Полный текст (11 044 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢٥٣]
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ.
مَوْقِعُ هَذِهِ الْآيَةِ مَوْقِعُ الْفَذْلَكَةِ لِمَا قَبْلَهَا وَالْمُقَدِّمَةِ لِمَا بَعْدَهَا. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَنْبَأَ بِاخْتِبَارِ الرُّسُلِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمَا عَرَضَ لَهُمْ مَعَ أَقْوَامِهِمْ وَخَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ [الْبَقَرَة: ٢٥٢] . جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي قَوْلِهِ:
تِلْكَ الرُّسُلُ لَفْتًا إِلَى الْعِبَرِ الَّتِي فِي خِلَالِ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَلَمَّا أَنْهَى ذَلِكَ كُلَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ:
وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [الْبَقَرَة: ٢٥٢] تَذْكِيرًا بِأَنَّ إِعْلَامَهُ بِأَخْبَارِ الْأُمَمِ وَالرُّسُلِ آيَةٌ عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ. إِذْ مَا كَانَ لِمِثْلِهِ قِبَلٌ بِعِلْمِ ذَلِكَ لَوْلَا وَحْيُ اللَّهِ إِلَيْهِ. وَفِي هَذَا كُلِّهِ حُجَّةٌ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَعَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ جَحَدُوا رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَمَوْقِعُ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِثْلُ مَوْقِعِهِ فِي قَوْلِ النَّابِغَةِ:
بَنِي عَمِّهِ دُنْيَا وَعَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ... أُولَئِكَ قَوْمٌ بَأْسُهُمْ غَيْرُ كَاذِبِ
وَالْإِشَارَةُ إِلَى جَمَاعَةِ الْمُرْسَلِينَ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. وَجِيءَ بِالْإِشَارَةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الِاسْتِحْضَارِ حَتَّى كَأَنَّ جَمَاعَةَ الرُّسُلِ حَاضِرَةٌ لِلسَّامِعِ بَعْدَ مَا مَرَّ مِنْ ذِكْرِ عَجِيبِ أَحْوَالِ بَعْضِهِمْ وَمَا أَعْقَبَهُ مِنْ ذِكْرِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَمَّا أُفِيضَ الْقَوْلُ فِي الْقِتَالِ وَفِي الْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ وَالِاعْتِبَارِ بِقِتَالِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ عُقِّبَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَمْرِ الدِّينِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البيّنات ولكنّهم أساؤوا الْفَهْمَ فَجَحَدُوا الْبَيِّنَاتِ فأفضى بهم سود فَهْمِهِمْ إِلَى اشْتِطَاطِ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ حَتَّى أَفْضَى إِلَى الِاقْتِتَالِ. فَمَوْقِعُ اسْمِ الْإِشَارَةِ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ كَمَوْقِعِ
ضَمِيرِ الشَّأْنِ، أَيْ هِيَ قِصَّةُ الرُّسُلِ وَأُمَمِهِمْ، فَضَّلْنَا بَعْضَ الرُّسُلِ عَلَى بَعْضٍ فَحَسَدَتْ بَعْضُ الْأُمَمِ أَتْبَاعَ بَعْضِ الرُّسُلِ فَكَذَّبَ الْيَهُودُ عِيسَى وَمُحَمَّدًا عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَكَذَّبَ النَّصَارَى مُحَمَّدًا ﷺ .
وَقُرِنَ اسْمُ الْإِشَارَةِ بِكَافِ الْبُعْدِ تَنْوِيهًا بِمَرَاتِبِهِمْ كَقَوْلِهِ: ذلِكَ الْكِتابُ [الْبَقَرَة: ٢] .
стр. 1262
وَاسْمُ الْإِشَارَةِ مُبْتَدَأٌ وَالرسل خَبَرٌ، وَلَيْسَ الرُّسُلُ بَدَلًا لِأَنَّ الْإِخْبَارَ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِأَنَّهَا الرُّسُلُ أَوْقَعُ فِي اسْتِحْضَارِ الْجَمَاعَةِ الْعَجِيبِ شَأْنُهُمُ الْبَاهِرِ خَبَرُهُمْ، وَجُمْلَةُ «فَضَّلْنَا» حَالٌ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ تَمْجِيدُ سُمْعَةِ الرُّسُلِ ﵈، وَتَعْلِيمُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ هَاتِهِ الْفِئَةَ الطَّيِّبَةَ مَعَ عَظِيمِ شَأْنِهَا قَدْ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَأَسْبَابُ التَّفْضِيلِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، غَيْرَ أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى مَا جَرَى عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنَ الْخَيْرَاتِ الْمُصْلِحَةِ لِلْبَشَرِ وَمِنْ نَصْرِ الْحَقِّ، وَمَا لَقُوهُ مِنَ الْأَذَى فِي سَبِيلِ ذَلِكَ، وَمَا أُيِّدُوا بِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ الْعَظِيمَةِ الْمُتَفَاوِتَةِ فِي هُدَى الْبَشَرِ، وَفِي عُمُومِ ذَلِكَ الْهُدَى وَدَوَامِهِ، وَإِذَا
كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يَقُولُ: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»
، فَمَا بَالُكَ بِمَنْ هَدَى اللَّهُ بِهِمْ أُمَمًا فِي أَزْمَانٍ مُتَعَاقِبَةٍ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ أَفْضَلَ الرُّسُلِ. وَيَتَضَمَّنُ الْكَلَامُ ثَنَاءً عَلَيْهِمْ وَتَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﵇ فِيمَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ.
وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الرُّسُلِ بَعْضًا بِصِفَاتٍ يَتَعَيَّنُ بِهَا الْمَقْصُودُ مِنْهُمْ، أَوْ بِذِكْرِ اسْمِهِ، فَذَكَرَ ثَلَاثَةً إِذْ قَالَ: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ، وَهَذَا مُوسَى ﵇ لِاشْتِهَارِهِ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ الْعَظِيمَةِ فِي الْقُرْآنِ، وَذَكَرَ عِيسَى ﵇، وَوَسَّطَ بَيْنِهِمَا الْإِيمَاءَ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بِوَصْفِهِ، بِقَوْلِهِ: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ.
وَقَوْلُهُ: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْبَعْضِ هُنَا وَاحِدًا مِنَ الرُّسُلِ مُعَيَّنًا لَا طَائِفَةً، وَتَكُونَ الدَّرَجَاتُ مَرَاتِبَ مِنَ الْفَضِيلَةِ ثَابِتَةً لِذَلِكَ الْوَاحِدِ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْبَعْضِ جَمَاعَةً مِنَ الرُّسُلِ مُجْمَلًا، وَمِنَ الدَّرَجَاتِ دَرَجَاتٍ بَيْنَهُمْ لَصَارَ الْكَلَامُ تَكْرَارًا مَعَ قَوْلِهِ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بَعْضٌ فُضِّلَ عَلَى بَعْضٍ لَقَالَ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [الْأَنْعَام: ١٦٥] .
وَعَلَيْهِ فَالْعُدُولُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ أَوْ بِالْوَصْفِ الْمَشْهُورِ بِهِ لِقَصْدِ دَفْعِ الِاحْتِشَامِ عَنِ الْمُبَلِّغِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَالْعَرَبُ تُعَبِّرُ بِالْبَعْضِ عَنِ
النَّفْسِ كَمَا فِي قَوْلِ لَبِيدٍ:
تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذَا لَمْ أَرْضَهَا ... أَوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا
стр. 1263
أَرَادَ نَفْسَهُ، وَعَن الْمُخَاطب كَقَوْلي أَبِي الطَّيِّبِ:
إِذَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ سَيْفًا لِدَوْلَةٍ ... فَفِي النَّاسِ بُوقَاتٌ لَهَا وَطُبُولُ
وَالَّذِي يُعَيِّنُ الْمُرَادَ فِي هَذَا كُلِّهِ هُوَ الْقَرِينَةُ كَانْطِبَاقِ الْخَبَرِ أَوِ الْوَصْفِ عَلَى وَاحِدٍ كَقَوْلِ طَرَفَةَ:
إِذَا الْقَوْمُ قَالُوا مَنْ فَتًى خِلْتُ أَنَّنِي ... عُنِيتُ فَلَمْ أَكْسَلْ وَلَمْ أَتَبَلَّدِ
وَقَدْ جَاءَ عَلَى نَحْوِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ [الْإِسْرَاء: ٥٤، ٥٥] عَقِبَ قَوْلِهِ: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً- إِلَى أَنْ قَالَ- وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ- إِلَى قَوْلِهِ- وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ [الْإِسْرَاء: ٤٥، ٥٥] .
وَهَذَا إِعْلَامٌ بِأَنَّ بَعْضَ الرُّسُلِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ وَعَدَمِ تَعْيِينِ الْفَاضِلِ مِنَ الْمَفْضُولِ: ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ اشْتَرَكُوا فِي صِفَةِ خَيْرٍ لَا يَخْلُونَ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ بِمَا لِلْبَعْضِ مِنْ صِفَاتِ كَمَالٍ زَائِدَةٍ عَلَى الصِّفَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمْ، وَفِي تَمْيِيزِ صِفَاتِ التَّفَاضُلِ غُمُوضٌ، وَتَطَرُّقٌ لِتَوَقُّعِ الْخَطَأِ وَعُرُوضٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِسَهْلٍ عَلَى الْعُقُولِ الْمُعَرَّضَةِ لِلْغَفْلَةِ وَالْخَطَأِ. فَإِذَا كَانَ التَّفْضِيلُ قَدْ أَنْبَأَ بِهِ رَبُّ الْجَمِيعِ، وَمَنْ إِلَيْهِ التَّفْضِيلُ، فَلَيْسَ مِنْ قَدْرِ النّاس أَن يتصدّوا لِوَضْعِ الرُّسُلِ فِي مَرَاتِبِهِمْ، وَحَسْبُهُمُ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ.
وَهَذَا مَوْرِدُ
الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ»
يَعْنِي بِهِ النَّهْيَ عَنِ التَّفْضِيلِ التَّفْصِيلِيِّ، بِخِلَافِ التَّفْضِيلِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، كَمَا نَقُولُ: الرُّسُلُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ لَيْسُوا رُسُلًا. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَفْضَلُ الرُّسُلِ لِمَا تَظَاهَرَ مِنْ آيَاتِ تَفْضِيلِهِ وَتَفْضِيلِ الدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ وَتَفْضِيلِ الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ. وَهِيَ مُتَقَارِنَةُ الدَّلَالَةِ تَنْصِيصًا وَظُهُورًا. إِلَّا أَنَّ كَثْرَتَهَا تُحَصِّلُ الْيَقِينَ بِمَجْمُوعِ مَعَانِيهَا عَمَلًا بِقَاعِدَةِ كَثْرَةُ الظَّوَاهِرِ تُفِيدُ الْقَطْعَ. وَأَعْظَمُهَا آيَةُ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمرَان: ٨١] الْآيَةَ.
стр. 1264
وَأَمَّا
قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ : «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»
يَعْنِي بِقَوْلِهِ:
«أَنَا» نَفْسَهُ عَلَى أَرْجَحِ الِاحْتِمَالَيْنِ،
وَقَوْلُهُ: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى»
، فَذَلِكَ صَدَرَ قَبْلَ أَنْ يُنْبِئَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْخَلْقِ عِنْدَهُ.
وَهَذِهِ الدَّرَجَاتُ كَثِيرَةٌ عَرَفْنَا مِنْهَا: عُمُومَ الرِّسَالَةِ لِكَافَّةِ النَّاسِ، وَدَوَامَهَا طُولَ الدَّهْرِ، وَخَتْمَهَا لِلرِّسَالَاتِ، وَالتَّأْيِيدَ بِالْمُعْجِزَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا تَلْتَبِسُ بِالسِّحْرِ وَالشَّعْوَذَةِ، وَبِدَوَامِ تِلْكَ الْمُعْجِزَةِ، وَإِمْكَانِ أَنْ يُشَاهِدَهَا كُلُّ مَنْ يُؤَهِّلُ نَفْسَهُ لِإِدْرَاكِ الْإِعْجَازِ، وَبِابْتِنَاءِ شَرِيعَتِهِ عَلَى رَعْيِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ وَالْبُلُوغِ بِالنُّفُوسِ إِلَى أَوَجِ الْكَمَالِ، وَبِتَيْسِيرِ إِدَانَةِ مُعَانَدِيهِ لَهُ، وَتَمْلِيكِهِ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي زَمَنٍ قَصِيرٍ، وَبِجَعْلِ نَقْلِ مُعْجِزَتِهِ مُتَوَاتِرًا لَا يَجْهَلُهَا إِلَّا مُكَابِرٌ، وَبِمُشَاهَدَةِ أُمَّتِهِ لِقَبْرِهِ الشَّرِيفِ، وَإِمْكَانِ اقْتِرَابِهِمْ مِنْهُ وَائْتِنَاسِهِمْ بِهِ ﷺ .
وَقَدْ عَطَفَ مَا دَلَّ عَلَى نَبِيئِنَا عَلَى مَا دَلَّ عَلَى موسَى- ﵉ لِشِدَّةِ الشَّبَهِ بَيْنَ شَرِيعَتَيْهِمَا، لِأَنَّ شَرِيعَةَ مُوسَى ﵇ أَوْسَعُ الشَّرَائِعِ، مِمَّا قَبْلَهَا، بِخِلَافِ شَرِيعَةِ عِيسَى ﵇.
وَتَكْلِيمُ اللَّهِ مُوسَى هُوَ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ بِدُونِ وَاسِطَةِ جِبْرِيلَ، بِأَنْ أَسْمَعَهُ كَلَامًا أَيْقَنَ أَنَّهُ صَادِرٌ بِتَكْوِينِ اللَّهِ، بِأَنْ خَلَقَ اللَّهُ أَصْوَاتًا مِنْ لُغَةِ مُوسَى تَضَمَّنَتْ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ، وَسَيَجِيءُ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النِّسَاء: ١٦٤] فِي سُورَةِ النِّسَاءِ.
وَقَوْلُهُ: وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ الْبَيِّنَاتُ هِيَ الْمُعْجِزَاتُ الظَّاهِرَةُ الْبَيِّنَةُ، وَرُوحُ الْقُدُسِ هُوَ جِبْرِيلُ، فَإِنَّ الرُّوحَ هُنَا بِمَعْنَى الْمَلَكِ الْخَاصِّ كَقَوْلِهِ: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها [الْقدر: ٤] .
والقدس بِضَمِّ الْقَافِ وَبِضَمِّ الدَّالِ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَسُكُونِهَا عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ بِمَعْنَى الْخُلُوصِ وَالنَّزَاهَةِ، فَإِضَافَةُ رُوحِ إِلَى الْقُدس من إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصِّفَةِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، وَقِيلَ الْقُدُسِ اسْمُ اللَّهِ كَالْقُدُّوسِ فَإِضَافَةُ رُوحٍ إِلَيْهِ إِضَافَةٌ أَصْلِيَّةٌ، أَيْ رَوْحٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ.
стр. 1265
وَرُوحُ الْقُدُسِ هُوَ جِبْرِيلُ قَالَ تَعَالَى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النَّحْل:
١٠٢] ،
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا»
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَالَ لِحَسَّانَ: «اهْجُهُمْ وَمَعَكَ رُوحُ الْقُدُسِ» .
وَإِنَّمَا وُصِفَ عِيسَى بِهَذَيْنِ مَعَ أَنَّ سَائِرَ الرُّسُلِ أُيِّدُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَبِرُوحِ الْقُدُسِ، لِلرَّدِّ
عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا رِسَالَتَهُ وَمُعْجِزَاتِهِ، وَلِلرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى الَّذِينَ غَلَوْا فَزَعَمُوا أُلُوهِيَّتَهُ، وَلِأَجْلِ هَذَا ذُكِرَ مَعَهُ اسْمُ أُمِّهِ- مَهْمَا ذُكِرَ- لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ لَا يَكُونُ إِلَهًا، وَعَلَى أَنَّ مَرْيَمَ أَمَةُ اللَّهِ تَعَالَى لَا صَاحِبَةٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَذْكُرُ أَسْمَاءَ نِسَائِهَا وَإِنَّمَا تَكْنِي، فَيَقُولُونَ رَبَّةُ الْبَيْتِ، وَالْأَهْلُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَلَا يَذْكُرُونَ أَسْمَاءَ النِّسَاءِ إِلَّا فِي الْغَزَلِ، أَوْ أَسْمَاءَ الْإِمَاءِ.
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ.
اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْفَذْلَكَةِ- الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ الرُّسُلُ إِلَى آخرهَا- وَبَين الْجُمْلَة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ [الْبَقَرَة: ٢٥٤] ، فَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ: فَإِنَّ مَا جَرَى مِنَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ وَمِنَ الْأَمْثَالِ الَّتِي بَيَّنَتْ خِصَالَ الشَّجَاعَةِ وَالْجُبْنِ وَآثَارَهُمَا، الْمَقْصُودُ مِنْهُ تَشْرِيعًا وَتَمْثِيلًا قِتَالُ أَهْلِ الْإِيمَانِ لِأَهْلِ الْكُفْرِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَنَصْرِ الْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ وَبَثِّ الْهُدَى وَإِزْهَاقِ الضَّلَالِ. بَيَّنَ اللَّهُ بِهِذَا الِاعْتِرَاضِ حُجَّةَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا: بِأَنَّ الْكَافِرِينَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِذِ اخْتَلَفُوا عَلَى مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَوِ اتَّبَعُوا الْحَقَّ لَسَلَّمُوا وَسَالَمُوا.
ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: مِنْ بَعْدِهِمْ مُرَادًا بِهِ جُمْلَةُ الرُّسُلِ أَيْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ مِنَ الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْعَقَائِدِ
стр. 1266
مِثْلَ اقْتِتَالِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي الْيَمَنِ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ، وَمُقَاتَلَةِ الْفِلَسْطِينِيِّينَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ انْتِصَارًا لِأَصْنَامِهِمْ، وَمُقَاتَلَةِ الْحَبَشَةِ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ انْتِصَارًا لِبَيْعَةِ الْقُلَّيْسِ الَّتِي بَنَاهَا الْحَبَشَةُ فِي الْيَمَنِ، وَالْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ الْإِسْلَامِ وَنَاوَوُهُ وَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ أَهْلَهُ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْبَيِّنَاتِ دَلَائِلَ صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَتكون الْآيَة بإنحاء عَلَى الَّذِينَ عَانَدُوا النَّبِيءَ وَنَاوَوُا الْمُسْلِمِينَ وَقَاتَلُوهُمْ، وَتَكُونُ الْآيَةُ عَلَى هَذَا ظَاهِرَةَ التَّفَرُّعِ عَلَى قَوْلِهِ: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا [الْبَقَرَة: ٢٤٤] إِلَخ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ «مِنْ بَعْدِهِمْ» ضَمِيرَ الرُّسُلِ عَلَى إِرَادَةِ التَّوْزِيعِ، أَيِ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِ كُلِّ رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ، فَيَكُونُ مُفِيدًا أَنَّ أُمَّةَ كُلِّ رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ اخْتَلَفُوا وَاقْتَتَلُوا اخْتِلَافًا وَاقْتِتَالًا نَشَآ مِنْ تَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَمَا وَقَعَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي عُصُورٍ كَثِيرَةٍ بَلَغَتْ فِيهَا طَوَائِفُ مِنْهُمْ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الدِّينِ إِلَى حَدِّ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَكَمَا وَقَعَ لِلنَّصَارَى فِي
عُصُورٍ بَلَغَ فِيهَا اخْتِلَافُهُمْ إِلَى حَدِّ أَنْ كَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَتَقَاتَلَتِ الْيَهُودُ غَيْرَ مَرَّةٍ قِتَالًا جَرَى بَيْنَ مَمْلَكَةِ يَهُوذَا وَمَمْلَكَةِ إِسْرَائِيلَ، وَتَقَاتَلَتِ النَّصَارَى كَذَلِكَ مِنْ جَرَّاءِ الْخِلَافِ بَيْنَ الْيَعَاقِبَةِ وَالْمَلَكِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَأَشْهَرُ مُقَاتَلَاتِ النَّصَارَى الْحُرُوبُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي نَشَأَتْ فِي الْقَرْنِ السَّادِسِ عَشَرَ مِنَ التَّارِيخِ الْمَسِيحِيِّ بَيْنَ أَشْيَاعِ الْكَاثُولِيكِ وَبَيْنَ أَشْيَاعِ مَذْهَبِ لُوثِيرَ الرَّاهِبِ الْجِرْمَانِيِّ الَّذِي دَعَا النَّاسَ إِلَى إِصْلَاحِ الْمَسِيحِيَّةِ وَاعْتِبَارِ أَتْبَاعِ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ كُفَّارًا لِادِّعَائِهِمْ أُلُوهِيَّةِ الْمَسِيحِ، فَعَظُمَتْ بِذَلِكَ حروب بَين فرانسا وَأَسْبَانْيَا وَجِرْمَانْيَا وَانْكِلْتِرَا وَغَيْرِهَا مِنْ دُوَلِ أُورُوبَّا.
وَالْمَقْصُودُ تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ مَا وَقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ، وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيءُ ﷺ مِنْ ذَلِكَ تَحْذِيرًا مُتَوَاتِرًا
بِقَوْلِهِ فِي خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»
، يُحَذِّرُهُمْ مَا يَقَعُ مِنْ حُرُوبِ الرِّدَّةِ وَحُرُوبِ الْخَوَارِجِ بِدَعْوَى التَّكْفِيرِ، وَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ من دَلَائِل النبوءة الْعَظِيمَةِ.
وَوَرَدَ فِي «الصَّحِيحِ» قَوْلُهُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ»
، وَذَلِكَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا أَنَّهُ الْقِتَالُ عَلَى اخْتِلَافِ الْعَقِيدَةِ.
стр. 1267
وَالْمُرَادُ بِالْبَيِّنَاتِ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ أَدِلَّةُ الشَّرِيعَةِ الْوَاضِحَةُ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ مُتَّبِعِ الشَّرِيعَةِ وَمُعَانِدِهَا وَالَّتِي لَا تَقْبَلُ خَطَأَ الْفَهْمِ وَالتَّأْوِيلِ لَوْ لَمْ يَكُنْ دَأْبُهُمُ الْمُكَابَرَةَ وَدَحْضَ الدِّينِ لِأَجْلِ عَرَضِ الدُّنْيَا، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ شَاءَ اقْتِتَالَهُمْ فَاقْتَتَلُوا، وَشَاءَ اخْتِلَافَهُمْ فَاخْتَلَفُوا، وَالْمَشِيئَةُ هُنَا مَشِيئَةُ تَكْوِينٍ وَتَقْدِيرٍ لَا مَشِيئَةُ الرِّضَا لِأَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ مَسَاقَ التَّمَنِّي لِلْجَوَابِ وَالتَّحْسِيرِ عَلَى امْتِنَاعِهِ وانتفائه المفاد بلو كَقَوْلِ طَرَفَةَ:
فَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتُ قَيْسَ بْنَ خَالِدٍ ... وَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتُ عَمْرَو بْنَ مَرْثَدِ
وَقَوْلُهُ: وَلكِنِ اخْتَلَفُوا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ جَوَابُ لَوْ شَاءَ اللَّهُ: وَهُوَ مَا اقْتَتَلَ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الِاسْتِدْرَاكِ لَازِمَ الضِّدِّ لِجَوَابِ لَوْ وَهُوَ الِاخْتِلَافُ لِأَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا اقْتَتَلُوا وَلَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمَا اقْتَتَلُوا. وَإِنَّمَا جِيءَ بِلَازِمِ الضِّدِّ فِي الِاسْتِدْرَاكِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى سَبَبِ الِاقْتِتَالِ لِيَظْهَرَ أَنَّ مَعْنَى نَفْيِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَرْكُهُمُ الِاقْتِتَالَ، هُوَ أَنَّهُ خَلَقَ دَاعِيَةَ الِاخْتِلَافِ فِيهِمْ، فَبِتِلْكَ الدَّاعِيَةِ اخْتَلَفُوا، فَجَرَّهُمُ الْخِلَافُ إِلَى أَقْصَاهُ وَهُوَ الْخِلَافُ فِي الْعَقِيدَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ، فَاقْتَتَلُوا لِأَنَّ لُزُومَ الِاقْتِتَالِ لِهَذِهِ الْحَالَةِ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ شَائِعٌ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ اخْتِلَافَ أُمَّةِ الرَّسُولِ الْوَاحِدِ فَالْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ فِي الْآيَةِ عِبَارَةٌ عَنْ خَطَأِ أَهْلِ الدِّينِ فِيهِ
إِلَى الْحَدِّ الَّذِي يُفْضِي بِبَعْضِهِمْ إِلَى الْكُفْرِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ اخْتِلَافَ أُمَمِ الرُّسُلِ كُلٍّ لِلْأُخْرَى كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ [الْبَقَرَة: ١١٣] ، فَالْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ فِي الْآيَةِ ظَاهِرٌ، أَيْ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِالرَّسُولِ الْخَاتَمِ فَاتَّبَعَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بِهِ فَعَادَاهُ، فاقتتل الْفَرِيقَانِ.
وأياما كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ يُنَادِي عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ الَّذِي لَا يَبْلُغُ بِالْمُخْتَلِفِينَ إِلَى كُفْرِ بَعْضِهِمْ بِمَا آمَنَ بِهِ الْآخَرُ لَا يَبْلُغُ بِالْمُخْتَلِفِينَ إِلَى التَّقَاتُلِ، لِأَنَّ فِيمَا أَقَامَ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ بَيِّنَاتِ الشَّرْعِ مَا فِيهِ كِفَايَةُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي اخْتِلَافِهِمْ إِذَا لَمْ تَغْلِبْ عَلَيْهِمُ الْمُكَابَرَةُ وَالْهَوَى أَوْ لَمْ يَعُمَّهُمْ سُوءُ الْفَهْمِ وَقِلَّةُ الْهُدَى.
لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي خِلْقَةِ الْعُقُولِ اخْتِلَافَ الْمُيُولِ وَالْأَفْهَامِ، وَجَعَلَ فِي تَفَاوُتِ الذَّكَاءِ وَأَصَالَةِ الرَّأْيِ أَسْبَابًا لِاخْتِلَافِ قَوَاعِدِ الْعُلُومِ وَالْمَذَاهِبِ، فَأَسْبَابُ الِاخْتِلَافِ إِذَنْ مَرْكُوزَةٌ فِي الطِّبَاعِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ
стр. 1268
ثُمَّ قَالَ: وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَصَارَ الْمَعْنَى لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اخْتَلَفُوا، لَكِنَّ الْخِلَافَ مَرْكُوزٌ فِي الْجِبِلَّةِ. بَيْدَ أَن الله تَعَالَى قَدْ جَعَلَ- أَيْضًا- فِي الْعُقُولِ أُصُولًا ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً ظَنًّا قَرِيبًا مِنَ الْقَطْعِ بِهِ تَسْتَطِيعُ الْعُقُولُ أَنْ تُعَيِّنَ الْحَقَّ مِنْ مُخْتَلِفِ الْآرَاءِ، فَمَا صَرَفَ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِهِ إِلَّا التَّأْوِيلَاتُ الْبَعِيدَةُ الَّتِي تَحْمِلُ عَلَيْهَا الْمُكَابَرَةُ أَوْ كَرَاهِيَةُ ظُهُورِ الْمَغْلُوبِيَّةِ، أَو حب المدحة مِنَ الْأَشْيَاعِ وَأَهْلِ الْأَغْرَاضِ، أَوِ السَّعْيُ إِلَى عَرَضٍ عَاجِلٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا غَرَزَ فِي خِلْقَةِ النُّفُوسِ دَوَاعِيَ الْمَيْلِ إِلَى هَاتِهِ الْخَوَاطِرِ السَّيِّئَةِ فَمَا اخْتَلَفُوا خِلَافًا يَدُومُ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا هَذَا الْخِلَافَ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ، فَلَا عُذْرَ فِي الْقِتَالِ إِلَّا لِفَرِيقَيْنِ: مُؤْمِنٍ، وَكَافِرٍ بِمَا آمَنَ بِهِ الْآخَرُ، لِأَنَّ الْغَضَبَ وَالْحَمِيَّةَ النَّاشِئَيْنَ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ قَدْ كَانَا سَبَبَ قِتَالٍ مُنْذُ قَدِيمٍ، أَمَّا الْخِلَافُ النَّاشِئُ بَيْنَ أَهْلِ دِينٍ وَاحِدٍ لَمْ يَبْلُغْ إِلَى التَّكْفِيرِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَبَبَ قِتَالٍ.
وَلِهَذَا
قَالَ النَّبِيءُ ﷺ : «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ هُوَ بِهَا»
لِأَنَّهُ إِذَا نَسَبَ أَخَاهُ فِي الدِّينِ إِلَى الْكُفْرِ فَقَدْ أَخَذَ فِي أَسْبَابِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَوْلِيدِ سَبَبِ التَّقَاتُلِ، فَرَجَعَ هُوَ بِإِثْمِ الْكُفْرِ لِأَنَّهُ الْمُتَسَبِّبُ فِيمَا يَتَسَبَّبُ عَلَى الْكُفْرِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يَرَى بَعْضَ أَحْوَالِ الْإِيمَانِ كُفْرًا، فَقَدْ صَارَ هُوَ كَافِرًا لِأَنَّهُ جَعَلَ الْإِيمَانَ كُفْرًا.
وَقَالَ ﵊: «فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»
، فَجَعَلَ الْقِتَالَ شِعَارَ التَّكْفِيرِ. وَقَدْ
صَمَّ الْمُسْلِمُونَ عَنْ هَذِهِ النَّصِيحَةِ الْجَلِيلَةِ فَاخْتَلَفُوا خِلَافًا بَلَغَ بِهِمْ إِلَى التَّكْفِيرِ وَالْقِتَالِ، وَأَوَّلُهُ خِلَافُ الرِّدَّةِ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ خِلَافُ الْحَرُورِيَّةِ فِي زَمَنِ عَلِيٍّ وَقَدْ كَفَّرُوا عَلِيًّا فِي قبُوله تحكيم الْحكمِي، ثُمَّ خِلَافُ أَتْبَاعِ الْمُقَنَّعِ بِخُرَاسَانَ الَّذِي ادّعى الإلاهية وَاتَّخَذَ وَجْهًا مِنْ ذَهَبٍ، وَظَهَرَ سَنَةَ ١٥٩ وَهَلَكَ سَنَةَ ١٦٣، ثُمَّ خِلَافُ الْقَرَامِطَةِ مَعَ بَقِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ شَائِبَةٌ مِنَ الْخِلَافِ الْمَذْهَبِيِّ لِأَنَّهُمْ فِي الْأَصْلِ مِنَ الشِّيعَةِ ثُمَّ تَطَرَّفُوا فَكَفَرُوا وَادَّعَوُا الْحُلُولَ- أَيْ حُلُولَ الرَّبِّ فِي الْمَخْلُوقَاتِ- وَاقْتَلَعُوا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ مِنَ الْكَعْبَةِ وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى بَلَدِهِمْ فِي الْبَحْرَيْنِ، وَذَلِكَ مِنْ سَنَةِ ٢٩٣. وَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا خِلَافًا كَثِيرًا فِي الْمَذَاهِبِ جَرَّ بِهِمْ تَارَاتٍ إِلَى مُقَاتَلَاتٍ عَظِيمَةٍ، وَأَكْثَرُهَا حُرُوبُ الْخَوَارِجِ غَيْرِ الْمُكَفِّرِينَ لِبَقِيَّةِ الْأُمَّةِ فِي الْمَشْرِقِ، وَمُقَاتَلَاتُ أَبِي يَزِيدَ النَّكَارِيِّ الْخَارِجِيِّ بِالْقَيْرَوَانِ وَغَيْرِهَا سَنَةَ ٣٣٣، وَمُقَاتَلَةُ الشِّيعَةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ بِالْقَيْرَوَانِ سَنَةَ ٤٠٧، وَمُقَاتَلَةُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ
стр. 1269
بِبَغْدَادَ سَنَةَ ٤٧٥، وَمُقَاتَلَةُ الشِّيعَةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ بِهَا سَنَةَ ٤٤٥، وَأَعْقَبَتْهَا حَوَادِثُ شَرٍّ بَيْنَهُمْ مُتَكَرِّرَةٌ إِلَى أَنِ اصْطَلَحُوا فِي سَنَةِ ٥٠٢ وَزَالَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ، وَقِتَالُ الْبَاطِنِيَّةِ الْمَعْرُوفِينَ بِالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي سَاوَةَ وَغَيْرِهَا مِنْ سَنَةِ ٤٩٤ إِلَى سَنَةِ ٥٢٣. ثُمَّ انْقَلَبَتْ إِلَى مُقَاتَلَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ. ثُمَّ انْقَلَبُوا أَنْصَارًا لِلْإِسْلَامِ فِي الْحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُقَاتَلَاتِ النَّاشِئَةِ عَنِ التَّكْفِيرِ وَالتَّضْلِيلِ. لَا نَذْكُرُ غَيْرَهَا مِنْ مُقَاتَلَاتِ الدُّوَلِ وَالْأَحْزَابِ الَّتِي نخرت عظم الْإِسْلَامِ. وَتَطَرَّقَتْ كُلَّ جِهَةٍ مِنْهُ حَتَّى الْبَلَدَ الْحَرَامَ.
فَالْآيَةُ تنادي على التعجيب وَالتَّحْذِيرِ مِنْ فِعْلِ الْأُمَمِ فِي التَّقَاتُلِ لِلتَّخَالُفِ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغُوا فِي أَصَالَةِ الْعُقُولِ أَوْ فِي سَلَامَةِ الطَّوَايَا إِلَى الْوَسَائِلِ الَّتِي يَتَفَادَوْنَ بِهَا عَنِ التَّقَاتُلِ، فَهُمْ مَلُومُونَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَمُشِيرَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ شَاءَ لَخَلَقَهُمْ مِنْ قَبْلُ عَلَى صِفَةٍ أَكْمَلَ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَعِدُّوا بِهَا إِلَى الِاهْتِدَاءِ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى التَّبَصُّرِ فِي الْعَوَاقِبِ قَبْلَ ذَلِكَ الْإِبَّانِ، فَانْتِفَاءُ الْمَشِيئَةِ رَاجِعٌ إِلَى حِكْمَةِ الْخِلْقَةِ، وَاللَّوْمُ وَالْحَسْرَةُ رَاجِعَانِ إِلَى التَّقْصِيرِ فِي امْتِثَالِ الشَّرِيعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ فَأَعَادَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا تَأْكِيدًا لِلْأَوَّلِ وَتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ لِيَعْلَمَ الْوَاقِفُ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ فِي هُدَى اللَّهِ تَعَالَى مَقْنَعًا لَهُمْ لَوْ أَرَادُوا الِاهْتِدَاءَ، وأنّ فِي سَعَة قدرته تَعَالَى عصمَة لَهُم لَو خلقهمْ على أكمل من هَذَا الْخلق كَمَا خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ. فَاللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَلَكِنَّهُ يُكَمِّلُ حَالَ الْخَلْقِ بِالْإِرْشَادِ وَالْهُدَى، وَهُمْ يُفَرِّطُونَ فِي ذَلِك.
[٢٥٤]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢٥٤]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)
مَوْقِعُ هَذِهِ الْآيَةِ مِثْلُ مَوْقِعِ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [الْبَقَرَة: ٢٤٥] الْآيَة لأنّه لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى بَذْلِ نُفُوسِهِمْ لِلْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الْبَقَرَة: ٢٤٤] شَفَعَهُ بِالدَّعْوَةِ إِلَى بَذْلِ الْمَالِ فِي الْجِهَادِ بِقَوْلِهِ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [الْبَقَرَة: ٢٤٥] عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:
وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الْأَنْفَال: ٧٢] ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قُوَّةِ التَّذْيِيلِ لِآيَةِ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لِأَنَّ صِيغَةَ هَذِهِ الْآيَةِ
стр. 1270
أَظْهَرُ فِي إِرَادَةِ عُمُومِ الْإِنْفَاقِ الْمَطْلُوبِ فِي الْإِسْلَامِ، فَالْمُرَادُ بِالْإِنْفَاقِ هُنَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ حُذِفَ الْمَفْعُولُ وَالْمُتَعَلِّقُ لِقَصْدِ الِانْتِقَالِ إِلَى الْأَمْرِ بِالصَّدَقَاتِ الْوَاجِبَةِ وَغَيْرِهَا، وَسَتَجِيءُ آيَاتٌ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: مِمَّا رَزَقْناكُمْ حَثٌّ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَاسْتِحْقَاقٌ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ حَثٌّ آخَرُ لِأَنَّهُ يُذَكِّرُ بِأَنَّ هُنَالِكَ وَقْتًا تَنْتَهِي الْأَعْمَالُ إِلَيْهِ وَيَتَعَذَّرُ الِاسْتِدْرَاكُ فِيهِ، وَالْيَوْمُ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَانْتِفَاءُ الْبَيْعِ وَالْخُلَّةِ وَالشَّفَاعَةِ كِنَايَةٌ عَنْ تَعَذُّرِ التَّدَارُكِ لِلْفَائِتِ، لِأَنَّ الْمَرْءَ يُحَصِّلُ مَا يَعُوزُهُ بِطُرُقٍ هِيَ الْمُعَاوَضَةُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْبَيْعِ، وَالِارْتِفَاقِ مِنَ الْغَيْرِ وَذَلِكَ بِسَبَبِ الْخُلَّةِ، أَوْ بِسَبَبِ تَوَسُّطِ الْوَاسِطَةِ إِلَى مَنْ لَيْسَ بِخَلِيلٍ.
وَالْخُلَّةُ- بِضَمِّ الْخَاءِ- الْمَوَدَّةُ وَالصُّحْبَةُ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْخَاءِ وَلَمْ يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ، وَتُطْلَقُ الْخُلَّةُ بِالضَّمِّ عَلَى الصَّدِيقِ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَغَيْرُهُ وَالْمُذَكَّرُ وَغَيْرُهُ قَالَ الْحَمَاسِيُّ:
أَلَا أَبْلِغَا خُلَّتِي رَاشِدًا ... وَصِنْوِي قَدِيمًا إِذَا مَا اتَّصَلْ
وَقَالَ كَعْبٌ: أَكْرِمْ بِهَا خُلَّةً، الْبَيْتَ.
فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ هُنَا بِالْخُلَّةِ الْمَوَدَّةُ، وَنَفْيُ الْمَوَدَّةِ فِي ذَلِكَ لِحُصُولِ أَثَرِهَا وَهُوَ الدَّفْعُ عَنِ الْخَلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً [لُقْمَان: ٣٣] ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَفْيُ الْخَلِيلِ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْيِ لَازِمِهِ وَهُوَ النَّفْعُ كَقَوْلِهِ: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ [الشُّعَرَاء: ٨٨] ، قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
وَقَالَ كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ آمُلُهُ ... لَا أُلْهِيَنَّكَ إِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ لَا بَيْعٌ فِيهِ- وَمَا بَعْدَهُ- بِالرَّفْعِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيْعِ وَالْخُلَّةِ وَالشَّفَاعَةِ
الْأَجْنَاسُ لَا مَحَالَةَ، إِذْ هِيَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَعَانِي الَّتِي لَا آحَادَ لَهَا فِي الْخَارِجِ فَهِيَ أَسْمَاءُ أَجْنَاسٍ لَا نَكِرَاتٌ، وَلِذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ نَفْيُهَا إِرَادَةَ نَفْيِ الْوَاحِدِ حَتَّى يَحْتَاجَ عِنْدَ قَصْدِ
стр. 1271
التَّنْصِيصِ عَلَى إِرَادَةِ نَفْيِ الْجِنْسِ إِلَى بِنَاءِ الِاسْمِ عَلَى الْفَتْحِ، بِخِلَافِ نَحْوِ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلِهَذَا جَاءَتِ الرِّوَايَةُ فِي قَوْلِ إِحْدَى صَوَاحِبِ أُمِّ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهِامَةَ لَا حَرٌّ وَلَا قُرٌّ وَلَا مَخَافَةٌ وَلَا سَآمَةٌ» بِالرَّفْعِ لَا غَيْرُ، لِأَنَّهَا أَسْمَاءُ أَجْنَاسٍ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ بِالْفَتْحِ لِنَفْيِ الْجِنْسِ نَصًّا فَالْقِرَاءَتَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ مَعْنًى، وَمِنَ التَّكَلُّفِ هُنَا قَوْلُ الْبَيْضَاوِيِّ إِنَّ وَجْهَ قِرَاءَةِ الرَّفْعِ وُقُوعُ النَّفْيِ فِي تَقْدِيرِ جَوَابٍ لِسُؤَالٍ قَائِلٍ هَلْ بَيْعٌ فِيهِ أَوْ خُلَّةٌ أَوْ شَفَاعَةٌ.
وَالشَّفَاعَةُ الْوَسَاطَةُ فِي طَلَبِ النَّافِعِ، وَالسَّعْيُ إِلَى مَنْ يُرَادُ اسْتِحْقَاقُ رِضَاهُ عَلَى مَغْضُوبٍ مِنْهُ عَلَيْهِ أَوْ إِزَالَةُ وَحْشَةٍ أَوْ بَغْضَاءَ بَيْنَهُمَا، فَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشَّفْعِ ضِدِّ الْوَتْرِ، يُقَالُ شَفَعَ كَمَنَعَ إِذَا صَيَّرَ الشَّيْءَ شَفْعًا، وَشَفَعَ أَيْضًا كَمَنَعَ إِذَا سَعَى فِي الْإِرْضَاءِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِ وَالْمَحْرُومَ يَبْعُدُ عَنْ وَاصِلِهِ فَيَصِيرُ وَتْرًا فَإِذَا سَعَى الشَّفِيعُ بِجَلْبِ الْمَنْفَعَةِ وَالرِّضَا فَقَدْ أَعَادَهُمَا شَفْعًا، فَالشَّفَاعَةُ تَقْتَضِي مَشْفُوعًا إِلَيْهِ وَمَشْفُوعًا فِيهِ، وَهِيَ- فِي عُرْفِهِمْ- لَا يَتَصَدَّى لَهَا إِلَّا مَنْ يَتَحَقَّقُ قَبُولَ شَفَاعَتِهِ، وَيُقَالُ شَفَعَ فُلَانٌ عِنْدَ فُلَانٍ فِي فُلَانٍ فَشَفَّعَهُ فِيهِ أَيْ فَقَبِلَ شَفَاعَتَهُ،
وَفِي الْحَدِيثِ: «قَالُوا هَذَا جَدِيرٌ إِنْ خَطَبَ بِأَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ بِأَنْ يُشَفَّعَ»
. وَبِهِذَا يَظْهَرُ أَنَّ الشَّفَاعَةَ تَكُونُ فِي دَفْعِ الْمَضَرَّةِ وَتَكُونُ فِي جَلْبِ الْمَنْفَعَةِ قَالَ:
فَذَاكَ فَتًى إِنْ تَأْتِهِ فِي صَنِيعَةٍ ... إِلَى مَالِهِ لَا تَأْتِهِ بِشَفِيعِ
وَمِمَّا جَاءَ فِي مَنْشُورِ الْخَلِيفَةِ الْقَادِر بِاللَّه للسُّلْطَان مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ الْغَزْنَوِيِّ «وَلَّيْنَاكَ كُورَةَ خُرَاسَانَ وَلَقَّبْنَاكَ يَمِينَ الدَّوْلَةِ، بِشَفَاعَةِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَائِينِيِّ» ، أَيْ بِوَاسِطَتِهِ وَرَغْبَتِهِ.
فَالشَّفَاعَةُ- فِي الْعُرْفِ- تَقْتَضِي إِدْلَالَ الشَّفِيعِ عِنْدَ الْمَشْفُوعِ لَدَيْهِ، وَلِهَذَا نَفَاهَا اللَّهُ تَعَالَى هُنَا بِمَعْنَى نَفْيِ اسْتِحْقَاقِ أَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ أَنْ يَكُونَ شَفِيعًا عِنْدَ اللَّهِ بِإِدْلَالٍ، وَأَثْبَتَهَا فِي آيَاتٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِ- قَرِيبًا- مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الْبَقَرَة: ٢٥٥] وَقَوْلِهِ:
стр. 1272
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الْأَنْبِيَاء: ٢٨] ، وَثَبَتَتْ لِلرَّسُولِ ﵇ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ وَأُشِيرَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [الْإِسْرَاء: ٧٩] وَفُسِّرَتِ الْآيَةُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ أُصُولِ اعْتِقَادِنَا إِثْبَاتُ الشَّفَاعَةِ
لِلنَّبِيءِ ﷺ ، وَأَنْكَرَهَا الْمُعْتَزِلَةُ وَهُمْ مُخْطِئُونَ فِي إِنْكَارِهَا وَمُلَبِّسُونَ فِي اسْتِدْلَالِهِمْ، وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ.
وَالشَّفَاعَةُ الْمَنْفِيَّةُ هَنَا مُرَادٌ بِهَا الشَّفَاعَةُ الَّتِي لَا يَسَعُ الْمَشْفُوعَ إِلَيْهِ رَدُّهَا، فَلَا يُعَارِضُ مَا
وَرَدَ مِنْ شَفَاعَةِ النَّبِيءِ ﷺ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ لِأَنَّ تِلْكَ كَرَامَةٌ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَأَذِنَ لَهُ فِيهَا إِذْ يَقُولُ: «اشْفَعْ تُشَفَّعْ»
فَهِيَ تَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الْبَقَرَة: ٢٥٥] وَقَوْلِهِ: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الْأَنْبِيَاء: ٢٨] وَقَوْلِهِ: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣] .
وَقَوْلُهُ: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ صِيغَةُ قَصْرٍ نَشَأَتْ عَنْ قَوْلِهِ: لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ فَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ النَّفْيَ تَعْرِيضٌ وَتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَعَقَّبَ بِزِيَادَةِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ وَالتَّنْدِيدِ بِأَنَّ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ وَالْمُهَدَّدَ بِهِ قَدْ جَلَبُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ بِمُكَابَرَتِهِمْ فَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ، وَهَذَا أَشَدُّ وَقْعًا عَلَى الْمُعَاقَبِ لِأَنَّ الْمَظْلُومَ يَجِدُ لِنَفْسِهِ سَلْوًا بِأَنَّهُ مُعْتَدًى عَلَيْهِ، فَالْقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ، بِتَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُمْ مَظْلُومُونَ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ قَصْرًا حَقِيقِيًّا ادِّعَائِيًّا لِأَنَّ ظُلْمَهُمْ لَمَّا كَانَ أَشَدَّ الظُّلْمِ جُعِلُوا كَمَنِ انْحَصَرَ الظُّلْمُ فِيهِمْ.
وَالْمُرَادُ بِالْكَافِرِينَ ظَاهِرًا الْمُشْرِكُونَ، وَهَذَا مِنْ بَدَائِعِ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ صَالِحَةٌ أَيْضًا لِتَذْيِيلِ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْإِنْفَاقَ لِقِتَالِ الْمُشْركين الَّذين بدأوا الدِّينَ بِالْمُنَاوَأَةِ، فَهُمُ الظَّالِمُونَ لَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَهُمْ لِحِمَايَةِ الدِّينِ وَالذَّبِّ عَنْ حَوْزَتِهِ. وَذِكْرُ الْكَافِرِينَ فِي مَقَامِ التَّسْجِيلِ فِيهِ تَنْزِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَتْرُكُوا الْإِنْفَاقَ إِذْ لَا يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ، فَتَرْكُهُ وَالْكُفْرُ مُتَلَازِمَانِ، فَالْكَافِرُونَ يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَالْمُؤْمِنُونَ لَا يَظْلِمُونَهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ [فصلت: ٦، ٧] ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ يُصَوِّرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَكْمَلِ مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ وَيُقَابِلُ حَالَهُمْ بِحَالِ الْكُفَّارِ تَغْلِيظًا وَتَنْزِيهًا، وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا اعْتَقَدَ بَعْضُ فِرَقِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْمَعَاصِيَ تُبْطِلُ الْإِيمَانَ كَمَا قدّمناه.
стр. 1273
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢٥٥]
اللَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)
لَمَّا ذَكَرَ هَوْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَذَكَرَ حَالَ الْكَافِرِينَ اسْتَأْنَفَ بِذِكْرِ تمجيد الله تعلى وَذِكْرِ صِفَاتِهِ إِبْطَالًا لِكُفْرِ الْكَافِرِينَ وَقَطْعًا لِرَجَائِهِمْ، لِأَنَّ فِيهَا مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَجُعِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ابْتِدَاءً لِآيَاتِ تَقْرِيرِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْبَعْثِ، وَأُودِعَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ هُنَا لِأَنَّهَا كَالْبَرْزَخِ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ.
وَجِيءَ بِاسْمِ الذَّاتِ هُنَا لِأَنَّهُ طَرِيقٍ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُسَمَّى الْمُنْفَرِدِ بِهَذَا الِاسْمِ، فَإِنَّ الْعَلَمَ أَعْرَفُ الْمَعَارِفِ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مُسَمَّاهُ إِلَى قَرِينَةٍ أَوْ مَعُونَةٍ لَوْلَا احْتِمَالُ تَعَدُّدِ التَّسْمِيَةِ، فَلَمَّا انْتَفَى هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي اسْمِ الْجَلَالَةِ كَانَ أَعْرَفَ الْمَعَارِفِ لَا مَحَالَةَ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنِ الْقَرَائِنِ وَالْمَعُونَاتِ، فَالْقَرَائِنُ كَالتَّكَلُّمِ وَالْخِطَابِ، وَالْمَعُونَاتُ كَالْمَعَادِ وَالْإِشَارَةِ بِالْيَدِ وَالصِّلَةِ وَسَبْقِ الْعَهْدِ وَالْإِضَافَةِ.
وَجُمْلَةُ «لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» خَبَرٌ أَوَّلُ عَنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِثْبَاتُ الْوَحْدَانِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى دَلَالَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَنَفْيِ الْآلِهَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ [الْبَقَرَة: ١٦٣] .
وَقَوْلُهُ: الْحَيُّ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والْقَيُّومُ خَبَرٌ ثَانٍ لِذَلِكَ الْمُبْتَدَأِ الْمَحْذُوفِ، وَالْمَقْصُودُ إِثْبَاتُ الْحَيَاةِ وَإِبْطَالُ اسْتِحْقَاقِ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ وَصْفَ الْإِلَهِيَّةِ لِانْتِفَاءِ الْحَيَاةِ، عَنْهُمْ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
[مَرْيَم: ٤٢] وَفُصِلَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَهَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى اسْتِقْلَالِهَا لِأَنَّهَا لَوْ عُطِفَتْ لَكَانَتْ كَالتَّبَعِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْكَشَّافِ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مُبَيِّنَةٌ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ مِنْ أَنَّهُ الْقَائِمُ
стр. 1274
بِتَدْبِيرِ الْخَلْقِ، أَيْ لِأَنَّ اخْتِصَاصَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ يَقْتَضِي أَنْ لَا مُدَبِّرَ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ خِلَافًا لِمَا قَرَّرَ بِهِ التَّفْتَازَانِيُّ كَلَامَهُ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِعِبَارَتِهِ.
وَالْحَيُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَنْ قَامَتْ بِهِ الْحَيَاةُ، وَهِيَ صِفَةٌ بِهَا الْإِدْرَاكُ وَالتَّصَرُّفُ، أَعْنِي كَمَالَ الْوُجُودِ الْمُتَعَارَفِ، فَهِيَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ بِانْبِثَاثِ الرُّوحِ وَاسْتِقَامَةِ جَرَيَانِ الدَّمِ فِي الشَّرَايِينِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَالِقِ مَا يُقَارِبُ أَثَرَ صِفَةِ الْحَيَاةِ فِينَا، أَعْنِي انْتِفَاءَ الْجَمَادِيَّةِ مَعَ التَّنْزِيهِ عَنْ عَوَارِضِ الْمَخْلُوقَاتِ. وَفَسَرَّهَا الْمُتَكَلِّمُونَ بِأَنَّهَا «صِفَةٌ تُصَحِّحُ لِمَنْ قَامَتْ بِهِ الْإِدْرَاكَ وَالْفِعْلَ» .
وَفَسَّرَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» الْحَيَّ بِالْبَاقِي، أَيِ الدَّائِمِ الْحَيَاةِ بِحَيْثُ لَا يَعْتَرِيهِ الْعَدَمُ، فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا كِنَايَةً فِي لَازِمِ مَعْنَاهُ لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْحَيَاةِ لِلَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى لَا يَكُونُ إِلَّا مَجَازًا أَوْ كِنَايَةً. وَقَالَ الْفَخْرُ: «الَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْحَيَّ- فِي أَصْلِ اللُّغَةِ- لَيْسَ عِبَارَةً
عَنْ صِحَّةِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَة. بل عبار عَنْ كَمَالِ الشَّيْءِ فِي جِنْسِهِ، قَالَ تَعَالَى: فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [الجاثية: ٥] ، وَحَيَاةُ الْأَشْجَارِ إِيرَاقُهَا. فَالصِّفَةُ الْمُسَمَّاةُ- فِي عُرْفِ الْمُتَكَلِّمِينَ- بِالْحَيَاةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ كَمَالَ حَالِ الْجِسْمِ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهَا، فَالْمَفْهُومُ الْأَصْلِيُّ مِنْ لَفْظِ الْحَيِّ كَوْنُهُ وَاقِعًا عَلَى أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ وَصِفَاتِهِ» .
وَالْمَقْصُودُ بِوَصْفِ اللَّهِ هُنَا بِالْحَيِّ إِبْطَالُ عَقِيدَةِ الْمُشْرِكِينَ إِلَاهِيَّةَ أَصْنَامِهِمُ الَّتِي هِيَ جَمَادَاتٌ، وَكَيْفَ يَكُونُ مُدَبِّرُ أُمُورِ الْخَلْقِ جَمَادًا.
وَالْحَيُّ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنْ حَيِيَ، أَصْلُهُ حَيِيٌ كَحَذِرٍ أُدْغِمَتِ الْيَاءَانِ، وَهُوَ يَائِيٌّ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَأَمَّا كِتَابَةُ السَّلَفِ فِي الْمُصْحَفِ كَلِمَةَ حَيَوةٍ بِوَاوٍ بَعْدَ الْيَاءِ فَمُخَالِفَةٌ لِلْقِيَاسِ، وَقِيلَ كَتَبُوهَا عَلَى لُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ حَيَوةً أَيْ حَيَاةً، وَقِيلَ كَتَبُوهَا عَلَى لُغَةِ تَفْخِيمِ الْفَتْحَةِ.
والقيّوم فَيْعُولٌ مِنْ قَامَ يَقُومُ وَهُوَ وَزْنُ مُبَالغَة، وَأَصله فيووم فَاجْتَمَعَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَسُبِقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتَا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْقِيَامِ الْمُسْتَعْمَلِ- مَجَازًا مَشْهُورًا- فِي تَدْبِير شؤون النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الرَّعْد: ٣٣] . وَالْمَقْصُودُ إِثْبَاتُ عُمُومِ الْعِلْمِ لَهُ وَكَمَالُ الْحَيَاة وَإِبْطَال إلاهية
стр. 1275
أَصْنَامِ الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ مُدَبِّرَ الْكَوْنِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا جَعَلُوا آلِهَتَهُمْ شُفَعَاءَ وَشُرَكَاءَ وَمُقْتَسِمِينَ أُمُورَ الْقَبَائِلِ. وَالْمُشْرِكُونَ مِنَ الْيُونَانِ كَانُوا قَدْ جَعَلُوا لِكُلِّ إِلَهٍ مِنْ آلِهَتِهِمْ أَنْوَاعًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا وَأُمَمًا مِنَ الْبَشَرِ تَنْتَمِي إِلَيْهِ وَيَحْنَأُ عَلَيْهَا.
وَجُمْلَةُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ «اللَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» وَلِرَفْعِ احْتِمَالِ الْمُبَالَغَةِ فِيهَا، فَالْجُمْلَةُ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ الْبَيَانِ لِمَعْنَى الْحَيِّ الْقَيُّومِ وَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَهَا.
والسّنة فِعْلَةٌ مِنَ الْوَسَنِ، وَهُوَ أَوَّلُ النَّوْمِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَصْلهَا اسْم هيأة كَسَائِرِ مَا جَاءَ عَلَى وَزْنِ فِعْلَةٍ من الواوي لفاء، وَقَدْ قَالُوا وَسَنَةٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ عَلَى صِيغَةِ الْمَرَّةِ. وَالسِّنَةُ أَوَّلُ النَّوْمِ، قَالَ عَدِيُّ بْنُ الرِّقَاعِ:
وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ ... فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ
وَالنَّوْمُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ فُتُورٌ يَعْتَرِي أَعْصَابَ الدِّمَاغِ مِنْ تَعَبِ إِعْمَالِ الْأَعْصَابِ من
تَصَاعُدِ الْأَبْخِرَةِ الْبَدَنِيَّةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْهَضْمِ وَالْعَمَلِ الْعَصَبِيِّ، فَيَشْتَدُّ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ وَمَجِيءِ الظُّلْمَةِ فَيَطْلُبُ الدِّمَاغُ وَالْجِهَازُ الْعَصَبِيُّ الَّذِي يُدَبِّرُهُ الدِّمَاغُ اسْتِرَاحَةً طَبِيعِيَّةً فَيَغِيبُ الْحِسُّ شَيْئًا فَشَيْئًا وَتَثْقُلُ حَرَكَةُ الْأَعْضَاءِ، ثُمَّ يَغِيبُ الْحِسُّ إِلَى أَنْ تَسْتَرْجِعَ الْأَعْصَابُ نَشَاطَهَا فَتَكُونَ الْيَقَظَةُ.
وَنَفْيُ اسْتِيلَاءِ السِّنَةِ وَالنَّوْمِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى تَحْقِيقٌ لِكَمَالِ الْحَيَاةِ وَدَوَامِ التَّدْبِيرِ، وَإِثْبَاتٌ لِكَمَالِ الْعِلْمِ فَإِنَّ السِّنَةَ وَالنَّوْمَ يُشْبِهَانِ الْمَوْتَ، فَحَيَاةُ النَّائِمِ فِي حَالِهِمَا حَيَاةٌ ضَعِيفَةٌ، وَهُمَا يَعُوقَانِ عَنِ التَّدْبِيرِ وَعَنِ الْعِلْمِ بِمَا يَحْصُلُ فِي وَقْتِ اسْتِيلَائِهِمَا عَلَى الْإِحْسَاسِ.
وَنَفْيُ السِّنَةِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُغْنِي عَنْ نَفْيِ النَّوْمِ عَنْهُ لِأَنَّ مِنَ الْأَحْيَاءِ مَنْ لَا تَعْتَرِيهِ السِّنَةُ فَإِذَا نَامَ نَامَ عَمِيقًا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ تَأْخُذُهُ السِّنَةُ فِي غَيْرِ وَقْتِ النَّوْمِ غَلَبَةً، وَقَدْ تَمَادَحَتِ الْعَرَبُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى السَهَرِ، قَالَ أَبُو كَبِيرٍ:
فَأَتَتْ بِهِ حُوشَ الْفُؤَادِ مُبَطَّنًا ... سُهُدًا إِذَا مَا نَامَ لَيْلُ الْهَوْجَلِ
стр. 1276
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَحْجُبُ عِلْمَهُ شَيْءٌ حَجْبًا ضَعِيفًا وَلَا طَوِيلًا وَلَا غَلَبَةً وَلَا اكْتِسَابًا، فَلَا حَاجَةَ إِلَى مَا تَطَلَّبَهُ الْفَخْرُ وَالْبَيْضَاوِيُّ مِنْ أَنَّ تَقْدِيمَ السِّنَةِ عَلَى النَّوْمِ مُرَاعًى فِيهِ تَرْتِيبُ الْوُجُودِ، وَأَنَّ ذِكْرَ النَّوْمِ مِنْ قَبِيلِ الِاحْتِرَاسِ. وَقَدْ أَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى بَشَّارٌ وَصَاغَهُ بِمَا يُنَاسِبُ صِنَاعَةَ الشِّعْرِ فَقَالَ:
وَلَيْلٍ دَجُوجِيٍّ تَنَامُ بَنَاتُهُ ... وَأَبْنَاؤُهُ مِنْ طُولِهِ (١) وَرَبَائِبُهْ
فَإِنَّهُ أَرَادَ مِنْ بَنَاتِ اللَّيْلِ وَأَبْنَائِهِ السَّاهِرَاتِ وَالسَّاهِرِينَ بِمُوَاظَبَةٍ، وَأَرَادَ بِرَبَائِبِ اللَّيْلِ مَنْ هُمْ أَضْعَفُ مِنْهُمْ سَهَرًا لِلَيْلٍ لِأَنَّ الرَّبِيبَ أَضْعَفُ نِسْبَةً مِنَ الْوَلَدِ وَالْبِنْتِ.
وَجُمْلَةُ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تَقْرِيرٌ لِانْفِرَادِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ إِذْ جَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ مَخْلُوقَاتُهُ، وَتَعْلِيلٌ لِاتِّصَافِهِ بِالْقَيُّومِيَّةِ لِأَنَّ مَنْ كَانَتْ جَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ مِلْكًا لَهُ فَهُوَ حَقِيقٌ بِأَنْ يَكُونَ قَيُّومَهَا وَأَلَّا يُهْمِلَهَا وَلِذَلِكَ فُصِلَتِ الْجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَاللَّامُ لِلْمِلْكِ. وَالْمُرَادُ بِالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ اسْتِغْرَاقُ أَمْكِنَةِ الْمَوْجُودَاتِ، فَقَدْ دَلَّتِ الْجُمْلَةُ عَلَى عُمُومِ الْمَوْجُودَاتِ بِالْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ مِلْكُهُ لِلْعُمُومِ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَشِذُّ
عَنْ مِلْكِهِ مَوْجُودٌ فَحَصَلَ مَعْنَى الْحَصْرِ، وَلَكِنَّهُ زَادَهُ تَأْكِيدًا بِتَقْدِيمِ الْمُسْنَدِ- أَيْ لَا لِغَيْرِهِ- لِإِفَادَةِ الرَّدِّ عَلَى أَصْنَافِ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الصَّابِئَةِ عَبْدَةِ الْكَوَاكِبِ كَالسُّرْيَانِ وَالْيُونَانِ وَمِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ حُصُولِ مَعْنَى الْحَصْرِ بِالْعُمُومِ لَا يَكْفِي فِي الدَّلَالَةِ عَلَى إِبْطَالِ الْعَقَائِدِ الضَّالَّةِ. فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَفَادَتْ تَعْلِيمَ التَّوْحِيدِ بِعُمُومِهَا، وَأَفَادَتْ إِبْطَالَ عَقَائِدِ أَهْلِ الشِّرْكِ بخصوصية الْقصر، وَهَذَا بلاغة معْجزَة.
وَجُمْلَةُ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِمَا أَفَادَهُ لَامُ الْمِلْكِ مِنْ شُمُولِ مِلْكِهِ تَعَالَى لِجَمِيعِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَمَا تَضَمَّنَهُ تَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ مِنْ قَصْرِ ذَلِكَ الْمِلْكِ عَلَيْهِ تَعَالَى قَصْرَ قَلْبٍ، فَبَطَلَ وَصْفُ الْإِلَهِيَّةِ عَن غَيره تَعَالَى، بِالْمُطَابَقَةِ. وَبَطَلَ حَقُّ الْإِدْلَالِ عَلَيْهِ وَالشَّفَاعَةِ عِنْدَهُ- الَّتِي لَا تُرَدُّ- بِالِالْتِزَامِ، لِأَنَّ الْإِدْلَالَ مِنْ شَأْنِ الْمُسَاوِي وَالْمُقَارِبِ، وَالشَّفَاعَةُ إِدْلَالٌ. وَهَذَا إِبْطَالٌ لِمُعْتَقَدِ مُعْظَمِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا لِآلِهَتِهِمْ وَطَوَاغِيتِهِمْ стр. 1277
أُلُوهِيَّةً تَامَّةً، بَلْ قَالُوا: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يُونُس: ١٨] وَقَالُوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣] ، فَأَكَّدَ هَذَا الْمَدْلُولَ بِالصَّرِيحِ، وَلِذَلِكَ فُصِلَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَمَّا قَبْلَهَا.
وذَا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ إِذْ لَيْسَ ثَمَّ مُشَارٌ إِلَيْهِ مُعَيَّنٌ، وَالْعَرَبُ تَزِيدُ (ذَا) لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْإِشَارَةُ مِنْ وُجُودِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الِاسْتِفْهَامِ، حَتَّى إِذا أظهر عَدَمُ وُجُودِهِ كَانَ ذَلِكَ أَدَلَّ عَلَى أَنْ لَيْسَ ثَمَّةَ مُتَطَلِّعٍ يُنَصِّبُ نَفْسَهُ لِادِّعَاءِ هَذَا الْحُكْمِ، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي (مَنْ ذَا) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [الْبَقَرَة: ٢٤٥] . وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ:
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْكَارِ وَالنَّفْيِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
وَالشَّفَاعَةُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [الْبَقَرَة: ٥٤] .
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ بِحَقٍّ وَإِدْلَالٍ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ كُلَّهَا مِلْكُهُ، وَلَكِنْ يَشْفَعُ عِنْدَهُ مَنْ أَرَادَ هُوَ أَنْ يُظْهِرَ كَرَامَتَهُ عِنْدَهُ فَيَأْذَنَهُ بِأَنْ يَشْفَعَ فِيمَنْ أَرَادَ هُوَ الْعَفْوَ عَنْهُ، كَمَا يُسْنَدُ إِلَى الْكُبَرَاءِ مُنَاوَلَةُ الْمَكْرُمَاتِ إِلَى نُبَغَاءِ التَّلَامِذَةِ فِي مَوَاكِبِ الِامْتِحَانِ، وَلِذَلِكَ
جَاءَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْتِيهِ النَّاسُ لِيُكَلِّمَ رَبَّهُ فَيُخَفِّفَ عَنْهُمْ هَوْلَ مَوْقِفِ
الْحِسَابِ، فَيَأْتِي حَتَّى يَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ وَيَتَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ يُعَلِّمُهُ اللَّهُ تَعَالَى إِيَّاهَا، فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهُ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَسُجُودُهُ اسْتِيذَانٌ فِي الْكَلَامِ، وَلَا يَشْفَعُ حَتَّى يُقَالَ اشْفَعْ، وَتَعْلِيمُهُ الْكَلِمَاتِ مُقَدَّمَةٌ لِلْإِذْنِ.
وَجُمْلَةُ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ تَقْرِيرٌ وَتَكْمِيلٌ لِمَا تَضَمَّنَهُ مَجْمُوعُ جُمْلَتَيْ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ وَلِمَا تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ جُمْلَتَيْ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ دَلَّتَا عَلَى عُمُومِ عِلْمِهِ بِمَا حَدَثَ وَوُجِدَ مِنَ الْأَكْوَانِ وَلَمْ تَدُلَّا عَلَى عِلْمِهِ بِمَا سَيَكُونُ فَأَكَّدَ وَكَمَّلَ بِقَوْلِهِ يَعْلَمُ الْآيَةَ، وَهِيَ أَيْضًا تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِذْ قَدْ يتّجه سُؤال لماذَا حُرِمُوا الشَّفَاعَةَ إِلَّا بَعْدَ الْإِذْنِ فَقِيلَ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَنْ يَسْتَحِقُّ
стр. 1278
الشَّفَاعَةَ وَرُبَّمَا غَرَّتْهُمُ الظَّوَاهِر، وَالله يعْمل مَنْ يَسْتَحِقُّهَا فَهُوَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلِأَجْلِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فُصِلَتِ الْجُمْلَةُ عَمَّا قَبْلَهَا.
وَالْمُرَادُ بِمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مَا هُوَ مُلَاحَظٌ لَهُمْ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ وَمَا خَفِيَ عَنْهُمْ أَوْ ذُهِلُوا عَنْهُ مِنْهَا، أَوْ مَا هُوَ وَاقِعٌ بَعْدَهُمْ وَمَا وَقَعَ قَبْلَهُمْ. وَأَمَّا عِلْمُهُ بِمَا فِي زَمَانِهِمْ فَأَحْرَى. وَقِيلَ الْمُسْتَقْبَلُ هُوَ مَا بَيْنَ الْأَيْدِي وَالْمَاضِي هُوَ الْخَلْفُ، وَقِيلَ عَكْسُ ذَلِكَ، وَهُمَا اسْتِعْمَالَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ الِاعْتِبَارِ فِي تَمْثِيلِ مَا بَيْنَ الْأَيْدِي وَالْخَلْفِ، لِأَنَّ مَا بَيْنَ أَيْدِي الْمَرْءِ هُوَ أَمَامُهُ، فَهُوَ يَسْتَقْبِلُهُ وَيُشَاهِدُهُ وَيَسْعَى لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَمَا خَلْفَهُ هُوَ مَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَهُوَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْهُ وَانْقَطَعَ وَلَا يُشَاهِدُهُ، وَقَدْ تَجَاوَزَهُ وَلَا يَتَّصِلُ بِهِ بَعْدُ وَقِيلَ أُمُورُ الدُّنْيَا وَأُمُورُ الْآخِرَةِ، وَهُوَ فَرْعٌ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَقِيلَ المحسوسات والمعقولات.
وأياما كَانَ فَاللَّفْظُ مَجَازٌ، وَالْمَقْصُودُ عُمُومُ الْعِلْمِ بِسَائِرِ الْكَائِنَاتِ.
وَضَمِيرُ أَيْدِيهِمْ وخَلْفَهُمْ عَائِدٌ إِلَى مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ بِتَغْلِيبِ الْعُقَلَاءِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مَا يَشْمَلُ أَحْوَالَ غَيْرِ الْعُقَلَاءِ، أَوْ هُوَ عَائِدٌ عَلَى خُصُوصِ الْعُقَلَاءِ مِنْ عُمُومِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْضِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مَا يَخْتَصُّ بِأَحْوَالِ الْبَشَرِ- وَهُوَ الْبَعْضُ، لِضَمِيرِ وَلَا يُحِيطُونَ- لِأَنَّ الْعِلْمَ مِنْ أَحْوَالِ الْعُقَلَاءِ.
وَعُطِفَتْ جُمْلَةُ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ عَلَى جُمْلَةِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لِأَنَّهَا تَكْمِلَةٌ لِمَعْنَاهَا كَقَوْلِهِ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [الْبَقَرَة: ٢١٦] .
وَمَعْنَى يُحِيطُونَ يَعْلَمُونَ عِلْمًا تَامًّا، وَهُوَ مُجَازٌ حَقِيقَتُهُ أَنَّ الْإِحَاطَةَ بِالشَّيْءِ تَقْتَضِي
الِاحْتِوَاءَ عَلَى جَمِيعِ أَطْرَافِهِ بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ مِنْهُ شَيْء من أَوَّلِهِ وَلَا آخِرِهِ، فَالْمَعْنَى لَا يَعْلَمُونَ- عِلْمَ الْيَقِينِ- شَيْئًا مِنْ مَعْلُومَاتِهِ، وَأَمَّا مَا يَدَّعُونَهُ فَهُوَ رَجْمٌ بِالْغَيْبِ. فَالْعِلْمُ فِي قَوْلِهِ:
مِنْ عِلْمِهِ بِمَعْنى الْمَعْلُوم، كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى ضَمِيرِ اسْمِ الْجَلَالَةِ تَخْصِيصٌ لَهُ بِالْعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهَا وَلَمْ يُنَصِّبِ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا دَلَائِلَ عَقْلِيَّةً أَوْ عَادِيَّةً. وَلِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: إِلَّا بِما شاءَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ يُطْلِعُ بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ عَلَى مَا هُوَ مِنْ خَوَاصِّ عِلْمِهِ كَقَوْلِهِ: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الْجِنّ: ٢٦، ٢٧] .
стр. 1279
وَقَوْلُهُ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ تَقْرِيرٌ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ الْجُمَلُ كُلُّهَا مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكِبْرِيَائِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَبَيَانِ عَظَمَةِ مَخْلُوقَاتِهِ الْمُسْتَلْزِمَةِ عَظَمَةَ شَأْنِهِ، أَوْ لِبَيَانِ سِعَةِ مُلْكِهِ- كَذَلِكَ- كَمَا سَنُبَيِّنُهُ، وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْجُمَلُ مُتَرَتِّبَةً مُتَفَرِّعَةً.
وَالْكُرْسِيُّ شَيْءٌ يُجْلَسُ عَلَيْهِ مُتَرَكِّبٌ مِنْ أَعْوَادٍ أَوْ غَيْرِهَا مَوْضُوعَةٍ كَالْأَعْمِدَةِ مُتَسَاوِيَةٍ، عَلَيْهَا سَطْحٌ مِنْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِ بِمِقْدَارِ مَا يَسَعُ شَخْصًا وَاحِدًا فِي جُلُوسِهِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَكَانَ مُرْتَفِعًا فَهُوَ الْعَرْشُ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ حَقِيقَةَ الْكُرْسِيِّ إِذْ لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى لِاقْتِضَائِهِ التَّحَيُّزَ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ غَيْرُ حَقِيقَتِهِ.
وَالْجُمْهُورُ قَالُوا: إِنَّ الْكُرْسِيَّ مَخْلُوقٌ عَظِيمٌ، وَيُضَافُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِعَظَمَتِهِ، فَقِيلَ هُوَ الْعَرْشُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ الْكُرْسِيَّ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَتَكَرَّرَ ذِكْرُ الْعَرْشِ، وَلَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُمَا مُقْتَرِنَيْنِ، فَلَوْ كَانَ الْكُرْسِيُّ غَيْرَ الْعَرْشِ لَذُكِرَ مَعَهُ كَمَا ذُكِرَتِ السَّمَاوَاتُ مَعَ الْعَرْشِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [الْمُؤْمِنُونَ: ٨٦] ، وَقِيلَ الْكُرْسِيُّ غَيْرُ الْعَرْشِ، فَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ هُوَ دُونَ الْعَرْشِ
وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَالَ: «مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ»
وَهُوَ حَدِيثٌ لَمْ يَصِحَّ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ: الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ مِنَ الْعَرْشِ، أَيْ لِأَنَّ الْجَالِسَ عَلَى عَرْشٍ يَكُونُ مُرْتَفِعًا عَنِ الْأَرْضِ فَيُوضَعُ لَهُ كُرْسِيٌّ لِئَلَّا تَكُونَ رِجْلَاهُ فِي الْفَضَاءِ إِذَا لَمْ يَتَرَبَّعْ، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ الْكُرْسِيُّ مَثَلٌ لِعِلْمِ اللَّهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّ الْعَالِمَ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيٍّ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ. وَقِيلَ مَثَلٌ لِمُلْكِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَقُولُونَ فُلَانٌ صَاحِبُ كُرْسِيِّ الْعِرَاقِ أَيْ مُلْكِ الْعِرَاقِ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: «وَلَعَلَّهُ الْفَلَكُ الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِفَلَكِ الْبُرُوجِ» . قُلْتُ أَثْبَتَ الْقُرْآنُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ مُسَمَّاهَا فِي قَوْلِهِ (سُورَةِ نُوحٍ) : أَلَمْ
تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً
[نوح: ١٥، ١٦] ، فَيَجُوزُ أَن تكون السَّمَوَات طَبَقَاتٍ مِنَ الْأَجْوَاءِ مُخْتَلِفَةَ الْخَصَائِصِ مُتَمَايِزَةً بِمَا يَمْلَأُهَا مِنَ العناصر، وَهِي مسبح الْكَوَاكِبِ، وَلَقَدْ قَالَ تَعَالَى (سُورَةُ الْمُلْكِ) : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [الْملك: ٥] ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ السَّمَاوَاتُ هِيَ الْكَوَاكِبَ الْعَظِيمَةَ الْمُرْتَبِطَةَ بِالنِّظَامِ
стр. 1280
الشَّمْسِيِّ وَهِيَ: فُلْكَانَ، وَعُطَارِدُ، وَالزُّهْرَةُ، وَهَذِهِ تَحْتَ الشَّمْسِ إِلَى الْأَرْضِ، وَالْمِرِّيخُ، وَالْمُشْتَرِي، وَزُحَلُ، وَأُورَانُوسُ، وَنِبْتُونُ، وَهَذِهِ فَوْقَ الشَّمْسِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي الْبُعْدِ، إِلَّا أَنَّهَا فِي عِظَمِ الْحَجْمِ يَكُونُ أَعْظَمَهَا الْمُشْتَرِي، ثُمَّ زُحَلُ، ثُمَّ نِبْتُونُ، ثُمَّ أُورَانُوسُ، ثُمَّ الْمِرِّيخُ، فَإِذَا كَانَ الْعَرْشُ أَكْبَرَهَا فَهُوَ الْمُشْتَرِي، وَالْكُرْسِيُّ دُونَهُ فَهُوَ زُحَلُ، وَالسَّبْعُ الْبَاقِيَةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ، وَيُضَمُّ إِلَيْهَا الْقَمَرُ، وَإِنْ كَانَ الْكُرْسِيُّ هُوَ الْعَرْشَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى عَدِّ الْقَمَرِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَالشَّمْسُ مِنْ جُمْلَةِ الْكَوَاكِبِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [نوح: ١٦] تَخْصِيصٌ لَهَا بِالذِّكْرِ لِلِامْتِنَانِ عَلَى النَّاسِ بِأَنَّهَا نُورٌ لِلْأَرْضِ، إِلَّا أَنَّ الشَّمْسَ أَكْبَرُ مِنْ جَمِيعِهَا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. وَإِذَا كَانَتِ السَّمَاوَاتُ أَفْلَاكًا سَبْعَةً لِشُمُوسٍ غَيْرِ هَذِهِ الشَّمْسِ وَلِكُلِّ فَلَكٍ نِظَامُهُ كَمَا لِهَذِهِ الشَّمْسِ نِظَامُهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ- وَسُبْحَانَ مَنْ لَا تُحِيطُ بِعَظَمَةِ قُدْرَتِهِ الْأَفْهَامُ- فَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَبَّهَنَا إِلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَسِعَةِ مَلَكُوتِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَعَ مُوَافَقَتِهِ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ لَنَا ذَلِكَ لِأَنَّ تَفْصِيلَهُ لَيْسَ من غَرَض لاستدلال عَلَى عَظَمَتِهِ، وَلِأَنَّ الْعُقُولَ لَا تَصِلُ إِلَى فَهْمِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى عُلُومٍ وَاسْتِكْمَالَاتٍ فِيهَا لَمْ تَتِمَّ إِلَى الْآنَ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ.
وَجُمْلَة وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما عُطِفَتْ عَلَى جُمْلَةِ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ لِأَنَّهَا مِنْ تَكْمِلَتِهَا وَفِيهَا ضَمِيرٌ مَعَادُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، أَيْ أَنَّ الَّذِي أَوْجَدَ هَاتِهِ الْعَوَالِمَ لَا يَعْجِزُ عَنْ حِفْظِهَا.
وآده جَعَلَهُ ذَا أَوَدٍ. وَالْأَوَدُ- بِالتَّحْرِيكِ- الْعِوَجُ، وَمَعْنَى آدَهُ أَثْقَلَهُ لِأَنَّ الْمُثْقَلَ يَنْحَنِي فَيَصِيرُ ذَا أَوَدٍ.
وَعُطِفَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِهِ، وَالْعُلُوُّ وَالْعَظَمَةُ مُسْتَعَارَانِ لِشَرَفِ الْقَدْرِ وَجَلَالِ الْقُدْرَةِ.
وَلِهَذِهِ الْآيَةِ فَضْلٌ كَبِيرٌ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ أُصُولِ مَعْرِفَةِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا اشْتَمَلَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ عَلَى ذَلِكَ وَكَمَا اشْتَمَلَتْ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ.
فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ آتِيًا أَتَاهُ فِي اللَّيْلِ فَأَخَذَ مِنْ طَعَامِ زَكَاةِ الْفِطْرِ فَلَمَّا أَمْسَكَهُ قَالَ لَهُ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ
стр. 1281
حَتَّى تُصْبِحَ» فَقَالَ
لَهُ النَّبِي ﷺ «صَدَقَكَ وَذَلِكَ شَيْطَانٌ»
،
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أُبَيِّ ابْن كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ- قُلْتُ- اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ»
. وَرَوَى النَّسَائِيُّ:
«مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْتُ» ، وَفِيهَا فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ مُجَرَّبَةٌ لِلتَّأْمِينِ عَلَى النَّفس وَالْبَيْت.
[٢٥٦]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢٥٦]
لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)
اسْتِئْنَاف بياني نَاشِئٌ عَنِ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الْبَقَرَة: ٢٤٤] إِذْ يَبْدُو لِلسَّامِعِ أَنَّ الْقِتَالَ لِأَجْلِ دُخُولِ الْعَدُوِّ فِي الْإِسْلَامِ فَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا إِكْرَاهَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ أَوْ مَنْسُوخَةٌ.
وَتَعْقِيبُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ بِهَاتِهِ الْآيَةِ بِمُنَاسَبَةِ أَنَّ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ مِنْ دَلَائِلِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَعَظَمَةِ الْخَالِقِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ شَوَائِبِ مَا كَفَرَتْ بِهِ الْأُمَمُ، مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَسُوقَ ذَوِي الْعُقُولِ إِلَى قَبُولِ هَذَا الدِّينِ الْوَاضِحِ الْعَقِيدَةِ، الْمُسْتَقِيمِ الشَّرِيعَةِ، بِاخْتِيَارِهِمْ دُونَ جَبْرٍ وَلَا إِكْرَاهٍ، وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَجْعَلَ دَوَامَهُمْ عَلَى الشِّرْكِ بِمَحَلِّ السُّؤَالِ: أَيُتْرَكُونَ عَلَيْهِ أَمْ يُكْرَهُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَكَانَتِ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا.
وَالْإِكْرَاهُ الْحَمْلُ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ، فَالْهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ، أَيْ جَعْلِهِ ذَا كَرَاهِيَةٍ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِتَخْوِيفِ وُقُوعِ مَا هُوَ أَشَدُّ كَرَاهِيَةً مِنَ الْفِعْلِ الْمَدْعُوِّ إِلَيْهِ.
وَالدِّينُ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ عِنْد قَوْله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الْفَاتِحَة: ٣] ، وَهُوَ هَنَا مُرَادُ بِهِ الشَّرْعُ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الدِّينِ لِلْعَهْدِ، أَيْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
стр. 1282
وَنَفْيُ الْإِكْرَاهِ خَبَرٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ أَسْبَابِ الْإِكْرَاهِ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ، أَيْ لَا تُكْرِهُوا أَحَدًا عَلَى اتِّبَاعِ الْإِسْلَامِ قَسْرًا، وَجِيءَ بِنَفْيِ الْجِنْسِ لِقَصْدِ الْعُمُومِ نَصًّا.
وَهِيَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى إِبْطَالِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الدِّينِ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ، لِأَنَّ أَمْرَ الْإِيمَانِ يَجْرِي على الِاسْتِدْلَال، والتمكين مِنَ النَّظَرِ، وَبِالِاخْتِيَارِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ
عَلَى الْإِسْلَامِ،
وَفِي الْحَدِيثِ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا»
. وَلَا جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ ابْتِدَاءِ الْقِتَالِ كُلِّهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَاسْتِخْلَاصِ بِلَادِ الْعَرَبِ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَدُومَ نُزُولُ السُّورَةِ سِنِينَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي صَدْرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قِيلَ بِأَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ هِيَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [١٧٦] يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا الْآيَةَ، فَنَسَخَتْ حُكْمَ الْقِتَالِ عَلَى قَبُولِ الْكَافِرِينَ الْإِسْلَامَ وَدَلَّتْ عَلَى الِاقْتِنَاعِ مِنْهُمْ بِالدُّخُولِ تَحْتَ سُلْطَانِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالذِّمَّةِ، وَوَضَّحَهُ عَمَلُ النَّبِيءِ ﷺ وَذَلِكَ حِينَ خَلَصَتْ بِلَادُ الْعَرَبِ مِنَ الشَّرَكِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَبَعْدَ دُخُولِ النَّاسِ فِي الدِّينِ أَفْوَاجًا حِينَ جَاءَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ بَعْدَ الْفَتْحِ، فَلَمَّا تَمَّ مُرَادُ اللَّهِ مِنْ إِنْقَاذِ الْعَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ وَالرُّجُوعِ بِهِمْ إِلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْ تَخْلِيصِ الْكَعْبَةِ مِنْ أَرْجَاسِ الْمُشْرِكِينَ، وَمِنْ تَهْيِئَةِ طَائِفَةٍ عَظِيمَةٍ لِحَمْلِ هَذَا الدِّينِ وَحِمَايَةِ بَيْضَتِهِ، وَتَبَيَّنَ هَدْيُ الْإِسْلَامِ وَزَالَ مَا كَانَ يَحُولُ دُونَ اتِّبَاعِهِ مِنَ الْمُكَابَرَةِ، وَحَقَّقَ اللَّهُ سَلَامَةَ بِلَادِ الْعَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ كَمَا
وَقَعَ فِي خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»
لَمَّا تَمَّ ذَلِكَ كُلُّهُ أَبْطَلَ اللَّهُ الْقِتَالَ عَلَى الدِّينِ وَأَبْقَى الْقِتَالَ عَلَى تَوْسِيعِ سُلْطَانِهِ، وَلذَلِك قَالَ (سُورَةُ التَّوْبَةِ ٢٩) قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْآيَةُ نَاسِخَةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ آيَاتِ الْقِتَالِ مِثْلِ قَوْله قبلهَا يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التَّوْبَة: ٧٣] عَلَى أَنَّ الْآيَاتِ النَّازِلَةَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ:
أَحَدُهَا: آيَاتٌ أَمَرَتْ بِقِتَالِ الدِّفَاعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التَّوْبَة: ٣٦] ، وَقَوْلِهِ: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ [الْبَقَرَة: ١٩٤] ،
стр. 1283
وَهَذَا قِتَالٌ لَيْسَ لِلْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِسْلَامِ بَلْ هُوَ لِدَفْعِ غَائِلَةِ الْمُشْرِكِينَ.
النَّوْعُ الثَّانِي: آيَاتٌ أَمَرَتْ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ وَلَمْ تُغَيَّ بِغَايَةٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُهَا مُقَيَّدًا بِغَايَةِ آيَةِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ [التَّوْبَة: ٢٩] وَحِينَئِذٍ فَلَا تُعَارِضُهُ آيَتُنَا هَذِهِ لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا غُيِّيَ بِغَايَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [الْبَقَرَة: ١٩٣] ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِهَاتِهِ الْآيَةِ وَآيَةِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ
[التَّوْبَة: ٢٩] كَمَا نُسِخَ
حَدِيثُ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ»
، هَذَا مَا يَظْهَرُ لَنَا فِي مَعْنَى الْآيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَنَا فِيهَا قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ [التَّوْبَة: ٧٣] ، فَإِنَّ النَّبِيءَ ﷺ أَكْرَهَ الْعَرَبَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَقَاتَلَهُمْ وَلَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ إِلَّا بِهِ. وَلَعَلَّهُمَا يُرِيدَانِ مِنَ النَّسْخِ مَعْنَى التَّخْصِيصِ. وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى نَسْخِهَا بِقِتَالِ النَّبِيءِ ﷺ الْعَرَبَ عَلَى الْإِسْلَامِ، يُعَارِضُهُ أَنَّهُ ﵇ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، فَوَجْهُ الْجمع هُوَ التَّنْصِيص. الْقَوْلُ الثَّانِي إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَلَكِنَّهَا خَاصَّةٌ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ هِيَ خَاصَّةٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمْ لَا يُكْرَهُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ إِذَا أَدَّوُا الْجِزْيَةَ وَإِنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ أَهْلُ الْأَوْثَانِ، وَإِلَى هَذَا مَالَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: إِنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ «وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ مَنْ رَأَى قَبُولَ الْجِزْيَةِ مِنْ جِنْسٍ يَحْمِلُ الْآيَةَ عَلَيْهِ» ، يَعْنِي مَعَ بَقَاءِ طَائِفَةٍ يَتَحَقَّقُ فِيهَا الْإِكْرَاهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ:
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ مِقْلَاتًا- أَيْ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ- (١) تَنْذُرُ إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَأَسْلَمُوا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ يَهُودًا فَقَالُوا: لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا بَلْ نُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ. стр. 1284
وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو حُصَيْنٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ بْنِ عَوْفٍ وَلَهُ ابْنَانِ جَاءَ تُجَّارٌ مِنْ نَصَارَى الشَّامِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدَعَوْهُمَا إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، فَتَنَصَّرَا وَخَرَجَا مَعَهُمْ، فَجَاءَ أَبُوهُمَا فَشَكَا لِلنَّبِيءِ ﷺ وَطَلَبَ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَرُدُّهُمَا مُكْرَهَيْنِ فَنَزَلَتْ لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِالْقِتَالِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَاتِ الْقِتَالِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْإِكْرَاهِ نَفْيُ تَأْثِيرِهِ فِي إِسْلَامِ مَنْ أَسْلَمَ كُرْهًا فِرَارًا مِنَ السَّيْفِ، عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا [النِّسَاء:
٩٤] . وَهَذَا الْقَوْلُ تَأْوِيلٌ فِي مَعْنَى الْإِكْرَاهِ وَحَمْلٌ لِلنَّفْيِ عَلَى الْإِخْبَارِ دُونَ الْأَمْرِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالدِّينِ التَّوْحِيدُ وَدِينٌ لَهُ كِتَابٌ سَمَاوِيٌّ وَإِنَّ نَفْيَ الْإِكْرَاهِ نَهْيٌ،
وَالْمَعْنَى لَا تُكْرِهُوا السَّبَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُنَّ أَهْلُ دِينٍ وَأَكْرِهُوا الْمَجُوسَ مِنْهُمْ وَالْمُشْرِكَاتِ.
وَقَوْلُهُ: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْعِلَّةِ لِقَوْلِهِ: لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ وَلِذَلِكَ فُصِلَتِ الْجُمْلَةُ.
والرشد- بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وَبِفَتْحٍ فَفَتْحٍ- الْهُدَى وَسَدَادُ الرَّأْيِ، وَيُقَابِلُهُ الْغَيُّ وَالسَّفَهُ، وَالْغَيُّ الضَّلَالُ، وَأَصْلُهُ مَصْدَرُ غَوَى الْمُتَعَدِّي فَأَصْلُهُ غَوِيٌ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتَا.
وَضُمِّنَ تَبَيَّنَ مَعْنَى تَمَيَّزَ فَلذَلِك عدي بِمن، وَإِنَّمَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِدَعْوَةِ الْإِسْلَامِ وَظُهُورِهِ فِي بَلَدٍ مُسْتَقِلٍّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ.
وَقَوْلُهُ: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ إِذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ التَّبْيِينِ إِلَّا الْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ، وَفِيه بَيَان لنفي الْإِكْرَاهِ فِي الدِّينِ إِذْ قَدْ تَفَرَّعَ عَنْ تَمَيُّزِ الرُّشْدِ مِنَ الْغَيِّ ظُهُورُ أَنَّ مُتَّبِعَ الْإِسْلَامِ مُسْتَمْسِكٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى فَهُوَ يَنْسَاقُ إِلَيْهِ اخْتِيَارًا.
وَالطَّاغُوتُ الْأَوْثَانُ وَالْأَصْنَامُ، وَالْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ الصَّنَمَ الطَّاغِيَةَ،
وَفِي الْحَدِيثِ: «كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ»
، وَيَجْمَعُونَ الطَّاغُوتَ عَلَى طَوَاغِيتَ، وَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا مِنْ مُصْطَلَحَاتِ الْقُرْآنِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيَانِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ وَالْغُلُوُّ فِي الْكِبْرِ وَهُوَ مَذْمُومٌ وَمَكْرُوهٌ. وَوَزْنُ طَاغُوتٍ عَلَى التَّحْقِيقِ طَغَيُوتٌ- فَعَلُوتٌ- مِنْ أَوْزَانِ الْمَصَادِرِ
стр. 1285
مِثْلُ مَلَكُوتٍ وَرَهَبُوتٍ وَرَحَمُوتٍ فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ مَكَانِيٌّ- بَيْنَ عَيْنِهِ وَلَامِهِ- فَصُيِّرَ إِلَى فَلَعَوَتٍ طَيَغُوتٍ لِيَتَأَتَّى قَلْبُ اللَّامِ ألفا فَصَارَ طاغوت، ثُمَّ أُزِيلَ عَنْهُ مَعْنَى الْمَصْدَرِ وَصَارَ اسْمًا لِطَائِفَةٍ مِمَّا فِيهِ هَذَا الْمَصْدَرُ فَصَارَ مِثْلَ مَلَكُوتٍ فِي أَنَّهُ اسْمُ طَائِفَةٍ مِمَّا فِيهِ مَعْنَى الْمَصْدَرِ- لَا مِثْلَ رَحَمُوتٍ وَرَهَبُوتٍ فِي أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ- فَتَاؤُهُ زَائِدَةٌ، وَجُعِلَ عَلَمًا عَلَى الْكُفْرِ وَعَلَى الْأَصْنَامِ، وَأَصْلُهُ صِفَةٌ بِالْمَصْدَرِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ كَشَأْنِ الْمَصَادِرِ.
وَعُطِفَ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ عَلَى الشَّرْطِ لِأَنَّ نَبْذَ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ لَا مَزِيَّةَ فِيهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَوَّضَهَا بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَمَعْنَى اسْتَمْسَكَ تَمَسَّكَ، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ [الزخرف: ٤٣] وَقَوْلِهِ: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [آل عمرَان: ١٩٥] وَقَوْلِ النَّابِغَةِ:
«فَاسْتَنْكَحُوا أُمَّ جَابِرٍ» إِذْ لَا مَعْنَى لِطَلَبِ التَّمَسُّكِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى بَعْدَ الْإِيمَانِ، بَلِ الْإِيمَانُ التَّمَسُّكُ نَفْسُهُ. وَالْعُرْوَةُ- بِضَمِّ الْعَيْنِ- مَا يُجْعَلُ كَالْحَلْقَةِ فِي طَرَفِ شَيْءٍ لِيُقْبَضَ عَلَى الشَّيْءِ مِنْهُ، فَلِلدَّلْوِ عُرْوَةٌ وَلِلْكُوزِ عُرْوَةٌ، وَقَدْ تَكُونُ الْعُرْوَةُ فِي حَبْلٍ بِأَنْ يُشَدَّ طَرَفُهُ إِلَى بَعْضِهِ وَيُعْقَدَ فَيَصِيرَ مِثْلَ الْحَلْقَةِ فِيهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى مِنَ الْحَبْلِ الْوَثِيقِ.
والْوُثْقى الْمَحْكَمَةُ الشَّدِّ. ولَا انْفِصامَ لَها أَيْ لَا انْقِطَاعَ، وَالْفَصْمُ الْقَطْعُ بِتَفْرِيقِ الِاتِّصَالِ دُونَ تَجْزِئَةٍ بِخِلَافِ الْقَصْمِ بِالْقَافِ فَهُوَ قَطْعٌ مَعَ إِبَانَةٍ وَتَجْزِئَةٍ.
وَالِاسْتِمْسَاكُ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى تَمْثِيلِيٌّ، شُبِّهَتْ هَيْأَةُ الْمُؤْمِنِ فِي ثَبَاتِهِ على الْإِيمَان بهيأة مَنْ أَمْسَكَ بِعُرْوَةٍ وُثْقَى مِنْ حَبْلٍ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى صَعْبٍ أَوْ فِي سَفِينَةٍ فِي هَوْلِ الْبَحْرِ، وَهِيَ هَيْأَةٌ معقولة شبهت بهيأة مَحْسُوسَةٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» «وَهَذَا تَمْثِيلٌ لِلْمَعْلُومِ بِالنَّظَرِ، بِالْمُشَاهَدِ» وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ إِذْ قَالَ «مُثِّلَتْ حَالُ الْمُتَوَكِّلِ بِحَالِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَدَلَّى مِنْ شَاهِقٍ فَاحْتَاطَ لِنَفْسِهِ بِأَنِ اسْتَمْسَكَ بِأَوْثَقِ عُرْوَةٍ مِنْ حَبْلٍ مَتِينٍ مَأْمُونٍ انْقِطَاعُهُ» ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ ثَابِتُ الْيَقِينِ سَالِمٌ مِنِ اضْطِرَابِ الْقَلْبِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ نَاجٍ مِنْ مَهَاوِي السُّقُوطِ فِي الْآخِرَةِ كَحَالِ مِنْ تَمَسَّكَ بِعُرْوَةِ حَبْلٍ مَتِينٍ لَا يَنْفَصِمُ.
стр. 1286
وَقَدْ أَشَارَتِ الْآيَةُ إِلَى أَنَّ هَذِه فَائِدَة الْمُؤمن تَنْفَعُهُ فِي دُنْيَاهُ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَصِيرَةِ وَذَلِكَ مِمَّا تَطْلُبُهُ النُّفُوسُ، وَأَشَارَتْ إِلَى فَائِدَةِ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ الَّذِي هُوَ تَعْرِيضٌ بالوعد وَالثَّوَاب.
[٢٥٧]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢٥٧]
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)
وَقَعَ قَوْلُهُ: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا الْآيَةَ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ: لَا انْفِصامَ لَها [الْبَقَرَة: ٢٥٦] لِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالطَّاغُوتِ وَآمَنُوا بِاللَّهِ قَدْ تَوَلَّوُا اللَّهَ فَصَارَ وَلِيَّهُمْ، فَهُوَ يُقَدِّرُ لَهُمْ مَا فِيهِ نَفْعُهُمْ وَهُوَ ذَبُّ الشُّبُهَاتِ عَنْهُمْ، فَبِذَلِكَ يَسْتَمِرُّ تَمَسُّكُهُمْ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَيَأْمَنُونَ انْفِصَامَهَا، أَيْ فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا فَإِنَّ اللَّهَ يَزِيدُهُ هُدًى.
وَالْوَلِيُّ الْحَلِيفُ فَهُوَ يَنْصُرُ مَوْلَاهُ. فَالْمُرَادُ بِالنُّورِ نُورُ الْبُرْهَانِ وَالْحَقِّ، وَبِالظُّلُمَاتِ ظُلُمَاتُ الشُّبُهَاتِ وَالشَّكِّ، فَاللَّهُ يَزِيدُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى لِأَنَّ اتِّبَاعَهُمُ الْإِسْلَامَ تَيْسِيرٌ لِطُرُقِ
الْيَقِينِ فَهُمْ يَزْدَادُونَ تَوَغُّلًا فِيهَا يَوْمًا فَيَوْمًا، وَبِعَكْسِهِمُ الَّذِينَ اخْتَارُوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَإِنَّ اخْتِيَارَهُمْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى خَتْمٍ ضُرِبَ عَلَى عُقُولِهِمْ فَلَمْ يَهْتَدُوا، فَهُمْ يَزْدَادَونَ فِي الضَّلَالِ يَوْمًا فَيَوْمًا. وَلِأَجْلِ هَذَا الِازْدِيَادِ الْمُتَجَدِّدِ فِي الْأَمْرَيْنِ وَقَعَ التَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ فِي- يُخْرِجُهُمْ- ويخرجونهم- وَبِهَذَا يَتَّضِحُ وَجْهُ تَعْقِيبِ هَذِهِ الْآيَاتِ بِآيَةِ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ [الْبَقَرَة: ٢٥٨] ثُمَّ بِآيَةِ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [الْبَقَرَة: ٢٥٩] ثُمَّ بِآيَةِ وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى فَإِنَّ جَمِيعَهَا جَاءَ لِبَيَانِ وُجُوهِ انْجِلَاءِ الشَّكِّ وَالشُّبُهَاتِ عَنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ صَدَقَ إِيمَانُهُمْ، وَلَا دَاعِيَ إِلَى مَا فِي «الْكَشَّافِ» وَغَيْرِهِ مِنْ تَأْوِيلِ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِالَّذِينَ أَرَادُوا ذَلِكَ، وَجَعْلِ النُّورِ وَالظُّلُمَاتِ تَشْبِيهًا لِلْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، لِمَا عَلِمْتَ مِنْ ظُهُورِ الْمَعْنَى بِمَا يَدْفَعُ الْحَاجَةَ إِلَى التَّأْوِيلِ بِذَلِكَ، وَلَا يَحْسُنُ وَقْعُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ، وَلِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ فَإِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لِلْحَمْلِ عَلَى زِيَادَةِ تَضْلِيلِ الْكَافِرِ فِي كُفْرِهِ بِمَزِيدِ الشَّكِّ كَمَا
стр. 1287
فِي قَوْلِهِ: فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ- إِلَى قَوْلِهِ- وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود: ١٠١] ، وَلِأَنَّ الطَّاغُوتَ كَانُوا أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ آمَنُوا قَبْلَ الْإِيمَانِ فَإِنَّ الْجَمِيعَ كَانُوا مُشْرِكِينَ، وَكَذَلِكَ مَا أَطَالَ بِهِ فَخْرُ الدَّين من وجود الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَاسْتِدْلَالِهِمْ عَلَيْنَا. وَجُمْلَةُ يُخْرِجُهُمْ خَبَرٌ ثَانٍ عَنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ. وَجُمْلَةُ يُخْرِجُونَهُمْ حَالٌ مِنَ الطَّاغُوتِ. وَأُعِيدَ الضَّمِيرُ إِلَى الطَّاغُوتِ بِصِيغَةِ جَمْعِ الْعُقَلَاءِ لِأَنَّهُ أَسْنَدَ إِلَيْهِمْ مَا هُوَ مِنْ فِعْلِ الْعُقَلَاءِ وَإِنْ كَانُوا فِي الْحَقِيقَةِ سَبَبَ الْخُرُوجِ لَا مُخْرِجِينَ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الطَّاغُوتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [الْبَقَرَة: ٢٥٦] .
[٢٥٨]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢٥٨]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)
جَرَى هَذَا الْكَلَامُ مَجْرَى الْحُجَّةِ عَلَى مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ الْمَاضِيَةِ أَوِ الْمِثَالِ لَهَا فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَأَنَّ الطَّاغُوتَ يُخْرِجُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ، سَاقَ ثَلَاثَةَ شَوَاهِدَ عَلَى ذَلِكَ هَذَا أَوَّلُهَا وَأَجْمَعُهَا لِأَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى ضَلَالِ الْكَافِرِ وَهُدَى الْمُؤْمِنِ، فَكَانَ هَذَا فِي قُوَّةِ الْمِثَالِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا تَمْثِيلُ حَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي مُجَادَلَتِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ فِي الْبَعْثِ بِحَالِ
الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا يَرِدُ مِنَ التَّخْيِيرِ فِي التَّشْبِيهِ فِي قَوْلِهِ: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [الْبَقَرَة: ٢٥٩] الْآيَةَ.
وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَى تَرْكِيبِ أَلَمْ تَرَ. وَالِاسْتِفْهَامُ فِي أَلَمْ تَرَ مَجَازِيٌّ مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى التَّعْجِيبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ مَعْنَاهُ وَأَصْلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [الْبَقَرَة: ٢٤٣] . وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ مَسُوقٌ لِإِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِبْطَالِ إِلَاهِيَّةِ غَيْرِهِ لِانْفِرَادِهِ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، وَانْفِرَادِهِ بِخَلْقِ الْعَوَالِمِ الْمَشْهُودَةِ لِلنَّاسِ. وَمَعْنَى حَاجَّ خَاصَمَ، وَهُوَ
стр. 1288
فِعْلٌ جَاءَ عَلَى زِنَةِ الْمُفَاعَلَةِ، وَلَا يعرف لحاجّ فِي الِاسْتِعْمَالِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ دَالٌّ عَلَى وُقُوعِ الْخِصَامِ وَلَا تُعْرَفُ الْمَادَّةُ الَّتِي اشْتُقَّ مِنْهَا. وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ الْحُجَّةَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْبُرْهَانُ الْمُصَدِّقُ لِلدَّعْوَى مَعَ أَنَّ حَاجَّ لَا يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا إِلَّا فِي مَعْنَى الْمُخَاصَمَةِ قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ [غَافِر: ٤٧] مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص: ٦٤] ، وَأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّهُ يُفِيدُ الْخِصَامَ بِبَاطِلٍ، قَالَ تَعَالَى: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ [الْأَنْعَام: ٨٠] وَقَالَ: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ [آل عمرَان: ٢٠] وَالْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. فَمَعْنَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ أَنَّهُ خَاصَمَهُ خِصَامًا بَاطِلًا فِي شَأْنِ صِفَاتِ اللَّهِ رَبِّ إِبْرَاهِيمَ.
وَالَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ كَافِرٌ لَا مَحَالَةَ لِقَوْلِهِ: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ نُمْرُودُ بْنُ فَالِخِ بْنِ عَابِرِ بْنِ شَالِحِ بْنِ أَرْفَخَشْدَ بْنِ سَامِ بْنِ كَوْشِ بْنِ حَامِ بْنِ نُوحٍ، فَيَكُونُ أَخَا (رَعوَ) جَدِّ إِبْرَاهِيمَ. وَالَّذِي يُعْتَمَدُ أَنَّهُ مَلِكٌ جَبَّارٌ، كَانَ مَلِكًا فِي بَابِلَ، وَأَنَّهُ الَّذِي بَنَى مَدِينَةَ بَابِلَ، وَبَنَى الصَّرْحَ الَّذِي فِي بَابِلَ، وَاسْمُهُ نُمْرُودُ- بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فِي آخِرِهِ- وَيُقَالُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَمْ تَتَعَرَّضْ كُتُبُ الْيَهُودِ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ وَهِيَ فِي الْمَرْوِيَّاتِ.
وَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ رَبٍّ عَائِدٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَالْإِضَافَةُ لِتَشْرِيفِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَيَجُوزُ عَوْدُهُ إِلَى الَّذِي، وَالْإِضَافَةُ لِإِظْهَارِ غَلَطِهِ كَقَوْلِ ابْنِ زَيَّابَةَ:
نُبِّئْتُ عَمْرًا غَارِزًا رَأْسَهُ ... فِي سِنَةٍ يُوعِدُ أَخْوَالَهُ
أَيْ مَا كَانَ مِنْ شَأْنِ الْمُرُوءَةِ أَنْ يُظْهِرَ شَرًّا لِأَهْلِ رَحِمِهِ.
وَقَوْلُهُ: أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ تَعْلِيلٌ حُذِفَتْ مِنْهُ لَامُ التَّعْلِيلِ، وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ حَاجَّ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى هَذَا الْغَلَطِ الْعَظِيمِ الَّذِي سَهَّلَهُ عِنْدَهُ ازْدِهَاؤُهُ وَإِعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ تَعْلِيلٌ مَحْضٌ وَلَيْسَ عِلَّةً غَائِيَّةً مَقْصُودَةً لِلْمُحَاجِّ مِنْ حِجَاجِهِ. وَجَوَّزَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» أَنْ
يَكُونَ تَعْلِيلًا غَائِيًّا أَيْ حَاجَّ لِأَجْلِ أَنَّ اللَّهَ آتَاهُ الْمُلْكَ، فَاللَّامُ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِمَعْنًى يُؤَدَّى بِحَرْفٍ غَيْرِ اللَّامِ، وَالدَّاعِي لِهَاتِهِ الِاسْتِعَارَةِ التَّهَكُّمُ، أَيْ أَنَّهُ وَضَعَ الْكُفْرَ مَوْضِعَ الشُّكْرِ كَمَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الْوَاقِعَة: ٨٢] ، أَيْ جَزَاءَ رِزْقِكُمْ. وَإِيتَاءُ الْمُلْكِ مَجَازٌ فِي التَّفَضُّلِ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ أَنْ جَعَلَهُ مَلِكًا وَخَوَّلَهُ ذَلِكَ، وَيَجِيءُ تَفْصِيلُ هَذَا الْفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٨٣] . قِيلَ: كَانَ نُمْرُودُ أَوَّلَ مَلِكٍ فِي الْأَرْضِ وَأَوَّلَ مَنْ وَضَعَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ.
стр. 1289
وَ (إِذْ قالَ) ظَرْفٌ لِـ (حَاجَّ) . وَقَدْ دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الَّذِي بَدَأَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَاحْتَجَّ بِحُجَّةٍ وَاضِحَةٍ يُدْرِكُهَا كُلُّ عَاقِلٍ وَهِيَ أَنَّ الرَّبَّ الْحَقَّ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ إِحْيَاءَ مَيِّتٍ فَلِذَلِكَ ابْتَدَأَ إِبْرَاهِيمُ الْحُجَّةَ بِدَلَالَةِ عَجْزِ النَّاسِ عَنْ إِحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ، وَأَرَادَ بِأَنَّ اللَّهَ يُحْيِي أَنَّهُ يَخْلُقُ الْأَجْسَامَ الْحَيَّةَ مِنَ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ. وَفِي تَقْدِيمِ الِاسْتِدْلَالِ بِخَلْقِ الْحَيَاةِ إِدْمَاجٌ لِإِثْبَاتِ الْبَعْثِ لِأَنَّ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ، وَهُمْ يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ. وَذَلِكَ مَوضِع الْعبْرَة من سِيَاقِ الْآيَةِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى مَسَامِعِ أَهْلِ الشِّرْكِ، ثُمَّ أعقبه بِدلَالَة الْأَمَانَة، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ تَنْهِيَةَ حَيَاةِ الْحَيِّ، فَفِي الْإِحْيَاء وَالْأَمَانَة دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ فِعْلِ فَاعِلٍ غَيْرِ الْبَشَرِ، فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ. فَاللَّهُ هُوَ الْبَاقِي دُونَ غَيْرِهِ الَّذِينَ لَا حَيَاةَ لَهُمْ أَصْلًا كَالْأَصْنَامِ إِذْ لَا يُعْطُونَ الْحَيَاةَ غَيْرَهُمْ وَهُمْ فَاقِدُوهَا، وَدُونَ مَنْ لَا يَدْفَعُ الْمَوْتَ عَلَى نَفْسِهِ مِثْلُ هَذَا الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ.
وَجُمْلَةُ قالَ أَنَا أُحْيِي بَيَان لحاجّ وَالتَّقْدِيرُ حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ حِينَ قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ. وَقَدْ جَاءَ بِمُغَالَطَةٍ عَنْ جَهْلٍ أَوْ غُرُورٍ فِي الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ إِذْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْمِدُ إِلَى مَنْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ فَيَعْفُو عَنْهُ، وَإِلَى بَرِيءٍ فَيَقْتُلُهُ، كَذَا نَقَلُوهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ مِنْ فِعْلِهِ هُوَ لِأَنَّ أَمْرَهُمَا خَفِيٌّ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ مَحْسُوسٌ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ أَلِفَ ضَمِيرِ (أَنَا) بِقَصْرِ الْأَلِفِ بِحَيْثُ يَكُونُ كَفَتْحَةٍ غَيْرِ مُشْبَعَةٍ وَذَلِكَ اسْتِعْمَالٌ خَاصٌّ بِأَلِفِ (أَنَا) فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَقَرَأَهُ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ مِثْلَهُمْ إِلَّا إِذَا وَقَعَ بَعْدَ الْأَلِفِ هَمْزَةُ قَطْعٍ مَضْمُومَةٌ أَوْ مَفْتُوحَةٌ كَمَا هُنَا، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الْأَنْعَام: ١٦٣] فَيَقْرَأهُ بِأَلِفٍ مَمْدُودَةٍ. وَفِي هَمْزَةِ الْقَطْعِ الْمَكْسُورَةِ رِوَايَتَانِ لِقَالُونَ عَنْ نَافِعٍ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ [الْأَعْرَاف: ١٨٨] وَهَذِهِ لُغَةٌ فَصَيْحَةٌ.
وَقَوْلُهُ: قالَ إِبْراهِيمُ مُجَاوَبَةٌ فَقُطِعَتْ عَنِ الْعَطْفِ جَرْيًا عَلَى طَرِيقَةِ حِكَايَةِ الْمُحَاوَرَاتِ، وَقَدْ عَدَلَ إِبْرَاهِيمُ عَنِ الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْإِحْيَاءِ الْمُحْتَجِّ بِهِ وَلَا مِنَ الْإِمَاتَةِ الْمُحْتَجِّ بِهَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ لِمَا عَلِمَ مِنْ مُكَابَرَةِ خَصْمِهِ وَانْتَقَلَ إِلَى مَا لَا يَسْتَطِيعُ الْخَصْمُ انْتِحَالَهُ، وَلِذَلِكَ بُهِتَ، أَيْ عَجَزَ لم يَجِدْ مُعَارَضَةً.
стр. 1290
وَ (بُهِتَ) فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ يُقَالُ بَهَتَهُ فَبُهِتَ بِمَعْنَى أَعْجَزَهُ عَنِ الْجَوَابِ فَعَجَزَ أَوْ فَاجَأَهُ بِمَا لَمْ يَعْرِفْ دَفْعَهُ قَالَ تَعَالَى: بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ [الْأَنْبِيَاء: ٤٠] وَقَالَ عُرْوَةُ الْعُذْرِيُّ:
فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَرَاهَا فُجَاءَةً ... فَأُبْهَتَ حَتَّى مَا أَكَادُ أُجِيبُ
وَمِنْهُ الْبُهْتَانُ وَهُوَ الْكَذِبُ الْفَظِيعُ الَّذِي يَبْهَتُ سَامِعَهُ.
وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ تَذْيِيلٌ هُوَ حَوْصَلَةُ الْحُجَّةِ عَلَى قَوْلِهِ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَإِنَّمَا انْتَفَى هدي الله لقوم الظَّالِمِينَ لِأَنَّ الظُّلْمَ حَائِلٌ بَيْنَ صَاحِبِهِ وَبَيْنَ التَّنَازُلِ إِلَى التَّأَمُّلِ مِنَ الْحُجَجِ وَإِعْمَالِ النَّظَرِ فِيمَا فِيهِ النَّفْعُ إِذِ الذِّهْنُ فِي شَاغِلٍ عَنْ ذَلِكَ بِزَهْوِهِ وَغُرُورِهِ.
وَالْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُجَادَلَةِ وَالْمُنَاظَرَةِ فِي إِثْبَاتِ الْعَقَائِدِ، وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِذَلِكَ، وَأَمَّا مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْجَدَلِ فَهُوَ جِدَالُ الْمُكَابَرَةِ وَالتَّعَصُّبِ وَتَرْوِيجِ الْبَاطِل والخطإ.
[٢٥٩]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢٥٩]
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)
تَخْيِيرٌ فِي التَّشْبِيهِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [الْبَقَرَة: ١٩] لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ [الْبَقَرَة: ٢٥٨] فِي مَعْنَى التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مُرَادُ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» بِقَوْلِهِ: «وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ كَأَنَّهُ قِيلَ: أَرَأَيْتَ كَالَّذِي حَاجَّ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ» وَإِذْ قَدْ قَرَّرَ بِالْآيَةِ قَبْلَهَا ثُبُوتَ انْفِرَاد الله بالإلهية، وَذَلِكَ أَصْلُ الْإِسْلَامِ، أَعْقَبَ بِإِثْبَاتِ الْبَعْثِ الَّذِي إِنْكَارُهُ أَصْلُ أَهْلِ الْإِشْرَاكِ.
стр. 1291
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ الصِّيغَتَيْنِ فِي التَّعَجُّبِ: يَقُولُونَ أَلَمْ تَرَ إِلَى كَذَا، وَيَقُولُونَ أَرَأَيْتَ مِثْلَ كَذَا أَوْ كَكَذَا، وَقَدْ يُقَالُ أَلَمْ تَرَ كَكَذَا لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ أَوْ فِي الشَّرِّ،
وَفِي الحَدِيث «فَلم أره كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ»
، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ يُقَالُ فِي الْخَيْرِ جَازَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَامُ فَتَقُولَ: أَلَمْ تَرَ كَالْيَوْمِ- فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ-، وَحَيْثُ حُذِفَ الْفِعْلُ الْمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ فَلَكَ أَنْ تُقَدِّرَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَمَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» إِلَى تَقْدِيرِهِ: أَرَأَيْتَ كَالَّذِي لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِي التَّعَجُّبِ مَعَ كَافِ التَّشْبِيهِ.
وَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ قِيلَ هُوَ أَرْمِيَا بْنُ حَلْقيَا، وَقِيلَ هُوَ عُزَيْرُ بْنُ شَرْخِيَا (عِزْرَا بْنُ سَرَّيَّا) . وَالْقَرْيَةُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ حِزْقِيَالُ ابْن بُوزِي نَبِيءُ إِسْرَائِيلَ كَانَ مُعَاصِرًا لِأَرْمِيَا وَدَانْيَالَ وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الَّذِينَ أَسَرَهُمْ بُخْتُنَصَّرُ إِلَى بَابِلَ فِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ السَّادِسِ قَبْلَ الْمَسِيحِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى عَزْمَ بُخْتُنَصَّرَ عَلَى اسْتِئْصَالِ الْيَهُودِ وَجَمْعِهِ آثَارِ الْهَيْكَلِ لِيَأْتِيَ بِهَا إِلَى بَابِلَ، جَمَعَ كُتُبَ شَرِيعَةِ مُوسَى وَتَابُوتَ الْعَهْدِ وَعَصَا مُوسَى وَرَمَاهَا فِي بِئْر فِي أُورْشَلِيمَ خَشْيَةَ أَنْ يَحْرِقَهَا بُخْتُنَصَّرُ، وَلَعَلَّهُ اتَّخَذَ عَلَامَةً يَعْرِفُهَا بِهَا وَجَعَلَهَا سِرًّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْبِيَاءِ زَمَانِهِ وَوَرَثَتِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. فَلَمَّا أُخْرِجَ إِلَى بَابِلَ بَقِيَ هُنَالِكَ وَكَتَبَ كِتَابًا فِي مَرَاءٍ رَآهَا وَحْيًا تَدُلُّ عَلَى مَصَائِبِ الْيَهُودِ وَمَا يُرْجَى لَهُمْ مِنَ الْخَلَاصِ، وَكَانَ آخِرُ مَا كَتَبَهُ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ بَعْدَ سَبْيِ الْيَهُودِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ خَبَرٌ بَعْدُ كَمَا وَرَدَ فِي تَارِيخِهِمْ، وَيُظَنُّ أَنَّهُ مَاتَ أَوْ قُتِلَ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا كَتَبَهُ «أَخْرَجَنِي رُوحُ الرَّبِّ وَأَنْزَلَنِي فِي وَسَطِ الْبُقْعَةِ وَهِيَ مَلْآنَةٌ عِظَامًا كَثِيرَةً وَأَمَّرَنِي عَلَيْهَا وَإِذَا تِلْكَ الْبُقْعَةُ يَابِسَةٌ فَقَالَ لِي: أَتَحْيَى هَذِهِ الْعِظَامُ؟ فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي الرَّبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ. فَقَالَ لِي: تَنَبَّأْ عَلَى هَذِهِ الْعِظَامِ وَقُلْ لَهَا: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْيَابِسَةُ اسْمَعِي كَلِمَةَ الرَّبِّ قَالَ هَا أَنَا ذَا أُدْخِلُ فِيكُمُ الرُّوحَ وَأَضَعُ عَلَيْكُمْ عَصَبًا وَأَكْسُوكُمْ لَحْمًا وَجِلْدًا. فَتَنَبَّأْتُ، كَمَا أَمَرَنِي فَتَقَارَبَتِ الْعِظَامُ كُلُّ عظم إِلَى عطمه، وَنَظَرْتُ وَإِذَا بِاللَّحْمِ وَالْعَصَبِ كَسَاهَا وَبُسِطَ الْجِلْدُ عَلَيْهَا مِنْ فَوْقُ وَدَخَلَ فِيهِمُ الرُّوحُ فَحَيُوا وَقَامُوا عَلَى أَقْدَامِهِمْ جَيْشٌ عَظِيمٌ جِدًّا» . وَلَمَّا كَانَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيًا فَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَعَادَ عُمْرَانَ أُورْشَلِيمَ فِي عَهْدِ عِزْرَا النَّبِيءِ فِي حُدُودِ سَنَةِ ٤٥٠ قَبْلَ الْمَسِيحِ أَحْيَا النَّبِيءَ حِزْقِيَالَ- ﵇ لِيَرَى مِصْدَاقَ نُبُوَّتِهِ، وَأَرَاهُ إِحْيَاءَ الْعِظَامِ، وَأَرَاهُ آيَةً فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَحِمَارِهِ- وَهَذِهِ مُخَاطَبَةٌ بَيْنَ الْخَالِقِ وَبَعْضِ أَصْفِيَائِهِ عَلَى طَرِيقِ الْمُعْجِزَةِ- وَجَعَلَ خَبَرَهُ آيَةً لِلنَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ
стр. 1292
الَّذِينَ يُوقِنُونَ بِمَا أَخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ لِقَوْمٍ أَطْلَعَهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَصْفِيَائِهِ، أَوْ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا وَفُقِدَ مِنْ بَيْنِهِمْ فَجَاءَهُمْ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ وَتَحَقَّقَهُ مَنْ يَعْرِفُهُ بِصِفَاتِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ إِشَارَةً إِلَى
قَوْلِهِ: «أَخْرَجَنِي رُوحُ الرَّبِّ وَأَمَّرَنِي عَلَيْهَا» . فَقَوْلُهُ: قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ أَتَحْيَى هَذِهِ الْعِظَامُ فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي أَنْتَ تَعْلَمُ لِأَنَّ كَلَامه هَذَا ينبىء بِاسْتِبْعَادِ إِحْيَائِهَا، وَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ إِلَخ مِمَّا زَادَهُ الْقُرْآنُ مِنَ الْبَيَانِ عَلَى مَا فِي كُتُبِ الْيَهُودِ لِأَنَّهُمْ كَتَبُوهَا بَعْدَ مُرُورِ أَزْمِنَةٍ، وَيُظَنُّ مِنْ هُنَا أَنَّهُ مَاتَ فِي حُدُودِ سَنَةِ ٥٦٠ قَبْلَ الْمَسِيحِ، وَكَانَ تَجْدِيدُ أُورْشَلِيمَ فِي حُدُودِ ٤٥٨ فَتِلْكَ مِائَةُ سَنَةٍ تَقْرِيبًا، وَيَكُونُ قَوْلُهُ:
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً تَذْكِرَةً لَهُ بِتِلْكَ النُّبُوءَةِ وَهِيَ تَجْدِيدُ مَدِينَةِ إِسْرَائِيلَ.
وَقَوْلُهُ: وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها الْخَاوِيَةُ: الْفَارِغَةُ مِنَ السُّكَّانِ وَالْبِنَاءِ.
وَالْعُرُوشُ جَمْعُ عَرْشٍ وَهُوَ السَّقْفُ. وَالظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا خَاوِيَةٌ سَاقِطَةٌ عَلَى سَقْفِهَا وَذَلِكَ أَشَدُّ الْخَرَابِ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا يَسْقُطُ مِنَ الْبِنَاءِ السَّقْفُ ثُمَّ تَسْقُطُ الْجُدْرَانُ عَلَى تِلْكَ السَّقُفُ. وَالْقَرْيَةُ هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ رَآهَا فِي نَوْمِهِ كَذَلِكَ أَوْ رَآهَا حِينَ خَرَّبَهَا رُسُلُ بُخْتُنَصَّرَ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ سُبِيَ مَعَ (يَهُويَا قِيمَ) مَلِكِ إِسْرَائِيلَ وَهُوَ لَمْ يَقَعِ التَّخْرِيبُ فِي زَمَنِهِ بل وَقع رفي زَمَنِ (صِدِقْيَا) أَخِيهِ بَعْدَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقَوْلُهُ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَاسْتِبْعَادٍ، وَقَوْلُهُ: فَأَماتَهُ اللَّهُ التَّعْقِيبُ فِيهِ بِحَسَبِ الْمُعَقَّبِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَمَاتَهُ فِي وَقْتِ قَوْلِهِ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ نَامَ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فِي نَوْمِهِ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ بَعَثَهُ أَي أَحْيَاهُ وَهِي حَيَاةً خَاصَّةً رُدَّتْ بِهَا رُوحُهُ إِلَى جَسَدِهِ لِأَنَّ جَسَدَهُ لَمْ يَبْلَ كَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا بَعْثٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ وَهُوَ غَيْرُ بَعْثِ الْحَشْرِ.
وَقَوْلُهُ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ اعْتَقَدَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِيهِ أَوْ لِأَنَّهُ تَذَكَّرَ أَنَّهُ نَامَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَوَجَدَ الْوَقْتَ الَّذِي أَفَاقَ فِيهِ آخر نَهَار.
وَقَوْلُهُ: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ. وَالْأَمْرُ بِالنَّظَرِ أَمْرٌ لِلِاعْتِبَارِ أَيْ فَانْظُرْهُ فِي حَالِ أَنَّهُ لَمْ يَتَسَنَّهْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ كَانَا مَعَهُ حِينَ أُمِيتَ أَوْ كَانَا مَوْضُوعَيْنِ فِي قَبْرِهِ إِذَا كَانَ مِنْ أُمَّةٍ أَوْ فِي بَلَدٍ يَضَعُونَ الطَّعَامَ لِلْمَوْتَى الْمُكَرَّمِينَ كَمَا يَفْعَلُ الْمِصْرِيُّونَ الْقُدَمَاءُ، أَوْ كَانَ مَعَهُ طَعَامٌ حِينَ خَرَجَ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فِي نَوْمِهِ كَمَا قِيلَ ذَلِكَ.
стр. 1293
وَمَعْنَى لَمْ يَتَسَنَّهْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَأَصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّنَةِ لِأَنَّ مَرَّ السِّنِينَ يُوجِبُ التَّغَيُّرَ
وَهُوَ مِثْلُ تَحَجُّرِ الطِّينِ، وَالْهَاءُ أَصْلِيَّةٌ لَا هَاءُ سَكْتٍ، وَرُبَّمَا عَامَلُوا هَاءَ سَنَةٍ مُعَامَلَةَ التَّاءِ فِي الِاشْتِقَاقِ فَقَالُوا أَسْنَتَ فُلَانٌ إِذَا أَصَابَتْهُ سَنَةٌ أَيْ مَجَاعَةٌ، قَالَ مَطْرُودٌ الْخُزَاعِيُّ، أَوِ ابْنُ الزِّبَعْرَى:
عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ... قَوْمٍ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينِ عِجَافِ
وَقَوْلُهُ: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ قيل: كَانَ حِمَارُهُ قَدْ بَلِيَ فَلَمْ تَبْقَ إِلَّا عِظَامُهُ فَأَحْيَاهُ اللَّهُ أَمَامَهُ. وَلَمْ يُؤْتِ مَعَ قَوْلِهِ: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ بِذِكْرِ الْحَالَةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الِاعْتِبَارِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ النَّظَرِ إِلَيْهِ كَافٍ، فَإِنَّهُ رَآهُ عِظَامًا ثُمَّ رَآهُ حَيًّا، وَلَعَلَّهُ هَلَكَ فَبَقِيَ بِتِلْكَ السَّاحَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا حِزْقِيَالُ بَعِيدًا عَنِ الْعُمْرَانِ، وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَنْوَاعَ الْإِحْيَاء إِذْ أحيى جَسَدَهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ- عَنْ غير إِعَادَة- وأحيى طَعَامَهُ بِحِفْظِهِ من التغيّر وأحيى حِمَارَهُ بِالْإِعَادَةِ فَكَانَ آيَةً عَظِيمَةً لِلنَّاسِ الْمُوقِنِينَ بِذَلِكَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَطْلَعَ عَلَى ذَلِكَ الْأَحْيَاءَ بَعْضَ الْأَحْيَاءِ مِنْ أَصْفِيَائِهِ.
فَقَوْلُهُ: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلِاعْتِبَارِ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ إِلَى ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، وَالْمَقْصُودُ اعْتِبَارُهُ فِي اسْتِبْعَادِهِ أَنْ يُحْيِيَ اللَّهُ الْقَرْيَةَ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَكَانَ مِنْ قُوَّةِ الْكَلَامِ انْظُرْ إِلَى مَا ذُكِرَ جَعَلْنَاهُ آيَةً لَكَ عَلَى الْبَعْثِ وَجَعَلْنَاكَ آيَةً لِلنَّاسِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَحِمَارَهُ، وَلَكِنْ رَأَوْا ذَاتَهُ وَتَحَقَّقُوهُ بِصِفَاتِهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِرُهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ عِظَامُ بَعْضِ الْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ هَلَكُوا، أَوْ أَرَادَ عِظَامَ الْحِمَارِ فَتَكُونَ (الْ) عِوَضًا عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ إِلَى الْعِظَامِ فِي قُوَّةِ الْبَدَلِ مِنْ حِمَارِكَ إِلَّا أَنَّهُ بَرَزَ فِيهِ الْعَامِلُ الْمَنَوِيُّ تَكْرِيرُهُ.
وَقَرَأَ جُمْهُورُ الْعَشَرَةِ نُنْشِرُهَا بِالرَّاءِ مُضَارِعُ أَنْشَرَ الرُّبَاعِيِّ بِمَعْنَى الْإِحْيَاءِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَعَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ: نُنْشِزُها- بالزاي- مضارع أنشزه إِذَا رَفَعَهُ، وَالنَّشْزُ الِارْتِفَاعُ، وَالْمُرَادُ ارْتِفَاعُهَا حِينَ تَغْلُظُ بِإِحَاطَةِ الْعَصَبِ وَاللَّحْمِ وَالدَّمِ بِهَا فَحَصَلَ مِنَ الْقِرَاءَتَيْن مَعْنيانِ لكملة وَاحِدَةٍ، وَفِي كِتَابِ (حِزْقِيَالَ) «فَتَقَارَبَتِ الْعِظَامُ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى عَظْمِهِ، وَنَظَرْتُ وَإِذَا بِالْعَصَبِ وَاللَّحْمِ كَسَاهَا وَبُسِطَ الْجِلْدُ عَلَيْهَا» .
стр. 1294
وَقَوْلُهُ: قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَرَأَ الْجُمْهُورُ أَعْلَمُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعُ عَلِمَ فَيكون جَوَاب الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ لَهُ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ الْآيَةَ، وَجَاءَ بِالْمُضَارِعِ لِيَدُلَّ عَلَى مَا فِي كَلَامِ هَذَا النَّبِيءِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى تَجَدُّدِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ علمه فِي قَبْلُ وَتَجَدَّدَ علمه إِيَّاه. وقرأه حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ
اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ لَكِنَّهُ تُرِكَ عَطْفُهُ لِأَنَّهُ جُعِلَ كَالنَّتِيجَةِ لِلِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ الْآيَة.
[٢٦٠]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢٦٠]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)
مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [الْبَقَرَة: ٢٥٩] ، فَهُوَ مِثَالٌ ثَالِثٌ لِقَضِيَّةِ قَوْلِهِ: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [الْبَقَرَة: ٢٥٧] الْآيَةَ وَمِثَالٌ ثَانٍ لِقَضِيَّةِ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ فَالتَّقْدِيرُ: أَوْ هُوَ كَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ رَبِّ أَرِنِي إِلَخ. فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ لِفَرْطِ مَحَبَّتِهِ الْوُصُولَ إِلَى مَرْتَبَةِ الْمُعَايَنَةِ فِي دَلِيلِ الْبَعْثِ رَامَ الِانْتِقَالَ مِنَ الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ الْبُرْهَانِيِّ، إِلَى الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُرِيَهُ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى بِالْمَحْسُوسِ.
وَانْتَصَبَ كَيْفَ هُنَا عَلَى الْحَالِ مُجَرَّدَةً عَنِ الِاسْتِفْهَامِ، كَانْتِصَابِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ [آل عمرَان: ٦] .
وَقَوْلُهُ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ الْوَاوُ فِيهِ وَاوُ الْحَالِ، وَالْهَمْزَةُ اسْتِفْهَامٌ تَقْرِيرِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَعَامِلُ الْحَالِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أَرِنِي وَالتَّقْدِيرُ: أَأُرِيكَ فِي حَالِ أَنَّكَ لَمْ تُؤْمِنْ، وَهُوَ تَقْرِيرٌ مَجَازِيٌّ مُرَادٌ بِهِ لَفْتُ عَقْلِهِ إِلَى دَفْعِ هَوَاجِسِ الشَّكِّ، فَقَوْلُهُ: بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي كَلَامٌ صَدَرَ عَنِ اخْتِبَارِهِ يَقِينَهُ وَإِلْفَائِهِ سَالِمًا مِنَ الشَّكِّ.
стр. 1295
وَقَوْلُهُ: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي مَعْنَاهُ لينبت وَيَتَحَقَّقَ عِلْمِي وَيَنْتَقِلَ مِنْ مُعَالَجَةِ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ إِلَى بَسَاطَةِ الضَّرُورَةِ بِيَقِينِ الْمُشَاهَدَةِ وَانْكِشَافِ الْمَعْلُومِ انْكِشَافًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُعَاوَدَةِ الِاسْتِدْلَالِ وَدَفْعِ الشُّبَهِ عَنِ الْعَقْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَةَ يَطَمْئِنُ يَسْكُنُ، وَمَصْدَرُهُ الِاطْمِئْنَانُ، وَاسْمُ الْمَصْدَرِ الطُّمَأْنِينَةُ، فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي سُكُونِ الْأَجْسَامِ،. وَإِطْلَاقُهُ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْعِلْمِ فِي النَّفْسِ وَانْتِفَاءِ مُعَالَجَةِ الِاسْتِدْلَالِ أَصْلُهُ مَجَازٌ بِتَشْبِيهِ التَّرَدُّدِ وَعِلَاجِ الِاسْتِدْلَالِ بِالِاضْطِرَابِ وَالْحَرَكَةِ، وَشَاعَ ذَلِكَ الْمَجَازُ حَتَّى صَارَ مُسَاوِيًا لِلْحَقِيقَةِ، يُقَالُ اطْمَأَنَّ بَالُهُ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ اطْمَأَنَّ وَزْنُهُ افْعَلَلَّ وَأَنَّهُ لَا قَلْبَ فِيهِ، فَالْهَمْزَةُ فِيهِ هِيَ لَامُ الْكَلِمَةِ وَالْمِيمُ عَيْنُ الْكَلِمَةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عَمْرٍو وَهُوَ الْبَيِّنُ إِذْ لَا دَاعِيَ إِلَى الْقَلْبِ، فَإِنَّ وُقُوع الْهمزَة لَا مَا أَكْثَرُ وَأَخَفُّ مِنْ وُقُوعِهَا عَيْنًا، وَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إِلَى أنّ اطأمنّ مقلوب وَأَصله اطْمَأَنَّ وَقَدْ سُمِعَ طَمْأَنْتُهُ وَطَأْمَنْتُهُ وَأَكْثَرُ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى تَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الْهَمْزَةِ، وَالَّذِي أَوْجَبَ
الْخِلَافَ عَدَمُ سَمَاعِ الْمُجَرَّدِ مِنْهُ إِذْ لَمْ يُسْمَعْ طَمَنَ.
وَالْقَلْبُ مُرَادٌ بِهِ الْعِلْمُ إِذِ الْقَلْبُ لَا يَضْطَرِبُ عِنْدَ الشَّكِّ وَلَا يَتَحَرَّكُ عِنْدَ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْفِكْرِ، وَأَرَادَ بِالِاطْمِئْنَانِ الْعِلْمَ الْمَحْسُوسَ وَانْشِرَاحَ النَّفْسِ بِهِ وَقَدْ دَلَّهُ اللَّهُ عَلَى طَرِيقَةٍ يَرَى بِهَا إِحْيَاءَ الْمَوْتَى رَأْيَ الْعَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ اعْلَمْ أَنَّ الطَّيْرَ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ مُرَادِفًا لِطَائِرٍ فَإِنَّهُ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالْمَصْدَرِ وَأَصْلُهَا وَصْفٌ فَأَصْلُهَا الْوَحْدَةُ، وَلَا شَكَّ فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالْأَزْهَرِيِّ وَقُطْرُبٍ وَلَا وَجْهَ لِلتَّرَدُّدِ فِيهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى وَجمعه أَيْضًا وَهُوَ اسْمُ جَمْعِ طَائِرٍ كَصَحْبٍ وَصَاحِبٍ، وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَهُ الْمَصْدَرُ وَالْمَصْدَرُ يَجْرِي عَلَى الْوَاحِدِ وَعَلَى الْجمع.
وَجِيء بِمن للتَّبْعِيض لدلَالَة عَلَى أَنَّ الْأَرْبَعَةَ مُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاعِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حِكْمَةَ التَّعَدُّدِ وَالِاخْتِلَافِ زِيَادَةٌ فِي تَحَقُّقِ أَنَّ الْإِحْيَاءَ لَمْ يَكُنْ أَهْوَنَ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ دُونَ بَعْضٍ، فَلِذَلِكَ عُدِّدَتِ الْأَنْوَاعُ، وَلَعَلَّ جَعْلَهَا أَرْبَعَةً لِيَكُونَ وَضْعُهَا عَلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ: الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَالْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ لِئَلَّا يَظُنَّ لِبَعْضِ الْجِهَاتِ مَزِيدَ اخْتِصَاصٍ بِتَأَتِّي الْإِحْيَاءِ، وَيَجُوزُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَرْبَعَةِ أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ طَيْرٍ وَاحِدٍ فَتَكُونُ اللَّامُ لِلْعَهْدِ إِشَارَةً إِلَى طَيْرٍ
стр. 1296
حَاضِرٍ، أَيْ خُذْ أَرْبَعَةً مِنْ أَجْزَائِهِ ثُمَّ ادْعُهُنَّ، وَالسَّعْيُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْيِ لَا مِنْ أَنْوَاعِ الطَّيَرَانِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ آيَةً عَلَى أَنَّهُنَّ أُعِيدَتْ إِلَيْهِنَّ حَيَاةٌ مُخَالِفَةٌ لِلْحَيَاةِ السَّابِقَةِ، لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّهُنَّ لَمْ يَمُتْنَ تَمَامًا.
وَذِكْرُ كُلِّ جَبَلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ بِجَعْلِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الطَّيْرِ عَلَى جَبَلٍ لِأَنَّ وَضْعَهَا عَلَى الْجِبَالِ تَقْوِيَةٌ لِتَفَرُّقِ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ فَإِنَّهَا فُرِّقَتْ بِالْفَصْلِ مِنْ أَجْسَادِهَا وَبِوَضْعِهَا فِي أَمْكِنَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ وَعَسِرَةِ التَّنَاوُلِ.
وَالْجَبَلُ قِطْعَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الْأَرْضِ ذَاتُ حِجَارَةٍ وَتُرَابٍ نَاتِئَةٌ تِلْكَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُسْتَوِيَةِ، وَفِي الْأَرْضِ جِبَالٌ كَثِيرَةٌ مُتَفَاوِتَةُ الِارْتِفَاعِ، وَفِي بَعْضِهَا مَسَاكِنُ لِلْبَشَرِ مثل جبال طيّء، وَبَعْضُهَا تَعْتَصِمُ بِهِ النَّاسُ مِنَ الْعَدُوِّ كَمَا قَالَ السَّمَوْأَلُ:
لَنَا جَبَلٌ يَحْتَلُّهُ مِنْ نُجِيرُهُ ... مَنِيعٌ يَرُدُّ الطَّرْفَ وَهُوَ كليل
وَمعنى فَصُرْهُنَّ أَدْنِهِنَّ أَوْ أَيْلِهِنَّ يُقَالُ صَارَهُ يَصُورُهُ وَيَصِيرُهُ بِمَعْنًى وَهُوَ لَفْظٌ عَرَبِيٌّ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ مُعَرَّبٌ، فَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ نَبَطِيٌّ، وَعَنْ قَتَادَةَ هُوَ حَبَشِيٌّ، وَعَنْ وَهْبٍ هُوَ
رُومِيٌّ، وَفَائِدَةُ الْأَمْرِ بِإِدْنَائِهَا أَنْ يَتَأَمَّلَ أَحْوَالَهَا حَتَّى يَعْلَمَ بَعْدَ إِحْيَائِهَا أَنَّهَا لَمْ يَنْتَقِلْ جُزْءٌ مِنْهَا عَنْ مَوْضِعِهِ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ جُزْءاً لِأَنَّ تَجْزِئَتَهُنَّ إِنَّمَا تَقَعُ بَعْدَ الذَّبْحِ. فَالتَّقْدِيرُ فَاذْبَحْهُنَّ ثُمَّ اجْعَلْ إِلَخ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَصُرْهُنَّ- بِضَمِّ الصَّادِ وَسُكُونِ الرَّاءِ- مَنْ صَارَهُ يَصُورُهُ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَخَلَفٌ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ فَصُرْهُنَّ- بِكَسْرِ الصَّادِ- مَنْ صَارَ يَصِيرُ لُغَةٌ فِي هَذَا الْفِعْلِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ جُزْءاً- بِسُكُونِ الزَّايِ- وَقَرَأَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِضَمِّ الزَّايِ، وهما لُغَتَانِ.
стр. 1297
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ٢٦١ إِلَى ٢٦٢]
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)
عَوْدٌ إِلَى التَّحْرِيضِ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذَا الْمَثَلُ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ [الْبَقَرَة: ٢٥٤] . وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ [الْبَقَرَة: ٢٥٤] الْآيَةَ يُثِيرُ فِي نُفُوسِ السَّامِعِينَ الِاسْتِشْرَافَ لِمَا يَلْقَاهُ الْمُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ أَنْ أَعْقَبَ بِدَلَائِلَ وَمَوَاعِظَ وَعِبَرٍ وَقَدْ تَهَيَّأَتْ نُفُوسُ السَّامِعِينَ إِلَى التمحّض لهَذَا الْمَقْصُود فَأُطِيلَ الْكَلَامُ فِيهِ إِطَالَةً تُنَاسِبُ أَهَمِّيَّتَهُ.
وَقَوْلُهُ: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَشْبِيهُ حَالِ جَزَائِهِمْ وَبَرَكَتِهِمْ، وَالصِّلَةُ مُؤْذِنَةٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ خُصُوصُ حَالِ إِنْفَاقِهِمْ بِتَقْدِيرِ مثل نَفَقَة الدَّين. وَقَدْ شُبِّهَ حَالُ إِعْطَاءِ النَّفَقَةِ وَمُصَادَفَتُهَا مَوْقِعَهَا وَمَا أُعْطِيَ مِنَ الثَّوَابِ لَهُمْ بِحَالِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ إِلَخ، أَيْ زُرِعَتْ فِي أَرْضٍ نَقِيَّةٍ وَتُرَابٍ طَيِّبٍ وَأَصَابَهَا الْغَيْثُ فَأَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ. وَحُذِفَ ذَلِكَ كُلُّهُ إِيجَازًا لِظُهُورِ أَنَّ الْحَبَّةَ لَا تُنْبِتُ ذَلِكَ إِلَّا كَذَلِكَ، فَهُوَ مِنْ تَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ وَالْمُشَبَّهُ بِهِ هَيْأَةٌ مَعْلُومَةٌ، وَجُعِلَ أَصْلُ التَّمْثِيلِ فِي التَّضْعِيف حبّة لِأَنَّ تَضْعِيفَهَا مِنْ ذَاتِهَا لَا بِشَيْءٍ يُزَادُ عَلَيْهَا، وَقَدْ شَاعَ تَشْبِيهُ الْمَعْرُوفِ بِالزَّرْعِ وَتَشْبِيهُ السَّاعِي بِالزَّارِعِ، وَفِي الْمَثَلِ «رُبَّ سَاعٍ لِقَاعِدٍ وَزَارِعٍ غَيْرِ حَاصِدٍ» . وَلَمَّا كَانَتِ الْمُضَاعَفَةُ تُنْسَبُ إِلَى أَصْلِ
وَحْدَةٍ، فَأَصْلُ الْوَحْدَةِ هُنَا هِيَ مَا يُثِيبُ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْحَسَنَاتِ الصَّغِيرَةِ، أَيْ مَا يَقَعُ ثَوَابًا عَلَى أَقَلِّ الْحَسَنَاتِ كَمَنَ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِنَّهُ فِي حَسَنَةِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ.
قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ وَغَيْرُهُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ
стр. 1298
الْخُرُوجَ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ حَثَّ النَّاسَ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَكَانَ الْجَيْشُ يَوْمَئِذَ بِحَاجَةٍ إِلَى الْجِهَازِ- وَهُوَ جَيْشُ الْعُسْرَةِ- فَجَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: «عَلَيَّ جِهَازُ مَنْ لَا جِهَازَ لَهُ» فَجَهَّزَ الْجَيْشَ بِأَلْفِ بَعِيرٍ بِأَقْتَابِهَا وَأَحْلَاسِهَا وَقِيلَ جَاءَ بِأَلْفِ دِينَارٍ ذَهَبًا فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ دَرَجَاتٌ كَثِيرَةٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا الله تَعَالَى لأنّها تَتَرَتَّبُ عَلَى أَحْوَالِ الْمُتَصَدِّقِ وَأَحْوَالِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَأَوْقَاتِ ذَلِكَ وَأَمَاكِنِهِ. وَلِلْإِخْلَاصِ وَقَصْدِ الِامْتِثَالِ وَمَحَبَّةِ الْخَيْرِ لِلنَّاسِ وَالْإِيثَارِ عَلَى النَّفْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحُفُّ بِالصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ، تَأْثِيرٌ فِي تَضْعِيفِ الْأَجْرِ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
وَأَعَادَ قَوْلَهُ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِظْهَارًا لِلِاهْتِمَامِ بِهَذِهِ الصِّلَةِ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ جَاءَ فِي عطفه بشم مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُعْطَفَ بِالْوَاوِ، قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : «لِإِظْهَارِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْإِنْفَاقِ وَتَرْكِ الْمَنِّ وَالْأَذَى، وَأَنَّ تَرْكَهُمَا خَيْرٌ مِنْ نَفْسِ الْإِنْفَاقِ» يَعْنِي أَنَّ ثمَّ للتَّرْتِيب الرتبي لَا لِلْمُهْلَةِ الزَّمَنِيَّةِ تَرْفِيعًا لِرُتْبَةِ تَرْكِ الْمَنِّ وَالْأَذَى عَلَى رُتْبَةِ الصَّدَقَةِ لِأَنَّ الْعَطَاءَ قَدْ يَصْدُرُ عَنْ كَرَمِ النَّفْسِ وَحُبِّ الْمَحْمَدَةِ فَلِلنُّفُوسِ حَظٌّ فِيهِ مَعَ حَظِّ الْمُعْطَى، بِخِلَافِ تَرْكِ الْمَنِّ وَالْأَذَى فَلَا حَظَّ فِيهِ لنَفس الْمُعْطِي فإنّ الْأَكْثَر يميلون إِلَى التبجّح والتطاول على الْمُعْطى، فالمهلة فِي (ثمَّ) هُنَا مجازية إِذْ شُبِّهُ حُصُولُ الشَّيْءِ الْمُهِمِّ- فِي عِزَّةِ حُصُولِهِ- بِحُصُولِ الشَّيْءِ الْمُتَأَخِّرِ زَمَنُهُ، وَكَأَنَّ الَّذِي دَعَا الزَّمَخْشَرِيَّ إِلَى هَذَا أَنَّهُ رَأَى مَعْنَى الْمُهْلَةِ هُنَا غَيْرَ مُرَادٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ حُصُولُ الْإِنْفَاقِ وَتَرْكُ الْمَنِّ مَعًا.
وَالْمَنُّ أَصْلُهُ الْإِنْعَامُ وَالْفَضْلُ، يُقَالُ مَنَّ عَلَيْهِ مَنًّا، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى عَدِّ الْإِنْعَامِ عَلَى الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر: ٦] ، وَهُوَ إِذَا ذُكِرَ بَعْدَ الصَّدَقَةِ وَالْعَطَاءِ تَعَيَّنَ لِلْمَعْنَى الثَّانِي.
وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَنُّ فِي الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالتَّطَاوُلِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالرِّيَاءِ بِالْإِنْفَاقِ، وَبِالتَّطَاوُلِ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ الَّذِينَ يُجَهِّزُهُمْ أَوْ يَحْمِلُهُمْ، وَلَيْسَ مِنَ الْمَنِّ التَّمَدُّحُ بِمَوَاقِفِ
الْمُجَاهِدِ فِي الْجِهَادِ أَوْ بِمَوَاقِفِ قَوْمِهِ، فَقَدْ قَالَ الْحُرَيْشُ بْنُ هِلَالٍ الْقُرَيْعِيُّ يَذْكُرُ خَيْلَهُ فِي غَزْوَةِ فَتْحِ مَكَّةَ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ:
стр. 1299
شَهِدْنَ مَعَ النَّبِيءِ مَسُوَّمَاتٍ ... حُنَيْنًا وَهْيَ دَامِيَةُ الْحَوَامِي
وَوَقْعَةَ خَالِدٍ شَهِدَتْ وَحَكَّتْ ... سَنَابِكَهَا عَلَى الْبَلَدِ الْحَرَامِ
وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ يَتَمَدَّحُ بِمَوَاقِعِ قَوْمِهِ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ:
حَتَّى إِذَا قَالَ النَّبِيءُ مُحَمَّدٌ ... أَبَنِي سُلَيْمٍ قَدْ وَفَيْتُمْ فَارْجِعُوا
عُدْنَا وَلَوْلَا نَحْنُ أَحْدَقَ جَمْعُهُمْ ... بِالْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزُوا مَا جَمَّعُوا
وَالْأَذَى هُوَ أَن يُؤْذِي الْمُنفق مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِإِسَاءَةٍ فِي الْقَوْلِ أَوْ فِي الْفِعْلِ قَالَ النَّابِغَةُ:
عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ... لِوَالِدِهِ لَيْسَتْ بِذَاتِ عَقَارِبِ
فَالْمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ أَنْ يَكُونَ إِنْفَاقُ الْمُنْفِقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُرَادًا بِهِ نَصْرُ الدِّينِ وَلَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ، فَذَلِكَ هُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْإِنْفَاقِ وَهُوَ الْمَوْعُودُ عَلَيْهِ بِهَذَا الْأَجْرِ الْجَزِيلِ، وَدُونَ ذَلِكَ مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ تَتَفَاوَت أحوالها.
[٢٦٣، ٢٦٤]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ٢٦٣ إِلَى ٢٦٤]
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤)
تَخَلَّصَ مِنْ غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى التَّنْوِيهِ بِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْإِنْفَاقِ وَهُوَ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْمَحَاوِيجِ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ الصَّدَقَاتُ. وَلَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِلصَّدَقَةِ إِلَّا أَنَّهَا تَخْطُرُ بِالْبَالِ عِنْدَ ذِكْرِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمَّا وَصَفَ الْإِنْفَاقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِصِفَةِ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا [الْبَقَرَة: ٢٦٢] الْآيَةَ انْتَقَلَ بِمُنَاسَبَةِ ذَلِكَ إِلَى طَرْدِ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ فَإِنَِِّ
стр. 1300
الْمَنَّ وَالْأَذَى فِي الصَّدَقَةِ أَكْثَرُ حُصُولًا لِكَوْنِ الصَّدَقَةِ مُتَعَلِّقَةً بِأَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ، بِخِلَافِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ تَنَالُهُمُ النَّفَقَةُ لَا يَعْلَمُهُمُ الْمُنْفِقُ.
فَالْمَنُّ عَلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ هُوَ تَذْكِيرُهُ بِالنِّعْمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
وَمِنْ فِقْرَاتِ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي «الْكَلِمِ النَّوَابِغِ» : «طَعْمُ الْآلَاءِ أَحْلَى مِنَ الْمَنِّ. وَهُوَ أَمَرُّ مِنَ الْآلَاءِ عِنْدَ الْمَنِّ» الْآلَاءُ الْأَوَّلُ النِّعَمُ وَالْآلَاءُ الثَّانِي شَجَرٌ مُرُّ الْوَرَقِ، وَالْمَنُّ الْأَوَّلُ شَيْءٌ شِبْهُ الْعَسَلِ يَقَعُ كَالنَّدَى عَلَى بَعْضِ شَجَرِ بَادِيَةِ سِينَا وَهُوَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى [الْبَقَرَة: ٥٧] ، والمنّ الثَّانِي تَذْكِيرُ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ بِالنِّعْمَةِ.
وَالْأَذَى الْإِسَاءَةُ وَالضُّرُّ الْقَلِيلُ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً [آل عمرَان: ١١١] ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَذَى الصَّرِيحُ مِنَ الْمُنْعِمِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ كَالتَّطَاوُلِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَعْطَاهُ، أَوْ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْعَطَاءِ، بَلْهَ تَعْيِيرِهِ بِالْفَقْرِ، وَهُوَ غَيْرُ الْأَذَى الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَ الْمَنِّ.
وَأَشَارَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنَ «الْإِحْيَاءِ» إِلَى أَنَّ الْمَنَّ لَهُ أَصْلٌ وَمَغْرِسٌ وَهُوَ مِنْ أَحْوَالِ الْقَلْبِ وَصِفَاتِهِ، ثُمَّ تَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى اللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ. وَمَنْبَعُ الْأَذَى أَمْرَانِ: كَرَاهِيَةُ الْمُعْطِي إِعْطَاءَ مَالَهُ وَشِدَّةُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ وَرُؤْيَتُهُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الْفَقِيرِ، وَكِلَاهُمَا مَنْشَؤُهُ الْجَهْلُ فَإِنَّ كَرَاهِيَةَ تَسْلِيمِ الْمَالِ حُمْقٌ لِأَنَّ مَنْ بَذَلَ الْمَالَ لِطَلَبِ رِضَا اللَّهِ وَالثَّوَابِ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ أَشَرَفُ مِمَّا بَذَلَهُ، وَظَنُّهُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الْفَقِيرِ جَهْلٌ بِخَطَرِ الْغِنَى، أَيْ أَنَّ مَرَاتِبَ النَّاسِ بِمَا تَتَفَاوَتُ بِهِ نُفُوسُهُمْ مِنَ التَّزْكِيَةِ لَا بِعَوَارِضِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ الَّتِي لَا تَنْشَأُ عَنْ دَرَجَاتِ الْكَمَالِ النَّفْسَانِيِّ.
وَلَمَّا حَذَّرَ اللَّهُ الْمُتَصَدِّقَ مِنْ أَنْ يُؤْذِيَ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ عُلِمَ أَنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ الْإِضْرَارِ بِهِ كَشَتْمِهِ وَضَرْبِهِ حَاصِلٌ بِفَحْوَى الْخِطَابِ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالنَّهْيِ.
أَوْسَعَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْمَقَامَ بَيَانًا وَتَرْغِيبًا وَزَجْرًا بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ وَتَفَنُّنَاتٍ بَدِيعَةٍ فَنَبَّهَنَا بِذَلِكَ إِلَى شِدَّةِ عِنَايَةِ الْإِسْلَامِ بِالْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْمَعُونَةِ.
وَكَيْفَ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ وَقِوَامُ الْأُمَّةِ دَوَرَانُ أَمْوَالِهَا بَيْنَهَا، وَأَنَّ مِنْ أَكْبَرِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الِانْتِفَاعُ بِالثَّرْوَةِ الْعَامَّةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ عَلَى وُجُوهٍ جَامِعَةٍ بَيْنَ رَعْيِ الْمَنْفَعَةِ الْعَامَّةِ وَرَعْيِ الْوِجْدَانِ الْخَاصِّ، وَذَلِكَ بِمُرَاعَاةِ الْعَدْلِ مَعَ الَّذِي كَدَّ لِجَمْعِ الْمَالِ وَكَسْبِهِ،
следующие страницы →