← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.

стр. 10991

سُؤَالٍ مِنْهَا: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ فِي سُورَةِ الْجُمُعَةِ [٦] وَالسُّوَرُ الْمُفْتَتَحَةُ بِالْأَمْرِ بِالْقَوْلِ خَمْسُ سُوَرٍ: قُلْ أُوحِيَ [الْجِنّ: ١] ، وَسُورَةُ الْكَافِرُونَ، وَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ، وَالْمُعَوِّذَتَانِ، فَالثَّلَاثُ الْأُوَلُ لِقَوْلٍ يُبَلِّغُهُ، وَالْمُعَوِّذَتَانِ لِقَوْلٍ يَقُولُهُ لِتَعْوِيذِ نَفْسِهِ. والنداء موجه إِلَى الْأَرْبَعَة الَّذِينَ قَالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ : فَلْنَعْبُدْ مَا تَعْبُدُ وَتَعْبُدْ مَا نَعْبُدُ، كَمَا فِي خَبَرِ سَبَبِ النُّزُولِ وَذَلِكَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ كَمَا سَيَأْتِي. وَابْتُدِئَ خِطَابُهُمْ بِالنِّدَاءِ لِإِبْلَاغِهِمْ، لِأَنَّ النِّدَاءَ يَسْتَدْعِي إِقْبَالَ أَذْهَانِهِمْ عَلَى مَا سَيُلْقَى عَلَيْهِمْ. وَنُودُوا بِوَصْفِ الْكَافِرِينَ تَحْقِيرًا لَهُمْ وَتَأْيِيدًا لِوَجْهِ التَّبَرُّؤِ مِنْهُمْ وَإِيذَانًا بِأَنَّهُ لَا يَخْشَاهُمْ إِذَا نَادَاهُمْ بِمَا يَكْرَهُونَ مِمَّا يُثِيرُ غَضَبَهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ كَفَاهُ إِيَّاهُمْ وَعَصَمَهُ مِنْ أَذَاهُمْ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ: إِنَّ الْمَعْنَى: قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ أَنْ يَعْتَمِدَهُمْ فِي نَادِيهِمْ فَيَقُولُ لَهُمْ: يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَهُمْ يَغْضَبُونَ مِنْ أَنْ يُنْسَبُوا إِلَى الْكُفْرِ. فَقَوْلُهُ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ إِخْبَارٌ عَنْ نَفسه بِمَا يحصل مِنْهَا. وَالْمَعْنَى: لَا تَحْصُلُ مِنِّي عِبَادَتِي مَا تَعْبُدُونَ فِي أَزْمِنَةٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا لِأَنَّ الْمُضَارِعَ يَحْتَمِلُ الْحَالَ وَالِاسْتِقْبَالَ فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ (لَا) النَّافِيَةُ أَفَادَتِ انْتِفَاءَهُ فِي أَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا دَرَجَ عَلَيْهِ فِي «الْكَشَّافِ» ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ. وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ حَرْفُ (لَنْ) مُفِيدًا تَأْكِيدَ النَّفْيِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ زِيَادَة على مُطلق النَّفْيِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْخَلِيلُ: أَصْلُ (لَنْ) : لَا أَنْ، فَلَمَّا أَفَادَتْ (لَا) وَحْدَهَا نَفْيَ الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ تَقْدِيرُ (أَنْ) بَعْدَ (لَا) مُفِيدًا تَأْكِيدَ ذَلِكَ النَّفْيِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالُوا إِنَّ (لَنْ) تُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَعَلِمْنَا أَنْ (لَا) كَانَتْ مُفِيدَةً نَفْيَ الْفِعْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَخَالَفَهُمُ ابْنُ مَالِكٍ كَمَا فِي «مُغَنِّي اللَّبِيبِ» ، وَأَبُو حَيَّانَ كَمَا قَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَالسُّهَيْلَيُّ عِنْدَ كَلَامِهِ عَلَى نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي «الرَّوْضِ الْأُنُفِ» .

стр. 10992

وَنَفْيُ عِبَادَتِهِ آلِهَتَهَمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يُفِيدُ نَفْيَ أَنْ يَعْبُدَهَا فِي الْحَالِ بِدَلَالَةِ فَحْوَى الْخِطَابِ، وَلِأَنَّهُمْ مَا عَرَضُوا عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهُمْ بَعْدَ سَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ. وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي جَانِبِ نَفْيِ عِبَادَتِهِمْ لِلَّهِ بِنَفْيِ اسْمِ الْفَاعِلِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ بِقَوْلِهِ: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ، أَيْ مَا أَنْتُمْ بِمُغَيِّرِينَ إِشْرَاكَكُمُ الْآنَ لِأَنَّهُمْ عَرَضُوا عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئُوا هُمْ فَيَعْبُدُوا الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ النَّبِيءُ ﷺ سَنَةً. وَبِهَذَا تَعْلَمُ وَجْهَ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ نَظْمِ الْجُمْلَتَيْنِ فِي أُسْلُوبِ الِاسْتِعْمَالِ الْبَلِيغِ. وَهَذَا إِخْبَارُهُ إِيَّاهُمْ بِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ غَيْرُ فَاعِلِينَ ذَلِكَ مِنَ الْآنِ بِإِنْبَاءِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيئَهُ ﷺ بِذَلِكَ فَكَانَ قَوْلُهُ هَذَا مِنْ دَلَائِلِ نُبُوءَتِهِ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [الْبَقَرَة: ٢٤] فَإِنَّ أُولَئِكَ النَّفَرَ الْأَرْبَعَةَ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَمَاتُوا عَلَى شركهم. وَمَا صدق مَا أَعْبُدُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَعَبَّرَ بِ مَا الْمَوْصُولَةِ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْعَاقِلِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُخْتَارِ وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ (مَنْ) بِالْعَاقِلِ، فَلَا مَانِعَ مِنْ إِطْلَاقِ (مَا) عَلَى الْعَاقِلِ إِذَا كَانَ اللَّبْسُ مَأْمُونًا. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي «الرَّوْضِ الْأُنُفِ» : أَنَّ (مَا) الْمَوْصُولَةَ يُؤْتَى بِهَا لِقَصْدِ الْإِبْهَامِ لِتُفِيدَ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّفْخِيمِ كَقَوْلِ الْعَرَبِ: سُبْحَانَ مَا سَبَّحَ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّماءِ وَما بَناها كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَة الشَّمْس [٥] . [٤] [سُورَة الْكَافِرُونَ (١٠٩) : آيَة ٤] وَلا أَنا عابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ (٤) عُطِفَ عَلَى وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الْكَافِرُونَ: ٣] عَطْفَ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ لمناسبة نفي أَو يَعْبُدُوا اللَّهَ فَأَرْدَفَ بِنَفْيِ أَنْ يَعْبُدَ هُوَ آلِهَتَهُمْ، وَعَطْفُهُ بِالْوَاوِ صَارِفٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِهِ تَأْكِيدَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ فَجَاءَ بِهِ عَلَى طَرِيقَةِ: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ. لِلدَّلَالَةِ على الثَّبَات، وبكون الْخَبَرُ اسْمَ فَاعِلٍ دَالًّا عَلَى زَمَانِ الْحَالِ، فَلَمَّا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَعْبُدَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَا يَعْبُدُونَهُ بِقَوْلِهِ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، صَرَّحَ هُنَا بِمَا تَقْتَضِيهِ دَلَالَةُ الْفَحْوَى عَلَى نَفْيِ أَنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهُمْ فِي الْحَالِ، بِمَا هُوَ صَرِيحُ الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِي مَزِيدَ الْبَيَانِ، فَاقْتَضَى الِاعْتِمَادَ عَلَى دَلَالَةِ الْمَنْطُوقِ إِطْنَابًا فِي الْكَلَامِ، لِتَأْيِيسِهِمْ مِمَّا رَاوَدُوهُ عَلَيْهِ وَلِمُقَابَلَةِ كَلَامِهِمُ الْمَرْدُودِ بِمِثْلِهِ فِي إِفَادَةِ الثَّبَاتِ. وَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ تَقْرِيرُ

стр. 10993

الْمَعْنَى السَّابِقِ وَتَأْكِيدُهُ، تَبَعًا لِمَدْلُولِ الْجُمْلَةِ لَا لِمَوْقِعِهَا، لِأَنَّ مَوْقِعَهَا أَنَّهَا عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَيْسَت تَوْكِيدًا لِجُمْلَةِ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ بِمُرَادِفِهَا لِأَنَّ التَّوْكِيدَ لِلَّفْظِ بِالْمُرَادِفِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا فِي الْمُفْرَدَاتِ وَلِأَنَّ وُجُودَ الْوَاوِ يُعَيِّنُ أَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ إِذْ لَيْسَ فِي جُمْلَةِ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَاوٌ حَتَّى يَكُونَ الْوَاوُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مُؤَكِّدًا لَهَا. وَلَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ بِالْوَاوِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا يُفْصَلُ بِهَا بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ فِي التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ. وَالْأَجْوَدُ الْفَصْلُ بِ (ثُمَّ) كَمَا فِي «التَّسْهِيلِ» مُقْتَصِرًا عَلَى (ثُمَّ) . وَزَادَ الرَّضِيُّ الْفَاءَ وَلَمْ يَأْتِ لَهُ بِشَاهِدٍ وَلَكِنَّهُ قَالَ: «وَقَدْ تَكُونُ (ثُمَّ) وَالْفَاءُ لِمُجَرَّدِ التَّدَرُّجِ فِي الِارْتِقَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْطُوفُ مُتَرَتِّبًا فِي الذَّكَرِ عَلَى الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ إِذَا تَكَرَّرَ الْأَوَّلُ بِلَفْظِهِ نَحْوَ: بِاللَّهِ، فَاللَّهِ، وَنَحْوَ وَاللَّهِ ثُمَّ وَاللَّهِ» . وَجِيءَ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ: مَا عَبَدْتُّمْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى رُسُوخِهِمْ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ مِنْ أَزْمَانٍ مَضَتْ، وَفِيهِ رَمْزٌ إِلَى تَنَزُّهِهِ ﷺ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ مِنْ سَالِفِ الزَّمَانِ وَإِلَّا لَقَالَ: وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا كُنَّا نعْبد. [٥] [سُورَة الْكَافِرُونَ (١٠٩) : آيَة ٥] وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: وَلا أَنا عابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ [الْكَافِرُونَ: ٤] لِبَيَانِ تَمَامِ الِاخْتِلَافِ بَين حَاله وحالهم وَإِخْبَارٌ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ إِخْبَارًا ثَانِيًا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَهُ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَتَقْوِيَةً لِدَلَالَةِ هذَيْن الْإِخْبَار على نُبُوءَتِهِ ﷺ فَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فَمَاتَ أُولَئِكَ كُلُّهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَكَانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوءَةِ. وَقَدْ حَصَلَ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِمِثْلِ نَظِيرَتِهَا السَّابِقَةِ تَوْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ تَوْكِيدًا لِلْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ مِنْهَا، وَلَيْسَ مَوْقِعُهَا مَوْقِعَ التَّوْكِيدِ لِوُجُودِ وَاوِ الْعَطْفِ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: وَلا أَنا عابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ وَلِذَلِكَ فَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ هُنَا: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ عَاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلَى جُمْلَةٍ لِأَجْلِ مَا اقْتَضَتْهُ جملَة: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِنَظِيرَتِهَا

стр. 10994

السَّابِقَةِ بِتَمَامِهَا بِمَا فِيهَا مِنْ وَاوِ الْعَطْفِ فِي نَظِيرَتِهَا السَّابِقَةِ وَتَكُونَ جُمْلَةُ: وَلا أَنا عابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ التَّأْكِيدِ وَالْمُؤَكَّدِ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّأْكِيدِ تَحْقِيقُ تَكْذِيبِهِمْ فِي عَرْضِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ رب مُحَمَّد ﷺ . [٦] [سُورَة الْكَافِرُونَ (١٠٩) : آيَة ٦] لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) تَذْيِيلٌ وَفَذْلَكَةٌ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ بِمَا فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدَاتِ، وَقَدْ أُرْسِلَ هَذَا الْكَلَامُ إِرْسَالَ الْمَثَلِ وَهُوَ أَجْمَعُ وَأَوْجَزُ مِنْ قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وَوَقَعَ فِي «تَفْسِيرِ الْفَخْرِ» هُنَا: «جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِأَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ الْمُتَارَكَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى مَا أَنْزَلَ الْقُرْآنَ لِيُتَمَثَّلَ بِهِ بَلْ لِيُتَدَبَّرَ فِيهِ ثُمَّ يُعْمَلُ بِمُوجَبِهِ» اهـ. وَهَذَا كَلَامٌ غَيْرُ مُحَرَّرٍ لِأَنَّ التَّمَثُّلَ بِهِ لَا يُنَافِي الْعَمَلَ بِمُوجَبِهِ وَمَا التَّمَثُّلُ بِهِ إِلَّا مِنْ تَمَامِ بَلَاغَتِهِ وَاسْتِعْدَادٍ لِلْعَمَلِ بِهِ. وَهَذَا الْمِقْدَارُ مِنَ التَّفْسِيرِ تَرَكَهُ الْفَخْرُ فِي الْمُسَوَّدَةِ. وَقُدِّمَ فِي كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ الْمُسْنَدُ عَلَى الْمَسْنَدِ إِلَيْهِ لِيُفِيدَ قَصْرَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ، أَيْ دِينُكُمْ مَقْصُورٌ عَلَى الْكَوْنِ بِأَنَّهُ لَكُمْ لَا يَتَجَاوَزُكُمْ إِلَى الْكَوْنِ لِي، وَدِينِي مَقْصُورٌ عَلَى الْكَوْنِ بِأَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُنِي إِلَى كَوْنِهِ لَكُمْ، أَيْ لِأَنَّهُمْ مُحَقَّقٌ عَدَمُ إِسْلَامِهِمْ. فَالْقَصْرُ قَصْرُ إِفْرَادٍ، وَاللَّامُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِشِبْهِ الْمِلْكِ وَهُوَ الِاخْتِصَاصُ أَوِ الِاسْتِحْقَاقُ. وَالدِّينُ: الْعَقِيدَةُ وَالْمِلَّةُ، وَهُوَ مَعْلُومَاتٌ وَعَقَائِدُ يَعْتَقِدُهَا الْمَرْءُ فَتَجْرِي أَعْمَالُهُ عَلَى مُقْتَضَاهَا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ دِينًا لِأَنَّ أَصْلَ مَعْنَى الدِّينِ الْمُعَامَلَةُ وَالْجَزَاءُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ دِينِ بِدُونِ يَاءٍ بَعْدَ النُّونِ عَلَى أَنَّ يَاءَ الْمُتَكَلِّمِ مَحْذُوفَةٌ لِلتَّخْفِيفِ مَعَ بَقَاءِ الْكَسْرَةِ عَلَى النُّونِ. وَقَرَأَهُ يَعْقُوبُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ. وَقَدْ كُتِبَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي الْمُصْحَفِ بِدُونِ يَاءٍ اعْتِمَادًا عَلَى حِفْظِ الْحُفَّاظِ لِأَنَّ الَّذِي يُثْبِتُ الْيَاءَ مِثْلَ يَعْقُوبَ يُشْبِعُ الْكَسْرَةَ إِذْ لَيْسَتِ الْيَاءُ إِلَّا مَدَّةً لِلْكَسْرَةِ فَعَدَمُ رَسْمِهَا فِي الْخَطِّ لَا يَقْتَضِي إِسْقَاطَهَا فِي اللَّفْظِ.

стр. 10995

وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وَهِشَام عَن ابْن عَامِرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِفَتْح الْيَاء من قَوْلِهِ: وَلِيَ وَقَرَأَهُ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وَابْنُ ذَكْوَانَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ وَخَلَفٌ بِسُكُونِ الْيَاءِ.

стр. 10996

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١١٠- سُورَةُ النَّصْرِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي كَلَامِ السَّلَفِ «سُورَةَ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ رَوَى الْبُخَارِيُّ: «أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ الْحَدِيثَ. وَسُمِّيَتْ فِي الْمَصَاحِفِ وَفِي مُعْظَمِ التَّفَاسِيرِ «سُورَةَ النَّصْرِ» لِذِكْرِ نَصْرِ اللَّهِ فِيهَا، فَسُمِّيَتْ بِالنَّصْرِ الْمَعْهُودِ عَهْدًا ذِكْرِيًّا. وَهِيَ مُعَنْوَنَةٌ فِي «جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ» «سُورَةَ الْفَتْحِ» لِوُقُوعِ هَذَا اللَّفْظِ فِيهَا فَيَكُونُ هَذَا الِاسْمُ مُشْتَرَكًا بَينهَا وَبَين سُورَة: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهَا تُسَمَّى «سُورَةَ التَّوْدِيعِ» فِي «الْإِتْقَانِ» لِمَا فِيهَا مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى وَدَاعِهِ ﷺ اهـ. يَعْنِي مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى اقْتِرَابِ لِحَاقِهِ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى كَمَا سَيَأْتِي عَنْ عَائِشَةَ. وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ نُزُولِهَا فَقِيلَ: نَزَلَتْ مُنْصَرَفَ النَّبِيءِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ (أَيْ فِي سَنَةِ سَبْعٍ) ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَتْ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُ أَكْبَرُ جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَجَاءَ نَصْرُ أَهْلِ الْيَمَنِ» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا أَهْلُ الْيَمَنِ؟ قَالَ: قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ، لَيِّنَةٌ طِبَاعُهُمْ، الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْفِقْهُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ» اهـ، وَمَجِيءُ أَهْلِ الْيَمَنِ أَوَّلَ مَرَّةٍ هُوَ مَجِيء وَقد الْأَشْعَرِيِّينَ عَامَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ التَّأْوِيلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَتْحِ فِي الْآيَةِ هُوَ فَتْحُ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ فَالْفَتْحُ

стр. 10997

مُسْتَقْبَلُ وَدُخُولُ النَّاسِ فِي الدِّينِ أَفْوَاجًا مُسْتَقْبَلٌ أَيْضًا وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِاسْتِعْمَالِ (إِذَا) وَيُحْمَلُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ : «جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ» عَلَى أَنَّهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاضِي فِي مَعْنَى الْمُضَارِعِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ أَوْ لِأَنَّ النَّصْرَ فِي خَيْبَرَ كَانَ بَادِرَةً لِفَتْحِ مَكَّةَ. وَعَنْ قَتَادَةَ: نَزَلَتْ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَنَتَيْنِ. وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «نَزَلَتْ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ» ، فَيَكُونُ الْفَتْحُ قَدْ مَضَى وَدُخُولُ النَّاسِ فِي الدِّينِ أَفْوَاجًا مُسْتَقْبَلًا، وَهُوَ فِي سَنَةِ الْوُفُودِ سَنَةَ تِسْعٍ، وَعَلَيْهِ تَكُونُ (إِذَا) مُسْتَعْمَلَةً فِي مُجَرَّدِ التَّوْقِيتِ دُونَ تعْيين. وروى الْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عمر أَنَّهَا نزلت أَوَاسِطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (أَيْ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ) . وَضَعَّفَهُ ابْنُ رَجَبٍ بِأَنَّ فِيهِ مُوسَى بْنَ عُبَيْدَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ وَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ كَانَ الْفَتْحُ وَدُخُولُ النَّاسِ فِي الدِّينِ أَفْوَاجًا قَدْ مَضَيَا. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَاشَ بعد نُزُولهَا نَحوا من ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَعَلَيْهِ تَكُونُ (إِذَا) مُسْتَعْمَلَةً لِلزَّمَنِ الْمَاضِي لِأَنَّ الْفَتْحَ وَدُخُولَ النَّاسِ فِي الدِّينِ قَدْ وَقَعَا. وَقَدْ تَظَافَرَتِ الْأَخْبَارُ رِوَايَةً وَتَأْوِيلًا أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى إِيمَاءٍ إِلَى اقْتِرَابِ أَجَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُرَجِّحُ أَحَدَ الْأَقْوَالِ فِي وَقْتِ نُزُولِهَا إِذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ هَذَا الْإِيمَاءَ يُشِيرُ إِلَى تَوْقِيت بمجيء النَّصْرِ وَالْفَتْحِ وَدُخُولِ النَّاسِ فِي الدِّينِ أَفْوَاجًا فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ حَانَ الْأَجَلُ الشَّرِيفُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» : هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ لَهُ قَالَ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النَّصْر: ١] وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النَّصْر: ٣] . وَفِي هَذَا مَا يُؤَوِّلُ مَا فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ مِنْ إِشَارَةٍ إِلَى اقْتِرَابِ ذَلِك الْأَجَل مثل مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي «دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ» وَالدَّارِمِيِّ وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ: لَمَّا نَزَلَتْ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاطِمَةَ وَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي فَبَكَتْ» إِلَخْ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: «لَمَّا نَزَلَتْ» مُدْرَجٌ مِنَ الرَّاوِي، وَإِنَّمَا هُوَ

стр. 10998

إِعْلَامٌ لَهَا فِي مَرَضِهِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْوَفَاةِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» فَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ مَا يَلُوحُ مِنْهُ تَعَارُضٌ فِي هَذَا الشَّأْنِ. وَعَدَّهَا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ السُّورَةَ الْمِائَةَ وَالثَّلَاثَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، وَقَالَ: نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْحَشْرِ وَقَبْلَ سُورَةِ النُّورِ. وَهَذَا جَارٍ عَلَى رِوَايَةِ أَنَّهَا نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا آخَرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ فَتَكُونُ عَلَى قَوْلِهِ السُّورَةَ الْمِائَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ بَرَاءَةَ وَلَمْ تُنَزَّلْ بَعْدَهَا سُورَةٌ أُخْرَى. وَعَدَدُ آيَاتِهَا ثَلَاثٌ وَهِيَ مُسَاوِيَةٌ لِسُورَةِ الْكَوْثَرِ فِي عَدَدِ الْآيَاتِ إِلَّا أَنَّهَا أَطْوَلُ مِنْ سُورَةِ الْكَوْثَرِ عِدَّةَ كَلِمَاتٍ، وَأَقْصَرُ مِنْ سُورَةِ الْعَصْرِ. وَهَاتِهِ الثَّلَاثُ مُتَسَاوِيَةٌ فِي عَدَدِ الْآيَاتِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبْعِيِّ فِي حَدِيثِ: «طَعْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فصلى عبد الرحمان بْنُ عَوْفٍ صَلَاةً خَفِيفَةً بِأَقْصَرِ سُورَتَيْنِ فِي الْقُرْآنِ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الْكَوْثَرَ: ١] وإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النَّصْر: ١] . أغراضها وَالْغَرَضُ مِنْهَا الْوَعْدُ بِنَصْرٍ كَامِلٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوْ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وَالْبِشَارَةُ بِدُخُولِ خَلَائِقَ كَثِيرَةٍ فِي الْإِسْلَامِ بِفَتْحٍ وَبِدُونِهِ إِنْ كَانَ نُزُولُهَا عِنْدَ مُنْصَرَفِ النَّبِيءِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَالْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّهُ حِينَ يَقَعُ ذَلِكَ فَقَدِ اقْتَرَبَ انْتِقَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْآخِرَةِ. وَوَعْدُهُ بِأَنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ مَغْفِرَةً تَامَّةً لَا مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ بَعْدَهَا فِي شَيْءٍ مِمَّا يَخْتَلِجُ فِي نَفْسِهِ الْخَوْفَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ يَقْتَضِيهِ تَحْدِيدُ الْقُوَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْحَدَّ الَّذِي لَا يَفِي بِمَا تَطْلُبُهُ هِمَّتُهُ الْمَلَكِيَّةُ بِحَيْثُ يَكُونُ قَدْ سَاوَى الْحَدَّ الْمَلَكِيَّ الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَلَائِكَةِ بِقَوْلِهِ: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لَا يَفْتُرُونَ [الْأَنْبِيَاء

стр. 10999

: ٢٠] . [١- ٣] [سُورَة النَّصْر (١١٠) : الْآيَات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣) إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِذا اسْمُ زَمَانٍ مُبْهَمٌ يَتَعَيَّنُ مِقْدَارُهُ بِمَضْمُونِ جُمْلَةٍ يُضَافُ إِلَيْهَا هُوَ. فَ إِذا اسْمُ زَمَانٍ مُطْلَقٌ، فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ غَالِبًا. وَلِذَلِكَ يُضَمَّنُ مَعْنَى الشَّرْطِ غَالِبًا، وَيَكُونُ الْفِعْلُ الَّذِي تُضَافُ إِلَيْهِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي غَالِبًا لِإِفَادَةِ التَّحَقُّقِ، وَقَدْ يَكُونُ مُضَارِعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩] . وَيُسْتَعْمَلُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أَنْ تَقَعَ الْجُمْلَةُ بَعْدَهُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي، وَلَا تُضَمَّنُ إِذا مَعْنَى الشَّرْطِ حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا هِيَ لِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ دُونَ قَصْدِ تَعْلِيقٍ نَحْوَ: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الْجُمُعَة: ١١] . وإِذا هُنَا مُضَمَّنَةٌ الشَّرْطَ لَا مَحَالَةَ لوُجُود الْفَاء فِي قَوْله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَقَضِيَّةُ الِاسْتِقْبَالِ وَعَدَمِهِ تَقَدَّمَتْ. وَالنَّصْرُ: الْإِعَانَةُ عَلَى الْعَدُوِّ. وَنَصْرُ اللَّهِ يَعْقُبُهُ التَّغَلُّبُ عَلَى الْعَدُوِّ. والْفَتْحُ: امْتِلَاكُ بَلَدِ الْعَدُوِّ وَأَرْضِهِ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِفَتْحِ بَابِ الْبَلَدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ [الْمَائِدَة: ٢٣] ، وَيَكُونُ بِاقْتِحَامِ ثُغُورِ الْأَرْضِ وَمَحَارِسِهَا فَقَدْ كَانُوا يَنْزِلُونَ بِالْأَرَضِينَ الَّتِي لَهَا شِعَابٌ وَثُغُورٌ قَالَ لَبِيَدٌ: وَأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلَامُهَا وَقَدْ فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ خَيْبَرَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْفَتْحَ الْمَذْكُورَ فِيهَا فَتْحٌ آخَرُ وَهُوَ فَتْحُ مَكَّةَ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ التَّعْرِيفُ بِلَامِ الْعَهْدِ، وَهُوَ الْمَعْهُودُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [الْفَتْح: ١- ٣] . فَإِضَافَةُ نَصْرُ إِلَى اللَّهِ تُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ هَذَا النَّصْرِ وَأَنَّهُ نَصْرٌ عَزِيزٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ اعْتَنَى اللَّهُ بِإِيجَادِ أَسْبَابِهِ وَلَمْ تَجْرِ عَلَى مُتَعَارَفِ تَوَلُّدِ الْحَوَادِثِ عَنْ أَمْثَالِهَا. وجاءَ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى: حَصَلَ وَتَحَقَّقَ مَجَازًا.

стр. 11000

وَالتَّعْرِيفُ فِي «الْفَتْحِ» لِلْعَهْدِ وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [الْقَصَص: ٨٥] وَقَوْلُهُ: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [الْفَتْح: ٢٧] . وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ. وَقَدِ اتَّفَقَتْ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ الْفَتْحَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ هُوَ فَتْحُ مَكَّةَ إِلَّا رِوَايَةً عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ فَتْحُ الْمَدَائِن والقصور، يعنون الْحُصُونَ. وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ يُخَالِجُ نُفُوسَ الْعَرَبِ كُلِّهِمْ فَالْمُسْلِمُونَ كَانُوا يَرْجُونَهُ وَيَعْلَمُونَ مَا أَشَارَ بِهِ الْقُرْآنُ من الْوَعْد بِهِ وَأَهْلُ مَكَّةَ يَتَوَقَّعُونَهُ وَبَقِيَّةُ الْعَرَبِ يَنْتَظِرُونَ مَاذَا يَكُونُ الْحَالُ بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ وَبَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ وَيَتَلَوَّمُونَ بِدُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ فَتْحَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى قومه فَهُوَ نبيء. وَتَكَرَّرَ أَنْ صَدَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِمَّنْ يُرِيدُ اتِّبَاعَ الْإِسْلَامِ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ وَإِنْظَارُهُ إِلَى مَا سَيَظْهَرُ مِنْ غَلَبِ الْإِسْلَامِ أَوْ غَلَبِ الشِّرْكِ. أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: «لَمَّا كَانَ الْفَتْحُ بَادَرَ كل قوم بِإِسْلَامِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتِ الْأَحْيَاءُ تَتَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهَا فَتْحَ مَكَّةَ فَيَقُولُونَ دَعُوهُ وَقَوْمَهُ فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيءٌ» . وَعَنِ الْحَسَنِ: لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ أَقْبَلَتِ الْعَرَبُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَقَالُوا: أَمَّا إِذْ ظَفِرَ بِأَهْلِ الْحَرَمِ فَلَيْسَ لَنَا بِهِ يَدَانِ فَكَانُوا يَدْخُلُونَ فِي الْإِسْلَامِ أَفْوَاجًا. فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ الْفَتْحَ هُوَ فَتْحُ مَكَّةَ يَسْتَقِيمُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ فِي وَقْتِ نُزُولِهَا. وَيُحْتَمَلُ عَلَى قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ أَنْ يَكُونَ الْفَتْحُ قَدْ مَضَى وَيَكُونَ التَّعْلِيقُ عَلَى مَجْمُوعِ فَتْحِ مَكَّةَ وَمَجِيءِ نَصْرٍ مِنَ اللَّهِ آخَرَ وَدُخُولِ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ بِمَا فَتَحَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَدُخُولِ الْعَرَبِ كُلِّهِمْ فِي الْإِسْلَامِ سَنَةَ الْوُفُودِ. وَعَلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ» يَكُونُ تَعْلِيقُ جُمْلَةِ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ عَلَى الشَّرْطِ الْمَاضِي مُرَادًا بِهِ التَّذْكِيرُ بِأَنَّهُ حَصَلَ، أَيْ إِذَا

стр. 11001

تَحَقَّقَ مَا وَعَدْنَاكَ بِهِ مِنَ النَّصْرِ وَالْفَتْحِ وَعُمُومِ الْإِسْلَامِ بِلَادَ الْعَرَبِ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِذا بِمَعْنَى (قَدْ) ، فَهُوَ تَفْسِيرٌ حَاصِلُ الْمَعْنَى، وَلَيْسَتْ إِذا مِمَّا يَأْتِي بِمَعْنَى (قَدْ) . وَالرُّؤْيَةُ فِي قَوْلِهِ: وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً، أَيْ وَعَلِمْتَ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا وَذَلِكَ بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ مِنْ آفَاقِ بِلَادِ الْعَرَبِ وَمَوَاطِنِ قَبَائِلِهِمْ وَبِمَنْ يَحْضُرُ مِنْ وُفُودِهِمْ. فَيَكُونُ جُمْلَةُ يَدْخُلُونَ فِي مَحَلِّ الْمَفْعُولِ الثَّانِي لِ رَأَيْتَ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رُؤْيَةً بَصَرِيَّةً بِأَنْ رَأَى أَفْوَاجَ وُفُودِ الْعَرَبِ يَرِدُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَدْخُلُونَ فِي الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَقَدْ رَأَى النَّبِيءُ ﷺ بِبَصَرِهِ مَا عَلِمَ مِنْهُ دُخُولَهُمْ كُلِّهِمْ فِي الْإِسْلَامِ بِمَنْ حَضَرَ مَعَهُ الْمَوْقِفَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَدْ كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ مِنْ مُخْتَلَفِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ يَدْخُلُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ النَّاسِ. ودِينِ اللَّهِ هُوَ الْإِسْلَامُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمرَان: ١٩] وَقَوْلِهِ: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [الرّوم: ٣٠] . وَالدُّخُولُ فِي الدِّينِ: مُسْتَعَارٌ لِلنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَالْتِزَامِ أَحْكَامِ الدِّينِ النَّاشِئَةِ عَنْ تِلْكَ الشَّهَادَةِ. فَشُبِّهَ الدِّينُ بِبَيْتٍ أَوْ حَظِيرَةٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَكْنِيَّةِ وَرَمَزَ إِلَيْهِ بِمَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَهُوَ الدُّخُولُ، عَلَى تَشْبِيهِ التَّلَبُّسِ بِالدِّينِ بِتَلَبُّسِ الْمَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ، فَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ أُخْرَى تَصْرِيحِيَّةٌ. والنَّاسَ: اسْمُ جَمْعٍ يَدُلُّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْآدَمِيِّينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٨] . وَإِذَا عُرِّفَ اسْمُ نَاسٍ بِاللَّامِ احْتَمَلَتِ الْعَهْدَ نَحْوَ: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ [آل عمرَان: ١٧٣] ، وَاحْتَمَلَتِ الْجِنْسَ نَحْوَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمرَان: ١٧٣] وَاحْتَمَلَتْ الِاسْتِغْرَاقَ نَحْوَ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ [الْبَقَرَة: ٨] وَنَحْوَ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [النَّاسِ: ١] . وَالتَّعْرِيفُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ الْعُرْفِيِّ، أَيْ جَمِيعَ النَّاسِ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالْبَالِ لِعَدَمِ إِرَادَة معهودين معينني وَلِاسْتِحَالَةِ دُخُولِ كُلِّ إِنْسَانٍ فِي دِينِ اللَّهِ بِدَلِيلِ

стр. 11002

الْمُشَاهَدَةِ، فَالْمَعْنَى: وَرَأَيْتَ نَاسًا كَثِيرِينَ أَوْ وَرَأَيْت الْعَرَبَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: «قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ «الِاسْتِيعَابِ» فِي بَابِ خِرَاشٍ الْهُذَلِيِّ: لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْعَرَبِ رَجُلٌ كَافِرٌ بَلْ دَخَلَ الْكُلُّ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، مِنْهُمْ مَنْ قَدِمَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدِمَ وَافِدُهُ» اهـ. وَإِنَّمَا يُرَادُ عَرَبُ الْحِجَازِ وَنَجْدٍ وَالْيَمَنِ لِأَنَّ مِنْ عَرَبِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ مَنْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَهُمْ: تَغْلَبُ وَغَسَّانُ فِي مشارف الشَّام وَالشَّام، وَكَذَلِكَ لَخْمٍ وَكَلْبٍ مِنَ الْعِرَاقِ فَهَؤُلَاءِ كَانُوا نَصَارَى وَلَمْ يُسْلِمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ إِلَّا بَعْدَ فَتْحِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ رُؤْيَةً بَصَرِيَّةً. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَعْلَمَهُ بِذَلِكَ إِنْ جَعَلْنَا الرُّؤْيَةَ عِلْمِيَّةً. وَالْأَفْوَاجُ: جَمْعُ فَوْجٍ وَهُوَ الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ فِي سُورَةِ ص [٥٩] ، أَيْ يَدْخُلُونَ فِي الْإِسْلَام قبائل، وَانْتَصَبَ أَفْواجاً عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ يَدْخُلُونَ وَجُمْلَةُ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ جَوَابُ إِذا بِاعْتِبَارِ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَفِعْلُ فَسَبِّحْ هُوَ الْعَامِلُ فِي إِذا النَّصْبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالْفَاءُ رَابِطَةٌ لِلْجَوَابِ لِأَنَّهُ فِعْلُ إِنْشَاءٍ. وَقَرَنَ التَّسْبِيحَ بِالْحَمْدِ بِبَاءِ الْمُصَاحَبَةِ الْمُقْتَضِيَةِ أَنَّ التَّسْبِيحَ لَاحِقٌ لِلْحَمْدِ لِأَنَّ بَاءَ الْمُصَاحَبَةِ بِمَعْنَى (مَعَ) فَهِيَ مِثْلَ (مَعَ) فِي أَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَتْبُوعِ فَكَانَ حَمْدُ اللَّهِ عَلَى حُصُولِ النَّصْرِ وَالْفَتْحِ وَدُخُولِ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ شَيْئًا مَفْرُوغًا مِنْهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْأَمْرِ بِإِيقَاعِهِ لِأَنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى تَذْكِيرِهِ بِتَسْبِيحٍ خَاصٍّ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ قَبْلُ فِي تَسْبِيحَاتِهِ وَبِاسْتِغْفَارٍ خَاصٍّ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ قَبْلُ فِي اسْتِغْفَارِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ الْمَأْمُورُ بِهِ تَسْبِيحَ ابْتِهَاجٍ وَتَعَجُّبٍ مِنْ تَيْسِيرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ مَا لَا يَخْطُرُ بِبَالِ أَحَدٍ أَنْ يَتِمَّ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ سُبْحَانَ اللَّهَ وَنَحْوَهُ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّعَجُّبِ كَقَوْلِ الْأَعْشَى:

стр. 11003

قَدْ قُلْتُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ وَفِي تَقْدِيمِ الْأَمْرِ بِالتَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ عَلَى الْأَمْرِ بِالِاسْتِغْفَارِ تَمْهِيدٌ لِإِجَابَةِ اسْتِغْفَارِهِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي تَقْدِيمِ الثَّنَاءِ قَبْلَ سُؤَالِ الْحَاجَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي الصَّلْتِ: إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ عَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَخْلُو عَنْ تَسْبِيحِ اللَّهِ فَأُرِيدَ تَسْبِيحٌ يُقَارِنُ الْحَمْدَ عَلَى مَا أُعْطِيَهُ مِنَ النَّصْرِ وَالْفَتْحِ وَدُخُولِ الْأُمَّةِ فِي الْإِسْلَامِ. وَعَطْفُ الْأَمْرِ بِاسْتِغْفَارِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّسْبِيحِ مَعَ الْحَمْدِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ حَيِّزِ جَوَابِ إِذا، وَأَنَّهُ اسْتِغْفَارٌ يَحْصُلُ مَعَ الْحَمْدِ مِثْلَ مَا قُرِّرَ فِي فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اسْتِغْفَارٌ خَاصٌّ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ الَّذِي يَعُمُّ طَلَبَ غُفْرَانِ التَّقْصِيرِ وَنَحْوَهُ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ قَبْلُ وَهُوَ مِنْ شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ فَقَدْ قَالَ: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ» فَكَانَ تَعْلِيقُ الْأَمْرِ بِالتَّسْبِيحِ وَبِالِاسْتِغْفَارِ عَلَى حُصُولِ النَّصْرِ وَالْفَتْحِ إِيمَاءً إِلَى تَسْبِيحٍ وَاسْتِغْفَارٍ يَحْصُلُ بِهِمَا تَقَرُّبٌ لَمْ يُنْوَ مِنْ قَبْلُ، وَهُوَ التَّهَيُّؤُ لِلِقَاءِ اللَّهِ، وَأَنَّ حَيَاته الدُّنْيَوِيَّة أَو شكت عَلَى الِانْتِهَاءِ، وَانْتِهَاءُ أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ الَّتِي تَزِيدُ النَّبِيءَ ﷺ فِي رَفْعِ دَرَجَاتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ التَّجَاوُزَ عَمَّا يَعْرِضُ لَهُ مِنِ اشْتِغَالٍ بِبَعْضِ الْحُظُوظِ الضَّرُورِيَّةِ لِلْحَيَاةِ أَوْ مِنِ اشْتِغَالٍ بِمُهِمٍّ مِنْ أَحْوَالِ الْأُمَّةِ يَفُوتُهُ بِسَبَبِهِ أَمْرٌ آخَرُ هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ، مِثْلَ فِدَاءِ أَسْرَى بَدْرٍ مَعَ فَوَاتِ مَصْلَحَةِ اسْتِئْصَالِهِمْ الَّذِي هُوَ أَصْلَحُ لِلْأُمَّةِ فَعُوتِبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى [الْأَنْفَال: ٦٧] الْآيَةَ، أَوْ مِنْ ضَرُورَاتِ الْإِنْسَانِ كَالنَّوْمِ وَالطَّعَامِ الَّتِي تُنْقِصُ مِنْ حَالَةِ شَبَهِهِ بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ، فَكَانَ هَذَا إِيذَانًا بِاقْتِرَابِ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِانْتِقَالِهِ مِنْ حَيَاةٍ تَحْمِلُ أَعْبَاءَ الرِّسَالَةِ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ فِي الْعُلْوِيَّاتِ الْمَلَكِيَّةِ. وَالْكَلَامُ مِنْ قَبِيلِ الْكِنَايَةِ الرَّمْزِيَّةِ وَهِيَ لَا تُنَافِي إِرَادَةَ الْمَعْنَى الصَّرِيحِ بِأَنْ يُحْمَلَ الْأَمْرُ بِالتَّسْبِيحِ وَالِاسْتِغْفَارِ عَلَى مَعْنَى الْإِكْثَارِ مِنْ قَوْلِ ذَلِكَ. وَقَدْ دَلَّ ذَوْقُ الْكَلَامِ بَعْضَ ذَوي الأفهام النافدة مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنى وغاصب عَلَيْهِ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَالْعَبَّاسِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ، فَعَنْ مُقَاتِلٍ: «لَمَّا نَزَلَتْ قَرَأَهَا

стр. 11004

النَّبِيءُ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ فَفَرِحُوا وَاسْتَبْشَرُوا وَبَكَى الْعَبَّاسُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ : مَا يُبْكِيكَ يَا عَمُّ؟ قَالَ: نُعِيَتْ إِلَيْكَ نَفْسُكَ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَكَمَا تَقُولُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «نَزَلَتْ فِي مِنًى فَبَكَى عُمَرُ وَالْعَبَّاسُ فَقِيلَ لَهُمَا، فَقَالَا: فِيهِ نُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيءُ ﷺ : صَدَقْتُمَا نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي» . وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «كَانَ عُمَرُ يَأْذَنُ لِأَهْلِ بَدْرٍ وَيَأْذَنُ لِي مَعَهُمْ فَوَجَدَ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: إِنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ. قَالَ: فَأَذِنَ لَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَذِنَ لِي مَعَهُمْ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَقَالُوا: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ إِذَا فَتَحَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ وَيَتُوبَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا تَقُوُلُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قُلْتُ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ أَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ حُضُورَ أَجَلِهِ فَقَالَ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، فَذَلِكَ عَلَامَةُ مَوْتِكَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ» فَهَذَا فَهْمُ عُمَرَ وَالْعَبَّاسِ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنِهِ. وَقَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ . فَعَلِمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِأَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا وَآبَائِنَا وَأَوْلَادِنَا» اهـ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْكَشَّافِ» : الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إِلَّا صَدْرَهُ دُونَ أَوَّلِهِ مِنْ كَوْنِهِ كَانَ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بُكَاءُ أَبِي بَكْرٍ تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أُولَاهُمَا عِنْدَ نُزُولِ سُورَةِ النَّصْرِ كَمَا فِي رِوَايَةِ «الْكَشَّافِ» وَالثَّانِيَةُ عِنْدَ خُطْبَةِ النَّبِيءِ ﷺ فِي مَرَضِهِ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ «تُسَمَّى سُورَةَ التَّوْدِيعِ» أَيْ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهَا إِيذَانٌ بِقرب وَفَاة رَسُول الله ﷺ . وَتَقْدِيمُ التَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ رَاجِعٌ إِلَى وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّنَزُّهِ عَنِ النَّقْصِ وَهُوَ يَجْمَعُ صِفَاتِ السَّلْبِ، فَالتَّسْبِيحُ مُتَمَحِّضٌ لِجَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ الْحَمْدَ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ لِإِنْعَامِهِ، وَهُوَ أَدَاءُ الْعَبْدِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِشُكْرِ الْمُنْعِمِ فَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ إِثْبَاتَ صِفَاتِ الْكَمَالِ لِلَّهِ الَّتِي هِيَ مَنْشَأُ إِنْعَامِهِ عَلَى عَبْدِهِ فَهُوَ جَامِعٌ بَيْنَ جَانِبِ اللَّهِ وَحَظِّ الْعَبْدِ، وَأَمَّا الِاسْتِغْفَارُ فَهُوَ حَظٌّ لِلْعَبْدِ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ طَلَبُهُ اللَّهَ أَنْ يَعْفُوَ عَمَّا يُؤَاخِذُهُ عَلَيْهِ.

стр. 11005

وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ: فَسَبِّحَ بِحَمْدِهِ، لِتَقَدُّمِ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي قَوْلِهِ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ فَعدل عَن الضَّمِيرِ إِلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ وَهُوَ رَبِّكَ لِمَا فِي صِفَةِ (رَبِّ) وَإِضَافَتِهَا إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ مِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ النَّصْرِ وَالْفَتْحِ وَدُخُولِ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ نِعْمَةً أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ إِذَا حَصَلَ هَذَا الْخَيْرُ الْجَلِيلُ بِوَاسِطَتِهِ فَذَلِكَ تَكْرِيمٌ لَهُ وَعِنَايَةٌ بِهِ وَهُوَ شَأْنُ تَلَطُّفِ الرَّبِّ بِالْمَرْبُوبِ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ السِّيَادَةُ الْمَرْفُوقَةُ بِالرِّفْقِ وَالْإِبْلَاغِ إِلَى الْكَمَالِ. وَقَدِ انْتَهَى الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَاسْتَغْفِرْهُ وَقَدْ رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ كَانَ فِي قِرَاءَتِهِ يَقِفُ عِنْدَ وَاسْتَغْفِرْهُ ثُمَّ يُكْمِلُ السُّورَةَ» . إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً تَذْيِيلٌ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ كُلِّهِ وَتَعْلِيلٌ لِمَا يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ بِاسْتِغْفَارِ رَبِّهِ بِاعْتِبَارِ الصَّرِيحِ مِنَ الْكَلَامِ السَّابِقِ كَمَا سَيَتَبَيَّنُ لَكَ. وَتَوَّابٌ: مِثَالُ مُبَالَغَةٍ مِنْ تَابَ عَلَيْهِ. وَفِعْلُ تَابَ الْمُتَعَدِّي بِحَرْفِ (عَلَى) يُطْلَقُ بِمَعْنَى: وُفِّقَ لِلتَّوْبَةِ، أَثْبَتَهُ فِي «اللِّسَان» و «الْقَامُوس» ، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ خَاصٌّ بِمَا أُسْنِدَ إِلَى اللَّهِ. وَقَدِ اشْتَمَلَتِ الْجُمْلَةُ عَلَى أَرْبَعِ مُؤَكِّدَاتٍ هِيَ: إِنَّ، وَكَانَ، وَصِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّوَّابِ، وَتَنْوِينُ التَّعْظِيمِ فِيهِ. وَحَيْثُ كَانَ توكيد بِ (إِنَّ) هُنَا غَيْرَ مَقْصُودٍ بِهِ رَدُّ إِنْكَارٍ وَلَا إِزَالَةُ تَرَدُّدٍ إِذْ لَا يُفْرَضَانِ فِي جَانِبِ الْمُخَاطَبِ ﷺ ، فَقَدْ تَمَحَّضَ (إِنَّ) لِإِفَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ بِتَأْكِيدِهِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مِنْ شَأْنِ (إِنَّ) إِذَا جَاءَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ تُغْنِيَ غَنَاءَ فَاءِ التَّرْتِيبِ وَالتَّسَبُّبِ وَتُفِيدُ التَّعْلِيلَ وَرَبْطَ الْكَلَامِ بِمَا قَبْلَهُ كَمَا تُفِيدُهُ الْفَاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٣٢] ، فَالْمَعْنَى: هُوَ شَدِيدُ الْقَبُولِ لِتَوْبَةِ عِبَادِهِ كَثِيرٌ قَبُولُهُ إِيَّاهَا. وَإِذْ قَدْ كَانَ الْكَلَامُ تَذْيِيلًا وَتَعْلِيلًا لِلْكَلَامِ السَّابِقِ تَعَيَّنَ أَنَّ حَذْفَ مُتَعَلِّقِ تَوَّاباً يُقَدَّرُ بِنَحْوِ: عَلَى التَّائِبِينَ. وَهَذَا الْمُقَدَّرُ مُرَادٌ بِهِ الْعُمُومُ، وَهُوَ عُمُومٌ

стр. 11006

مَخْصُوصٌ بِالْمَشِيئَةِ تُخَصِّصُهُ أَدِلَّةُ وَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَمَّا ذُكِرَ دَلِيلُ الْعُمُومِ عَقِبَ أَمْرِهِ بِالِاسْتِغْفَارِ أَفَادَ أَنَّهُ إِذَا اسْتَغْفَرَهُ غَفَرَ لَهُ دَلَالَةً تَقْتَضِيهَا مُسْتَتْبِعَاتُ التَّرَاكِيبِ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَعْلِيلَ الْأَمْرِ بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَنَّ الاسْتِغْفَار طلب لغفر، فَالطَّالِبُ يَتَرَقَّبُ إِجَابَةَ طَلَبِهِ، وَأَمَّا مَا فِي الْجُمْلَةِ مِنَ الْأَمْرِ بِالتَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْلِيلٍ لِأَنَّهُمَا إِنْشَاءُ تَنْزِيهٍ وَثَنَاءٍ عَلَى اللَّهِ. وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ أَفَادَتِ الْجُمْلَةُ إِشَارَةً إِلَى وَعْدٍ بِحُسْنِ الْقَبُولِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى حِينَمَا يَقْدُمُ عَلَى الْعَالَمِ الْقُدْسِيِّ، وَهَذَا مَعْنًى كِنَائِيٌّ لِأَنَّ مَنْ عُرِفَ بِكَثْرَةِ قَبُولِ تَوْبَةِ التَّائِبِينَ شَأْنُهُ أَنْ يُكْرِمَ وِفَادَةَ الْوَافِدِينَ الَّذِينَ سَعَوْا جُهُودَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ بِمُنْتَهَى الِاسْتِطَاعَةِ، أَوْ هُوَ مَجَازٌ بِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ الْعُرْفِيِّ لِأَنَّ مُنْتَهَى مَا يَخَافُهُ الْأَحِبَّةُ عِنْدَ اللِّقَاءِ مَرَارَةُ الْعِتَابِ، فَالْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ تَوَّابٌ اقْتَضَى أَنَّهُ لَا يَخَافُ عِتَابًا. فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ بِمَدْلُولِهَا الصَّرِيحِ وَمَدْلُولِهَا الْكِنَائِيِّ أَوِ الْمَجَازِيِّ وَمُسْتَتْبِعَاتُهَا تَعْلِيلٌ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ الْجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ مَعْنًى صَرِيحٍ أَوْ كِنَائِيٍّ يُنَاسِبُهُ التَّعْلِيلُ بِالتَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ بِاعْتِبَارِهِمَا تَمْهِيدًا لِلْأَمْرِ بِالِاسْتِغْفَارِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا لَا يَحْتَاجَانِ إِلَى التَّعْلِيلِ، أَوْ يُغْنِي تَعْلِيلُ الْمُمَهَّدِ لَهُ بِهِمَا عَنْ تَعْلِيلِهِمَا وَلَكِنَّهُمَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِمَا رَمْزًا إِلَى مُدَانَاةِ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ مَا فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً مِنَ الْوَعْدِ بِحُسْنِ الْقَبُولِ تَعْلِيلًا لِمَدْلُولِهِمَا الْكِنَائِيِّ، وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالِاسْتِغْفَارِ فَمُنَاسَبَةُ التَّعْلِيلِ لَهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً نَاهِضَةٌ بِاعْتِبَارِ كِلْتَا دَلَالَتَيْهِ الصَّرِيحَةِ وَالْكِنَائِيَّةِ، أَيْ أَنَّهُ مُتَقَبِّلٌ اسْتِغْفَارَكَ وَمُتَقَبِّلُكَ بِأَحْسَنِ قَبُولٍ، شَأْنَ مَنْ عَهِدَ مِنَ الصَّفْحِ وَالتَّكَرُّمِ. وَفِعْلُ كانَ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي لَازِمِ مَعْنَى الِاتِّصَافِ بِالْوَصْفِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي. وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ ذَاتِيٌّ لَهُ لَا يَتَخَلَّفُ مَعْمُولُهُ عَنْ عِبَادِهِ فَقَدْ دَلَّ اسْتِقْرَاءُ الْقُرْآنِ عَلَى إِخْبَارِ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ مِنْ مَبْدَأِ الْخَلِيقَةِ قَالَ تَعَالَى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [الْبَقَرَة: ٣٧] . وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، كَمَا فِي آيَةِ: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [نوح: ١٠] فَيَجْرِي الْوَصْفُ عَلَى مَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ: وَاسْتَغْفِرْهُ، فَعُدِلَ عَنْ ذَلِكَ تَلَطُّفًا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ بِأَنَّ أَمْرَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ لَيْسَ مُقْتَضِيًا إِثْبَاتَ ذَنْبٍ لَهُ لِمَا عَلِمْتَ آنِفًا مِنْ أَن وصف (تواب) جَاءَ مِنْ تَابَ عَلَيْهِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى وَفَّقَهُ

стр. 11007

لِلتَّوْبَةِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ إِرْشَادٌ إِلَى مَقَامِ التَّأَدُّبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ بِعِبَادِهِ، لَوْلَا تَفَضُّلُهُ بِمَا بَيَّنَ لَهُمْ مِنْ مُرَادِهِ، وَلِأَن وصف (توّاب) أَشد ملاءمة لِإِقَامَةِ الْفَاصِلَةِ مَعَ فَاصِلَةِ أَفْواجاً لِأَنَّ حَرْفَ الْجِيمِ وَحَرْفَ الْبَاءِ كِلَيْهِمَا حَرْفٌ مِنَ الْحُرُوفِ الْمَوْصُوفَةِ بِالشِّدَّةِ، بِخِلَافِ حَرْفِ الرَّاءِ فَهُوَ مِنَ الْحُرُوفِ الَّتِي صِفَتُهَا بَيْنَ الشِّدَّةِ وَالرَّخْوَةِ. وَرُوِيَ فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إِلَّا يَقُولُ: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ» أَيْ يَتَأَوَّلُ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا تَأَوَّلَهُ فِي مَقَامٍ آخَرَ عَلَى مَعْنَى اقْتِرَابِ أَجَلِهِ ﷺ .

стр. 11008

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١١١- سُورَةُ الْمَسَدِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي أَكْثَرِ الْمَصَاحِفِ «سُورَةَ تَبَّتْ» وَكَذَلِكَ عَنْوَنَهَا التِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ» وَفِي أَكْثَرِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ، تَسْمِيَةً لَهَا بِأَوَّلِ كَلِمَةٍ فِيهَا. وَسُمِّيَتْ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ وَبَعض التَّفَاسِيرِ «سُورَةَ الْمَسَدِ» . وَاقْتَصَرَ فِي «الْإِتْقَانِ» عَلَى هَذَيْنِ. وَسَمَّاهَا جَمْعٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ «سُورَةَ أَبِي لَهَبٍ» عَلَى تَقْدِيرِ: سُورَةِ ذِكْرِ أَبِي لَهَبٍ. وَعَنْوَنَهَا أَبُو حَيَّانَ فِي «تَفْسِيرِهِ» «سُورَةَ اللَّهَبِ» وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ. وَعَنْوَنَهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ» «سُورَةَ مَا كَانَ مِنْ أَبِي لَهَبٍ» وَهُوَ عُنْوَانٌ وَلَيْسَ بِاسْمٍ. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَعُدَّتِ السَّادِسَةَ مِنَ السُّوَرِ نُزُولًا، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ وَقَبْلَ سُورَةِ التَّكْوِيرِ. وَعَدَدُ آيِهَا خَمْسٌ. رُوِيَ أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْبَعْثَةِ. وَسَبَبُ نُزُولِهَا عَلَى مَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الصَّفَا فَنَادَى: «يَا صَبَاحَاهُ» (كَلِمَةٌ يُنَادَى بِهَا لِلْإِنْذَارِ مِنْ عَدُوٍّ يُصَبِّحُ الْقَوْمَ) فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقَالَ: إِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنِّي أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُمَسِّيكُمْ أَوْ مُصَبِّحُكُمْ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟! فَنَزَلَتْ: تَبَّتْ يَدا

стр. 11009

أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١] . وَوَقَعَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وقومك مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا» إِلَى آخِرَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ آيَةَ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ مِنْ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [٢١٤] ، وَهِيَ مُتَأَخِّرَةُ النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ تَبَّتْ، وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّ آيَةً تُشْبِهُ آيَةَ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ أَبِي لَهَبٍ لِمَا رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ يَبْلُغُ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا نَزَلَتْ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَقَوْمَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (وَلَمْ يَقُلْ مِنْ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ) خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا» فَتَعَيَّنَ أَنَّ آيَةَ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ تُشْبِهُ صَدْرَ الْآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ أبي لَهب. أغراضها زَجْرُ أَبِي لَهَبٍ عَلَى قَوْلِهِ: «تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ وَوَعِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَوَعِيدُ امْرَأَتِهِ عَلَى انْتِصَارِهَا لِزَوْجِهَا، وبغضها النبيء ﷺ . [١] [سُورَة المسد (١١١) : آيَة ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) افْتِتَاح السُّورَة بالتباب مُشْعِرٌ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ لِتَوْبِيخٍ وَوَعِيدٍ، فَذَلِكَ بَرَاعَةُ اسْتِهْلَالٍ مِثْلَ مَا تُفْتَتَحُ أَشْعَارُ الْهِجَاءِ بِمَا يُؤْذِنُ بِالذَّمِّ وَالشَّتْمِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١] إِذِ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى وَعِيدِ الْمُطَفِّفِينَ لِلَفْظِ الْوَيْلِ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَول عبد الرحمان بْنِ الْحَكَمِ مِنْ شُعَرَاءِ «الْحَمَاسَةِ» : لَحَا اللَّهُ قَيْسًا قَيْسَ عَيْلَانِ إِنَّهَا ... أَضَاعَتْ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ وَوَلَّتِ وَقَوْلُ أَبِي تَمَّامٍ فِي طَالِعَةِ هِجَاءٍ: النَّارُ وَالْعَارُ وَالْمَكْرُوهُ وَالْعَطَبُ وَمِنْهُ أَخَذَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْخَازِنِ قَوْلَهُ فِي طَالِعِ قَصِيدَةِ هَنَاءٍ بِمَوْلِدٍ: مجشري فَقَدْ أَنْجَزَ الْإِقْبَالُ مَا وَعَدَ

стр. 11010

وَالتَّبُّ: الْخُسْرَانُ وَالْهَلَاكُ، وَالْكَلَامُ دُعَاءٌ وَتَقْرِيعٌ لِأَبِي لَهَبٍ دَافَعَ اللَّهُ بِهِ عَن نبيئه بِمثل اللَّفْظِ الَّذِي شَتَمَ بِهِ أَبُو لَهَبٍ مُحَمَّدًا ﷺ جَزَاءً وِفَاقًا. وَإِسْنَادُ التَّبِّ إِلَى الْيَدَيْنِ لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ لَمَّا قَالَ لِلنَّبِيءِ: «تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا» أَخَذَ بِيَدِهِ حَجَرًا لِيَرْمِيَهُ بِهِ. وَرُوِيَ عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ إِذَا أَنَا بَرْجَلٍ حَدِيثِ السِّنِّ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا، وَإِذَا رَجُلٌ خَلْفَهُ يَرْمِيهِ قَدْ أَدْمَى سَاقَيْهِ وَعُرْقُوبَيْهِ وَيَقُول: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ كَذَّابٌ فَلَا تُصَدِّقُوهُ» . فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيءٌ، وَهَذَا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ، فَوَقَعَ الدُّعَاءُ عَلَى يَدَيْهِ لِأَنَّهُمَا سَبَبُ أَذَى النَّبِيءِ ﷺ كَمَا يُقَالُ لِلَّذِي يَتَكَلَّمُ بِمَكْرُوهٍ: «بِفِيكَ الْحِجَارَةُ أَوْ بِفِيكَ الْكَثْكَثُ» . وَقَول النَّابِغَة: قعُود الَّذِي أبياتهم يثمدونهم ... رَمَى اللَّهُ فِي تِلْكَ الْأَكُفِّ الْكَوَانِعِ وَيُقَالُ بِضِدِّ ذَلِكَ لِلَّذِي يَقُولُ كلَاما حسنا: لافضّ فُوكَ، وَقَالَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي أَسَدٍ: دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَرًا ... فَلَبِّى فَلَبِّي يَدَيْ مِسْوَرِ لِأَنَّهُ دَعَاهُ لِمَا نَابَهُ مِنَ الْعَدُوِّ لِلنَّصْرِ، وَالنَّصْرُ يَكُونُ بِعَمَلِ الْيَدِ بِالضَّرْبِ أَوِ الطَّعْنِ. وَأَبُو لَهَبٍ: هُوَ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ عَمُّ النَّبِيءِ ﷺ ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عُتْبَةَ تَكْنِيَةً بِاسْمِ ابْنِهِ، وَأَمَّا كُنْيَتُهُ بِأَبِي لَهَبٍ فِي الْآيَةِ فَقِيلَ: كَانَ يُكَنَّى بِذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (لِحُسْنِهِ وَإِشْرَاقِ وَجْهِهِ) وَأَنَّهُ اشْتُهِرَ بِتِلْكَ الْكُنْيَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ حَدِيثُ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ، وَمِثْلُهُ حَدِيثٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادٍ الدَّيْلِيِّ فِي «مُسْنَدِ أَحْمَدَ» ، فَسَمَّاهُ الْقُرْآنُ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ لِأَنَّ فِي اسْمِهِ عِبَادَةَ الْعُزَّى، وَذَلِكَ لَا يُقِرُّهُ الْقُرْآنُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَرَ مِنْهُ بِاسْمِهِ الْعَلَمِ، أَوْ لِأَنَّ فِي كُنْيَتِهِ مَا يَتَأَتَّى بِهِ التَّوْجِيهُ بِكَوْنِهِ صَائِرًا إِلَى النَّارِ، وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ جَهَنَّمِيًّا، لِأَنَّ اللَّهَبَ أَلْسِنَةُ النَّارِ إِذَا اشْتَعَلَتْ وَزَالَ عَنْهَا الدُّخَانُ. وَالْأَبُ: يُطْلَقُ عَلَى مُلَازِمِ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: «أَبُوهَا وَكَيَّالُهَا» وَكَمَا كُنِّيَ إِبْرَاهِيمُ ﵇: أَبَا الضِّيفَانِ وَكَنَّى النَّبِيءُ ﷺ عَبْدَ

стр. 11011

الرَّحْمَنِ بْنَ صَخْرٍ الدُّوسِيَّ: أَبَا هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُ حَمَلَ هِرَّةً فِي كُمِّ قَمِيصِهِ، وَكُنِّيَ شَهْرُ رَمَضَانَ: أَبَا الْبَرَكَاتِ، وَكُنِّيَ الذِّئْبُ: أَبَا جَعْدَةَ وَالْجَعْدَةُ سَخْلَةُ الْمَعِزِ لِأَنَّهُ يُلَازِمُ طَلَبَهَا لِافْتِرَاسِهَا، فَكَانَتْ كُنْيَةُ أَبِي لَهَبٍ صَالِحَةً مُوَافِقَةً لِحَالِهِ مِنِ اسْتِحْقَاقِهِ لَهَبَ جَهَنَّمَ فَصَارَ هَذَا التَّوْجِيهُ كِنَايَةً عَنْ كَوْنِهِ جَهَنَّمِيًّا لِيَنْتَقِلَ مِنْ جَعْلِ أَبِي لَهَبٍ بِمَعْنَى مُلَازِمِ اللَّهَبِ إِلَى لَازِمِ تِلْكَ الْمُلَازَمَةِ فِي الْعرف، وَهُوَ أَنه مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ وَهُوَ لُزُومٌ ادِّعَائِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفَاؤُلِ بِالْأَسْمَاءِ وَنَحْوِهَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ التفتازانيّ فِي مَبْحَثِ الْعَلَمِيَّةِ مِنْ «شَرْحِ الْمِفْتَاحِ» وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ: قَصَدْتُ أَبَا الْمَحَاسِنِ كَيْ أَرَاهُ ... لِشَوْقٍ كَانَ يَجْذِبُنِي إِلِيهِ فَلَمَّا أَنْ رَأَيْتُ رَأَيْتُ فَرْدًا ... وَلَمْ أَرَ مِنْ بَنِيهِ ابْنًا لَدَيْهِ وَقَدْ يَكُونُ أَبُو لَهَبٍ كُنْيَتُهُ الْحَطَبُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ ابْنَةَ أَبِي لَهَبٍ قَالَتْ لِلنَّبِيءِ ﷺ : إِنَّ النَّاسَ يَصِيحُونَ بِي وَيَقُولُونَ إِنِّي ابْنَةُ حَطَبِ النَّارِ» الْحَدِيثَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ لَفَظَ لَهَبٍ بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِ الْهَاءِ وَهُوَ لُغَةٌ لِأَنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يُسَكِّنُونَ عَيْنَ الْكَلِمَةِ الْمُتَحَرِّكَةِ مَعَ الْفَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِأَنَّ لَهَبٍ صَارَ جُزْءَ عَلَمٍ وَالْعَرَبُ قَدْ يُغَيِّرُونَ بَعْضَ حَرَكَاتِ الِاسْمِ إِذَا نَقَلُوهُ إِلَى الْعَلَمِيَّةِ كَمَا قَالُوا: شُمْسٌ بِضَمِّ الشِّينِ، لشمس بْنِ مَالِكٍ الشَّاعِرِ الَّذِي ذَكَرَهُ تَأَبَّطَ شَرًّا فِي قَوْلِهِ: إِنِّي لَمُهْدٍ مِنْ ثَنَائِي فَقَاصِدٌ ... بِهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شُمْسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ جِنِّي فِي كِتَابِ «إِعْرَابِ الْحَمَاسَةِ» : «يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمُّ الشِّينِ عَلَى وَجْهِ تَغْيِيرِ الْأَعْلَامِ نَحْوَ مَعْدِ يَكْرِبَ. وَتَهْلُكَ وَمَوْهَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا غيّر عَن حَالِ نَظَائِرِهِ لِأَجْلِ الْعَلَمِيَّةِ الْحَادِثَةِ فِيهِ اهـ. وَكَمَا قَالُوا: أَبُو سُلْمَى بِضَمِّ السِّينِ كُنْيَةُ وَالِدِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى لِأَنَّهُمْ نَقَلُوا اسْمَ سَلْمَى بِفَتْحِ السِّينِ مِنْ أَسْمَاءِ النِّسَاءِ إِلَى جَعْلِهِ اسْمَ رَجُلٍ يُكَنَّى بِهِ لِأَنَّهُمْ لَا يُكَنُّونَ بِأَسْمَاءِ النِّسَاءِ غَالِبًا.

стр. 11012

وَلِذَلِكَ لَمْ يُسَكِّنِ ابْنُ كَثِيرٍ الْهَاءَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ذاتَ لَهَبٍ وَقِرَاءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ قِرَاءَةُ أَهْلِ مَكَّةَ فَلَعَلَّ أَهْلَ مَكَّةَ اشْتُهِرَتْ بَيْنَهُمْ كُنْيَةُ أَبِي لَهْبٍ بِسُكُونِ الْهَاءِ تَحْقِيقًا لِكَثْرَةِ دَوَرَانِهَا عَلَى الْأَلْسِنَةِ فِي زَمَانِهِ. وَجُمْلَةُ: وَتَبَّ إِمَّا مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ عَطْفَ الدُّعَاءِ عَلَى الدُّعَاءِ إِذَا كَانَ إِسْنَادُ التَّبَاتِ إِلَى الْيَدَيْنِ لِأَنَّهُمَا آلَةُ الْأَذَى بِالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ كَمَا فِي خَبَرِ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ، فَأُعِيدَ الدُّعَاءُ عَلَى جَمِيعِهِ إِغْلَاظًا لَهُ فِي الشتم والتقريع، وَتُفِيدُ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ لِأَنَّهَا بِمَعْنَاهَا، وَإِنَّمَا اختلفتا بِالْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ، وَذَلِكَ الِاخْتِلَافُ هُوَ مُقْتَضِي عَطْفِهَا، وَإِلَّا لَكَانَ التَّوْكِيدُ غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأَنَّ التَّوْكِيدَ اللَّفْظِيَّ لَا يُعْطَفُ بِالْوَاوِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْكَافِرُونَ. وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْوَاوُ وَاوُ الْحَالِ وَلَا تَكُونُ دُعَاءً إِنَّمَا هِيَ تَحْقِيقٌ لِحُصُولِ مَا دُعِيَ عَلَيْهِ بِهِ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ: جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ... جَزَاءَ الْكِلَابِ الْعَاوِيَاتِ وَقَدْ فَعَلْ فَيَكُونُ الْكَلَامُ قَبْلَهُ مُسْتَعْمَلًا فِي الذَّمِّ وَالشَّمَاتَةِ بِهِ أَوْ لِطَلَبِ الْإِزْدِيَادِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «وَقَدْ تَبَّ» فَيَتَمَحَّضُ الْكَلَامُ قَبْلَهُ لِمَعْنَى الذَّمِّ وَالتَّحْقِيرِ دُونَ مَعْنَى طَلَبِ حُصُولِ التَّبَاتِ لَهُ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ حِينَ خُرُوجِهِ إِلَى غَزْوَةِ مُؤْتَةَ الَّتِي اسْتُشْهِدَ فِيهَا: حَتَّى يَقُولُوا إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي ... أَرْشَدَكَ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشِدَا يَعْنِي وَيَقُولُوا: وَقَدْ رَشِدَا، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: أَرْشَدَكَ اللَّهُ مِنْ غَازٍ، لِمُجَرَّدِ الثَّنَاءِ وَالْغِبْطَةِ بِمَا حَصَّلَهُ من الشَّهَادَة. [٢] [سُورَة المسد (١١١) : آيَة ٢] مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ لِلِانْتِقَالِ مِنْ إِنْشَاءِ الشَّتْمِ وَالتَّوْبِيخِ إِلَى الْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ آيِسٌ مِنَ النَّجَاةِ مِنْ هَذَا التَّبَاتِ، وَلَا يُغْنِيهِ مَالُهُ، وَلَا كَسْبُهُ، أَيْ لَا يُغْنِي عَنْهُ ذَلِكَ فِي دَفْعِ شَيْءٍ عَنْهُ فِي الْآخِرَةِ.

стр. 11013

وَالتَّعْبِيرُ بِالْمَاضِي فِي قَوْلِهِ: مَا أَغْنى لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ عَدَمِ الْإِغْنَاءِ. وَمَا نَافِيَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِفْهَامِيَّةً لِلتَّوْبِيخِ وَالْإِنْكَارِ. وَالْمَالُ: الْمُمْتَلَكَاتُ المتمولة، وَغلب عِنْد الْعَرَبِ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْإِبِلِ، وَمِنْ كَلَامِ عُمَرَ: «لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» إِلَخْ فِي اتِّقَاءِ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، مِنَ «الْمُوَطَّأِ» وَقَالَ زُهَيْرٌ: صَحِيحَاتِ مَالٍ طَالِعَاتِ بِمَخْرَمِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ وَالْبَحْرَيْنِ يَغْلِبُ عِنْدَهُمْ عَلَى النَّخِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ فِي سُورَة النِّسَاء [٢٩] وَفِي مَوَاضِعَ. وَما كَسَبَ مَوْصُولٌ وَصِلَتُهُ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ جَوَازًا لِأَنَّهُ ضَمِيرُ نَصْبٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا كَسَبَهُ، أَيْ مَا جَمَعَهُ. وَالْمُرَادُ بِهِ: مَا يَمْلِكُهُ مِنْ غَيْرِ النَّعَمِ مِنْ نُقُودٍ وَسِلَاحٍ وَرَبْعٍ وَعُرُوضٍ وَطَعَامٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِمَالِهِ: جَمِيعُ مَالِهِ، وَيَكُونَ عَطْفُ وَما كَسَبَ مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، أَيْ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ التَّالِدُ وَهُوَ مَا وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَا كَسَبَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ وَهُوَ طَرِيفُهُ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ قَالَ: «إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ ابْنُ أَخِي حَقًّا فَأَنَا أَفْتَدِي نَفْسِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَالِي وَوَلَدِي» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا كَسَبَ هُوَ وَلَدُهُ فَإِنَّ الْوَلَدَ من كسب أَبِيه. [٣] [سُورَة المسد (١١١) : آيَة ٣] سَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ (٣) بَيَانٌ لِجُمْلَةِ: مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ أَيْ لَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ. وَنَزَلَ هَذَا الْقُرْآنُ فِي حَيَاةِ أَبِي لَهَبٍ. وَقَدْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ كَافِرًا، فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِعْلَامًا بِأَنَّهُ لَا يُسْلِمُ وَكَانَتْ من دَلَائِل النبوءة. وَالسِّينُ لِلتَّحْقِيقِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي [يُوسُف: ٩٨] . وَ «يَصْلَى نَارًا» يُشْوَى بِهَا وَيَحِسُّ بِإِحْرَاقِهَا. وَأَصَّلُ الْفِعْلِ: صَلَاهُ بِالنَّارِ، إِذَا

стр. 11014

شَوَاهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْهُ صَلِيَ كَأَفْعَالِ الْإِحْسَاسِ مِثْلَ فَرِحَ وَمَرِضَ. وَنُصِبَ نَارًا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ. وَوَصْفُ النَّارِ بِ ذاتَ لَهَبٍ لِزِيَادَةِ تَقْرِيرِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ اسْمِهِ وَبَيْنَ كُفْرِهِ إِذْ هُوَ أَبُو لَهَبٍ وَالنَّارُ ذَاتُ لَهَبٍ. وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ الْإِيمَاءُ إِلَيْهِ بِذِكْرِ كُنْيَتِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا، وَفِي وَصْفِ النَّارِ بِذَلِكَ زِيَادَة كشف لحقيقة النَّارِ وَهُوَ مِثْلَ التَّأْكِيد. وَبَين لفضي لَهَبٍ الْأَوَّلِ ولَهَبٍ الثَّانِي الجناس التَّام. [٤، ٥] [سُورَة المسد (١١١) : الْآيَات ٤ إِلَى ٥] وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) أَعْقَبَ ذَمَّ أَبِي لَهَبٍ وَوَعِيدَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِامْرَأَتِهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُشَارِكُهُ فِي أَذَى النَّبِيءِ ﷺ وَتُعِينُهُ عَلَيْهِ. وَامْرَأَتُهُ: أَيْ زَوْجُهُ، قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ [هود: ٧١] وَفِي قِصَّةِ لُوطٍ: إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ [الْأَعْرَاف: ٨٣] وَفِي قصَّة نسْوَة يُوسُف: امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ [يُوسُف: ٣٠] . وَامْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ هِيَ أُمُّ جَمِيلٍ، وَاسْمُهَا أَرْوَى بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَقِيلَ: اسْمُهَا الْعَوْرَاءُ، فَقِيلَ هُوَ وَصْفٌ وَأَنَّهَا كَانَتْ عَوْرَاءَ، وَقِيلَ: اسْمُهَا، وَذَكَرَ بَعْضُهِمْ: أَنَّ اسْمَهَا الْعَوَّاءُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْوَاوِ. وَكَانَتْ أُمُّ جَمِيلٍ هَذِهِ تَحْمِلُ حَطَبَ الْعِضَاهِ وَالشَّوْكَ فَتَضَعُهُ فِي اللَّيْلِ فِي طَرِيقِ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِي يَسْلُكُ مِنْهُ إِلَى بَيْتِهِ لِيَعْقِرَ قَدَمَيْهِ. فَلَمَّا حَصَلَ لِأَبِي لَهَبٍ وَعِيدٌ مُقْتَبَسٌ مِنْ كُنْيَتِهِ جُعِلَ لِامْرَأَتِهِ وَعِيدٌ مُقْتَبَسٌ لَفْظُهُ مِنْ فِعْلِهَا وَهُوَ حَمْلُ الْحَطَبِ فِي الدُّنْيَا، فَأُنْذِرَتْ بِأَنَّهَا تَحْمِلُ الْحَطَبَ فِي جَهَنَّمَ لِيُوقَدَ بِهِ عَلَى زَوْجِهَا، وَذَلِكَ خِزْيٌ لَهَا وَلِزَوْجِهَا إِذْ جَعَلَ شِدَّةَ عَذَابِهِ عَلَى يَدِ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَجَعَلَهَا سَبَبًا لِعَذَابِ أَعَزِّ النَّاسِ عَلَيْهَا.

стр. 11015

فَقَوْلُهُ: وَامْرَأَتُهُ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي سَيَصْلى [المسد: ٣] أَيْ وَتَصْلَى امْرَأَتُهُ نَارًا. وَقَوْلُهُ: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِرَفْعِ حَمَّالَةَ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِامْرَأَتِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا صِفَتُهَا فِي جَهَنَّم أَنَّهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا صِفَتُهَا الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ فِي الدُّنْيَا بِجَلْبِ حَطَبِ الْعِضَاهِ لِتَضَعَهُ فِي طَرِيقِ النَّبِيءِ ﷺ عَلَى طَرِيقَةِ التَّوْجِيهِ وَالْإِيمَاءِ إِلَى تَعْلِيلِ تَعْذِيبِهَا بِذَلِكَ. وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ بِنَصْبِ حَمَّالَةَ عَلَى الْحَالِ مِنَ امْرَأَتُهُ وَفِيهِ مِنَ التَّوْجِيهِ وَالْإِيمَاءِ مَا فِي قِرَاءَةِ الرَّفْعِ. وَجُمْلَةُ: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ أَوْ حَالٌ ثَانِيَةٌ وَذَلِكَ إِخْبَارٌ بِمَا تُعَامَلُ بِهِ فِي الْآخِرَة، أَي جعل لَهَا حَبْلٌ فِي عُنُقِهَا تَحْمِلُ فِيهِ الْحَطَبَ فِي جَهَنَّمَ لِإِسْعَارِ النَّارِ عَلَى زَوْجِهَا جَزَاءً مُمَاثِلًا لِعَمَلِهَا فِي الدُّنْيَا الَّذِي أَغْضَبَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهَا. وَالْجِيدُ: الْعُنُقُ، وَغَلَبَ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى عُنُقِ الْمَرْأَةِ وَعَلَى مَحَلِّ الْقِلَادَةِ مِنْهُ فَقَلَّ أَنْ يُذْكَرَ الْعُنُقُ فِي وَصْفِ النِّسَاءِ فِي الشِّعْرِ الْعَرَبِيِّ إِلَّا إِذَا كَانَ عُنُقًا مَوْصُوفًا بِالْحُسْنِ وَقَدْ جَمَعَهُمَا امْرُؤُ الْقَيْسِ فِي قَوْلِهِ: وَجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفَاحِشٍ ... إِذَا هِيَ نَصَّتْهُ وَلَا بِمُعَطَّلِ قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي «الرَّوْضِ» : «وَالْمَعْرُوفُ أَنْ يُذْكَرَ الْعُنُقُ إِذَا ذُكِرَ الْحُلِيُّ أَوِ الْحُسْنُ فَإِنَّمَا حَسُنَ هُنَا ذِكْرُ الْجِيدِ فِي حُكْمِ الْبَلَاغَةِ لِأَنَّهَا امْرَأَةٌ وَالنِّسَاءُ تَحُلِّي أَجْيَادَهُنَّ وَأُمُّ جَمِيلٍ لَا حُلِيَّ لَهَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْحَبْلَ الْمَجْعُولَ فِي عُنُقِهَا فَلَمَّا أُقِيمَ لَهَا ذَلِكَ مَقَامَ الْحُلِيِّ ذُكِرَ الْجِيدُ مَعَهُ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ الْأَعْشَى: يَوْمَ تُبْدِي لَنَا قَتِيلَةُ عَنْ جِي ... دٍ أَسِيلٍ تَزِينُهُ الْأَطْوَاقُ وَلَمْ يَقُلْ عَنْ عُنُقٍ، وَقَوْلُ الْآخَرِ: وَأَحْسَنُ مِنْ عِقْدِ الْمَلِيحَةِ جِيدُهَا وَلَمْ يَقُلْ عُنُقُهَا وَلَوْ قَالَ لَكَانَ غَثًّا مِنَ الْكَلَامِ. اهـ.

стр. 11016

قُلْتُ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمَعَرِّيِّ: الْحَجْلُ لِلرِّجْلِ وَالتَّاجُ الْمُنِيفُ لِمَا ... فَوْقَ الْحِجَاجِ وَعِقْدُ الدُّرِّ لِلْعُنُقِ فَإِنَّمَا حَسَّنَهُ مَا بَيْنَ الْعِقْدِ وَالْعُنُقِ مِنِ الْجِنَاسِ إِتْمَامًا لِلْمُجَانَسَةِ الَّتِي بَيْنَ الْحَجْلِ وَالرِّجْلِ، وَالتَّاجِ وَالْحِجَاجِ، وَهُوَ مَقْصُودُ الشَّاعِرِ. وَالْحَبْلُ: مَا يُرْبَطُ بِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي يُرَادُ اتِّصَالُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَتُقَيَّدُ بِهِ الدَّابَّة والمسجون كَيْلا يَبْرَحَ مِنَ الْمَكَانِ، وَهُوَ ضَفِيرٌ مِنَ اللِّيفِ أَوْ مِنْ سُيُورِ جِلْدٍ فِي طُولٍ مُتَفَاوِتٍ عَلَى حَسَبِ قُوَّةِ مَا يُشَدُّ بِهِ أَوْ يُرْبَطُ فِي وَتْدٍ أَوْ حَلْقَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ بِحَيْثُ يُمْنَعُ الْمَرْبُوطُ بِهِ مِنْ مُغَادَرَةِ مَوْضِعِهِ إِلَى غَيره على بُعْدٍ يُرَادُ، وَتُرْبَطُ بِهِ قلوع السفن وتشد بِهِ السُّفُنِ فِي الْأَرْضِ فِي الشَّوَاطِئِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً، وَقَوْلِهِ: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ كِلَاهَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٠٣- ١١٢] ، وَيُقَالُ: حَبَلَهُ إِذَا رَبَطَهُ. وَالْمَسَدُ: لِيفٌ مِنْ لِيفِ الْيَمَنِ شَدِيدٌ، وَالْحِبَالُ الَّتِي تُفْتَلُ مِنْهُ تَكُونُ قَوِيَّةً وَصُلْبَةً. وَقُدِّمَ الْخَبَرُ مِنْ قَوْلِهِ: فِي جِيدِها لِلِاهْتِمَامِ بِوَصْفِ تِلْكَ الْحَالَةِ الْفَظِيعَةِ الَّتِي عُوِّضَتْ فِيهَا بِحَبْلٍ فِي جِيدِهَا عَنِ الْعِقْدِ الَّذِي كَانَتْ تُحَلِّي بِهِ جِيدَهَا فِي الدُّنْيَا فتربط بِهِ إِذْ قد كَانَتْ هِيَ وَزَوْجُهَا مِنْ أَهْلِ الثَّرَاءِ وَسَادَةِ أَهْلِ الْبَطْحَاءِ، وَقَدْ مَاتَتْ أُمُّ جَمِيلٍ عَلَى الشِّرْكِ.

стр. 11017

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١١٢- سُورَةُ الْإِخْلَاصِ الْمَشْهُورُ فِي تَسْمِيَتِهَا فِي عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ وَفِيمَا جَرَى مِنْ لَفْظِهِ وَفِي أَكْثَرِ مَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ تَسْمِيَتُهَا «سُورَةَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» . رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ وَعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ أَرَادَ تَسْمِيَتَهَا بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ لِأَجْلِ تَأْنِيثِ الضَّمِيرِ مِنْ قَوْلِهِ: «تَعْدِلُ» فَإِنَّهُ عَلَى تَأْوِيلِهَا بِمَعْنَى السُّورَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا فِيهِ تَسْمِيَتُهَا بِذَلِكَ، فَذَلِكَ هُوَ الِاسْمُ الْوَارِدُ فِي السُّنَّةِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ» ثُلُثُ الْقُرْآنِ فَذَكَرَ أَلْفَاظًا تُخَالِفُ مَا تُقْرَأُ بِهِ، وَمَحْمَلُهُ عَلَى إِرَادَةِ التَّسْمِيَةِ . وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يُسَمِّهِ قَرَأَ كَذَلِكَ وَالنَّاسُ يَسْتَمِعُونَ وَادَّعَى أَنَّ مَا قَرَأَ بِهِ هُوَ الصَّوَابُ وَقَدْ ذَمَّهُ الْقُرْطُبِيُّ وَسَبَّهُ. وَسُمِّيَتْ فِي أَكْثَرِ الْمَصَاحِفِ وَفِي مُعْظَمِ التَّفَاسِيرِ وَفِي «جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ» : «سُورَةَ الْإِخْلَاصِ» وَاشْتُهِرَ هَذَا الِاسْمُ لِاخْتِصَارِهِ وَجَمْعِهِ مَعَانِي هَذِهِ السُّورَةِ لِأَنَّ فِيهَا تَعْلِيمَ النَّاسِ إِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، أَيْ سَلَامَةَ الِاعْتِقَادِ مِنَ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ غَيْرَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ. وَسُمِّيَتْ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ التُّونِسِيَّةِ «سُورَةَ التَّوْحِيدِ» لِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى إِثْبَاتِ أَنَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ. وَفِي «الْإِتْقَانِ» أَنَّهَا تُسَمَّى «سُورَةَ الْأَسَاسِ» لِاشْتِمَالِهَا عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَهُوَ

стр. 11018

أَسَاسُ الْإِسْلَامِ. وَفِي «الْكَشَّافِ» : رُوِيَ أُبَيٍّ وَأَنَسٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أُسَّتِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ عَلَى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) . يَعْنِي مَا خُلِقَتْ إِلَّا لِتَكَوُنَ دَلَائِلَ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَمَعْرِفَةِ صِفَاتِهِ. وَذَكَرَ فِي «الْكَشَّافِ» : أَنَّهَا وَسُورَةَ الْكَافِرُونَ تُسَمَّيَانِ الْمُقَشْقِشَتَيْنِ، أَيِ الْمُبْرِئَتَيْنِ مِنَ الشِّرْكِ وَمِنَ النِّفَاقِ. وَسَمَّاهَا الْبِقَاعِيُّ فِي «نَظْمِ الدُّرَرِ» «سُورَةَ الصَّمَدِ» ، وَهُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي جَمَعَهَا الْفَخْرُ. وَقَدْ عَقَدَ الْفَخْرُ فِي «التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ» فَصْلًا لِأَسْمَاءِ هَذِهِ السُّورَةِ فَذَكَرَ لَهَا عِشْرِينَ اسْمًا بِإِضَافَةِ عُنْوَانِ سُورَةُ إِلَى كُلِّ اسْمٍ مِنْهَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَسَانِيدَهَا فَعَلَيْكَ بِتَتَبُّعِهَا عَلَى تَفَاوُتٍ فِيهَا وَهِيَ: التَّفْرِيدُ، وَالتَّجْرِيدُ (لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا سِوَى صِفَاتِهِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي هِيَ صِفَاتُ الْجَلَالِ) ، وَالتَّوْحِيدُ (كَذَلِكَ) ، وَالْإِخْلَاصُ (لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا) ، وَالنَّجَاةُ (لِأَنَّهَا تُنْجِي مِنَ الْكُفْرِ فِي الدُّنْيَا وَمِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ) ، وَالْوِلَايَةُ (لِأَنَّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِوَحْدَانِيَّتِهِ فَهُوَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَا يَتَوَلَّوْنَ غَيْرَ اللَّهِ) وَالنِّسْبَةُ (لِمَا رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ لَمَّا قَالَ الْمُشْرِكُونَ: انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ، كَمَا سَيَأْتِي) ، وَالْمَعْرِفَةُ (لِأَنَّهَا أَحَاطَتْ بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا تَتِمُّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهَا) وَالْجَمَالُ (لِأَنَّهَا جَمَعَتْ أُصُولَ صِفَاتِ اللَّهِ وَهِيَ أَجْمَلُ الصِّفَاتِ وَأَكْمَلُهَا، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ» ، وَالْمُقَشْقِشَةُ (يُقَالُ: قَشْقَشَ الدَّوَاءُ الْجَرَبَ إِذَا أَبْرَأَهُ لِأَنَّهَا تُقَشْقِشُ مِنَ الشِّرْكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا أَنَّهُ اسْمٌ لِسُورَةِ الْكَافِرُونَ أَيْضًا) ، وَالْمُعَوِّذَةُ ( لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَرِيضٌ فَعَوَّذَهُ بِهَا وَبِالسُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَهَا وَقَالَ لَهُ: «تَعَوَّذْ بِهَا» . وَالصَّمَدُ (لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ خُصَّ بِهَا) ، وَالْأَسَاسُ (لِأَنَّهَا أَسَاسُ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامَيَّةِ) وَالْمَانِعَةُ (لِمَا رُوِيَ: أَنَّهَا تَمْنَعُ عَذَابَ الْقَبْرِ وَلَفَحَاتِ النَّارِ) وَالْمَحْضَرُ (لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَحْضُرُ لِاسْتِمَاعِهَا إِذَا قُرِئَتْ) . والمنفّرة (لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا) وَالْبَرَّاءَةُ (لِأَنَّهَا تُبْرِئُ مِنَ الشِّرْكِ) ، وَالْمُذَكِّرَةُ (لِأَنَّهَا تَذْكُرُ خَالِصَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ مُودَعٌ فِي الْفِطْرَةِ) ، وَالنُّورُ (لِمَا رُوِيَ: أَنَّ نُورَ الْقُرْآنِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، وَالْأَمَانُ (لِأَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ مَا فِيهَا أَمِنَ مِنَ الْعَذَابِ) .

стр. 11019

وَبِضَمِيمَةِ اسْمِهَا الْمَشْهُورِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَبْلُغُ أَسْمَاؤُهَا اثْنَيْنِ وَعشْرين. وَقَالَ الفيروزآبادىّ فِي «بَصَائِرِ التَّمْيِيزِ» : إِنَّهَا تُسَمَّى الشَّافِيَةَ فَتَبْلُغُ وَاحِدًا وَعِشْرِينَ اسْمًا. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسَّدِّيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالْقُرَظِيُّ: هِيَ مَدَنِيَّةٌ وَنُسِبَ كِلَا الْقَوْلَيْنِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَمَنْشَأُ هَذَا الْخِلَافِ الِاخْتِلَافُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَرَوَى عُبَيْدٌ الْعَطَّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبُو يَعْلَى عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ قُرَيْشًا قَالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ : «انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ» فَنَزَلَتْ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إِلَى آخِرِهَا» فَتَكُونُ مَكِّيَّةً. وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ (أَخَا لَبِيَدٍ) أَتَيَا النَّبِيءَ ﷺ فَقَالَ عَامِرٌ: إِلَامَ تَدْعُونَا؟ قَالَ: إِلَى اللَّهِ، قَالَ: صِفْهُ لَنَا أَمِنْ ذَهَبٍ هُوَ، أَمْ مِنْ فِضَّةٍ، أَمْ مِنْ حَدِيدٍ، أَمْ مِنْ خَشَبٍ؟ (يَحْسَبُ لِجَهْلِهِ أَنَّ الْإِلَهَ صَنَمٌ كَأَصْنَامِهِمْ مِنْ مَعْدِنٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ حِجَارَةٍ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ، فَتَكُونُ مَدَنِيَّةً لِأَنَّهُمَا مَا أَتَيَاهُ إِلَّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ. وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: «إِنَّ أَحْبَارَ الْيَهُودِ (مِنْهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ) قَالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ : صِفْ لَنَا رَبَّكَ لَعَلَّنَا نُؤْمِنُ بِكَ، فَنَزَلَتْ» . وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ فَإِنَّهَا جَمَعَتْ أَصْلَ التَّوْحِيدِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ فِيمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِمَكَّةَ، وَلَعَلَّ تَأْوِيلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ حِينَمَا سَأَلَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدُ، أَوْ حِينَمَا سَأَلَ أَحْبَارُ الْيَهُودِ، أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ السُّورَةَ، فَظَنَّهَا الرَّاوِي مِنَ الْأَنْصَارِ نَزَلَتْ سَاعَتَئِذٍ أَوْ لَمْ يَضْبِطِ الرُّوَاةُ عَنْهُمْ عِبَارَتَهُمْ تَمَامَ الضَّبْطِ. قَالَ فِي «الْإِتْقَانِ» : وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِتَكَرُّرِ نُزُولِهَا ثُمَّ ظَهَرَ لِيَ تَرْجِيحُ أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» اهـ. وَعَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ عُدَّتِ السُّورَةَ الثَّانِيَةَ وَالْعِشْرِينَ فِي عِدَادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النَّاسِ وَقَبْلَ سُورَةِ النَّجْمِ.

стр. 11020

وَآيَاتُهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعَدَدِ بِالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ أَرْبَعٌ، وَعِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ وَالشَّامِ خَمْسٌ بِاعْتِبَارِ لَمْ يَلِدْ آيَةً وَلَمْ يُولَدْ آيَة. أغراضها إِثْبَاتُ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ فِي الْحَوَائِجِ غَيْرُهُ وَتَنْزِيهُهُ عَنْ سِمَاتِ الْمُحْدَثَاتِ. وَإِبْطَالُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ابْنٌ. وَإِبْطَالُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْلُودُ إِلَهًا مِثْلَ عِيسَى ﵇. وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضَائِلِهَا كَثِيرَةٌ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ. وَتَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ مَذْكُورٌ فِي شرح «الْمُوَطَّأ» و «الصَّحِيحَيْنِ» . [١] [سُورَة الْإِخْلَاص (١١٢) : آيَة ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) افْتِتَاحُ هَذِهِ السُّورَةِ بِالْأَمْرِ بِالْقَوْلِ لِإِظْهَارِ الْعِنَايَةِ بِمَا بَعْدَ فِعْلِ الْقَوْلِ كَمَا عَلِمْتَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [الْكَافِرُونَ: ١] وَلِذَلِكَ الْأَمْرِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى سَبَبِ قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ، فَكَانَتْ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ: قُلْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الْإِسْرَاء: ٨٥] فَكَانَ لِلْأَمْرِ بِفِعْلِ قُلْ فَائِدَتَانِ. وَضَمِيرُ هُوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِإِفَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِالْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ، وَإِذَا سَمِعَهُ الَّذِينَ سَأَلُوا تَطَلَّعُوا إِلَى مَا بَعْدَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَيْضًا عَائِدًا إِلَى الرَّبِّ فِي سُؤَالِ الْمُشْرِكِينَ حِينَ قَالُوا: انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ عَدَّ ضَمِيرَ هُوَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ اسْمًا مِنْ أَسمَاء الله تَعَالَى وَهِيَ طَرِيقَةٌ صُوفِيَّةٌ دَرَجَ عَلَيْهَا فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي «شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى» نَقَلَهُ

стр. 11021

ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهُ فِي «تَفْسِيرِهِ» وَذَكَرَ الْفَخْرُ ذَلِكَ فِي «مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ» وَلَا بُدَّ مِنَ الْمَزْجِ بَيْنَ كَلَامَيْهِ. وَحَاصِلُهُمَا قَوْلُهُ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ لِلَّهِ تَعَالَى تَنْبِيهًا عَلَى ثَلَاثَةِ مَقَامَاتٍ. الْأَوَّلُ: مَقَامُ السَّابِقَيْنِ الْمُقَرَّبِينَ النَّاظِرِينَ إِلَى حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، فَلَا جَرَمَ مَا رَأَوْا مَوْجُودًا سِوَى اللَّهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لِأَجْلِهِ يَجِبُ وُجُودُهُ فَمَا سِوَى اللَّهِ عِنْدَهُمْ مَعْدُومٌ، فَقَوْلُهُ: هُوَ إِشَارَةٌ مُطْلَقَةٌ. وَلَمَّا كَانَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ مُعَيَّنًا انْصَرَفَ ذَلِكَ الْمُطْلَقُ إِلَى ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ فَكَانَ قَوْلُهُ: هُوَ إِشَارَةً مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُقَرَّبِينَ إِلَى اللَّهِ فَلَمْ يَفْتَقِرُوا فِي تِلْكَ الْإِشَارَةِ إِلَى مُمَيِّزٍ فَكَانَتْ لَفْظَةُ هُوَ كَافِيَةً فِي حُصُولِ الْعِرْفَانِ التَّامِّ لِهَؤُلَاءِ. الْمَقَامُ الثَّانِي: مَقَامُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الْمُقْتَصِدِينَ فَهُمْ شَاهَدُوا الْحَقَّ مَوْجُودًا وَشَاهَدُوا الْمُمْكَنَاتِ مَوْجُودَةً فَحَصَلَتْ كَثْرَةٌ فِي الْمَوْجُودَاتِ فَلَمْ تَكُنْ لَفْظَةُ هُوَ تَامَّةَ الْإِفَادَةِ فِي حَقِّهِمْ فَافْتَقَرُوا مَعَهَا إِلَى مُمَيِّزٍ فَقِيلَ لِأَجْلِهِمْ هُوَ اللَّهُ وَالْمَقَامُ الثَّالِثُ: مَقَامُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ وَهُمُ الَّذِينَ يجوزون تعدد الْإِلَه فَقُرِنَ لَفْظُ أَحَدٌ بِقَوْلِهِ: هُوَ اللَّهُ إِبْطَالًا لِمَقَالَتِهِمْ اهـ. فَاسْمُهُ تَعَالَى الْعَلَمُ ابْتُدِئَ بِهِ قَبْلَ إِجْرَاءِ الْأَخْبَارِ عَلَيْهِ لِيُكَوَنَ ذَلِكَ طَرِيقَ اسْتِحْضَارِ صِفَاتِهِ كُلِّهَا عِنْدَ التَّخَاطُبِ بَيْنَ الْمُسلمين وَعند الْمُحَاجَّةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ هَذَا الِاسْمَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْعَرَبِ فَمُسَمَّاهُ لَا نِزَاعَ فِي وُجُودِهِ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَصِفُونَهُ بِصِفَاتٍ تَنَزَّهَ عَنْهَا. أَمَّا أَحَدٌ فَاسْمٌ بِمَعْنَى (وَاحِدٍ) . وَأَصْلُ هَمْزَتِهِ الْوَاوُ، فَيُقَالُ: وَحَدٌ كَمَا يُقَالُ: أَحَدٌ، قُلِبَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِأَنَّهَا مَفْتُوحَةٌ (بِخِلَافِ قَلْبِ وَاوِ وُجُوهٍ) وَمَعْنَاهُ مُنْفَرِدٌ، قَالَ النَّابِغَةُ: كَأَنَّ رَحْلِي وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا ... بِذِي الْجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأْنِسٍ وَحَدِ أَيْ كَأَنِّي وَضَعْتُ الرِّجْلَ عَلَى ثَوْرِ وَحْشٍ أَحَسَّ بِإِنْسِيٍّ وَهُوَ مُنْفَرِدٌ عَنْ قَطِيعِهِ. وَهُوَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِثْلَ حَسَنٍ، يُقَالُ: وَحُدَ مِثْلَ كَرُمَ، وَوَحِدَ مِثْلَ فَرِحَ.

стр. 11022

وَصِيغَةُ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ تُفِيدُ تَمَكُّنَ الْوَصْفِ فِي مَوْصُوفِهَا بِأَنَّهُ ذَاتِيٌّ لَهُ، فَلِذَلِكَ أُوثِرَ أَحَدٌ هُنَا عَلَى (وَاحِدٍ) لِأَن (وَاحِد) اسْمُ فَاعِلٍ لَا يُفِيدُ التَّمَكُّنَ. فَ (وَاحِدٌ) وأَحَدٌ وَصْفَانِ مَصُوغَانِ بِالتَّصْرِيفِ لِمَادَّةٍ مُتَّحِدَةٍ وَهِيَ مَادَّةُ الْوَحْدَةِ يَعْنِي التَّفَرُّدَ. هَذَا هُوَ أَصْلُ إِطْلَاقِهِ وَتَفَرَّعَتْ عَنْهُ إِطْلَاقَاتٌ صَارَتْ حَقَائِقَ لِلَفْظِ (أَحَدٍ) ، أَشْهَرُهَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اسْمًا بِمَعْنَى إِنْسَانٍ فِي خُصُوصِ النَّفْيِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ فِي الْبَقَرَةِ [٢٨٥] ، وَقَوْلِهِ: وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً فِي الْكَهْفِ [٣٨] وَكَذَلِكَ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْعَدَدِ فِي الْحِسَابِ نَحْوَ: أَحَدَ عَشَرَ، وَأَحَدٍ وَعِشْرِينَ، وَمُؤَنَّثُهُ إِحْدَى، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ خَلَطَ بَيْنَ (وَاحِدٍ) وَبَيْنَ أَحَدٌ فَوَقَعَ فِي ارْتِبَاكٍ. فَوَصْفُ اللَّهِ بِأَنَّهُ أَحَدٌ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالْحَقِيقَةِ الَّتِي لُوحِظَتْ فِي اسْمِهِ الْعَلَمِ وَهِيَ الْإِلَهِيَّةُ الْمَعْرُوفَةُ، فَإِذَا قِيلَ: اللَّهُ أَحَدٌ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالْإِلَهِيَّةِ، وَإِذَا قِيلَ: اللَّهُ وَاحِدٌ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ وَاحِدٌ لَا مُتَعَدِّدٌ فَمَنْ دُونَهُ لَيْسَ بِإِلَهٍ. وَمَآلُ الْوَصْفَيْنِ إِلَى مَعْنَى نَفْيِ الشَّرِيكِ لَهُ تَعَالَى فِي إِلَهِيَّتِهِ. فَلَمَّا أُرِيدَ فِي صَدْرِ الْبَعْثَةِ إِثْبَاتُ الْوَحْدَةِ الْكَامِلَةِ لِلَّهِ تَعْلِيمًا لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ، وَإِبْطَالًا لِعَقِيدَةِ الشِّرْكِ وُصِفَ اللَّهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِ أَحَدٌ وَلَمْ يُوصَفْ بِ (وَاحِدٍ) لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمُشَبَّهَةَ نِهَايَةُ مَا يُمْكِنُ بِهِ تَقْرِيبُ مَعْنَى وَحْدَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى عُقُولِ أَهْلِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُبِينِ. وَقَالَ ابْنُ سِينَا فِي تَفْسِيرٍ لَهُ لِهَذِهِ السُّورَةِ: إِن أَحَدٌ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَأَنَّهُ لَا كَثْرَةَ هُنَاكَ أَصْلًا لَا كَثْرَةً مَعْنَوِيَّةً وَهِيَ كَثْرَةُ الْمُقَوِّمَاتِ وَالْأَجْنَاسِ وَالْفُصُولِ، وَلَا كَثْرَةً حِسِّيَّةً وَهِيَ كَثْرَةُ الْأَجْزَاءِ الْخَارِجِيَّةِ الْمُتَمَايِزَةِ عَقْلًا كَمَا فِي الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ. وَالْكَثْرَةُ الْحِسِّيَّةُ بِالْقُوَّةِ أَوْ بِالْفِعْلِ كَمَا فِي الْجِسْمِ، وَذَلِكَ مُتَضَمِّنٌ لِكَوْنِهِ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ، وَالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَبْعَاضِ، وَالْأَعْضَاءِ، وَالْأَشْكَالِ، وَالْأَلْوَانِ، وَسَائِرِ مَا يَثْلَمُ الْوَحْدَةَ الْكَامِلَةَ وَالْبَسَاطَةَ الْحَقَّةَ اللَّائِقَةَ بِكَرَمِ وَجْهِهِ عَن أَنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ أَوْ يُسَاوِيَهُ سُبْحَانَهُ شَيْءٌ. وَتَبْيِينُهُ: أَمَّا الْوَاحِدُ فَمَقُولٌ عَلَى مَا تَحْتَهُ بِالتَّشْكِيكِ، وَالَّذِي لَا يَنْقَسِم بِوَجْه أصلا أولى بالوحدانيّة مِمَّا يَنْقَسِمُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَالَّذِي لَا يَنْقَسِمُ

стр. 11023

انْقِسَامًا عقليّا أولى بالوحدانية مِنَ الَّذِي يَنْقَسِمُ انْقِسَامًا بِالْحِسِّ بِالْقُوَّةِ ثمَّ بِالْفِعْلِ، ف أَحَدٌ جَامِعٌ للدلالة على الوحدانية مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَأَنَّهُ لَا كَثْرَةَ فِي مَوْصُوفِهِ اهـ. قُلْتُ: قَدْ فَهِمَ الْمُسْلِمُونَ هَذَا فَقَدَ رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ إِذَا عُذِّبَ عَلَى الْإِسْلَامِ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ، وَكَانَ شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: أَحَدٌ أَحَدٌ. وَالَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْبَاحِثِينَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَن أَحَدٌ لَيْسَ مُلْحَقًا بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنّ لله تِسْعَة وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» . وَعَدَّهَا وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا وَصْفَ أَحَدٍ، وَذَكَرَ وَصْفَ وَاحِدٍ وَعَلَى ذَلِكَ دَرَجَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِ «الْإِرْشَادِ» وَكِتَابِ «اللُّمَعِ» وَالْغَزَّالِيُّ فِي «شَرْحِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى» . وَقَالَ الْفِهْرَيُّ فِي «شَرْحِهِ عَلَى لُمَعِ الْأَدِلَّةِ» لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ تَعَالَى «الْوَاحِدِ» . وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْأَحَدُ فَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ فِي اسْم. ودرح ابْنُ بَرَّجَانَ الْإِشْبِيلِيُّ فِي «شَرْحِ الْأَسْمَاءِ» (١) وَالشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُومِيُّ (بِالْمِيمِ) التُّونِسِيُّ، وَلُطْفُ اللَّهِ الْأَرْضَرُومِيُّ فِي «مَعَارِجِ النُّورِ» ، عَلَى عَدِّ (أَحَدٍ) فِي عِدَادِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى مَعَ اسْمِهِ الْوَاحِدِ فَقَالَا: الْوَاحِدُ الْأَحَدُ بِحَيْثُ هُوَ كَالتَّأْكِيدِ لَهُ كَمَا يَقْتَضِيهِ عَدُّهُمُ الْأَسْمَاءَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَقْتَضِ حَصْرَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فِي التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ فَضِيلَةِ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ الْمَعْدُودَةِ فِيهِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالْإِلَهِيَّةِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ. وَهَذَا إِبْطَالٌ لِلشِّرْكِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ أَهْلُ الشِّرْكِ، وَلِلتَّثْلِيثِ الَّذِي أَحْدَثَهُ النَّصَارَى الْمَلْكَانِيَّةُ وَلِلثَّانَوِيَّةِ عِنْد الْمَجُوس، وللعدد الَّذِي لَا يُحْصَى عِنْدَ الْبَرَاهِمَةِ. فَقَوْلُهُ: اللَّهُ أَحَدٌ نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [النِّسَاء: ١٧١] . وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُدْرِكهُ المخاطبون بِهَذِهِ الْآيَةِ السَّائِلُونَ عَنْ نِسْبَةِ اللَّهِ، أَيْ حَقِيقَتُهُ

стр. 11024

فَابْتُدِئَ لَهُمْ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ لِيَعْلَمُوا أَنَّ الْأَصْنَامَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِلَهِيَّةِ فِي شَيْءٍ. ثُمَّ إِنَّ الْأَحَدِيَّةَ تَقْتَضِي الْوُجُودَ لَا مَحَالَةَ فَبَطَلَ قَوْلُ الْمُعَطِّلَةِ وَالدَّهْرِيِّينَ. وَقَدِ اصْطَلَحَ عُلَمَاءُ الْكَلَامِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ مِنْ مَعْنَى الْأَحَدِيَّةِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا بِالْإِلَهِيَّةِ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَن المخصّص بالإيجاد لِأَنَّهُ لَوِ افْتَقَرَ إِلَى مَنْ يُوجِدُهُ لَكَانَ مَنْ يُوجِدُهُ إِلَهًا أَوَّلَ مِنْهُ فَلِذَلِكَ كَانَ وُجُودُ اللَّهِ قَدِيمًا غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِعَدَمٍ وَلَا مُحْتَاجٍ إِلَى مُخَصِّصٍ بِالْوُجُودِ بَدَلًا عَنِ الْعَدَمِ، وَكَانَ مستعينا عَن الْإِمْدَادِ بِالْوُجُودِ فَكَانِ بَاقِيًا، وَكَانَ غَنِيًّا عَنْ غَيْرِهِ، وَكَانَ مُخَالِفًا لِلْحَوَادِثِ وَإِلَّا لَاحْتَاجَ مِثْلَهَا إِلَى الْمُخَصِّصِ فَكَانَ وَصْفُهُ تَعَالَى: بِ أَحَدٌ جَامِعًا لِلصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي مُرَادِفِهِ وَهُوَ وَصْفٌ وَاحِدٌ. وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ أَحَدِيَّةَ اللَّهِ أَحَدِيَّةٌ وَاجِبَةٌ كَامِلَةٌ، فَاللَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَعَلَى كُلِّ التَّقَادِيرِ فَلَيْسَ لِكُنْهِ اللَّهِ كَثْرَةٌ أَصْلًا لَا كَثْرَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ وَهِيَ تَعَدُّدُ الْمُقَوِّمَاتِ مِنَ الْأَجْنَاسِ وَالْفُصُولِ الَّتِي تَتَقَوَّمُ مِنْهَا الْمَوَاهِي، وَلَا كَثْرَةُ الْأَجْزَاءِ فِي الْخَارِجِ الَّتِي تَتَقَوَّمُ مِنْهَا الْأَجْسَامُ. فَأَفَادَ وَصْفُ أَحَدٌ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ وَالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَبْعَاضِ، وَالْأَعْضَاءِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ وَسَائِرِ مَا يُنَافِي الْوَحْدَةَ الْكَامِلَةَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ سِينَا. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : «وَفِي قِرَاءَةِ النَّبِيءِ ﷺ اللَّهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ قُلْ هُوَ اهـ، وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِمَّا رُوِىَ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَالَ مَنْ قَرَأَ: اللَّهُ أَحَدٌ كَانَ بِعَدْلِ ثُلُثِ الْقُرْآنِ ، كَمَا ذَكَرَهُ بِأَثَرِ قِرَاءَةِ أُبَيٍّ بِدُونِ قُلْ كَمَا تَأَوَّلَهُ الطِّيبِيُّ إِذْ قَالَ: وَهَذَا اسْتِشْهَادٌ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ. وَعِنْدِي إِنْ صَحَّ مَا رُوِيَ مِنَ الْقِرَاءَةِ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا التِّلَاوَةَ وَإِنَّمَا قَصَدَ الِامْتِثَالَ لِمَا أَمر بِأَن يَقُوله، وَهَذَا كَمَا كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمَ وَبِحَمْدِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النَّصْر: ٣] .

стр. 11025

[سُورَة الْإِخْلَاص (١١٢) : آيَة ٢] اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) جُمْلَةٌ ثَانِيَةٌ محكية بالْقَوْل المحكية بِهِ جُمْلَةُ: اللَّهُ أَحَدٌ، فَهِيَ خَبَرٌ ثَانٍ عَنِ الضَّمِيرِ. وَالْخَبَرُ الْمُتَعَدِّدُ يَجُوزُ عَطْفُهُ وَفَصْلُهُ، وَإِنَّمَا فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَهَا لِأَن هَذِه الْجُمْلَة مَسُوقَةٌ لِتَلْقِينِ السَّامِعِينَ فَكَانَتْ جَدِيرَةً بِأَنْ تَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِذَاتِهَا غَيْرَ مُلْحَقَةٍ بِالَّتِي قَبْلَهَا بِالْعَطْفِ، عَلَى طَرِيقَةِ إِلْقَاءِ الْمَسَائِلِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: الْحَوْزُ شَرْطُ صِحَّةِ الْحَبْسِ، الْحَوْزُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْمُعَايَنَةِ، وَنَحْوَ قَوْلِكَ: عَنْتَرَةُ مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ، عَنْتَرَةُ مِنْ أَبْطَالِ الْفُرْسَانِ. وَلِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَقَعَ إِظْهَارُ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي قَوْلِهِ: اللَّهُ الصَّمَدُ وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: هُوَ الصَّمَدُ. والصَّمَدُ: السَّيِّدُ الَّذِي لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَهُوَ سَيِّدُ الْقَوْمِ الْمُطَاعُ فِيهِمْ. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : وَهُوَ فَعَلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ: صَمَدَ إِلَيْهِ، إِذَا قَصَدَهُ، فَالصَّمَدُ الْمَصْمُودُ فِي الْحَوَائِجِ. قُلْتُ: وَنَظِيرُهُ السَّنَدُ الَّذِي تُسْنَدُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ الْمُهِمَّةُ. وَالْفَلَقُ اسْمُ الصَّبَاحِ لِأَنَّهُ يَتَفَلَّقُ عَنْهُ اللَّيْلُ. والصَّمَدُ: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَاللَّهُ هُوَ الصَّمَدُ الْحَقُّ الْكَامِلُ الصَّمَدِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ. فَالصَّمَدُ مِنَ الْأَسْمَاءِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ. وَمَعْنَاهُ: الْمُفْتَقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا عَدَاهُ، فَالْمَعْدُومُ مُفْتَقِرٌ وُجُودُهُ إِلَيْهِ وَالْمَوْجُودُ مفتقر فِي شؤونه إِلَيْهِ. وَقَدْ كَثُرَتْ عِبَارَاتُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ فِي مَعْنَى الصَّمَدِ، وَكُلُّهَا مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ هَذَا الْمَعْنَى الْجَامِعِ، وَقَدْ أَنْهَاهَا فَخْرُ الدِّينِ إِلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ قَوْلًا. وَيَشْمَلُ هَذَا الِاسْمُ صِفَاتِ اللَّهِ الْمَعْنَوِيَّةَ الْإِضَافِيَّةَ وَهِيَ كَوْنُهُ تَعَالَى حَيًّا، عَالِمًا، مُرِيدًا، قَادِرًا، مُتَكَلِّمًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، لِأَنَّهُ لَوِ انْتَفَى عَنْهُ أَحَدُ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَمْ يَكُنْ مَصْمُودًا إِلَيْهِ.

стр. 11026

وَصِيغَةُ اللَّهُ الصَّمَدُ صِيغَةُ قَصْرٍ بِسَبَبِ تَعْرِيفِ الْمُسْنَدِ فَتُفِيدُ قَصْرَ صِفَةِ الصَّمَدِيَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ قَصْرُ قَلْبٍ لِإِبْطَالِ مَا تَعَوَّدَهُ أَهْلُ الشِّرْكِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ دُعَائِهِمْ أَصْنَامَهُمْ فِي حَوَائِجِهِمْ وَالْفَزَعِ إِلَيْهَا فِي نَوَائِبِهِمْ حَتَّى نَسُوا اللَّهَ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَيْلَةَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيءِ ﷺ وَقَالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ : أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ: «لَقَدْ عَلِمْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَهُ إِلَهٌ آخَرُ لَقَدْ أَغْنَى عني شَيْئا» . [٣] [سُورَة الْإِخْلَاص (١١٢) : آيَة ٣] لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) جُمْلَةُ: لَمْ يَلِدْ خَبَرٌ ثَانٍ عَنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ مِنْ قَوْلِهِ: اللَّهُ الصَّمَدُ، أَوْ حَالٌ مِنَ الْمُبْتَدَأِ أَوْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ اللَّهُ الصَّمَدُ، لِأَنَّ مَنْ يُصْمَدُ إِلَيْهِ لَا يَكُونُ مِنْ حَالِهِ أَنْ يَلِدَ لِأَنَّ طَلَبَ الْوَلَدِ لِقَصْدِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ فِي إِقَامَة شؤون الْوَالِدِ وَتَدَارُكِ عَجْزِهِ، وَلِذَلِكَ اسْتُدِلَّ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِهِمْ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً بِإِثْبَاتِ أَنَّهُ الْغَنِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [يُونُس: ٦٨] فَبَعْدَ أَنْ أَبْطَلَتِ الْآيَةُ الْأَوْلَى مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ تَعَدُّدَ الْإِلَهِ بِالْأَصَالَةِ وَالِاسْتِقْلَالِ، أَبْطَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَعَدُّدَ الْإِلَهِ بِطَرِيقِ تَوَلُّدِ إِلَهٍ عَنْ إِلَهٍ، لِأَنَّ الْمُتَوَلِّدَ مُسَاوٍ لِمَا تَوَلَّدَ عَنْهُ. وَالتَّعَدُّدُ بِالتَّوَلُّدِ مُسَاوٍ فِي الِاسْتِحَالَةِ لِتَعَدُّدِ الْإِلَهِ بِالْأَصَالَةِ لِتَسَاوِي مَا يَلْزَمُ عَلَى التَّعَدُّدِ فِي كِلَيْهِمَا مِنْ فَسَادِ الْأَكْوَانِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] (وَهُوَ بُرْهَانُ التَّمَانُعِ) وَلِأَنَّهُ لَوْ تَوَلَّدَ عَنِ اللَّهِ مَوْجُودٌ آخَرُ لَلَزِمَ انْفِصَالُ جُزْءٍ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ مُنَافٍ لِلْأَحَدِيَّةِ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا وَبَطَلَ اعْتِقَادُ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ تَعَالَى فَعَبَدُوا الْمَلَائِكَةَ لذَلِك، لِأَن البنوّة لِلْإِلَهِ تَقْتَضِي إِلَهِيَّةَ الِابْنِ قَالَ تَعَالَى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الْأَنْبِيَاء: ٢٦] . وَجُمْلَةُ لَمْ يُولَدْ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ لَمْ يَلِدْ، أَيْ وَلَمْ يَلِدْهُ غَيْرُهُ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الِاحْتِرَاسِ سَدًّا لِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَالِدٌ، فَأُرْدِفَ نَفْيُ الْوَلَدِ بِنَفْيِ الْوَالِدِ. وَإِنَّمَا قُدِّمَ نَفْيُ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ أَهَمُّ إِذْ قَدْ نَسَبَ أَهْلُ الضَّلَالَةِ الْوَلَدَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَنْسُبُوا

стр. 11027

إِلَى اللَّهِ وَالِدًا. وَفِيهِ الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ يَكُونُ مَوْلُودًا مِثْلَ عِيسَى لَا يَكُونُ إِلَهًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِلَهُ مَوْلُودًا لَكَانَ وُجُودُهُ مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ لَا مَحَالَةَ، وَذَلِكَ مُحَالٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ لَكَانَ مُفْتَقِرًا إِلَى مَنْ يُخَصِّصُهُ بِالْوُجُودِ بَعْدَ الْعَدَمِ، فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ جُمْلَةِ: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ إِبْطَالُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَالِدًا لِمَوْلُودٍ، أَوْ مَوْلُودًا مِنْ وَالِدٍ بِالصَّرَاحَةِ. وَبَطَلَتْ إِلَهِيَّةُ كُلِّ مَوْلُودٍ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ فَبَطَلَتِ الْعَقَائِدُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى تَوَلُّدِ الْإِلَهِ مِثْلَ عَقِيدَةِ (زَرَادِشْتَ) الثَّانَوِيَّةِ الْقَائِلَةِ بِوُجُودِ إِلَهَيْنِ: إِلَهِ الْخَيْرِ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَإِلَهِ الشَّرِّ وَهُوَ مُتَوَلَّدٌ عَنْ إِلَهِ الْخَيْرِ، لِأَنَّ إِلَهَ الْخَيْرِ وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ (يَزْدَانَ) فَكَّرَ فِكْرَةَ سُوءٍ فَتَوَلَّدَ مِنْهُ إِلَهُ الشَّرِّ الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ (أَهْرُمُنْ) ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى مَذْهَبِهِمْ أَبُو الْعَلَاءِ بِقَوْلِهِ: قَالَ أُنَاسٌ بَاطِلٌ زَعْمُهُمْ ... فَرَاقِبُوا اللَّهَ وَلَا تَزْعُمُنْ فَكَّرَ (يَزْدَانُ) عَلَى غِرَّةٍ ... فَصِيغَ مِنْ تَفْكِيرِهِ (أَهْرُمُنْ) وَبَطَلَتْ عَقِيدَةُ النَّصَارَى بِإِلَهِيَّةِ عِيسَى ﵇ بِتَوَهُّمِهِمْ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَأَنَّ ابْن الْإِلَه لَا يَكُونُ إِلَّا إِلَهًا بِأَنَّ الْإِلَهَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ فَلَيْسَ عِيسَى بِابْن لله، وَبِأَنَّ الْإِلَهَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَوْلُودًا بَعْدَ عَدَمٍ. فَالْمَوْلُودُ الْمُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ مَوْلُودٌ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ عِيسَى إِلَهًا. فَلَمَّا أَبْطَلَتِ الْجُمْلَةُ الْأُولَى إِلَهِيَّةَ إِلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ بِالْأَصَالَةِ، وَأَبْطَلَتِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ إِلَهِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ بِالِاسْتِحْقَاقِ، أَبْطَلَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ إِلَهِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ بِالْفَرْعِيَّةِ وَالتَّوَلُّدِ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ. وَإِنَّمَا نَفْيُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَالِدًا وَأَنْ يَكُونَ مَوْلُودًا فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، لِأَنَّ عَقِيدَةَ التَّوَلُّدِ ادَّعَتْ وُقُوعَ ذَلِكَ فِي زَمَنٍ مَضَى، وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّ اللَّهَ سَيَتَّخِذُ وَلَدًا فِي الْمُسْتَقْبل. [٤] [سُورَة الْإِخْلَاص (١١٢) : آيَة ٤] وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤) فِي معنى التذييل لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهَا لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْ مَضْمُونِهَا لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ صَرِيحَهَا وَكِنَايَتَهَا وَضِمْنِيَّهَا لَا يُشْبِهُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، مَعَ إِفَادَةِ هَذِهِ انْتِفَاءَِِ

стр. 11028

شَبِيهٍ لَهُ فِيمَا عَدَاهَا مِثْلَ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الْحَج: ٧٣] . وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً اعْتِرَاضِيَّةٌ، وَهِيَ وَاوُ الْحَالِ، كَالْوَاوِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ: ١٧] فَإِنَّهَا تذييل لِجُمْلَةِ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا [سبأ: ١٧] ، وَيَجُوزُ كَوْنُ الْوَاوِ عَاطِفَةً إِنْ جُعِلَتِ الْوَاوُ الْأُولَى عَاطِفَةً فَيَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْجُمْلَةِ إِثْبَاتَ وَصْفِ مُخَالَفَتِهِ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ وَتَكُونَ استفادة معنى التذييل تَبَعًا لِلْمَعْنَى، وَالنُّكَتِ لَا تَتَزَاحَمُ. وَالْكُفُؤُ: بِضَمِّ الْكَافِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ. وَبِهِ قَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ، إِلَّا أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَوَّلِينَ حَقَّقُوا الْهَمْزَةَ وَأَبُو جَعْفَرٍ سَهَّلَهَا وَيُقَالُ: «كُفْءٌ» بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَبِالْهَمْزِ، وَبِهِ قَرَأَ حَمْزَةُ وَيَعْقُوب، وَيُقَال: كُفُواً بِالْوَاوِ عِوَضَ الْهَمْزِ، وَبِهِ قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَهِيَ لُغَاتٌ ثَلَاثٌ فَصِيحَةٌ. وَمَعْنَاهُ: الْمسَاوِي والممائل فِي الصِّفَاتِ. وأَحَدٌ هُنَا بِمَعْنَى إِنْسَانٍ أَوْ مَوْجُودٍ، وَهُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ النَّكِرَاتِ الْمُلَازِمَةِ لِلْوُقُوعِ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ. وَحَصَلَ بِهَذَا جِنَاسٌ تَامٌّ مَعَ قَوْلِهِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَتَقْدِيمُ خَبَرِ (كَانَ) عَلَى اسْمِهَا لِلرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ وَلِلِاهْتِمَامِ بِذِكْرِ الْكُفُؤِ عَقِبَ الْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ لِيَكُونَ أَسْبَقَ إِلَى السَّمْعِ. وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ بِقَوْلِهِ: لَهُ عَلَى متعلّقه وَهُوَ كُفُواً لِلِاهْتِمَامِ بِاسْتِحْقَاقِ اللَّهِ نَفْيَ كَفَاءَةِ أَحَدٍ لَهُ، فَكَانَ هَذَا الِاهْتِمَامُ مُرَجِّحًا تَقْدِيمَ الْمَجْرُورِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ تَأْخِيرَ الْمُتَعَلِّقِ إِذَا كَانَ ظرفا لَغوا. وَتَأْخِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أَحْسَنُ مَا لَمْ يَقْتَضِ التَّقْدِيمَ مُقْتَضٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي «الْكَشَّافِ» . وَقَدْ وَرَدَتْ فِي فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ وَحَسَنَةٌ اسْتَوْفَاهَا الْمُفَسِّرُونَ. وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي «الْمُوَطَّأ» و «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ طُرُقٍ عِدَّةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» .

стр. 11029

وَاخْتَلَفَتِ التَّأْوِيلَاتُ الَّتِي تَأَوَّلَ بِهَا أَصْحَابُ مَعَاني الْآثَار لهَذَا الحَدِيث ويجمعها أَرْبَعَة تَأْوِيلَاتٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ، أَيْ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآن إِذا قرىء بِدُونِهَا حَتَّى لَوْ كَرَّرَهَا الْقَارِئُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَانَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ. الثَّانِي: أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ إِذَا قَرَأَهَا مَنْ لَا يُحْسِنُ غَيرهَا من سُورَة الْقُرْآنِ. الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِ أَجْنَاسِ الْمَعَانِي لِأَنَّ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ أَحْكَامٌ وَأَخْبَارٌ وَتَوْحِيدٌ، وَقَدِ انْفَرَدَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِجَمْعِهَا أُصُولَ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ غَيْرُهَا. وَأَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَاتٍ مِثْلِهَا مِثْلَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا تُوجَدُ سُورَةٌ وَاحِدَةٌ جَامِعَةٌ لِمَا فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ. التَّأْوِيلُ الرَّابِعُ: أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي الثَّوَابِ مِثْلَ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ وَلَكِنْ لَا يَكُونُ تَكْرِيرُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِمَنْزِلَةِ قِرَاءَةِ خَتْمَةٍ كَامِلَةٍ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي «الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ» (١) : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَا يُسَاوِي فِي الْأَجْرِ مَنْ أَحْيَا بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ اهـ. فَيَكُونُ هَذَا التَّأْوِيلُ قَيْدًا لِلتَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّ فِي حِكَايَتِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ المُرَاد نظر، فَإِنَّ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ تَكْرِيرَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَعْدِلُ قِرَاءَةَ خَتْمَةٍ كَامِلَةٍ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ لَا يَرْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ عَنِ الْحَدِيثِ الْإِشْكَالِ وَلَا يَتَخَلَّصُ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ اعْتِرَاضٌ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ السُّكُوتُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْكَلَامِ فِيهَا.

стр. 11030

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١١٣- سُورَةُ الْفَلَقِ سَمَّى النَّبِيءُ ﷺ هَذِهِ السُّورَةَ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: اتَّبَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ رَاكِبٌ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمِهِ فَقُلْتُ: أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ سُورَةَ هُودٍ وَسُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ: لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» . وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ أَرَادَ سُورَةَ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ لِأَنَّهُ كَانَ جَوَابا عَن قَوْلِ عُقْبَةَ: أَقْرِئْنِي سُورَةَ هُودٍ إِلَخْ، وَلِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الْفَلَقِ: ١] قَوْلَهُ: وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [النَّاسِ: ١] وَلَمْ يُتِمَّ سُورَةَ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ عَنْوَنَهَا الْبُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» : سُورَةَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ» بِإِضَافَةِ سُورَةِ إِلَى أَوَّلِ جُمْلَةٍ مِنْهَا. وَجَاءَ فِي كَلَام بَعْضِ الصَّحَابَةِ تَسْمِيَتُهَا مَعَ سُورَةِ النَّاسِ «الْمُعَوِّذَتَيْنِ» . رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ (بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِصِيغَةِ الْجَمْعِ بِتَأْوِيلِ الْآيَاتِ الْمُعَوِّذَاتِ، أَيْ آيَاتِ السُّورَتَيْنِ) وَفِي رِوَايَةٍ: «بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ» . وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُمَا تُسَمَّى الْمُعَوِّذَةَ بِالْإِفْرَادِ، وَقَدْ سَمَّاهَا ابْنُ عَطِيَّةَ سُورَةَ الْمُعَوِّذَةِ الْأُولَى، فَإِضَافَةُ «سُورَةٍ» إِلَى «الْمُعَوِّذَةِ» مِنْ إِضَافَةِ الْمُسَمَّى إِلَى الِاسْمِ، وَوَصْفُ السُّورَةِ بِذَلِكَ مَجَازٌ يَجْعَلُهَا كَالَّذِي يَدُلُّ الْخَائِفَ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَعْصِمُهُ مِنْ مُخِيفِهِ أَوْ كَالَّذِي يُدْخِلُهُ الْمَعَاذَ. وَسُمِّيَتْ فِي أَكْثَرِ الْمَصَاحِفِ وَمُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ «سُورَةَ الْفَلَقِ» . وَفِي «الْإِتْقَانِ» : أَنَّهَا وَسُورَةَ النَّاسِ تُسَمَّيَانِ «الْمُشَقْشِقَتَيْنِ» (بِتَقْدِيمِ الشِّينَيْنِ
следующие страницы →