Полный текст (11 044 стр.). Показаны 10816–10855 · переход к 10821.
стр. 10816
وَالْقَلْيُ (بِفَتْحِ الْقَافِ مَعَ سُكُونِ اللَّامِ) وَالْقِلَى (بِكَسْرِ الْقَافِ مَعَ فَتْحِ اللَّامِ) : الْبُغْضُ الشَّدِيدُ، وَسَبَبُ مَقَالَةِ الْمُشْرِكِينَ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ السُّورَةِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ فَتْرَةٍ ثَانِيَةٍ فَتَرَ فِيهَا الْوَحْيُ بَعْدَ الْفَتْرَةِ الَّتِي نَزَلَتْ إِثْرَهَا سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ: «احْتَبَسَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ نَحْوَهَا. فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ» .
وَاحْتِبَاسُ الْوَحْيِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ:
أُولَاهُمَا: قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ أَوِ الْمُزَّمِّلِ، أَيْ بَعْدَ نُزُولِ سُورَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ ثَلَاثٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَسْبَقِ مِنْ سُورَتَيِ الْمُزَّمِّلِ وَالْمُدَّثِّرِ، وَتِلْكَ الْفَتْرَةُ هِيَ الَّتِي خَشِيَ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكُونَ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الْوَحْيُ، وَهِيَ الَّتِي رَأَى عَقِبَهَا جِبْرِيلَ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مُدَّةَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ فِي الْفَتْرَةِ الْأُولَى كَانَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَمْ يَشْعُرْ بِهَا الْمُشْرِكُونَ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي مَبْدَأِ نُزُولِ الْوَحْيِ قَبْلَ أَنْ يَشِيعَ الْحَدِيثُ بَيْنَهُمْ فِيهِ وَقَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيءُ ﷺ بِالْقُرْآنِ لَيْلًا.
وَثَانِيَتُهُمَا: فَتْرَةٌ بَعْدَ نُزُولِ نَحْوٍ مِنْ ثَمَانِ سُوَرٍ، أَيِ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ بَعْدَ الْفَتْرَةِ الْأُولَى فَتَكُونُ بَعْدَ تَجَمُّعِ عَشْرِ سُوَرٍ، وَبِذَلِكَ تَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ حَادِيَةَ عَشْرَةَ فَيَتَوَافَقُ ذَلِكَ مَعَ عَدَدِهَا فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ.
وَالِاخْتِلَافُ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُضُوحِهِ لِلرُّوَاةِ، فَالَّذِي نَظُنُّهُ أَنَّ احْتِبَاسَ الْوَحْيِ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ كَانَ لِمُدَّةِ نَحْوٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا وَأَنَّهُ مَا كَانَ إِلَّا لِلرِّفْقِ بِالنَّبِيءِ ﷺ كَيْ تَسْتَجِمَّ نَفْسُهُ وَتَعْتَادَ قُوَّتُهُ تَحَمُّلَ أَعْبَاءِ الْوَحْيِ إِذْ كَانَتِ الْفَتْرَةُ الْأُولَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ كَانَتِ الثَّانِيَةُ اثَّنَى عَشَرَ يَوْمًا أَوْ نَحْوَهَا، فَيَكُونُ نُزُولُ سُورَةِ الضُّحَى هُوَ النُّزُولَ الثَّالِثَ، وَفِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ يَحْصُلُ الِارْتِيَاضُ فِي الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ وَلِذَلِكَ يَكْثُرُ الْأَمْرُ بِتَكَرُّرِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ ثَلَاثًا، وَبِهَذَا الْوَجْهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْأَخْبَارِ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ وَسَبَبِ نُزُولِ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ.
وَحُذِفَ مَفْعُولُ قَلى لِدَلَالَةِ وَدَّعَكَ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 10817
وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ [الْأَحْزَاب: ٣٥] وَهُوَ إِيجَازٌ لَفْظِيٌّ لِظُهُورِ الْمَحْذُوفِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: (فَآوَى) ، (فَهَدَى) ، (فَأَغْنَى) .
[٤]
[سُورَة الضُّحَى (٩٣) : آيَة ٤]
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤)
عَطْفٌ عَلَى جملَة: وَالضُّحى [الضُّحَى: ١] فَهُوَ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ بِهِ، وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمَلِ الِابْتِدَائِيَّةِ وَلَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةِ جَوَابِ الْقَسَمِ بَلْ هِيَ ابْتِدَائِيَّةٌ فَلَمَّا نُفِيَ الْقِلَى بُشِّرَ بِأَنَّ آخِرَتَهُ خَيْرٌ مِنْ أُولَاهُ، وَأَنَّ عَاقِبَتَهُ أَحْسَنُ مِنْ بَدْأَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ خَاتِمٌ لَهُ بِأَفْضَل مِمَّا قد إِعْطَاء فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة.
وَمَا فِي تَعْرِيفِ «الْآخِرَةَ» والْأُولى مِنَ التَّعْمِيمِ يَجْعَلُ مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَعْنَى التَّذْيِيلِ الشَّامِلِ لِاسْتِمْرَارِ الْوَحْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْخَيْرِ.
وَالْآخِرَةُ: مُؤَنَّثُ الْآخِرِ، والْأُولى: مُؤَنَّثُ الْأَوَّلِ، وَغَلَبَ لَفْظُ الْآخِرَةِ فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ عَلَى الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ وَعَلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ كَمَا غَلَبَ لَفْظُ الْأُولَى عَلَى حَيَاةِ
النَّاسِ الَّتِي قَبْلَ انْخِرَامِ هَذَا الْعَالَمِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُنَا مِنْ كِلَا اللَّفْظَيْنِ كِلَا مَعْنَيَيْهِ فَيُفِيدُ أَنَّ الْحَيَاةَ الْآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ الْعَاجِلَةِ تَبْشِيرًا لَهُ بِالْخَيْرَاتِ الْأَبَدِيَّةِ، وَيُفِيدُ أَنَّ حَالَاتِهِ تَجْرِي عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ حَالَةٍ إِلَى أَحْسَنَ مِنْهَا، فَيَكُونُ تَأْنِيثُ الْوَصْفَيْنِ جَارِيًا عَلَى حَالَتَيِ التَّغْلِيبِ وَحَالَتَيِ التَّوْصِيفِ، وَيَكُونُ التَّأْنِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى الثَّانِي لِمُرَاعَاةِ معنى الْحَالة.
ويومىء ذَلِكَ إِلَى أَنَّ عَوْدَةَ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَرَّةَ خَيْرٌ مِنَ الْعَوْدَةِ الَّتِي سَبَقَتْ، أَيْ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِأَنْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْهُ نُزُولُ الْوَحْيِ مِنْ بَعْدُ.
فَاللَّامُ فِي «الْآخِرَةُ» والْأُولى لَامُ الْجِنْسِ، أَيْ كُلُّ آجِلِ أَمْرِهِ هُوَ خَيْرٌ مِنْ عَاجِلِهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَفِي الْأُخْرَى.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لَكَ لَامُ الِاخْتِصَاصِ، أَيْ خَيْرٌ مُخْتَصٌّ بِكَ وَهُوَ شَامِلٌ لِكُلِّ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِنَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ فِي ذَاتِهِ وَفِي دِينِهِ وَفِي أُمَّتِهِ، فَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِأَنْ يَنْشُرَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَأَنْ يُمَكِّنَ أُمَّتَهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ الَّتِي يَأْمُلُهَا النَّبِيءُ ﷺ لَهُمْ. وَقَدْ
стр. 10818
رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي «دَلَائِلِ النُّبُوءَةِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عُرِضَ عَلَيَّ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ لِأُمَّتِي بَعْدِي فَسَرَّنِي فَأَنْزَلُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى
[٥]
[سُورَة الضُّحَى (٩٣) : آيَة ٥]
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥)
هُوَ كَذَلِكَ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ الْقَسَمِ كُلِّهَا وَحَرْفُ الِاسْتِقْبَالِ لِإِفَادَةِ أَنَّ هَذَا الْعَطَاءَ الْمَوْعُودَ بِهِ مُسْتَمِرٌّ لَا يَنْقَطِعُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي فِي سُورَةِ يُوسُفَ [٩٨] وَقَوْلِهِ: وَلَسَوْفَ يَرْضى فِي سُورَةِ اللَّيْلِ [٢١] .
وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِ يُعْطِيكَ لِيَعُمَّ كُلَّ مَا يَرْجُوهُ ﷺ مِنْ خَيْرٍ لِنَفْسِهِ وَلِأُمَّتِهِ فَكَانَ مُفَادُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ تَعْمِيمَ الْعَطَاءِ كَمَا أَفَادَتِ الْجُمْلَةُ قَبْلَهَا تَعْمِيمَ الْأَزْمِنَةِ.
وَجِيءَ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ فِي فَتَرْضى لِإِفَادَةِ كَوْنِ الْعَطَاءِ عَاجِلَ النَّفْعِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِهِ رِضَى الْمُعْطَى عِنْدَ الْعَطَاءِ فَلَا يَتَرَقَّبُ أَنْ يَحْصُلَ نَفْعُهُ بَعْدَ تَرَبُّصٍ.
وَتَعْرِيفُ رَبُّكَ بِالْإِضَافَةِ دُونَ اسْمِ اللَّهِ الْعَلَمِ لِمَا يُؤْذِنُ بِهِ لَفْظُ (رَبُّ) مِنَ الرَّأْفَةِ وَاللُّطْفِ، وَلِلتَّوَسُّلِ إِلَى إِضَافَتِهِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِشْعَارِ بِعِنَايَتِهِ بِرَسُولِهِ وَتَشْرِيفِهِ بِإِضَافَةِ رَبُّ إِلَى ضَمِيرِهِ.
وَهُوَ وَعْدٌ وَاسِعُ الشُّمُولِ لِمَا أُعْطِيَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِأَعْدَائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَدُخُولِ النَّاسِ فِي الدِّينِ أَفْوَاجًا وَمَا فُتِحَ عَلَى الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ شَرْقًا وَغَرْبًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّامَ فِي وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ [الضُّحَى: ٤] وَفِي وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ جَزَمَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» بِأَنَّهُ لَامُ الِابْتِدَاءِ وَقَدَّرَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا. وَالتَّقْدِيرُ: وَلَأَنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ. وَقَالَ: إِنَّ لَامَ الْقَسَمِ لَا تَدْخَلُ عَلَى الْمُضَارِعِ إِلَّا مَعَ نُونِ التَّوْكِيدِ وَحَيْثُ تَعَيَّنَ أَنَّ اللَّامَ لَامُ الِابْتِدَاءِ وَلَامُ الِابْتِدَاءِ لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ الْمُبْتَدَأِ. وَاخْتَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ اللَّامَ فِي وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ لَامُ التَّوْكِيدِ (يَعْنِي لَام جَوَاب الْقَسَمِ) . وَوَافَقَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي «مُغْنِي اللَّبِيبِ» وَأَشْعَرَ كَلَامُهُ
стр. 10819
أَنَّ وُجُودَ حَرْفِ التَّنْفِيسِ مَانِعٌ مِنْ لَحَاقِ نُونِ التَّوْكِيدِ وَلِذَلِكَ تَجِبُ اللَّامُ فِي الْجُمْلَةِ. وَأَقُولُ فِي كَوْنِ وُجُودِ حَرْفِ التَّنْفِيسِ يُوجِبُ كَوْنَ اللَّامِ لَامَ جَوَابِ قَسَمٍ محلّ نظر.
[٦- ٨]
[سُورَة الضُّحَى (٩٣) : الْآيَات ٦ إِلَى ٨]
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨)
اسْتِئْنَافٌ مَسُوقٌ مَسَاقَ الدَّلِيلِ عَلَى تَحَقُّقِ الْوَعْدِ، أَيْ هُوَ وَعْدٌ جَارٍ عَلَى سَنَنِ مَا سَبَقَ مِنْ عِنَايَةِ اللَّهِ بِكَ مِنْ مَبْدَأِ نَشْأَتِكَ وَلُطْفِهِ فِي الشَّدَائِدِ بِاطِّرَادٍ بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الصُّدَفِ لِأَنَّ شَأْنَ الصُّدَفِ أَنْ لَا تَتَكَرَّرَ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ اطِّرَادَ ذَلِكَ مُرَادٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا إِيقَاعُ الْيَقِينِ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ مَا وَعَدَهُ اللَّهُ بِهِ مُحَقَّقُ الْوُقُوعِ قِيَاسًا عَلَى مَا ذَكَّرَهُ بِهِ مِنْ مُلَازَمَةِ لُطْفِهِ بِهِ فِيمَا مَضَى وَهُمْ لَا يَجْهَلُونَ ذَلِكَ عَسَى أَنْ يُقْلِعُوا عَنِ الْعِنَادِ وَيُسْرِعُوا إِلَى الْإِيمَانِ وَإِلَّا فَإِنَّ ذَلِكَ مَسَاءَةٌ تَبْقَى فِي نُفُوسِهِمْ وَأَشْبَاحُ رُعْبٍ تُخَالِجُ خَوَاطِرَهُمْ. وَيحصل مَعَ هَذَا الْمَقْصُودِ امْتِنَانٌ عَلَى النَّبِيءِ ﷺ وَتَقْوِيَةٌ لِاطْمِئْنَانِ نَفْسِهِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ.
وَالِاسْتِفْهَامُ تَقْرِيرِيٌّ، وَفِعْلُ يَجِدْكَ مُضَارِعُ وَجَدَ بِمَعْنَى أَلْفَى وَصَادَفَ، وَهُوَ الَّذِي يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ وَمَفْعُولُهُ ضَمِيرُ الْمُخَاطَبِ. ويَتِيماً حَالٌ، وَكَذَلِكَ ضَالًّا وعائِلًا وَالْكَلَامُ تَمْثِيلٌ لِحَالَةِ تَيْسِيرِ الْمَنَافِعِ لِلَّذِي تَعَسَّرَتْ عَلَيْهِ بِحَالَةِ مَنْ وَجَدَ شَخْصًا فِي شِدَّةٍ يَتَطَلَّعُ إِلَى مَنْ يُعِينُهُ أَوْ يُغِيثُهُ.
وَالْيَتِيمُ: الصَّبِيُّ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ وَقَدْ كَانَ أَبُو النَّبِيءِ ﷺ تُوُفِّيَ وَهُوَ جَنِينٌ أَوْ فِي أَوَّلِ
الْمُدَّةِ مِنْ وِلَادَتِهِ.
وَالْإِيوَاءُ: مَصْدَرُ أَوَى إِلَى الْبَيْتِ، إِذَا رَجَعَ إِلَيْهِ، فَالْإِيوَاءُ: الْإِرْجَاعُ إِلَى الْمَسْكَنِ، فَهَمْزَتُهُ الْأُولَى هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ، أَيْ جَعَلَهُ آوِيًا، وَقَدْ أُطْلِقَ الْإِيوَاءُ عَلَى الْكَفَالَةِ وَكِفَايَةِ الْحَاجَةِ مَجَازًا أَوِ اسْتِعَارَةً، فَالْمَعْنَى أَنْشَأَكَ عَلَى كَمَالِ الْإِدْرَاكِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَكُنْتَ عَلَى تَرْبِيَةٍ كَامِلَةٍ مَعَ أَنَّ شَأْنَ الْأَيْتَام أَن ينشأوا عَلَى نَقَائِصَ لِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ مَنْ يُعْنَى بِتَهْذِيبِهِمْ وَتَعَهُّدِ أَحْوَالِهِمُ الْخُلُقِيَّةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي»
فَكَانَ تَكْوِينُ نَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ عَلَى الْكَمَالِ خَيْرًا مِنْ تَرْبِيَةِ الْأَبَوَيْنِ.
стр. 10820
وَالضَّلَالُ: عَدَمُ الِاهْتِدَاءِ إِلَى الطَّرِيقِ الْموصل إِلَى مَكَان مَقْصُود سَوَاءٌ سَلَكَ السَّائِرُ طَرِيقًا آخَرَ يُبْلِغُ إِلَى غَيْرِ الْمَقْصُودِ أَمْ وَقَفَ حَائِرًا لَا يَعْرِفُ أَيَّ طَرِيقٍ يَسْلُكُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّكَ كُنْتَ فِي حَيْرَةٍ مِنْ حَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ قَوْمِكَ فَأَرَاكَهُ اللَّهُ غَيْرَ مَحْمُودٍ وَكَرَّهَهُ إِلَيْكَ وَلَا تَدْرِي مَاذَا تَتَّبِعُ مِنَ الْحَقِّ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَنْشَأَ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ إِعْدَادِهِ لِتَلَقِّي الرِّسَالَةِ فِي الْإِبَّانِ، أَلْهَمَهُ أَنَّ مَا عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّرْكِ خَطَأٌ وَأَلْقَى فِي نَفْسِهِ طَلَبَ الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِّ لِيَتَهَيَّأَ بِذَلِكَ لِقَبُولِ الرِّسَالَةِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالضَّلَالِ هُنَا اتِّبَاعَ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الْإِشْرَاكِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ بِاتِّفَاقِ عُلَمَائِنَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي عِصْمَتِهِمْ مِنْ نَوْعِ الذُّنُوبِ الْفَوَاحِشِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ الشَّرَائِعُ فِي كَوْنِهَا فَوَاحِشَ وَبِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّنَافِي بَيْنَ اعْتِبَارِ الْفِعْلِ فَاحِشَةً وَبَيْنَ الْخُلُوِّ عَنْ وُجُودِ شَرِيعَةٍ قَبْلَ النُّبُوءَةِ، فَإِنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا نَزَّهُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَالْمُعْتَزِلَةُ مَنَعُوا ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ دَلِيلِ الْعَقْلِ كَافِيًا فِي قُبْحِ الْفَوَاحِشِ عَلَى إِرْسَالِ كَلَامِهِمْ فِي ضَابِطِ دَلَالَةِ الْعَقْلِ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يُنَافِي أُصُولَ الدِّينِ قَبْلَ رِسَالَتِهِ وَلَمْ يَزَلْ عُلَمَاؤُنَا يَجْعَلُونَ مَا تَوَاتَرَ مِنْ حَالِ اسْتِقَامَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ عَنِ الرَّذَائِلِ قَبْلَ نُبُوءَتِهِ دَلِيلًا مِنْ جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى رِسَالَتِهِ، بَلْ قَدْ شَافَهَ الْقُرْآنُ بِهِ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [يُونُس: ١٦] وَقَوْلِهِ: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: ٦٩] ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُؤْثَرْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَفْحَمُوا النَّبِيءَ ﷺ فِيمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَسَاوِي أَعْمَالِهِمْ بِأَنْ يَقُولُوا فَقَدْ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَنَا.
وَالْعَائِلُ: الَّذِي لَا مَالَ لَهُ، وَالْفَقْرُ يُسَمَّى عَيْلَةً، قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ [التَّوْبَة: ٢٨] وَقَدْ أَغْنَاهُ اللَّهُ غِنَاءَيْنِ: أَعْظَمُهُمَا غِنَى الْقَلْبِ إِذْ أَلْقَى فِي قَلْبِهِ قِلَّةَ الِاهْتِمَامِ بِالدُّنْيَا، وَغِنَى الْمَالِ حِينَ أَلْهَمَ خَدِيجَةَ مُقَارَضَتَهُ فِي تِجَارَتِهَا.
وَحُذِفَتْ مَفَاعِيلُ فَآوى، فَهَدى، فَأَغْنى لِلْعِلْمِ بِهَا مِنْ ضَمَائِرِ الْخطاب قبلهَا، وحدفها إِيجَازٌ، وَفِيهِ رِعَايَةٌ على الفواصل.
стр. 10821
[سُورَة الضُّحَى (٩٣) : الْآيَات ٩ إِلَى ١١]
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)
الْفَاءُ الْأُولَى فَصِيحَةٌ.
وَ (أَمَّا) تُفِيدُ شَرْطًا مُقَدَّرًا تَقْدِيرُهُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ، فَكَانَ مُفَادُهَا مُشْعِرًا بِشَرْطٍ آخَرَ مُقَدَّرٍ هُوَ الَّذِي اجْتُلِبَتْ لِأَجْلِهِ فَاءُ الْفَصِيحَةِ، وَتَقْدِيرُ نَظْمِ الْكَلَامِ إِذْ كُنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ وَأَقْرَرْتَ بِهِ فَعَلَيْكَ بِشُكْرِ رَبِّكَ، وَبَيَّنَ لَهُ الشُّكْر بقوله: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ إِلَخْ.
وَقَدْ جُعِلَ الشُّكْرُ هُنَا مُنَاسِبًا لِلنِّعْمَةِ الْمَشْكُورِ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ تَقْدِيرُ: إِذَا أَرَدْتَ الشُّكْرَ، لِأَنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ تَنْسَاقُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ بِدَافِعِ الْمُرُوءَةِ فِي عُرْفِ النَّاسِ، وَصُدِّرَ الْكَلَامُ بِ (أَمَّا) التَّفْصِيلِيَّةِ لِأَنَّهُ تَفْصِيلٌ لِمُجْمَلِ الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ.
وَلَمَّا كَانَتْ (أَمَّا) بِمَعْنَى: وَمَهْمَا يَكُنْ شَيْءٌ، قُرِنَ جَوَابُهَا بِالْفَاءِ.
واليتيم مَفْعُولٌ لِفِعْلِ فَلا تَقْهَرْ وَقُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ وَلِهَذَا الْقَصْدِ لَمْ يُؤْتَ بِهِ مَرْفُوعًا وَقَدْ حَصَلَ مَعَ ذَلِكَ الْوَفَاءُ بِاسْتِعْمَالِ جَوَابِ (أَمَّا) أَنْ يَكُونَ مَفْصُولًا عَنْ (أَمَّا) بِشَيْءٍ كَرَاهِيَةَ مُوَالَاةِ فَاءِ الْجَوَابِ لِحَرْفِ الشَّرْطِ. وَيَظْهَرُ أَنَّهُمْ مَا الْتَزَمُوا الْفَصْلَ بَيْنَ (أَمَّا) وَجَوَابِهَا بِتَقْدِيمِ شَيْءٍ مِنْ عَلَائِقِ الْجَوَابِ إِلَّا لِإِرَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِالْمُقَدَّمِ لِأَنَّ مَوْقِعَ (أَمَّا) لَا يَخْلُو عَنِ اهْتِمَامٍ بِالْكَلَامِ اهْتِمَامًا يَرْتَكِزُ فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ، فَاجْتِلَابُ (أَمَّا) فِي الْكَلَامِ أَثَرٌ لِلِاهْتِمَامِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ مَثَارَ الِاهْتِمَامِ بَعْضُ مُتَعَلَّقَاتِ الْجُمْلَةِ، فَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَعْتَنُونَ بِتَقْدِيمِهِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي تَقْدِيمِ السَّائِلَ وَتَقْدِيمِ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ عَلَى فِعْلَيْهِمَا.
وَقَدْ قُوبِلَتِ النِّعَمُ الثَّلَاثُ الْمُتَفَرِّعُ عَلَيْهَا هَذَا التَّفْصِيلُ بِثَلَاثَةِ أَعْمَالٍ تُقَابِلُهَا. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّفْصِيلُ عَلَى طَرِيقَةِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ. وَذَلِكَ مَا دَرَجَ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ، وَيَجْرِي عَلَى تَفْسِيرِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ السَّائِلَ عَنِ الدِّينِ وَالْهُدَى، فَقَوْلُهُ: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى [الضُّحَى: ٦] لَا مَحَالَةَ، أَيْ فَكَمَا آوَاكَ رَبُّكَ وَحَفِظَكَ مِنْ عَوَارِضِ النَّقْصِ الْمُعْتَادِ لِلْيُتْمِ، فَكُنْ أَنْتَ مُكْرِمًا لِلْأَيْتَامِ رَفِيقًا بِهِمْ، فَجُمِعَ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ عَنْ قَهْرِهِ، لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ
стр. 10822
كَانُوا يَقْهَرُونَ الْأَيْتَامَ وَلِأَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنْ قَهْرِ الْيَتِيمِ
مَعَ كَثْرَةِ الْأَسْبَابِ لِقَهْرِهِ لِأَنَّ الْقَهْرَ قَدْ يَصْدُرُ مِنْ جَرَّاءِ الْقَلَقِ مِنْ مَطَالِبِ حَاجَاتِهِ فَإِنَّ فَلَتَاتِ اللِّسَانِ سَرِيعَةُ الْحُصُولِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [الْإِسْرَاء: ٢٣] وَقَالَ: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً [الْإِسْرَاء: ٢٨] .
وَالْقَهْرُ: الْغَلَبَةُ وَالْإِذْلَالُ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ هُنَا، وَتَكُونُ هَذِهِ الْمَعَانِي بِالْفِعْلِ كَالدَّعِّ وَالتَّحْقِيرِ بِالْفِعْلِ وَتَكُونُ بِالْقَوْلِ قَالَ تَعَالَى: وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً [النِّسَاء: ٥] ، وَتَكُونُ بِالْإِشَارَةِ مِثْلَ عُبُوسِ الْوَجْهِ، فَالْقَهْرُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الْقَهْرُ الَّذِي لَا يُعَامَلُ بِهِ غَيْرُ الْيَتِيمِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَأَمَّا الْقَهْرُ لِأَجْلِ الِاسْتِصْلَاحِ كَضَرْبِ التَّأْدِيبِ فَهُوَ مِنْ حُقُوقِ التَّرْبِيَةِ قَالَ تَعَالَى:
وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [الْبَقَرَة: ٢٢٠] .
وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ مُقَابِلُ قَوْلِهِ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [الضُّحَى: ٧] لِأَن الضلال يَسْتَعْدِي السُّؤَالَ عَنِ الطَّرِيقِ، فَالضَّالُّ مُعْتَبر من نصف السَّائِلِينَ. وَالسَّائِلُ عَنِ الطَّرِيقِ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِحَمَاقَةِ الْمَسْئُولِ كَمَا قَالَ كَعْبٌ:
وَقَالَ كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ آمُلُهُ: ... لَا أُلْهِيَنَّكَ إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
فَجَعَلَ اللَّهُ الشُّكْرَ عَنْ هِدَايَتِهِ إِلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ أَنْ يُوَسِّعَ بَالَهُ لِلسَّائِلِينَ.
فَلَا يَخْتَصُّ السَّائِلُ بِسَائِلِ الْعَطَاءِ بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ سَائِلٍ وَأَعْظَمُ تَصَرُّفَاتِ الرَّسُولِ ﷺ بِإِرْشَادِ الْمُسْتَرْشِدِينَ، وَرُوِيَ هَذَا التَّفْسِيرُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ وَإِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا»
قَالَ هَارُونُ الْعَبْدِيُّ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ:
مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَالتَّعْرِيفُ فِي السَّائِلَ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ سَائِلٍ، أَيْ عَمَّا يُسْأَلُ النَّبِيءُ ﷺ عَنْ مِثْلِهِ.
وَيَكُونُ النَّشْرُ عَلَى تَرْتِيبِ اللَّفِّ.
فَإِنْ فُسِّرَ السَّائِلَ بسائل مَعْرُوف كَانَ مُقَابِلَ قَوْلِهِ: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [الضُّحَى: ٨] وَكَانَ مِنَ النَّشْرِ الْمُشَوَّشِ، أَيِ الْمُخَالِفِ لِتَرْتِيبِ اللَّفِّ، وَهُوَ مَا دَرَجَ عَلَيْهِ «الْكَشَّافُ» .
стр. 10823
وَالنَّهْرُ: الزَّجْرُ بِالْقَوْلِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إِلَيْكَ عَنِّي. وَيُسْتَفَادُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْقَهْرِ وَالنَّهْرِ النَّهْيُ عَمَّا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمَا فِي الْأَذَى كَالشَّتْمِ وَالضَّرْبِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْمَالِ وَتَرْكِهِ مُحْتَاجًا
وَلَيْسَ مِنَ النَّهْرِ نَهْيُ السَّائِلِ عَنْ مُخَالَفَةِ آدَابِ السُّؤَالِ فِي الْإِسْلَامِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ مُقَابِلُ قَوْلِهِ: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [الضُّحَى:
٨] .
فَإِنَّ الْإِغْنَاءَ نِعْمَةٌ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُظْهِرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ عَنْهَا وَإِعْلَانِ شُكْرِهَا.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ نِعْمَةً خَاصَّةً وَإِنَّمَا أُرِيدَ الْجِنْسُ فَيُفِيدُ عُمُومًا فِي الْمَقَامِ الْخِطَابِيِّ، أَيْ حَدِّثْ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ مِنَ النِّعَمِ، فَحَصَلَ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ شُكْرُ نِعْمَةِ الْإِغْنَاءِ، وَحَصَلَ الْأَمْرُ بِشُكْرِ جَمِيعِ النِّعَمِ لِتَكُونَ الْجُمْلَةُ تَذْيِيلًا جَامِعًا.
فَإِنْ جُعِلَ قَوْلُهُ: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ مُقَابِلَ قَوْلِهِ وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى عَلَى طَرِيقَةِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ كَانَ قَوْلُهُ: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ مُقَابِلَ قَوْلِهِ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [الضُّحَى: ٧] عَلَى طَرِيقَةِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ أَيْضًا.
وَكَانَ الْمُرَادُ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ نِعْمَةَ الْهِدَايَةِ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ.
وَالتَّحْدِيثُ: الْإِخْبَارُ، أَيْ أَخْبِرْ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ اعْتِرَافًا بِفَضْلِهِ، وَذَلِكَ مِنَ الشُّكْرِ، وَالْقَوْلُ فِي تَقْدِيمِ الْمَجْرُورِ وَهُوَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ عَلَى مُتَعَلَّقِهِ كَالْقَوْلِ فِي تَقْدِيمِ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَالْخِطَّابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ ، فَمُقْتَضَى الْأَمْرِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً بِهِ، وَأَصْلُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، فَيُعْلَمُ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ وَاجِبٌ عَلَيْهِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَأَمَّا مُخَاطَبَةُ أُمَّتِهِ بِذَلِكَ فَتَجْرِي عَلَى أَصْلِ مُسَاوَاةِ الْأُمَّةِ لِنَبِيِّهَا فِيمَا فُرِضَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ، فَأَمَّا مُسَاوَاةُ الْأُمَّةِ لَهُ فِي مَنْعِ قَهْرِ الْيَتِيمِ وَنَهْرِ السَّائِلِ فَدَلَائِلُهُ كَثِيرَةٌ مَعَ مَا يَقْتَضِيهِ أَصْلُ الْمُسَاوَاةِ.
وَأَمَّا مُسَاوَاة الْأمة لَهُ فِي الْأَمْرِ بِالتَّحَدُّثِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فَإِنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ شَتَّى مِنْهَا مَا لَا مَطْمَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ فِيهِ مِثْلَ نِعْمَةِ الرِّسَالَةِ وَنِعْمَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الِاصْطِفَاءِ الْأَكْبَرِ، وَنِعْمَةُ الرَّبِّ فِي الْآيَةِ مُجْمَلَةٌ.
стр. 10824
فَنِعَمُ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا يَجِبُ تَحْدِيثُهُ بِهِ وَهُوَ تَبْلِيغُهُ النَّاسَ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَقَدْ كَانَ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْإِسْلَامَ فَيَقُولُ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ.
وَمِنْهَا تَعْرِيفُهُ النَّاسَ مَا يَجِبُ لَهُ مِنَ الْبِرِّ وَالطَّاعَةِ
كَقَوْلِهِ لِمَنْ قَالَ لَهُ: «اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: أَيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلَى وَحْيِهِ وَلَا تأمنوني»
، وَمِنْهَا مَا يَدْخُلُ التَّحْدِيثُ بِهِ فِي وَاجِبِ الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ فَهَذَا وُجُوبُهُ عَلَى النَّبِيءِ ﷺ خَالِصٌ مِنْ عُرُوضِ الْمَعَارِضِ لِأَنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَعْصُومٌ مِنْ عُرُوضِ الرِّيَاءِ وَلَا يَظُنُّ النَّاسُ بِهِ ذَلِكَ فَوُجُوبُهُ عَلَيْهِ ثَابِتٌ.
وَأَمَّا الْأُمَّةُ فَقَدْ يَكُونُ التَّحَدِيثُ بِالنِّعْمَةِ مِنْهُمْ مَحْفُوفًا بِرِيَاءٍ أَوْ تَفَاخُرٍ. وَقَدْ يَنْكَسِرُ لَهُ خَاطِرُ مَنْ هُوَ غَيْرُ وَاجِدٍ مِثْلَ النِّعْمَةِ الْمُتَحَدَّثِ بِهَا. وَهَذَا مَجَالٌ لِلنَّظَرِ فِي الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ الْمُقْتَضِي وَالْمَانِعِ، وَطَرِيقَةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إِنْ أَمْكَنَ أَوِ التَّرْجِيحِ لِأَحَدِهِمَا. وَفِي «تَفْسِيرِ الْفَخْرِ» : سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵁ عَنِ الصَّحَابَةِ فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ: فَحَدِّثْنَا عَنْ نَفْسِكَ فَقَالَ: مَهْلًا فَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنِ التَّزْكِيَةِ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ فَقَالَ: فَإِنِّي أُحَدِّثُ كُنْتُ إِذَا سُئِلْتُ أَعْطَيْتُ. وَإِذَا سُكِتَ ابْتَدَيْتُ، وَبَيْنَ الْجَوَانِحِ عِلْمٌ جَمٌّ فَاسْأَلُونِي. فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ خَصَّ النِّعْمَةَ فِي قَوْلِهِ: بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِنِعْمَةِ الْقُرْآنِ وَنِعْمَةِ النُّبُوءَةِ وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَأَى وُجُوبَ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ. رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ (١) .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْخِطَابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وَالْحُكْمُ عَامٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ. قَالَ عِيَاض فِي «الشِّفَاء» : «وَهَذَا خَاصٌّ لَهُ عَامٌّ لِأُمَّتِهِ» .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ (٢) : إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ إِخْوَانِهِ مَنْ يَثِقُ بِهِ يَقُولُ لَهُ رَزَقَ اللَّهُ مِنَ الصَّلَاةِ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَالِبٍ (٣) : أَنَّهُ كَانَ إِذَا стр. 10825
أَصْبَحَ يَقُولُ: لَقَدْ رَزَقَنِي اللَّهُ الْبَارِحَةَ كَذَا، قَرَأْتُ كَذَا، صَلَّيْتُ كَذَا، ذَكَرْتُ اللَّهَ كَذَا، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا فِرَاسٍ إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَقُولُ هَذَا، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ وَتَقُولُونَ أَنْتُمْ: لَا تُحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ. وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ فَقَالَ: لَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ الْبَارِحَةَ: صَلَّيْتُ كَذَا، وَسَبَّحْتُ كَذَا، قَالَ أَيُّوبُ: فَاحْتَمَلْتُ ذَلِكَ لِأَبِي رَجَاءٍ.
وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ التَّحَدُّثَ بِالنِّعْمَةِ تَكُونُ لِلثِّقَةِ مِنَ الْإِخْوَانِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ قَالَ ابْنُ
الْعَرَبِيِّ: إِنَّ التَّحَدُّثَ بِالْعَمَلِ يَكُونُ بِإِخْلَاصٍ مِنَ النِّيَّةِ عِنْدَ أَهْلِ الثِّقَةِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ إِلَى الرِّيَاءِ وَإِسَاءَةِ الظَّنِّ بِصَاحِبِهِ.
وَذَكَرَ الْفَخْرُ وَالْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إِذَا أَصَبْتَ خَيْرًا أَوْ عَمِلْتَ خَيْرًا فَحَدِّثْ بِهِ الثِّقَةَ مِنْ إِخْوَانِكَ
. قَالَ الْفَخْرُ: إِلَّا أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَحْسُنُ إِذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ رِيَاءً وَظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ يَقْتَدِي بِهِ.
стр. 10826
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩٤- سُورَة الشَّرْح
سُمِّيَتْ فِي مُعْظَمِ التَّفَاسِيرِ وَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» و «جَامع التِّرْمِذِيِّ» «سُورَةَ أَلَمْ نَشْرَحْ» ، وَسُمِّيَتْ فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ «سُورَةَ الشَّرْحِ» وَمِثْلُهُ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ الْمَشْرِقِيَّةِ تَسْمِيَةً بِمَصْدَرِ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ فِيهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشَّرْح: ١] وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ تَسْمِيَتُهَا «سُورَةُ الِانْشِرَاحِ» .
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقَدْ عُدَّتِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ فِي عِدَادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الضُّحَى بِالِاتِّفَاقِ وَقَبْلَ سُورَةِ الْعَصْرِ.
وَعَنْ طَاوُسٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ: «أَلَمْ نَشْرَحْ مِنْ سُورَةِ الضُّحَى» . وَكَانَا يقرءانهما بِالرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ لَا يَفْصِلَانِ بَيْنَهُمَا يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَهَذَا شُذُوذٌ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ تَسْوِيرِ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ.
وَعَدَدُ آيها ثَمَان.
أغراضها
احْتَوَتْ عَلَى ذِكْرِ عِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ بِلُطْفِ اللَّهِ لَهُ وَإِزَالَةِ الْغَمِّ وَالْحَرَجِ عَنْهُ، وَتَفْسِيرِ مَا عَسُرَ عَلَيْهِ، وَتَشْرِيفِ قَدْرِهِ لِيُنَفِّسَ عَنْهُ، فَمَضْمُونُهَا شَبِيهٌ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى مَضْمُونِ سُورَةِ الضُّحَى تَثْبِيتًا لَهُ بِتَذْكِيرِهِ سَالِفَ عِنَايَتِهِ بِهِ وَإِنَارَةِ سَبِيلِ الْحَقِّ وَتَرْفِيعِ الدَّرَجَةِ لِيَعْلَمَ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَهُ بِنِعْمَتِهِ مَا كَانَ لِيَقْطَعَ عَنْهُ فَضْلَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ التَّقْرِير بماض يعمله النَّبِيءُ ﷺ .
стр. 10827
وَأُتْبِعَ ذَلِكَ بِوَعْدِهِ بِأَنَّهُ كُلَّمَا عَرَضَ لَهُ عُسْرٌ فَسَيَجِدُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا كَدَأْبِ اللَّهِ تَعَالَى فِي
مُعَامَلَتِهِ فَلْيَتَحَمَّلْ مَتَاعِبَ الرِّسَالَةِ وَيَرْغَبْ إِلَى اللَّهِ عَوْنِهِ.
[١- ٤]
[سُورَة الشَّرْح (٩٤) : الْآيَات ١ إِلَى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)
. اسْتِفْهَامٌ تَقْرِيرِيٌّ عَلَى النَّفْيِ. وَالْمَقْصُودُ التَّقْرِيرُ عَلَى إِثْبَاتِ الْمَنْفِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وَهَذَا التَّقْرِيرُ مَقْصُودٌ بِهِ التَّذْكِيرُ لِأَجْلِ أَنْ يُرَاعِيَ هَذِه الْمِنَّة عِنْد مَا يُخَالِجُهُ ضِيقُ صَدْرٍ مِمَّا يَلْقَاهُ مِنْ أَذَى قَوْمٍ يُرِيدُ صَلَاحَهُمْ وَإِنْقَاذَهُمْ مِنَ النَّارِ وَرَفْعَ شَأْنِهِمْ بَيْنَ الْأُمَمِ، لِيَدُومَ عَلَى دَعْوَتِهِ الْعَظِيمَةِ نَشِيطًا غَيْرَ ذِي أَسَفٍ وَلَا كَمَدٍ.
وَالشَّرْحُ حَقِيقَتُهُ: فَصْلُ أَجْزَاءِ اللَّحْمِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، وَمِنْهُ الشَّرِيحَةُ لِلْقِطْعَةِ مِنَ اللَّحْمِ، وَالتَّشْرِيحُ فِي الطِّبِّ، وَيُطْلَقُ عَلَى انْفِعَالِ النَّفْسِ بِالرِّضَى بِالْحَالِ الْمُتَلَبِّسِ بِهَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ «الْأَسَاسِ» أَنَّ هَذَا إِطْلَاقٌ حَقِيقِيٌّ. وَلَعَلَّهُ رَاعَى كَثْرَةَ الِاسْتِعْمَالِ، أَيْ هُوَ مِنَ الْمَجَازِ الَّذِي يُسَاوِي الْحَقِيقَةَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّرْحَ الْحَقِيقِيَّ خَاصٌّ بِشَرْحِ اللَّحْمِ، وَأَنَّ إِطْلَاقَ الشَّرْحِ عَلَى رِضَى النَّفْسِ بِالْحَالِ أَصْلُهُ اسْتِعَارَةٌ نَاشِئَةٌ عَنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الضِّيقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ عَلَى الْإِحْسَاسِ بِالْحُزْنِ وَالْكَمَدِ قَالَ تَعَالَى: وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ [هود: ١٢] الْآيَةَ. فَجُعِلَ إِزَالَةُ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ حُزْنٍ مِثْلَ شَرْحِ اللَّحْمِ وَهَذَا الْأَنْسَبُ بِقَوْلِهِ: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشَّرْح: ٥] .
وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي فِي سُورَةِ طه [٢٥] .
فَالصَّدْرُ مُرَادٌ بِهِ الْإِحْسَاسُ الْبَاطِنِيُّ الْجَامِعُ لِمَعْنَى الْعَقْلِ وَالْإِدْرَاكِ. وَشَرْحُ صَدْرِهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِنْعَامِ عَلَيْهِ بِكُلِّ مَا تَطْمَحُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ الزَّكِيَّةُ مِنَ الْكِمَالَاتِ وَإِعْلَامِهِ بِرِضَى اللَّهِ عَنْهُ وَبِشَارَتِهِ بِمَا سَيَحْصُلُ لِلدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّصْرِ.
هَذَا تَفْسِيرُ الْآيَةِ بِمَا يُفِيدُهُ نَظْمُهَا وَاسْتِقْلَالُهَا عَنِ الْمَرْوِيَّاتِ الْخَارِجِيَّةِ، فَفَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَنَّ اللَّهَ شَرَحَ قَلْبَهُ بِالْإِسْلَامِ، وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: شَرْحُ صَدره أَن ملىء عِلْمًا وَحُكْمًا، وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: شَرَحَ صَدْرَهُ بِنُورِ الرِّسَالَةِ،
стр. 10828
وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَنَسَبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إِلَى الْجُمْهُورِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الشَّرْحُ شَرْحًا بَدَنِيًّا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسَّرَ بِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ صَنِيعِ التِّرْمِذِيِّ إِذْ أَخْرَجَ حَدِيثَ شَقِّ الصَّدْرِ الشَّرِيفِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَتَكُونُ الْآيَةُ
إِشَارَةً إِلَى مَرْوِيَّاتٍ فِي شَقِّ صَدْرِهِ ﷺ شَقًّا قُدُسِيًّا، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ بَعْضُ خَبَرِهِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» ، وَالْمَرْوِيُّ مُطَوَّلًا فِي السِّيرَةِ وَالْمَسَانِيدِ، فَوَقَعَ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَنَّهُ كَانَ فِي رُؤْيَا النَّوْمِ وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ كَانَ يَقَظَةً وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي «الْبُخَارِيِّ» ، وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» أَنَّهُ يَقَظَةٌ وَبِمَرْأًى مِنْ غِلْمَانٍ أَتْرَابِهِ،
وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ أَثَرَ الشَّقِّ فِي جِلْدِ صَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ ،
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ كَانَ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ،
وَالرِّوَايَاتُ مُخْتَلِفَةٌ فِي زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ مَعَ اتِّفَاقِهَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ. وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ حَمَلَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ شَقَّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ إِلَى أَرْبَعٍ، مِنْهَا حِينَ كَانَ عِنْدَ حَلِيمَةَ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ الشَّقَّ كَانَ وَعُمُرُ النَّبِيءِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ.
وَالَّذِي فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْمِعْرَاجِ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَلَعَلَّ بَعْضَهَا كَانَ رُؤْيَا وَبَعْضَهَا حِسًّا. وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الشَّرْحُ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ، وَإِذْ قد كَانَ ذَاك الشَّقُّ مُعْجِزَةً خَارِقَةً لِلْعَادَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا وَهُوَ مَا نَحَّاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْأَحْكَامِ» ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ الصَّدْرُ قَدْ أُطْلِقَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَهُوَ الْبَاطِنُ الْحَاوِي لِلْقَلْبِ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ فَسَّرَ الصَّدْرَ بِالْقَلْبِ حَكَاهُ عِيَاضٌ فِي «الشِّفَا» ، يُشِيرُ إِلَى مَا جَاءَ فِي خَبَرِ شَقِّ الصَّدْرِ مِنْ إِخْرَاجِ قَلْبِهِ وَإِزَالَةِ مَقَرِّ الْوَسْوَسَةِ مِنْهُ، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ لِلشَّرْحِ يُفِيدُ أَنَّهُ إِيقَاعُ مَعْنًى عَظِيمٍ لِنَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ إِمَّا مُبَاشَرَةً وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ مغزاه كَمَا لايخفى.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لَكَ لَامُ التَّعْلِيلِ، وَهُوَ يُفِيدُ تَكْرِيمًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأَنَّ اللَّهَ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِهِ.
وَفِي ذِكْرِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ قَبْلَ ذِكْرِ الْمَشْرُوحِ سُلُوكُ طَرِيقَةِ الْإِبْهَامِ لِلتَّشْوِيقِ فَإِنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ فِعْلُ نَشْرَحْ عَلِمَ السَّامِعُ أَنَّ ثَمَّ مَشْرُوحًا، فَلَمَّا وَقَعَ قَوْلُهُ: لَكَ قوي الْإِبْهَام فازداد التَّشْوِيقُ، لِأَنَّ لَكَ يُفِيدُ مَعْنَى شَيْئًا لِأَجْلِكَ فَلَمَّا وَقَعَ بَعْدَهُ قَوْلُهُ
стр. 10829
: «صَدْرَكَ» تَعَيَّنَ الْمَشْرُوحُ الْمُتَرَقَّبُ فَتَمَكَّنَ فِي الذِّهْنِ كَمَالَ تَمَكُّنٍ، وَهَذَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي «الْكَشَّافِ» وَقَفَّى عَلَيْهِ صَاحِبُ «الْمِفْتَاحِ» فِي مَبْحَثِ الْإِطْنَابِ.
وَالْوِزْرُ: الْحَرَجُ، وَوَضْعُهُ: حَطُّهُ عَنْ حَامِلِهِ، وَالْكَلَامُ تَمْثِيلٌ لِحَالِ إِزَالَةِ الشَّدَائِدِ وَالْكُرُوبِ بِحَالِ مَنْ يَحُطُّ ثِقْلًا عَنْ حَامِلِهِ لِيُرِيحَهُ مِنْ عَنَاءِ الثِّقَلِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ أَزَالَ عَنْهُ كُلَّ مَا كَانَ يَتَحَرَّجُ مِنْهُ مِنْ عَادَاتِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي لَا
تُلَائِمُ مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَفسه من الزَّكَاة وَالسُّمُوِّ وَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ مُسَايَرَتِهِمْ عَلَيْهِ فَوَضَعَ عَنْهُ ذَلِكَ حِينَ أَوْحَى إِلَيْهِ بِالرِّسَالَةِ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ يَجِدُهُ فِي أَوَّلِ بِعْثَتِهِ مِنْ ثِقَلِ الْوَحْيِ فَيَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَى قَوْلِهِ: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى [الْأَعْلَى: ٦- ٨] .
وأَنْقَضَ جَعَلَ الشَّيْءَ ذَا نَقِيضٍ، وَالنَّقِيضُ صَوْتُ صَرِيرِ الْمَحْمِلِ وَالرَّحْلِ وَصَوْتُ عِظَامِ الْمَفَاصِلِ، وَفَرْقَعَةُ الْأَصَابِعِ، وَفِعْلُهُ الْقَاصِرُ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَيُعَدَّى بِالْهَمْزَةِ.
وَإِسْنَادُ أَنْقَضَ إِلَى الْوِزْرِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، وَتَعْدِيَتُهُ إِلَى الظَّهْرِ تَبَعٌ لِتَشْبِيهِ الْمَشَقَّةِ بِالْحَمْلِ، فَالتَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِمُتَجَشِّمِ الْمَشَاقِّ الشَّدِيدَةِ، بِالْحَمُولَةِ الْمُثْقَلَةِ بِالْإِجْمَالِ تَثْقِيلًا شَدِيدًا حَتَّى يُسْمَعَ لِعِظَامِ ظَهْرِهَا فَرْقَعَةٌ وَصَرِيرٌ. وَهُوَ تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ قَابِلٌ لِتَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ عَلَى أَجْزَائِهِ.
وَوَصْفُ الْوِزْرِ بِهَذَا الْوَصْفِ تَكْمِيلٌ لِلتَّمْثِيلِ بِأَنَّهُ وِزْرٌ عَظِيمٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِ: أَنْقَضَ ظَهْرَكَ اتِّصَالُ حَرْفَيِ الضَّادِ وَالظَّاءِ وَهُمَا مُتَقَارِبَا الْمَخْرَجِ فَرُبَّمَا يَحْصُلُ مِنَ النُّطْقِ بِهِمَا شَيْءٌ مِنَ الثِّقَلِ عَلَى اللِّسَانِ وَلَكِنَّهُ لَا يُنَافِي الْفَصَاحَةَ إِذْ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ مَا يُسَمَّى بِتَنَافُرِ الْكَلِمَاتِ بَلْ مِثْلُهُ مُغْتَفَرٌ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ. وَالْعَرَبُ فُصَحَاءُ الْأَلْسُنِ فَإِذَا اقْتَضَى نَظْمُ الْكَلَامِ وُرُودَ مِثْلِ هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ الْمُتَقَارِبَيْنِ لَمْ يَعْبَأِ الْبَلِيغُ بِمَا يَعْرِضُ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا مِنْ بَعْضِ الثِّقَلِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَسَبِّحْهُ [الْإِنْسَان: ٢٦] فِي اجْتِمَاعِ الْحَاءِ مَعَ الْهَاءِ، وَذَلِكَ حَيْثُ لَا يَصِحُّ الْإِدْغَامُ. وَقَدْ أَوْصَى عُلَمَاءُ التَّجْوِيدِ بِإِظْهَارِ الضَّادِ مَعَ الظَّاءِ إِذَا تَلَاقَيَا كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَوْلِهِ: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ [الْفرْقَان:
٢٧] وَلَهَا نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ.
стр. 10830
وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الْمُشْتَهَرَةُ وَلم يزل الْأَئِمَّة فِي الْمَسَاجِدِ يَتَوَخَّوْنَ الْحَذَرَ مِنْ إِبْدَالِ أَحَدِ هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ بِالْآخَرِ لِلْخِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ اللَّحَّانِ وَمَنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ مُطْلَقًا أَوْ إِذَا كَانَ عَامِدًا إِذَا كَانَ فَذًّا وَفِي بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ خَلْفَهُ أَيْضًا إِذَا كَانَ اللَّاحِنُ إِمَامًا.
وَرَفْعُ الذِّكْرِ: جَعْلُ ذِكْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَذَلِكَ بِمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ ثَنَاءً عَلَيْهِ وَكَرَامَةً. وَبِإِلْهَامِ النَّاسِ التَّحَدُّثَ بِمَا جَبَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَحَامِدِ مُنْذُ نَشْأَتِهِ.
وَعَطْفُ وَوَضَعْنا ورَفَعْنا بِصِيغَةِ الْمُضِيِّ عَلَى فِعْلِ نَشْرَحْ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِأَنَّ (لَمْ) قَلَبَتْ زَمَنَ الْحَالِ إِلَى الْمُضِيِّ فَعُطِفَ عَلَيْهِ الْفِعْلَانِ بِصِيغَةِ الْمُضِيِّ لِأَنَّهُمَا دَاخِلَانِ
فِي حَيِّزِ التَّقْرِيرِ فَلَمَّا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِمَا حَرْفُ (لَمْ) صُيِّرَ بِهِمَا إِلَى مَا تُفِيدُهُ (لَمْ) مِنْ مَعْنَى الْمُضِيِّ.
وَالْآيَةُ تُشِيرُ إِلَى أَحْوَالٍ كَانَ النَّبِيءُ ﷺ فِي حَرَجٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ فِي حَرَجٍ، وَأَنَّ اللَّهَ كَشَفَ عَنْهُ مَا بِهِ مِنْ حَرَجٍ مِنْهَا أَوْ هَيَّأَ نَفْسَهُ لِعَدَمِ النَّوْءِ بِهَا.
وَكَانَ النَّبِيءُ ﷺ يَعْلَمُهَا كَمَا أَشْعَرَ بِهِ إِجْمَالُهَا فِي الِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ الْمُقْتَضِي عِلْمَ الْمُقَرَّرِ بِمَا قُرِّرَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ تَفْصِيلَهَا فِيمَا سَبَقَ فِي سُورَةِ الضُّحَى فَلَعَلَّهَا كَانَتْ مِنْ أَحْوَالِ كَرَاهِيَتِهِ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ نَبْذِ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَمِنْ مَسَاوِي الْأَعْمَالِ.
وَكَانَ فِي حَرَجٍ مِنْ كَوْنِهِ بَيْنَهُمْ وَلَا يَسْتَطِيعُ صَرْفَهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ وَلَمْ يكن يترقب طريقها لِأَنْ يَهْدِيَهُمْ أَوْ لَمْ يَصِلْ إِلَى مَعْرِفَةِ كُنْهِ الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَطْمَعْ إِلَّا فِي خُوَيْصَّةِ نَفْسِهِ يَوَدُّ أَنْ يَجِدَ لِنَفْسِهِ قَبَسَ نُورٍ يُضِيءُ لَهُ سَبِيلَ الْحَقِّ مِمَّا كَانَ بَاعِثًا لَهُ عَلَى التَّفَكُّرِ وَالْخَلْوَةِ وَالِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ، فَكَانَ يَتَحَنَّثُ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَلَمَّا انْتَشَلَهُ اللَّهُ مِنْ تِلْكَ الْوَحْلَةِ بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ كَانَ ذَلِكَ شَرْحًا مِمَّا كَانَ يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ يَوْمَئِذٍ، فَانْجَلَى لَهُ النُّورُ، وَأُمِرَ بِإِنْقَاذِ قَوْمِهِ وَقَدْ يَظُنُّهُمْ طُلَّابَ حَقٍّ وَأَزْكِيَاءَ نُفُوسٍ فَلَمَّا قَابَلُوا إِرْشَادَهُ بِالْإِعْرَاضِ وَمُلَاطَفَتَهُ لَهُمْ بِالِامْتِعَاضِ، حَدَثَ فِي صَدْرِهِ ضِيقٌ آخَرُ أَشَارَ إِلَى مثل قَوْلُهُ تَعَالَى: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشُّعَرَاء: ٣] وَذَلِكَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي شَأْنِهِ رَبْطُ جَأْشِهِ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [الْبَقَرَة: ٢٧٢] فَكُلَّمَا نَزَلَ
стр. 10831
عَلَيْهِ وَحْيٌ مِنْ هَذَا أَكْسَبَهُ شَرْحًا لِصَدْرِهِ، وَكَانَ لِحِمَايَةِ أَبِي طَالِبٍ إِيَّاهُ وَصَدِّهِ قُرَيْشًا عَنْ أَذَاهُ منفس عَنهُ، وَأَقْوَى مُؤَيِّدٍ لَهُ لِدَعْوَتِهِ يَنْشَرِحُ لَهُ صَدْرُهُ. وَكُلَّمَا آمَنَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ تَزَحْزَحَ بَعْضُ الضِّيقِ عَنْ صَدْرِهِ، وَكَانَتْ شِدَّةُ قُرَيْشٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يَضِيقُ لَهَا صَدْرُهُ فَكُلَّمَا خَلَصَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ بِنَحْوِ عِتْقِ الصِّدِّيقِ بِلَالًا وَغَيْرَهُ، وَبِمَا بَشَّرَهُ اللَّهُ مِنْ عَاقِبَةِ النَّصْرِ لَهُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ تَصْرِيحًا وَتَعْرِيضًا نَحْوَ قَوْلِهِ فِي السُّورَةِ قَبْلَهَا:
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضُّحَى: ٥] فَذَلِكَ مِنَ الشَّرْحِ الْمُرَادِ هُنَا. وَجُمَّاعُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ تَجَلِّيَاتِ هَذَا الشَّرْحِ عَدِيدَةٌ وَأَنَّهَا سِرٌّ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ رَسُولِهِ ﷺ الْمُخَاطَبِ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَأَمَّا وَضْعُ الْوِزْرِ عَنْهُ فَحَاصِلٌ بِأَمْرَيْنِ: بِهِدَايَتِهِ إِلَى الْحَقِّ الَّتِي أَزَالَتْ حَيْرَتَهُ بِالتَّفَكُّرِ فِي حَالِ قَوْمِهِ وَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [الضُّحَى: ٧] وَبِكِفَايَتِهِ مُؤْنَةَ كُلَفِ عَيْشِهِ الَّتِي قَدْ تَشْغَلُهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الْأُنْسِ بِالْفِكْرَةِ فِي صَلَاحِ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَا
أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [الضُّحَى: ٨] .
وَرَفْعُ الذِّكْرِ مَجَازٌ فِي إِلْهَامِ النَّاسِ لِأَنْ يَذْكُرُوهُ بِخَيْرٍ، وَذَلِكَ بِإِيجَادِ أَسْبَابِ تِلْكَ السُّمْعَةِ حَتَّى يَتَحَدَّثَ بِهَا النَّاسُ، اسْتُعِيرَ الرَّفْعُ لِحُسْنِ الذِّكْرِ لِأَنَّ الرَّفْعَ جَعْلُ الشَّيْءِ عَالِيًا لَا تَنَالُهُ جَمِيعُ الْأَيْدِي وَلَا تَدُوسُهُ الْأَرْجُلُ. فَقَدْ فَطَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى مَكَارِمَ يَعِزُّ وُجُودُ نَوْعِهَا وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ شَأْوَ مَا بَلَغَهُ مِنْهَا حَتَّى لُقِّبَ فِي قَوْمِهِ بِالْأَمِينِ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ١٩- ٢١] مُرَادٌ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ .
وَمِنْ عَظِيمِ رَفْعِ ذِكْرِهِ أَنَّ اسْمَهُ مُقْتَرِنٌ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ.
وَرُوِيَ هَذَا التَّفْسِيرُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ وَأَبِي يَعْلَى قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَأَخْرَجَهُ عِيَاض فِي «الشِّفَاء» بِدُونِ سَنَدٍ. وَالْقَوْلُ فِي ذِكْرِ كَلِمَةِ لَكَ مَعَ وَرَفَعْنا كَالْقَوْلِ فِي ذِكْرِ نَظِيرِهَا مَعَ قَوْلِهِ: أَلَمْ نَشْرَحْ وَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ مَعَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ بِأَن يُقَال: ووضعنا لَك وِزْرَكَ لِلِاسْتِغْنَاءِ بِقَوْلِهِ: عَنْكَ فَإِنَّهُ فِي إِفَادَةِ الْإِبْهَامِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ مُسَاوٍ لِكَلِمَةِ لَكَ،
стр. 10832
وَهِيَ فِي إِفَادَةِ الْعِنَايَةِ بِهِ تُسَاوِي كَلِمَةَ لَكَ، لِأَنَّ فِعْلَ الْوَضْعِ الْمُعَدَّى إِلَى الْوِزْرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَضْعَ عَنْهُ فَكَانَتْ زِيَادَةُ عَنْكَ إِطْنَابًا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنَايَةٌ بِهِ نَظِيرَ قَوْلِهِ: لَكَ الَّذِي قَبْلَهُ، فَحَصَلَ بِذِكْرِ عَنْكَ إِيفَاءٌ إِلَى تَعْدِيَةِ فِعْلِ وَضَعْنا مَعَ الْإِيفَاءِ بِحَقِّ الْإِبْهَامِ ثمَّ الْبَيَان.
[٥- ٦]
[سُورَة الشَّرْح (٩٤) : الْآيَات ٥ إِلَى ٦]
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦)
الْفَاءُ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ كَلَامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَامُ التَّقْرِيرِيُّ هُنَا، أَيْ إِذَا عَلِمْتَ هَذَا وَتَقَرَّرَ، تَعْلَمُ أَنْ الْيُسْرَ مُصَاحِبٌ لِلْعُسْرِ، وَإِذْ كَانَ الْيُسْرُ نَقِيضَ الْعُسْرِ كَانَتْ مُصَاحَبَةُ الْيُسْرِ لِلْعُسْرِ مُقْتَضِيَةً نَقْضَ تَأْثِيرِ الْعُسْرِ وَمُبْطِلَةً لِعَمَلِهِ، فَهُوَ كِنَايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ بِهِ فِيمَا سَبَقَ، وَتَعْرِيضٌ بِالْوَعْدِ بِاسْتِمْرَارِ ذَلِكَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ.
وَسِيَاقُ الْكَلَامِ وَعْدٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأَنْ يُيَسِّرَ اللَّهُ لَهُ الْمَصَاعِبَ كُلَّمَا عَرَضَتْ لَهُ، فَالْيُسْرُ لَا يَتَخَلَّفُ عَنِ اللَّحَاقِ بِتِلْكَ الْمَصَاعِبِ، وَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ كَلِمَةِ مَعَ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُصَاحَبَةِ.
وَكَلِمَةُ مَعَ هُنَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي غَيْرِ حَقِيقَةِ مَعْنَاهَا لِأَنَّ الْعُسْرَ وَالْيُسْرَ نَقِيضَانِ فَمُقَارَنَتُهُمَا مَعًا مُسْتَحِيلَةٌ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمَعِيَّةَ مُسْتَعَارَةٌ لِقُرْبِ حُصُولِ الْيُسْرِ عَقِبَ حُلُولِ الْعُسْرِ أَوْ ظُهُورِ بَوَادِرِهِ، بِقَرِينَةِ اسْتِحَالَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْمَعِيَّةِ. وَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ [٧] .
فَهَذِهِ الْآيَةُ فِي عُسْرٍ خَاصٍّ يَعْرِضُ لِلنَّبِيءِ ﷺ ، وَآيَةُ سُورَةِ الطَّلَاقِ عَامَّةٌ، وَلِلْبَعْدِيَّةِ فِيهَا مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ.
فَالتَّعْرِيفُ فِي الْعُسْرِ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ، أَيِ الْعُسْرُ الَّذِي عَهِدْتَهُ وَعَلِمْتَهُ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُسَمِّيهِ نُحَاةُ الْكُوفَةِ بِأَنَّ (أَلْ) فِيهِ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [النازعات: ٤١] أَيْ فَإِنَّ مَعَ عُسْرِكَ يُسْرًا، فَتَكُونُ السُّورَةُ كُلُّهَا مَقْصُورَةً عَلَى بَيَانِ كَرَامَةِ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ رَبِّهِ تَعَالَى.
стр. 10833
وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيئَهُ ﷺ بِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْأُمُورَ الْعَسِرَةَ عَلَيْهِ يَسِرَةً لَهُ وَهُوَ مَا سَبَقَ وَعْدَهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى [الْأَعْلَى: ٨] .
وَحَرْفُ (إِنَّ) لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يُسْتَغْنَ بِهَا عَنِ الْفَاءِ كَمَا يَقُولُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ: (إِنَّ) تُغْنِي غَنَاءَ فَاءِ التَّسَبُّبِ، لِأَنَّ الْفَاءَ هُنَا أُرِيدَ بِهَا الْفَصِيحَةُ مَعَ التَّسَبُّبِ فَلَوِ اقْتُصِرَ عَلَى حَرْفِ (إِنَّ) لَفَاتَ مَعْنَى الْفَصِيحَةِ.
وَتَنْكِيرُ يُسْراً لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ مَعَ الْعُسْرِ الْعَارِضِ لَكَ تَيْسِيرًا عَظِيمًا يَغْلِبُ الْعُسْرَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا وَعْدًا لِلنَّبِيءِ ﷺ وَلِأُمَّتِهِ لِأَنَّ مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ عُسْرٍ إِنَّمَا يَعْرِضُ لَهُ فِي شؤون دَعْوَتِهِ لِلدِّينِ وَلِصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «أَبْشِرُوا أَتَاكُمُ الْيُسْرُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»
فَاقْتَضَى أَنَّ الْآيَةَ غَيْرُ خَاصَّةٍ بِالنَّبِيءِ ﷺ بَلْ تَعُمُّهُ وَأُمَّتَهُ. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعًا مِنَ الرُّومِ وَمَا يَتَخَوَّفُ مِنْهُمْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ مَهْمَا يَنْزِلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ مَنْزِلِ شِدَّةٍ يَجْعَلِ اللَّهُ بَعْدَهُ فَرَجًا وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَزَّارُ فِي «مُسْنَدِهِ» عَنْ عَائِذِ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ
مَالِكٍ يَقُولُ: «كَانَ النَّبِيءُ ﷺ جَالِسًا وَحِيَالَهُ حَجَرٌ، فَقَالَ: لَوْ جَاءَ الْعُسْرُ فَدَخَلَ هَذَا الْحَجَرَ لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ إِلَّا عَائِذَ بْنَ شُرَيْحٍ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: فِي حَدِيثِ عَائِذِ بْنِ شُرَيْحٍ ضَعْفٌ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [الشَّرْح: ٤] وَجُمْلَةِ: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ [الشَّرْح: ٧] تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ اللَّهَ لِطَيْفٌ بِعِبَادِهِ فَقَدَّرَ أَنْ لَا يَخْلُوَ عُسْرٌ مِنْ مُخَالَطَةِ يُسْرٍ وَأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَهَلَكَ النَّاسُ قَالَ تَعَالَى وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ [النَّحْل: ٦١] .
стр. 10834
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقْتُ عُسْرًا وَاحِدًا وَخَلَقْتُ يُسْرَيْنِ وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ اهـ.
وَالْعُسْرُ: الْمَشَقَّةُ فِي تَحْصِيلِ الْمَرْغُوبِ وَالْعَمَلِ الْمَقْصُودِ.
وَالْيُسْرُ ضِدُّهُ وَهُوَ: سُهُولَةُ تَحْصِيلِ الْمَرْغُوبِ وَعَدَمُ التَّعَبِ فِيهِ.
وَجُمْلَةُ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً وَفَائِدَةُ هَذَا التَّأْكِيدِ تَحْقِيقُ اطِّرَادِ هَذَا الْوَعْدِ وَتَعْمِيمُهُ لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَجِيبٌ.
وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ جَعَلَ الْيُسْرَ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى يُسْرَ الدُّنْيَا وَفِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ يُسْرَ الْآخِرَةِ وَأُسْلُوبُ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَمَحِّضٌ لِكَوْنِ الثَّانِيَةِ تَأْكِيدًا.
هَذَا
وَقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ : «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»
قَدِ ارْتَبَطَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَصُرِّحَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ بِأَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَئِذٍ وَتَضَافَرَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى انْتِزَاعِ ذَلِكَ مِنْهَا فَوَجَبَ التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ، وَشَاعَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ تَعْرِيفِ كَلِمَةِ الْعُسْرِ وَإِعَادَتِهَا مُعَرَّفَةً وَمن تنكير كملة «يُسْرٍ» وَإِعَادَتِهَا مُنَكَّرَةً، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّفْظَ النَّكِرَةَ إِذَا أُعِيدَ نَكِرَةً فَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ وَإِذَا أُعِيدَ اللَّفْظُ مَعْرِفَةً فَالثَّانِي عَيْنُ الْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦] .
وَبِنَاءُ كَلَامِهِمْ عَلَى قَاعِدَةِ إِعَادَةِ النَّكِرَةِ مَعْرِفَةً خَطَأٌ لِأَنَّ تِلْكَ الْقَاعِدَةَ فِي إِعَادَةِ النَّكِرَةِ مَعْرِفَةً لَا فِي إِعَادَةِ الْمَعْرِفَةِ مَعْرِفَةً وَهِيَ خَاصَّةٌ بِالتَّعْرِيفِ بِلَامِ الْعَهْدِ دُونَ لَامِ الْجِنْسِ، وَهِيَ أَيْضًا فِي إِعَادَةِ اللَّفْظِ فِي جُمْلَةٍ أُخْرَى وَالَّذِي فِي الْآيَةِ لَيْسَ بِإِعَادَةِ لَفْظٍ فِي كَلَامٍ ثَانٍ بَلْ
هِيَ تَكْرِيرٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، فَلَا يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ إِلَى هَذَا الْمَأْخَذِ، وَقَدْ أَبْطَلَهُ مِنْ قَبْلُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ الْجُرْجَانِيُّ (١) فِي كِتَابِ «النَّظْمِ» كَمَا فِي стр. 10835
«مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ» . وَأَبْطَلَهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» أَيْضًا، وَجَعَلَ ابْنُ هِشَامٍ فِي «مُغْنِي اللَّبِيبِ» تِلْكَ الْقَاعِدَةَ خَطَأً.
وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي تَقْرِيرِ مَعْنَى
قَوْلِهِ: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»
أَنَّ جُمْلَةَ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً وَمِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَأْكِيدِ الْجُمْلَةِ فِي مِثْلِهِ هُوَ تَأْكِيدُ الْحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ هُوَ ثُبُوتُ الْتِحَاقِ الْيُسْرِ بِالْعُسْرِ عِنْدَ حُصُولِهِ، فَكَانَ التَّأْكِيدُ مُفِيدًا تَرْجِيحَ أَثَرِ الْيُسْرِ عَلَى أَثَرِ الْعُسْرِ، وَذَلِكَ التَّرْجِيحُ عُبِّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فِي قَوْلِهِ: «يُسْرَيْنِ» ، فَالتَّثْنِيَةُ هُنَا كِنَايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنِ التَّغَلُّبِ وَالرُّجْحَانِ فَإِنَّ التَّثْنِيَةَ قَدْ يُكَنَّى بِهَا عَنِ التَّكْرِيرِ الْمُرَادِ مِنْهُ التَّكْثِيرُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ [الْملك: ٤] أَيِ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَثِيرًا لِأَنَّ الْبَصَرَ لَا يَنْقَلِبُ حَسِيرًا مِنْ رَجْعَتَيْنِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْعَرَبِ: لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَدَوَالَيْكَ» وَالتَّكْرِيرُ يَسْتَلْزِمُ قُوَّةَ الشَّيْءِ الْمُكَرَّرِ فَكَانَتِ الْقُوَّةُ لَازِمَ لَازِمِ التَّثْنِيَةِ وَإِذَا تَعَدَّدَتِ اللَّوَازِمُ كَانَتِ الْكِنَايَةُ رَمْزِيَّةً.
وَلَيْسَ ذَلِكَ مُسْتَفَادًا مِنْ تَعْرِيفِ الْعُسْرِ بِاللَّامِ وَلَا مِنْ تَنْكِيرِ «الْيُسْرِ» وإعادته مُنْكرا.
[٧]
[سُورَة الشَّرْح (٩٤) : آيَة ٧]
فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)
تَفْرِيعٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِاللُّطْفِ وَالْعِنَايَةِ وَوَعْدِهِ وبتيسير مَا هُوَ عَسِيرٌ عَلَيْهِ فِي طَاعَتِهِ الَّتِي أَعْظَمُهَا تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ دُونَ مَلَلٍ وَلَا ضَجَرٍ.
وَالْفَرَاغُ: خُلُوُّ بَاطِنِ الظَّرْفِ أَوِ الْإِنَاءِ لِأَنَّ شَأْنَهُ أَنْ يُظْرَفَ فِيهِ.
وَفِعْلُ فَرَغَ يُفِيدُ أَنَّ فَاعِلَهُ كَانَ مَمْلُوءًا بِشَيْءٍ، وَفَرَاغُ الْإِنْسَانِ. مَجَازٌ فِي إِتْمَامِهِ مَا شَأْنُهُ أَنْ يَعْمَلَهُ.
وَلَمْ يُذْكَرْ هُنَا مُتَعَلَّقُ فَرَغْتَ وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَازم أَعمال يعلمهَا
الرَّسُولُ ﷺ كَمَا أَنَّ مَسَاقَ السُّورَةِ فِي تَيْسِيرِ مَصَاعِبِ الدَّعْوَةِ وَمَا يَحُفُّ بِهَا. فَالْمَعْنَى إِذَا أَتْمَمْتَ عَمَلًا مِنْ مَهَامِّ الْأَعْمَالِ فَأَقْبِلْ عَلَى عَمَلٍ آخَرَ بِحَيْثُ يَعْمُرُ أَوْقَاتَهُ
стр. 10836
كُلَّهَا بِالْأَعْمَالِ الْعَظِيمَةِ. وَمِنْ هُنَا
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ قُفُولِهِ مِنْ إِحْدَى غَزَوَاتِهِ: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ»
، فَالْمَقْصُودُ بِالْأَمْرِ هُوَ فَانْصَبْ وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِذا فَرَغْتَ فَتَمْهِيدٌ وَإِفَادَةٌ لِإِيلَاءِ الْعَمَلِ بِعَمَلٍ آخَرَ فِي تَقْرِيرِ الدِّينِ وَنَفْعِ الْأُمَّةِ. وَهَذَا مِنْ صِيَغِ الدَّلَالَةِ عَلَى تَعَاقُبِ الْأَعْمَالِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ: مَا تَأْتِينِي مِنْ فُلَانٍ صِلَةٌ إِلَّا أَعْقَبَتْهَا أُخْرَى.
وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ فِي تَعْيِينِ الْمَفْرُوغِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافٌ فِي الْأَمْثِلَةِ فَحَذْفُ الْمُتَعَلَّقِ هُنَا لِقَصْدِ الْعُمُومِ وَهُوَ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ لِنَوْعٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا السِّيَاقُ لِيَشْمَلَ كُلُّ مُتَعَلَّقٍ عَمَلَهُ مِمَّا هُوَ مُهِمٌّ كَمَا عَلِمْتَ وَهُوَ أَعْلَمُ بِتَقْدِيمِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ عَلَى بَعْضٍ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ اجْتِمَاعُ كَثِيرٍ مِنْهَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ كَمَا أَقَرَّ اللَّهُ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ مَعَ الشُّغْلِ بِالْجِهَادِ بِقَوْلِهِ: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ إِلَى قَوْلِهِ: كِتاباً مَوْقُوتاً فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [١٠٢، ١٠٣] .
وَهَذَا الْحُكْمُ يَنْسَحِبُ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ مُمْكِنٍ مِنْ أَعْمَالِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ مِثْلَ قِيَامِ اللَّيْلِ وَالْجِهَادِ عِنْدَ تَقَوِّي الْمُسْلِمِينَ وَتَدْبِيرِ أُمُورِ الْأُمَّةِ.
وَتَقْدِيمُ فَإِذا فَرَغْتَ عَلَى فَانْصَبْ لِلِاهْتِمَامِ بِتَعْلِيقِ الْعَمَلِ بِوَقْتِ الْفَرَاغِ مِنْ غَيْرِهِ لِتَتَعَاقَبَ الْأَعْمَالُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الْقُرْآنِيَّةِ لِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَة الْمعَانِي.
[٨]
[سُورَة الشَّرْح (٩٤) : آيَة ٨]
وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)
عُطِفَ عَلَى تَفْرِيعِ الْأَمْرِ بِالشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ أَمْرٌ بِطَلَبِ اسْتِمْرَارِ نِعَمِ الله تَعَالَى عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إِبْرَاهِيم: ٧] .
وَالرَّغْبَةُ: طَلَبُ حُصُولِ مَا هُوَ مَحْبُوبٌ وَأَصْلُهُ أَنْ يُعَدَّى إِلَى الْمَطْلُوبِ مِنْهُ بِنَفْسِهِ وَيُعَدَّى إِلَى الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ بِ (فِي) . وَيُقَالُ: رَغِبَ عَنْ كَذَا بِمَعْنَى صَرَفَ رَغْبَتَهُ عَنْهُ بِأَنْ رَغِبَ فِي غَيْرِهِ وَجُعِلَ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [النِّسَاء: ١٢٧] بِتَقْدِيرِ حَرْفِ
стр. 10837
الْجَرِّ الْمَحْذُوفِ قَبْلَ حَرْفِ (أَنْ) هُوَ حَرْفُ (عَنْ) . وَذَلِكَ تَأْوِيلُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ.
وَأَمَّا تَعْدِيَةُ فِعْلِ فَارْغَبْ هُنَا بِحَرْفِ إِلى فَلِتَضْمِينِهِ مَعْنَى الْإِقْبَالِ وَالتَّوَجُّهِ تَشْبِيهًا
بِسَيْرِ السَّائِرِ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ حَاجَتُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ: وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي [الصافات: ٩٩] .
وَتَقْدِيمُ إِلَى رَبِّكَ عَلَى فَارْغَبْ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ، أَيْ إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيْرِهِ تَكُونُ رَغْبَتُكُ فَإِنَّ صِفَةَ الرِّسَالَةِ أَعْظَمُ صِفَاتِ الْخَلْقِ فَلَا يَلِيقُ بِصَاحِبِهَا أَنْ يَرْغَبَ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَحُذِفَ مَفْعُولُ «ارْغَبْ» لِيَعُمَّ كُلَّ مَا يَرْغَبُهُ النَّبِيءُ ﷺ وَهَلْ يَرْغَبُ النَّبِيءُ إِلَّا فِي الْكَمَالِ النَّفْسَانِيِّ وَانْتِشَارِ الدِّينِ وَنَصْرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْله: فَانْصَبْ [الشَّرْح: ٧] وَقَوله: فَارْغَبْ رَابِطَةٌ لِلْفِعْلِ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْمَعْمُولِ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الِاشْتِرَاطِ وَالتَّقْيِيدِ فَإِنَّ تَقْدِيمَ الْمَعْمُولِ لَمَّا أَفَادَ الِاخْتِصَاصَ نَشَأَ مِنْهُ مَعْنَى الِاشْتِرَاطِ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ قَالَ تَعَالَى: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [الزمر: ٦٦] وَقَالَ: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر: ٣- ٥] ، وَفِي تَقْدِيمِ الْمَجْرُورِ قَالَ تَعَالَى: وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [المطففين: ٢٦]
وَقَالَ النَّبِيءُ ﷺ لِمَنْ سَأَلَ مِنْهُ أَنْ يَخْرُجَ لِلْجِهَادِ: «أَلَكَ أَبَوَانِ؟ قَالَ: نعم: فَقَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ»
. بَلْ قَدْ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الشَّرْطِ فِي الْإِعْرَابِ كَمَا
رُوِيَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ : «كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكُمْ»
بِجَزْمِ الْفِعْلَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا فِي سُورَةِ يُونُسَ [٥٨] .
وَذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنْ «أَمَالِي السَّيِّدِ» (يَعْنِي ابْنَ الشَّجَرِيِّ) أَنَّ اجْتِمَاعَ الْفَاءِ وَالْوَاوِ هُنَا مِنْ أَعْجَبِ كَلَامِهِمْ لِأَنَّ الْفَاءَ تَعْطِفُ أَوْ تَدْخُلُ فِي الْجَوَابِ وَمَا أَشْبَهَ الْجَوَابَ بِالِاسْمِ النَّاقِصِ، أَوْ فِي صِلَةِ الْمَوْصُولِ الْفِعْلِيَّةِ (لِشَبَهِهَا بِالْجَوَابِ) ، وَهِيَ هُنَا خَارِجَةٌ عَمَّا وُضِعَتْ لَهُ اهـ.
وَلَا يَبْقَى تَعَجُّبٌ بَعْدَ مَا قَرَّرْنَاهُ.
стр. 10838
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩٥- سُورَةُ التِّينِ
سُمِّيَتْ فِي مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَمُعْظَمِ الْمَصَاحِفِ «سُورَةَ وَالتِّينِ» بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ تَسْمِيَةً بِأَوَّلِ كَلِمَةٍ فِيهَا. وَسَمَّاهَا بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ «سُورَةَ التِّين» بِدُونِ وَاو لِأَنَّ فِيهَا لَفْظَ «التِّينِ» كَمَا قَالُوا: «سُورَةُ الْبَقَرَةِ» وَبِذَلِكَ عَنْوَنَهَا التِّرْمِذِيُّ وَبَعْضُ الْمَصَاحِفِ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَا أَعْرِفُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي «الْإِتْقَانِ» فِي عِدَادِ السُّوَرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا. وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، وَنُسِبَ أَيْضًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ مَكِّيَّةٌ.
وَعُدَّتِ الثَّامِنَةَ وَالْعِشْرِينَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْبُرُوجِ وَقَبْلَ سُورَةِ الْإِيلَافِ.
وَعَدَدُ آياتها ثَمَان.
أغراضها
احْتَوَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى التَّنْبِيهِ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَى الْفِطْرَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ لِيَعْلَمُوا أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْفِطْرَةُ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [الرّوم: ٣٠] وَأَنَّ مَا يُخَالِفُ أُصُولَهُ بِالْأَصَالَةِ أَوْ بِالتَّحْرِيفِ فَسَادٌ وَضَلَالٌ، وَمُتَّبِعِي مَا يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ أَهْلُ ضَلَالَةٍ.
وَالتَّعْرِيضِ بِالْوَعِيدِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِالْإِسْلَامِ.
стр. 10839
وَالْإِشَارَةِ بِالْأُمُورِ الْمُقْسَمِ بِهَا إِلَى أَطْوَارِ الشَّرَائِعِ الْأَرْبَعَةِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ مُصَدِّقًا لَهَا وَأَنَّهَا مُشَارِكَةٌ أُصُولُهَا لِأُصُولِ دِينِ الْإِسْلَامِ.
وَالتَّنْوِيهِ بِحُسْنِ جَزَاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْإِسْلَامَ فِي أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ.
وَشَمِلَتِ الِامْتِنَانَ عَلَى الْإِنْسَانِ بِخَلْقِهِ عَلَى أَحْسَنِ نِظَامٍ فِي جثمانه وَنَفسه.
[١- ٥]
[سُورَة التِّين (٩٥) : الْآيَات ١ إِلَى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥)
ابْتِدَاءُ الْكَلَامِ بِالْقَسَمِ الْمُؤَكَّدِ يُؤْذِنُ بِأَهَمِّيَّةِ الْغَرَضِ الْمَسُوقِ لَهُ الْكَلَامُ، وَإِطَالَةُ الْقَسَمِ تَشْوِيقٌ إِلَى الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ.
وَالتِّينُ ظَاهِرُهُ الثَّمَرَةُ الْمَشْهُورَةُ بِهَذَا الِاسْمِ، وَهِيَ ثَمَرَةٌ يُشْبِهُ شَكْلُهَا شَكْلَ الْكُمِّثْرَى ذَاتُ قِشْرٍ لَوْنُهُ أَزْرَقُ إِلَى السَّوَادِ، تَتَفَاوَتُ أَصْنَافُهُ فِي قُتُومَةِ قِشْرِهِ، سَهْلَةُ التَّقْشِيرِ تَحْتَوِي عَلَى مِثْلِ وِعَاءٍ أَبْيَضَ فِي وَسَطِهِ عَسَلٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ مَخْلُوطٌ بِبُزُورٍ دَقِيقَةٍ مِثْلِ السِّمْسِمِ الصَّغِيرِ، وَهِيَ مِنْ أَحْسَنِ الثِّمَارِ صُورَةً وَطَعْمًا وَسُهُولَةَ مَضْغٍ فَحَالَتُهَا دَالَّةٌ عَلَى دِقَّةِ صُنْعِ اللَّهِ وَمُؤْذِنَةٌ بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَالْقَسَمُ بِهَا لِأَجْلِ دَلَالَتِهَا عَلَى صِفَاتٍ إِلَهِيَّةٍ كَمَا يُقْسَمُ بِالِاسْمِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الذَّاتِ، مَعَ الْإِيذَانِ بِالْمِنَّةِ عَلَى النَّاسِ إِذْ خَلَقَ لَهُمْ هَذِهِ الْفَاكِهَةَ الَّتِي تَنْبُتُ فِي كُلِّ الْبِلَادِ وَالَّتِي هِيَ سَهْلَةُ النَّبَاتِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى كَثْرَةِ عَمَلٍ وَعِلَاجٍ.
وَالزَّيْتُونُ أَيْضًا ظَاهِرُهُ الثَّمَرَةُ الْمَشْهُورَةُ ذَاتُ الزَّيْتِ الَّذِي يُعْتَصَرُ مِنْهَا فَيَطْعَمُهُ النَّاسُ وَيَسْتَصْبِحُونَ بِهِ. وَالْقَسَمُ بِهَا كَالْقَسَمِ بِالتِّينِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى صِفَاتِ اللَّهِ، مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى نِعْمَةِ خَلْقِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ النَّافِعَةِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تَكْفِي النَّاسَ حَوَائِجَ طَعَامِهِمْ وَإِضَاءَتِهِمْ.
وَعَلَى ظَاهِرِ الِاسْمَيْنِ لِلتِّينِ وَالزَّيْتُونِ حَمَلَهُمَا جَمْعٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْأَوَّلِينَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَالنَّخَعِيُّ وَعَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ وَذَلِكَ لِمَا فِي هَاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ مِنَ الْمَنَافِعِ لِلنَّاسِ الْمُقْتَضِيَةِ الِامْتِنَانَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ خَلَقَهَا اللَّهُ لَهُمْ،
стр. 10840
وَلَكِنَّ مُنَاسَبَةَ ذِكْرِ هَذَيْنِ مَعَ طُورِ سِينِينَ وَمَعَ الْبَلَدِ الْأَمِينِ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَهُمَا مَحْمَلٌ أَوْفَقُ بِالْمُنَاسَبَةِ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا تَفْسِيرُ التِّينِ بِأَنَّهُ مَسْجِدُ نُوحٍ الَّذِي بُنِيَ عَلَى الْجُودِيِّ بَعْدَ الطُّوفَانِ. وَلَعَلَّ تَسْمِيَةَ هَذَا الْجَبَلِ التِّينَ لِكَثْرَتِهِ فِيهِ إِذْ قَدْ تُسَمَّى الْأَرْضُ بِاسْمِ مَا يَكْثُرُ فِيهَا مِنَ الشَّجَرِ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
أَمَرْخٌ دِيَارُهُمُ أَمْ عُشَرْ
وَسُمِّيَ بِالتِّينِ مَوْضِعٌ جَاءَ فِي شِعْرِ النَّابِغَةِ يَصِفُ سَحَابَاتٍ بِقَوْلِهِ:
صُهْبُ الظّلال أتين فِي عُرُضٍ ... يُزْجِينَ غَيْمًا قَلِيلًا مَاؤُهُ شَبِمَا
وَالزَّيْتُونُ يُطْلَقُ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى لِأَنَّهُ يُنْبِتُ الزَّيْتُونَ.
وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ. وَيَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْقَسَمُ بِ التِّينِ وَالزَّيْتُونِ مَعْنِيًّا بِهِمَا شَجَرُ هَاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ، أَيِ اكْتَسَبَ نَوْعَاهُمَا شَرَفًا مِنْ بَين الْأَشْجَار يكون كَثِيرٍ مِنْهُ نَابِتًا فِي هَذَيْنِ الْمَكَانَيْنِ الْمُقَدَّسَيْنِ كَمَا قَالَ جَرِيرٌ:
أَتَذْكُرُ حِينَ تَصْقِلُ عَارِضَيْهَا ... بِفَرْعِ بَشَامَةٍ سُقِيَ الْبَشَامُ (١)
فَدَعَا لِنَوْعِ الْبَشَامِ بِالسَّقْيِ لِأَجْلِ عُودِ بَشَامَةَ الْحَبِيبَةِ.
وَأَمَّا طُورِ سِينِينَ فَهُوَ الْجَبَلُ الْمَعْرُوفُ بِ «طُورِ سِينَا» . وَالطُّورُ: الْجَبَلُ بِلُغَةِ النَّبَطِ وَهُمُ الْكَنْعَانِيُّونَ، وَعُرِفَ هَذَا الْجَبَلُ بِ طُورِ سِينِينَ لِوُقُوعِهِ فِي صَحْرَاءِ «سِينِينَ» ، وَ «سِينِينَ» لُغَةٌ فِي سِينٍ وَهِيَ صَحْرَاءُ بَيْنَ مِصْرَ وَبِلَادِ فِلَسْطِينَ. وَقِيلَ: سِينِينَ اسْمُ الْأَشْجَارِ بِالنَّبَطِيَّةِ أَوْ بِالْحَبَشِيَّةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْحُسْنُ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ.
وَقَدْ جَاءَ تَعْرِيبُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى صِيغَةٍ تُشْبِهُ صِيغَةَ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ وَلَيْسَ بِجمع، مجَاز فِي إِعْرَابِهِ أَنْ يُعْرَبَ مِثْلَ إِعْرَابِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ بِالْوَاوِ نِيَابَةً عَنِ الضَّمَّةِ، أَوِ الْيَاءِ نِيَابَةً عَنِ الْفَتْحَةِ أَوِ الْكَسْرَةِ، وَأَنْ يُحْكَى عَلَى الْيَاءِ مَعَ تَحْرِيكِ نُونِهِ بِحَرَكَاتِ الْإِعْرَابِ مِثْلِ:
صِفِّينَ وَيَبْرِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ [الطّور: ١، ٢] . стр. 10841
والْبَلَدِ الْأَمِينِ: مَكَّةُ، سُمِّيَ الْأَمِينَ لِأَنَّ مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، فَالْأَمِينُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ مِثْلَ: «الدَّاعِي السَّمِيعِ» فِي بَيْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ عَلَى وَجْهِ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ، أَيِ الْمَأْمُونُ سَاكِنُوهُ قَالَ تَعَالَى: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قُرَيْش:
٤] .
وَالْإِشَارَةُ إِلَيْهِ لِلتَّعْظِيمِ وَلِأَنَّ نُزُولَ السُّورَةِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ فَهُوَ حَاضِرٌ بِمَرْأًى وَمَسْمَعٍ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: لَا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [الْبَلَدِ: ١] .
وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْمَحْمِلَيْنِ الثَّانِيَيْنِ لِلتِّينِ وَالزَّيْتُونِ تَتِمُّ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْإِيمَانِ
وَتَكُونُ إِشَارَةً إِلَى مَوَارِدِ أَعْظَمِ الشَّرَائِعِ الْوَارِدَةِ لِلْبَشَرِ، فَالتِّينُ إِيمَاءٌ إِلَى رِسَالَةِ نُوحٍ وَهِيَ أَوَّلُ شَرِيعَةٍ لِرَسُولٍ، وَالزَّيْتُونُ إِيمَاءٌ إِلَى شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ بَنَى الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْإِسْرَاءِ، وطُورِ سِينِينَ إِيمَاءٌ إِلَى شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ، والْبَلَدِ الْأَمِينِ إِيمَاءٌ إِلَى مَهْبِطِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَقَعْ إِيمَاءٌ إِلَى شَرِيعَةِ عِيسَى لِأَنَّهَا تَكْمِلَةٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ.
وَقَدْ يَكُونُ الزَّيْتُونُ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِالْمَكَانِ وَبِأَنَّهُ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى إِيمَاءً إِلَى مَكَانِ ظُهُورِ شَرِيعَةِ عِيسَى ﵇ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى بَنَاهُ سُلَيْمَانُ ﵇ فَلَمْ تَنْزِلْ فِيهِ شَرِيعَةٌ قَبْلَ شَرِيعَةِ عِيسَى وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ إِيمَاءً إِلَى شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ وَشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ عَلَى أُصُولِ الْحَنِيفِيَّةِ وَبِذَلِكَ يَكُونُ إِيمَاءُ هَذِهِ الْآيَةِ مَا صُرِّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى [الشورى: ١٣] ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ تَرْتِيبُ الْإِيمَاءِ إِلَى شَرَائِعِ نُوحٍ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ غَيْرَ جَارٍ عَلَى تَرْتِيبِ ظُهُورِهَا فَتَوْجِيهُ مُخَالَفَةِ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ لِلتَّرْتِيبِ الْخَارِجِيِّ أَنَّهُ لِمُرَاعَاةِ اقْتِرَانِ الِاسْمَيْنِ الْمَنْقُولَيْنِ عَنِ اسْمَيِ الثَّمَرَتَيْنِ، وَمُقَارَنَةِ الِاسْمَيْنِ الدَّالَّيْنِ عَلَى نَوْعَيْنِ مِنْ أَمَاكِنِ الْأَرْضِ، لِيَتَأَتَّى مُحَسِّنُ مُرَاعَاةِ النَّظِيرِ وَمُحَسِّنُ التَّوْرِيَةِ، وَلِيُنَاسِبَ سِينِينَ فَوَاصِلَ السُّورَةِ.
وَفِي ابْتِدَاءِ السُّورَةِ بِالْقَسَمِ بِمَا يَشْمَلُ إِرَادَةَ مَهَابِطِ أَشْهَرِ الْأَدْيَانِ الْإِلَهِيَّةِ بَرَاعَةُ اسْتِهْلَالٍ لِغَرَضِ السُّورَةِ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، أَيْ خَلَقَهُ عَلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ مُدْرِكًا لِأَدِلَّةِ وجود الْخَالِق ووحدانية. وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مَا خَالَفَ
стр. 10842
ذَلِكَ مِنَ النِّحَلِ وَالْمِلَلِ قَدْ حَادَ عَنْ أُصُولِ شَرَائِعِ اللَّهِ كُلِّهَا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اخْتِلَافِهَا فِي الْفُرُوعِ، وَيَكْفِي فِي تَقَوُّمِ مَعْنَى بَرَاعَةِ الِاسْتِهْلَالِ مَا يَلُوحُ فِي الْمَعْنَى مِنِ احْتِمَالٍ.
وَجُمْلَةُ: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ هُوَ جَوَابُ الْقَسَمِ.
وَالْقَسَمُ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّقْوِيمَ تَقْوِيمٌ خَفِيٌّ وَأَنَّ الرَّدَّ رَدٌّ خَفِيٌّ يَجِبُ التَّدَبُّرُ لِإِدْرَاكِهِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي قَوْلِهِ: فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فَلِذَلِكَ نَاسَبَ أَنْ يُحَقَّقَ بِالتَّوْكِيدِ بِالْقَسَمِ، لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ مُعْظَمِ النَّاسِ فِي عَقَائِدِهِمْ جَارِيَةٌ عَلَى حَالَةٍ تُشْبِهُ حَالَةَ مَنْ يُنْكِرُونَ أَنَّهُمْ خُلِقُوا عَلَى الْفِطْرَةِ.
وَالْخَلْقُ: تَكْوِينٌ وَإِيجَادٌ لِشَيْءٍ، وَخَلَقَ اللَّهُ جَمِيعَ النَّاسِ هُوَ أَنَّهُ خَلَقَ أُصُولَ الْإِيجَادِ
وَأَوْجَدَ الْأُصُولَ الْأُولَى فِي بَدْءِ الْخَلِيقَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] وَخَلَقَ أَسْبَابَ تَوَلُّدِ الْفُرُوعِ من الْأُصُول فتناسب مِنْهَا ذُرِّيَّاتُهُمْ كَمَا قَالَ: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الْأَعْرَاف: ١١] .
وَتَعْرِيفُ الْإِنْسانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ، وَهُوَ التَّعْرِيفُ الْمَلْحُوظُ فِيهِ مَجْمُوعُ الْمَاهِيَّةِ مَعَ وُجُودِهَا فِي الْخَارِجِ فِي ضِمْنِ بَعْضِ أَفْرَادِهَا أَوْ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا.
وَيُحْمَلُ عَلَى مَعْنَى: خَلَقْنَا جَمِيعَ النَّاسِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفُ الْإِنْسانَ تَعْرِيفَ الْحَقِيقَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمُ: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
الْحَرْبُ أَوَّلَ مَا تَكُونُ فَتِيَّةٌ فَلَا يُلَاحَظُ فِيهِ أَفْرَادُ الْجِنْسِ بَلِ الْمَلْحُوظُ حَالَةُ الْمَاهِيَّةِ فِي أَصْلِهَا دُونَ مَا يَعْرِضُ لِأَفْرَادِهَا مِمَّا يُغَيِّرُ بَعْضَ خَصَائِصِهَا. وَمِنْهُ التَّعْرِيفُ الْوَاقِعُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْمَعَارِجِ [١٩] .
وَالتَّقْوِيمُ: جَعْلُ الشَّيْءِ فِي قَوَامٍ (بِفَتْحِ الْقَافِ) ، أَيْ عَدْلٍ وَتَسْوِيَةٍ، وَحُسْنُ
стр. 10843
التَّقْوِيمِ أَكْمَلُهُ وَأَلْيَقُهُ بِنَوْعِ الْإِنْسَانِ، أَيْ أَحْسَنُ تَقْوِيمٍ لَهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ تَقْوِيمٌ خَاصٌّ بِالْإِنْسَانِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ فِي تَعْدِيلِ الْقُوَى الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ بِحَيْثُ لَا تَكُونُ إِحْدَى قُوَاهُ مُوقِعَةً لَهُ فِيمَا يُفْسِدُهُ، وَلَا يَعُوقُ بَعْضُ قُوَاهُ الْبَعْضَ الْآخَرَ عَنْ أَدَاءِ وَظِيفَتِهِ فَإِنَّ غَيْرَهُ مَنْ جِنْسِهِ كَانَ دُونَهُ فِي التَّقْوِيمِ.
وَحَرْفُ فِي يُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ الْمَجَازِيَّةَ الْمُسْتَعَارَةَ لِمَعْنَى التَّمَكُّنِ وَالْمِلْكِ فَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعْنَى بَاءِ الْمُلَابَسَةِ أَوْ لَامِ الْمِلْكِ، وَإِنَّمَا عُدِلَ عَنْ أَحَدِ الْحَرْفَيْنِ الْحَقِيقِيَّيْنِ لِهَذَا الْمَعْنَى إِلَى حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِإِفَادَةِ قُوَّةِ الْمُلَابَسَةِ أَوْ قُوَّةِ الْمِلْكِ مَعَ الْإِيجَازِ وَلَوْلَا الْإِيجَازُ لَكَانَتْ مُسَاوَاةُ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ بِتَقْوِيمٍ مَكِينٍ هُوَ أَحْسَنُ تَقْوِيمٍ.
فَأَفَادَتِ الْآيَةُ أَنَّ اللَّهَ كَوَّنَ الْإِنْسَانَ تَكْوِينًا ذَاتِيًّا مُتَنَاسِبًا مَا خَلَقَ لَهُ نَوْعَهُ مِنَ الْإِعْدَادِ لِنِظَامِهِ وَحَضَارَتِهِ، وَلَيْسَ تَقْوِيمُ صُورَةِ الْإِنْسَانِ الظَّاهِرَةِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا جَدِيرًا بِأَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ إِذْ لَا أَثَرَ لَهُ فِي إِصْلَاحِ النَّفْسِ، وَإِصْلَاحِ الْغَيْرِ، وَالْإِصْلَاحِ فِي الْأَرْضِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُوَ الْمُرَادِ لَذَهَبَتِ الْمُنَاسَبَةُ الَّتِي فِي الْقَسَمِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَالْبَلَدِ الْأَمِينِ. وَإِنَّمَا هُوَ مُتَمِّمٌ لِتَقْوِيمِ النَّفْسِ
قَالَ النَّبِيءُ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا
إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ»
(١) فَإِنَّ الْعَقْلَ أَشْرَفُ مَا خُصَّ بِهِ نَوْعُ الْإِنْسَانِ مِنْ بَيْنِ الْأَنْوَاعِ.
فَالْمَرْضِيُّ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ تَقْوِيمُ إِدْرَاكِ الْإِنْسَانِ وَنَظَرِهِ الْعَقْلِيِّ الصَّحِيحِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ أَعْمَالُ الْجَسَدِ إِذِ الْجِسْمُ آلَةٌ خَادِمَةٌ لِلْعَقْلِ فَلِذَلِكَ كَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وَأَمَّا خَلْقُ جَسَدِ الْإِنْسَانِ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فَلَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِمَقْصِدِ السُّورَةِ وَيَظْهَرُ هَذَا كَمَالَ الظُّهُورِ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَ الرَّدُّ أَسْفَلَ سَافِلِينَ عَلَى مَصِيرِ الْإِنْسَانِ فِي أَرْذَلِ الْعُمُرِ إِلَى نَقَائِصِ قُوَّتِهِ كَمَا فَسَّرَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ لَكَانَ نُبُوُّهُ عَنْ غَرَضِ السُّورَةِ أَشَدَّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ فِيهِ تَرَدُّدُ стр. 10844
السَّامِعِينَ حَتَّى يُحْتَاجَ إِلَى تَأْكِيدِهِ بِالْقَسَمِ وَيَدُلَّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [التِّين: ٦] لِأَنَّ الْإِيمَانَ أَثَرُ التَّقْوِيمِ لِعَقْلِ الْإِنْسَانِ الَّذِي يُلْهِمُهُ السَّيْرَ فِي أَعْمَالِهِ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَقْوَمِ، وَمُعَامَلَةَ بَنِي نَوْعِهِ السَّالِمِينَ مِنْ عَدَائِهِ مُعَامَلَةَ الْخَيْرِ مَعَهُمْ عَلَى حَسَبِ تَوَافُقِهِمْ مَعَهُ فِي الْحَقِّ فَذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ فِي تَكْوِينِ الْإِنْسَانِ إِذَا سَلِمَ مِنْ عَوَارِضَ عَائِقَةٍ مِنْ بَعْضِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْرِضُ لَهُ وَهُوَ جَنِينٌ إِمَّا مِنْ عَاهَةٍ تَلْحَقُهُ لِمَرَضِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ لِفَسَادِ هَيْكَلِهِ مِنْ سَقْطَةٍ أَوْ صَدْمَةٍ فِي حَمْلِهِ، وَمَا يَعْرِضُ لَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ مِنْ دَاءٍ مُعْضِلٍ يَعْرِضُ لَهُ يَتْرُكُ فِيهِ اخْتِلَالَ مِزَاجِهِ فَيُحَرِّفُ شَيْئًا مِنْ فِطْرَتِهِ كَحَمَاقَةِ السَّوْدَاوِيِّينَ وَالسُّكَّرِيِّينَ أَوْ خَبَالِ الْمُخْتَبَلِينَ، وَمِمَّا يُدْخِلُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَسَاوِي الْعَادَاتِ كَشُرْبِ الْمُسْكِرَاتِ وَتَنَاوُلِ الْمُخَدِّرَاتِ مِمَّا يُورِثُهُ عَلَى طُولٍ انْثِلَامَ تَعَقُّلِهِ أَوْ خَوَرَ عَزِيمَتِهِ.
وَالَّذِي نَأْخُذُهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ عَلَى حَالَةِ الْفِطْرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّوْعَ لِيَتَّصِفَ بِآثَارِهَا، وَهِيَ الْفِطْرَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ الْكَامِلَةُ فِي إِدْرَاكِهِ إِدْرَاكًا مُسْتَقِيمًا مِمَّا يَتَأَدَّى مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ الصَّادِقَةِ، أَيِ الْمُوَافِقَةُ لِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ الثَّابِتَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بِسَبَبِ سَلَامَةِ مَا تُؤَدِّيهِ الْحَوَاسُّ السَّلِيمَةُ، وَمَا يَتَلَقَّاهُ الْعَقْلُ السَّلِيمُ مِنْ ذَلِكَ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّرْكِيبِ الْمُنْتَظِمَيْنِ، بِحَيْثُ لَوْ جَانَبَتْهُ التَّلْقِينَاتُ الضَّالَّةُ وَالْعَوَائِدُ الذَّمِيمَةُ وَالطَّبَائِعُ الْمُنْحَرِفَةُ وَالتَّفْكِيرُ الضَّارُّ، أَوْ لَوْ تَسَلَّطَتْ عَلَيْهِ تَسَلُّطًا مَا فَاسْتَطَاعَ دِفَاعَهَا عَنْهُ بِدَلَائِلِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، لَجَرَى فِي جَمِيع شؤونه عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَلَمَا صَدَرَتْ مِنْهُ إِلَّا الْأَفْعَالُ الصَّالِحَةُ
وَلَكِنَّهُ قَدْ يَتَعَثَّرُ فِي ذُيُولِ اغْتِرَارِهِ وَيُرْخِي الْعِنَانَ لِهَوَاهُ وَشَهْوَتِهِ، فَتَرْمِي بِهِ فِي الضَّلَالَاتِ، أَوْ يَتَغَلَّبُ عَلَيْهِ دُعَاةُ الضَّلَالِ بِعَامِلِ التَّخْوِيفِ أَوِ الْإِطْمَاعِ فَيُتَابِعُهُمْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، ثُمَّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَسْتَحْكِمَ فِيهِ مَا تَقَلَّدَهُ فَيَعْتَادُهُ وَيَنْسَى الصَّوَابَ وَالرُّشْدَ.
وَيُفَسِّرُ هَذَا الْمَعْنَى
قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ يَكُونُ أَبَوَاهُ هُمَا اللَّذَانِ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»
الْحَدِيثَ ذَلِكَ أَنَّ أَبَوَيْهِ هُمَا أَوَّلُ مَنْ يَتَوَلَّى تَأْدِيبَهُ وَتَثْقِيفَهُ وَهُمَا أَكْثَرُ النَّاسِ مُلَازَمَةً لَهُ فِي صِبَاهُ، فَهُمَا اللَّذَانِ يُلْقِيَانِ فِي نَفْسِهِ الْأَفْكَارَ الْأَوْلَى، فَإِذَا سَلِمَ مِنْ تَضْلِيلِ أَبَوَيْهِ فَقَدْ سَارَ بِفِطْرَتِهِ شَوْطًا ثُمَّ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْضَةٌ لِعَدِيدٍ مِنَ الْمُؤَثِّرَاتِ فِيهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ،
стр. 10845
وَاقْتَصَرَ النَّبِيءُ ﷺ عَلَى الْأَبَوَيْنِ لِأَنَّهُمَا أَقْوَى أَسْبَابِ الزَّجِّ فِي ضَلَالَتِهِمَا، وَأَشَدُّ إِلْحَاحًا عَلَى وَلَدِهِمَا.
وَلَمْ يُعَرِّجِ الْمُفَسِّرُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى تَفْسِيرِ التَّقْوِيمِ بِهَذَا الْمَعْنَى الْعَظِيمِ فَقَصَرُوا التَّقْوِيمَ عَلَى حُسْنِ الصُّورَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالْكَلْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ، أَوْ عَلَى اسْتِقَامَةِ الْقَامَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ عَلَى الشَّبَابِ وَالْجَلَادَةِ، وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَلَا يُلَائِمُ مَقْصِدَ السُّورَةِ إِلَّا أَنْ يُتَأَوَّلَ بِأَنَّ ذَلِكَ ذِكْرُ نِعْمَةٍ عَلَى الْإِنْسَانِ عَكَسَ الْإِنْسَانُ شُكْرَهَا فَكَفَرَ بِالْمُنْعِمِ فَرُدَّ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، سِوَى مَا حَكَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ طَاهِرٍ (١) أَنَّهُ قَالَ: «تَقْوِيمُ الْإِنْسَانِ عَقْلُهُ وَإِدْرَاكُهُ اللَّذَانِ زَيَّنَاهُ بِالتَّمْيِيزِ» وَلَفْظَهُ عِنْدَ الْقُرْطُبِيِّ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَعَ زِيَادَةِ يَتَنَاوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ وَمَا حَكَاهُ الْفَخْرُ عَنِ الْأَصَمِّ (٢) أَنَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ أَكْمَلُ عَقْلٍ وَفَهْمٍ وَأَدَبٍ وَعِلْمٍ وَبَيَانٍ» .
وَتُفِيدُ الْآيَةُ أَنَّ الْإِنْسَانَ مَفْطُورٌ عَلَى الْخَيْرِ وَأَنَّ فِي جِبِلَّتِهِ جَلْبَ النَّفْعِ وَالصَّلَاحِ لِنَفْسِهِ وَكَرَاهَةَ مَا يَظُنُّهُ بَاطِلًا أَوْ هَلَاكًا، وَمَحَبَّةَ الْخَيْرِ وَالْحَسَنِ مِنَ الْأَفْعَالِ لِذَلِكَ تَرَاهُ يُسَرُّ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَيَنْصَحُ بِمَا يَرَاهُ مَجْلَبَةً لِخَيْرِ غَيْرِهِ، وَيُغِيثُ الْمَلْهُوفَ وَيُعَامِلُ بِالْحُسْنَى، وَيَغَارُ عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَيَشْمَئِزُّ مِنَ الظُّلْمِ مَا دَامَ مُجَرَّدًا عَنْ رَوْمِ نَفْعٍ يَجْلِبُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ إِرْضَاءِ شَهْوَةٍ يُرِيدُ قَضَاءَهَا أَوْ إِشْفَاءِ غَضَبٍ يَجِيشُ بِصَدْرِهِ، تِلْكَ الْعَوَارِض الَّتِي تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
فِطْرَتِهِ زَمَنًا، وَيَهَشُّ إِلَى كَلَامِ الْوُعَّاظِ وَالْحُكَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَيُكْرِمُهُمْ وَيُعَظِّمُهُمْ وَيَوَدُّ طُولَ بَقَائِهِمْ.
فَإِذَا سَاوَرَتْهُ الشَّهْوَةُ السَّيِّئَةُ فَزَيَّنَتْ لَهُ ارْتِكَابَ الْمَفَاسِدِ وَلَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّهَا عَنْ نَفْسِهِ انْصَرَفَ إِلَى سُوءِ الْأَعْمَالِ، وَثَقُلَ عَلَيْهِ نُصْحُ النَّاصِحِينَ، وَوَعْظُ الْوَاعِظِينَ عَلَى مَرَاتِبَ فِي كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ بِمِقْدَارِ تَحَكُّمِ الْهَوَى فِي عَقْلِهِ. стр. 10846
وَلِهَذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي النَّاسِ الْخَيْرَ وَالْعَدَالَةَ وَالرُّشْدَ وَحُسْنَ النِّيَّةِ عِنْدَ جُمْهُورٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ.
وَجُمْلَةُ: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ: خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فَهِيَ فِي حَيِّزِ الْقَسَمِ.
وَضَمِيرُ الْغَائِبِ فِي قَوْلِهِ: رَدَدْناهُ عَائِدٌ إِلَى الْإِنْسَانِ فَيَجْرِي فِيهِ الْوَجْهَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ مِنَ التَّعْرِيفِ.
وثُمَّ لِإِفَادَةِ التَّرَاخِي الرُّتَبِيِّ كَمَا هُوَ شَأْنُهَا فِي عَطْفِ الْجُمَلِ، لِأَنَّ الرَّدَّ أَسْفَلَ سَافِلِينَ بَعْدَ خَلْقِهِ مَحُوطًا بِأَحْسَنِ تَقْوِيمٍ عَجِيبٌ لِمَا فِيهِ مِنِ انْقِلَابِ مَا جُبِلَ عَلَيْهِ، وَتَغْيِيرُ الْحَالَةِ الْمَوْجُودَةِ أَعْجَبُ مِنْ إِيجَادِ حَالَةٍ لَمْ تَكُنْ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ هِيَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْكَلَامِ لِتَحْقِيقِ أَنَّ الَّذِينَ حَادُوا عَنِ الْفِطْرَةِ صَارُوا أَسْفَلَ سَافِلِينَ.
وَالْمَعْنَى: وَلَقَدْ صَيَّرْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، أَوْ جَعَلْنَاهُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ.
وَالرَّدُّ حَقِيقَتُهُ إِرْجَاعُ مَا أُخِذَ مِنْ شَخْصٍ أَوْ نُقِلَ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَا كَانَ عِنْدَهُ، وَيُطْلَقُ الرَّدُّ مَجَازًا عَلَى تَصْيِيرِ الشَّيْءِ بِحَالَةٍ غَيْرِ الْحَالَةِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ مَجَازًا مُرْسَلًا بِعَلَاقَةِ الْإِطْلَاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ كَمَا هُنَا.
وأَسْفَلَ: اسْمُ تَفْضِيلٍ، أَيْ أَشَدَّ سَفَالَةً، وَأُضِيفَ إِلَى سافِلِينَ، أَيِ الْمَوْصُوفِينَ بِالسَّفَالَةِ. فَالْمُرَادُ: أَسْفَلَ سَافِلِينَ فِي الِاعْتِقَادِ بِخَالِقِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [التِّين:
٦] .
وَحَقِيقَةُ السَّفَالَةِ: انْخِفَاضُ الْمَكَانِ، وَتُطْلَقُ مَجَازًا شَائِعًا عَلَى الْخِسَّةِ وَالْحَقَارَةِ فِي النَّفْسِ، فَالْأَسْفَلُ الْأَشَدُّ سَفَالَةً مِنْ غَيْرِهِ فِي نَوْعِهِ.
وَالسَّافِلُونَ: هُمْ سَفِلَةُ الِاعْتِقَادِ، وَالْإِشْرَاكُ أَسْفَلُ الِاعْتِقَادِ فَيَكُونُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
مَفْعُولًا ثَانِيًا لِ رَدَدْناهُ لِأَنَّهُ أُجْرِيَ مُجْرَى أَخَوَاتِ صَارَ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْإِنْسَانَ أَخَذَ يُغَيِّرُ مَا فُطِرَ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْوِيمِ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ وَمَا يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ مِنْ تَقْوَاهُ وَمُرَاقَبَتِهِ فَصَارَ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، وَهَلْ أَسْفَلُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ إِلَهِيَّةَ الْحِجَارَةِ وَالْحَيَوَانِ الْأَبْكَمِ مِنْ بَقَرٍ أَوْ تَمَاسِيحَ أَوْ ثَعَابِينَ أَوْ مِنْ شَجَرِ السَّمُرِ،
стр. 10847
أَوْ مَنْ يَحْسِبُ الزَّمَانَ إِلَهًا وَيُسَمِّيهِ الدَّهْرَ، أَوْ مَنْ يَجْحَدُ وُجُودَ الصَّانِعِ وَهُوَ يُشَاهِدُ مَصْنُوعَاتِهِ وَيُحِسُّ بِوُجُودِ نَفْسِهِ قَالَ تَعَالَى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١] .
فَإِنْ مِلْتَ إِلَى جَانِبِ الْأَخْلَاقِ رَأَيْتَ الْإِنْسَانَ يَبْلُغُ بِهِ انْحِطَاطُهُ إِلَى حَضِيضِ التَّسَفُّلِ، فَمِنْ مَلَقٍ إِذَا طَمِعَ، وَمِنْ شحّ إِذا شجع، وَمِنْ جَزَعٍ إِذَا خَافَ، وَمِنْ هَلَعٍ، فَكَمْ مِنْ نُفُوسٍ جُعِلَتْ قَرَابِينَ لِلْآلِهَةِ، وَمِنْ أَطْفَالٍ مَوْءُودَةٍ، وَمِنْ أَزْوَاجٍ مَقْذُوفَةٍ فِي النَّارِ مَعَ الْأَمْوَاتِ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ، فَهَلْ بَعْدَ مِثْلِ هَذَا مِنْ تَسَفُّلٍ فِي الْأَخْلَاقِ وَأَفْنِ الرَّأْيِ.
وَإِسْنَادُ الرَّدِّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِسْنَادٌ مَجَازِيٌّ لِأَنَّهُ يُكَوِّنُ الْأَسْبَابَ الْعَالِيَةَ وَنِظَامَ تَفَاعُلِهَا وَتَقَابُلِهَا فِي الْأَسْبَابِ الْفَرْعِيَّةِ، حَتَّى تَصِلَ إِلَى الْأَسْبَابِ الْمُبَاشِرَةِ عَلَى نَحْوِ إِسْنَادِ مَدِّ وَقَبْضِ الظِّلِّ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ إِلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً [الْفرْقَان: ٤٥، ٤٦] وَعَلَى نَحْوِ الْإِسْنَادِ فِي قَوْلِ النَّاسِ: بَنَى الْأَمِيرُ مَدِينَةَ كَذَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَسْفَلَ سافِلِينَ ظَرْفًا، أَيْ مَكَانًا أَسْفَلَ مَا يَسْكُنُهُ السَّافِلُونَ، فَإِضَافَةُ أَسْفَلَ إِلَى سافِلِينَ مِنْ إِضَافَةِ الظَّرْفِ إِلَى الْحَالِّ فِيهِ، وَيَنْتَصِبُ أَسْفَلَ بِ رَدَدْناهُ انْتِصَابَ الظَّرْفِ أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ، وَذَلِكَ هُوَ دَارُ الْعَذَابِ كَقَوْلِهِ: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النِّسَاء: ١٤٥] فَالرَّدُّ مُسْتَعَارٌ لِمَعْنَى الْجَعْلِ فِي مَكَانٍ يَسْتَحِقُّهُ، وَإِسْنَادُ الرَّدِّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَقِيقِيٌّ.
وَأَحْسِبُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ انْتَزَعَ مِنْهُ مَالِكٌ ﵀ مَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ فِي «الْمَدَارِكِ» قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: قَالَ مَالِكٌ: أَقْبَلَ عَلَيَّ يَوْمًا رَبِيعَةُ فَقَالَ لِي: مَنِ السَّفِلَةُ يَا مَالِكُ؟ قُلْتُ: الَّذِي يَأْكُلُ بِدِينِهِ، قَالَ لِي: فَمَنْ سَفِلَةُ السَّفِلَةِ؟
قُلْتُ: الَّذِي يَأْكُلُ غَيْرُهُ بِدِينِهِ. فَقَالَ: (زِهْ) (١) وَصَدَرَنِي (أَيْ стр. 10848
ضَرَبَ عَلَى صَدْرِي يَعْنِي اسْتِحْسَانًا) . وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا أَسْفَلَ سافلين لأَنهم ضلّلهم كبراؤهم وأئمتهم فَسَوَّلُوا لَهُمْ
عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ لينالوا قيادتهم.
[٦]
[سُورَة التِّين (٩٥) : آيَة ٦]
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)
اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ مِنْ عُمُومِ الْإِنْسَانِ فَلَمَّا أَخْبَرَ عَنِ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ رُدَّ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بَقِيَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ أَنْ رُدُّوا أَسْفَلَ سَافِلِينَ أَيَّامَ الْإِشْرَاكِ صَارُوا بِالْإِيمَانِ إِلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ الْإِنْسَانَ عَلَيْهَا فَرَاجَعُوا أَصْلَهُمْ إِلَى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
وَعُطِفَ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لِأَنَّ عَمَلَ الصَّالِحَاتِ مِنْ أَحْسَنِ التَّقْوِيمِ بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرِيعَةِ لِأَنَّهَا تَزِيدُ الْفِطْرَةَ رُسُوخًا وَيَنْسَحِبُ الْإِيمَانُ عَلَى الْأَخْلَاقِ فَيَرُدُّهَا إِلَى فَضْلِهَا ثُمَّ يَهْدِيهَا إِلَى زِيَادَةِ الْفَضَائِلِ مِنْ أَحَاسِنِهَا،
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ»
. فَكَانَ عَطْفُ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لِلثَّنَاءِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ إِيمَانَهُمْ بَاعِثٌ لَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَذَلِكَ حَالُ الْمُؤْمِنِينَ حِينَ نُزُولِ السُّورَةِ فَهَذَا الْعَطْفُ عَطْفُ صِفَةٍ كَاشِفَةٍ.
وَلَيْسَ لِانْقِطَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ هُنَا احْتِمَالٌ لِأَنَّ وُجُودَ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ يَأْبَاهُ كُلَّ الْإِبَايَةِ.
وَفُرِّعَ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِمَّنْ يُرَدُّ أَسْفَلَ سَافِلِينَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ لَهُمْ أَجْرًا عَظِيمًا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاء أَفَادَ أَنهم لَيْسُوا بِأَسْفَل سَافِلِينَ فَأُرِيدَ زِيَادَةُ الْبَيَانِ لفضلهم وَمَا أعدلهم.
وَتَنْوِينُ أَجْرٌ لِلتَّعْظِيمِ.
وَالْمَمْنُونُ: الَّذِي يُمَنُّ عَلَى الْمَأْجُورِ بِهِ، أَيْ لَهُمْ أَجْرٌ لَا يَشُوبُهُ كَدَرٌ، وَلَا كَدَرَ أَنْ يُمَنَّ عَلَى الَّذِي يُعْطَاهُ بِقَوْلِ: هَذَا أَجْرُكَ، أَوْ هَذَا عَطَاؤُكَ، فَالْمَمْنُونُ مَفْعُولٌ
стр. 10849
مَنَّ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِنْ مَنَّ الْحَبْلَ، إِذَا قَطَعَهُ فَهُوَ مَنِينٌ، أَيْ مَقْطُوعٌ أَوْ مُوشِكٌ على التقطع.
[٧، ٨]
[سُورَة التِّين (٩٥) : الْآيَات ٧ إِلَى ٨]
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)
تَفْرِيعٌ عَلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ تَقْوِيمِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ ثُمَّ رَدِّهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، لِأَنَّ مَا بَعْدَ
الْفَاء من الْكَلَام مُسَبَّبٌ عَنِ الْبَيَانِ الَّذِي قَبْلَ الْفَاءِ، أَيْ فَقَدْ بَانَ لَكَ أَنَّ غَيْرَ الَّذِينَ آمَنُوا هُمُ الَّذِينَ رُدُّوا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ، فَمَنْ يُكَذِّبُ مِنْهُمْ بِالدِّينِ الْحَقِّ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ.
وَ (مَا) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِفْهَامِيَّةً، وَالِاسْتِفْهَامُ تَوْبِيخِيٌّ، وَالْخِطَابُ لِلْإِنْسَانِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التِّين: ٤] فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنِ اسْتُثْنِيَ مِنْهُ الَّذِينَ آمَنُوا بَقِيَ الْإِنْسَانُ الْمُكَذِّبُ.
وَضَمِيرُ الْخِطَابِ الْتِفَاتٌ، وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: فَمَا يُكَذِّبُهُ. وَنُكْتَةُ الِالْتِفَاتِ هُنَا أَنَّهُ أَصْرَحُ فِي مُوَاجَهَةِ الْإِنْسَانِ الْمُكَذِّبِ بِالتَّوْبِيخِ.
وَمَعْنَى يُكَذِّبُكَ يَجْعَلُكَ مُكَذبا، أَي لاعذر لَكَ فِي تَكْذِيبِكَ بِالدِّينِ.
وَمُتَعَلَّقُ التَّكْذِيبِ: إِمَّا مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، أَيْ يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا بِالرَّسُولِ ﷺ ، وَإِمَّا الْمَجْرُورُ بِالْبَاءِ، أَيْ يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا بِدِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ مُكَذِّبًا بِالْجَزَاءِ إِنْ حُمِلَ الدِّينُ عَلَى مَعْنَى الْجَزَاءِ وَجُمْلَةُ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ للتهديد والوعيد.
و (الدَّين) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمِلَّةِ والشريعة، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمرَان: ١٩] وَقَوْلِهِ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً [آل عمرَان: ٨٥] .
وَعَلَيْهِ تَكُونُ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أَيْ فَمَنْ يُكَذِّبُكَ بَعْدَ هَذَا بِسَبَبِ مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الدِّينِ فَاللَّهُ يَحْكُمُ فِيهِ. وَمَعْنَى يُكَذِّبُكَ: يَنْسُبُكُ لِلْكَذِبِ بِسَبَبِ مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الدِّينِ أَوْ مَا أَنْذَرْتَ بِهِ مِنَ الْجَزَاءِ، وَأُسْلُوبُ هَذَا التَّرْكِيبِ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَنْسُبُونَ النَّبِيءَ ﷺ إِلَى الْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَجِيئَهُمْ بِهَذَا الدِّينِ.
стр. 10850
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «الدِّينُ» بِمَعْنَى الْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ كَقَوْلِهِ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الْفَاتِحَة: ٤] وَقَوْلِهِ: يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ [الانفطار: ١٥] وَتَكُونُ الْبَاءُ صِلَةَ (يُكَذِّبُ) كَقَوْلِهِ:
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ [الْأَنْعَام: ٦٦] وَقَوْلِهِ: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ (١) [الْأَنْعَام: ٥٧] .
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مَا) مَوْصُولَة وَمَا صدقهَا المكذب، فَهِيَ بِمَعْنَى (مَنْ) ، وَهِيَ فِي مَحَلِّ مُبْتَدَأٍ، وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ ، وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي يُكَذِّبُكَ عَائِدٌ إِلَى (مَا) وَهُوَ الرَّابِطُ لِلصِّلَةِ بِالْمَوْصُولِ، وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أَي ينسبك إِلَى الْكَذِب بِسَبَبِ مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ
الْإِسْلَامِ أَوْ مِنْ إِثْبَاتِ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ.
وَحُذِفَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ بَعْدُ فَبُنِيَتْ بَعْدُ عَلَى الضَّمِّ وَالتَّقْدِيرُ: بَعْدَ تَبَيُّنِ الْحَقِّ أَوْ بَعْدَ تَبَيُّنِ مَا ارْتَضَاهُ لِنَفْسِهِ مِنْ أَسْفَلِ سَافِلِينَ.
وَجُمْلَةُ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ خَبَرًا عَنْ (مَا) وَالرَّابِطُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ فِيهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ دَلِيلًا عَلَى الْخَبَرِ الْمُخْبَرِ بِهِ عَنْ (مَا) الْمَوْصُولَةِ وَحُذِفَ إِيجَازًا اكْتِفَاءً بِذِكْرِ مَا هُوَ كَالْعِلَّةِ لَهُ فَالتَّقْدِيرُ فَالَّذِي يُكَذِّبُكَ بِالدِّينِ يَتَوَلَّى اللَّهُ الِانْتِصَافَ مِنْهُ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ.
وَالِاسْتِفْهَامُ تَقْرِيرِيٌّ.
وَ «أَحْكَمُ» يَجُوزُ أَن يكون مأخودا مِنَ الْحُكْمِ، أَيْ أَقْضَى الْقُضَاةِ، وَمَعْنَى التَّفْضِيلِ أَنَّ حُكْمَهُ أَسَدُّ وَأَنْفَذُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الْحِكْمَةِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَقْوَى الْحَاكِمِينَ حِكْمَةً فِي قَضَائِهِ بِحَيْثُ لَا يُخَالِطُ حُكْمَهُ تَفْرِيطٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَنَوْطُ الْخَبَرِ بِذِي وَصْفٍ يُؤْذِنُ بِمُرَاعَاةِ خَصَائِصِ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ الْوَصْفُ فَلَمَّا أَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ، عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ يَفُوقُ قَضَاؤُهُ كُلَّ قَضَاءٍ فِي خَصَائِصِ الْقَضَاءِ وَكَمَالَاتِهِ، وَهِيَ: إِصَابَةُ الْحَقِّ، وَقَطْعُ دَابِرِ الْبَاطِلِ، وَإِلْزَامُ كُلِّ مَنْ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالِامْتِثَالِ لِقَضَائِهِ وَالدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ. стр. 10851
رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ مِنْكُمْ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التِّين: ١] فَانْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ فَلْيَقُلْ: بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ» .
стр. 10852
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩٦- سُورَةُ الْعَلَقِ
اشْتُهِرَتْ تَسْمِيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِاسْمِ «سُورَةِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» . رُوِيَ فِي «الْمُسْتَدْرَكِ» عَنْ عَائِشَةَ: «أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» فَأَخْبَرَتْ عَنِ السُّورَةِ بِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: ١] . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَالزُّهْرِيِّ، وَبِذَلِكَ عَنْوَنَهَا التِّرْمِذِيُّ.
وَسُمِّيَتْ فِي الْمَصَاحِفِ وَمُعْظَمِ التَّفَاسِيرِ «سُورَةَ الْعَلَقِ» لِوُقُوعِ لَفْظِ «الْعَلَقِ» فِي أَوَائِلِهَا، وَكَذَلِكَ سُمِّيَتْ فِي بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ.
وَعَنْوَنَهَا الْبُخَارِيُّ: «سُورَة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» .
وَتُسَمَّى: «سُورَةَ اقْرَأْ» ، وَسَمَّاهَا الْكَوَاشِيُّ فِي «التَّخْلِيصِ» «سُورَةَ اقْرَأْ وَالْعَلَقِ» .
وَعَنْوَنَهَا ابْنُ عَطِيَّةَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: «سُورَةَ الْقَلَمِ» وَهَذَا اسْمٌ سُمِّيَتْ بِهِ: «سُورَةُ ن» .
وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي «الْإِتْقَانِ» فِي عِدَادِ السُّوَرِ ذَاتِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمٍ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفَاقٍ.
وَهِيَ أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقُرْآنِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَاضِحَةِ، وَنَزَلَ أَوَّلُهَا بِغَارِ حِرَاءٍ عَلَى النَّبِيءِ ﷺ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِيهِ فِي رَمَضَانَ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْهُ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعِينَ بَعْدَ الْفِيلِ إِلَى قَوْلِهِ: عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ٥] . ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ عَائِشَةَ. وَفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
стр. 10853
وَعَنْ جَابِرٍ أَوَّلُ سُورَةٍ الْمُدَّثِّرُ، وَتُؤُوِّلَ بِأَنَّ كَلَامَهُ نَصَّ أَنَّ سُورَةَ الْمُدَّثِّرِ أَوَّلُ سُورَةٍ
نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ كَمَا فِي «الْإِتْقَانِ» كَمَا أَنَّ سُورَةَ الضُّحَى نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ الثَّانِيَةِ.
وَعَدَدُ آيِهَا فِي عَدِّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ عِشْرُونَ، وَفِي عَدِّ أَهْلِ الشَّامِ ثَمَانِ عَشْرَةَ، وَفِي عَدِّ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ تسع عشرَة.
أغراضها
تَلْقِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ الْكَلَامَ الْقُرْآنِيَّ وَتِلَاوَتَهُ إِذْ كَانَ لَا يَعْرِفُ التِّلَاوَةَ مِنْ قَبْلُ.
وَالْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ مُيَسَّرٌ لِأَنَّ اللَّهَ الَّذِي أَلْهَمَ الْبَشَرَ الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ قَادِرٌ عَلَى تَعْلِيمِ مَنْ يَشَاءُ ابْتِدَاءً.
وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَصِيرُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ وَالْعِلْمِ.
وَتَوْجِيهُهُ إِلَى النَّظَرِ فِي خَلْقِ اللَّهِ الْمَوْجُودَاتِ وَخَاصَّةً خَلْقَهُ الْإِنْسَانَ خَلْقًا عَجِيبًا مُسْتَخْرَجًا مِنْ عَلَقَةٍ فَذَلِكَ مَبْدَأُ النَّظَرِ.
وَتَهْدِيدُ مَنْ كَذَّبَ النَّبِيءَ ﷺ وَتَعَرَّضَ لِيَصُدَّهُ عَنِ الصَّلَاةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْهُدَى وَالتَّقْوَى.
وَإِعْلَامُ النَّبِيءِ ﷺ أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِأَمْر من يناوؤنه وَأَنَّهُ قَامِعُهُمْ وَنَاصِرُ رَسُولِهِ.
وَتَثْبِيتُ الرَّسُولِ عَلَى مَا جَاءَهُ مِنَ الْحَقِّ وَالصَّلَاةِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ.
وَأَنْ لَا يَعْبَأَ بِقُوَّةِ أَعْدَائِهِ لِأَنَّ قُوَّةَ اللَّهِ تَقْهَرُهُمْ.
[١- ٥]
[سُورَة العلق (٩٦) : الْآيَات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)
عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ
هَذَا أَوَّلُ مَا أُوحِيَ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَى مُحَمَّد ﷺ لِمَا ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مِمَّا سَيَأْتِي قَرِيبًا.
стр. 10854
وَافْتِتَاحُ السُّورَةِ بِكَلِمَةِ اقْرَأْ إِيذَانٌ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيَكُونُ قَارِئًا، أَيْ تَالِيًا كِتَابًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَلَا كِتَابًا قَالَ تَعَالَى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ [العنكبوت:
٤٨] ، أَيْ مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَلِهَذَا
قَالَ النَّبِيءُ ﷺ لِجِبْرِيلَ حِينَ قَالَ لَهُ اقْرَأْ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»
. وَفِي هَذَا الِافْتِتَاحِ بَرَاعَةُ اسْتِهْلَالٍ لِلْقُرْآنِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: اقْرَأْ أَمْرٌ بِالْقِرَاءَةِ، وَالْقِرَاءَةُ نُطْقٌ بِكَلَامٍ مُعَيَّنٍ مَكْتُوبٍ أَوْ مَحْفُوظٍ عَلَى ظَهْرِ قَلْبٍ.
وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ [٩٨] .
وَالْأَمْرُ بِالْقِرَاءَةِ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ مِنَ الطَّلَبِ لِتَحْصِيلِ فِعْلٍ فِي الْحَالِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ، فَالْمَطْلُوبُ بِقَوْلِهِ: اقْرَأْ أَنْ يَفْعَلَ الْقِرَاءَةَ فِي الْحَالِ أَوِ الْمُسْتَقْبَلِ الْقَرِيبِ مِنَ الْحَالِ، أَيْ أَنْ يَقُولَ مَا سَيُمْلَى عَلَيْهِ، وَالْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ بِقِرَاءَةٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ الْقَرِيبِ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إِمْلَاءُ كَلَامٍ عَلَيْهِ مَحْفُوظٍ فَتُطْلَبَ مِنْهُ قِرَاءَتُهُ، وَلَا سُلِّمَتْ إِلَيْهِ صَحِيفَةٌ فَتُطْلَبَ مِنْهُ قِرَاءَتُهَا، فَهُوَ كَمَا يَقُولُ الْمُعَلِّمُ لِلتِّلْمِيذِ: اكْتُبْ، فَيَتَأَهَّبُ لِكِتَابَةِ مَا سَيُمْلِيهِ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَوْلُهَا فِيهِ: «حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إِلَى مَا لَمْ يَعْلَمْ
فَهَذَا الْحَدِيثُ
رَوَتْهُ عَائِشَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِهَا قَالَ: «فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ»
. وَجَمِيعُ مَا ذَكَرَتْهُ فِيهِ مِمَّا رَوَتْهُ عَنْهُ لَا مَحَالَةَ
وَقَدْ قَالَتْ فِيهِ: «فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ»
أَيْ فَرَجَعَ بِالْآيَاتِ الَّتِي أُمْلِيَتْ عَلَيْهِ، أَيْ رَجَعَ مُتَلَبِّسًا بِهَا، أَيْ بِوَعْيِهَا.
стр. 10855
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَقَّى مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ. وَقَرَأَهُ حِينَئِذٍ وَيَزِيدُ ذَلِكَ إِيضَاحًا
قَوْلُهَا فِي الْحَدِيثِ: «فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ» ،
أَيِ اسْمَعِ الْقَوْلَ الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْهِ وَهَذَا ينبىء بِأَنَّ رَسُول الله ﷺ عِنْد مَا قِيلَ لَهُ بَعْدَ الْغَطَّةِ الثَّالِثَةِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْآيَاتِ الْخَمْسَ قَدْ قَرَأَهَا سَاعَتَئِذٍ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَرَجَعَ مِنْ غَارِ حِرَاءٍ إِلَى بَيْتِهِ يَقْرَؤُهَا وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُ الْمَلَكِ لَهُ فِي
الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ اقْرَأْ إِعَادَةً لِلَّفْظِ الْمُنَزَّلِ مِنَ اللَّهِ إِعَادَةَ تَكْرِيرٍ لِلِاسْتِئْنَاسِ بِالْقِرَاءَةِ الَّتِي لَمْ يَتَعَلَّمْهَا مِنْ قَبْلُ.
وَلَمْ يُذْكَرْ لِفِعْلِ اقْرَأْ مَفْعُولٌ، إِمَّا لِأَنَّهُ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ وَأَنَّ الْمَقْصُودَ أَوْجَدِ الْقِرَاءَةَ، وَإِمَّا لِظُهُورِ الْمَقْرُوءِ مِنَ الْمَقَامِ، وَتَقْدِيرُهُ: اقْرَأْ مَا سَنُلْقِيهِ إِلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَقَوْلُهُ بِاسْمِ رَبِّكَ فِيهِ وُجُوهٌ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ افْتِتَاحَ كَلَامٍ بَعْدَ جُمْلَةِ اقْرَأْ وَهُوَ أَوَّلُ الْمَقْرُوءِ، أَيْ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ، فَتَكُونُ الْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ فَيَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ابْتَدِئْ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِ اقْرَأْ الثَّانِي فَيَكُونُ تَقْدِيمُهُ عَلَى مَعْمُولِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِ اسْمِ اللَّهِ. وَمَعْنَى الِاسْتِعَانَةِ بِاسْمِ اللَّهِ ذِكْرُ اسْمِهِ عِنْدَ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، وَإِقْحَامُ كَلِمَةِ (اسْمِ) لِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعَالَى لَا بِذَاتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْبَسْمَلَةِ، وَهَذَا الْوَجْهُ يَقْتَضِي أَنَّ النبيء ﷺ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ حِينَ تَلَقَّى هَذِهِ الْجُمْلَةَ.
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ وَيَكُونَ الْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ اقْرَأْ الثَّانِي مُقَدَّمًا عَلَى عَامِلِهِ لِلِاخْتِصَاصِ، أَيِ اقْرَأْ مَا سَيُوحَى إِلَيْكَ مُصَاحِبًا قِرَاءَتَكَ (اسْمَ رَبِّكَ) . فَالْمُصَاحِبَةُ مُصَاحَبَةُ الْفَهْمِ وَالْمُلَاحَظَةِ لِجَلَالِهِ، وَيَكُونُ هَذَا إِثْبَاتًا لِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَإِبْطَالًا لِلنِّدَاءِ بِاسْمِ الْأَصْنَامِ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: بِاسْمِ اللَّاتِ، بِاسْمِ الْعُزَّى، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَسْمَلَةِ. فَهَذَا أَوَّلُ مَا جَاءَ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ قَدِ افْتُتِحَ بِهِ أَوَّلُ الْوَحْيِ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى (عَلَى) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ [آل عمرَان:
٧٥] ، أَيْ عَلَى قِنْطَارٍ. وَالْمَعْنَى: اقْرَأْ عَلَى اسْمِ رَبِّكَ، أَيْ عَلَى إِذْنِهِ، أَيْ أَنَّ الْمَلَكَ جَاءَكَ عَلَى اسْمِ رَبِّكَ، أَيْ مُرْسَلًا مِنْ رَبِّكَ، فَذِكْرُ (اسْمِ) عَلَى هَذَا مُتَعَيِّنٌ.
следующие страницы →