← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الزَّجَّاجِ وَابْنِ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً [الْأَنْعَام: ١٣٦] قَالَ الزَّجَّاجُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ جَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا وَلِشُرَكَائِهِمْ نَصِيبًا، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلُهُمْ جَعَلَ مِنْ كَذَا وَكَذَا نَصِيبًا يَتَضَمَّنُ بَقَاءَ نَصِيبٍ آخَرَ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي حكم الأول اهـ. وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِإِجَابَةِ دُعَاءِ الْمُسْلِمِينَ الدَّاعِينَ فِي تِلْكَ الْمَوَاقِفِ الْمُبَارَكَةِ إِلَّا أَنَّهُ وَعَدَ بِإِجَابَةِ شَيْءٍ مِمَّا دُعُوا بِهِ بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ أَحْوَالُهُمْ وَحِكْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِأَلَّا يَجُرَّ إِلَى فَسَادٍ عَامٍّ لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلِذَلِكَ نُكِّرَ (نَصِيبٌ) لِيَصْدُقَ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَأَمَّا إِجَابَةُ الْجَمِيعِ إِذَا حَصَلَتْ فَهِيَ أَقْوَى وَأَحْسَنُ. وكسبوا بِمَعْنَى طَلَبُوا، لِأَنَّ كَسَبَ بِمَعْنَى طَلَبَ مَا يَرْغَبُ فِيهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْكَسْبِ هُنَا الْعَمَل وبالنصيب نَصِيبُ الثَّوَابِ فَتَكُونُ (مِنْ) ابْتِدَائِيَّةً. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ مُشِيرٌ إِلَى النَّاسِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً لِلتَّنْبِيهِ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ عَلَى أَنَّ اتِّصَافَهُمْ بِمَا بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ شَيْءٌ اسْتَحَقُّوهُ بِسَبَبِ الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ بِمَا قَبْلَ اسْمِ الْإِشَارَةِ، أَيْ أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ لَهُمْ لِأَجْلِ إِيمَانِهِمْ بِالْآخِرَةِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ دُعَاءَ الْكَافِرِينَ فِي ضَلَالٍ. وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ تَذْيِيلٌ قُصِدَ بِهِ تَحْقِيقُ الْوَعْدِ بِحُصُولِ الْإِجَابَةِ، وَزِيَادَةُ تَبْشِيرٍ لِأَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ، لِأَنَّ إِجَابَةَ الدُّعَاءِ فِيهِ سَرِيعَةُ الْحُصُولِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْحِسَابَ هُنَا أُطْلِقَ عَلَى مُرَاعَاةِ الْعَمَلِ وَالْجَزَاءِ عَلَيْهِ. وَالْحِسَابُ فِي الْأَصْلِ الْعَدُّ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى عَدِّ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُرَادُ الْجَزَاءُ عَلَيْهَا أَوْ قَضَاؤُهَا، فَصَارَ الْحِسَابُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْحَقِّ يُقَالُ حَاسَبَهُ أَيْ كَافَأَهُ أَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ حَقَّهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَوْمَ الْحِسَابِ وَقَالَ تَعَالَى: إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي [الشُّعَرَاء: ١١٣] وَقَالَ جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً [النبأ: ٣٦] أَيْ وِفَاقًا لِأَعْمَالِهِمْ، وَهَاهُنَا أَيْضًا أُرِيدَ بِهِ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ وَإِيصَالُ الْمَوْعُودِ بِهِ، فَاسْتِفَادَةُ التَّبْشِيرِ بِسُرْعَةِ حُصُولِ مَطْلُوبِهِمْ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ لِأَنَّ إِجَابَتَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ حِسَابِ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى مَا وَعَدَهُمْ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْعُمُومُ. وَالْمَعْنَى فَإِذَا أَتْمَمْتُمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ مَنَاسِكَ حَجِّكُمْ فَلَا تَنْقَطِعُوا عَنْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ بِتَعْظِيمِهِ وَحَمْدِهِ، وَبِالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ لِتَحْصِيلِ خَيْرِ الدُّنْيَا وَخَيْرِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَشْتَغِلُوا بِالتَّفَاخُرِ،

стр. 1017

فَإِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ ذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ كَمَا كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُمْ بَعْدَ قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَكَمَا يَذْكُرُهُمُ الْمُشْرِكُونَ الْآنَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ إِلَّا بِطَلَبِ خَيْرِ الدُّنْيَا وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ، لِأَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ الْحَيَاةَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّكُمْ إِنْ سَأَلْتُمُوهُ أَعْطَاكُمْ نَصِيبًا مِمَّا سَأَلْتُمْ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ إِن اللَّهَ يُعَجِّلُ باستجابة دعائكم.

стр. 1018

[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢٠٣] وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) مَعْطُوفٌ عَلَى فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ [الْبَقَرَة: ٢٠٠] وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، وَإِعَادَةُ فِعْلِ اذْكُرُوا لِيُبْنَى عَلَيْهِ تَعْلِيقُ الْمَجْرُورِ أَيْ قَوْلُهُ: فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ لِبُعْدِ مُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ، لِأَنَّهُ أُرِيدَ تَقْيِيدُ الذِّكْرِ بِصِفَتِهِ ثُمَّ تَقْيِيدُهُ بِزَمَانِهِ وَمَكَانِهِ. فَالذِّكْرُ الثَّانِي هُوَ نَفْسُ الذِّكْرِ الْأَوَّلِ وَعَطْفُهُ عَلَيْهِ مَنْظُورٌ فِيهِ إِلَى الْمُغَايَرَةِ بِمَا عُلِّقَ بِهِ مِنْ زَمَانِهِ. وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ مِنَى، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، يُقِيمُ النَّاسُ فِيهَا بِمِنَى وَتُسَمَّى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، لِأَنَّ النَّاسَ يُقَدِّدُونَ فِيهَا اللَّحْمَ، وَالتَّقْدِيدُ تَشْرِيقٌ، أَوْ لِأَنَّ الْهَدَايَا لَا تُنْحَرُ فِيهَا حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ. وَكَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ إِقَامَتَهُمْ بِمِنَى بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْمُرَادُ هُنَا بِالْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ، وَلِذَلِكَ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ مِنَى وَهِيَ بَعْدَ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَالضَّحَّاكِ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَمَالِكٍ، وَهِيَ غَيْرُ الْمُرَادِ مِنَ الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ فِي [سُورَةِ الْحَجِّ: ٢٨] . فَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ النَّحْرِ الثَّلَاثَةُ، وَهِيَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ. وَالْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ مِنَى بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَالْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ لَا مِنَ الْمَعْدُودَاتِ،

стр. 1019

وَالْيَوْمَانِ بَعْدَهُ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ وَالْمَعْدُودَاتِ، وَالْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنَ الْمَعْدُودَاتِ فَقَطْ، وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ [الْحَج: ٢٨] لِأَنَّ الْيَوْمَ الرَّابِعَ لَا نَحْرَ فِيهِ وَلَا ذَبْحَ إِجْمَاعًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ وَالْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ وَهِيَ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ فَلَيْسَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ عِنْدَهُمَا مَعْلُومًا وَلَا مَعْدُودًا، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مَعْدُودَاتٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى طَلَبِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَيَّامِ رَمْيِ الْجِمَارِ وَهُوَ الذِّكْرُ عِنْدَ الرَّمْيِ وَعِنْدَ نَحْرِ الْهَدَايَا. وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِالذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَشْغَلُونَهَا بِالتَّفَاخُرِ وَمُغَازَلَةِ النِّسَاءِ، قَالَ الْعَرَجِيُّ: مَا نَلْتَقِي إِلَّا ثَلَاثَ مِنَى ... حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَنَا النَّفْرُ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: بَدَا لِي مِنْهَا مِعْصَمٌ حِينَ جمّرت ... وكفّ خصيب زيّنت ببنان فو الله مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًا ... بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْحَجَّ قَدِ انْتَهَى بِانْتِهَاءِ الْعَاشِرِ، بَعْدَ أَنْ أَمْسَكُوا عَنْ مَلَاذِّهِمْ مُدَّةً طَوِيلَةً فَكَانُوا يَعُودُونَ إِلَيْهَا، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا، وَذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا هُوَ ذِكْرُهُ عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ. وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ الثَّلَاثَةُ تُرْمَى الْجِمَارُ الثَّلَاثَةُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بَعْدَ الزَّوَالِ يُبْتَدَأُ بِالْجَمْرَةِ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ تُرْمَى الْجَمْرَتَانِ الْأُخْرَيَانِ كُلُّ جَمْرَةٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَيُكَبَّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَآخِرُهَا جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ، وَفِي أَحْكَامِ الرَّمْيِ وَوَقْتِهِ وَعَكْسِ الِابْتِدَاءِ فِيهِ بِجَمْرَةِ مَسْجِدِ مِنَى وَالْمَبِيتِ بِغَيْرِ مِنَى خِلَافَاتٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِقَامَةَ فِي مِنَى فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ وَاجِبَةٌ فَلَيْسَ لِلْحَاجِّ أَنْ يَبِيتَ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي إِلَّا فِي مِنَى، وَمَنْ لَمْ يَبِتْ فِي مِنَى فَقَدْ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَلَا يُرَخَّصُ فِي الْمَبِيتِ فِي غَيْرِ مِنَى إِلَّا لِأَهْلِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَقْتَضِي الْمَغِيبَ عَنْ مِنَى فَقَدْ رَخَّصَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 1020

لِلْعَبَّاسِ الْمَبِيتَ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ أَنَّهُ عَلَى سِقَايَةِ زَمْزَمَ، وَرَخَّصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ مِنْ أَجْلِ حَاجَتِهِمْ إِلَى رَعْيِ الْإِبِلِ فِي الْمَرَاعِي الْبَعِيدَةِ عَنْ مِنَى وَذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ أَنْ يَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَرْجِعُوا مِنَ الْغَدِ فَيَرْمُونَ، وَرَخَّصَ لِلرِّعَاءِ الرَّمْيَ بِلَيْلٍ، وَرَخَّصَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِمَنْ تَعَجَّلَ إِلَى وَطَنِهِ أَنْ يَتْرُكَ الْإِقَامَةَ بِمِنَى الْيَوْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنَ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ. وَقَوْلُهُ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ تَفْرِيعٌ لَفْظِيٌّ لِلْإِذْنِ بِالرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ حُضُورِ بَعْضِ أَيَّامِ مِنَى لِمَنْ أَعْجَلَهُ الرُّجُوعُ إِلَى وَطَنِهِ، وَجِيءَ بِالْفَاءِ لِتَعْقِيبِ ذِكْرِ الرُّخْصَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْعَزِيمَةِ رَحْمَةً مِنْهُ تَعَالَى بِعِبَادِهِ. وَفِعْلَا تَعَجَّلَ وتَأَخَّرَ: مُشْعِرَانِ بِتَعَجُّلٍ وَتَأَخُّرٍ فِي الْإِقَامَةِ بِالْمَكَانِ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ اسْمُ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ، فَالْمُرَادُ، مِنَ التَّعَجُّلِ عَدَمُ اللُّبْثِ وَهُوَ النَّفْرُ عَنْ مِنَى وَمِنَ التَّأَخُّرِ اللُّبْثُ فِي مِنَى إِلَى يَوْمِ نَفْرِ جَمِيعِ الْحَجِيجِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِيغَةُ تَعَجَّلَ وتَأَخَّرَ مَعْنَاهُمَا مُطَاوَعَةُ عَجَّلَهُ وَأَخَّرَهُ فَإِنَّ التَّفَعُّلَ يَأْتِي لِلْمُطَاوَعَةِ كَأَنَّهُ عَجَّلَ نَفْسَهُ فَتَعَجَّلَ وَأَخَّرَهَا فَتَأَخَّرَ فَيَكُونُ الْفِعْلَانِ قَاصِرَيْنِ لَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ لَهُمَا وَلَكِنَّ الْمُتَعَجَّلَ عَنْهُ وَالْمُتَأَخَّرَ إِلَيْهِ مَفْهُومَانِ مِنِ اسْمِ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ، أَيْ تَعَجُّلِ النَّفْرِ وَتَأَخُّرِ النَّفْرِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ فِي الْفِعْلَيْنِ لِتَكَلُّفِ الْفِعْلِ كَأَنَّهُ اضْطُرَّ إِلَى الْعَجَلَةِ أَوْ إِلَى التَّأَخُّرِ فَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا لِظُهُورِهِ أَيْ فَمَنْ تَعَجَّلَ النَّفْرَ وَمَنْ تَأَخَّرَهُ. فَقَوْلُهُ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْمَعْنَى فِي نَفْيِ الْإِثْمِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَوْلُهُ: وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ يُشْكِلُ بِأَنَّ نَفْيَ الْإِثْمِ يَقْتَضِي تَوَهُّمَ حُصُولِهِ فَيَصِيرُ التَّأَخُّرُ إِلَى الْيَوْمِ الرَّابِعِ رُخْصَةً مَعَ أَنَّهُ هُوَ الْعَزِيمَةُ، وَدُفِعَ هَذَا التَّوَهُّمُ بِمَا رُوِيَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا عَلَى فَرِيقَيْنِ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يُبِيحُونَ التَّعْجِيلَ، وَفَرِيقٌ يُبِيحُونَ التَّأْخِيرَ إِلَى الرَّابِعِ فَوَرَدَتِ الْآيَةُ لِلتَّوْسِعَةِ فِي الْأَمْرَيْنِ، أَوْ تَجْعَلُ مَعْنَى نَفْيِ الْإِثْمِ فِيهِمَا كِنَايَةً عَنِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ، وَلَا مَانِعَ فِي الْكَلَامِ مِنَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلَ كَمَا خُيِّرَ الْمُسَافِرُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ أَفْضَلَ. وَعِنْدِي أَنَّ وَجْهَ ذِكْرِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ بِالذِّكْرِ فِي أَيَّامِ مِنَى وَتَرْكِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الِاشْتِغَالِ فِيهَا بِالْفُضُولِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ خِيفَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ التَّعْجِيلَ بِالنَّفْرِ أَوْلَى تباعدا من مُوَاقَعَةِ مَا لَا

стр. 1021

يَحْسُنُ مِنَ الْكَلَامِ، فَدَفَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فَإِذَا نُفِيَ هَذَا التَّوَهُّمُ عَلِمَ السَّامِعُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ لِلْمُتَأَخِّرِ فَضِيلَةُ الْإِقَامَةِ بِتِلْكَ الْمَنَازِلِ الْمُبَارَكَةِ وَالْمُشَارَكَةِ فِيهَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: لِمَنِ اتَّقى أَيْ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ فِي تَأَخُّرِهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ فِي أَيَّامِ مِنَى، وَإِلَّا فَالتَّأَخُّرُ فِيهَا لِمَنْ لَمْ يَتَّقِ إِثْمٌ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ (لَا) مِنْ مَعْنَى النَّفْيِ، أَوْ هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أَيْ ذَلِكَ وَبِدُونِ هَذَا لَا يَظْهَرُ وَجْهٌ لِزِيَادَةِ قَوْلِهِ لِمَنِ اتَّقى وَإِنْ تَكَلَّفُوا فِي تَفْسِيرِهِ بِمَا لَا تَمِيلُ النَّفْسُ إِلَى تَقْرِيرِهِ. وَقَوْلُهُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ وِصَايَةٌ بِالتَّقْوَى وَقَعَتْ فِي آخِرِ بَيَانِ مَهَامِّ أَحْكَامِ الْحَجِّ، فَهِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى وَاذْكُرُوا اللَّهَ أَو مُعْتَرضَة بَيْنَ وَمَنْ تَأَخَّرَ وَبَيْنَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ [الْبَقَرَة: ٢٠٤] إِلَخْ. وَقَدِ اسْتُحْضِرَ حَالُ الْمُخَاطَبِينَ بِأَحْكَامِ الْحَجِّ فِي حَالِ حجهم لِأَن فَاتِحَة هَاتِهِ الْآيَاتِ كَانَتْ بِقَوْلِهِ: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ [الْبَقَرَة: ١٩٧] إِلَخْ وَلَمَّا خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ وَهِيَ آخِرُ أَيَّامِ الْحَجِّ وَأُشِيرَ فِي ذَلِكَ إِلَى التَّفَرُّقِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الْأَوْطَانِ بِقَوْلِهِ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ إِلَخْ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَصِيَّةٌ جَامِعَةٌ لِلرَّاجِعِينَ مِنَ الْحَجِّ أَنْ يُرَاقِبُوا تَقْوَى اللَّهِ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِمْ وَأَمَاكِنِهِمْ وَلَا يَجْعَلُوا تَقْوَاهُ خَاصَّةً بِمُدَّةِ الْحَجِّ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ فَإِذَا انْقَضَى الْحَجُّ رَجَعُوا يَتَقَاتَلُونَ وَيُغِيرُونَ وَيُفْسِدُونَ، وَكَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ انْقِضَاءِ رَمَضَانَ. وَقَوْلُهُ: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ تَحْرِيضٌ عَلَى التَّقْوَى وَتَحْذِيرٌ مِنْ خِلَافِهَا لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ سَعَى لِمَا يَجْلِبُ رِضَا الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ وَتَجَنَّبَ سُخْطَهُ. فَالْأَمْرُ فِي اعْلَمُوا لِلتَّذْكِيرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [الْبَقَرَة: ١٩٦] . وَالْحَشْرُ: الْجَمْعُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ فَلِذَلِكَ نَاسَبَ قَوْلُهُ: تُحْشَرُونَ حَالَتَيْ تَفَرُّقِ الْحَجِيجِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَجِّ وَاجْتِمَاعِ أَفْرَادِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إِلَى بَلَدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَاخْتِيرَ لَفْظُ (تُحْشَرُونَ) هُنَا دُونَ تَصِيرُونَ أَوْ تُرْجَعُونَ، لِأَنَّ تُحْشَرُونَ أَجْمَعُ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمَصِيرِ وَعَلَى الرُّجُوعِ مَعَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ مُجْتَمِعِينَ كُلُّهُمْ كَمَا كَانُوا مُجْتَمِعِينَ حِينَ اسْتِحْضَارِ حَالِهِمْ فِي هَذَا الْخِطَابِ وَهُوَ اجْتِمَاعُ الْحَجِّ، وَلِأَنَّ النَّاسَ بَعْدَ. الْحَجِّ يُحْشَرُونَ إِلَى مَوَاطِنِهِمْ فَذَكَّرَهُمْ بِالْحَشْرِ الْعَظِيمِ، فَلَفْظُ تُحْشَرُونَ أَنْسَبُ بِالْمَقَامِ من وُجُوه كثير، وَالْعَرَبُ

стр. 1022

كَانُوا يَتَفَرَّقُونَ رَابِعَ أَيَّامِ مِنَى فَيَرْجِعُونَ إِلَى مَكَّةَ لِزِيَارَةِ الْبَيْتِ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ فَيَرْجِعُ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى مَوْطِنِهِ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ يَذْكُرُ التَّفَرُّقَ يَوْمَ رَابِعِ النَّحْرِ وَهُوَ يَوْمُ الْمُحَصَّبِ فِي مِنَى: فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِنْ تَفَرُّقٍ ... أَشَتَّ وَأَنْأَى مِنْ فِرَاقِ الْمُحَصَّبِ غَدَاةَ غَدَوْا فَسَالِكٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ ... وَآخَرُ مِنْهُمْ جَازِعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ وَقَالَ كُثَيِّرٌ: وَلَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًى كُلَّ حَاجَةٍ ... وَمَسَّحَ بِالْأَرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ وَشُدَّتْ عَلَى دَهَمِ الْمَهَارَى رِحَالُنَا ... وَلَمْ يَنْظُرِ الْغَادِي الَّذِي هُوَ رَائِحُ أَخَذْنَا بِأَطْرَافِ الْأَحَادِيثِ بَيْنَنَا ... وَسَالَتْ بِأَعْنَاقِ الْمَطِيِّ الْأَبَاطِحُ وَالْمَعْنَى لِيَكُنْ ذِكْرُكُمُ اللَّهَ وَدُعَاؤُكُمْ فِي أَيَّامِ إِقَامَتِكُمْ فِي مِنَى، وَهِيَ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ الثَّلَاثَةُ الْمُوَالِيَةُ لِيَوْمِ الْأَضْحَى، وَأَقِيمُوا فِي مِنَى تِلْكَ الْأَيَّامَ فَمن دَعَتْهُ حاجاته إِلَى التَّعْجِيلِ بِالرُّجُوعِ إِلَى وَطَنِهِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ مِنَى وَهُمَا الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَالثَّالِثَ عشر مِنْهُ. [٢٠٤- ٢٠٦] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ٢٠٤ إِلَى ٢٠٦] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا [الْبَقَرَة: ٢٠٠] إِلَخْ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ هُنَالِكَ حَالَ الْمُشْرِكِينَ الصُّرَحَاءَ الَّذِينَ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَقَابَلَ ذِكْرَهُمْ بِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهُمْ رَغْبَةٌ فِي الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَانْتَقَلَ هُنَا إِلَى حَالِ فَرِيقٍ آخَرِينَ مِمَّنْ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَهُمْ مُتَظَاهِرُونَ بِأَنَّهُمْ رَاغِبُونَ فِيهَا، مَعَ مُقَابَلَةِ حَالِهِمْ بِحَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْخَالِصِينَ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ الْآخِرَةَ وَالْحَيَاةَ الْأَبَدِيَّةَ عَلَى الْحَيَاة فِي الدُّنْيَا، وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ٢٠٧] . وَ (مِنْ) بِمَعْنَى بَعْضٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [الْبَقَرَة: ٨] فَهِيَ صَالِحَةٌ

стр. 1023

لِلصِّدْقِ عَلَى فَرِيقٍ أَوْ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ (وَمن) الْمَوْصُولَةُ كَذَلِكَ صَالِحَةٌ لِفَرِيقٍ وَشَخْصٍ. وَالْإِعْجَابُ إِيجَادُ الْعُجْبِ فِي النَّفْسِ وَالْعَجَبُ: انْفِعَالٌ يَعْرِضُ لِلنَّفْسِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ أَمْرٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ خُفِيَ سَبَبُهُ. وَلَمَّا كَانَ شَأْنُ مَا يَخْفَى سَبَبُهُ أَنْ تَرْغَبَ فِيهِ النَّفْسُ، صَارَ الْعجب مستلزما للاستحسان فَيُقَالُ أَعْجَبَنِي الشَّيْءُ بِمَعْنَى أَوْجَبَ لِي اسْتِحْسَانَهُ، قَالَ الْكَوَاشِيُّ يُقَالُ فِي الِاسْتِحْسَانِ: أَعْجَبَنِي كَذَا، وَفِي الْإِنْكَارِ: عَجِبْتُ مِنْ كَذَا، فَقَوْلُهُ: يُعْجِبُكَ أَيْ يَحْسُنُ عِنْدَكَ قَوْلُهُ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْقَوْلِ هُنَا مَا فِيهِ مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى حَالِهِ فِي الْإِيمَانِ وَالنُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُهِمُّ الرَّسُولَ وَيُعْجِبُهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ صِفَةَ قَوْلِهِ فِي فَصَاحَةٍ وَبَلَاغَةٍ إِذْ لَا غَرَضَ فِي ذَلِكَ هُنَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَا يُضَادُّ قَوْلَهُ: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ إِلَى آخِرِهِ. وَالْخِطَابُ إِمَّا لِلنَّبِيءِ ﷺ أَيْ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُظْهِرُ لَكَ مَا يُعْجِبُكَ مِنَ الْقَوْلِ وَهُوَ الْإِيمَانُ وَحُبُّ الْخَيْرِ وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْكُفَّارِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِ «مِنْ» الْمُنَافِقِينَ وَمُعْظَمُهُمْ مِنَ الْيَهُودِ، وَفِيهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَهْلِ يَثْرِبَ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي، أَوْ طَائِفَةً مُعَيَّنَةً مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الْأَخْنَس بن شرِيف الثَّقَفِيُّ وَاسْمُهُ أُبَيٌّ وَكَانَ مَوْلًى لِبَنِي زُهْرَةَ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمْ أَخْوَالُ النَّبِيءِ ﷺ وَكَانَ يُظْهِرُ الْمَوَدَّةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ وَلَمْ يَنْضَمَّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فِي وَاقِعَةِ بَدْرٍ بَلْ خَنَسَ أَيْ تَأَخَّرَ عَنِ الْخُرُوجِ مَعَهُمْ إِلَى بَدْرٍ وَكَانَ لَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ أحلافه فصدهم عَن الِانْضِمَامِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَهُوَ مُنَافِقٌ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَطُّ، وَلَكِنْ كَانَ يُظْهِرُ الْوُدَّ لِلرَّسُولِ فَلَمَّا انْقَضَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ قِيلَ: إِنَّهُ حَرَقَ زَرْعًا لِلْمُسْلِمِينَ وَقَتَلَ حَمِيرًا لَهُمْ فَنَزَلَتْ فِيهِ هَاتِهِ الْآيَةُ وَنَزَلَتْ فِيهِ أَيْضًا وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [الْقَلَم: ١٠، ١١] وَنَزَلَتْ فِيهِ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الْهمزَة: ١] ، وَقِيلَ بَلْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ ثَقِيفٍ عَدَاوَةٌ فَبَيَّتَّهُمْ لَيْلًا فَأَحْرَقَ زَرْعَهُمْ وَقَتَلَ مَوَاشِيَهُمْ فَنَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ وَعَلَى هَذَا فَتَقْرِيعُهُ لِأَنَّهُ غَدَرَهُمْ وَأَفْسَدَ. وَيَجُوزُ أَنَّ الْخِطَابَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخَاطَبٍ تَحْذِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنْ تَرُوجَ عَلَيْهِمْ حيل الْمُنَافِقين وتنبيه لَهُمْ إِلَى اسْتِطْلَاعِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَالظَّرْفُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يَجُوزُ أَن يتَعَلَّق بيعجبك فَيُرَادُ بِهَذَا الْفَرِيقِ مِنَ النَّاسِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ وَالرَّغْبَةَ فِيهِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا [الْبَقَرَة: ١٤] أَيْ إِعْجَابُكَ بِقَوْلِهِمْ لَا يَتَجَاوَزُ الْحُصُولَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ فِي الْآخِرَةِ

стр. 1024

تَجِدُهُمْ بِحَالَةٍ لَا تُعْجِبُكَ فَهُوَ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْآيَةِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَالظَّرْفِيَّةُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ (فِي) ظَرْفِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ. وَيَجُوزٌ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِكَلِمَةِ قَوْلُهُ أَيْ كَلَامه عَن شؤون الدُّنْيَا مِنْ مَحَامِدِ الْوَفَاءِ فِي الْحَلِفِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَالْوُدِّ لِلنَّبِيءِ وَلَا يَقُولُ شَيْئًا فِي أُمُورِ الدِّينِ، فَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَظَاهَرُ بِالْإِسْلَامِ فَيُرَادُ بِهَذَا الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ. وَحَرْفُ (فِي) عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ بِمَعْنَى عَنْ وَالتَّقْدِيرُ قَوْلُهُ: عَنِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. وَمَعْنَى يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ يَقْرِنُ حُسْنَ قَوْلِهِ وَظَاهِرَ تَوَدُّدِهِ بِإِشْهَادِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ مَا فِي قَلْبِهِ مُطَابِقٌ لِمَا فِي لَفْظِهِ، وَمَعْنَى إِشْهَادِ اللَّهِ حَلِفُهُ بِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ إِنَّهُ لَصَادِقٌ. وَإِنَّمَا أَفَادَ مَا فِي قَلْبِهِ مَعْنَى الْمُطَابَقَةِ لِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَشْهَدَ اللَّهَ حِينَ قَالَ كَلَامًا حُلْوًا تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مُدَّعِيًا أَنَّ قَلْبَهُ كَلِسَانِهِ قَالَ تَعَالَى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ [التَّوْبَة: ٦٢] وَمَعْنَى وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ أَنَّهُ شَدِيدُ الْخُصُومَةِ أَيِ الْعَدَاوَةِ مُشْتَقٌّ مِنْ لَدَّهُ يَلَدُّهُ بِفَتْحِ اللَّامِ لِأَنَّهُ مِنْ فَعِلَ، تَقُولُ: لَدِدْتَ يَا زَيْدُ بِكَسْرِ الدَّالِّ إِذَا خَاصَمَ، فَهُوَ لَادٌّ وَلَدُودٌ فَاللَّدَدُ شِدَّةُ الْخُصُومَةِ وَالْأَلَدُّ الشَّدِيدُ الْخُصُومَةِ قَالَ الْحَمَاسِيُّ رَبِيعَةُ بْنُ مَقْرُومٍ: وَأَلَدَّ ذِي حَنَقٍ عَلَيَّ كَأَنَّمَا ... تَغْلِي حَرَارَةُ صَدْرِهِ فِي مِرْجَلِ فَأَلَدُّ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وَلَيْسَ اسْمَ تَفْضِيلٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ مُؤَنَّثَهُ جَاءَ عَلَى فَعْلَاءَ فَقَالُوا: لَدَّاءُ وَجَمْعَهُ جَاءَ عَلَى فُعْلٍ قَالَ تَعَالَى: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا [مَرْيَم: ٩٧] وَحِينَئِذٍ فَفِي إِضَافَتِهِ لِلْخِصَامِ إِشْكَالٌ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعْنَاهُ شَدِيدَ الْخِصَامِ مِنْ جِهَةِ الْخِصَامِ فَقَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : إِمَّا أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فَجُعِلَ الْخِصَامُ أَلَدَّ أَيْ نُزِّلَ خِصَامُهُ مَنْزِلَةَ شَخْصٍ لَهُ خِصَامٌ فَصَارَا شَيْئَيْنِ فَصَحَّتِ الْإِضَافَةُ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ، كَأَنَّهُ قِيلَ: خِصَامُهُ شَدِيدُ الْخِصَامِ كَمَا قَالُوا: جُنَّ جُنُونُهُ وَقَالُوا: جَدَّ جَدُّهِ، أَوِ الْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى فِي أَيْ وَهُوَ شَدِيدُ الْخِصَامِ فِي الْخِصَامِ أَيْ فِي حَالِ الْخِصَامِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُقَدَّرُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ بَعْدَ وَهُوَ تَقْدِيرُهُ: وَهُوَ خِصَامُهُ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَهَذَا التَّقْدِيرُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْخِصَامَ لَا يُوصَفُ بِالْأَلَدِّ فَتَعَيَّنَ أَنْ يُؤَوَّلَ بِأَنَّهُ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الْخَصْمِ وَحِينَئِذٍ فَالتَّأْوِيلُ مَعَ عَدَمِ التَّقْدِيرِ أَوْلَى، وَقِيلَ الْخِصَامُ هُنَا جَمْعُ خَصْمٍ كَصَعْبٍ وَصِعَابٍ وَلَيْسَ هُوَ مَصْدَرًا وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ الْإِضَافَةُ أَيْ وَهُوَ أَلَدُّ النَّاسِ الْمُخَاصِمِينَ.

стр. 1025

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ إِذَا ظَرْفٌ تَضَمَّنَ مَعْنَى الشَّرْطِ. وتَوَلَّى إِمَّا مُشْتَقٌّ مِنَ التَّوْلِيَةِ وَهِيَ الْإِدْبَارُ وَالِانْصِرَافُ يُقَالُ وَلَّى وَتَوَلَّى وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ [الْبَقَرَة: ١٤٢] أَيْ وَإِذَا فَارَقَكَ سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ. وَمُتَعَلِّقُ تَوَلَّى مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تَوَلَّى عَنْكَ، وَالْخِطَابُ الْمُقَدَّرُ يَجْرِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَإِمَّا مُشْتَقٌّ مِنَ الْوِلَايَةِ: يُقَالُ وَلِيَ الْبَلَدَ وَتَوَلَّاهُ، أَيْ وَإِذَا صَارَ وَالِيًا أَيْ إِذَا تَزَعَّمَ وَرَأَسَ النَّاسَ سَعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَقَدْ كَانَ الْأَخْنَسُ زَعِيمَ مَوَالِيهِ وَهُمْ بَنُو زُهْرَةَ. وَقَوْلُهُ: سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها السَّعْيُ حَقِيقَتُهُ الْمَشْيُ الْحَثِيثُ قَالَ تَعَالَى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى [الْقَصَص: ٢٠] وَيُطْلَقُ السَّعْيُ عَلَى الْعَمَلِ وَالْكَسْبِ، قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها [الْإِسْرَاء: ١٩] وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: فَلَوْ أَنَّ مَا أَسْعَى لِأَدْنَى مَعِيشَةٍ الْبَيْتَيْنِ وَيُطْلَقُ عَلَى التَّوَسُّطِ بَيْنَ النَّاسِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ أَوْ لِتَخْفِيفِ الْإِضْرَارِ قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: وَمِنَّا قَبْلَهُ السَّاعِي كُلَيْبٌ ... فَأَيُّ الْفَضْلِ إِلَّا قَدْ وُلِينَا وَقَالَ لَبِيدٌ: وَهُمُ السُّعَاةُ إِذَا الْعَشِيرَةُ أَفْظَعَتْ الْبَيْتَ. وَيُطلق على الْخرص وَبَذْلِ الْعَزْمِ لِتَحْصِيلِ شَيْءٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ فِرْعَوْنَ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى [النازعات: ٢٢] فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَا بِالْمَعْنَيَيْنِ الْأَوَّلِ وَالرَّابِعِ أَيْ ذَهَبَ يَسِيرُ فِي الْأَرْضِ غَازِيًا وَمُغِيرًا لِيُفْسِدَ فِيهَا. فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى مَا فَعَلَهُ الْأَخْنَسُ بِزَرْعِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِكُفْرِهِ وَكَذِبِهِ فِي مَوَدَّةِ النَّبِيءِ ﷺ ، إِذْ لَوْ كَانَ وُدُّهُ صَادِقًا لَمَا آذَى أَتْبَاعَهُ. أَوْ إِلَى مَا صَنَعَهُ بِزَرْعِ ثَقِيفٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْأَخْنَسَ بَيَّتَ ثَقِيفًا وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَهُمْ قَوْمُهُ فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ فَأَحْرَقَ زُرُوعَهُمْ وَقَتَلَ مَوَاشِيَهُمْ. لِأَنَّ صَنِيعَهُ هَذَا بِقَوْمٍ وَإِنْ كَانُوا يَوْمَئِذٍ كُفَّارًا لَا يُهِمُّ الْمُسْلِمِينَ ضُرُّهُمْ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ انْتِصَارًا لِلْإِسْلَامِ وَلَمْ يَكُنْ فِي حَالَةِ حَرْبٍ مَعَهُمْ فَكَانَ فِعْلُهُ يَنُمُّ عَنْ خُبْثِ طَوِيَّةٍ لَا تَتَطَابَقُ

стр. 1026

مَعَ مَا يُظْهِرُهُ مِنَ الْخَيْرِ وَلِينِ الْقَوْلِ إِذْ مِنْ شَأْنِ أَخْلَاقِ الْمَرْءِ أَنْ تَتَمَاثَلَ وَتَتَظَاهَرَ فَاللَّهُ لَا يَرْضَى بِإِضْرَارِ عَبِيدِهِ وَلَوْ كُفَّارًا ضُرًّا لَا يَجُرُّ إِلَى نَفْعِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَغْزُهُمْ حَمْلًا لَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ بَلْ إِفْسَادًا وَإِتْلَافًا وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ. وَقَوْلُهُ: فِي الْأَرْضِ تَأْكِيدٌ لِمَدْلُولِ سَعى لِرَفْعِ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ مِنْ أَنْ يُرَادَ بِالسَّعْيِ الْعَمَلُ وَالِاكْتِسَابُ فَأُرِيدَ التَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّ هَذَا السَّعْيَ هُوَ السَّيْرُ فِي الْأَرْضِ لِلْفَسَادِ وَهُوَ الْغَارَةُ وَالتَّلَصُّصُ لِغَيْرِ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَهُ لِيُفْسِدَ فِيها فَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ، لِأَنَّ الْإِفْسَادَ مَقْصُودٌ لِهَذَا السَّاعِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَعى مَجَازًا فِي الْإِرَادَةِ وَالتَّدْبِيرِ أَيْ دَبَّرَ الْكَيْدَ لِأَنَّ ابْتِكَارَ الْفَسَادِ وَإِعْمَالَ الْحِيلَةِ لِتَحْصِيلِهِ مَعَ إِظْهَارِ النُّصْحِ بِالْقَوْلِ كَيْدٌ وَيَكُونُ لِيُفْسِدَ مَفْعُولًا بِهِ لِفِعْلِ سَعى وَالتَّقْدِيرُ أَرَادَ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ وَدَبَّرَهُ، وَتَكُونُ اللَّامُ لَامَ التَّبْلِيغِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ إِلَى قَوْلِهِ: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ [الْبَقَرَة: ١٨٥] فَاللَّامُ شَبِيهٌ بِالزَّائِدِ وَمَا بَعْدَ اللَّامِ مِنَ الْفِعْلِ الْمُقَدَّرَةِ مَعَهُ (أَنْ) مَفْعُولٌ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ [التَّوْبَة: ٣٢] وَقَوْلِ جُزْءِ بْنِ كُلَيْبٍ الْفَقْعَسِيِّ: تَبَغَّى ابْنُ كُوزٍ وَالسَّفَاهَةُ كَاسْمِهَا ... لِيَسْتَادَ مِنَّا أَنْ شَتَوْنَا لَيَالِيَا إِذِ التَّقْدِيرُ تَبَغَّى الِاسْتِيَادَ مِنَّا، قَالَ الْمَرْزُوقِيُّ: أَتَى بِالْفِعْلِ وَاللَّامِ لِأَنَّ تَبَغَّى مِثْلُ أَرَادَ فَكَمَا قَالَ اللَّهُ : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ [التَّوْبَة: ٣٢] وَالْمَعْنَى يُرِيدُونَ إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ كَذَلِكَ قَالَ تَبَغَّى لِيَسْتَادَ أَيْ تَبَغَّى الِاسْتِيَادَ مِنَّا اهـ. وَأَقُولُ: إِنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ يَتَأَتَّى فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَقَعُ فِيهِ مَفْعُولُ الْفِعْلِ عِلَّةً لِلْفِعْلِ مَعَ كَوْنِهِ مَفْعُولًا بِهِ، فَالْبَلِيغُ يَأْتِي بِهِ مُقْتَرِنًا بِلَامِ الْعِلَّةِ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ مَفْعُولًا بِهِ يُعْلَمُ مِنْ تَقْدِيرِ (أَنْ) الْمَصْدَرِيَّةِ. وَيَكُونُ قَوْلُهُ: فِي الْأَرْضِ مُتَعَلِّقًا بِسَعَى لِإِفَادَةِ أَنَّ سَعْيَهُ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ أَهْلِ أَرْضِكُمْ، وَبِذَلِكَ تَكُونُ إِعَادَةُ فِيها مِنْ قَوْلِهِ: لِيُفْسِدَ فِيها بَيَانًا لِإِجْمَالِ قَوْلِهِ: فِي الْأَرْضِ مَعَ إِفَادَةِ التَّأْكِيدِ. وَقَوْلُهُ: وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ يُتْلِفُهُ. وَالْحَرْثُ هَنَا مُرَادٌ مِنْهُ الزَّرْعُ، وَالنَّسْلُ أَطْفَالُ الْحَيَوَانِ مُشْتَقٌّ مِنْ نَسْلِ الصُّوفِ نُسُولًا

стр. 1027

إِذَا سَقَطَ وَانْفَصَلَ، وَعِنْدِي أَنَّ إِهْلَاكَ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ كِنَايَةٌ عَنِ اخْتِلَالِ مَا بِهِ قِوَامُ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَكَانُوا أَهْلَ حَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ فَلَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ هَذَيْنِ بَلِ الْمُرَادُ ضَيَاعُ مَا بِهِ قِوَامُ النَّاسِ، وَهَذَا جَارٍ مَجْرَى الْمَثَلِ، وَقِيلَ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ هُنَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا صَنَعَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَن من ينتسب فِي مِثْلِ ذَلِك صَرِيحًا أَو كِنَايَة مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ وَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِجُمْلَةِ التَّذْيِيلِ وَهِيَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ تَحْذِيرًا وَتَوْبِيخًا. وَمَعْنَى نَفْيِ الْمَحَبَّةِ نَفْيُ الرِّضَا بِالْفَسَادِ، وَإِلَّا فَالْمَحَبَّةُ- وَهِيَ انْفِعَالُ النَّفْسِ وَتَوَجُّهٌ طَبِيعِيٌّ يَحْصُلُ نَحْوُ اسْتِحْسَانٍ نَاشِئٍ- مُسْتَحِيلَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَصِحُّ نَفْيُهَا فَالْمُرَادُ لَازِمُهَا وَهُوَ الرِّضَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ: الْإِرَادَةُ وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَسْأَلَةِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ. وَلَا شكّ أَن الْقَدِير إِذَا لَمْ يَرْضَ بِشَيْءٍ يُعَاقِبْ فَاعِلَهُ، إِذْ لَا يَعُوقُهُ عَنْ ذَلِكَ عَائِقٌ وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ ذَلِكَ فَسَادًا وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ وَالْحَرْثُ لِلْمُشْرِكِينَ: لِأَنَّ إِتْلَافَ خَيْرَاتِ الْأَرْضِ رَزْءٌ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْقِتَالُ بِإِتْلَافِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ آلَاتُ الْإِتْلَافِ وَأَسْبَابُ الِاعْتِدَاءِ. وَالْفَسَادُ ضِدَّ الصَّلَاحِ، وَمَعْنَى الْفَسَادِ: إِتْلَافُ مَا هُوَ نَافِعٌ لِلنَّاسِ نَفْعًا مَحْضًا أَوْ رَاجِحًا، فَإِتْلَافُ الْأَلْبَانِ مَثَلًا إِتْلَافُ نَفْعٍ مَحْضٍ، وَإِتْلَافُ الْحَطَبِ بِعِلَّةِ الْخَوْفِ مِنَ الِاحْتِرَاقِ إِتْلَافُ نَفْعٍ رَاجِحٍ وَالْمُرَادُ بِالرُّجْحَانِ رُجْحَانُ اسْتِعْمَاله عِنْد النَّاسِي لَا رُجْحَانُ كَمِّيَّةِ النَّفْعِ عَلَى كَمِّيَّةِ الضُّرِّ، فَإِتْلَافُ الْأَدْوِيَةِ السَّامَّةِ فَسَادٌ، وَإِنْ كَانَ التَّدَاوِي بِهَا نَادِرًا لَكِنَّ الْإِهْلَاكَ بِهَا كَالْمَعْدُومِ لِمَا فِي عُقُولِ النَّاسِ مِنَ الْوَازِعِ عَنِ الْإِهْلَاكِ بِهَا فَيُتَفَادَى عَنْ ضُرِّهَا بِالِاحْتِيَاطِ رَوَاجِهَا وَبِأَمَانَةِ مَنْ تُسَلَّمُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا إِتْلَافُ الْمَنَافِعِ الْمَرْجُوحَةِ فَلَيْسَ مِنَ الْفَسَادِ كَإِتْلَافِ الْخُمُورِ بَلْهَ إِتْلَافِ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ بِالْمَرَّةِ كَإِتْلَافِ الحيّات والعقارب والفيران وَالْكِلَابِ الْكَلِبَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْفَسَادُ غَيْرَ مَحْبُوبٍ عِنْدَ اللَّهِ لِأَنَّ فِي الْفَسَادِ بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ تَعْطِيلًا لِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ لِحِكْمَةِ صَلَاحِ النَّاسِ فَإِنَّ الْحَكِيمَ لَا يُحِبُّ تَعْطِيلَ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ، فَقِتَالُ الْعَدُوِّ إِتْلَافٌ لِلضُّرِّ الرَّاجِحِ وَلِذَلِكَ يُقْتَصَرُ فِي الْقِتَالِ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ إِتْلَافُ الضُّرِّ بِدُونِ زِيَادَةٍ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَهَى عَنْ إِحْرَاقِ الدِّيَارِ فِي الْحَرْبِ وَعَنْ قَطْعِ الْأَشْجَارِ إِلَّا إِذَا رَجَحَ فِي نَظَرِ أَمِيرِ الْجَيْشِ أَنَّ بَقَاءَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَزِيدُ قُوَّةَ الْعَدُوِّ وَيُطِيلُ مُدَّةَ الْقِتَالِ وَيُخَافُ مِنْهُ عَلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى هَزِيمَةٍ وَذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى قَاعِدَةِ: الضَّرُورَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.

стр. 1028

وَقَوْلُهُ: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ إِي وَإِذَا وَعَظَهُ وَاعِظٌ بِمَا يَقْتَضِي تَذْكِيرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى غَضِبَ لِذَلِكَ، وَالْأَخْذُ أَصْلُهُ تَنَاوُلُ الشَّيْءِ بِالْيَدِ، وَاسْتُعْمِلَ مَجَازًا مَشْهُورًا فِي الِاسْتِيلَاءِ قَالَ تَعَالَى: وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ [التَّوْبَة: ٥] وَفِي الْقَهْر نَحْو فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ [الْأَنْعَام: ٤٢] . وَفِي التَّلَقِّي مِثْلُ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ [آل عمرَان: ٨١] وَمِنْهُ أُخِذَ فُلَانٌ بِكَلَامٍ فُلَانٍ، وَفِي الِاحْتِوَاءِ وَالْإِحَاطَةِ يُقَالُ أَخَذَتْهُ الْحُمَّى وَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ هُنَا أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ أَيِ احْتَوَتْ عَلَيْهِ عَزَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ. وَالْعِزَّةُ صِفَةٌ يَرَى صَاحِبُهَا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَا يُعَارَضُ فِي كَلَامِهِ لِأَجْلِ مَكَانَتِهِ فِي قَوْمِهِ وَاعْتِزَازِهِ بِقُوَّتِهِمْ قَالَ السَّمَوْأَلُ: وَنُنْكِرُ إِنْ شِئْنَا عَلَى النَّاسِ قَوْلَهُمْ ... وَلَا يُنْكِرُونَ الْقَوْلَ حِينَ نَقُولُ وَمِنْهُ الْعِزَّةُ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ وَالْغَلَبَةِ وَإِنَّمَا تَكُونُ غَالِبًا فِي الْعَرَبِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْقَبِيلَةِ، وَقَدْ تُغْنِي الشَّجَاعَةُ عَنِ الْكَثْرَةِ وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ: وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ، وَقَالُوا: لَنْ نُغْلَبَ مِنْ قِلَّةٍ وَقَالَ السَّمَوْأَلُ وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ وَجَارُنَا ... عَزِيزٌ وَجَارُ الْأَكْثَرِينَ ذَلِيلُ وَمِنْهَا جَاءَ الْوَصْفُ بِالْعَزِيزِ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الْبَقَرَة: ٢٠٩] . فَ (الْ) فِي (الْعِزَّةِ) لِلْعَهْدِ أَيِ الْعِزَّةُ الْمَعْرُوفَةُ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ صَاحِبَهَا مِنْ قَبُولِ اللَّوْمِ أَوِ التَّغْيِيرِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْعِزَّةَ تَقْتَضِي مَعْنَى الْمَنَعَةِ فَأَخْذُ الْعِزَّةِ لَهُ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ إِصْغَائِهِ لِنُصْحِ النَّاصِحِينَ. وَقَوْلُهُ: بِالْإِثْمِ الْبَاءُ فِيهِ لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ الْمُلَابِسَةُ لِلْإِثْمِ وَالظُّلم وَهُوَ احتراس لِأَنَّ مِنِ الْعِزَّةِ مَا هُوَ مَحْمُودٌ قَالَ تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [الْمُنَافِقين: ٨] أَيْ فَمَنَعَتْهُ مِنْ قَبُولِ الْمَوْعِظَةِ وَأَبْقَتْهُ حَلِيفَ الْإِثْمِ الَّذِي اعْتَادَهُ لَا يَرْعَوِي عَنْهُ وَهُمَا قَرِينَانِ. وَقَوْلُهُ: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ تَفْرِيعٌ عَلَى هَاتِهِ الْحَالَةِ، وَأَصْلُ الْحَسْبِ هُوَ الْكَافِي كَمَا سَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فِي آلِ عِمْرَانَ [١٧٣] . وَلَمَّا كَانَ كَافِي الشَّيْءِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِهِ وَمِمَّا يُرْضِيهِ كَمَا قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ: عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ تَأْتِي الْعَزَائِمُ أَطْلَقَ الْحَسَبَ عَلَى الْجَزَاءِ كَمَا هُنَا. وَجَهَنَّمُ عَلَمٌ عَلَى دَارِ الْعُقَابِ الْمُوقَدَةِ نَارًا، وَهُوَ اسْمٌ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ قَالَ بَعْضُ النُّحَاةِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ اعْتَبَرَتْهُ كَأَسْمَاءِ الْأَمَاكِنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِلْعِلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ وَهُوَ

стр. 1029

قَوْلُ الْأَكْثَرِ: جَاءَ مِنْ لُغَةٍ غَيْرِ عَرَبِيَّةٍ، وَلِذَلِكَ لَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ عَنِ اشْتِقَاقِهِ، وَمَنْ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا زَعَمَ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَهْمِ وَهُوَ الْكَرَاهِيَةُ فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ وَزْنَهُ فَعَنَّلْ بِزِيَادَةِ نُونَيْنِ أَصْلُهُ فَعْنَلْ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ ضُعِفَّتْ وَقِيلَ وَزْنُهُ فَعَلَّلْ بِتَكْرِيرِ لَامِهِ الْأُولَى وَهِيَ النُّونُ إِلْحَاقًا لَهُ بِالْخُمَاسِيِّ وَمَنْ قَالَ: أَصْلُهَا بِالْفَارِسِيَّةِ كَهْنَامُ فَعُرِّبَتْ جَهَنَّمَ. وَقِيلَ أَصْلُهَا عِبْرَانِيَّةٌ كِهِنَامُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَكَسْرِ الْهَاءِ فَعُرِّبَتْ وَأَنَّ مَنْ قَالَ إِنَّ وَزْنَ فَعَنَّلْ لَا وُجُودَ لَهُ لَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِهِ لِوُجُودِ دَوْنَكَ اسْمُ وَادٍ بِالْعَالِيَةِ وَحَفَنْكَى اسْمٌ لِلضَّعِيفِ وَهُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَنُونٍ سَاكِنَةٍ وَكَافٍ وَأَلِفٍ وَهُمَا نَادِرَانِ، فَيَكُونُ جَهَنَّمُ نَادِرًا، وَأَمَّا قَوْلُ الْعَرَبِ رَكِيَّةُ جَهَنَّم أَي بعيدَة الْقَعْرِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ نَاشِئٌ عَنْ تَشْبِيهِ الرَّكِيَّةِ بِجَهَنَّمَ، لِأَنَّهُمْ يَصِفُونَ جَهَنَّمَ أَنَّهَا كَالْبِئْرِ الْعَمِيقَةِ الْمُمْتَلِئَةِ نَارًا قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ أَوْ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصّلت يرثي زيدا بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَكَانَا مَعًا مِمَّنْ تَرَكَ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: رَشَدْتَ وَأَنْعَمْتَ ابْنَ عَمْرٍو وَإِنَّمَا ... تَجَنَّبْتَ تَنُّورًا مِنَ النَّارِ مُظْلِمًا وَقَدْ جَاءَ وَصْفُ جَهَنَّمَ فِي الْحَدِيثِ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَسَمَّاهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ نَارًا وَجَعَلَ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [الْبَقَرَة: ٢٤] . وَقَوْلُهُ: وَلَبِئْسَ الْمِهادُ أَيْ جَهَنَّمُ، وَالْمِهَادُ مَا يُمَهَّدُ أَيْ يُهَيَّأُ لِمَنْ يَنَامُ، وَإِنَّمَا سَمَّى جَهَنَّمَ مِهَادًا تَهَكُّمًا، لِأَنَّ الْعُصَاةَ يُلْقَوْنَ فِيهَا فَتُصَادِفُ جنُوبهم وظهورهم. [٢٠٧] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢٠٧] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) هَذَا قَسِيمُ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ [الْبَقَرَة: ٢٠٤] وَذِكْرُهُ هُنَا بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِطْرَادِ اسْتِيعَابًا لِقِسْمَيِ النَّاسِ، فَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي تَمَحَّضَ فِعْلُهُ لِلْخَيْرِ حَتَّى بَلَغَ غَايَةَ ذَلِكَ وَهُوَ تَعْرِيضُ نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ أَنْفَسُ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ لِلْهَلَاكِ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ مَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى وَإِنَّمَا رِضَا اللَّهِ تَعَالَى بِفِعْلِ النَّاسِ لِلْخَيْرِ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ.

стр. 1030

وَ (يَشْرِي) مَعْنَاهُ يَبِيع كَمَا أَن يَشْتَرِي بِمَعْنَى يَبْتَاعُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [الْبَقَرَة: ٤١] . وَاسْتُعْمِلَ (يَشْرِي) هُنَا فِي الْبَذْلِ مَجَازًا، وَالْمَعْنَى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَبْذُلُ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ أَيْ هَلَاكًا فِي نَصْرِ الدِّينِ وَهَذَا أَعْلَى دَرَجَاتِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّ النَّفْسَ أَغْلَى مَا عِنْد الْإِنْسَان. ومَرْضاتِ اللَّهِ رِضَاهُ فَهُوَ مَصْدَرُ رَضِيَ عَلَى وَزْنِ الْمَفْعَلِ زِيدَتْ فِيهِ التَّاءُ سَمَاعًا كَالْمَدْعَاةِ وَالْمَسْعَاةِ، فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ النَّمِرِيِّ بْنِ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ (١) الْمُلَقَّبِ بِالرُّومِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ أَسَرَهُ الرُّومُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي جِهَاتِ الْمَوْصِلِ وَاشْتَرَاهُ بَنو كلب فَكَانَ مَوْلَاهُمْ وَأَثْرَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِمَكَّةَ وَكَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْأَوَّلِينَ فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيءُ ﷺ خَرَجَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا فَلَحِقَ بِهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِيُوثِقُوهُ فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَانْتَثَلَ كِنَانَتَهُ وَكَانَ رَامِيًا وَقَالَ لَهُمْ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْمَاكُمْ وَأَيْمُ اللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِمَا فِي كِنَانَتِي ثُمَّ أَضْرَبَ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي مِنْهُ شَيْءٌ فَقَالُوا: لَا نَتْرُكُكَ تَخْرُجُ مِنْ عِنْدِنَا غَنِيًّا وَقَدْ جِئْتَنَا صُعْلُوكًا، وَلَكِنْ دُلَّنَا على مَالك وتخلي عَنْكَ وَعَاهَدُوهُ عَلَى ذَلِكَ فَدَلَّهُمْ عَلَى مَالِهِ، فَلَمَّا قدم على النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ حِينَ رَآهُ ربح البيع أيا يَحْيَى وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقِيلَ إِنْ كَفَّارَ مَكَّةَ عَذَّبُوا صُهَيْبًا لِإِسْلَامِهِ فَافْتَدَى مِنْهُمْ بِمَالِهِ وَخَرَجَ مُهَاجِرًا، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا عَامَّةٌ، وَأَنَّ صُهَيْبًا أَوْ غَيْرَهُ مُلَاحَظٌ فِي أَوَّلِ مَنْ تَشْمَلُهُ. وَقَوله: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ تذييل أَي رؤوف بِالْعِبَادِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ مِنْهُمْ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، فَالرَّأْفَةُ كِنَايَةٌ عَنْ لَازِمِهَا وَهُوَ إِيتَاءُ الْخَيْرَاتِ كَالرَّحْمَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّعْرِيفَ فِي قَوْلِهِ (الْعِبَادِ) تَعْرِيفُ اسْتِغْرَاقٍ، لِأَن الله رؤوف بِجَمِيعِ عِبَادِهِ وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِيهَا فَمِنْهُمْ مَنْ تَنَالُهُ رَأْفَةُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى تَفَاوُتٍ فِيهِمَا يَقْتَضِيهِ عِلْمُ اللَّهِ وَحِكْمَتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَنَالُهُ رَأْفَةُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَالْكَافِرُونَ فَإِنَّ مِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ أَنَّهُ أَعْطَاهُمُ الْعَافِيَةَ وَالرِّزْقَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ تَعْرِيفَ الْعَهْدِ أَيْ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَيْ قَبِيلِ الَّذِي يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (الْ) عِوَضًا عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ كَقَوْلِهِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [النازعات: ٤١] ، وَالْعِبَادُ

стр. 1031

إِذَا أُضِيفَ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ يُرَادُ بِهِ عِبَادٌ مُقَرَّبُونَ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ فِي [سُورَةِ الْحِجْرِ: ٤٢] . وَمُنَاسَبَةُ هَذَا التَّذْيِيلِ لِلْجُمْلَةِ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُمْ قَدْ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ وَجَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَبِيدَهُ فَاللَّهُ رَءُوفٌ بِهِمْ كَرَأْفَةِ الْإِنْسَانِ بِعَبْدِهِ فَإِنْ كَانَ مَا صَدَقَ (مَنْ) عَامًّا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي كُلِّ مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، فَالْمَعْنَى وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِهِمْ فَعَدَلَ عَنِ الْإِضْمَارِ إِلَى الْإِظْهَارِ لِيَكُونَ هَذَا التذييل بِمَنْزِلَة الْمثل مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ وَهُوَ من لَوَازِم التَّذْيِيلَ، وَلِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الرَّأْفَةِ بِهِمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ عِبَادًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَا صَدَقَ (مَنْ) صُهَيْبًا ﵁ فَالْمَعْنَى وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ صُهَيْبٌ مِنْهُمْ، وَالْجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْمُنَاسَبَةُ أَنَّ صُهَيْبًا كَانَ عَبْدًا لِلرُّومِ ثُمَّ لِطَائِفَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمْ بَنُو كَلْبٍ وَهُمْ لَمْ يَرْأَفُوا بِهِ، لِأَنَّهُ عُذِّبَ فِي اللَّهِ فَلَمَّا صَار عبد الله رَأَفَ بِهِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الْبَقَرَة: ٢٠٤] إِلَى قَوْله رَؤُفٌ بِالْعِبادِ مَعَانٍ مِنْ مَعَانِي أَدَبِ النُّفُوسِ وَمَرَاتِبِهَا وَأَخْلَاقِهَا تُعَلِّمُ الْمُؤْمِنِينَ وَاجِبَ التَّوَسُّمِ فِي الْحَقَائِقِ وَدَوَاخِلِ الْأُمُورِ وَعَدَمَ الِاغْتِرَارِ بِالظَّوَاهِرِ إِلَّا بَعْدَ التَّجْرِبَةِ وَالِامْتِحَانِ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُغَرُّ بِحُسْنِ ظَاهِرِهِ وَهُوَ مُنْطَوٍ عَلَى بَاطِنِ سُوءٍ وَيُعْطِي مِنْ لِسَانِهِ حَلَاوَةَ تَعْبِيرٍ وَهُوَ يُضْمِرُ الشَّرَّ وَالْكَيْدَ قَالَ الْمُعَرِّيُّ: وَقَدْ يُخْلِفُ الْإِنْسَانُ ظَنَّ عَشِيرَةٍ ... وَإِنْ رَاقَ مِنْهُ مَنْظَرٌ وَرُوَاءُ وَقَدْ شَمِلَ هَذَا الْحَالُ قَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» بِأَحَدِ مَعْنَيَيْهِ الْمُحْتَوِي عَلَيْهِمَا وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ وَتَبْلُغُ هَلْهَلَةُ دِينِهِ إِلَى حَدِّ أَنْ يُشْهِدَ اللَّهَ عَلَى أَنَّ مَا يَقُولُهُ صِدْقٌ وَهُوَ بِعَكْسِ ذَلِكَ يُبَيِّتُ فِي نَفْسِهِ الْخِصَامَ وَالْكَرَاهِيَةَ. وَعَلَامَةُ الْبَاطِنِ تَكُونُ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمَرْءِ فَالَّذِي يُحِبُّ الْفَسَادَ وَيُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَلَا يَكُونُ صَاحِبَ ضَمِيرٍ طَيِّبٍ، وَأَنَّ الَّذِي لَا يُصْغِي إِلَى دَعْوَةِ الْحَقِّ إِذَا دَعَوْتَهُ إِلَيْهِ وَيُظْهِرُ عَلَيْهِ الِاعْتِزَازَ بِالظُّلْمِ لَا يَرْعَوِي عَنْ غَيِّهِ وَلَا يَتْرُكُ أَخْلَاقَهُ الذَّمِيمَةَ، وَالَّذِي لَا يَشِحُّ بِنَفْسِهِ فِي نُصْرَةِ الْحَقِّ يُنْبِئُ خُلُقُهُ عَنْ إِيثَارِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ عَلَى الْبَاطِلِ وَالْفَسَادِ وَمَنْ لَا يَرْأَفُ فَاللَّهُ لَا يرأف بِهِ.

стр. 1032

[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ٢٠٨ إِلَى ٢٠٩] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) اسْتِئْنَافٌ عَلَى طَرِيقَةِ الِاعْتِرَاضِ انتهازا للفرصة بالدعوة إِلَى الدُّخُولِ فِي السِّلْمِ، وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ عَقِبَ مَا قَبْلَهُ أَنَّ الْآيَاتِ السَّابِقَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى تَقْسِيمِ النَّاسِ تُجَاهَ الدِّينِ مَرَاتِبَ، أَعْلَاهَا مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ٢٠٧] لِأَنَّ النَّفْسَ أَغْلَى مَا يُبْذَلُ، وَأَقَلَّهَا مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ [الْبَقَرَة: ٢٠٤] أَيْ يُضْمِرُ الْكَيْدَ وَيُفْسِدُ عَلَى النَّاسِ مَا فِيهِ نَفْعُ الْجَمِيعِ وَهُوَ خَيْرَاتُ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنَّهُ اعْتَدَى عَلَى قَوْمٍ مُسَالِمِينَ فَنَاسَبَ بعد ذَلِك أَنْ يُدْعَى النَّاسُ إِلَى الدُّخُولِ فِيمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السِّلْمِ وَهَذِهِ الْمُنَاسَبَةُ تَقْوَى وَتَضْعُفُ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الِاحْتِمَالَاتِ فِي مَعْنَى طَلَبِ الدُّخُولِ فِي السِّلْمِ. وَالْخِطَابُ بِيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خِطَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي إِطْلَاقِ هَذَا الْعُنْوَانِ، وَلِأَنَّ شَأْنَ الْمَوْصُولِ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَرَّفِ بِلَامِ الْعَهْدِ. وَ (الدُّخُولُ) حَقِيقَتُهُ نُفُوذُ الْجِسْمِ فِي جِسْمٍ أَوْ مَكَانٍ مُحَوَّطٍ كَالْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ، وَيُطْلَقُ مَجَازًا مَشْهُورًا عَلَى حُلُولِ الْمَكَانِ الْوَاسِعِ يُقَالُ دَخَلَ بِلَادَ بَنِي أَسَدٍ وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلِاتِّبَاعِ وَالِالْتِزَامِ وَشِدَّةِ التَّلَبُّس بِالْفِعْلِ. و (السّلم) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ اللَّامِ، قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ السِّينِ وَقَرَأَ بَاقِي الْعَشَرَةِ بِكَسْرِ السِّينِ، وَيُقَالُ سَلَمٌ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ قَالَ تَعَالَى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً [النِّسَاء: ٩٤] وَحَقِيقَةُ السِّلْمِ الصُّلْحُ وَتَرْكُ الْحَرْبِ قَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ ... وَالْحَرْبُ تَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُزَعُ وَشَوَاهِدُ هَذَا كَثِيرَةٌ فِي كَلَامِهِمْ وَقَالَ زُهَيْرٌ: وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا بِكَسْرِ السِّينِ وَاشْتِقَاقِهِ مِنَ السَّلَامَةِ وَهِيَ النَّجَاةُ مَنْ أَلَمٍ أَوْ ضُرٍّ أَوْ عِنَادٍ يُقَالُ أَسْلَمَ نَفْسَهُ لِفُلَانٍ أَيْ أَعْطَاهُ إِيَّاهَا بِدُونِ مُقَاوَمَةٍ، وَاسْتَسْلَمَ طَلَبَ السِّلْمِ أَيْ تَرَكَ الْمُقَاوَمَةَ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: أَسِلْمٌ

стр. 1033

أَمْ حَرْبٌ، أَيْ أَأَنْتَ مُسَالِمٌ أَمْ مُحَارِبٌ، وَكُلُّهَا مَعَانٍ مُتَوَلِّدٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فَلِذَلِكَ جَزَمَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ بِأَنَّ السِّلْمَ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا وَبِالتَّحْرِيكِ يُسْتَعْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِيمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْآخَرُ. قَالُوا وَيُطْلَقُ السِّلْمُ بِلُغَاتِهِ الثَّلَاثِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَنُسِبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَأَنْشَدُوا قَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَابِسٍ الْكِنْدِيِّ فِي قَضِيَّةِ رِدَّةِ قَوْمِهِ: دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمَّا ... رَأَيْتُهُمُو تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَا فَلَسْتُ مُبَدِّلًا بِاللَّهِ رَبًّا ... وَلَا مُسْتَبْدِلًا بِالسِّلْمِ دِينَا وَهَذَا الْإِطْلَاقُ انْفَرَدَ بِذِكْرِهِ أَصْحَابُ التَّفْسِيرِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الرَّاغِبُ فِي «مُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِ» وَلَا الزَّمَخْشَرِيُّ فِي «الْأَسَاسِ» وَصَاحِبُ «لِسَانِ الْعَرَبِ» وَذَكَرَهُ فِي «الْقَامُوسِ» تَبَعًا لِلْمُفَسِّرِينَ وَذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي «الْكَشَّافِ» حِكَايَةَ قَوْلٍ فِي تَفْسِيرِ السِّلْمِ هُنَا فَهُوَ إِطْلَاقٌ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِثُبُوتِهِ وَبَيْتُ الْكِنْدِيِّ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْمُسَالَمَةِ أَيِ الْمُسَالَمَةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: «دِينًا» بِمَعْنى الْعَادة اللَّازِمَة كَمَا قَالَ الْمُثَقَّبُ الْعَبْدِيُّ: تَقُولُ وَقَدْ أَدَرْتَ لَهَا وَضِينِي ... أَهَذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِينِي وَعَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ السِّلْمُ بِكَسْرِ السِّينِ هُوَ الْإِسْلَامُ وَالسَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُسَالَمَةُ، وَلِذَلِكَ قَرَأَ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِكَسْرِ السِّينِ لَا غَيْرَ وَقَرَأَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ وَالَّتِي فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِفَتْحِ السِّينِ قَالَ الطَّبَرِيُّ تَوْجِيهًا مِنْهُ لِمَعْنَاهُ هُنَا إِلَى أَنَّهُ الْإِسْلَامُ دُونَ الْآيَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ. وَأَنْكَرَ الْمُبَرِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ وَقَالَ: اللُّغَةُ لَا تُؤْخَذُ هَكَذَا وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ بِالسَّمَاعِ لَا بِالْقِيَاسِ وَيَحْتَاجُ مَنْ فَرَّقَ إِلَى دَلِيلٍ. فَكَوْنُ السِّلْمِ مِنْ أَسْمَاءِ الصُّلْحِ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ فَهُوَ مُرَادٌ مِنَ الْآيَةِ لَا مَحَالَةَ وَكَوْنُهُ يُطْلَقُ عَلَى الْإِسْلَامِ إِذَا صَحَّ ذَلِك جَازَ أَي يَكُونَ مُرَادًا أَيْضًا وَيَكُونُ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ. فَعَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسِّلْمِ الْمُسَالَمَةَ كَمَا يَقْتَضِيهِ خِطَابُهُمْ بِيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِي هُوَ كَاللَّقَبِ لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ الْمَعْنَى أَمْرَهُمْ بِالدُّخُولِ فِي الْمُسَالَمَةِ دُونَ الْقِتَالِ، وَكَمَا تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الْأَمْرِ فِي (ادْخُلُوا) مِنْ أَنَّ حَقِيقَتَهَا طَلَبُ تَحْصِيلِ فِعْلٍ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا أَوْ كَانَ مُفَرَّطًا فِي بَعْضِهِ. فَالَّذِي يَبْدُو لِي أَنْ تَكُونَ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ هِيَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:

стр. 1034

وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [الْبَقَرَة: ١٩٠] الْآيَاتِ تَهْيِئَةٌ لِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ لِصَدِّهِمُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْبَيْتِ وَإِرْجَافِهِمْ بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَالْإِرْجَافِ بِقَتْلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِمَكَّةَ حِينَ أَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى قُرَيْشٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ وَاسْتَطْرَدَ بَعْدَهُ بِبَيَانِ أَحْكَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَمَّا قُضِيَ حَقُّ ذَلِكَ كُلِّهِ وَأُلْحِقَ بِهِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِوَضْعِهِ فِي مَوْضِعه بَين فِي تِلْكَ الْآيَاتِ، اسْتُؤْنِفَ هُنَا أَمْرُهُمْ بِالرِّضَا بِالسِّلْمِ وَالصُّلْحِ الَّذِي عَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَهْلِ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا آسِفِينَ مِنْ وُقُوعِهِ وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَدْ قَالَ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ فَكَيْفَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا رَوَاهُ أَهْلُ «الصَّحِيحِ» فَتَكُونُ مُدَّةُ مَا بَيْنَ نُزُولِ الْمُسْلِمِينَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَتَرَدُّدِ الرُّسُلِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ وَمَا بَيْنَ وُقُوعِ الصُّلْحِ هِيَ مُدَّةُ نُزُولِ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [الْبَقَرَة: ١٩٠] إِلَى هُنَا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ يَنْظُرُونَ [الْبَقَرَة: ٢١٠] رَاجِعًا إِلَى مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ [الْبَقَرَة: ٢٠٤] أَوْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ [الْبَقَرَة: ٢٠٧] كَمَا سَيَأْتِي يَكُونُ قَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ اعْتِرَاضًا بَيْنَ الْجُمْلَةِ ذَاتِ الْمَعَادِ وَالْجُمْلَةِ ذَاتِ الضَّمِيرِ. فَأَمَّا إِذَا فُسِّرَ السِّلْمُ بِالْإِسْلَامِ أَيْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْخِطَابَ بِيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وَأَمْرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ يُؤَوَّلُ بِأَنَّهُ أَمْرٌ بِزِيَادَةِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ وَالتَّغَلْغُلِ فِيهِ لِأَنَّهُ يُقَالُ دَخَلَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ إِذَا اسْتَقَرَّ وَتَمَكَّنَ، قَالَ تَعَالَى: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤] . وَقَالَ النَّابِغَةُ: أَبَى غَفْلَتِي أَنِّي إِذَا مَا ذَكَرْتُهُ ... تَحَرَّكَ دَاءٌ فِي فُؤَادِيَ دَاخِلُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، فَيُرَادُ بِالْأَمْرِ فِي (ادْخُلُوا) الدَّوَامُ عَلَى ذَلِكَ وَقِيلَ أُرِيدَ بِالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ فَتَكُونُ خِطَابًا لِلْمُنَافِقِينَ. فَيُؤَوَّلُ قَوْلُهُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِمَعْنَى أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ فَيَكُونُ تَهَكُّمًا بِهِمْ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: وَقالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الْحجر: ٦] فَيَكُونُ خِطَابًا لِلْمُنَافِقِينَ وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لِأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا صَارَ كَاللَّقَبِ لِمَنِ اتَّبَعَ الدِّينَ اتِّبَاعًا حَقًّا، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ عَلَى هَذَا أَنْ يُثْبِتَ لِلْمُنَافِقِينَ وَصْفَ الْإِسْلَامِ وَيَطْلُبَ مِنْهُمُ الْإِيمَانَ دُونَ الْعَكْسِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [الحجرات: ١٤] . وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا: الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْيَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ فَيُؤَوَّلُ ادْخُلُوا بِمَعْنَى

стр. 1035

شِدَّةِ التَّلَبُّسِ أَيْ بِتَرْكِ مَا لم يَجِيء بِهِ الدِّينُ، لِأَنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلَى تَحْرِيمِ السَّبْتِ وَتَرْكِ شُرْبِ أَلْبَانِ الْإِبِلِ وَبَعْضِ مَا اعْتَادُوهُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ أَيَّامَ تَهَوُّدِهِمْ إِذَا صَحَّ مَا رَوَاهُ أَهْلُ «أَسْبَابِ النُّزُولِ» أَنَّ طَائِفَةً مِنْ مُؤْمِنِي الْيَهُودِ فَعَلُوا ذَلِكَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ السِّلْمِ هُنَا الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ وَيُرَادُ السِّلْمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنِ اتَّصَفُوا بِالْإِيمَانِ بِأَلَّا يَكُونَ بَعْضُهُمْ حَرْبًا لِبَعْضٍ كَمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَبِتَنَاسِي مَا كَانَ بَيْنَ قَبَائِلِهِمْ مِنَ الْعَدَاوَاتِ، وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ هَذَا عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ كَذِكْرِهِمْ آبَاءَهُمْ وَكَانُوا يَذْكُرُونَ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ تِرَاتِهِمْ وَيَفْخَرُونَ فَخْرًا قَدْ يُفْضِي إِلَى الْحَمِيَّةِ، أُمِرُوا عَقِبَ ذَلِكَ بِالدُّخُولِ فِي السِّلْمِ وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» فَتَكُونُ الْآيَةُ تَكْمِلَةً لِلْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِإِصْلَاحِ أَحْوَالِ الْعَرَبِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَبِهَا تَكُونُ الْآيَةُ أَصْلًا فِي كَوْنِ السِّلْمِ أَصْلًا لِلْإِسْلَامِ وَهُوَ رَفْعُ التَّهَارُجِ كَمَا قَالَ الشَّاطِبِيُّ أَيِ التَّقَاتُلِ وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ السِّلْمِ هُنَا السِّلْمَ مَعَ الله تَعَالَى مَعَ مَعْنَى الْمَجَازِ، أَيِ ادْخُلُوا فِي مُسَالَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ مَنْهِيَّاتِهِ كَمَا أَطْلَقَ الْحَرْبَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مَجَازًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الْبَقَرَة: ٢٧٩] وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» . وَ (كَافَّةً) اسْمٌ يُفِيدُ الْإِحَاطَةَ بِأَجْزَاءِ مَا وَصَفَ بِهِ، وَهُوَ فِي صُورَةِ صَوْغِهِ كَصَوْغِ اسْمِ الْفَاعِلَةِ مِنْ كَفَّ وَلَكِنَّ ذَلِكَ مُصَادَفَةٌ فِي صِيغَةِ الْوَضْعِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْكَفِّ وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَكَلُّفِ بَيَانِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ صُورَة لَفظهَا وَبني مَعْنَاهَا الْمَقْصُودِ فِي الْكَلَامِ لِقِلَّةِ جَدْوَى ذَلِكَ، وَتُفِيدُ مُفَادَ أَلْفَاظِ التَّوْكِيدِ الدَّالَّةِ عَلَى الشُّمُولِ وَالْإِحَاطَةِ. وَالتَّاءُ الْمُقْتَرِنَةُ بِهَا مُلَازِمَةٌ لَهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ كَيْفَمَا كَانَ الْمُؤَكَّدُ بِهَا مُؤَنَّثًا كَانَ أَوْ مُذَكَّرًا مُفْرَدًا أَوْ جَمْعًا، نَحْوَ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التَّوْبَة: ٣٦] ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ (كَافَّةً) فِي الْكَلَامِ أَنَّهُ حَالٌ مِنِ اسْمٍ قَبْلَهُ كَمَا هُنَا فَقَوْلُهُ: «كَافَّةً» حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ ادْخُلُوا أَيْ حَالَةَ كَوْنِكُمْ جَمِيعًا لَا يُسْتَثْنَى مِنْكُمْ أَحَدٌ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي «مُغْنِي اللَّبِيبِ» عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْجِهَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ الْبَابِ الْخَامِسِ فِي ذِكْرِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ وَمِنَ الْمَفْعُولِ أَنَّ (كَافَّةً) إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي مَعْنَى الْجُمْلَةِ وَالْإِحَاطَةِ لَا تَكُونُ إِلَّا حَالًا مِمَّا جَرَتْ عَلَيْهِ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا نَكِرَةً وَلَا

стр. 1036

يَكُونُ مَوْصُوفُهَا إِلَّا مِمَّا يَعْقِلُ، وَلَكِنَّ الزَّجَّاجَ وَالزَّمَخْشَرِيَّ جَوَّزَا جَعْلَ كَافَّةً حَالًا مِنَ السِّلْمِ وَالسِّلْمُ مُؤَنَّثٌ، وَفِي «الْحَوَاشِي الْهِنْدِيَّةِ عَلَى الْمُغَنِي لْلدَّمَامِينِيِّ» أَنَّهُ وَقَعَ كَافَّةً اسْمًا لِغَيْرِ الْعَاقِلِ وَغَيْرَ حَالٍ بَلْ مُضَافًا فِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِآلِ كَاكْلَةَ «قَدْ جَعَلْتُ لِآلِ كَاكْلَةَ عَلَى كَافَّةِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لِكُلِّ عَامٍ مِائَتَيْ مِثْقَالٍ ذَهَبًا إِبْرِيزًا فِي كُلِّ عَامٍ» . وَاعْلَمْ أَنِّ تَحْجِيرَ مَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ الْعَرَبُ إِذَا سَوَّغَتْهُ الْقَوَاعِدُ تَضْيِيقٌ فِي اللُّغَةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ اتِّبَاعُ الْعَرَبِ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ أَدْخَلَ فِي الْفَصَاحَةِ لَا مُوجِبًا لِلْوُقُوفِ عِنْدَهُ دُونَ تَعَدِّيهِ فَإِذَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ نَهَضَ. وَقَوْلُهُ: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، تَحْذِيرٌ مِمَّا يَصُدُّهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِي السِّلْمِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِطَرِيقِ النَّهْيِ، عَنْ خِلَافِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَفَائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا يَصْدُرُ عَنِ الدُّخُولِ فِي السِّلْمِ هُوَ مِنْ مَسَالِكِ الشَّيْطَانِ الْمَعْرُوفِ بِأَنَّهُ لَا يُشِيرُ بِالْخَيْرِ، فَهَذَا النَّهْيُ إِمَّا أَخَصُّ مِنَ الْمَأْمُورِ بِهِ مَعَ بَيَانِ عِلَّةِ الْأَمْرِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالسِّلْمِ غَيْرَ شُعَبِ الْإِسْلَامِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى مَا خَامَرَ نُفُوسَ جُمْهُورِهِمْ مِنْ كَرَاهِيَةِ إِعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ بِصُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ كَمَا قَالَ عُمَرُ «أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا» وَكَمَا قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِعْلَهُ لَفَعَلْنَا وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ» بِإِعْلَامِهِمْ أَنَّ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ لَا يَكُونُ إِلَّا خَيْرًا، كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى أَنَّ مَا خَامَرَ نُفُوسَهُمْ مِنْ كَرَاهِيَةِ الصُّلْحِ هُوَ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، وَإِمَّا لِمُجَرَّدِ بَيَانِ عِلَّةِ الْأَمْرِ بِالدُّخُولِ فِي السِّلْمِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالسِّلْمِ شُعَبَ الْإِسْلَامِ، وَالْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى لَا تَتَّبِعُوا خُطْوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِعَارَةِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [الْبَقَرَة: ١٦٨] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ تَفْرِيعٌ عَلَى النَّهْيِ أَيْ فَإِنِ اتَّبَعْتُمْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَزَلَلْتُمْ أَوْ فَإِنْ زَلَلْتُمْ فَاتَّبَعْتُمْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَأَرَادَ بِالزَّلَلِ الْمُخَالَفَةَ لِلنَّهْيِ. وَأَصْلُ الزَّلَلِ الزَّلَقُ أَيِ اضْطِرَابُ الْقَدَمِ وَتَحَرُّكُهَا فِي الْمَوْضِعِ الْمَقْصُودِ إِثْبَاتُهَا بِهِ، وَاسْتُعْمِلَ الزَّلَلُ هُنَا مَجَازًا فِي الضُّرِّ النَّاشِئِ عَنِ اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ مِنْ بِنَاءِ التَّمْثِيلِ عَلَى التَّمْثِيلِ لِأَنَّهُ لَمَّا شُبِّهَتْ

стр. 1037

هَيْئَةُ مَنْ يَعْمَلُ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ بِهَيْئَةِ الْمَاشِي عَلَى أَثَرِ غَيْرِهِ شُبِّهَ مَا يَعْتَرِيهِ مِنَ الضُّرِّ فِي ذَلِكَ الْمَشْيِ بِزَلَلِ الرِّجْلِ فِي الْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ الْمُزْلَقَةِ، وَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا يَأْمُرُ بِهِ الشَّيْطَانُ هُوَ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ الطَّرِيقِ الْمُزْلَقَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَكْنِيَّةِ وَقَوْلُهُ: زَلَلْتُمْ تَخْيِيلٌ وَهُوَ تَمْثِيلِيَّةٌ فَهُوَ مِنَ التَّخْيِيلِ الَّذِي كَانَ مَجَازًا وَالْمَجَازُ هُنَا فِي مُرَكَّبِهِ. وَالْبَيِّنَاتُ: الْأَدِلَّةُ وَالْمُعْجِزَاتُ وَمَجِيئُهَا ظُهُورهَا وَبَيَانُهَا، لِأَنَّ الْمَجِيءَ ظُهُورُ شَخْصِ الْجَائِي بَعْدَ غَيْبَتِهِ. وَجِيءَ فِي الشَّرْطِ بِإِنْ لِنُدْرَةِ حُصُولِ هَذَا الزَّلَلِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أَوْ لِعَدَمِ رَغْبَةِ الْمُتَكَلِّمِ فِي حُصُولِهِ إِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِمَنْ آمَنَ بِظَاهِرِهِ دُونَ قَلْبِهِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا خَامَرَ نُفُوسَهُمْ مِنْ كَرَاهِيَةِ الصُّلْحِ هُوَ زَلَّةٌ عَظِيمَةٌ. وَقَوْلُهُ: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ جَوَابُ الشَّرْطِ، وأَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، مفعول فَاعْلَمُوا، وَالْمَقْصُودُ عِلْمُ لَازِمِهِ وَهُوَ الْعِقَابُ. وَالْعَزِيزُ فَعِيلٌ مِنْ عَزَّ إِذَا قَوِيَ وَلَمْ يُغْلَبْ، وَأَصله مِنَ الْعِزَّةِ وَقَدْ مر الْكَلَام عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ [الْبَقَرَة: ٢٠٦] وَهُوَ ضِدٌّ، فَكَانَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ تَعَالَى عَزِيزٌ مُسْتَلْزِمًا تَحَقُّقَهُمْ أَنَّهُ مُعَاقِبُهُمْ لَا يُفْلِتُهُمْ، لِأَنَّ الْعَزِيزَ لَا يَنْجُو مَنْ يُنَاوِئُهُ. وَالْحَكِيمُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ فَاعِلٍ مِنْ حَكَمَ أَيْ قَوِيُّ الْحُكْمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ الْمُحْكِمُ لِلْأُمُورِ فَهُوَ مِنْ مَجِيءِ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ، وَمُنَاسَبَتُهُ هُنَا أَنَّ الْمُتْقِنَ لِلْأُمُورِ لَا يُفْلِتُ مُسْتَحِقَّ الْعُقُوبَةِ، فَالْكَلَامُ وَعِيدٌ وَإِلَّا فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ: فَاعْلَمُوا تَنْزِيلًا لِعِلْمِهِمْ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الدُّخُولِ فِي الدِّينِ أَوْ لِمُخَالَفَةِ أَحْكَامِ الدِّينِ أَوْ مِنَ الِامْتِعَاضِ بِالصُّلْحِ الَّذِي عَقَدَهُ الرَّسُولُ. وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى: مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ إعذار لَهُمْ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ تَفْوِيضُ الْعِلْمِ إِلَى اللَّهِ الَّذِي أَوْحَى إِلَى رَسُولِهِ بِإِبْرَامِ الصُّلْحِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّهُ مَا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَهْنٍ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لَا يَهِنُ لِأَحَدٍ، وَلِأَنَّهُ حَكِيمٌ يَضَعُ الْأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا، وَيَخْتَارُ لِلْمُسْلِمِينَ مَا فِيهِ نَصْرُ دِينِهِ وَقَدْ رَأَيْتُمُ الْبَيِّنَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى عِنَايَةِ اللَّهِ بِرَسُولِهِ وَأَنَّهُ لَا يُخْزِيهِ وَلَا يُضَيِّعُ أَمْرَهُ وَمِنْ تِلْكَ الْبَيِّنَاتِ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.

стр. 1038

وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ أَوِ الدَّوَامَ عَلَيْهِ فالمعنيّ: ب (فَإِنْ زَلَلْتُمْ) : الِاتِّصَافُ بِمَا يُنَافِي الْأَمْرَ بِالدُّخُولِ فِي السِّلْمِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَيِّنَاتِ الْمُعْجِزَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ، نَقَلَ الْفَخْرُ عَنْ «تَفْسِيرِ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ» دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ بِالذَّنْبِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ وَأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ تَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ الْبَيِّنَاتِ لَا بَعْدَ حُصُولِ الْيَقِينِ مِنَ الْمُكَلَّفِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي عَدَمِ حُصُولِ الْيَقِينِ إِنْ كَانَتِ الْأَدِلَّةُ كَافِيَةً. وَفِي «الْكَشَّافِ» رُوِيَ أَنَّ قَارِئًا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَسَمِعَهُ أَعْرَابِيٌّ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ لَا يَقُولُ الْحَكِيمُ كَذَا لَا يَذْكُرُ الْغُفْرَانَ عِنْدَ الزَّلَلِ لِأَنَّهُ إِغْرَاءٌ عَلَيْهِ اهـ وَفِي الْقُرْطُبِيِّ عَنْ «تَفْسِيرِ النَّقَّاشِ» نِسْبَةُ مِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ كُنْتُ أَقْرَأُ: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُور رَحِيم، ويجنبي أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ كَلَامُ مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ كَلَامُ اللَّهِ، قَالَ: لَيْسَ هَذَا كَلَامَ اللَّهِ فانتبهت فَقَرَأت أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الْمَائِدَة: ٣٨] فَقَالَ أَصَبْتَ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ فَقُلْتُ أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ لَا قُلْتُ مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ؟ قَالَ يَا هَذَا عَزَّ فَحَكَمَ فَقَطَعَ وَلَوْ غَفَرَ وَرَحِمَ لما قطع. [٢١٠] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢١٠] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) إِنْ كَانَ الْإِضْمَارُ جَارِيًا عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ فَضَمِيرُ يَنْظُرُونَ رَاجِعٌ إِلَى مَعَادٍ مَذْكُورٍ قَبْلَهُ، وَهُوَ إِمَّا مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الْبَقَرَة: ٢٠٤] ، وَإِمَّا إِلَى مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ٢٠٧] ، أَوْ إِلَى كِلَيْهِمَا لِأَنَّ الْفَرِيقَيْنِ يَنْتَظِرُونَ يَوْمَ الْجَزَاءِ، فَأَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ يَنْتَظِرُهُ شَكًّا فِي الْوَعِيدِ بِالْعَذَابِ، وَالْفَرِيقُ الْآخَرُ يَنْتَظِرُهُ انْتِظَارَ الرَّاجِي لِلثَّوَابِ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [يُونُس: ١٠٢] فَانْتِظَارُهُمْ أَيَّامَ الَّذِينَ خَلَوُا انْتِظَارُ تَوَقُّعِ سُوءٍ انْتِظَار النَّبِيءِ مَعَهُمُ انْتِظَارُ تَصْدِيقِ وَعِيدِهِ. وَإِنْ كَانَ الْإِضْمَارُ جَارِيًا عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ [الْبَقَرَة: ٢٠٨] وَمَا بَعْدَهُ، أَوْ إِلَى الَّذِينَ زَلُّوا الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ زَلَلْتُمْ [الْبَقَرَة: ٢٠٩] ، وَهُوَ حِينَئِذٍ الْتِفَاتٌ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ، إِمَّا لِمُجَرَّدِ تَجْدِيدِ نَشَاطِ السَّامِعِ إِنْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ

стр. 1039

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الْبَقَرَة: ٢٠٨] ، وَإِمَّا لِزِيَادَةِ نُكْتَةِ إِبْعَادِ الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ فَإِنْ زَلَلْتُمْ عَنْ عِزِّ الْحُضُورِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ هَلْ يَنْظُرُونَ يَعْنِي التَّارِكِينَ الدُّخُولَ فِي السَّلْمِ، وَقَالَ الْفَخْرُ الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ أَيْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَبَعْضِ رُسُلِهِ وَكُتُبِهِ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَعَلَى أَنَّ السِّلْمَ أُرِيدَ بِهِ الْإِسْلَامُ، وَنُكْتَةُ الِالْتِفَاتِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هِيَ هِيَ. فَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِمَنْ يُعْجِبُكَ أَوْ لَهُ وَلِمَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ، فَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ، لِأَنَّ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ الْعَجِيبَتَيْنِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ تُثِيرَانِ سُؤَالَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ جَزَاءِ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ جَوَابًا لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الَّذِينَ آمَنُوا فَجُمْلَةُ هَلْ يَنْظُرُونَ اسْتِئْنَافٌ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ خَشْيَةَ يَوْمِ الْجَزَاءِ أَوْ طَمَعًا فِي ثَوَابِهِ وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِلَّذِينَ زَلُّوا مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ زَلَلْتُمْ [الْبَقَرَة: ٢٠٩] فَالْجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ مَضْمُون جملَة أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الْبَقَرَة: ٢٠٩] لِأَنَّ مَعْنَاهُ فَإِنْ زَلَلْتُمْ فَاللَّهُ لَا يُفْلِتُكُمْ لِأَنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وَعَدَمُ الْإِفْلَاتِ يَشْتَمِلُ عَلَى إِتْيَانِ أَمْرِ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى الْيَهُودِ فَهُوَ تَوْبِيخٌ لَهُمْ عَلَى مُكَابَرَتِهِمْ عَنِ الِاعْتِرَافِ بِحَقِّيَّةِ الْإِسْلَامِ. وَعَلَى كُلِّ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي لَا تَتَنَافَى فَقَدْ جَاءَ نَظْمُ قَوْلِهِ هَلْ يَنْظُرُونَ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ نَظْمًا جَامِعًا لِلْمَحَامِلِ كُلِّهَا مِمَّا هُوَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ إِعْجَازِ هَذَا الْكَلَامِ الْمَجِيدِ الدَّالِّ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ. وَحَرْفُ (هَلْ) مُفِيدٌ الِاسْتِفْهَامَ وَمُفِيدٌ التَّحْقِيقَ وَيُظْهِرُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلِاسْتِفْهَامِ عَنْ أَمْرٍ يُرَادُ تَحْقِيقُهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ أَئِمَّةُ الْمَعَانِي إِنَّ هَلْ لِطَلَبِ تَحْصِيلِ نِسْبَةٍ حِكْمِيَّةٍ تَحْصُلُ فِي عِلْمِ الْمُسْتَفْهِمِ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي «الْكَشَّافِ» : إِنَّ أَصْلَ هَلْ أَنَّهَا مُرَادِفَةُ قَدْ فِي الِاسْتِفْهَامِ خَاصَّةً، يَعْنِي قَدْ الَّتِي لِلتَّحْقِيقِ وَإِنَّمَا اكْتَسَبَتْ إِفَادَةَ الِاسْتِفْهَامِ مِنْ تَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ مَعَهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظُهُورُ الْهَمْزَةِ فِي قَوْلِ زَيْدِ الْخَيْلِ: سَائل فوارس بربوع بِشِدَّتِنَا ... أَهَلْ رَأَوْنَا بِسَفْحِ الْقَاعِ ذِي الْأَكَمِ وَقَالَ فِي «الْمُفَصَّلِ» : وَعَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّ هَلْ بِمَعْنَى قَدْ إِلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْأَلِفَ قَبْلَهَا لِأَنَّهَا لَا تَقَعُ إِلَّا فِي الِاسْتِفْهَامِ اهـ. يَعْنِي أَنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهَامِ الْتُزِمَ حَذْفُهَا لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا بِمُلَازَمَةِ هَلْ لِلْوُقُوعِ فِي الِاسْتِفْهَامِ، إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ هَلْ تَرِدُ بِمَعْنَى قَدْ مُجَرَّدَةً عَنِ الِاسْتِفْهَامِ فَإِنَّ مَوَارِدَهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَبِالْقُرْآنِ يُبْطِلُ ذَلِكَ وَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى الْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ وَالْمُبَرِّدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ أَتى

стр. 1040

عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [الْإِنْسَان: ١] وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا تَفْسِيرَ الْمَعْنَى لَا تَفْسِيرَ الْإِعْرَابِ وَلَا نَعْرِفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ اقْتِرَانَ هَلْ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ إِلَّا فِي هَذَا الْبَيْتِ وَلَا يَنْهَضُ احْتِجَاجُهُمْ بِهِ لِإِمْكَانِ تَخْرِيجِهِ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ حَرْفَيِ اسْتِفْهَامٍ عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ كَمَا يُؤَكِّدُ الْحَرْفَ فِي بَعْضِ الْكَلَامِ كَقَوْلِ مُسْلِمِ بْنِ مَعْبَدٍ الْوَالِبِيِّ: فَلَا وَالله لَا يلقى لِمَا بِي ... وَلَا لِلِمَا بِهِمْ أَبَدًا دَوَاءُ فَجَمَعَ بَيْنَ لَامَيْ جَرٍّ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَإِنَّ هَلْ تَمَحَّضَتْ لِإِفَادَةِ الِاسْتِفْهَامِ فِي جَمِيعِ مَوَاقِعِهَا، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ فِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ. وَالِاسْتِفْهَامُ إنكاري لَا محَالة بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَالْكَلَامُ خَبَرٌ فِي صُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ. وَالنَّظَرُ: الِانْتِظَارُ وَالتَّرَقُّبُ يُقَالُ نَظَرَهُ بِمَعْنَى تَرَقَّبَهُ، لِأَنَّ الَّذِي يَتَرَقَّبُ أَحَدًا يُوَجِّهُ نَظَرَهُ إِلَى صَوْبِهِ ليرى شبحه عِنْد مَا يَبْدُو، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا نَفِيَ النَّظَرِ الْبَصَرِيِّ أَيْ لَا يَنْظُرُونَ بِأَبْصَارِهِمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا إِتْيَانَ أَمْرِ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّ الْوَاقِعَ أَنَّ الْأَبْصَارَ تَنْظُرُ غَيْرَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّ رُؤْيَتَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ كَالْعَدَمِ لِشِدَّةِ هَوْلِ إِتْيَانِ أَمْرِ اللَّهِ، فَيَكُونُ قَصْرًا ادِّعَائِيًّا، أَوْ تُسْلَبُ أَبْصَارُهُمْ مِنَ النَّظَرِ لِغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا الْمُرَكَّبُ لَيْسَ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا وُضِعَ لَهُ مِنَ الْإِنْكَار بل مُسْتَعْملا إِمَّا فِي التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ وَهُوَ الظَّاهِرُ الْجَارِي عَلَى غَالِبِ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الضَّمِيرِ، وَإِمَّا فِي الْوَعْدِ إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِمَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ، وَإِمَّا فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ الْعِدَةُ بِظُهُورِ الْجَزَاءِ إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ، وَإِمَّا فِي التَّهَكُّمِ إِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُنَافِقِينَ الْيَهُودَ أَوِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا الْيَهُودُ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِمُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [الْبَقَرَة: ٥٥] . وَيجوز على هَذَا أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الْيَهُودِ: أَيْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَيَدْخُلُونَ فِي السِّلْمِ حَتَّى يَرَوُا اللَّهَ تَعَالَى فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [الْبَقَرَة: ١٤٥] . وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَإِنَّهُمْ قَدْ حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إِلَى قَوْلِهِ أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [الْإِسْرَاء: ٩٠، ٩٢] ، وَسَيَجِيءُ الْقَوْلُ مُشَبَّعًا فِي مَوْقِعِ هَذَا التَّرْكِيبِ وَمَعْنَاهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.

стр. 1041

وَ (الظُّلَلُ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ اسْمٌ جَمْعُ ظُلَّةٍ، وَالظُّلَّةُ تُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ وَالَّذِي تَلَخَّصَ لِي مِنْ حَقِيقَتِهَا فِي اللُّغَةِ أَنَّهَا اسْمٌ لِشِبْهِ صِفَةٍ مُرْتَفِعَةٍ فِي الْهَوَاءِ تَتَّصِلُ بِجِدَارٍ أَوْ تَرْتَكِزُ عَلَى أَعْمِدَةٍ يُجْلَسُ تَحْتَهَا لِتَوَقِّي شُعَاعِ الشَّمْسِ، فَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنِ اسْمِ الظِّلِّ جُعِلَتْ عَلَى وَزْنِ فعلة بِمَعْنى مفعولة أَوْ مَفْعُولٍ بِهَا مِثْلَ الْقُبْضَةِ بِضَمِّ الْقَافِ لِمَا يُقْبَضُ بِالْيَدِ. وَالْغُرْفَةُ بِضَمِّ الْغَيْنِ لِمَا يُغْتَرَفُ بِالْيَدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [الْبَقَرَة: ٢٤٩] فِي قِرَاءَةِ بَعْضِ الْعَشَرَةِ بِضَمِّ الْغَيْنِ. وَهِيَ هُنَا مُسْتَعَارَةٌ أَوْ مُشَبَّهٌ بِهَا تَشْبِيهًا بَلِيغًا: السَّحَّابَاتُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي تُشْبِهُ كُلُّ سَحَابَةٍ مِنْهَا ظُلَّةَ الْقَصْرِ. ومِنَ الْغَمامِ بَيَانٌ لِلْمُشَبَّهِ وَهُوَ قَرِينَةُ الِاسْتِعَارَةِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر: ١٦] . وَالْإِتْيَانُ حُضُورُ الذَّاتِ فِي مَوضِع من مَوْضِعٍ آخَرَ سَبَقَ حُصُولُهَا فِيهِ وَأُسْنِدَ الْإِتْيَانُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِثْبَاتِ فَاقْتَضَى ظَاهِرُهُ اتِّصَافَ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْإِتْيَانُ يَسْتَلْزِمُ التَّنَقُّلَ أَوِ التَّمَدُّدَ لِيَكُونَ حَالًّا فِي مَكَانٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَتَّى يَصِحَّ الْإِتْيَانُ وَكَانَ ذَلِك يسْتَلْزم التنقل الْجِسْمَ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، تَعَيَّنَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، فَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ خَبَرًا أَوْ تَهَكُّمًا فَلَا حَاجَةَ لِلتَّأْوِيلِ، لِأَنَّ اعْتِقَادَهُمْ ذَلِكَ مَدْفُوعٌ بِالْأَدِلَّةِ وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ وَعِيدًا مِنَ اللَّهِ لَزِمَ التَّأْوِيلَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنَّهُ لَا يَتَّصِفُ بِمَا هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ كَالتَّنَقُّلِ وَالتَّمَدُّدِ لِمَا عَلِمْتَ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ هَذَا عِنْدَنَا عَلَى أَصْلِ الْأَشْعَرِيِّ فِي تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ إِمَّا فِي مَعْنَى الْإِتْيَانِ أَوْ فِي إِسْنَادِهِ إِلَى اللَّهِ أَوْ بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مِنْ مُضَافٍ أَوْ مَفْعُولٍ، وَإِلَى هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ تَرْجِعُ الْوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُفَسِّرُونَ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ذَهَبَ سَلَفُ الْأُمَّةِ قَبْلَ حُدُوثِ تَشْكِيكَاتِ الْمَلَاحِدَةِ إِلَى إِقْرَارِ الصِّفَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ دُونَ تَأْوِيلٍ فَالْإِتْيَانُ ثَابِتٌ لِلَّهِ تَعَالَى، لَكِن بِلَا كَيْفَ فَهُوَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ كَالِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ وَالرُّؤْيَةِ أَيْ هُوَ إِتْيَانٌ لَا كَإِتْيَانِ الْحَوَادِثِ. فَإِمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْخَلَفِ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَشْعَرِيَّةِ لِدَفْعِ مَطَاعِنِ الْمَلَاحِدَةِ فَتَجِيءُ وُجُوهٌ مِنْهَا: الْوَجْهُ الثَّانِي: أَقُولُ يَجُوزُ تَأْوِيلُ إِتْيَانِ الله بِأَنَّهُ مجَاز فِي التَّجَلِّي وَالِاعْتِنَاءِ إِذَا كَانَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا لِمَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، أَوْ بِأَنَّهُ مَجَازٌ فِي تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ التَّنْجِيزِيِّ بِإِظْهَارِ الْجَزَاءِ

стр. 1042

إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ، أَوْ هُوَ مَجَازٌ فِي الِاسْتِئْصَالِ يُقَالُ أَتَاهُمُ الْمَلِكُ إِذَا عَاقَبَهُمْ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، قُلْتُ وَذَلِكَ فِي كُلِّ إِتْيَانٍ مُضَافٍ إِلَى مُنْتَقِمٍ أَوْ عَدُوٍّ أَوْ فَاتِحٍ كَمَا تَقُولُ: أَتَاهُمُ السَّبُعُ بِمَعْنَى أَهْلَكَهُمْ وَأَتَاهُمُ الْوَبَاءُ وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ أَتَى عَلَيْهِ بِمَعْنَى أَهْلَكَهُ وَاسْتَأْصَلَهُ، فَلَمَّا شَاعَ ذَلِكَ شَاعَ إِطْلَاقُ الْإِتْيَانِ عَلَى لَازِمِهِ وَهُوَ الْإِهْلَاكُ وَالِاسْتِئْصَالُ قَالَ تَعَالَى: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الْحَشْر: ٢] وَقَالَ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [النَّحْل: ٢٦] وَلَيْسَ قَوْلُهُ: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ بِمُنَافٍ لِهَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ ظُهُورَ أَمْرِ اللَّهِ وَحُدُوثَ تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ يَكُونُ مَحْفُوفًا بِذَلِكَ لِتَشْعُرَ بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ قَرِيبًا. الْوَجْه الثَّالِثُ: إِسْنَادُ الْإِتْيَانِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِسْنَادٌ مَجَازِيٌّ وَإِنَّمَا يَأْتِيهِمْ عَذَابُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ فِي الدُّنْيَا وَكَوْنُهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ زِيَادَةُ تَنْوِيهٍ بِذَلِكَ الْمَظْهَرِ وَوَقْعِهِ لَدَى النَّاظِرِينَ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: يَأْتِيهِمْ كَلَامُ اللَّهِ الدَّالُّ عَلَى الْأَمْرِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْكَلَامُ مَسْمُوعًا مِنْ قِبَلِ ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ تَحُفُّهُ الْمَلَائِكَةُ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ هُنَالِكَ مُضَافًا مُقَدَّرًا أَيْ يَأْتِيهم أَمر الله أَي قَضَاؤُهُ بَيْنَ الْخَلْقِ أَوْ يَأْتِيهِمْ بَأْسُ اللَّهِ بِدَلِيلِ نَظَائِرِهِ فِي الْقُرْآنِ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ وَقَوْلُهُ: فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً [الْأَعْرَاف: ٤] وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِتْيَانَ فِي هَذَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا فِي ظُهُورِ الْأَمْرِ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ، آيَاتُ اللَّهِ أَوْ بَيِّنَاتُهُ أَيْ دَلَائِلُ قُدْرَتِهِ أَوْ دَلَائِلُ صِدْقِ رُسُلِهِ وَيُبَعِّدُهُ قَوْلُهُ: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْوَجْهِ الْخَامِسِ أَوْ إِلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ. الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنْ هُنَالِكَ مَعْمُولًا مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الْبَقَرَة: ٢٠٩] وَالتَّقْدِيرُ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ أَوْ بِبَأْسِهِ. وَالْأَحْسَنُ تَقْدِيرُ أَمْرٍ عَامٍّ يَشْمَلُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ لِتَكُونَ الْجُمْلَةُ وَعْدًا وَوَعِيدًا. وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فِي [سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ٦] مَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ أَنَّ مَا يَجْرِي عَلَى اسْمِهِ تَعَالَى مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَحْكَامِ وَمَا يُسْنَدُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَفْعَالِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ اتَّصَفَ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَالْوُجُودِ وَالْحَيَاةِ لَكِنْ بِمَا يُخَالِفُ الْمُتَعَارَفَ فِينَا، وَقِسْمٌ اتَّصَفَ اللَّهُ بِلَازِمِ مَدْلُولِهِ وَشَاعَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ

стр. 1043

الْمُتَبَادِرُ من الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ دُونَ الْمَلْزُومَاتِ مِثْلَ الرَّحْمَةِ وَالْغَضَبِ وَالرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ، وَقِسْمٌ هُوَ مُتَشَابِهٌ وَتَأْوِيلُهُ ظَاهِرٌ، وَقِسْمٌ مُتَشَابِهٌ شَدِيدُ التَّشَابُهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ أَشَدُّ إِشْكَالًا مِنْ إِسْنَادِ الْإِتْيَانِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِاقْتِضَائِهِ الظَّرْفِيَّةِ، وَهِيَ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَأْوِيلُهُ إِمَّا بِأَنَّ (فِي) بِمَعْنَى الْبَاءِ أَي يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَهِيَ ظُلَلٌ تَحْمِلُ الْعَذَابَ مِنَ الصَّوَاعِقِ أَوِ الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ إِنْ كَانَ الْعَذَابُ دُنْيَوِيًّا، أَوْ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ تَشْتَمِلُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ عَذَابِهِ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ [الطّور: ٤٤] وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا رَأَى السَّحَابَ رُئِيَ فِي وَجْهِهِ الْخَوْفُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، أَوْ عَلَى كَلَامِهِ تَعَالَى، أَوِ الْحَاجِبَةِ لِأَنْوَارٍ يَجْعَلُهَا اللَّهُ عَلَامَةً لِلنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ابْتِدَاءِ فَصْلِ الْحِسَابِ يُدْرِكُ دَلَالَتَهَا أَهْلُ الْمَوْقِفِ وَبِالِانْكِشَافِ الْوِجْدَانِيِّ، وَفِي «تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ وَالْفَخْرِ» قِيلَ: إِنَّ فِي الْآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وَأَصْلُ الْكَلَامِ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، فَالْغَمَامُ ظَرْفٌ لِإِتْيَانِ الْمَلَائِكَةِ، وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَهَا كَذَلِكَ، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ بِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَأَمَّا عَلَى جَعْلِ ضَمِيرِ يَنْظُرُونَ مَقْصُودًا بِهِ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَوِ الْيَهُودِ بِأَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ تَهَكُّمًا أَيْ مَاذَا يَنْتَظِرُونَ فِي التَّبَاطُؤِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، مَا يَنْتَظِرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي أَحْوَالٍ اعْتَقَدُوهَا فَيُكَلِّمُهُمْ لِيَدْخُلُوا فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا لِمُوسَى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [الْبَقَرَة: ٥٥] وَاعْتَقَدُوا أَنَّ اللَّهَ فِي الْغَمَامِ، أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَعْرِيضًا بِالْمُشْرِكِينَ، وَبَعْضُ التَّأْوِيلَاتِ تَقَدَّمَتْ مَعَ تَأْوِيلِ الْإِتْيَانِ. وَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ «وَالْمَلَائِكَةُ» بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ، وَإِسْنَادِ الْإِتْيَانِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ أَوْ عَذَابِهِ وَهُمُ الْمُوكَّلُ إِلَيْهِمْ تَنْفِيذُ قَضَائِهِ، فَإِسْنَادُ الْإِتْيَانِ إِلَيْهِمْ حَقِيقَةٌ فَإِنْ كَانَ الْإِتْيَانُ الْمُسْنَدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَلَائِكَةِ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ فَهُوَ مِنَ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُ الْإِتْيَانِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَجَازًا فِي الْإِسْنَادِ فَإِسْنَادُهُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ بِطَرِيقِ الْعَطْفِ حَقِيقَةٌ فِي الْإِسْنَادِ وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَجَازَ الْإِسْنَادِيَّ عِبَارَةٌ عَنْ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْقَرِينَةِ، قَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَمْدَحُ عَبْدَ الْمَلِكِ: أَتَاكَ بِي اللَّهُ الَّذِي نَوَّرَ الْهُدَى ... وَنُورٌ وَإِسْلَامٌ عَلَيْكَ دَلِيلُ فَأَسْنَدَ الْإِتْيَانَ بِهِ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ إِسْنَادٌ حَقِيقِيٌّ ثُمَّ أَسْنَدَهُ بِالْعَطْفِ لِلنُّورِ وَالْإِسْلَامِ، وَإِسْنَادُ

стр. 1044

الْإِتْيَانِ بِهِ إِلَيْهِمَا مَجَازِيٌّ لِأَنَّهُمَا سَبَبُ الْإِتْيَانِ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ «عَلَيْكَ دَلِيلٌ» . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ «وَالْمَلَائِكَةِ» بِجَرِّ (الْمَلَائِكَةِ) عَطْفٌ عَلَى (ظُلَلٍ) . وَقَوْلُهُ: وَقُضِيَ الْأَمْرُ إِمَّا عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ هَلْ يَنْظُرُونَ إِنَّ كَانَتْ خَبَرًا عَنِ الْمُخْبَرِ عَنْهُمْ وَالْفِعْلُ الْمَاضِي هَنَا مُرَادٌ مِنْهُ الْمُسْتَقْبَلُ، وَلَكِنَّهُ أَتَى فِيهِ بِالْمَاضِي تَنْبِيهًا عَلَى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ أَوْ قُرْبِ وُقُوعِهِ، وَالْمَعْنَى مَا يَنْتَظِرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَسَوْفَ يُقْضَى الْأَمْرُ، وَإِمَّا عَطْفٌ عَلَى جملَة يَنْظُرُونَ إِن كَانَت جُمْلَةِ هَلْ يَنْظُرُونَ وَعِيدًا أَوْ وَعْدًا وَالْفِعْلُ كَذَلِكَ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَالْمَعْنَى مَا يَتَرَقَّبُونَ إِلَّا مَجِيءَ أَمْرِ اللَّهِ وَقَضَاءِ الْأَمْرِ. وَإِمَّا جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَالْمَاضِي عَلَى أَصْلِهِ وَحُذِفَتْ قَدْ، سَوَاءٌ كَانَتْ جُمْلَةُ هَلْ يَنْظُرُونَ خَبَرًا أَوْ وَعْدًا وَوَعِيدًا أَيْ وَحِينَئِذٍ قَدْ قُضِيَ الْأَمْرُ، وَإِمَّا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا يَنْتَظِرُونَ لِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ فَإِنَّ ذَلِكَ إِنْ وَقَعَ يَكُونُ قَدْ قُضِيَ الْأَمْرُ أَيْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْهَلَاكُ كَقَوْلِهِ: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ [الْأَنْعَام: ٨] . وَالْقَضَاءُ: الْفَرَاغُ وَالْإِتْمَامُ. وَالتَّعْرِيفُ فِي (الْأَمْرِ) إِمَّا لِلْجِنْسِ مُرَادًا مِنْهُ الِاسْتِغْرَاقُ أَيْ قُضِيَتِ الْأُمُورُ كُلُّهَا، وَإِمَّا لِلْعَهْدِ أَيْ أَمْرُ هَؤُلَاءِ أَيْ عِقَابُهُمْ أَوِ الْأَمْرُ الْمَعْهُودُ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ وَهُوَ الْجَزَاءُ. وَقَوْلُهُ: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ تَذْيِيلٌ جَامِعٌ لِمَعْنَى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَالرُّجُوعُ فِي الْأَصْلِ: الْمَآبُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ الرَّاجِعُ، وَيُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي نِهَايَةِ الشَّيْءِ وَغَايَتِهِ وَظُهُورِ أَثَرِهِ، فَمِنْهُ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى: ٥٣] . وَيَجِيءُ فِعْلُ رَجَعَ مُتَعَدِّيًا، تَقُولُ رَجَعْتُ زَيْدًا إِلَى بَلَدِهِ وَمَصْدَرُهُ الرَّجْعُ، وَيُسْتَعْمَلُ رَجَعَ قَاصِرًا تَقُولُ: رَجَعَ زَيْدٌ إِلَى بَلَدِهِ وَمَصْدَرُهُ الرُّجُوعُ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ (تُرْجَعُ) بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعُ أَرْجَعَهُ أَوْ مُضَارِعُ رَجَعَهُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أَيْ يُرْجِعُ الْأُمُورَ رَاجِعُهَا إِلَى اللَّهِ، وَحُذِفَ الْفَاعِلُ على هَذَا الْعَدَم تَعَيُّنِ فَاعِلٍ عُرْفِيٍّ لِهَذَا الرَّجْعِ، أَوْ حُذِفَ لِدَفْعِ مَا يَبْدُو مِنَ التَّنَافِي بَيْنَ كَوْنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ فَاعِلًا لِلرُّجُوعِ وَمَفْعُولًا لَهُ بِحَرْفِ إِلَى، وَقَرَأَهُ بَاقِي الْعَشَرَةِ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ مِنْ رَجَعَ الَّذِي مَصْدَرُهُ الرُّجُوعُ فَالْأُمُورُ فَاعل ترجع.

стр. 1045

[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢١١] سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) تَتَنَزَّلُ هَاتِهِ الْآيَةُ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا مَنْزِلَةَ الْبُرْهَانِ عَلَى مَعْنَى الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: هَلْ يَنْظُرُونَ [الْبَقَرَة: ٢١٠] سَوَاءٌ كَانَ خَبَرًا أَوْ وَعِيدًا أَوْ وَعْدًا أَمْ تَهَكُّمًا، وَأَيًّا مَا كَانَ مُعَادُ الضَّمِيرُ فِيهِ عَلَى الْأَوْجُهِ السَّابِقَةِ قد دَلَّ بِكُلِّ احْتِمَالٍ عَلَى تَعْرِيضٍ بِفِرَقٍ ذَوِي غُرُورٍ وَتَمَادٍ فِي الْكُفْرِ وَقِلَّةِ انْتِفَاعٍ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُعَقِّبَ ذَلِكَ بِإِلْفَاتِهِمْ إِلَى مَا بَلَغَهُمْ مِنْ قِلَّةِ انْتِفَاعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا أُوتُوهُ مِنْ آيَاتِ الِاهْتِدَاءِ مَعَ قِلَّةِ غَنَاءِ الْآيَاتِ لَدَيْهِمْ عَلَى كَثْرَتِهَا، فَإِنَّهُمْ عَانَدُوا رَسُولَهُمْ ثُمَّ آمَنُوا بِهِ إِيمَانًا ضَعِيفًا ثُمَّ بَدَّلُوا الدِّينَ بَعْدَ ذَلِكَ تَبْدِيلًا. وَعَلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي يَنْظُرُونَ [الْبَقَرَة: ٢١٠] لِأَهْلِ الْكِتَابِ: أَيْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَالْعُدُولُ عَنِ الْإِضْمَارِ هُنَا إِلَى الْإِظْهَارِ بِقَوْلِهِ: بَنِي إِسْرائِيلَ لِزِيَادَةِ النِّدَاءِ عَلَى فَضِيحَةِ حَالِهِمْ وَيَكُونُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ أَشَدَّ، أَيْ هُمْ قَدْ رَأَوْا آيَاتٍ كَثِيرَةً فَكَانَ الْمُنَاسِبُ لَهُم أَن يبادوا بِالْإِيمَانِ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَحْوَالِ الرُّسُلِ، وَعَلَى كُلٍّ فَهَذِهِ الْآيَةُ وَمَا بَعْدَهَا مُعْتَرِضَاتٌ بَيْنَ أَغْرَاضِ التَّشْرِيعِ الْمُتَتَابِعَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وسَلْ أَمْرٌ مِنْ سَأَلَ يَسْأَلُ أَصْلُهُ اسْأَلْ فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِهَا إِلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا إِلْحَاقًا لَهَا بِنَقْلِ حَرَكَةِ حَرْفِ الْعِلَّةِ لِشِبْهِ الْهَمْزَةِ بِحَرْفِ الْعِلَّةِ فَلَمَّا تَحَرَّكَ أَوَّلُ الْمُضَارِعِ اسْتَغْنَى عَنِ اجْتِلَابِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ، وَقِيلَ: سَلْ أَمْرٌ مِنْ سَأَلَ الَّذِي جُعِلَتْ هَمْزَتُهُ أَلِفًا مِثْلَ الْأَمْرِ مِنْ خَافَ يَخَافُ خَفْ، وَالْعَرَبُ يُكْثِرُونَ مِنْ هَذَا التَّخْفِيفِ فِي سَأَلَ مَاضِيًا وَأَمْرًا إِلَّا أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ تَرَكُوا هَذَا التَّخْفِيفَ غَالِبًا. وَالْمَأْمُورُ بِالسُّؤَالِ هُوَ الرَّسُولُ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَرَقَّبُ أَنْ يُجِيبَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنْ سُؤَالِهِ إِذْ لَا يعبأون بِسُؤَالِ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّؤَالِ سُؤَالُ التَّقْرِيرِ لِلتَّقْرِيعِ، وَلَفْظُ السُّؤَالِ يَجِيءُ لِمَا تَجِيءُ لَهُ أَدَوَاتُ الِاسْتِفْهَامِ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّقْرِيرِ إِظْهَارُ إِقْرَارِهِمْ لِمُخَالَفَتِهِمْ لِمُقْتَضَى الْآيَاتِ فَيَجِيءُ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ التَّقْرِيعُ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ تَصْرِيحَهُمْ بِالْإِقْرَارِ بَلْ مُجَرَّدُ كَوْنِهِمْ لَا يَسَعُهُمُ الْإِنْكَارُ.

стр. 1046

وَالْمُرَادُ بِ (بَنِي إِسْرَائِيلَ) الْحَاضِرُونَ مِنَ الْيَهُودِ. وَالضَّمِيرُ فِي آتَيْناهُمْ لَهُمْ، وَالْمَقْصُودُ إِيتَاءُ سَلَفِهِمْ لِأَنَّ الْخِصَالَ الثَّابِتَةَ لِأَسْلَافِ الْقَبَائِلِ وَالْأُمَمِ، يَصِحُّ إِثْبَاتُهَا لِلْخَلَفِ لِتُرَتِّبِ الْآثَارِ لِلْجَمِيعِ كَمَا هُوَ شَائِعٌ فِي مُصْطَلَحِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى إِيتَائِهِمُ الْآيَاتِ أَنَّهُمْ لَمَّا تَنَاقَلُوا آيَاتِ رُسُلِهِمْ فِي كُتُبِهِمْ وَأَيْقَنُوا بِهَا فَكَأَنَّهُمْ أُوتُوهَا مُبَاشَرَةً. وَ (كَمْ) اسْمٌ لِلْعَدَدِ الْمُبْهَمِ فَيَكُونُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَيَكُونُ لِلْإِخْبَارِ، وَإِذَا كَانَتْ لِلْإِخْبَارِ دَلَّتْ عَلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ وَلِذَلِكَ تَحْتَاجُ إِلَى مُمَيّز فِي الِاسْتِفْهَام وَفِي الْإِخْبَارِ، وَهِيَ هُنَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وُقُوعُهَا فِي حيّز السُّؤَال، فالمسؤول عَنْهُ هُوَ عَدَدُ الْآيَاتِ. وَحَقُّ سَأَلَ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ مِنْ بَابِ كَسَا أَيْ لَيْسَ أَصْلُ مَفْعُولَيْهِ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا، وَجُمْلَةُ كَمْ آتَيْناهُمْ لَا تَكُونُ مَفْعُولَهُ الثَّانِيَ إِذْ لَيْسَ الِاسْتِفْهَامُ مَطْلُوبًا بَلْ هُوَ عَيْنُ الطَّلَبِ، فَفِعْلُ سَلْ مُعَلَّقٌ عَنِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي لِأَجْلِ الِاسْتِفْهَامِ، وَجُمْلَةُ كَمْ آتَيْناهُمْ فِي مَوْقِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي سَادَّةٌ مَسَدَّهُ. وَالتَّعْلِيقُ يَكْثُرُ فِي الْكَلَامِ فِي أَفْعَالِ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ إِذَا جَاءَ بَعْدَ الْأَفْعَالِ اسْتِفْهَامٌ أَوْ نَفْيٌ أَوْ لَامُ ابْتِدَاءٍ أَوْ لَامُ قَسَمٍ، وَأُلْحِقَ بِأَفْعَالِ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ مَا قَارَبَ مَعْنَاهَا مِنَ الْأَفْعَالِ، قَالَ فِي «التَّسْهِيلِ» «ويشاركهن فِيهِ (أَي فِي التَّعْلِيقِ) مَعَ الِاسْتِفْهَامِ، نَظَرَ وَتَفَكَّرَ وَأَبْصَرَ وَسَأَلَ» ، وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ [الذاريات: ١٢] وَلَمَّا أَخَذَ سَأَلَ هُنَا مَفْعُولَهُ الْأَوَّلَ فَقَدْ عُلِّقَ عَنِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، فَإِنَّ سَبَبَ التَّعْلِيق هُوَ أَن مَضْمُونُ الْكَلَامِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْحَرْفِ الْمُوجِبِ لِلتَّعْلِيقِ لَيْسَ حَالَةً مِنْ حَالَاتِ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ فَلَا يَصْلُحُ لِأَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثَانِيًا لِلْفِعْلِ الطَّالِبِ مَفْعُولَيْنِ، قَالَ سِيبَوَيْهِ «لِأَنَّهُ كَلَامٌ قَدْ عَمِلَ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ فَلَا يكون إلّا مُبْتَدَأً لَا يَعْمَلُ فِيهِ شَيْءٌ قَبْلَهُ» اهـ وَذَلِكَ سَبَبٌ لَفْظِيٌّ مَانِعٌ مِنْ تَسَلُّطِ الْعَامِلِ عَلَى مَعْمُولِهِ لَفْظًا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَزَلْ عَامِلًا فِيهِ مَعْنًى وَتَقْدِيرًا، فَكَانَتِ الْجُمْلَةُ بَاقِيَةً فِي مَحَلِّ الْمَعْمُولِ، وَأَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ مِنْ بَيْنِ بَقِيَّةِ مُوجِبَاتِ التَّعْلِيقِ أَقْوَى فِي إِبْعَادِهَا مَعْنَى مَا بَعْدَهَا عَنِ الْعَامِلِ الَّذِي يَطْلُبُهُ، لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعَهَا اسْتِفْهَامٌ لَيْسَ مِنَ الْخَبَرِ فِي شَيْءٍ، إِلَّا أَنَّ مَا تُحْدِثُهُ أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ مِنْ مَعْنَى الِاسْتِعْلَامِ هُوَ مَعْنًى طَارِئٌ فِي الْكَلَامِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذَّاتِ بل هُوَ قد ضَعْفٌ بِوُقُوعِهِ بَعْدَ عَامِلٍ خَبَرِيٍّ فَصَارَ الِاسْتِفْهَامُ صُورِيًّا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ عَمَلُ الْعَامِلِ إِلَّا لَفْظًا، فَقَوْلُكَ: عَلِمْتُ هَلْ قَامَ زَيْدٌ قَدْ دَلَّ عَلِمَ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهُ مُحَقَّقٌ فَصَارَ الِاسْتِفْهَامُ صُورِيًّا

стр. 1047

وَصَارَ التَّعْلِيقُ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِفْهَامُ بَاقِيًا عَلَى أَصْلِهِ لَمَا صَحَّ كَوْنُ جُمْلَتِهِ مَعْمُولَةً لِلْعَامِلِ الْمُعَلَّقِ. قَالَ الرَّضِيُّ: «إِنَّ أَدَاةَ الِاسْتِفْهَامِ بَعْدَ الْعِلْمِ لَيْسَتْ مُفِيدَةً لِاسْتِفْهَامِ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا لِلُزُومِ التَّنَاقُضِ بَيْنَ عَلِمْتُ وَأَزَيْدٌ قَائِمٌ بَلْ هِيَ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْمَعْنَى عَلِمْتُ الَّذِي يَسْتَفْهِمُ النَّاسُ عَنْهُ» اهـ، فَيَجِيءُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ قَوْلَكَ عَلِمْتُ أَزَيْدٌ قَائِمٌ يَقُولُهُ: مَنْ عَلِمَ شَيْئًا يَجْهَلُهُ النَّاسُ أَوْ يَعْتَنُونَ بِعِلْمِهِ، بِخِلَافِ قَوْلِكَ عَلِمْتُ زَيْدًا قَائِمًا، وَقَدْ يَكُونُ الِاسْتِفْهَامُ الْوَارِدُ بَعْدَ السُّؤَالِ حِكَايَةً لِلَفْظِ السُّؤَالِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِ بَيَانًا لِجُمْلَةِ السُّؤَالِ قَالَ صَدْرُ الْأَفَاضِلِ فِي قَوْلِ الْحَرِيرِيِّ «سَأَلْنَاهُ أَنَّى اهْتَدَيْتَ إِلَيْنَا» أَيْ سَأَلْنَاهُ هَذَا السُّؤَالَ اهـ. وَهُوَ يَتَأَتَّى فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُضَمَّنَ سَلْ مَعْنَى الْقَوْلِ، أَيْ فَيَكُونُ مَفْعُولُهُ الثَّانِي كَلَامًا فَقَدْ أُعْطِيَ سَلْ مَفْعُولَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُنَاسِبٌ لِمَعْنَى لَفْظِهِ وَالْآخَرُ مُنَاسِبٌ لِمَعْنَى الْمُضَمَّنِ. وَجَوَّزَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي «شَرْحِ الْكَشَّافِ» أَنَّ جُمْلَةَ كَمْ آتَيْناهُمْ بَيَانٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ السُّؤَالِ، أَيْ سَلْهُمْ جَوَابَ هَذَا السُّؤَالِ، قَالَ السَّلْكُوتِيُّ فِي «حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ» : فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ وَاقِعَةً مَوْقِعَ الْمَفْعُولِ، أَيْ وَلَا تَعْلِيقَ فِي الْفِعْلِ. وَجَوَّزَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» أَنْ تَكُونَ (كَمْ) خَبَرِيَّةً، أَيْ فَتَكُونُ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ وَقَدْ قُطِعَ فِعْلُ السُّؤَالِ عَنْ مُتَعَلِّقِهِ اخْتِصَارًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، أَيْ سَلْهُمْ عَنْ حَالِهِمْ فِي شُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَبِذَلِكَ حَصَلَ التَّقْرِيعُ. وَيَكُونُ كَمْ آتَيْناهُمْ تَدَرُّجًا فِي التَّقْرِيعِ بِقَرِينَةِ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ، وَلِبُعْدِ كَوْنِهَا خَبَرِيَّةً أَنْكَرَهُ أَبُو حَيَّانَ عَلَى صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» وَقَالَ إِنَّهُ يُفْضِي إِلَى اقتطاع الْجُمْلَة الَّتِي فِيهَا كَمْ عَنْ جُمْلَةِ السُّؤَالِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ السُّؤَالُ عَنِ النِّعَمِ. ومِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ تَمْيِيزُ (كَمْ) دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الَّتِي يَنْتَصِبُ تَمْيِيزُ كَمِ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ عَلَى مَعْنَاهَا وَالَّتِي يُجَرُّ تَمْيِيزُ كَمِ الْخَبَرِيَّةِ بِتَقْدِيرِهَا ظَهَرَتْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تَصْرِيحًا بِالْمُقَدَّرِ، لِأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ يَنْصِبُ مُضْمَرًا يَجُوزُ ظُهُورُهُ إِلَّا فِي مَوَاضِعَ مِثْلَ إِضْمَارِ أَنْ بَعْدَ حَتَّى، قَالَ الرَّضِيُّ: إِذَا فُصِلَ بَيْنَ كَمِ الْخَبَرِيَّةِ والاستفهامية وَبَين مميزهما بِفِعْلٍ مُتَعَدٍّ وَجَبَ جَرُّ التَّمْيِيزِ بِمِنْ (أَيْ ظَاهِرِهِ) لِئَلَّا يَلْتَبِسَ التَّمْيِيزُ بِالْمَفْعُولِ نَحْو قَوْلِهِ تَعَالَى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الدُّخان: ٢٥] ووَ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ [الْقَصَص: ٥٨] اهـ أَيْ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِمَفْعُولِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْفَاصِلِ، أَوْ هُوَ لِلتَّنْبِيهِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى أَنَّهُ تَمْيِيزٌ لَا مَفْعُولٌ إِغَاثَةً لِفَهْمِ السَّامِعِ وَذَلِكَ مِنْ بَلَاغَةِ الْعَرَبِ، وَعِنْدِي أَنَّ مُوجِبَ ظُهُورِ مِنْ فِي حَالَةِ الْفَصْلِ هُوَ بعد المميّز عَن الْمُمَيَّزِ لَا غَيْرَ، وَقِيلَ: ظُهُورُ (مِنْ)

стр. 1048

وَاجِبٌ مَعَ الْفَصْلِ بِالْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي، وَجَائِزٌ مَعَ الْفَصْلِ بِغَيْرِهِ، كَمَا تقل عَبْدُ الْحَكِيمِ عَنِ الْيَمَنِيِّ وَالتَّفْتَازَانِيِّ فِي «شَرْحَيِ الْكَشَّافِ» . وَفِي «الْكَافِيَّةِ» أَنَّ ظُهُورَ (مِنْ) فِي مُمَيَّزِ (كَمِ) الْخَبَرِيَّةِ والاستفهامية جَائِز هَكَذَا أَطْلَقَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، لَكِنَّ الرَّضِيَّ قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَعْثُرْ عَلَى شَاهِدٍ عَلَيْهِ فِي (كَمْ) الِاسْتِفْهَامِيَّةِ إِلَّا مَعَ الْفَصْلِ بِالْفِعْلِ وَأَمَّا فِي كَمِ الْخَبَرِيَّةِ فَظُهُورُ (مِنْ) مَوْجُودٌ بِكَثْرَةٍ بِدُونِ الْفَصْلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ لَمْ يَعْبَأْ بِخُصُوصِ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الرَّضِيُّ، وَإِنَّمَا اعْتَدَّ بِظُهُورِ (مِنْ) فِي الْمُمَيَّزِ وَهُوَ الظَّاهِر. و (الْآيَة) هُنَا الْمُعْجِزَةُ وَدَلِيلُ صِدْقِ الرُّسُلِ، أَوِ الْكَلِمَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى مَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنَّهَا آيَةٌ لِمُوسَى إِذْ أَخْبَرَ بِهَا قَبْلَ قُرُونٍ، وَآيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﵊، إِذْ كَانَ التَّبْشِيرُ بِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ بِقُرُونٍ، وَوَصْفُهَا بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ مُبَالَغَةٌ فِي الصِّفَةِ مِنْ فِعْلِ بَانَ أَيْ ظَهَرَ، فَيَكُونُ الظُّهُورُ ظُهُورَ الْعِيَانِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَظُهُورَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَفِي هَذَا السُّؤَالِ وَصِيغَتِهِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ تَقْدِيرُهُ فَبَدَّلُوهَا وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهَا. وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ إِلَخ، أَفَادَ أأن الْمَقْصُودَ أَوَّلًا مِنْ هَذَا الْوَعيد هم بَنُو إِسْرَائِيلَ الْمُتَحَدَّثُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ ، وَأَفَادَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي أُوتِيَهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ هِيَ نِعَمٌ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِتَذْيِيلِ خَبَرِهِمْ بِحُكْمِ مَنْ يُبَدِّلُ نِعَمَ اللَّهِ مُنَاسَبَةٌ وَهَذَا مِمَّا يَقْصِدُهُ الْبُلَغَاءُ، فَيُغْنِي مِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ عَنْ ذِكْرِ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ إِيجَازًا بَدِيعًا مِنْ إِيجَازِ الْحَذْفِ وَإِيجَازِ الْقَصْرِ مَعًا لِأَنَّهُ يُفِيدُ مُفَادَ أَنْ يُقَالَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ هِيَ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُقَدِّرُوهَا حَقَّ قَدْرِهَا، فَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِضِدِّهَا بَعْدَ ظُهُورِهَا فَاسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ، لِأَنَّ مَنْ يُبَدِّلُ نِعْمَةَ اللَّهِ فَاللَّهُ مُعَاقِبُهُ، وَلِأَنَّهُ يُفِيدُ بِهَذَا الْعُمُوم حكما جَامعا يَشْمَلُ الْمَقْصُودِينَ وَغَيْرَهُمْ مِمَّنْ يُشْبِهُهُمْ وَلِذَلِكَ يَكُونُ ذِكْرُ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ الْجَامِعِ بَعْدَ حُكْمٍ جُزْئِيٍّ تَقَدَّمَهُ فِي الْأَصْلِ تَعْرِيضًا يُشْبِهُ التَّصْرِيحَ، وَنَظِيرُهُ أَنْ يُحَدِّثَكَ أَحَدٌ بِحَدِيثٍ فَتَقُولَ فَعَلَ اللَّهُ بِالْكَاذِبِينَ كَذَا وَكَذَا تُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ كَذَبَ فِيمَا حَدَّثَكَ وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِذَلِكَ الدُّعَاءِ عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ مَوْقِعٌ. وَإِنَّمَا أُثْبِتَ لِلْآيَاتِ أَنَّهَا نِعَمٌ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ دَلَائِلَ صِدْقِ الرَّسُولِ فَكَوْنُهَا نِعَمًا لِأَنَّ

стр. 1049

دَلَائِلَ الصِّدْقِ هِيَ الَّتِي تَهْدِي النَّاسَ إِلَى قَبُولِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ عَنْ بَصِيرَةٍ لِمَنْ لَمْ يَكُنِ اتبعهُ، وتزيد اللَّذين اتَّبَعُوهُ رُسُوخَ إِيمَانٍ قَالَ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً [التَّوْبَة: ١٢٤] وَبِذَلِكَ التَّصْدِيقِ يَحْصُلُ تَلَقِّي الشَّرْعِ الَّذِي فِيهِ صَلَاحُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ عَاجِلَةٌ وَآجِلَةٌ، وَإِنْ كَانَتِ الْآيَاتُ الْكَلَامَ الدَّالَّ عَلَى الْبِشَارَةِ بِالرَّسُولِ فَهِيَ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهَا قُصِدَ بِهَا تَنْوِيرُ سَبِيلِ الْهِدَايَةِ لَهُمْ عِنْدَ بَعْثَةِ الرَّسُولِ لِئَلَّا يَتَرَدَّدُوا فِي صِدْقِهِ بَعْدَ انْطِبَاقِ الْعَلَامَاتِ الَّتِي ائْتُمِنُوا عَلَى حِفْظِهَا. وَالتَّبْدِيلُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَبْدِيلُ الْوَصْفِ بِأَنْ أَعْرَضُوا عَنْ تِلْكَ الْآيَاتِ فَتَبَدَّلَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، إِذْ صَارَتْ بِالْإِعْرَاضِ سَبَبَ شَقَاوَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُؤْتَ لَهُمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا إِذْ يَكُونُونَ عَلَى سَذَاجَةٍ هُمْ بِهَا أَقْرَبُ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرِ مِنْهُمْ بَعْدَ قَصْدِ الْمُكَابَرَةِ وَالْإِعْرَاضِ لِأَنَّهُمَا يَزِيدَانِهِمْ تَعَمُّدًا لِارْتِكَابِ الشُّرُورِ، وَفِي الْآخِرَةِ أَيْضًا لِأَنَّ الْعِقَابَ عَلَى الْكُفْرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّعْوَةِ وَظُهُورِ الْمُعْجِزَةِ، وَقَدْ أَشْبَهَهُمْ فِي هَذَا التَّبْدِيلِ الْمُشْرِكُونَ بِإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْقُرْآنِ وَالتَّدَبُّرِ فِي هَدْيِهِ أَوِ التَّبْدِيلِ بِأَنِ اسْتَعْمَلُوا تِلْكَ الْآيَاتِ فِي غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهَا بِأَنْ جَعَلُوهَا أَسْبَابَ غُرُورٍ فَإِنَّ اللَّهَ مَا آتَى رَسُولَهُمْ تِلْكَ الْآيَاتِ إِلَّا لتفضيل أمته فتوكأوا عَلَى ذَلِكَ وَتَهَاوَنُوا عَلَى الدِّينِ فَقَالُوا نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [الْمَائِدَة: ١٨] وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [الْبَقَرَة: ٨٠] . وَالتَّبْدِيلُ جَعْلُ شَيْءٍ بَدَلًا عَنْ آخَرَ، أَيْ تَعْوِيضُهُ بِهِ فَيَكُونُ تَعْوِيضَ ذَاتٍ بِذَاتٍ وَتَعْوِيضَ وَصْفٍ بِوَصْفٍ كَقَوْلِ أَبِي الشِّيصِ: بَدِّلْتُ مِنْ بُرْدِ الشَّبَابِ مُلَاءَةً ... خَلَقًا وَبِئْسَ مَثُوبَةُ الْمُقْتَاضِ فَإِنَّهُ أَرَادَ تبدل حَالَةِ الشَّبَابِ بِحَالَةِ الشَّيْبِ، وَكَقَوْلِ النَّابِغَةِ: عَهِدْتُ بِهَا حَيًّا كراما فبدّلت ... حناظيل آجَالِ النِّعَاجِ الْجَوَافِلِ وَلَيْسَ قَوْلُهُ: نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ قَبِيلِ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ بِأَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ وَمَنْ يُبَدِّلْهَا أَيِ الْآيَاتِ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِظُهُورِ أَنَّ فِي لَفْظِ (نِعْمَةِ اللَّهِ) مَعْنًى جَامِعًا لِلْآيَاتِ وَغَيْرِهَا مِنَ النِّعَمِ. وَقَوْلُهُ: مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُ الْمَجِيءُ فِيهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْوُضُوحِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالتَّمَكُّنِ، لِأَنَّهَا مِنْ لَوَازِمِ الْمَجِيءِ عُرْفًا. وَإِنَّمَا جُعِلَ الْعِقَابُ مُتَرَتِّبًا على التبديل الْوَاقِع بَعْدَ هَذَا التَّمَكُّنِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ تَبْدِيلٌ عَنْ بَصِيرَةٍ

стр. 1050

لَا عَنْ جَهْلٍ أَوْ غَلَطٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِيمَا تَقَدَّمَ: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الْبَقَرَة: ٧٥] . وَحَذَفَ مَا بُدِّلَ بِهِ النِّعْمَةُ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ أَحْوَالِ التَّبْدِيلِ مِنْ كَتْمِ بَعْضِهَا وَالْإِعْرَاضِ عَنْ بَعْضٍ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ. وَالْعِقَابُ نَاشِئٌ عَنْ تَبْدِيلِ تِلْكَ النِّعَمِ فِي أَوْصَافِهَا أَوْ فِي ذَوَاتِهَا، وَلَا يكون تبديلها إِلَّا لِقَصْدِ مُخَالَفَتِهَا، وَإِلَّا لَكَانَ غَيْرَ تَبْدِيلٍ بَلْ تَأْيِيدًا وَتَأْوِيلًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً [إِبْرَاهِيم: ٢٨] لِأَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا مَا يُؤْذِنُ بِأَنَّ النِّعْمَةَ مَا هِيَ وَلَا تُؤْذِنُ بِالْمُسْتَبْدَلِ بِهِ هُنَالِكَ فَتَعَيَّنَ التَّصْرِيحُ بِالْمُسْتَبْدَلِ بِهِ، وَالْمُبَدِّلُونَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ غَيْرُ الْمُرَادِ مِنَ الْمُبَدِّلِينَ فِي هَذِهِ، لِأَنَّ تِلْكَ فِي كَفَّارِ قُرَيْشٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهَا: وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً [إِبْرَاهِيم: ٣٠] . وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ دَلِيلُ جَوَابِ الشَّرْطِ وَهُوَ عِلَّتُهُ، لِأَنَّ جَعْلَ هَذَا الْحُكْمِ الْعَامِّ جَوَابًا لِلشَّرْطِ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ فِعْلُ الشَّرْطِ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ هَذَا الْجَوَابِ، فَكَوْنُ اللَّهِ شَدِيدَ الْعِقَابِ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ مَعْلُومٌ فَذِكْرُهُ لَمْ يُقْصَدْ مِنْهُ الْفَائِدَةُ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ بَلِ التَّهْدِيدُ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَهْدِيدُ الْمُبَدِّلِ فَدَلَّ عَلَى مَعْنَى: فَاللَّهُ يُعَاقِبُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، وَمَعْنَى شِدَّةِ عِقَابِهِ: أَنَّهُ لَا يُفْلِتُ الْجَانِيَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى الْعِقَابِ، وَقَدْ جُوِّزَ أَنْ يَكُونَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ نَفْسَ جَوَابِ الشَّرْطِ بِجَعْلِ الْ فِي الْعِقَابِ عِوَضًا عَنِ الضَّمِيرِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَيْ شَدِيدٌ مُعَاقَبَتُهُ. وَإِظْهَارُ اسْمِ الْجَلَالَةِ هَنَا مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: فَإِنَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ، لِإِدْخَالِ الرَّوْعِ فِي ضَمِيرِ السَّامِعِ وَتَرْبِيَةِ الْمَهَابَةِ، وَلِتَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ كَالْكَلَامِ الْجَامِعِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَثَلِ أَمْرٌ قَدْ عَلِمَهُ النَّاسُ مِنْ قَبْلُ، وَالْعِقَابُ هُوَ الْجَزَاءُ الْمُؤْلِمُ عَنْ جِنَايَةٍ وَجُرْمٍ، سُمِّيَ عِقَابًا لِأَنَّهُ يعقب الْجِنَايَة. [٢١٢] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢١٢] زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢) اسْتِئْنَافٌ بِالرُّجُوعِ إِلَى أَحْوَالِ كُفَّارِ الْعَرَبِ الْمَعْنِيِّينَ مِنَ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ قَصْدًا وَتَعْرِيضًا مِنْ قَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [الْبَقَرَة: ٢١٠] ، وَالْمُحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ:

стр. 1051

سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ [الْبَقَرَة: ٢١١] اسْتِئْنَافًا لِبَيَانِ خُلُقِهِمُ الْعَجِيبِ الْمُفْضِي بِهِمْ إِلَى قِلَّةِ الِاكْتِرَاثِ بِالْإِيمَانِ وَأَهْلِهِ إِلَى الِاسْتِمْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ وَشُعَبِهِ الَّتِي سَبَقَ الْحَدِيثُ عَنْهَا، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُرَادُ: رُؤَسَاءُ قُرَيْشٍ، فَهَذَا الِاسْتِئْنَافُ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِلْأَحْوَالِ الْمَاضِيَةِ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قُطِعَ عَنِ الْجُمَلِ السَّابِقَةِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا الِاسْتِطْرَادُ بِقَوْلِهِ: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ [الْبَقَرَة: ٢١١] الْآيَةَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ مُعْلِنٍ وَمُنَافِقٍ كَمَا رُوِيَ عَنْ مُقَاتِلٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنِ اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ التَّعْبِيرُ عَنْهُمْ بِالَّذِينَ كَفَرُوا، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا هُمُ الْمُرَادَ لَقِيلَ زُيِّنَ لَهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، لِأَنَّهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يُنَاسِبُ حَالَ الْمُشْرِكِينَ لَا حَالَ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا سَيَأْتِي. وَالتَّزْيِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنًا أَوِ الِاحْتِجَاجُ لِكَوْنِهِ زَيْنًا، لِأَنَّ التَّفْعِيلَ يَأْتِي لِلْجَعْلِ وَيَأْتِي لِلنِّسْبَةِ كَالتَّعْلِيمِ وَكَالتَّفْسِيقِ وَالتَّزْكِيَةِ، وَالزَّيْنُ شِدَّةُ الْحُسْنِ. وَالْحَيَاةُ الدُّنْيَا مُرَادٌ بِهَا مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْحَيَاةُ مِنَ اللَّذَّاتِ وَالْمُلَائِمَاتِ وَالذَّوَاتِ الْحَسَنَةِ، وَهَذَا إِطْلَاقٌ مَشْهُورٌ لِلْحَيَاةِ وَمَا يُرَادِفُهَا فَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا» أَيْ إِلَى مَنَافِعِ دُنْيَا، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ اشْتُهِرَ حَذْفُهُ. وَمَعْنَى تَزْيِينِ الْحَيَاةِ لَهُمْ، إِمَّا أَنَّ مَا خُلِقَ زَيْنًا فِي الدُّنْيَا قَدْ تَمَكَّنَ مِنْ نُفُوسِهِمْ وَاشْتَدَّ تَوَغُّلُهُمْ فِي اسْتِحْسَانِهِ، لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الزَّيْنَةَ هِيَ حَسَنَةٌ فِي أَعْيُنِ جَمِيعِ النَّاسِ فَلَا يَخْتَصُّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِجَعْلِهَا لَهُمْ زَيْنَةً كَمَا هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ كَفَرُوا فَإِنَّ اللَّامَ تُشْعِرُ بِالِاخْتِصَاصِ، وَإِمَّا تَرْوِيجُ تَزْيِينِهَا فِي نُفُوسِهِمْ بِدَعْوَةٍ شَيْطَانِيَّةٍ تُحَسِّنُ مَا لَيْسَ بِالْحَسَنِ كَالْأَقْيِسَةِ الشِّعْرِيَّةِ وَالْخَوَاطِرِ الشَّهْوِيَّةِ. وَالْمُزَيِّنُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا أَنَّهُمْ أَفْرَطُوا فِي الْإِقْبَالِ عَلَى الزِّينَةِ، وَالْمُزَيِّنُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي هُوَ الشَّيْطَانُ وَدُعَاتُهُ. وَحُذِفَ فَاعِلُ التَّزْيِينِ لِأَنَّ الْمُزَيَّنَ لَهُمْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا خَلْقُ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ حَسَنَةً بَدِيعَةً كَمَحَاسِنِ الذَّوَاتِ وَالْمَنَاظِرِ، وَمِنْهَا إِلْقَاءُ حُسْنِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ فِي نُفُوسِهِمْ وَهِيَ غَيْرُ حَسَنَةٍ كَقَتْلِ النَّفْسِ، وَمِنْهَا إِعْرَاضُهُمْ عَمَّنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِقْبَالِ عَلَى الْأُمُورِ النَّافِعَةِ حَتَّى انْحَصَرَتْ هِمَمُهُمْ فِي التَّوَغُّلِ مِنَ الْمَحَاسِنِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَحْتَهَا الْعَارُ لَوْ كَانَ بَادِيًا، وَمِنْهَا ارْتِيَاضُهُمْ عَلَى الِانْكِبَابِ عَلَى اللَّذَّاتِ دُونَ الْفِكْرِ فِي الْمَصَالِحِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورٍ يَصْلُحُ كُلٌّ مِنْهَا أَنْ يُعَدَّ فَاعِلًا لِلتَّزْيِينِ حَقِيقَةً أَوْ عُرْفًا، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ طُوِيَ ذِكْرُ هَذَا الْفَاعِلِ تَجَنُّبًا لِلْإِطَالَةِ.

стр. 1052

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَذْفُ الْفَاعِلِ لِدِقَّتِهِ، إِذِ الْمُزَيِّنُ لَهُمُ الدُّنْيَا أَمْرٌ خَفِيٌّ فَيَحْتَاجُ فِي تَفْصِيلِهِ إِلَى شَرْحٍ فِي أَخْلَاقِهِمْ وَهُوَ مَا اكْتَسَبَتْهُ نُفُوسُهُمْ مِنَ التَّعَلُّقِ بِاللَّذَّاتِ وَبِغَيْرِهَا مِنْ كُلِّ مَا حَمَلَهُمْ عَلَى التَّعَلُّقِ بِهِ التَّنَافُسُ أَوِ التَّقْلِيدُ حَتَّى عَمُوا عَمَّا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَضْرَارِ الْمُخَالِطَةِ لِلَّذَّاتِ أَوْ مِنَ الْأَضْرَارِ الْمُخْتَصَّةِ الْمُغَشَّاةِ بِتَحْسِينِ الْعَادَاتِ الذَّمِيمَةِ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى الدَّوَامِ عَلَيْهِ ضَعْفُ الْعَزَائِمِ النَّاشِئُ عَنِ اعْتِيَادِ الِاسْتِرْسَالِ فِي جَلْبِ الْمُلَائِمَاتِ دُونَ كَبْحٍ لِأَزِمَّةِ الشَّهَوَاتِ، وَلِأَجْلِ اخْتِصَاصِهِمْ بِهَذِهِ الْحَالَةِ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَدُونَ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ رَبَّتِ الْأَدْيَانُ فِيهِمْ عَزِيمَةَ مُقَاوَمَةِ دَعْوَةِ النُّفُوسِ الذَّمِيمَةِ بِتَعْرِيفِهِمْ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ تِلْكَ اللَّذَّاتُ مِنَ الْمَذَمَّاتِ وَبِأَمْرِهِمْ بِالْإِقْلَاعِ عَنْ كُلِّ مَا فِيهِ ضُرٌّ عَاجِلٌ أَوْ آجِلٌ حَتَّى يُجَرِّدُوهَا عَنْهَا إِنْ أَرَادُوا تَنَاوُلَهَا وَيَنْبِذُوا مَا هُوَ ذَمِيمَةٌ مَحْضَةٌ، وَرَاضَتْهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِالْبَشَائِرِ وَالزَّوَاجِرِ حَتَّى صَارَتْ لَهُمْ مَلَكَةٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُزَيَّنِ الدُّنْيَا لَهُمْ، لِأَنَّ زِينَتَهَا عِنْدَهُمْ ومعرضة لِلْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالْإِثْبَاتِ تَارَةً وَبِالنَّفْيِ أُخْرَى، فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ مَا فِي الْأَمْرِ الزَّيْنِ ظَاهِرُهُ مِنِ الْإِضْرَارِ وَالْقَبَائِحِ انْقَلَبَ زَيْنُهُ عِنْدَهُ شَيْنًا، خُصَّ التَّزْيِينُ بِهِمْ، إِذِ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ذَمُّهُمْ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ خُلُقِهِمْ، وَلِهَذَا لَزِمَ حَمْلُ التَّزْيِينِ عَلَى تَزْيِينٍ يُعَدُّ ذَمًّا، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ تَزْيِينًا مَشُوبًا بِمَا يَجْعَلُ تِلْكَ الزِّينَةَ مَذَمَّةً، وَإِلَّا فَإِنَّ أَصْلَ تَزْيِينِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الْمُقْتَضِي لِلرَّغْبَةِ فِيمَا هُوَ زَيْنٌ أَمْرٌ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ إِذَا رُوعِيَ فِيهِ مَا أَوْصَى اللَّهُ بِرَعْيِهِ قَالَ تَعَالَى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [الْأَعْرَاف: ٣٢] . وَقَدِ اسْتَقْرَيْتُ مَوَاقِعَ التَّزْيِينِ الْمَذْمُومِ فَحَصَرْتُهَا فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ مَا لَيْسَ بِزَيْنٍ أَصْلًا لَا ذَاتًا وَلَا صِفَةً، لِأَنَّ جَمِيعَهُ ذَمٌّ وَأَذًى وَلَكِنَّهُ زُيِّنَ لِلنَّاسِ بِأَوْهَامٍ وَخَوَاطِرَ شَيْطَانِيَّةٍ وَتَخْيِيلَاتٍ شِعْرِيَّةٍ كَالْخَمْرِ. الثَّانِي مَا هُوَ زَيْنٌ حَقِيقَةً لَكِنْ لَهُ عَوَاقِبُ تَجْعَلُهُ ضُرًّا وَأَذًى كَالزِّنَا. الثَّالِثُ مَا هُوَ زَيْنٌ لَكِنَّهُ يَحِفُّ بِهِ مَا يُصَيِّرُهُ ذَمِيمًا كَنَجْدَةِ الظَّالِمِ وَقَدْ حَضَرَ لِي التَّمْثِيلُ لِثَلَاثَتِهَا بِقَوْلِ طَرَفَةَ: وَلَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الْفَتَى ... وَجَدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي فَمِنْهُنَّ سَبْقِي الْعَاذِلَاتِ بِشَرْبَةٍ ... كُمَيْتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بِالْمَاءِ تُزْبِدِ وَتَقْصِيرُ يَوْمِ الدَّجْنِ وَالدَّجْنُ مُعْجِبٌ ... بِبَهْكَنَةٍ تَحْتَ الْخِبَاءِ الْمُعَمَّدِ ٢ وَكَرِّي إِذَا نَادَى الْمُضَافُ مُجَنَّبًا ... كَسِيِدِ الْغَضَا نَبَّهْتَهُ الْمُتَوَرِّدِِِ

стр. 1053

وَقَوْلُهُ: وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِلَخْ، وَهَذِهِ حَالَةٌ أَعْجَبُ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ حَالَةُ التَّنَاهِي فِي الْغُرُورِ إِذْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى افْتِتَانِهِمْ بِزَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا حَتَّى سَخِرُوا بِمَنْ لَمْ يَنْسِجْ عَلَى مِنْوَالِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَرَكُوا كَثِيرًا مِنْ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِمَا هَدَاهُمُ الدِّينُ إِلَى وُجُوبِ تَرْكِ ذَلِكَ فِي أَحْوَالٍ وَأَنْوَاعٍ تَنْطَوِي عَلَى خَبَائِثَ. وَالسَّخَرُ بِفَتْحَتَيْنِ: كَالْفَرَحِ وَقَدْ تُسَكَّنُ الْخَاءُ تَخْفِيفًا وَفِعْلُهُ كَفَرِحَ وَالسُّخْرِيَةُ الِاسْمُ، وَهُوَ تَعَجُّبٌ مَشُوبٌ بِاحْتِقَارِ الْحَالِ الْمُتَعَجَّبِ مِنْهَا، وَفِعْلُهُ قَاصِرٌ لِدَلَالَتِهِ عَلَى وَصْفٍ نَفْسِيٍّ مِثْلُ عَجِبَ، وَيَتَعَدَّى بِمِنْ جَارَّةٍ لِصَاحِبِ الْحَالِ الْمُتَعَجَّبِ مِنْهَا فَهِيَ ابْتِدَائِيَّةٌ ابْتِدَاءً مَعْنَوِيًّا، وَفِي لُغَةِ تَعْدِيَتِهِ بِالْبَاءِ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ. وَوَجْهُ سُخْرِيَتِهِمْ بِالْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمُ احْتَقَرُوا رَأْيَهُمْ فِي إِعْرَاضِهِمْ عَنِ اللَّذَّاتِ لِامْتِثَالِ أَمْرِ الرَّسُولِ وَأَفْنَوْهُمْ فِي ذَلِكَ وَرَأَوْهُمْ قَدْ أَضَاعُوا حُظُوظَهُمْ وَرَاءَ أَوْهَامٍ بَاطِلَةٍ، لِأَنَّ الْكُفَّارَ اعْتَقَدُوا أَنَّ مَا مَضَى مِنْ حَيَاتِهِمْ فِي غَيْرِ نِعْمَةٍ قَدْ ضَاعَ عَلَيْهِمْ إِذْ لَا خُلُودَ فِي الدُّنْيَا وَلَا حَيَاةَ بَعْدَهَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ (أَنْشَدَهُ شِمْرُ) : وَأَحْمَقُ مِمَّنْ يَلْعَقُ الْمَاءَ قَالَ لِي ... دَعِ الْخَمْرَ وَاشْرَبْ مِنْ نَقَاخٍ (١) مَبَرَّدِ فَالسُّخْرِيَةُ نَاشِئَةٌ عَنْ تَزْيِينِ الْحَيَاةِ عِنْدَهُمْ وَلِذَلِكَ يَصِحُّ جَعْلُ الْوَاوِ لِلْحَالِ لِيُفِيدَ تَقْيِيدَ حَالَةِ التَّزْيِينِ بِحَالَةِ السُّخْرِيَةِ، فَتَتَلَازَمُ الْحَالَانِ وَيُقَدَّرُ لِلْجُمْلَةِ مُبْتَدَأٌ، أَيْ وهم يَسْخَرُونَ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ كَانَ الْكُفَّارُ يَسْخَرُونَ مِنْهُمْ بِلَالًا وَعَمَّارًا وَصُهَيْبًا يَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينُ تَرَكُوا الدُّنْيَا وَطَيِّبَاتِهَا وَتَحَمَّلُوا الْمَشَاقَّ لِطَلَبِ مَا يُسَمُّونَهُ بِالْآخِرَةِ وَهِيَ شَيْءٌ بَاطِلٌ، وَمِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَالْمُنَافِقُونَ. وَجِيءَ فِي فِعْلِ التَّزْيِينِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي وَفِي فِعْلِ السُّخْرِيَةِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ قَضَاءً لِحَقَّيِ الدَّلَالَةِ على أَن مَعْنيين فِعْلِ التَّزْيِينِ أَمْرٌ مُسْتَقِرٌّ فِيهِمْ لِأَنَّ الْمَاضِيَ يَدُلُّ عَلَى التَّحَقُّقِ، وَأَنَّ مَعْنَى يَسْخَرُونَ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْمُضَارِعَ يُفِيدُ التَّجَدُّدَ وَيُعْلِمُ السَّامِعَ أَنَّ مَا هُوَ مُحَقَّقٌ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ هُوَ أَيْضًا مُسْتَمِرٌّ لِأَنَّ الشَّيْءَ الرَّاسِخَ فِي النَّفْسِ لَا تَفْتُرُ عَنْ تَكْرِيرِهِ، وَيُعْلِمُ أَنَّ مَا كَانَ مُسْتَمِرًّا هُوَ أَيْضًا مُحَقَّقٌ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَسْتَمِرُّ إِلَّا وَقَدْ تَمَكَّنَ مِنْ نَفْسِ فَاعِلِهِ وَسَكَنَتْ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي الْآيَةِ: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَتُزَيَّنُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَسَخِرُوا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّمَا اخْتِيرَ لِفِعْلِ التَّزْيِينِ خُصُوصُ الْمُضِيِّ

стр. 1054

وَلِفِعْلِ السُّخْرِيَةِ خُصُوصُ الْمُضَارَعَةِ إِيثَارًا لِكُلٍّ مِنَ الصِّفَتَيْنِ بِالْفِعْلِ الَّتِي هِيَ بِهِ أَجْدَرُ لِأَنَّ التَّزْيِينَ لَمَّا كَانَ هُوَ الْأَسْبَقَ فِي الْوُجُودِ وَهُوَ مَنْشَأُ السُّخْرِيَةِ أُوثِرَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّحَقُّقِ، لِيَدُلَّ عَلَى مَلَكَةٍ وَاعْتَمَدَ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ بِالِاسْتِتْبَاعِ، وَالسُّخْرِيَةُ لَمَّا كَانَتْ مُتَرَتِّبَةً عَلَى التَّزْيِينِ وَكَانَ تَكَرُّرُهَا يَزِيدُ فِي الذَّمِّ، إِذْ لَا يَلِيقُ بِذِي الْمُرُوءَةِ السُّخْرِيَةُ بِغَيْرِهِ، أُوثِرَتْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ وَاعْتُمِدَ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى التَّحَقُّقِ دَلَالَةُ الِالْتِزَامِ، لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمُسْتَمِرَّ لَا يَكُونُ إِلَّا مُتَحَقِّقًا. وَقَوْلُهُ: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ أُرِيدَ مِنَ الَّذِينَ اتَّقَوْا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ سَخِرَ مِنْهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لِأَنَّ أُولَئِكَ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا مُتَّقِينَ، وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ وَهُمْ فَوْقَهُمْ لَكِنْ عَدَلَ عَنِ الْإِضْمَارِ إِلَى اسْمٍ ظَاهِرٍ لِدَفْعِ إِيهَامِ أَنْ يَغْتَرَّ الْكَافِرُونَ بِأَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَيْهِمْ وَيُضَمُّوا إِلَيْهِ كَذِبًا وَتَلْفِيقًا كَمَا فَعَلُوا حِينَ سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النَّجْم: ١٩] إِذْ سَجَدَ الْمُشْرِكُونَ وَزَعَمُوا أَنَّ مُحَمَّدًا أَثْنَى عَلَى آلِهَتِهِمْ. فَعَدَلَ لِذَلِكَ عَنِ الْإِضْمَارِ إِلَى الْإِظْهَارِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالِاسْمِ الَّذِي سَبَقَ أَعنِي (الَّذين ءامنوا) لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلَى مَزِيَّةِ التَّقْوَى وَكَوْنِهَا سَبَبًا عَظِيمًا فِي هَذِهِ الْفَوْقِيَّةِ، عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي انْتِهَازِ فُرَصِ الْهُدَى وَالْإِرْشَادِ لِيُفِيدَ فَضْلَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، وَيُنَبِّهَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى وُجُوبِ التَّقْوَى لِتَكُونَ سَبَبَ تَفَوُّقِهِمْ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ غَيْرُ الْمُتَّقِينَ فَلَيْسَ مِنْ غَرَضِ الْقُرْآنِ أَنْ يَعْبَأَ بِذِكْرِ حَالِهِمْ لِيَكُونُوا دَوْمًا بَيْنَ شَدَّةِ الْخَوْفِ وَقَلِيلِ الرَّجَاءِ، وَهَذِهِ عَادَةُ الْقُرْآنِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ. وَالْفَوْقِيَّةُ هُنَا فَوْقِيَّةُ تَشْرِيفٍ وَهِيَ مَجَازٌ فِي تَنَاهِي الْفَضْلِ وَالسِّيَادَةِ كَمَا اسْتُعِيرَ التَّحْتُ لِحَالَةِ الْمَفْضُولِ وَالْمُسَخَّرِ وَالْمَمْلُوكِ. وَقُيِّدَتْ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ تَنْصِيصًا عَلَى دَوَامِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ هُوَ مَبْدَأُ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَمَا كَانَ حَظُّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كَثْرَةِ التَّقْوَى وَقِلَّتِهَا إِنَّهُمْ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْإِيمَانِ وَالْمَقَامُ مَقَامُ التَّنْوِيهِ بِفَضْلِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ الْأَحَقُّ بِالذِّكْرِ هُنَا وصف «الَّذين ءامنوا» قُلْتُ: وَأَمَّا بَيَانُ مَزِيَّةِ التَّقْوَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَلَهُ مُنَاسَبَاتٌ أُخْرَى. قلت فِي الْآيَةُ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ غَيْرَ الْمُتَّقِينَ لَا تظخر مَزِيَّتُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّمَا تَظْهَرُ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ مَبْدَأُ أَيَّامِ الْجَزَاءِ فَغَيْرُ الْمُتَّقِينَ لَا تظهر لَهُمُ التَّفَوُّقُ يَوْمَئِذٍ، وَلَا يُدْرِكُهُ الْكُفَّارُ بِالْحِسِّ

стр. 1055

قَالَ تَعَالَى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [الْبَقَرَة: ٢٤] نَعَمْ تَظْهَرُ مَزِيَّتُهُمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ مَا قُدِّرَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ عَلَى الذُّنُوبِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَادَةِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ سَخِرُوا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَضُعَفَائِهِمْ فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِنْهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَوَعَدَ اللَّهُ الْفُقَرَاءَ بِالرِّزْقِ وَفِي قَوْلِهِ: مَنْ يَشاءُ تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ الْمُشْرِكِينَ بِقَطْعِ الرِّزْقِ عَنْهُمْ وَزَوَالِ حُظْوَتِهِمْ. وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ إِلَخْ تَذْيِيلٌ قُصِدَ مِنْهُ تَعْظِيمُ تَشْرِيفِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّ التَّذْيِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرْتَبِطًا بِمَا قَبْلَهُ فَالسَّامِعُ يَعْلَمُ مِنْ هَذَا التَّذْيِيلِ مَعْنًى مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ فَوْقِيَّةً عَظِيمَةً لَا يُحِيطُ بِهَا الْوَصْفُ، لِأَنَّهَا فَوْقِيَّةٌ مُنِحُوهَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَفَضْلُ اللَّهِ لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَلِأَن من سُخْرِيَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالَّذِينَ آمَنُوا أَنَّهُمْ سَخِرُوا بِفُقَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ لِإِقْلَالِهِمْ. وَالْحِسَابُ هُنَا حَصْرُ الْمِقْدَارِ فَنَفْيُ الْحِسَابِ نَفْيٌ لِعِلْمِ مِقْدَارِ الرِّزْقِ، وَقَدْ شَاعَتْ هَذِهِ الْكِنَايَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَمَا شَاعَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَقُولُوا يُعَدُّونَ بِالْأَصَابِعِ وَيُحِيطُ بِهَا الْعَدُّ كِنَايَةً عَنِ الْقِلَّةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ شَيْءٌ لَا يُحْصَى وَلِذَلِكَ صَحَّ أَنْ يُنْفَى الْحِسَابُ هُنَا عَنْ أَمْرٍ لَا يُعْقَلُ حِسَابُهُ وَهُوَ الْفَوْقِيَّةُ وَقَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ: مَا تَمْنَعِي يَقْظَى فَقَدْ تُؤْتَيْنَهُ ... فِي النَّوْمِ غَيْرَ مُصَرَّدٍ مَحْسُوبِ [٢١٣] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢١٣] كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَدْيَانِ أَمر كَانَ فِي الْبشر الْحِكْمَة اقتضته وَأَنه قد ارْتَفَعَ ذَلِكَ وَرَجَعَ اللَّهُ بِالنَّاسِ إِلَى وَحْدَةِ الدِّينِ بِالْإِسْلَامِ. وَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَهَا تَحْتَمِلُ وُجُوهًا: الْأَوَّلُ: قَالَ فَخْرُ الدِّينِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ فِي قَوْلِهِ: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا [الْبَقَرَة: ٢١٢] أَنَّ سَبَبَ إِصْرَارِ الْكُفَّارِ عَلَى كُفْرِهِمْ هُوَ اسْتِبْدَالُهُمُ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ هَذِه الْحَالة غير مُخْتَصَّةٌ بِالَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَلْ كَانَتْ حَاصِلَةً فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَقَادِمَةِ
следующие страницы →