوَّلُوهُ بِمَعْنَى: مَنْ فِي السَّمَاءِ عَذَابُهُ أَوْ قُدْرَتُهُ أَوْ سُلْطَانُهُ عَلَى نَحْوِ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجاءَ رَبُّكَ [الْفجْر: ٢٢] وَأَمْثَالِهِ، وَخُصَّ ذَلِكَ بِالسَّمَاءِ لِأَنَّ إِثْبَاتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى يَنْفِيهِ عَنْ أَصْنَامِهِمْ.
وَلَكِنَّ هَذَا الْمَوْصُولَ غَيْرُ مَكِينٍ فِي بَابِ الْمُتَشَابِهِ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ بِمَا يَحْتَمِلُهُ مَنْ أَن يكون مَا صدقه مَخْلُوقَاتٍ ذَاتَ إِدْرَاكٍ مَقَرُّهَا السَّمَاءُ وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ فَيَصِحُّ أَنْ تَصْدُقَ مَنْ عَلَى طَوَائِفَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالْأَمْرِ التَّكْوِينِيِّ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ قَالَ تَعَالَى: يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ [الطَّلَاق: ١٢] ، وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِاسْمِ الْمَوْصُولِ مَلَكٌ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ وَظِيفَتُهُ فِعْلُ هَذَا الْخَسْفِ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالْعَذَابِ.
وَإِسْنَادُ فِعْلِ يَخْسِفَ إِلَى «الْمَلَائِكَةِ» أَوْ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقِيقَةٌ لِأَنَّهُ
стр. 10015
فَاعِلُ الْخَسْفِ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْمَلَائِكَةِ قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ ... إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ ... إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ [العنكبوت: ٣١- ٣٤] .
وَإِفْرَادُ ضَمِيرِ يَخْسِفَ مُرَاعَاةٌ لِلَفْظِ مَنْ إِذَا أُرِيدَ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ مُرَاعَاةٌ لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى إِذا كَانَ مَا صدق مَنْ مَلَكًا وَاحِدًا.
وَالْمَعْنَى: تَوْبِيخُهُمْ عَلَى سُوءِ مُعَامَلَتِهِمْ رَبَّهُمْ كَأَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ مَلَائِكَتَهُ بِأَنْ يَخْسِفُوا الْأَرْضَ بِالْمُشْرِكِينَ.
وَالْخَسْفُ: انْقِلَابُ ظَاهِرِ السَّطْحِ مِنْ بَعْضِ الْأَرْضِ بَاطِنًا وَبَاطِنُهُ ظَاهِرًا وَهُوَ شِدَّةُ الزِّلْزَالِ.
وَفِعْلُ خَسَفَ يُسْتَعْمَلُ قَاصِرًا وَمُتَعَدِّيًا وَهُوَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ سُورَةِ النَّحْلِ [٤٥] .
وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِكُمُ لِلْمُصَاحَبَةِ، أَيْ يَخْسِفُ الْأَرْضَ مُصَاحِبَةً لِذَوَاتِكُمْ. وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مُحَسِّنُ الطِّبَاقِ.
وَالْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِنْ أَنْ يَخْسِفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلَ اشْتِمَالٍ مِنِ اسْمِ الْمَوْصُولِ لِأَنَّ الْخَسْفَ مِنْ شَأْنِ مَنْ فِي السَّمَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَهُوَ مُطَّرِدٌ مَعَ أَنْ، وَالْخَافِضُ الْمَحْذُوفُ حَرْفُ (مِنْ) .
وَفُرِّعَ عَلَى الْخَسْفِ الْمُتَوَقَّعِ الْمُهَدَّدِ بِهِ أَنْ تَمُورَ الْأَرْضُ تَفْرِيعَ الْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ لِأَنَّ الْخَسْفَ يُحْدِثُ الْمَوْرَ، فَإِذَا خُسِفَتِ الْأَرْضُ فَاجَأَهَا الْمَوْرُ لَا مَحَالَةَ، لَكِنَّ نَظْمَ الْكَلَامِ جَرَى عَلَى مَا يُنَاسِبُ جَعْلَ التَّهْدِيدِ بِمَنْزِلَةِ حَادِثٍ وَقَعَ فَلِذَلِكَ جِيءَ بَعْدَهُ بِالْحَرْفِ الدَّالِّ عَلَى الْمُفَاجَأَةِ لِأَنَّ حَقَّ الْمُفَاجَأَةِ أَنْ تَكُونَ حَاصِلَةً زَمَنَ الْحَالِ لَا الْاسْتِقْبَالِ كَمَا فِي «مُغْنِيِ اللَّبِيبِ» فَإِذَا أُرِيدَ تَحْقِيقُ حُصُولِ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ فِي الْحَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [الرّوم: ٢٥] ، وَإِذَا أُرِيدَ اسْتِحْضَارُ حَالَةَ فِعْلٍ حَصَلَ فِيمَا مَضَى نُزِّلَ كَذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْمُشَاهَدِ فِي الْحَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا [يُونُس: ٢١] ، فَكَانَ قَوْلُهُ: فَإِذا هِيَ تَمُورُ مُؤْذِنًا بِتَشْبِيهِ حَالَةِ الْخَسْفِ الْمُتَوَقَّعِ الْمُهَدَّدِ بِهِ بِحَالَةِ خَسْفٍ حَصَلَ بِجَامِعِ التَّحَقُّقِ كَمَا قَالُوا فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ
стр. 10016
الْمَاضِي، وَحُذِفَ الْمُرَكَّبُ الدَّالُّ عَلَى الْحَالَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا وَرُمِزَ إِلَيْهِ بِمَا هُوَ مِنْ آثَارِهِ وَيَتَفَرَّعُ عَنْهُ فَكَانَ فِي الْكَلَامِ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ.
وَالْمَوْرُ: الْارْتِجَاجُ وَالْاضْطِرَابُ وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً فِي سُورَة الطّور [٩] .
[١٧]
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ١٧]
أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)
أَمْ لْإِضْرَابِ الْانْتِقَالِ مِنْ غَرَضٍ إِلَى غَرَضٍ، وَهُوَ انْتِقَالٌ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ التَّعْجِيبِيِّ إِلَى آخَرَ مِثْلِهِ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْأَثَرَيْنِ الصَّادِرَيْنِ عَنْ مَفْعُولِ الْفِعْلِ الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ اخْتِلَافًا يُوجِبُ تَفَاوُتًا بَيْنَ كُنْهَيِ الْفِعْلَيْنِ وَإِنْ كَانَا مُتَّحِدَيْنِ فِي الْغَايَةِ، فَالْاسْتِفْهَامُ الْأَوَّلُ إِنْكَارٌ عَلَى أَمْنِهِمُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا أَرْضِيًّا.
والاستفهام الْوَاقِع مَعَ أَمْ إِنْكَارٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْمَنُواْ مِنْ أَنْ يُرْسَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ حَاصِبٌ وَذَلِكَ أَمْكَنُ لِمَنْ فِي السَّمَاءِ وَأَشَدُّ وَقْعًا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. وَالْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ:
مَنْ فِي السَّماءِ تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا مَا يُغْنِي عَنْهُ.
وَتَفْرِيعُ جُمْلَةِ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ عَلَى الْاسْتِفْهَامِ الإنكاري كتفريع مِلَّة فَإِذا هِيَ تَمُورُ [الْملك: ١٦] أَيْ فَحِينَ يُخْسَفُ بِكُمْ أَوْ يُرْسَلُ عَلَيْهِمْ حَاصِبٌ تَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِي، وَحَرْفُ التَّنْفِيسِ حَقُّهُ الدُّخُولُ عَلَى الْأَخْبَارِ الَّتِي سَتَقَعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِرْسَالُ الْحَاصِبِ غَيْرُ مُخْبَرٍ بِحُصُولِهِ وَإِلَّا لَمَا تَخَلَّفَ لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ لَا يَتَخَلَّفُ. وَإِنَّمَا هُوَ تَهْدِيدٌ وَتَحْذِيرٌ فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا آمَنُواْ وَأَقْلَعُواْ فَسَلِمُواْ مِنْ إِرْسَالِ الْحَاصِبِ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ لَمَّا أُرِيدَ تَحْقِيقُ هَذَا التَّهْدِيدِ شُبِّهَ بِالْأَمْرِ الَّذِي وَقَعَ فَكَانَ تَفْرِيعُ صِيغَةِ الْإِخْبَارِ عَلَى هَذَا مُؤْذِنًا بِتَشْبِيهِ الْمُهَدَّدِ بِهِ بِالْأَمْرِ الْوَاقِعِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ الْمَكْنِيَّةِ، وَجُمْلَةُ فَسَتَعْلَمُونَ قَرِينَتُهَا لِأَنَّهَا مِنْ رَوَادِفَ الْمُشَبَّهِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وكَيْفَ نَذِيرِ، اسْتِفْهَامٌ مُعَلِّقٌ فِعْلَ (تَعْلَمُونَ) عَنِ الْعَمَلِ، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ لِلتَّهْدِيدِ وَالتَّهْوِيلِ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.
стр. 10017
وَحُذِفَتْ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ نَذِيرِي تَخْفِيفًا وَلِلرَّعْيِ عَلَى الْفَاصِلَةِ.
وَالنَّذِيرُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْإِنْذَارِ مِثْلُ النَّكِيرِ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ.
وَقَدَّمَ التَّهْدِيدَ بِالْخَسْفِ عَلَى التَّهْدِيدِ بِالْحَاصِبِ لِأَنَّ الْخَسْفَ مِنْ أَحْوَالِ الْأَرْضِ، وَالْكَلَامُ عَلَى أَحْوَالِهَا أَقْرَبُ هُنَا فَسَلَكَ شِبْهِ طَرِيقِ النَّشْرِ الْمَعْكُوسِ، وَلِأَنَّ إِرْسَالَ الْحَاصِبِ عَلَيْهِمْ جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي مِنْهَا رِزْقُهُمْ فِي الْأَرْضِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الْملك: ١٥] فَإِنَّ مَنْشَأَ الْأَرْزَاقِ الْأَرْضِيَّةِ مِنْ غُيُوثِ السَّمَاءِ قَالَ تَعَالَى وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ [الذاريات: ٢٢] .
[١٨]
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ١٨]
وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨)
بَعْدَ أَنْ وَجَّهَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ الْخِطَابَ تَذْكِيرًا وَاسْتِدْلَالًا وَامْتِنَانًا وَتَهْدِيدًا وَتَهْوِيلًا ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ [الْملك: ١٣] الْتَفَتَ عَنْ خِطَابِهِمْ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ بِحَالَةِ الْغَيْبَةِ، تَعْرِيضًا بِالْغَضَبِ عَلَيْهِمْ بِمَا أَتَوْهُ مِنْ كُلِّ تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ ، فَكَانُوا جَدِيرِينَ بِإِبْعَادِهِمْ عِزَّ الْحُضُورِ لِلْخِطَابِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) وَلَمْ يَقْطَعْ تَوْجِيهِ التَّذْكِيرِ إِلَيْهِمْ وَالْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَدَبَّرُونَ فِي أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَّخِرْهُمْ نُصْحًا.
فَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً [الْملك:
١٧] لِمُنَاسَبَةٍ أَنَّ مِمَّا عُوقِبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبِينَ مِنْ خَسْفٍ أَوْ إِرْسَالِ حِجَارَةٍ مِنَ السَّمَاءِ وَهُمْ قَوْمُ لُوطٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ خُسِفَ بِهِمْ مِثْلُ أَصْحَابِ الرَّسِّ.
وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْوَاوَ لِلْحَالِ، أَيْ كَيْفَ تأمنون ذَلِك عِنْد مَا تُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ فِي حَالِ أَنَّهُ قَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فَهَلْ عَلِمْتُمْ مَا أَصَابَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلِ.
ضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ مَثَلًا بِأُمَمٍ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ فَأَصَابَهُمْ مِنَ الْاسْتِئْصَالِ مَا قَدْ عَلِمُوا أَخْبَارَهُ لَعَلَّهُمْ أَنْ يَتَّعِظُوا بِقِيَاسِ التَّمْثِيلِ إِنْ كَانَتْ عُقُولُهُمْ لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ الْانْتِفَاعِ بِأَقْيِسَةِ الْاسْتِنْتَاجِ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ عَرِفُوا آثَارَ عَادٍ وَثَمُودَ وَتَنَاقَلُوا أَخْبَارَ قَوْمِ نُوحٍ وَقَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ الرَّسِّ وَفُرِّعَ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ اسْتِفْهَامًا تَقْرِيرِيًّا وَتَنْكِيرِيًّا وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ وَأَنَّهُ وَقَعَ فِي حَالِ فَظَاعَةٍ.
стр. 10018
وَقَدْ أُكِّدَ الْخَبَرُ بِالْلَّامِ وَ (قَدْ) لِتَنْزِيلِ الْمُعَرَّضِ بِهِمْ مَنْزِلَةِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ عَاقَبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ لِغَيْرِ جُرْمٍ أَوْ لِجُرْمٍ غَيْرَ التَّكْذِيبِ. فَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْمُؤَكَّدِ، فَالْمَعْنَى: لَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَقَدْ كَانَ نَكِيرِي عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ.
ونَكِيرِ أَصْلُهُ نَكِيرِي بِالْإِضَافَةِ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَحْذُوفَةِ تَخْفِيفًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ:
فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الْملك: ١٧] ، وَالْمَعْنَى: كَيْفَ رَأَيْتُمْ أَثَرَ نَكِيرِي عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ نَكِيرِي عَلَيْكُمْ صَائِرٌ بِكُمْ إِلَى مِثْلِ مَا صَارَ بِهِمْ نَكِيرِي عَلَيْهِمْ.
وَالْمُرَادُ بِالنَّكِيرِ الْمُنْظَرُ بِنَكِيرِ اللَّهِ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، مَا أَفَادَهُ اسْتِفْهَامُ الْإِنْكَارِ فِي قَوْلِهِ: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ [الْملك: ١٦] وَقَوْلِهِ: أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً [الْملك: ١٧] .
[١٩]
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ١٩]
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا [الْملك: ١٥] اسْتِرْسَالًا فِي الدَّلَائِلِ عَلَى انْفِرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمَوْجُودَاتِ، وَقَدِ انْتَقَلَ مِنْ دَلَالَةِ أَحْوَالِ الْبَشَرِ وَعَالَمِهِمْ، إِلَى دَلَالَةِ أَعْجَبِ أَحْوَالِ الْعَجْمَاوَاتِ وَهِيَ أَحْوَالُ الطَّيْرِ فِي نِظَامِ حَرَكَاتِهَا فِي حَالِ طَيَرَانِهَا إِذْ لَا تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ كَمَا هُوَ فِي حَرَكَاتِ غَيْرِهَا عَلَى الْأَرْضِ، فَحَالُهَا أَقْوَى دَلَالَةً عَلَى عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ الْمُنْفَرِدِ بِهِ.
وَاشْتَمَلَ التَّذْكِيرُ بِعَجِيبِ خَلْقِةِ الطَّيْرَ فِي طَيَرَانِهَا عَلَى ضَرْبٍ مِنَ الْإِطْنَابِ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ الثَّلَاثَةَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْ قَوْلِهِ: فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ تُصَوِّرُ صُورَةَ حَرَكَاتِ الطَّيَرَانِ لِلسَّامِعِينَ فَتُنَبِّهُهُمْ لِدَقَائِقَ رُبَّمَا أَغْفَلَهُمْ عَنْ تَدْقِيقِ النَّظَرِ فِيهَا نَشْأَتُهُمْ بَيْنَهَا مِنْ وَقْتِ ذُهُولِ الْإِدْرَاكِ فِي زَمَنِ الصِّبَا، فَإِنَّ الْمَرْءَ التُّونِسِيَّ أَوِ الْمَغْرِبِيَّ مَثَلًا إِذَا سَافَرَ إِلَى بِلَادِ الْهِنْدِ أَوْ إِلَى بِلَادِ السُّودَانِ فَرَأَى الْفِيَلَةَ وَهُوَ مُكْتَمِلُ الْعَقْلِ دَقِيقُ التَّمْيِيزِ أَدْرَكَ من دقائق خلفة الْفِيلِ مَا لَا يُدْرِكُهُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْهِنْدِ النَّاشِئِ بَيْنَ الْفِيَلَةِ، وَكَمْ غَفَلَ النَّاسُ عَنْ دَقَائِقَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالْجَمَادِ مَا لَوْ تَتَبَّعُوهُ لَتَجَلَّى لَهُمْ مِنْهَا مَا يَمْلَأُ وَصْفُهُ الصُّحُفَ قَالَ تَعَالَى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ١٧- ٢٠] ، وَقَالَ: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١] .
стр. 10019
وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ مَنْ شَاهَدَ الْبَحْرَ وَهُوَ كَبِيرٌ، وَلَمْ يَكُنْ شَاهَدَهُ مِنْ قَبْلُ، كَيْفَ امْتَلَكَهُ مِنَ الْعَجَبِ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ مِمَّنْ أَلِفُوهُ مِعْشَارَهُ.
وَهَذَا الْإِطْنَابُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ سُورَةِ النَّحْلِ [٧٩] فِي قَوْلِهِ: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ. وَذَلِكَ بِحَسب مَا اقْتَضَاهُ اخْتِلَافُ الْمَقَامَيْنِ فَسُورَةُ النَّحْلِ رَابِعَةٌ قَبْلَ سُورَةِ الْمُلْكِ، فَلَمَّا أَوْقَظَتْ عُقُولَهُمْ فِيهَا لِلنَّظَرِ إِلَى مَا فِي خِلْقَةِ الطَّيْرِ مِنَ الدَّلَائِلِ فَلَمْ يَتَفَطَّنُوا وَسُلِكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَسْلَكُ الْإِطْنَابِ بِزِيَادَةِ ذِكْرِ أَوْصَافٍ ثَلَاثَةٍ:
فَالْوَصْفُ الْأَوَّلُ: مَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ: فَوْقَهُمْ فَإِنَّ جَمِيعَ الدَّوَابِّ تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَالطَّيْرَ كَذَلِكَ فَإِذَا طَارَ الطَّائِرُ انْتَقَلَ إِلَى حَالَةٍ عَجِيبَةٍ مُخَالِفَةٍ لِبَقِيَّةِ الْمَخْلُوقَاتِ وَهِيَ السَّيْرُ فِي
الْجَوِّ بِوَاسِطَةِ تَحْرِيكِ جَنَاحَيْهِ وَذَلِكَ سِرُّ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الْأَنْعَام: ٣٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلا طائِرٍ فِي [سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ٣٨] لِقَصْدِ تَصْوِيرِ تِلْكَ الْحَالَةِ.
الْوَصْف الثَّانِي: صافَّاتٍ وَهُوَ وَصْفٌ بِوَزْنِ اسْمِ الْفَاعِلِ مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّفِّ، وَهُوَ كَوْنُ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَقَارِبَةِ الْأَمْكِنَةِ وَبِاسْتِوَاءَ، وَهُوَ قَاصِرٌ وَمُتَعَدٍّ، يُقَالُ: صَفُّوا، بِمَعْنَى اصْطَفُّوا كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنِ الْمَلَائِكَةِ: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات: ١٦٥] وَقَالَ تَعَالَى فِي الْبُدْنِ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ [الْحَج: ٣٦] . وَيُقَالُ: صَفَّهُمْ إِذَا جَعَلَهُمْ مُسْتَوِينَ فِي الْمَوْقِفِ،
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْجَنَائِزِ «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَبْرٍ مَنْبُوذٍ» إِلَى قَوْلِهِ:
«فَصَفَّنَا خَلْفَهُ وَكَبَّرَ» .
وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّ الطَّيْرَ صَافَّةٌ أَجْنِحَتِهَا فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ لِعِلْمِهِ مِنَ الْوَصْفِ الْجَارِي عَلَى الطَّيْرِ إِذْ لَا تُجْعَلُ الطَّيْرُ أَشْيَاءَ مَصْفُوفَةً إِلَّا رِيشَ أَجْنِحَتِهَا عِنْدَ الطَّيَرَانِ فَالطَّائِرُ إِذَا طَارَ بَسَطَ جَنَاحَيْهِ، أَيْ مَدَّهَا فَصَفَّ رِيشَ الْجَنَاحِ فَإِذَا تَمَدَّدَ الْجَنَاحُ ظَهَرَ رِيشُهُ مُصْطَفًّا فَكَانَ ذَلِكَ الْاصْطِفَافُ مِنْ أَثَرِ فِعْلِ الطَّيْرِ فَوُصِفَتْ بِهِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ فِي سُورَةِ النُّورِ [٤١] . وَبَسْطُ الْجَنَاحَيْنِ يُمَكِّنُ الطَّائِرَ مِنَ الطَّيَرَانِ فَهُوَ كَمَدِ الْيَدَيْنِ لِلسَّابِحِ فِي الْمَاءِ.
الْوَصْفُ الثَّالِثُ: وَيَقْبِضْنَ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى صافَّاتٍ مِنْ عَطْفِ الْفِعْلِ عَلَى الْاسْمِ الشَّبِيهِ بِالْفِعْلِ فِي الْاشْتِقَاقِ وَإِفَادَةُ الْاتِّصَافِ بِحُدُوثِ الْمَصْدَرِ فِي فَاعِلِهِ، فَلَمْ يَفُتْ بِعَطْفِهِ تَمَاثُلُ الْمَعْطُوفَيْنِ فِي الْاسْمِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ الَّذِي هُوَ مِنْ مُحَسِّنَاتِ الْوَصْلِ.
стр. 10020
وَالْقَبْضُ: ضِدُّ الْبَسْطِ. وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا ضِدُّ الصَّفِّ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ الصَّفُّ صَادِقًا عَلَى مَعْنَى الْبَسْطِ وَمَفْعُولُهُ الْمَحْذُوفُ هُنَا هُوَ عَيْنُ الْمَحْذُوفِ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أَيْ قَابِضَاتِ أَجْنِحَتِهِنَّ حِينَ يُدْنِينَهَا مِنْ جُنُوبِهِنَّ لِلْازْدِيَادِ مِنْ تَحْرِيكِ الْهَوَاءِ لِلْاسْتِمْرَارِ فِي الطَّيَرَانِ.
وَأُوثِرَ الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ فِي يَقْبِضْنَ لِاسْتِحْضَارِ تِلْكَ الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ وَهِيَ حَالَةُ عَكْسِ بَسْطِ الْجَنَاحَيْنِ إِذْ بِذَلِكَ الْعَكْسِ يَزْدَادُ الطَّيَرَانُ قُوَّةً امْتِدَادَ زَمَانٍ.
وَجِيءَ فِي وَصْفِ الطَّيْرِ بِ صافَّاتٍ بِصِيغَةِ الْاسْمِ لِأَنَّ الصَّفَّ هُوَ أَكْثَرُ أَحْوَالِهَا عِنْدَ الطَّيَرَانِ فَنَاسَبَهُ الْاسْمُ الدَّالُّ عَلَى الثَّبَاتِ، وَجِيءَ فِي وَصْفِهِنَّ بِالْقَبْضِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِدَلَالَةِ الْفِعْلِ عَلَى التَّجَدُّدِ، أَيْ وَيُجَدِّدْنَ قَبْضَ أَجْنِحَتِهِنَّ فِي خِلَالِ الطَّيَرَانِ لِلْاسْتِعَانَةِ بِقَبْضِ
الْأَجْنِحَةِ عَلَى زِيَادَة التحرك عِنْد مَا يَحْسُسْنَ بِتَغَلُّبِ جَاذِبِيَّةِ الْأَرْضِ عَلَى حَرَكَاتِ الطَّيَرَانِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْجِبَالِ وَالطَّيْرِ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً [ص: ١٨- ١٩] لِأَنَّ التَّسْبِيحَ فِي وَقْتَيْنِ وَالطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ دَوْمًا.
وَانْتَصَبَ فَوْقَهُمْ عَلَى الْحَالِ مِنَ الطَّيْرِ وَكَذَلِكَ انْتَصَبَ صافَّاتٍ.
وَجُمْلَةُ وَيَقْبِضْنَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ لِعَطْفِهَا عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ حَالٌ فَالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ مُضَمِّنَةٌ مَعْنَى النَّظَرِ، وَلِذَلِكَ عُدِّيَتْ إِلَى الْمَرْئِيِّ بِ (إِلَى) . وَالْاسْتِفْهَامُ فِي أَوَلَمْ يَرَوْا إِنْكَارِيٌّ، ونزلوا مَنْزِلَةَ مَنْ لَمْ يَرَ هَاتِهِ الْأَحْوَالَ فِي الطَّيْرِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُواْ بِهَا وَلَمْ يَهْتَدُواْ إِلَى دَلَالَتِهَا عَلَى انْفِرَادِ خَالِقِهَا بِالْإُلُهِيَّةِ.
وَجُمْلَةُ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ وَمَا فِيهَا مِنِ اسْتِفْهَامٍ إِنْكَارٍ، أَيْ كَانَ حَقُّهُمْ أَنْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُنَّ مَا يمسكهن إلّا الرحمان إِذْ لَا مُمْسِكَ لَهَا تَرَوْنَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ [الْحَج: ٦٥] .
وَفِي هَذَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي أَمْسَكَ الطَّيْرَ عَنِ الْهُوِيِّ الْمُفْضِي إِلَى الْهَلَاكِ هُوَ الَّذِي أَهْلَكَ الْأُمَمَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ فَلَوْ لَمْ يُشْرِكُواْ بِهِ وَلَوِ اسْتَعْصَمُواْ بِطَاعَتِهِ لَأَنْجَاهُمْ مِنَ الْهَلَاكِ كَمَا أَنْجَى الطَّيْرَ مِنَ الْهُوِيِّ.
وَمَعْنَى إِمْسَاكِ اللَّهِ إِيَّاهَا: حِفْظُهَا مِنَ السُّقُوطِ عَلَى الْأَرْضِ بِمَا أَوْدَعَ فِي خِلْقَتِهَا
стр. 10021
مِنَ الْخَصَائِصِ فِي خِفَّةِ عِظَامِهَا وَقُوَّةِ حَرَكَةِ الْجَوَانِحِ وَمَا جَعَلَ لَهُنَّ مِنَ الْقَوَادِمِ، وَهِيَ رِيشَاتٌ عَشْرٌ هِيَ مَقَادِيمُ رِيشِ الْجنَاح، وَمن الْخَوَافِي وَهِيَ مَا دُونَهَا مِنَ الْجَنَاحِ إِلَى مُنْتَهَى رِيشِهِ، وَمَا خَلَقَهُ مِنْ شَكْلِ أَجْسَادِهَا الْمُعِينِ عَلَى نُفُوذِهَا فِي الْهَوَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِخَلْقِ اللَّهِ إِيَّاهَا مَانِعًا لَهَا مِنَ السُّقُوطِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعَالِيقَ يُعَلِّقُهَا بِهَا أَحَدٌ كَمَا يُعَلِّقُ الْمُشَعْوِذُ بَعْضَ الصُّوَرِ بِخُيُوطٍ دَقِيقَةٍ لَا تَبْدُو لِلنَّاظِرِينَ.
وَإِيثَارُ اسْمِ الرَّحْمنُ هُنَا دُونَ الْاسْمِ الْعَلَمِ بِخِلَافِ مَا فِي سُورَةِ النَّحْلِ [٧٩] أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ لَعَلَّهُ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا فِي خِطَابِهِمْ بِطَرِيقَةِ الْإِطْنَابِ مِنْ قَوْلِهِ: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ الْآيَةَ.
فَمِنْ جُمْلَةِ عِنَادِهِمْ إِنْكَارُهُمُ اسْمَ الرَّحْمنُ فَلَمَّا لَمْ يَرْعَوَوْا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ ذُكِرَ وَصْفُ الرَّحْمنُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ أَي
أمسكهن الرحمان لِعُمُومِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَلَا يُمْسِكُهُنَّ غَيْرُهُ لِقُصُورِ عِلْمِهِمْ أَوِ انْتِفَائِهِ.
وَالْبَصِيرُ: الْعَلِيمُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَصِيرَةِ، فَهُوَ هُنَا غَيْرُ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فِي نَحْوِ: السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وَإِنَّمَا هُوَ هُنَا مِنْ بَابِ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ بَصِيرٌ بِالْأُمُورِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ [غَافِر: ٤٤] ، فَهُوَ خَبَرٌ لَا وَصْفٌ وَلَا مُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْاسْمِ. وَتَقْدِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَى مُتَعَلَّقِهِ لِإِفَادَةِ الْقَصْرِ الْإِضَافِيِّ وَهُوَ قَصْرُ قَلَبٍ رَدًّا عَلَى مَنْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ كَالَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ [الْملك:
١٣] .
[٢٠]
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ٢٠]
أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠)
(أَمْ) مُنْقَطِعَة وَهِي للإضراب الْانْتِقَالِيِّ مِنْ غَرَضٍ إِلَى غَرَضٍ فَبَعْدَ اسْتِيفَاءِ غَرَضِ إِثْبَاتِ الْإِلِهِيَّةِ الْحَقِّ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَتَذْكِيرِهِمْ بِأَنَّهُمْ مُفْتَقِرُونَ إِلَيْهِ، انْتَقَلَ إِلَى إِبْطَالِ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَوُجِّهَ إِلَيْهِمُ اسْتِفْهَامٌ
стр. 10022
أَنْ يَدُلُّواْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْنَامِهِمْ أَوْ غَيْرِهَا يُقَالُ فِيهِ هَذَا هُوَ الَّذِي يَنْصُرُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مُسْتَطِيعِينَ تَعْيِينَ أَحَدٍ لِذَلِكَ إِلَّا إِذَا سَلَكُواْ طَرِيقَ الْبُهْتَانِ وَمَا هُمْ بِسَالِكِيهِ فِي مِثْلِ هَذَا لِافْتِضَاحِ أَمْرِهِ.
وَهَذَا الْكَلَام ناشىء عَنْ قَوْلِهِ: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ [الْملك: ١٦] الْآيَةَ فَهُوَ مِثْلُهُ مُعْتَرَضٌ بَيْنَ حُجَجِ الْاسْتِدْلَالِ.
وَ (أَمْ) الْمُنْقَطِعَةُ لَا يُفَارِقُهَا مَعْنَى الْاسْتِفْهَامِ، وَالْأَكْثَرُ أَن يكون مُقَدرا فَإِذَا صُرِّحَ بِهِ كَمَا هُنَا فَأَوْضَحُ وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْاسْتِفْهَامَ يُقَدَّرُ بَعْدَهَا وَلَوْ كَانَ يَلِيهَا اسْتِفْهَامٌ مُصَرَّحٌ بِهِ فَيُشْكِلُ اجْتِمَاعُ اسْتِفْهَامَيْنِ.
وَالْاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيزِ عَنِ التَّعْيِينِ فَيُؤَوَّلُ إِلَى الْانْتِفَاءِ، وَالْإِشَارَةُ مُشَارٌ بِهَا إِلَى مَفْهُومِ جُنْدٌ مَفْرُوضٍ فِي الْأَذْهَانِ اسْتُحْضِرَ لِلْمُخَاطِبِينَ، فَجُعِلَ كَأَنَّهُ حَاضِرٌ فِي الْخَارِجِ يُشَاهِدُهُ الْمُخَاطَبُونَ، فَيَطْلُبُ الْمُتَكَلِّمُ مِنْهُمْ تَعْيِينَ قَبِيلَةٍ بِأَنْ يَقُولُواْ: بَنُو فُلَانٍ. وَلَمَّا كَانَ الْاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلًا فِي التَّعْجِيزِ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْجُنْدَ الْمَفْرُوضَ غَيْرُ كَائِنٍ.
وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الْبَقَرَة: ٢٥٥] وَنَحْوُهُ.
وَ (مَنْ) فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَإٍ وَاسْمُ الْإِشَارَةِ خَبَرٌ عَنِ الْمُبْتَدَإِ.
وَكُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ أَمَّنْ بِمِيمٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ وَهُمَا مِيمُ (أَمْ) وَمِيمُ (مَنْ) الْمُدْغَمَتَيْنِ بِجَعْلِهِمَا كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ كَمَا كُتِبَ عَمَّ يَتَساءَلُونَ [النبأ: ١] بِمِيمٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَ الْعَيْنِ، وَلَا تُقْرَأُ إِلَّا بِمِيمٍ مُشَدَّدَةٍ إِذِ الْمُعْتَبَرُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الرِّوَايَةُ دُونَ الْكِتَابَةِ وَإِنَّمَا يُكْتَبُ الْقُرْآنُ لِلْإِعَانَةِ عَلَى مُرَاجَعَتِهِ.
والَّذِي هُوَ جُنْدٌ صِفَةٌ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ ولَكُمْ صِفَةٌ لِ جُنْدٌ ويَنْصُرُكُمْ جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ جُنْدٌ أَوْ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِ جُنْدٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْإِشَارَةِ مُشَارًا بِهِ إِلَى جَمَاعَةِ الْأَصْنَامِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمُ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْكَعْبَةِ وَحَوْلَهَا الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ جُنْدًا فَمَنْ هُوَ حَتَّى يَنْصُرَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
فَتَكُونُ (مَنْ) اسْتِفْهَامِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي التَّحْقِيرِ مِثْلُ قَوْلِهِ: مِنْ فِرْعَوْنَ [الدُّخان: ٣١] فِي
стр. 10023
قِرَاءَةِ فَتْحِ مِيمِ (مَنْ) وَرَفْعِ فِرْعَوْنَ، أَيْ مَنْ هَذَا الْجُنْدُ فَإِنَّهُ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يُعْرَفَ، وَاسْمُ الْإِشَارَةِ صِفَةٌ لِاسْمِ الْاسْتِفْهَامِ مُبَيِّنَةٌ لَهُ، والَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ صِفَةٌ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ وَجُمْلَةُ يَنْصُرُكُمْ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الْاسْتِفْهَامِ، أَيْ هُوَ أَقَلُّ مِنْ أَنْ يَنْصُرَكُمْ من دون الرحمان.
وَجِيءَ بِالْجُمْلَةِ الْاسْمِيَّةِ الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الدَّوَامِ وَالثُّبُوتِ لِأَن الْجند يكون عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِلنَّصْرِ إِذَا دُعِيَ إِلَيْهِ سَوَاءٌ قَاتَلَ أَمْ لَمْ يُقَاتِلْ لِأَنَّ النَّصْرَ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِعْدَادٍ وَتَهَيُّؤٍ كَمَا
قَالَ النَّبِيءُ ﷺ : «خَيْرُ النَّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً طَارَ إِلَيْهَا»
أَيْ هَيْعَةُ جِهَادٍ.
فَالْمَعْنَى: يَنْصُرُكُمْ عِنْدَ احْتِيَاجِكُمْ إِلَى نَصْرِهِ، فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ جُمْلَةِ هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ وَجُمْلَةِ يَنْصُرُكُمْ وَلَمْ يَسْتَغْنِ بِالثَّانِيَةِ عَنِ الْأُولَى.
ودُونِ أَصْلِهِ ظَرْفٌ لِلْمَكَانِ الْأَسْفَلِ ضِدُّ (فَوْقَ) ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمُغَايِرِ فَيَكُونُ بِمَعْنَى غَيْرٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ.
فَقَوْلُهُ: مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي يَنْصُرُكُمْ. أَيْ حَالَةُ كَوْنِ النَّاصِرِ مِنْ جَانِبٍ غَيْرَ جَانِبِ اللَّهِ، أَيْ مَنْ مُسْتَطِيعٌ غَيْرَ اللَّهِ يَدْفَعُ عَنْكُمُ السُّوءَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا [الْأَنْبِيَاء: ٤٣] فَتَكُونُ مِنْ زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلظَّرْفِ وَهِيَ تُزَادُ مَعَ الظُّرُوفِ غَيْرِ الْمُتَصَرِّفَةِ، وَلَا تُجَرُّ تِلْكَ الظُّرُوفُ بِغَيْرِ مِنْ، قَالَ الْحَرِيرِيُّ فِي الْمَقَامَةِ الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ: وَمَا مَنْصُوبٌ
عَلَى الظَّرْفِ لَا يُخْفِضُهُ سِوَى حَرْفٌ. وَفَسَّرَهُ بِظَرْفِ (عِنْدَ) وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِ (عِنْدَ) بَلْ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الظُّرُوفِ غَيْرِ الْمُتَصَرِّفَةِ.
وَتَكْرِيرُ وَصْفِ الرَّحْمنُ عَقِبَ الْآيَةِ السَّابِقَةِ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي إِيثَارِ هَذَا الْوَصْفِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ.
وذيل هَذَا بالاعتراض بِقَوْلِهِ: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ، أَيْ ذَلِكَ شَأْنُ الْكَافِرِينَ كُلِّهِمْ وَهُمْ أَهْلُ الشِّرْكِ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ وَغَيْرِهِمْ، أَيْ فِي غُرُورٍ مِنَ الْغَفْلَةِ عَنْ تَوَقُّعِ بَأْسِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ فِي غُرُورٍ مِنِ اعْتِمَادِهِمْ على الْأَصْنَام فَكَمَا غَرَّ الْأُمَمَ السَّالِفَةَ دِينُهُمْ بِأَنَّ الْأَوْثَانَ تَنْفَعُهُمْ وَتَدْفَعُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ فَلَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ وَقْتَ الْحَاجَةِ فَكَذَلِكَ سَيَقَعُ لِأَمْثَالِهِمْ قَالَ تَعَالَى: وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها [مُحَمَّد: ١٠] وَقَالَ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ [الْقَمَر: ٤٣] فَتَعْرِيفُ الْكافِرُونَ لِلْاسْتِغْرَاقِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ كَافِرُونَ مَعْهُودُونَ حَتَّى يَكُونَ مِنْ وَضْعِ الْمُظْهَرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ.
стр. 10024
وَالْغُرُورُ: ظَنُّ النَّفْسِ وُقُوعِ أَمْرٍ نَافِعٍ لَهَا بِمَخَائِلِ تَتَوَهُّمِهَا، وَهُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ أَوْ هُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ فِي آخِرِ آلِ عِمْرَانَ [١٩٦] وَقَوْلِهِ: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً فِي الْأَنْعَامِ [١١٢] وَقَوْلِهِ: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فِي سُورَةِ فَاطِرٍ [٥] .
وَالظَّرْفِيَّةُ مَجَازِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي شِدَّةِ التَّلَبُّسِ بِالْغُرُورِ حَتَّى كَأَنَّ الْغُرُورَ مُحِيطٌ بِهِمْ إِحَاطَةَ الظَّرْفِ.
وَالْمَعْنَى: مَا الْكَافِرُونَ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا فِي حَالِ الْغُرُورِ، وَهَذَا قَصْرٌ إِضَافِيٌّ لِقَلْبِ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ فِي مَأْمَنٍ مِنَ الْكَوَارِثِ بحماية آلِهَتهم.
[٢١]
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ٢١]
أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)
أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ انْتِقَالٌ آخَرُ وَالْكَلَامُ عَلَى أسلوب قَوْله: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ [الْملك:
٢٠] ، وَهَذَا الْكَلَامُ نَاظِرٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الْملك: ١٥] عَلَى طَرِيقَةِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمَعْكُوسِ.
وَالرِّزْقُ: مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَطَرِ، وَعَلَى الطَّعَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً [آل عمرَان: ٣٧] .
وَضَمِيرُ أَمْسَكَ وَضَمِيرُ رِزْقَهُ عَائِدَانِ إِلَى لفظ الرَّحْمنِ الْوَاقِعِ فِي قَوْلِهِ:
مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ [الْملك: ٢٠] .
وَجِيءَ بِالصِّلَةِ فِعْلًا مُضَارِعًا لِدَلَالَتِهِ عَلَى التَّجَدُّدِ لِأَنَّ الرِّزْقَ يَقْتَضِي التِّكْرَارَ إِذْ حَاجَةُ الْبَشَرِ إِلَيْهِ مُسْتَمِرَّةٌ. وَكُتِبَ أَمَّنْ فِي الْمُصْحَفِ بِصُورَةِ كَلِمَةٍ وَاحِدَة كَمَا كتبت نَظِيرَتُهَا الْمُتَقَدِّمَةُ آنِفًا.
بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ.
اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ وَقَعَ جَوَابًا عَن سُؤال ناشىء عَنْ الدَّلَائِلِ وَالْقَوَارِعِ وَالزَّوَاجِرِ وَالْعِظَاتِ وَالْعِبَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [الْملك: ٢] إِلَى هُنَا، فَيَتَّجِهُ لِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَ: لَعَلَّهُمْ نَفَعَتْ عِنْدَهُمْ الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ، وَاعْتَبَرُواْ بِالْآيَاتِ وَالْعِبَرِ، فَأُجِيبَ بِإِبْطَالِ ظَنِّهِ بِأَنَّهُمْ لَجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ.
стр. 10025
وَ (بَلْ) لِلْاضْرَابِ أَوِ الْإِبْطَالِ عَمَّا تَضْمَّنَهُ الْاسْتِفْهَامَانِ السَّابِقَانِ أَوْ لِلْانْتِقَالِ مِنْ غَرَضِ التَّعْجِيزِ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْ عِنَادِهِمْ.
يُقَالُ: لَجَّ فِي الْخُصُومَةِ مِنْ بَابِ سَمَّعَ، أَيِ اشْتَدَّ فِي النِّزَاعِ وَالْخِصَامِ، أَيِ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْعِنَادِ يَكْتَنِفُهُمُ الْعُتُوُّ وَالنُّفُورُ، أَيْ لَا يَتْرُكُ مَخْلَصًا لِلْحَقِّ إِلَيْهِمْ، فَالظَّرْفِيَّةُ مَجَازِيَّةٌ، وَالْعُتُوُّ: التَّكَبُّرُ وَالطُّغْيَانُ.
وَالنُّفُورُ: هُوَ الْاشْمِئْزَازُ مِنَ الشَّيْءِ وَالْهُرُوبُ مِنْهُ.
وَالْمَعْنَى: اشْتَدُّواْ فِي الْخِصَام متلبسين بِالْكِبْرِ عَنِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ حِرْصًا عَلَى بَقَاءِ سِيَادَتِهِمْ وَبِالنُّفُورِ عَنِ الْحَقِّ لِكَرَاهِيَةِ مَا يُخَالِفُ أَهْوَاءَهُمْ وَمَا أَلِفُوهُ من الْبَاطِل.
[٢٢]
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ٢٢]
أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)
هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ أَوْ لِرَجُلَيْنِ: كَافِرٍ وَمُؤْمِنٍ، لِأَنَّهُ جَاءَ مُفَرَّعًا عَلَى قَوْلِهِ: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ [الْملك: ٢٠] وَقَوْلِهِ: بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ [الْملك: ٢١] وَمَا اتَّصَلَ ذَلِكَ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي سِيقَ مَسَاقَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:
أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ [الْملك: ٢٠] أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ [الْملك: ٢١] ، وَذَلِكَ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى اخْتِلَافِ مَنَاحِيهِمْ وَلَكِنْ لَمْ يُعَرِّجْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى بَيَانِ كَيْفَ يَتَعَيَّنُ التَّمْثِيلُ الْأَوَّلُ لِلْكَافِرِينَ وَالثَّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَظْهَرَ وَجْهُ إِلْزَامِ اللَّهِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْمَثَلِ الْأَوَّلِ مَثَلِ السَّوْءِ، فَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ مِنَ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهَةِ لَمْ يَتَّضِحْ إِلْزَامُ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ حَالَهُمْ حَالُ التَّمْثِيلِ الْأَوَّلِ، فَيَخَالُ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ خَصْمَهُ هُوَ مَضْرِبُ الْمَثَلِ السُّوءِ. وَيَتَوَهَّمُ أَنَّ الْكَلَامَ وَرَدَ عَلَى طَرِيقَةِ الْكَلَامِ الْمُنْصِفِ نَحْوُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤] بِذَلِكَ يَنْبُو عَنْهُ الْمَقَامُ هُنَا لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا وَارِدٌ فِي مَقَامِ الْمُحَاجَّةِ وَالْاسْتِدْلَالِ وَهُنَالِكَ فِي مَقَامِ الْمُتَارَكَةِ أَوِ الْاسْتِنْزَالِ.
وَالَّذِي انْقَدَحَ لِي: أَنَّ التَّمْثِيلَ جَرَى عَلَى تَشْبِيهِ حَالِ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ بِحَالَةِ مَشْيِ إِنْسَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَعَلَى تَشْبِيهِ الدِّينِ بِالطَّرِيقِ الْمَسْلُوكَةِ كَمَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ مَشْيِ الْمُكِبِّ عَلَى وَجْهِهِ مَشْيًا عَلَى صِرَاطٍ مُعْوَجٍّ، وَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ: مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ اسْتِعَارَةٌ أُخْرَى بِتَشْبِيهِ حَالِ السَّالِكِ
стр. 10026
صِرَاطًا مُعْوَجًّا فِي تَأَمُّلِهِ وَتَرَسُّمِهِ آثَارَ السَّيْرِ فِي الطَّرِيقِ غَيْرِ الْمُسْتَقِيمِ خَشْيَةَ أَنْ يَضِلَّ فِيهِ، بِحَالِ الْمُكِبِّ عَلَى وَجْهِهِ يَتَوَسَّمُ حَالَ الطَّرِيقِ وَقَرِينَةُ ذَلِكَ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: سَوِيًّا الْمُشْعِرِ بِأَنَّ مُكِبًّا أُطْلِقَ عَلَى غَيْرِ السَّوِيِّ وَهُوَ المنحني المطاطئ يَتَوَسَّمُ الْآثَارَ اللَّائِحَةَ مِنْ آثَارِ السَّائِرِينَ لَعَلَّهُ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ الْمُوَصِّلَةَ إِلَى الْمَقْصُودِ.
فَالْمُشْرِكُ يَتَوَجَّهُ بِعِبَادَتِهِ إِلَى آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا يَدْرِي لَعَلَّ بَعْضَهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ وَأَعْطَفَ عَلَى بَعْضِ الْقَبَائِلِ مِنْ بَعْضٍ، فَقَدْ كَانَتْ ثَقِيفٌ يَعْبُدُونَ الْلَّاتَ، وَكَانَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ يَعْبُدُونَ مَنَاةَ وَلِكُلِّ قَبِيلَةٍ إِلَهٌ أَوْ آلِهَةٌ فَتَقَّسَمُوا الْحَاجَاتِ عِنْدَهَا وَاسْتَنْصَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِآلِهَتِهِمْ وَطَمِعُوا فِي غَنَائِهَا عَنْهُمْ وَهَذِهِ حَالَةٌ يَعْرِفُونَهَا فَلَا يَمْتَرُونَ فِي أَنَهُمْ مَضْرَبُ الْمَثَلِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ حَالُ أَهْلِ الْإِشْرَاكِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، أَلَا تَسْمَعُ مَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْ يُوسُفَ ﵇ مِنْ قَوْلِهِ: أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [يُوسُف: ٣٩] . وَيُنَوِّرُ هَذَا التَّفْسِيرَ أَنَّهُ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الْأَنْعَام: ١٥٣] وَقَوْلُهُ: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يُوسُف: ١٠٨] ، فَقَابَلَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ الْمُشَبَّهَ بِهِ الْإِسْلَامُ بِالسُّبُلِ الْمُتَفَرِّقَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا تَعْدَادُ الْأَصْنَامِ، وَجَعَلَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ الْإِسْلَامَ مُشَبَّهًا بِالسَّبِيلِ وَسَالِكُهُ يَدْعُو بِبَصِيرَةٍ ثُمَّ قَابَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ:
وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يُوسُف: ١٠٨] .
فَالْآيَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثِ اسْتِعَارَاتٍ تَمْثِيلِيَّةٍ فَقَوْلُهُ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ تَشْبِيه لحَال الْمُشرك فِي تَقَسُّمِ أَمْرِهِ بَيْنَ الْآلِهَةِ طَلَبًا لِلَّذِي يَنْفَعُهُ مِنْهَا الشَّاكِّ فِي انْتِفَاعِهِ بِهَا، بِحَالِ السَّائِرِ قَاصِدًا أَرْضًا مُعَيَّنَةً لَيْسَتْ لَهَا طَرِيقٌ جَادَّةٌ فَهُوَ يَتَتَبَّعُ بِنْيَاتِ الطَّرِيقِ الْمُلْتَوِيَةِ وَتَلْتَبِسُ عَلَيْهِ وَلَا يُوقِنُ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُبَلِّغُ إِلَى مَقْصِدِهِ فَيَبْقَى حَائِرًا مُتَوَسِّمًا يَتَعَرَّفُ آثَارَ أَقْدَامِ النَّاسِ وَأَخْفَافِ الْإِبِلِ فَيَعْلَمُ بِهَا أَنَّ الطَّرِيقَ مَسْلُوكَةٌ أَوْ مَتْرُوكَةٌ.
وَفِي ضِمْنِ هَذِهِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَمْثِيلِيَّةٌ أُخْرَى مَبْنِيَّة عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ بِتَشْبِيهِ حَالِ الْمُتَحَيِّرِ الْمُتَطَلَّبِ لِلْآثَارِ فِي الْأَرْضِ بِحَالِ الْمُكِبِّ عَلَى وَجْهِهِ فِي شِدَّةِ اقْتِرَابِهِ مِنَ الْأَرْضِ.
وَقَوله: أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا تَشْبِيهٌ لِحَالِ الَّذِي آمَنَ بِرَبٍّ وَاحِدٍ الْوَاثِقُ بِنَصْرِ رَبِّهِ وَتَأْيِيدِهِ وَبِأَنَّهُ مُصَادِفٌ لِلْحَقِّ، بِحَالِ الْمَاشِي فِي طَرِيقٍ جَادَّةٍ وَاضِحَةٍ لَا يَنْظُرُ إِلَّا إِلَى اتِّجَاهِ وَجْهِهِ فَهُوَ مُسْتَوٍ فِي سَيْرِهِ.
стр. 10027
وَقَدْ حَصَلَ فِي الْآيَةِ إِيجَازُ حَذْفٍ إِذِ اسْتُغْنِيَ عَنْ وَصْفِ الطَّرِيقِ بِالْالْتِوَاءِ فِي التَّمْثِيلِ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ مُقَابَلَتِهِ بِالْاسْتِقَامَةِ فِي التَّمْثِيلِ الثَّانِي.
وَالْفَاء الَّتِي فِي صَدْرِ الْجُمْلَةِ لِلتَّفْرِيعِ عَلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلَائِلِ وَالْعِبَرِ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا، وَالْاسْتِفْهَامُ تَقْرِيرِيٌّ.
وَالْمُكِبُّ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَكَبَّ، إِذَا صَارَ ذَا كَبٍّ، فَالْهَمْزَةُ فِيهِ أَصْلُهَا لِإِفَادَةِ الْمَصِيرِ فِي الشَّيْءِ مِثْلُ هَمْزَةِ: أَقْشَعَ السَّحَابُ، إِذَا دَخَلَ فِي حَالَةِ الْقَشْعِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَنْفَضَ الْقَوْمُ إِذَا هَلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ، وَأَرْمَلُواْ إِذَا فَنِيَ زَادُهُمْ، وَهِيَ أَفْعَالٌ قَلِيلَةٌ فِيمَا جَاءَ فِيهِ الْمُجَرَّدُ مُتَعَدِّيًا وَالْمَهْمُوزُ قَاصِرًا.
وأَهْدى مُشْتَقٌّ مِنَ الْهُدَى، وَهُوَ مَعْرِفَةُ الطَّرِيقِ وَهُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ الْمُفَاضَلَةِ لِأَنَّ الَّذِي يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ مِنَ الْاهْتِدَاءِ فَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يُوسُف: ٣٣] فِي قَوْلِ كثير من الْأَئِمَّة. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْلُو مِنْ تَهَكُّمٍ أَوْ تَمْلِيحٍ بِحَسَبِ الْمَقَامِ.
وَالسَّوِيُّ: الشَّدِيدُ الْاسْتِوَاءِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ قَالَ تَعَالَى: أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا [مَرْيَم: ٤٣] . وَ (أَمْ) فِي قَوْلِهِ: أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا حَرْفُ عَطْفٍ وَهِيَ (أَمْ) الْمُعَادِلَةُ لِهَمْزَةِ
الْاسْتِفْهَامِ. وَ (مَنْ) الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ فِي قَوْلِهِ: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا أَوْ قَوْلِهِ: أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا مَوْصُولَتَانِ وَمَحْمَلَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُمَا فَرِيقُ الْمُؤْمِنِينَ وَفَرِيقُ الْمُشْرِكِينَ، وَقِيلَ: أُرِيدَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أُرِيدَ بِالْأُولَى أَبُو جَهْلٍ، وَبِالثَّانِيَةِ النبيء ﷺ أَو أَبُو بَكْرٍ أَوْ حَمْزَةُ ﵄.
[٢٣]
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ٢٣]
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)
هَذَا انْتِقَالٌ مِنْ تَوْجِيهِ اللَّهِ تَعَالَى الْخِطَابَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ لِلتَّبْصِيرِ بِالْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ وَمَا تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الْوَعِيدِ أَوِ التَّهْدِيدِ إِلَى خِطَابِهِمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ مَا سَيُذْكَرُ تَفَنُّنًا فِي الْبَيَانِ وَتَنْشِيطًا لِلْأَذْهَانِ حَتَّى كَأَنَّ الْكَلَامَ صَدَرَ مِنْ قَائِلَيْنِ وترفيعا لقدر نبيئه ﷺ بِإِعْطَائِهِ حَظًّا مِنَ التَّذْكِيرِ مَعَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ [الدُّخان:
٥٨] .
стр. 10028
وَالْانْتِقَالُ هُنَا إِلَى الْاسْتِدْلَالِ بِفُرُوعِ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْدَ الْاسْتِدْلَالِ بِأُصُولِهَا، وَمِنَ الْاسْتِدْلَالِ بِفُرُوعِ أَعْرَاضِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ أَصْلِهَا، فَمِنَ الْاسْتِدْلَالِ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، إِلَى الْاسْتِدْلَالِ بِخَلْقِ الْإِنْسَانِ وَمَدَارِكِهِ، وَقَدِ أُتْبِعَ الْأَمْرُ بِالْقَوْلِ بِخَمْسَةٍ مِثْلِهِ بِطَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ بِدُونِ عَاطِفٍ اهْتِمَامًا بِمَا بَعْدَ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ مَقَالَةٍ يُبَلِّغُهَا إِلَيْهِمُ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ، الَخْ.
وَالضَّمِيرُ هُوَ إِلَى الرَّحْمنِ مِنْ قَوْلِهِ: مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ [الْملك: ٢٠] .
وَالْإِنْشَاءُ: الْإِيجَادُ.
وَإِفْرَادُ السَّمْعَ لِأَنَّ أَصْلَهُ مُصْدَرٌ، أَيْ جعل لكم حاسة السَّمْعِ، وَأَمَّا الْأَبْصارَ فَهُوَ جَمْعُ الْبَصَرِ بِمَعْنَى الْعَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٧] والْأَفْئِدَةَ الْقُلُوبُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْعُقُولُ، وَهُوَ إِطْلَاقٌ شَائِعٌ فِي اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ.
وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ وَالْمُسْنَدِ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ إِلَى آخِرِهِ قَصْرُ إِفْرَادٍ بِتَنْزِيلِ الْمُخَاطَبِينَ لِشِرْكِهِمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَصْنَامَ شَارَكَتِ اللَّهَ فِي الْإِنْشَاءِ وَإِعْطَاءِ الْإِحْسَاسِ وَالْإِدْرَاكِ.
وقَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ، أَيْ أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ النِّعَمِ فِي
حَالِ إِهْمَالِكُمْ شُكْرَهَا.
وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ وَالْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ فِي مَوْضِعِ فَاعِلِ قَلِيلًا لِاعْتِمَادِ قَلِيلًا عَلَى صَاحِبِ حَالٍ. وقَلِيلًا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ.
وَقَدِ اسْتُعْمِلَ قَلِيلًا فِي مَعْنَى النَّفْيِ وَالْعَدَمِ، وَهَذَا الْإِطْلَاقٌ مِنْ ضُرُوبِ الْكِنَايَةِ وَالْاقْتِصَادِ فِي الْحُكْمِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّمْلِيحِ وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ فِي [الْبَقَرَةِ: ٨٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [١٥٥] ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ:
هَذِهِ أَرْضٌ قَلما تنْبت.
[٢٤]
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ٢٤]
قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
стр. 10029
(٢٤)
إِعَادَةُ فِعْلِ قُلْ مِنْ قَبِيلِ التَّكْرِيرِ الْمُشْعِرِ بِالْاهْتِمَامِ بِالْغَرَضِ الْمَسُوقَةِ فِيهِ تِلْكَ الْأَقْوَالِ.
وَالذَّرْءُ: الْإِكْثَارُ مِنَ الْمَوْجُودِ، فَهَذَا أَخَصُّ مِنْ قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ [الْملك:
٢٣] أَيْ هُوَ الَّذِي كَثَرَّكُمْ عَلَى الْأَرْضِ كَقَوْلِهِ: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها [هود: ٦١] أَيْ أَعْمَرَكُمْ إِيَّاهَا.
وَالْقَوْلُ فِي صِيغَةِ الْقَصْرِ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ. مِثْلُ الْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ [الْملك: ٢٣] الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أَيْ بَعْدَ أَنْ أَكْثَرَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَهُوَ يُزِيلُكُمْ بِمَوْتِ الْأَجْيَالِ فَكُنِّيَ عَنِ الْمَوْتِ بِالْحَشْرِ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُواْ أَنَّ الْحَشْرَ الَّذِي أُنْذِرُواْ بِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْبَعْثِ وَالْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَالْكِنَايَةُ عَنِ الْمَوْتِ بِالْحَشْرِ بِمَرْتَبَتَيْنِ مِنَ الْمُلَازَمَةِ، وَقَدْ أُدْمِجَ فِي ذَلِكَ تَذْكِيرُهُمْ بِالْمَوْتِ الَّذِي قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَإِنْذَارُهُمْ بِالْبَعْثِ وَالْحَشْرِ.
فَتَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ فِي وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ لِلْاهْتِمَامِ وَالرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ، وَلَيْسَ لِلْاخْتِصَاصِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُواْ يَدَّعُونَ الْحَشْرَ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَدَّعُوهُ لغير الله.
[٢٥- ٢٦]
[سُورَة الْملك (٦٧) : الْآيَات ٢٥ إِلَى ٢٦]
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)
لَمَّا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ مُعَارَضَةٌ لِلْحُجَّةِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ [الْملك: ٢٣] إِلَى
هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ [الْملك: ٢٤] انْحَصَرَ عِنَادُهُمْ فِي مَضْمُونِ قَوْلِهِ: وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الْملك: ٢٤] فَإِنَّهُمْ قَدْ جَحَدُوا الْبَعْثَ وَأَعْلَنُواْ بِجَحْدِهِ وَتَعَجَّبُواْ مِنْ إِنْذَارِ الْقُرْآنِ بِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ: ٨٧] وَكَانُواْ يَقُولُونَ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [سبأ: ٢٩] وَاسْتَمَرُّواْ عَلَى قَوْلِهِ، فَلِذَلِكَ حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّكْرِيرِ.
والْوَعْدُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، أَيْ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْحَشْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الْملك: ٢٤] فَالْإِشَارَةُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: هذَا ظَاهِرَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ وَعْدٌ آخَرَ بِنَصْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَالْإِشَارَةُ إِلَى وَعِيدٍ سَمِعُوهُ.
стр. 10030
وَالْاسْتِفْهَامُ بِقَوْلِهِمْ: مَتى هذَا الْوَعْدُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّهَكُّمِ لِأَنَّ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنْ يَسْتَهْزِئُواْ بِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ [الْإِسْرَاء: ٥١] وَأَتَوْا بِلَفْظِ الْوَعْدُ اسْتِنْجَازًا لَهُ لِأَنَّ شَأْنَ الْوَعْدِ الْوَفَاءُ.
وَضَمِيرُ الْخِطَابِ فِي: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمْ يَلْهَجُونَ بِإِنْذَارِهِمْ بِيَوْمِ الْحَشْرِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ سَبَإٍ.
وَأَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأَنْ يُجِيبَ سُؤَالَهُمْ بِجُمْلَةٍ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِمْ بَلْ عَلَى ظَاهِرِ الْاسْتِفْهَامِ عَنْ وَقْتِ الْوَعْدِ عَلَى طَرِيقَةِ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، بِأَنَّ وَقْتَ هَذَا الْوَعْدِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، فَقَوْلُهُ: قُلْ هُنَا أَمْرٌ بِقَوْلٍ يَخْتَصُّ بِجَوَابِ كَلَامِهِمْ وَفُصِلَ دون عطف بجريان الْمَقُولَ فِي سِيَاقِ الْمُحَاوَرَةِ، وَلَمْ يُعْطَفْ فِعْلُ قُلْ بِالْفَاءِ جَرْيًا عَلَى سُنَنِ أَمْثَالِهِ الْوَاقِعَةِ فِي الْمُجَاوَبَةِ وَالْمُحَاوَرَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظَائِرِهِ الْكَثِيرَةِ وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٣٠] .
وَلَامُ التَّعْرِيفِ فِي الْعِلْمُ لِلْعَهْدِ، أَيِ الْعِلْمُ بِوَقْتِ هَذَا الْوَعْدِ. وَهَذِهِ هِيَ الْلَّامُ الَّتِي تُسَمَّى عِوَضًا عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَهَذَا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ.
وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ قَصْرٌ إِضَافِيٌّ، أَيْ مَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ بِوُقُوعِ هَذَا الْوَعْدِ لَا أَتَجَاوَزُ ذَلِكَ إِلَى كَوْنِي عَالِمًا بِوَقْتِهِ.
وَالْمُبِينُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَبَانَ الْمُتَعَدِّي، أَيْ مُبَيِّنٌ لِمَا أمرت بتبليغه.
[٢٧]
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ٢٧]
فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)
(لَمَّا) حَرْفُ تَوْقِيتٍ، أَيْ سِيئَتْ وُجُوهُهُمْ فِي وَقْتِ رُؤْيَتِهِمُ الْوَعْدَ.
وَالْفَاءُ فَصِيحَةٌ لِأَنَّهَا اقْتَضَتْ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً تَقْدِيرُهَا: فَحَلَّ بِهِمُ الْوَعْدُ فَلَمَّا رَأَوْهُ إِلَخْ، أَي رَأَوْا الْمَوْعُود بِهِ.
وَفُعِلَ رَأَوْهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَجِيءَ بِهِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي لِشَبَهِهِ بِالْمَاضِي فِي تَحَقُّقِ الْوُقُوعِ مِثْلُ أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النَّحْل: ١] لِأَنَّهُ صَادِرٌ عَمَّنْ لَا إِخْلَافَ فِي أَخْبَارِهِ فَإِنَّ
стр. 10031
هَذَا الْوَعْدَ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَصَلَ حِينَ نُزُولِ الْآيَةِ بِمَكَّةَ سَوَاءٌ أُرِيدَ بِالْوَعْدِ الْوَعْدُ بِالْبَعْثِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى السِّيَاقِ أَمْ أُرِيدَ بِهِ وَعْدُ النَّصْرِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ [الْملك: ٢٥] فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَهُ فِي الْحَالِ وَأَنَّ الْوَعْدَ غَيْرُ حَاصِلٍ حِينَ قَوْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ عَنْهُ بِ مَتى.
وَنَظِيرُ هَذَا الْاسْتِعْمَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٤١] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ [٨٩] إِذْ جَمَعَ فِي الْآيَتَيْنِ بَيْنَ فِعْلِ نَبْعَثُ مُضَارِعًا وَفِعْلِ جِئْنا مَاضِيًا.
وَأَصْلُ الْمَعْنَى: فَإِذَا يَرَوْنَهُ تُسَاءُ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَخْ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى صَوْغِ الْوَعِيدِ فِي صُورَةِ الْإِخْبَارِ عَنْ أَمْرٍ وَقَعَ فَجِيءَ بِالْأَفْعَالِ الْمَاضِيَةِ.
وَضَمِيرُ رَأَوْهُ عَائِدٌ إِلَى الْوَعْدُ [الْملك: ٢٥] بِمَعْنَى: رَأَوُا الْمَوْعُودَ بِهِ.
وَالزُّلْفَةُ بِضَمِّ الزَّايِ: اسْمُ مَصْدَرِ زَلَفَ إِذَا قَرُبَ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَعِبَ. وَهَذَا إِخْبَارٌ بِالْمَصْدَرِ لِلْمُبَالَغَةِ، أَيْ رَأَوْهُ شَدِيدَ الْقُرْبِ مِنْهُمْ، أَيْ أَخَذَ يَنَالُهُمْ.
وسِيئَتْ بُنِيَ لِلنَّائِبِ، أَيْ سَاءَ وُجُوهَهُمْ ذَلِكَ الْوَعْدُ بِمَعْنَى الْمَوْعُودِ. وَأُسْنِدَ حُصُولُ السُّوءِ إِلَى الْوُجُوهِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى كلحت، أَي لِأَنَّهُ سُوءٍ شَدِيدٍ تَظْهَرُ آثَارُ الْانْفِعَالِ مِنْهُ عَلَى الْوُجُوهِ، كَمَا أُسْنِدَ الْخَوْفُ إِلَى الْأَعْيُنِ فِي قَوْلِ الْأَعْشَى:
وَأَقْدِمُ إِذَا مَا أَعْيُنُ النَّاسِ تَفْرَقُ وَقِيلَ أَيْ لَهُمْ.
وتَدَّعُونَ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مُضَارِعُ ادَّعَى. وَقَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِظُهُورِهِ مِنْ قَوْلِهِ:
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الْملك: ٢٥] ، أَيْ تَدَّعُونَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ.
وبِهِ مُتَعَلِّقٌ بِ تَدَّعُونَ لِأَنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنَى «تُكَذِّبُونَ» فَإِنَّهُ إِذَا ضُمِّنَ عَامِلٌ مَعْنَى عَامِلٍ آخَرَ يُحْذَفُ مَعْمُولُ الْعَامِلِ الْمَذْكُورِ وَيُذْكَرُ مَعْمُولُ ضِمْنِهِ لِيَدُلَّ الْمَذْكُورُ عَلَى الْمَحْذُوفِ. وَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الْإِيجَازِ.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى الْعَامِلِ لِلْاهْتِمَامِ بِإِخْطَارِهِ وَلِلرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ. وَالْقَائِلُ لَهُمْ
стр. 10032
هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ مَلَائِكَةُ الْمَحْشَرِ أَوْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، فَعَدَلَ عَنْ تَعْيِينِ الْقَائِلِ، إِذِ الْمَقْصُودُ الْمَقُولُ دُونَ الْقَائِلِ فَحَذْفُ الْقَائِلِ مِنَ الْإِيجَازِ.
وَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ تَعْرِيفِ جُزْأَيِ الْإِسْنَادِ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأَنَّهُمْ مِنْ شِدَّةِ جُحُودِهِمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ إِذَا رَأَوُا الْوَعْدَ حَسِبُوهُ شَيْئًا آخَرَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا [الْأَحْقَاف: ٢٤] .
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ سِيئَتْ بِكَسْرَةِ السِّينِ خَالِصَةً، وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ بِإِشْمَامِ الْكَسْرَةِ ضَمَّةً، وَهُمَا لُغَتَانِ فِي فَاءِ كُلِّ ثُلَاثِيٍّ مُعْتَلِ الْعَيْنِ إِذَا بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تَدَّعُونَ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ وَقَرَأَهُ يَعْقُوبُ بِسُكُونِ الدَّالِ مِنَ الدُّعَاءِ، أَيِ الَّذِي كُنْتُمْ تَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ يُصِيبَكُمْ بِهِ تَهَكُّمًا وَعِنَادًا كَمَا قَالُوا فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الْأَنْفَال: ٣٢] .
[٢٨]
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ٢٨]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨)
هَذَا تَكْرِيرٌ ثَان لفعل قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ [الْملك: ٢٣] .
كَانَ مِنْ بَذَاءَةِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَجْهَرُوا بِتَمَنِّي هَلَاكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَلَاكِ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ حَكَى الْقُرْآنُ عَنْهُمْ أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطّور: ٣٠] وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ [التَّوْبَة: ٩٨] ، وَكَانُوا يَتَآمَرُونَ عَلَى قَتْلِهِ، قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ [الْأَنْفَال: ٣٠] ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِأَنْ يُعَرِّفَهُمْ حَقِيقَةً تَدْحَضُ أَمَانِيِّهِمْ، وَهِيَ أَنَّ مَوْتَ أَحَدٍ أَوْ حَيَاتَهُ لَا يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ مَا جَرَّهُ إِلَيْهِ عَمَلُهُ، وَقَدْ جَرَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْمَالُهُمْ غَضَبَ اللَّهِ وَوَعِيدَهُ فَهُوَ نَائِلُهُمْ حَيِيَ الرَّسُولُ ﷺ أَوْ بَادَرَهُ الْمَنُونُ،
قَالَ تَعَالَى: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ [الزخرف: ٤١، ٤٢] وَقَالَ: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ [الْأَنْبِيَاء: ٣٤] وَقَالَ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] أَيِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى وَمَا يُقَارِبُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَيُنْسَبُ إِلَى الشَّافِعِيِّ:
تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ فَإِنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِأَوْحَدِ
стр. 10033
فَقَدْ يَكُونُ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ صَادَفَ مَقَالَةً مِنْ مَقَالَاتِهِمْ هَذِهِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِي أَثْنَائِهَا وَقَدْ يَكُونُ نُزُولُهَا لِمُنَاسَبَةِ حِكَايَةِ قَوْلِهِمْ: مَتى هذَا الْوَعْدُ [الْملك: ٢٥] بِأَنْ قَارَنَهُ كَلَامٌ بَذِيءٌ مِثْلُ أَنْ يَقُولُوا: أَبْعَدَ هَلَاكِكَ يَأْتِي الْوَعْدُ.
وَالْإِهْلَاكُ: الْإِمَاتَةُ، وَمُقَابَلَةُ أَهْلَكَنِيَ بِ رَحِمَنا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ: أَوْ رَحِمْنَا بِالْحَيَاةِ، فَيُفِيدُ أَنَّ الْحَيَاةَ رَحْمَةٌ، وَأَنَّ تَأْخِيرَ الْأَجَلَ مِنَ النِّعَمِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَخِّرِ اللَّهُ أَجْلَ نَبِيئَهِ ﷺ مَعَ أَنَّهُ أَشْرَفُ الرُّسُلِ لِحِكَمٍ أَرَادَهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ: «حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَمَوْتِي خَيْرٌ لَكُمْ»
، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَكْمَلَ الدِّينَ الَّذِي أَرَادَ إِبْلَاغَهُ فَكَانَ إِكْمَالُهُ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْبَعْثَةِ، وَكَانَ اسْتِمْرَارُ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَى النَّبِيءِ ﷺ خِصِّيصِيَّةً خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَمَّا أَتَمَّ اللَّهُ دِينَهُ رَبَا بِرَسُولِهِ ﷺ أَنْ يَبْقَى غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِنُزُولِ الْوَحْيِ فَنَقَلَهُ اللَّهُ إِلَى الِاتِّصَالِ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى مُبَاشَرَةً بِلَا وَاسِطَةٍ، وَقَدْ أَشَارَتْ إِلَى هَذَا سُورَةُ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النَّصْر: ١- ٣] . وَلِلَّهِ دَرُّ عَبَدِ بَنِيِ الْحَسْحَاسِ فِي عَبْرَتِهِ بقوله:
رَأَيْت لمنايا لَمْ يَدَعْنَ مُحَمَّدًا ... وَلَا بَاقِيًا إِلَّا لَهُ الْمَوْتُ مُرْصَدًا
وَقَدْ عَوَّضَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاةٍ أَعْلَى وَأَجَلَّ، إِذْ قَالَ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الشَّرْح: ٤] ، وَبِالْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ الْعَاجِلَةِ وَهِيَ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ رُوحَهُ الزَّكِيَّةَ كُلَّمَا سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَيَرُدُّ ﵇ كَمَا ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وَإِنَّمَا سَمَّى الْحَيَاةَ رَحْمَةً لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ، لِأَنَّ فِي حَيَاتِهِ نِعْمَةً لَهُ وَلِلنَّاسِ مَا دَامَ اللَّهُ مُقَدِّرًا حَيَاتَهُ، وَحَيَاةُ الْمُؤْمِنِ رَحْمَةٌ لِأَنَّهُ تَكْثُرُ لَهُ فِيهَا بَرَكَةُ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
وَالْاسْتِفْهَامُ فِي أَرَأَيْتُمْ إِنْكَارِيٌّ أَنْكَرَ انْدِفَاعَهُمْ إِلَى أُمْنِيَاتٍ وَرَغَائِبَ لَا يَجْتَنُونَ مِنْهَا نَفْعًا وَلَكِنَّهَا مِمَّا تُمْلِيهِ عَلَيْهِمُ النُّفُوسُ الْخَبِيثَةُ مِنَ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ.
وَالرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وَفِعْلُهُا مُعَلَّقٌ عَنِ الْعَمَلِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَرِدْ بَعْدَهُ مَفْعُولَاهُ، وَهُوَ مُعَلَّقٌ
بِالْاسْتِفْهَامِ الَّذِي فِي جُمْلَةِ جَوَابِ الشَّرْطِ، فَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: أَرَأَيْتُمْ أَنْفُسَكُمْ نَاجِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ إِنْ هَلَكَتُ وَهَلَكَ مَنْ مَعِي، فَهَلَاكُنَا لَا يَدْفَعُ عَنْكُمُ الْعَذَابَ الْمُعَدَّ لِلْكَافِرِينَ.
стр. 10034
وَأُقْحِمُ الشَّرْطُ بَين فعل الرُّؤْيَة وَمَا سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ.
وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ يَأْتِيكُمْ [الْملك: ٣٠] رَابِطَةٌ لِجَوَابِ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ بَعْدَ مَا أَصْلُهُ الْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ وَهُوَ الْمَفْعُولَانِ الْمُقَدَّرَانِ رَجَحَ جَانِبُ الشَّرْطِ.
وَالْمَعِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ مَعِيَ مَعِيَّةٌ مَجَازِيَّةٌ، وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُشَارَكَةُ فِي الْاعْتِقَادِ وَالدِّينِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [الْفَتْح:
٢٩] الْآيَةَ، أَيِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، وَقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [التَّحْرِيم: ٨] كَمَا أطلقت على الْمُوَافقَة فِي الرَّأْيِ وَالْفَهْمِ فِي قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي» ، يَعْنِي مُوَافِقٌ لِأَبِي سَلَمَةَ بن عبد الرحمان، وَذَلِكَ حِينَ اخْتَلَفَ أَبُو سَلَمَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْحَامِلِ إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا قَبْلَ مُضِيِّ عِدَّةِ الْوَفَاةِ.
وَالْاسْتِفْهَامُ بِقَوْلِهِ: فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ إِلَخْ إِنْكَارِيٌّ، أَيْ لَا يُجِيرُهُمْ مِنْهُ مُجِيرٌ، أَيْ أَظَنَنْتُمْ أَنْ تَجِدُوا مُجِيرًا لَكُمْ إِذَا هَلَكْنَا فَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فَمَاذَا يَنْفَعُكُمْ هَلَاكُنَا.
وَالْعَذَابُ الْمَذْكُورُ هُنَا مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْوَعْدِ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا.
وَتَنْكِيرُ عَذابٍ لِلتَّهْوِيلِ.
وَالْمُرَادُ بِ الْكافِرِينَ جَمِيعُ الْكَافِرِينَ فَيَشْمَلُ الْمُخَاطَبِينَ.
وَالْكَلَامُ بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ، وَفِيهِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَنْ يُجِيرُكُمْ مِنْ عَذَابٍ فَإِنَّكُمْ كَافِرُونَ وَلَا مُجِيرَ لِلْكَافِرِينَ.
وَذُكِرَ وَصْفُ الْكافِرِينَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ وَصْفٌ إِذَا عَلِقَ بِهِ حُكْمٌ أَفَادَ تَعْلِيلَ مَا مِنْهُ اشْتِقَاقُ الْوَصْفِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحَةٍ عَلَى يَاءِ أَهْلَكَنِيَ، وَقَرَأَهَا حَمْزَةُ بِإِسْكَانِ الْيَاءِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يَاءَ مَعِيَ بِفَتْحَةٍ. وَقَرَأَهَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيُّ بِسُكُون الْيَاء.
[٢٩]
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ٢٩]
قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩)
стр. 10035
هَذَا تَكْرِيرٌ ثَالِثٌ لِفِعْلِ قُلْ مِنْ قَوْلِهِ: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ [الْملك: ٢٣] الْآيَةَ.
وَجَاءَ هَذَا الْأَمْرُ بِقَوْلٍ يَقُولُهُ لَهُمْ بِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ: أَوْ رَحِمَنا [الْملك: ٢٨] فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ سَوَّى بَيْنَ فَرْضِ إِهْلَاكِ الْمُسْلِمِينَ وَإِحْيَائِهِمْ فِي أَنَّ أَيَّ الْحَالَيْنِ فُرِضَ لَا يُجِيرُهُمْ مَعَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَذَابِ، أَعْقَبَهُ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ آمَنُوا بِالرَّحْمَانِ، فَهُمْ مَظِنَّةُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِمْ هَذِهِ الصِّفَةُ فَيَرْحَمَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَيَعْلَمُ الْمُشْرِكُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ أَيَّ الْفَرِيقَيْنِ فِي ضَلَالٍ حِينَ يَرَوْنَ أَثَرَ الرَّحْمَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَانْتِفَاءَهُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي الدُّنْيَا وَخَاصَّةً فِي الْآخِرَةِ.
وَضَمِيرُ هُوَ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْوَاقِعُ فِي الْجُمْلَةِ قَبْلَهُ، أَيِ اللَّهُ هُوَ الَّذِي وَصفه الرَّحْمنُ فَهُوَ يَرْحَمُنَا، وَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هَذَا الْاسْمَ فَأَنْتُمْ أَحْرِيَاءُ بِأَنْ تُحْرَمُوا آثَارَ رَحْمَتِهِ.
وَنَحْنُ تَوَكَّلْنَا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ وَأَنْتُمْ غَرَّكُمْ عِزُّكُمْ وَجَعَلْتُمُ الْأَصْنَامَ مُعْتَمَدَكُمْ وَوُكَلَاءَكُمْ.
وَبِهَذِهِ التَّوْطِئَةِ يَقَعُ الْإِيمَاءُ إِلَى الْجَانِبِ الْمُهْتَدِي وَالْجَانِبِ الضَّالِّ مِنْ قَوْلِهِ:
فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ لِأَنَّهُ يظْهر بداء تَأَمُّلٍ أَنَّ الَّذِينَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ هُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا وَصْفَ الرَّحْمنُ وَتَوَكَّلُوا عَلَى الْأَوْثَانِ.
ومَنْ مَوْصُولَة، وَمَا صدق مَنْ فَرِيقٌ مُبْهَمٌ مُتَرَدِّدٌ بَين فريقين تضمنهما قَوْلُهُ:
إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ [الْملك: ٢٨] وَقَوْلُهُ: فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ [الْملك: ٢٨] ، فَأَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ فَرِيقُ النَّبِيءِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ، وَالْآخَرُ فَرِيقُ الْكَافِرِينَ، أَيْ فَسَتَعْلَمُونَ اتِّضَاحَ الْفَرِيقِ الَّذِي هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
وَتَقْدِيمُ مَعْمُولِ تَوَكَّلْنا عَلَيْهِ لِإِفَادَةِ الْاخْتِصَاصِ، أَيْ تَوَكَّلْنَا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ تَعْرِيضًا بِمُخَالَفَةِ حَالِ الْمُشْرِكِينَ إِذْ تَوَكَّلُوا على أصنامهم وأشركوها فِي التَّوَكُّلِ مَعَ اللَّهِ، أَوْ نَسُوا التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ بِاشْتِغَالِ فَكْرَتِهِمْ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْأَصْنَامِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يُقَدَّمْ مَعْمُولُ آمَنَّا عَلَيْهِ فَلَمْ يَقُلْ: بِهِ آمَنَّا لِمُجَرَّدِ الْاهْتِمَامِ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْ إِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ لِوُقُوعِهِ عَقِبَ وَصْفِ الْآخَرِينَ بِالْكُفْرِ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الْملك: ٢٨] فَإِنَّ هَذَا جَوَاب آخر عَن تَمَنِّيهِمْ لَهُ الْهَلَاكَ سلك بِهِ طَرِيقَ التَّبْكِيتِ، أَي هُوَ الرحمان يُجِيرُنَا مِنْ سُوءٍ تَرُومُونَهُ لَنَا لِأَنَّنَا آمَنَّا بِهِ وَلَمْ نَكْفُرْ بِهِ
стр. 10036
كَمَا كَفَرْتُمْ، فَلَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ فِي إِيرَادِهِ نَفْيَ الْإِشْرَاكِ وَإِثْبَاتَ التَّوْحِيدِ، إِذِ الْكَلَامُ فِي الْإِهْلَاكِ وَالْإِنْجَاءِ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ ب رَحِمَنا [الْملك: ٢٨] فَجِيءَ بِجُمْلَةِ آمَنَّا عَلَى أَصْلٍ مُجَرَّدٍ مَعْنَاهَا دُونَ قَصْدِ الْاخْتِصَاصِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا لِأَنَّ التَّوَكُّلَ يَقْتَضِي مُنْجِيًا وَنَاصِرًا،
وَالْمُشْرِكُونَ مُتَوَكِّلُونَ عَلَى أَصْنَامِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَقِيلَ: نَحْنُ لَا نَتَّكِلُ عَلَى مَا أَنْتُم متكلون عَلَيْهِ، بل على الرحمان وَحْدَهُ تَوَكُّلُنَا.
وَفِعْلُ فَسَتَعْلَمُونَ مُعَلَّقٌ عَنِ الْعَمَلِ لِمَجِيءِ الْاسْتِفْهَامِ بَعْدَهُ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَسَتَعْلَمُونَ بِتَاءِ الْخِطَابِ عَلَى أَنَّهُ مِمَّا أُمِرَ بِقَوْلِهِ الرَّسُولُ ﷺ . وَقَرَأَهُ الْكِسَائِيُّ بِيَاءِ الْغَائِبِ عَلَى أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأَنَّهُ سَيُعَاقِبُهُمْ عِقَاب الضالّين.
[٣٠]
[سُورَة الْملك (٦٧) : آيَة ٣٠]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)
إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ يَتَرَقَّبُهُمْ عَذَابُ الْجُوعِ بِالْقَحْطِ وَالْجَفَافِ فَإِنَّ مَكَّةَ قَلِيلَةُ الْمِيَاهِ وَلَمْ تَكُنْ بِهَا عُيُونٌ وَلَا آبَارٌ قَبْلَ زَمْزَمَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ تَعَجُّبِ الْقَافِلَةِ مِنْ (جُرْهُمَ) الَّتِي مَرَّتْ بِمَوْضِعِ مَكَّةَ حِينَ أَسْكَنَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ هَاجَرَ بِابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ فَفَجَّرَ اللَّهُ لَهَا زَمْزَمَ وَلَمَحَتِ الْقَافِلَةُ الطَّيْرَ تَحُومُ حَوْلَ مَكَانِهَا فَقَالُوا: مَا عَهِدْنَا بِهَذِهِ الْأَرْضِ مَاءً، ثُمَّ حَفَرَ مَيْمُونُ بْنُ خَالِدٍ الْحَضْرَمِيُّ بِأَعْلَاهَا بِئْرًا تُسَمَّى بِئْرُ مَيْمُونٍ فِي عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ قُبَيْلَ الْبَعْثَةِ، وَكَانَتْ بِهَا بِئْرٌ أُخْرَى تُسَمَّى الْجَفْرُ (بِالْجِيمِ) لِبَنِيِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةٍ، وَبِئْرٍ تُسَمَّى الْجَمُّ ذَكَرَهَا ابْنُ عَطِيَّةَ وأهملها «الْقَامُوس» و «تاجه» ، وَلَعَلَّ هَاتَيْنِ الْبِئْرَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ لَمْ تَكُونَا فِي عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ .
فَمَاءُ هَذِهِ الْآبَارِ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِأَنَّهُ يُصْبِحُ غَوْرًا، وَهَذَا الْإِنْذَارُ نَظِيرُ الْوَاقِعِ فِي سُورَةِ الْقَلَمِ [١٧- ٣٣] إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِلَى قَوْلِهِ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
وَالْغَوْرُ: مَصْدَرُ غَارَتِ الْبِئْرُ، إِذَا نَزَحَ مَاؤُهَا فَلَمْ تَنَلْهُ الدِّلَاءُ.
وَالْمرَاد: مَاء الْبِئْر كَمَا فِي قَوْلِهِ: أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فِي ذِكْرِ جَنَّةِ سُورَةِ الْكَهْفِ
стр. 10037
وَأَصْلُ الْغَوْرِ: ذَهَابُ الْمَاءِ فِي الْأَرْضِ، مَصْدَرُ غَارَ الْمَاءُ إِذَا ذَهَبَ فِي الْأَرْضِ، وَالْإِخْبَارُ بِهِ عَنِ الْمَاءِ مِنْ بَابِ الْوَصْفِ بِالْمَصْدَرِ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلَ: عَدْلٍ وَرِضًى. وَالْمَعِينُ:
الظَّاهِرُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالْبِئْرُ الْمَعِينَةُ: الْقَرِيبَةُ الْمَاءِ على وَجه التَّشَبُّه.
وَالْاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ، أَيْ لَا يَأْتِيكُمْ أَحَدٌ بِمَاءٍ مَعِينٍ: أَيْ غَيْرَ اللَّهِ وَأَكْتَفِي عَنْ ذِكْرِهِ لِظُهُورِهِ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ وَمِنْ قَوْلِهِ قَبْلَهُ
أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ [الْملك: ٢٠] الْآيَتَيْنِ.
وَقَدْ أُصِيبُوا بِقَحْطٍ شَدِيدٍ بَعْدَ خُرُوجِ النَّبِيءِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ انْحِبَاسَ الْمَطَرِ يَتْبَعُهُ غَوْرُ مِيَاهِ الْآبَارِ لِأَنَّ اسْتِمْدَادَهَا مِنَ الْمَاءِ النَّازِلِ عَلَى الْأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ [الزمر: ٢١] وَقَالَ: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ [الْبَقَرَة: ٧٤] .
وَمِنَ النَّوَادِرِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي «الْكَشَّافِ» مَعَ مَا نُقِلَ عَنْهُ فِي «بَيَانِهِ» :، قَالَ: وَعَنْ بَعْضِ الشُطَّارِ (هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ الطَّبِيبُ كَمَا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ) أَنَّهَا (أَيْ هَذِهِ الْآيَةِ) تُلِيَتْ عِنْدَهُ فَقَالَ: تَجِيءُ بِهِ (أَي المَاء) الفؤوس وَالْمَعَاوِلُ، فَذَهَبَ مَاءُ عَيْنَيْهِ. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى آيَاتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 10038
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٨- سُورَةُ الْقَلَمِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي مُعْظَمِ التَّفَاسِيرِ وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» سُورَةَ ن وَالْقَلَمِ عَلَى حِكَايَةِ اللَّفْظَيْنِ الْوَاقِعَيْنِ فِي أَوَّلِهَا، أَيْ سُورَةُ هَذَا اللَّفْظِ.
وَتَرْجَمَهَا التِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ» وَبَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ سُورَةَ ن بِالْاقْتِصَارِ عَلَى الْحَرْفِ الْمُفْرَدِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ مِثْلُ مَا سُمِّيَتْ سُورَةُ ص وَسُورَةُ ق.
وَفِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ سُمِّيَتْ سُورَةُ الْقَلَمِ وَكَذَلِكَ رَأَيْتُ تَسْمِيَتَهَا فِي مُصْحَفٍ مَخْطُوطٍ بِالْخَطِّ الْكُوفِيِّ فِي الْقَرْنِ الْخَامِسِ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ.
وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ قَالَا: أَوَّلُهَا مَكِّيٌّ، إِلَى قَوْلِهِ:
عَلَى الْخُرْطُومِ [الْقَلَم: ١٦] وَمِنْ قَوْلِهِ: إِنَّا بَلَوْناهُمْ إِلَى لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [الْقَلَم:
١٧- ٣٣] مَدَنِيٌّ، وَمِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ إِلَى قَوْلِهِ: فَهُمْ يَكْتُبُونَ [الْقَلَم: ٣٤- ٤٧] مَكِّيٌّ
стр. 10039
وَمِنْ قَوْلِهِ: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ إِلَى قَوْلِهِ: مِنَ الصَّالِحِينَ [الْقَلَم:
٤٨- ٥٠] مَدَّنِيٌّ، وَمِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الْقَلَم: ٥١] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ مَكِّيٌّ.
وَفِي «الْإِتْقَانِ» عَنِ السَّخَاوِيِّ: أَنَّ الْمَدَنِيَّ مِنْهَا مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّا بَلَوْناهُمْ إِلَى لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [الْقَلَم: ١٧- ٣٣] وَمِنْ قَوْلِهِ: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ إِلَى قَوْلِهِ: مِنَ الصَّالِحِينَ [الْقَلَم: ٤٨- ٥٠] فَلَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهُ: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَى قَوْلِهِ: فَهُمْ يَكْتُبُونَ [الْقَلَم:
٣٤- ٤٧] مَدَنِيًّا خِلَافًا لِمَا نَسَبَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَهَذِهِ السُّورَةُ عَدَّهَا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ثَانِيَةَ السُّورِ نُزُولًا قَالَ: نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وَبَعْدَهَا سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ ثُمَّ سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ، وَالْأَصَحُّ حَدِيثُ عَائِشَةَ «أَنَّ أَوَّلَ مَا أُنْزِلَ
سُورَةُ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ» .
وَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ سُورَةَ الْمُدَّثِّرِ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ» يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂.
وَفِي «تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ» : أَنَّ مُعْظَمَ السُّورَةِ نَزَلَ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَبِي جَهْلٍ.
وَاتَّفَقَ الْعَادُّونَ عَلَى عَدِّ آيِهَا ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ.
أَغْرَاضُهَا
جَاءَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْإِيمَاءُ بِالْحَرْفِ الَّذِي فِي أَوَّلِهَا إِلَى تَحَدِّي الْمُعَانِدِينَ بِالتَّعْجِيزِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ، وَهَذَا أَوَّلُ التَّحَدِّي الْوَاقِعِ فِي الْقُرْآنِ إِذْ لَيْسَ فِي سُورَةِ الْعَلَقِ وَلَا فِي الْمُزَّمِّلِ وَلَا فِي الْمُدَّثِّرِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّحَدِّي وَلَا تَصْرِيحٌ.
وَفِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى التَّحَدِّي بِمُعْجِزَةِ الْأُمِّيَّةِ بِقَوْلِهِ: وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ [الْقَلَم: ١] .
وَابْتُدِئَتْ بِخِطَابِ النَّبِيءِ ﷺ تَأْنِيسًا لَهُ وَتَسْلِيَةً عَمَّا لَقِيَهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ.
وَإِبْطَالُ مَطَاعِنِ الْمُشْرِكِينَ فِي النَّبِيءِ ﷺ .
وَإِثْبَاتُ كَمَالَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهَدْيِهِ وَضَلَالِ مُعَانَدِيهِ وَتَثْبِيتِهِ.
وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالْقَسَمِ بِمَا هُوَ مِنْ مَظَاهِرِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَعْلِيمِ الْإِنْسَانِ
стр. 10040
الْكِتَابَةَ فَتَضَمَّنَ تَشْرِيفَ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَالْكِتَابَةِ وَالْعِلْمِ لِتَهْيِئَةِ الْأُمَّةِ لِخَلْعِ دِثَارِ الْأُمِّيَّةِ عَنْهُمْ وَإِقْبَالِهِمْ عَلَى الْكِتَابَةِ وَالْعِلْمِ لِتَكُونَ الْكِتَابَةُ وَالْعِلْمُ سَبَبًا لِحِفْظِ الْقُرْآنِ.
ثُمَّ أَنْحَى عَلَى زُعَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ مَثْلِ أَبِي جَهْلٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِمَذَمَّاتٍ كَثِيرَةٍ وَتَوَعَّدَهُمْ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ وَبِبَلَايَا فِي الدُّنْيَا بِأَنْ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا بِمَنْ غَرَّهُمْ عِزَّهُمْ وَثَرَاؤُهُمْ، فَأَزَالَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَأَبَادَ نِعْمَتَهُمْ.
وَقَابَلَ ذَلِكَ بِحَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ وَأَنَّ اللَّهَ اجْتَبَاهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَأَنَّ آلِهَتَهُمْ لَا يُغْنُونَ عَنْهُمْ شَيْئًا مِنَ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ.
وَوَعَظَهُمْ بِأَنَّ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ اسْتِدْرَاجٌ وَإِمْلَاءٌ جَزَاءَ كَيْدِهِمْ. وَأَنَّهُمْ لَا مَعْذِرَةَ لَهُمْ فِيمَا قَابَلُوا بِهِ دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ مِنْ طُغْيَانِهِمْ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي الْإِنْصَاتِ إِلَيْهَا.
وَأَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فِي تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ وَتَلَقِّي أَذَى قَوْمِهِ، وَأَنْ لَا يَضْجَرَ فِي ذَلِكَ
ضَجَرًا عَاتَبَ الله عَلَيْهِ نبيئه يُونُسَ ﵇.
[١- ٤]
[سُورَة الْقَلَم (٦٨) : الْآيَات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)
ن افْتِتَاحُ هَذِهِ السُّورَةِ بِأَحَدِ حُرُوفِ الْهِجَاءِ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ أَمْثَالِهَا مِنْ فَوَاتِحِ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الْمُبَيَّنَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَهَذِهِ أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مُفْتَتَحَةً بِحَرْفٍ مَقْطَعٍ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ.
وَرَسَمُوا حَرْفَ ن بِصُورَتِهِ الَّتِي يُرْسَمُ بِهَا فِي الْخَطِّ وَهِيَ مُسَمَّى اسْمِهِ الَّذِي هُوَ نُونٌ (بِنُونٍ بَعْدَهَا وَاوٍ ثُمَّ نُونٍ) وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تُكْتَبَ الْحُرُوفُ الثَّلَاثَةُ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَبَعٌ لِلنُّطْقِ وَالْمَنْطُوقِ بِهِ هُوَ اسْمُ الْحَرْفِ لَا ذَاتُهُ، لِأَنَّكَ إِذَا أَرَدْتَ كِتَابَةَ سَيْفٍ مَثَلًا فَإِنَّمَا تَرْسُمُ سِينًا، وَيَاءً، وَفَاءً، وَلَا تَرْسُمُ صُورَةَ سَيْفٍ.
وَإِنَّمَا يُقْرَأُ بِاسْمِ الْحِرَفِ لَا بِهِجَائِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَيُنْطَقُ بِاسْمِ نُونٍ سَاكِنَ الْآخِرِ سُكُونَ الْكَلِمَاتِ قَبْلَ دُخُولِ الْعَوَامِلِ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ قرىء فِي الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
стр. 10041
وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ١ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ٢ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ٣ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ٤ يَجْرِي الْقَسَمُ هُنَا عَلَى سُنَنِ الْأَقْسَامِ الصَّادِرَةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَكُونَ بِأَشْيَاءٍ مُعَظَّمَةٍ دَالَّةٍ عَلَى آثَارِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى.
والْقَلَمِ الْمُقْسَمُ بِهِ قِيلَ هُوَ مَا يُكَنَّى عَنْهُ بِالْقَلَمِ مِنْ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِالْمَوْجُودَاتِ الْكَائِنَةِ وَالَّتِي سَتَكُونُ، أَوْ هُوَ كَائِنٌ غَيْبِيٌّ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةٍ: أَنَّهُ الْقَلَمُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ٤- ٥] . قُلْتُ:
وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ: وَما يَسْطُرُونَ فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَالُ الْمُشْرِكِينَ الْمَقْصُودِينَ بِالْخِطَابِ الَّذِينَ لَا يعْرفُونَ إِلَّا الْقَلَمَ الَّذِي هُوَ آلَةُ الْكِتَابَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعِنْدَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْكِتَابَةَ مِنَ الْعَرَبِ.
وَمِنْ فَوَائِدَ هَذَا الْقَسَمُ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ كِتَابُ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ سَيَكُونُ مَكْتُوبًا مَقْرُوءًا بَيْنَ
الْمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِكِتَابَةِ مَا يُوحَى بِهِ إِلَيْهِ وَتَعْرِيفُ الْقَلَمِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ.
فَالْقَسَمُ بِالْقَلَمِ لِشَرَفِهِ بِأَنَّهُ يُكْتَبُ بِهِ الْقُرْآنُ وَكُتِبَتْ بِهِ الْكُتُبُ الْمُقَدَّسَةُ وَتُكْتَبُ بِهِ كُتُبُ التَّرْبِيَةِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْعُلُومِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ حَظُّ شَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهَذَا يُرَجِّحُهُ أَنَّ اللَّهَ نَوَّهُ بِالْقَلَمِ فِي أَوَّلِ سُورَةٍ نَزَلَتْ من الْقُرْآن بقوله: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ٣- ٥] .
وَمَا يَسْطُرُونَ هِيَ السُّطُورُ الْمَكْتُوبَةُ بِالْقَلَمِ.
وَمَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، أَيْ وَمَا يَكْتُبُونَهُ مِنَ الصُّحُفِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وَالْمَعْنَى: وَسَطْرِهِمُ الْكِتَابَةَ سُطُورًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَسَمًا بِالْأَقْلَامِ الَّتِي يَكْتُبُ بِهَا كُتَّابُ الْوَحْيِ الْقُرْآنَ، وَما يَسْطُرُونَ قَسَمًا بِكِتَابَتِهِمْ، فَيَكُونُ قَسَمًا بِالْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَا هُوَ بِكَلَامِ مَجْنُونٍ
стр. 10042
كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ [٢- ٣] ، وَتَنْظِيرُهُ بِقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ:
وَثَنَايَاكِ إِنَّهَا إِغْرِيضٌ ... الْبَيْتَ ويَسْطُرُونَ: مُضَارِعُ سَطَرَ، يُقَالُ: سَطَرَ مِنْ بَابِ نَصَرَ، إِذَا كَتَبَ كَلِمَاتٍ عِدَّةٍ تَحْصُلُ مِنْهَا صُفُوفٌ مِنَ الْكِتَابَةِ، وَأَصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّطْرِ وَهُوَ الْقَطْعُ، لِأَنَّ صُفُوفَ الْكِتَابَةِ تَبْدُو كَأَنَّهَا قِطَعٌ.
وَضَمِيرُ يَسْطُرُونَ رَاجِعٌ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْكَلَامِ وَهُوَ مَعْلُومٌ لِلسَّامِعِينَ لِأَنَّ ذكر الْقَلَم ينبىء بِكَتَبَةٍ يَكْتُبُونَ بِهِ فَكَانَ لَفْظُ الْقَسَمِ مُتَعَلِّقًا بِآلَةِ الْكِتَابَةِ وَالْكِتَابَةِ، وَالْمَقْصُودُ:
الْمَكْتُوبُ فِي إِطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ لِأَنَّ السَّاطِرِينَ غَيْرُ مَعْلُومِينَ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَالْمَسْطُورِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [الطّور: ٢- ٣] .
وَمَنْ فَسَّرَ الْقَلَمِ بِمَعْنَى تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا سَيَكُونُ جَعَلَ ضَمِيرَ يَسْطُرُونَ رَاجِعًا إِلَى الْمَلَائِكَةِ فَيَكُونُ السَّطْرُ رَمْزًا لِتَنْفِيذِ الْمَلَائِكَةِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِتَنْفِيذِهِ حِينَ تَلَقِّي ذَلِكَ، أَيْ يَكْتُبُونَ ذَلِكَ لِلْعَمَلِ بِهِ أَوْ لِإِبْلَاغِهِ مِنْ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَلَا
النُّقْصَانَ، فَشُبِّهَ ذَلِكَ الضَّبْطُ بِضَبْطِ الْكَاتِبِ مَا يُرِيدُ إِبْلَاغَهُ بِدُونِ تَغْيِيرٍ.
وَأُوثِرَ الْقَسَمُ بِالْقَلَمِ وَالْكِتَابَةِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ بَاعِثَ الطَّاعِنِينَ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ واللّامزين لَهُ بالمجنون، إِنَّمَا هُوَ مَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنَ الْكِتَابِ.
وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ نَفْيُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ مَجْنُونًا وَالْخِطَابُ لَهُ بِهَذَا تَسْلِيَةً لَهُ لِئَلَّا يُحْزِنَهُ قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ: هُوَ مَجْنُونٌ، وَذَلِكَ مَا شَافَهُوا بِهِ النَّبِيءَ ﷺ وَحَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي آخر السُّورَة [الْقَلَم: ٥١] وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ. وَهَكَذَا كُلُّ مَا وَرَدَ فِيهِ نَفْيُ صِفَةِ الْجُنُونِ عَنْهُ فَإِنَّمَا هُوَ رَدٌّ عَلَى أَقْوَالِ الْمُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير: ٢٢] . وَقَدْ زَلَّ فِيهِ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» زَلَّةً لَا تَلِيقُ بِعِلْمِهِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ نَفْيِ الْجُنُونِ عَنْهُ إِثْبَاتُ مَا قَصَدَ الْمُشْرِكُونَ نَفْيَهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ
стр. 10043
رَسُولًا مِنَ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَفَوْا عَنْهُ صِفَةَ الرِّسَالَةِ وَضَعُوا مَوْضِعَهَا صِفَةَ الْجُنُونِ، فَإِذَا نُفِيَ مَا زَعَمُوهُ فَقَدْ ثَبَتَ مَا ادَّعَاهُ.
وَقَدْ أُجِيبَ قَوْلُهُمْ وَتَأْكِيدُهُمْ ذَلِكَ بِحَرْفِ (إِنَّ) وَلَامِ الْابْتِدَاءِ إِذْ قَالُوا إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [الْقَلَم: ٥١] بِمُؤَكِّدَاتٍ أَقْوَى مِمَّا فِي كَلَامِهِمْ إِذْ أُقْسِمَ عَلَيْهِ وَجِيءَ بَعْدَ النَّفْيِ بِالْبَاءِ الَّتِي تُزَادُ بَعْدَ النَّفْيِ لِتَأْكِيدِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ الْاسْمِيَّةِ مَنْفِيَّةً لِدَلَالَةِ الْجُمْلَةِ الْاسْمِيَّةِ عَلَى ثَبَاتِ الْخَبَرِ، أَيْ تَحَقُّقِهِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ مُؤَكِّدَاتٍ.
وَقَوْلُهُ: بِنِعْمَةِ رَبِّكَ جَعَلَهُ فِي «الْكَشَّافِ» حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي مَجْنُونٍ الْمَنْفِيِّ. وَالتَّقْدِيرُ: انْتَفَى وَصْفُ الْمَجْنُونِ بِنِعْمَةِ رَبِّكِ عَلَيْكَ، وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ أَوِ السَّبَبِيَّةِ، أَيْ بِسَبَبِ إِنْعَامِ اللَّهِ إِذْ بَرَّأَكَ مِنَ النَّقَائِصِ. وَالَّذِي أَرَى أَنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً وَأَنَّ الْبَاءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ وَتَقْدِيرُهُ: أَنَّ ذَلِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، عَلَى نَحْوِ مَا قِيلَ فِي تَعَلُّقِ الْبَاءِ فِي قَوْله: بِسْمِ اللَّهِ [هود: ٤١] وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِعْمَالُهُمْ كَقَوْلِ الْحَمَاسِيِّ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ اللَّهَبِيِّ:
كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ فِي بُغْضِ صَاحِبِهِ ... بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكُمْ وَتَقْلُونَا
وَذَهَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي «أَمَالِيهِ» أَنَّ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَتَضَمَّنُهُ حَرْفُ مَا النَّافِيَةِ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ وَقَدَّرَهُ: انْتَفَى أَنْ تَكُونَ مَجْنُونًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ. وَلَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ:
(مَجْنُونٍ) إِذْ لَوْ عُلِّقَ بِهِ لَأَوْهَمَ نَفْيَ جُنُونٍ خَاص وَهُوَ الْمَجْنُون الَّذِي يَكُونُ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَقِيمٍ، وَاسْتَحْسَنَ هَذَا ابْنُ هِشَامٍ فِي «مُغْنِي اللَّبِيبِ» فِي الْبَابِ الثَّالِثِ لَوْلَا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِاتِّفَاقِ النُّحَاةِ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ بِالْحَرْفِ وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو الْفَتْحِ فِي خُصُوصِ تَعَلُّقِ الْمَجْرُورِ وَالظَّرْفِ بِمَعْنَى الْحَرْفِ النَّائِبِ عَنْ فِعْلٍ مِثْلُ حَرْفِ النِّدَاءِ فِي قَوْلِكَ: يَا لَزَيْدٍ (يُرِيدُ فِي الْاسْتِغَاثَةِ) ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ فِي سُورَةِ الطُّورِ [٢٩] .
وَلَمَّا ثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ فَدَفَعَ بُهْتَانَ أَعْدَائِهِ أَعْقَبَهُ بِإِكْرَامِهِ بِأَجْرٍ عَظِيمٍ عَلَى مَا لَقِيَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَذًى بِقَوْلِهِ: وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ بِقَرِينَةِ وُقُوعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِحَرْفِ إِنَّ وَبِلَامِ الْابْتِدَاءِ وَبِتَقْدِيمِ الْمَجْرُورِ وَهُوَ فِي قَوْلِهِ «لَكَ»
стр. 10044
وَهَذَا الْأَجْرُ هُوَ ثَوَابُ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ وَعِنَايَةُ اللَّهِ بِهِ وَنَصْرُهُ فِي الدُّنْيَا.
وَ «مَمْنُونٍ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ مَنِّ الْمُعْطِي عَلَى الْمُعْطَى إِذَا عَدَّ عَلَيْهِ عَطَاءَهُ وَذَكَرَهُ لَهُ، أَوِ افْتَخَرَ عَلَيْهِ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسُوءُ الْمُعْطَى، قَالَ النَّابِغَةُ:
عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ... لِوَالِدِهِ لَيْسَتْ بِذَاتِ عَقَارِبٍ
أَيْ لَيْسَ فِيهَا أَذًى، وَالْمَنُّ مِنَ الْأَذَى قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [الْبَقَرَة: ٢٦٤] .
وَقَدِ انْتَزَعَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ (بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ) أَوْ غَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ:
أَيَادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وَإِنْ هِيَ جَلَّتِ قَبْلَهُ:
سَأَشْكُرُ عَمْرًا إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي وَمُرَادُهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْمَعْرُوفُ بِالْأَشْدَقِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مَمْنُونٍ» مُشْتَقًّا مِنْ قَوْلِهِمْ: مَنَّ الْحَبْلَ، إِذَا قَطَعَهُ، أَيْ أَجْرًا غَيْرَ مَقْطُوعٍ عَنْكَ، وَهُوَ الثَّوَابُ الْمُتَزَايِدُ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ أَجْرًا أَبَدِيًّا فِي الْآخِرَةِ، وَلِهَذَا كَانَ لِإِيثَارِ كَلِمَةِ «مَمْنُونٍ» هُنَا مِنَ الْإِيجَازِ بِجَمْعِ مَعْنَيَيْنِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ فِي سُورَةِ هُودٍ [١٠٨] لِأَنَّ مَا هُنَا تَكْرِمَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ .
وَبَعْدَ أَنْ آنَسَ نَفْسَ رَسُولِهِ ﷺ بِالْوَعْدِ عَادَ إِلَى تَسْفِيهِ قَوْلِ الْأَعْدَاءِ فَحَقَّقَ أَنَّهُ مُتَلَبِّسٌ
بِخُلُقٍ عَظِيمٍ وَذَلِكَ ضِدُّ الْجُنُونِ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ مُؤَكِّدَاتٍ مِثْلُ مَا فِي الْجُمْلَةِ قَبْلَهُ.
وَالْخُلُقُ: طِبَاعُ النَّفْسِ، وَأَكْثَرُ إِطْلَاقِهِ عَلَى طِبَاعِ الْخَيْرِ إِذا لم يتبع بِنَعْتٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [١٣٧] .
وَالْعَظِيمُ: الرَّفِيعُ الْقَدْرِ وَهُوَ مُسْتَعَارٌ مِنْ ضَخَامَةِ الْجِسْمِ، وَشَاعَتْ هَذِهِ الْاسْتِعَارَةُ حَتَّى سَاوَتِ الْحَقِيقَةَ.
وَ (عَلَى) لِلْاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ الْمُرَادُ بِهِ التَّمَكُّنُ كَقَوْلِهِ: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النَّمْل: ٧٩] ، إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الزخرف: ٤٣] ، إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ [الْحَج: ٦٧] .
стр. 10045
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» أَيْ مَا تَضَمَّنَهُ الْقُرْآنُ مِنْ إِيقَاعِ الْفَضَائِلِ وَالْمَكَارِمِ وَالنَّهْيِ عَنْ أَضْدَادِهَا.
وَالْخُلُقُ الْعَظِيمُ: هُوَ الْخُلُقُ الْأَكْرَمُ فِي نَوْعِ الْأَخْلَاقِ وَهُوَ الْبَالِغُ أَشَدَّ الْكَمَالِ الْمَحْمُودِ فِي طَبْعِ الْإِنْسَانِ لِاجْتِمَاعِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي النَّبِيءِ ﷺ فَهُوَ حَسَنٌ مُعَامَلَته النَّاس على اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ الْمُقْتَضِيَةِ لِحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ، فَالْخُلُقُ الْعَظِيمُ أَرْفَعُ مِنْ مُطْلَقِ الْخُلُقِ الْحَسَنِ.
وَلِهَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» ، أَلَسْتَ تَقْرَأُ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [الْمُؤْمِنُونَ:
١] الْآيَاتِ الْعَشْرَ» . وَعَنْ عَلِيٍّ: الْخُلُقُ الْعَظِيمُ: هُوَ أَدَبُ الْقُرْآنِ وَيَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّ مَا وَصَفَ بِهِ الْقُرْآنُ مَحَامِدَ الْأَخْلَاقِ وَمَا وُصِفَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمرَان: ١٥٩] وَقَوْلِهِ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الْأَعْرَاف: ١٩٩] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ. وَمَا أَخَذَ بِهِ مِنَ الْأَدَبِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ غَيْرَ الْقُرْآنِ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ»
، فَجَعَلَ أَصْلَ شَرِيعَتِهِ إِكْمَالَ مَا يَحْتَاجُهُ الْبَشَرُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَكْبَرُ مَظْهَرٍ لِمَا فِي شَرْعِهِ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها [الجاثية: ١٨] وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ:
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الْأَنْعَام: ١٦٣] .
فَكَمَا جَعَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ جَعَلَ شَرِيعَتَهُ لِحَمْلِ النَّاسِ عَلَى التَّخَلُّقِ بِالْخُلُقِ الْعَظِيمِ بِمُنْتَهَى الْاسْتِطَاعَةِ.
وَبِهَذَا يَزْدَادُ وُضُوحًا مَعْنَى التَّمَكُّنِ الَّذِي أَفَادَهُ حَرْفُ الْاسْتِعْلَاءِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّكَ
لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
فَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ الْخُلُقُ الْعَظِيمُ فِي نَفْسِهِ، وَمُتَمَكِّنٌ مِنْهُ فِي دَعْوَتِهِ الدِّينِيَّةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جُمَاعَ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى الْخُلُقِ الْحَسَنِ هُوَ التَّدَيُّنُ، وَمَعْرِفَةُ الْحَقَائِقِ، وَحِلْمُ النَّفْسِ، وَالْعَدْلُ، وَالصَّبْرُ عَلَى الْمَتَاعِبِ، وَالْاعْتِرَافُ لِلْمُحْسِنِ، وَالتَّوَاضُعُ، وَالزُّهْدُ، وَالْعِفَّةُ، وَالْعَفْوُ، وَالْجُمُودُ، وَالْحَيَاءُ، وَالشَّجَاعَةُ، وَحُسْنُ الصَّمْتِ، وَالتَّؤُدَةُ، وَالْوَقَارُ، وَالرَّحْمَةُ، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ.
وَالْأَخْلَاقُ كَامِنَةٌ فِي النَّفْسِ وَمَظَاهِرُهَا تَصَرُّفَاتُ صَاحِبِهَا فِي كَلَامِهِ، وَطَلَاقَةِ
стр. 10046
وَجْهِهِ، وَثَبَاتِهِ، وَحُكْمِهِ، وَحَرَكَتِهِ وَسُكُونِهِ، وَطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَتَأْدِيبِ أَهْلِهِ وَمَنْ لِنَظِرِهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حُرْمَتِهِ عِنْدَ النَّاسِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالسُّمْعَةِ.
وَأَمَّا مَظَاهِرُهَا فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفِي ذَلِكَ كُله وَفِي سياسته أُمَّتِهِ، وَفِيمَا خُصَّ بِهِ مِنْ فَصَاحَةِ كَلَامِهِ وجوامع كَلمه.
[٥- ٦]
[سُورَة الْقَلَم (٦٨) : الْآيَات ٥ إِلَى ٦]
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)
الْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلَى قَوْلِهِ: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [الْقَلَم: ٢] بِاعْتِبَارِ مَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ [الْقَلَم: ٢] مِنْ إِبْطَالِ مَقَالَةٍ قِيلَتْ فِي شَأْنِهِ قَالَهَا أَعْدَاؤُهُ فِي الدِّينِ، ابْتَدَأَ بِإِبْطَالِ بُهْتَانِهِمْ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ إِذَا نَظَرُوا الدَّلَائِلَ وَتَوَسَّمُوا الشَّمَائِلَ عَلِمُوا أَيَّ الْفَرِيقَيْنِ الْمَفْتُونَ أَهُمْ مَفْتُونُونَ بِالْانْصِرَافِ عَنِ الْحَقِّ وَالرُّشْدِ، أَمْ هُوَ بِاخْتِلَالِ الْعَقْلِ كَمَا اخْتَلَقُوا.
وَالْمَقْصُودُ هُوَ مَا فِي قَوْلِهِ: وَيُبْصِرُونَ وَلَكِنْ أُدْمِجَ فِيهِ قَوْلُهُ: فَسَتُبْصِرُ لِيَتَأَتَّى بِذِكْرِ الْجَانِبَيْنِ إِيقَاعُ كَلَامٍ مُنْصِفٍ (أَيْ دَاعٍ إِلَى الْإِنْصَافِ) عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤] لِأَنَّ الْقُرْآنَ يَبْلُغُ مَسَامِعَهُمْ وَيُتْلَى عَلَيْهِمْ.
وَفِعْلَا (تُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) ، بِمَعْنَى الْبَصَرِ الْحِسِّيِّ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مَعْنَاهُ فَسَتَعْلَمُ وَيَعْلَمُونَ، فَجَعَلَهُ مِثْلَ اسْتِعْمَالِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ فِي مَعْنَى الظَّنِّ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ تَفْسِيرَ حَاصِلِ الْمَعْنَى إِذْ قَدْ قِيلَ إِنَّ الْفِعْلَ الْمُشْتَقَّ مِنْ (أَبْصَرَ) لَا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الظَّنِّ وَالْاعْتِقَادُ عِنْدَ جُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ وَالنُّحَاةِ خِلَافًا لِهِشَامٍ كَذَا فِي «التَّسْهِيلِ» (١) فَالْمَعْنَى: سَتَرَى وَيَرَوْنَ رَأْيَ الْعَيْنِ أَيَّكُمُ الْمفْتُون فَإِن كَانَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ فَإِنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَدْ رَأَى ذَلِكَ فَالسِّينُ فِي قَوْلِهِ: فَسَتُبْصِرُ لِلتَّأْكِيدِ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَسَيَرَوْنَ ذَلِكَ، أَيْ يَعْلَمُونَ آثَارَ فُتُونِهِمْ وَذَلِكَ
فِيمَا يَرَوْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ الْفَتْحِ.
وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْبَصَرِ الْحِسِّيِّ فَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِي كِلَا الْفِعْلَيْنِ لِلْاسْتِقْبَالِ.
وَضَمِيرُ يُبْصِرُونَ عَائِدٌ إِلَى مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ عِنْدَ السَّامِعِ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ الْقَائِلُونَ: هُوَ مَجْنُونٌ. стр. 10047
وَ (أَيِّ) اسْمٌ مُبْهَمٌ يَتَعَرَّفُ بِمَا يُضَافُ هُوَ إِلَيْهِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ مَدْلُولَ (أَيِّ) فَرْدٌ أَوْ طَائِفَةٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ مُشَارِكٍ فِي طَائِفَتِهِ مِنْ جَنْسٍ أَو وصف بمميّز وَاقِعِيٍّ أَوْ جَعْلِيٍّ، فَهَذَا مَدْلُولُ (أَيِّ) فِي جَمِيعِ مَوَاقِعِهِ، وَلَهُ مَوَاقِعُ كَثِيرَةٌ فِي الْكَلَامِ، فَقَدْ يُشْرِبُ (أَيِّ) مَعْنَى الْمَوْصُولِ، وَمَعْنَى الشَّرْطِ، وَمَعْنَى الْاسْتِفْهَامِ، وَمَعْنَى التَّنْوِيهِ بِكَامِلٍ، وَمَعْنَى الْمُعَرَّفِ بِ (أَلْ) إِذَا وَصَلَ بِنِدَائِهِ.
وَهُوَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ يُفِيدُ شَيْئًا مُتَمَيِّزًا عَمَّا يُشَارِكُهُ فِي طَائِفَتِهِ الْمَدْلُولَةِ بِمَا أُضِيفَ هُوَ إِلَيْهِ، فَقَوله تَعَالَى: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ مَعْنَاهُ: أَيُّ رَجُلٍ، أَوْ أَيُّ فَرِيقٍ مِنْكُمُ الْمَفْتُونُ، فَ (أَيِّ) فِي مَوْقِعِهِ هُنَا اسْمٌ فِي مَوْقِعِ الْمَفْعُولِ لِ (تُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ تَعَلُّقَ الْمَجْرُورِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِعْمَالُ (أَيِّ) فِي الْاسْتِفْهَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [١٨٥] .
والْمَفْتُونُ: اسْمُ مَفْعُولٍ وَهُوَ الَّذِي أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يُرَاد بهَا هُنَا الْجُنُونُ فَإِنَّ الْجُنُونَ يُعَدُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ قَبِيلِ الْفِتْنَةِ (يَقُولُونَ لِلْمَجْنُونِ: فَتَنَتْهُ الْجِنُّ) وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مَا يَصْدُقُ عَلَى الْمُضْطَرِبِ فِي أَمْرِهِ الْمَفْتُونِ فِي عَقْلِهِ حَيْرَةً وَتَقَلْقُلًا، بِإِيثَارِ هَذَا اللَّفْظِ، دُونَ لَفْظِ الْمَجْنُونِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُوَجَّهِ أَوِ التَّوْرِيَةِ لِيَصِحَّ فَرْضُهُ لِلْجَانِبَيْنِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ بِمَنْزِلَةِ الْمَجَانِينِ الَّذِينَ يَنْدَفِعُونَ إِلَى مُقَاوَمَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِدُونِ تَبَصُّرٍ يَكُنْ فِي فِتْنَةِ اضْطِرَابِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ كَأَبِي جَهْلٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَضْرَابِهِمَا الَّذِينَ أَغْرَوُا الْعَامَّةَ بِالطَّعْنِ فِي النَّبِيءِ ﷺ بِأَقْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وَالْبَاءُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ تَعَلُّقِ الْفِعْلِ بمفعوله، وَالْأَصْل: أيّكم الْمَفْتُونُ فَهِيَ كَالْبَاءِ فِي قَوْله: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [الْمَائِدَة: ٦] . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلظَّرْفِيَّةِ وَالْمَعْنَى: فِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ مِنْكُمْ يُوجَدُ الْمَجْنُونُ، أَيْ مَنْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذَا الْوَصْفُ فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِأَبِي جَهْلٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ مُدَبِّرِي السُّوءِ عَلَى دَهْمَاءَ قُرَيْشٍ بِهَذِهِ الْأَقْوَالِ الشَّبِيهَةِ بِأَقْوَالِ الْمَجَانِينِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ وَصَفُوا رَجُلًا مَعْرُوفًا بَيْنَ الْعُقَلَاءِ مَذْكُورًا بِرَجَاحَةِ الْعَقْلِ وَالْأَمَانَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَوَصَفُوهُ بِأَنَّهُ مَجْنُونٌ فَكَانُوا كَمَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّهَارَ لَيْلٌ
وَمَنْ وَصَفَ الْيَوْمَ الشَّدِيدَ الْبَرْدِ بِالْحَرَارَةِ، فَهَذَا شُبِّهَ بِالْمَجْنُونِ وَلِذَلِكَ يُجْعَلُ الْمَفْتُونُ فِي الْآيَةِ وَصْفًا ادِّعَائِيًّا عَلَى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ كَمَا
стр. 10048
جَعَلَ الْمُتَنَبِّي الْقَوْمَ الَّذِينَ تَرَكُوا نَزِيلَهُمْ يَرْحَلُ عَنْهُمْ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَى إِمْسَاكِهِ رَاحِلِينَ عَنْ نَزِيلِهِمْ فِي قَوْلِهِ:
إِذَا تَرَحَّلَتَ عَنْ قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوا ... أَنْ لَا تُفَارِقَهُمْ فَالرَّاحِلُونَ هُمُو
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْتُونُ مَصْدَرًا عَلَى وَزْنِ الْمَفْعُولِ مِثْلُ الْمَعْقُولِ بِمَعْنَى الْعَقْلِ وَالْمَجْلُودِ بِمَعْنَى الْجَلْدِ وَالْمَيْسُورِ لِلْيُسْرِ، وَالْمَعْسُورِ لِضِدِّهِ، وَفِي الْمَثَلِ «خُذْ مِنْ مَيْسُورِهِ وَدَعْ مَعْسُورَهُ» .
وَالْبَاءُ عَلَى هَذَا لِلْمُلَابَسَةِ فِي مَحَلِّ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ عَلَى الْمَفْتُونُ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ.
يُضَمَّنُ فِعْلُ (تُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) مَعْنَى: تُوقِنُ وَيُوقِنُونَ، عَلَى طَرِيقِ الْكِنَايَةِ بِفِعْلِ الْإِبْصَارِ عَنِ التَّحَقُّقِ لِأَنَّ أَقْوَى طُرُقِ الْحِسِّ الْبَصَرِ وَيَكُونُ الْإِتْيَانُ بِالْبَاءِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى هَذَا التَّضْمِينِ.
وَالْمَعْنَى: فَسَتَعْلَمُ يَقِينًا ويعلمون يَقِينا بأيّكم الْمَفْتُونُ، فَالْبَاءُ عَلَى أَصْلِهَا مِنَ التَّعْدِيَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ (يبصر ويبصرون) .
[٧]
[سُورَة الْقَلَم (٦٨) : آيَة ٧]
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)
تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ [الْقَلَم: ٥- ٦] بِاعْتِبَارِ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِأَنَّ الْجَانِبَ الْمَفْتُونَ هُوَ الْجَانِبُ الْقَائِلُ لَهُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الْحجر: ٦] وَأَنَّ ضِدَّهُ بِضِدِّهِ هُوَ الرَّاجِعُ الْعَقْلُ أَيِ الَّذِي أَخْبَرَكَ بِمَا كَنَّى عَنْهُ قَوْلَهُ: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ [الْقَلَم: ٥] مِنْ أَنَّهُمُ الْمَجَانِينُ هُوَ الْأَعْلَمُ بِالْفَرِيقَيْنِ وَهُوَ الَّذِي أَنْبَأَكَ بِأَنْ سَيَتَّضِحُ الْحَقُّ لِأَبْصَارِهِمْ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمَفْتُونَ هُوَ الْفَرِيقُ الَّذِينَ وَسَمُوا النَّبِيءَ ﷺ بِأَنَّهُ مَجْنُونٌ الْمَرْدُودُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [الْقَلَم: ٢] إِذْ هُمُ الضَّالُّونَ عَنْ سَبِيلِ رَبِّ النَّبِيءِ ﷺ لَا مَحَالَةَ، وَيَنْتَظِمُ بِالتَّدَرُّجِ مَنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا أَقْيِسَةُ مُسَاوَاةٍ مُنْدَرِجٌ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ تَقْتَضِي مُسَاوَاةَ حَقِيقَةِ مَنْ ضَلَّ عَنْ سُبُلِ رَبِّ النَّبِيءِ ﷺ بِحَقِيقَةِ الْمَفْتُونِ. وَمُسَاوَاةَ حَقِيقَةِ الْمَفْتُونِ بِحَقِيقَةِ الْمَجْنُونِ، فَتُنْتِجُ أَنَّ فَرِيقَ الْمُشْرِكِينَ هُمُ الْمُتَّصِفُونَ بِالْجُنُونِ بِقَاعِدَةِ قِيَاسِ الْمُسَاوَاةِ أَنَّ مُسَاوِيَ الْمُسَاوِي لِشَيْءٍ مُسَاوٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ.
стр. 10049
وَهَذَا الْانْتِقَالُ تَضَمَّنَ وَعْدًا وَوَعِيدًا، بِإِضَافَةِ السَّبِيلِ إِلَى اللَّهِ وَمُقَابَلَةِ مَنْ ضَلَّ عَنْهُ بِالْمُهْتَدِينَ.
وَعُمُومُ مَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَعُمُومُ الْمُهْتَدِينَ يَجْعَلُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مَعَ كَوْنِهَا كَالدَّلِيلِ هِيَ أَيْضًا مِنَ التَّذْيِيلِ.
وَهُوَ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ تَمْهِيدٌ وَتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ [الْقَلَم: ٨] .
[٨- ٩]
[سُورَة الْقَلَم (٦٨) : الْآيَات ٨ إِلَى ٩]
فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)
تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [الْقَلَم: ٧] إِلَى آخِرِهَا، بِاعْتِبَارِ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ أَنه على الْهدى، وَأَنَّ الْجَانِبَ الْآخَرَ فِي ضَلَالِ السَّبِيلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الْمُشَادَّةَ مَعَهُمْ وَأَنْ لَا يَلِينَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ، فَإِنَّ أَذَاهُمْ إِيَّاهُ آلَ إِلَى مُحَارَبَةِ الْحَقِّ وَالْهُدَى، وَتَصَلُّبٍ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَا يَسْتَأْهِلُونَ بِهِ لِينًا وَلَكِنْ يَسْتَأْهِلُونَ إِغْلَاظًا.
رُوِيَ عَنِ الْكَلْبِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْحَسَنِ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ تَحُومُ حَوْلَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَدُّوا أَنْ يُمْسِكَ النَّبِيءُ ﷺ عَنْ مُجَاهَرَتِهِمْ بِالتَّضْلِيلِ وَالتَّحْقِيرِ فَيُمْسِكُوا عَنْ أَذَاهُ، وَيُصَانِعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنْ إِجَابَتِهِمْ لِمَا وَدُّوا.
وَمَعْنَى وَدُّوا: أَحَبُّوا.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ وَدُّوا ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ فَأَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ رَسُولَهُ ﷺ لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ لِقَوْلِهِ: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ.
وَوَرَدَ فِي كُتُبِ السِّيرَةِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ تَقَدَّمُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِمِثْلِ هَذَا الْعَرْضِ وَوَسَّطُوا فِي ذَلِكَ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ وَعُتْبَةَ بْنَ ربيعَة.
فينتظم من هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ نَهْيٌ عَنْ إِجَابَتِهِمْ إِلَى شَيْءٍ عرضوه عَلَيْهِ عِنْد مَا قَرَّعَهُمْ بِأَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وَبِخَاصَّةٍ مِنْ وَقْعِ مَعْنَى التَّعْرِيضِ الْبَدِيعِ الْمَمْزُوجِ بِالْوَعِيدِ بِسُوءِ الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ قَوْلِهِ: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ إِلَى قَوْله:
بِالْمُهْتَدِينَ [الْقَلَم: ٥- ٧] فَلَعَلَّهُمْ تَحَدَّثُوا أَوْ أَوْعَزُوا إِلَى مَنْ يُخْبِرُ الرَّسُولَ ﷺ أَوْ صَارَحُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهُ إِنْ سَاءَهُ قَوْلُهُمْ فِيهِ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [الْقَلَم: ٥١] فَقَدْ
стр. 10050
سَاءَهُمْ مِنْهُ تَحْقِيرُهُمْ بِصِفَاتِ الذَّمِّ وَتَحْقِيرُ أَصْنَامِهِمْ وَآبَائِهِمْ مِنْ جَانِبِ الْكُفْرِ فَإِنْ أَمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ أَمْسَكُوا عَنْ أَذَاهُ وَكَانَ الْحَالُ صُلْحًا بَيْنَهُمْ وَيَتْرُكُ كُلُّ فَرِيقٍ فَرِيقًا وَمَا عَبَدَهُ.
وَالطَّاعَةُ: قَبُولُ مَا يُبْتَغَى عَمَلُهُ، وَوُقُوعُ فِعْلِ تُطِعْ فِي حَيِّزِ النَّهْيِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ
جِنْسِ الطَّاعَةِ لَهُمْ فَيَعُمُّ كُلَّ إِجَابَةٍ لِطَلَبٍ مِنْهُمْ، فَالطَّاعَةُ مُرَاد بهَا هُنَا الْمُصَالَحَةُ وَالْمُلَايَنَةُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً [الْفرْقَان: ٥٢] ، أَيْ لَا تَلِنْ لَهُمْ.
وَاخْتِيرَ تَعْرِيفُهُمْ بِوَصْفِ الْمُكَذِّبِينَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ طُرُقِ التَّعْرِيفِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْصُولِ فِي الْإِيمَاءِ إِلَى وَجْهِ بِنَاءِ الْحُكْمِ وَهُوَ حُكْمُ النَّهْيِ عَنْ طَاعَتِهِمْ فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ طَاعَتِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا رِسَالَتَهُ.
وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ جُمْلَةَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ بَيَانٌ لِمُتَعَلَّقِ الطَّاعَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَلِذَلِكَ فُصِلَتْ وَلَمْ تُعْطَفْ.
وَفِعْلُ تُدْهِنُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِدْهَانِ وَهُوَ الْمُلَايَنَةُ وَالْمُصَانَعَةُ، وَحَقِيقَةُ هَذَا الْفِعْلِ أَنْ يُجْعَلَ لِشَيْءٍ دُهْنًا إِمَّا لِتَلْيِينِهِ وَإِمَّا لتلوينه، وَمن هاذين الْمَعْنَيَيْنِ تَفَرَّعَتْ مَعَانِي الْإِدْهَانِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّاغِبُ، أَيْ وَدُّوا مِنْكَ أَنْ تُدْهِنَ لَهُمْ فَيُدْهِنُوا لَكَ، أَيْ لَوْ تُوَاجِهُهُمْ بِحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ فَيُوَاجِهُونَكَ بِمِثْلِهَا.
وَالْفَاءُ فِي فَيُدْهِنُونَ لِلْعَطْفِ، وَالتَّسَبُّبِ عَنْ جُمْلَةِ لَوْ تُدْهِنُ جَوَابًا لِمَعْنَى التَّمَنِّي الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِفِعْلِ وَدُّوا بَلْ قُصِدَ بَيَانُ سَبَبِ وِدَادَتِهِمْ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْصَبِ الْفِعْلُ بَعْدَ الْفَاءِ بِإِضْمَارِ (أَنْ) لِأَنَّ فَاءَ الْمُتَسَبِّبِ كَافِيَةٌ فِي إِفَادَةِ ذَلِكَ، فَالْكَلَامُ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَهُمْ يُدْهِنُونَ. وَسَلَكَ هَذَا الْأُسْلُوبَ لِيَكُونَ الْاسْمُ الْمُقَدَّرُ مُقَدَّمًا عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ فَيُفِيدُ مَعْنَى الْاخْتِصَاصِ، أَيْ فَالْإِدْهَانُ مِنْهُمْ لَا مِنْكَ، أَيْ فَاتْرُكِ الْإِدْهَانَ لَهُمْ وَلَا تَتَخَلَّقْ أَنْتَ بِهِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ فِي الْاسْتِعْمَالِ إِذَا أُرِيدَ بِالتَّرَتُّبَاتِ أَنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيقُ جَوَابٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً [الْجِنّ: ١٣] ، أَيْ فَهُوَ لَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا.
وَحَرْفُ لَوْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَرْطِيًّا وَيَكُونَ فِعْلُ تُدْهِنُ شَرْطًا، وَأَنْ يَكُونَ جَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَوْ تُدْهِنُ لَحَصَلَ لَهُمْ مَا يَوَدُّونَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ
следующие страницы →