← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وَالْقَوْلُ فِي قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً الْآيَةَ كَالْقَوْلِ فِي نَظِيرَيْهِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ. وَجِيءَ فِي هَذَا وَفِي نَظِيرِهِ الْمُتَقَدِّمِ بِكَافِ الْخِطَابِ مَعَ ضَمِيرِ الْخِطَابِ دُونَ قَوْلِهِ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ [الْأَنْعَام: ٤٦] الْآيَةَ لِأَنَّ هَذَا وَنَظِيرَهُ أَبْلَغُ فِي التَّوْبِيخِ لِأَنَّهُمَا أَظْهَرُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى كَوْنِ الْمُشْرِكِينَ فِي مُكْنَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ إِتْيَانَ الْعَذَابِ أَمْكَنُ وُقُوعًا مِنْ سَلْبِ الْأَبْصَارِ وَالْأَسْمَاعِ وَالْعُقُولِ لِنُدْرَةِ حُصُولِ ذَلِكَ، فَكَانَ التَّوْبِيخُ عَلَى إِهْمَالِ الْحَذَرِ مِنْ إِتْيَانِ عَذَابِ اللَّهِ، أَقْوَى مِنَ التَّوْبِيخِ عَلَى الِاطْمِئْنَانِ مِنْ أَخْذِ أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ، فَاجْتَلَبَ كَافَ الْخِطَابِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ التَّنْبِيهُ دُونَ أَعْيَانِ الْمُخَاطَبِينَ. وَالْبَغْتَةُ تَقَدَّمَتْ آنِفًا. وَالْجَهْرَةُ: الْجَهْرُ، ضِدَّ الْخُفْيَةِ، وَضِدَّ السِّرِّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٥٥] . وَقَدْ أَوْقَعَ الْجَهْرَةَ هُنَا فِي مُقَابَلَةِ الْبَغْتَةِ وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ تُقَابَلَ الْبَغْتَةُ بِالنَّظْرَةِ أَوْ أَنْ تُقَابَلَ الْجَهْرَةُ بِالْخُفْيَةِ، إِلَّا أَنَّ الْبَغْتَةَ لَمَّا كَانَتْ وُقُوعَ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ كَانَ حُصُولُهَا خَفِيًّا فَحَسُنَ مُقَابَلَتُهُ بِالْجَهْرَةِ، فَالْعَذَابُ الَّذِي يَجِيءُ بَغْتَةً هُوَ الَّذِي لَا تَسْبِقُهُ عَلَامَةٌ وَلَا إِعْلَامٌ بِهِ. وَالَّذِي يَجِيءُ جَهْرَةً هُوَ الَّذِي تَسْبِقُهُ عَلَامَةٌ مِثْلَ الْكَسْفِ الْمَحْكِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا [الْأَحْقَاف: ٢٤] أَوْ يَسْبِقُهُ إِعْلَامٌ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ [هود: ٦٥] . فَإِطْلَاقُ الْجَهْرَةِ عَلَى سَبْقِ مَا يَشْعُرُ بِحُصُولِ الشَّيْءِ إِطْلَاقٌ مَجَازِيٌّ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْبَغْتَةِ الْحَاصِلُ لَيْلًا وَمِنَ الْجَهْرَةِ الْحَاصِلُ نَهَارًا. وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: هَلْ يُهْلَكُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْكَارِ فَلِذَلِكَ جَاءَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْنَاءُ. وَالْمَعْنَى لَا يُهْلَكُ بِذَلِكَ الْعَذَابِ إِلَّا الْكَافِرُونَ. وَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الْمُخَاطَبُونَ أَنْفُسُهُمْ فَأُظْهِرَ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِيَتَأَتَّى وَصْفُهُمْ أَنَّهُمْ ظَالِمُونَ، أَيْ مُشْرِكُونَ، لِأَنَّهُمْ ظَالِمُونَ أَنْفُسَهُمْ وَظَالِمُونَ الرَّسُولَ وَالْمُؤْمِنِينَ.

стр. 2627

وَهَذَا يَتَضَمَّنُ وَعْدًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ مُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ، وَلِذَلِكَ أَذِنَ رَسُولُهُ بِالْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِئَلَّا يَحُلَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ تَكْرِمَةً لَهُمْ كَمَا أَكْرَمَ لُوطًا وَأَهْلَهُ، وَكَمَا أَكْرَمَ نُوحًا وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الْأَنْفَال: ٣٣] ثُمَّ قَوْلُهُ: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [الْأَنْفَال: ٣٤] . [٤٨، ٤٩] [سُورَة الْأَنْعَام (٦) : الْآيَات ٤٨ إِلَى ٤٩] وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩) عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [الْأَنْعَام: ٤٦] . وَالْمُنَاسَبَةُ أَنَّ صُدُوفَهُمْ وَإِعْرَاضَهُمْ كَانُوا يَتَعَلَّلُونَ لَهُ بِأَنَّهُمْ يَرُومُونَ آيَاتٍ عَلَى وَفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَقْنَعُونَ بِآيَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الْإِسْرَاء: ٩٠] إِلَى آخِرِ مَا حُكِيَ عَنْهُمْ فِي تِلْكَ الْآيَةِ، فَأَنْبَأَهُمُ اللَّهُ بِأَنَّ إِرْسَالَ الرُّسُلِ لِلتَّبْلِيغِ وَالتَّبْشِيرِ وَالنِّذَارَةِ لَا لِلتَّلَهِّي بِهِمْ بِاقْتِرَاحِ الْآيَاتِ. وَعَبَّرَ بِ نُرْسِلُ دُونَ أَرْسَلْنَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَجَدُّدِ الْإِرْسَالِ مُقَارِنًا لِهَذَيْنِ الْحَالَيْنِ، أَيْ مَا أَرْسَلْنَا وَمَا نُرْسِلُ، فَقَوْلُهُ: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ حَالَانِ مُقَدَّرَتَانِ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ وَمُحَقَّقَتَانِ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي. وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ أَحْوَالٍ مَحْذُوفَةٍ، أَيْ مَا أَرْسَلْنَاهُمْ إِلَّا فِي حَالَةِ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. وَالْقَصْرُ إِضَافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمُوا أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَأْتِهِمْ بِآيَةٍ كَمَا اقْتَرَحُوا فَلَيْسَ بِرَسُولٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَهُوَ قَصْرُ قَلْبٍ، أَيْ لَمْ نُرْسِلِ الرَّسُولَ لِلْإِعْجَابِ بِإِظْهَارِ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ. وَكَنَّى بِالتَّبْشِيرِ وَالْإِنْذَارِ عَنِ التَّبْلِيغِ لِأَنَّ التَّبْلِيغَ يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَيْنِ وَهُمَا التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ، فَحَصَلَ بِهَذِهِ الْكِنَايَةِ إِيجَازٌ إِذِ اسْتَغْنَى بِذِكْرِ اللَّازِمِ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَلْزُومِ. وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ آمَنَ لِلتَّفْرِيعِ، أَيْ فَمَنْ آمَنَ مِنَ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ فَلَا خَوْفٌ إِلَخْ.

стр. 2628

وَ (مَنْ) الْأَظْهَرُ أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ كَمَا يُرَجِّحُهُ عَطْفُ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً لَا سِيَّمَا وَهِيَ فِي مَعْنَى التَّفْصِيلِ لِقَوْلِهِ: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. فَإِنْ كَانَتْ شَرْطِيَّةً فَاقْتِرَانُ فَلا خَوْفٌ بِالْفَاءِ بَيِّنٌ، وَإِنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فَالْفَاءُ لِمُعَامَلَةِ الْمَوْصُولِ مُعَاملَة الشَّرْط، والاستعمالات مُتَقَارِبَانِ. وَمَعْنَى أَصْلَحَ فَعَلَ الصَّلَاحَ، وَهُوَ الطَّاعَةُ لِلَّهِ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى، لِأَنَّ اللَّهَ مَا أَرَادَ بِشَرْعِهِ إِلَّا إِصْلَاحَ النَّاسِ كَمَا حَكَى عَنْ شُعَيْبٍ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: ٨٨] . وَالْمَسُّ حَقِيقَتُهُ مُبَاشَرَةُ الْجِسْمِ بِالْيَدِ وَهُوَ مُرَادِفُ اللَّمْسِ وَالْجَسِّ، وَيُسْتَعَارُ لِإِصَابَةِ جِسْمٍ جِسْمًا آخَرَ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ [٧٣] . وَيُسْتَعَارُ أَيْضًا لِلتَّكَيُّفِ بِالْأَحْوَالِ كَمَا يُقَالُ: بِهِ مَسٌّ مِنَ الْجُنُونِ. قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [الْأَعْرَاف: ٢٠١] . وَجَمَعَ الضَّمَائِرَ الْعَائِدَةَ إِلَى (مِنْ) مُرَاعَاةً لِمَعْنَاهَا، وَأَمَّا إِفْرَادُ فِعْلِ آمَنَ وأَصْلَحَ فَلِرَعْيِ لَفْظِهَا. وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ. وَالْفِسْقُ حَقِيقَتُهُ الْخُرُوجُ عَنْ حَدِّ الْخَيْرِ. وَشَاعَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقُرْآنِ فِي مَعْنَى الْكُفْرِ وَتَجَاوُزِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى. وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٦] . وَجِيءَ بِخَبَرِ (كَانَ) جملَة مضارعية لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ فِسْقَهُمْ كَانَ مُتَجَدِّدًا مُتَكَرِّرًا، عَلَى أَنَّ الْإِتْيَانَ بِ (كَانَ) أَيْضًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ لِأَنَّ (كَانَ) إِذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَا انْقِضَاءُ خَبَرِهَا فِيمَا مَضَى دَلَّتْ عَلَى اسْتِمْرَارِ الْخَبَرِ بِالْقَرِينَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [النِّسَاء: ٩٦] . [٥٠] [سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٥٠] قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ.

стр. 2629

لَمَّا تَقَضَّتِ الْمُجَادَلَةُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فِي إِبْطَالِ شِرْكِهِمْ وَدَحْضِ تَعَالِيلِ إِنْكَارِهِمْ نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِنُبُوءَتِهِ إِلَّا إِذَا جَاءَ بِآيَةٍ عَلَى وَفْقِ هَوَاهُمْ، وَأُبْطِلَتْ شُبْهَتُهُمْ بِقَوْلِهِ: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [الْأَنْعَام: ٤٨] وَكَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِمَّنْ شَمِلَهُ لَفْظُ الْمُرْسَلِينَ، نَقَلَ الْكَلَامَ إِلَى إِبْطَالِ مَعَاذِيرِهِمْ فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ حَقِيقَةَ الرِّسَالَةِ وَاقْتِرَانِهَا بِالْآيَاتِ فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الَّذِي يَتَحَدَّى الْأُمَّةَ لِأَنَّهُ خَلِيفَةٌ عَنِ اللَّهِ فِي تَبْلِيغِ مُرَادِهِ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَيْسَتِ الْأُمَّةُ هِيَ الَّتِي تَتَحَدَّى الرَّسُولَ، فَآيَةُ صِدْقِ الرَّسُولِ تَجِيءُ عَلَى وَفْقِ دَعْوَاهُ الرِّسَالَةَ، فَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُ مَلَكٌ أَوْ أَنَّهُ بُعِثَ لِإِنْقَاذِ النَّاسِ مِنْ أَرْزَاءِ الدُّنْيَا وَلِإِدْنَاءِ خَيْرَاتِهَا إِلَيْهِمْ لَكَانَ مِنْ عُذْرِهِمْ أَنْ يَسْأَلُوهُ آيَاتٍ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ، فَأَمَّا وَالرَّسُولُ مَبْعُوثٌ لِلْهُدَى فَآيَتُهُ أَنْ يَكُونَ مَا جَاءَ بِهِ هُوَ الْهُدَى وَأَنْ تَكُونَ مُعْجِزَتُهُ هُوَ مَا قَارَنَ دَعْوَتَهُ مِمَّا يَعْجِزُ الْبَشَرُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ فِي زَمَنِهِمْ. فَقَوْلُهُ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ الْكَلَامُ مِنْ غَرَضٍ إِلَى غَرَضٍ. وَافْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِالْأَمْرِ بِالْقَوْلِ لِلِاهْتِمَامِ بِإِبْلَاغِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ [الْأَنْعَام: ٤٠] . وَقَدْ تَكَرَّرَ الْأَمْرُ بِالْقَوْلِ مِنْ هُنَا إِلَى قَوْلِهِ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ [الْأَنْعَام: ٦٧] اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً. وَالِاقْتِصَارُ عَلَى نَفْيِ ادِّعَاءِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ نَاظِرٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي سَأَلُوهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الْأَنْعَام: ٨] وَقَوْلِهِ: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ [الْأَنْعَام: ٧] وَقَوْلِهِ: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ [الْأَنْعَام: ٣٥] الْآيَةَ. وَافْتَتَحَ الْكَلَامَ بِنَفْيِ الْقَوْلِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ يَقْتَرِنْ بِدَعْوَى الرِّسَالَةِ فَلَا وَجْهَ لِاقْتِرَاحِ تِلْكَ الْأُمُورِ الْمَنْفِيِّ قَوْلُهَا عَلَى الرَّسُولِ لِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَجِيءَ عَلَى وَفْقِ دَعْوَى الرِّسَالَةِ. وَاللَّامُ فِي لَكُمْ لَامُ التَّبْلِيغِ، وَهِيَ مُفِيدَةٌ تَقْوِيَةَ فعل القَوْل عِنْد مَا لَا تَكُونُ حَاجَةٌ

стр. 2630

لِذِكْرِ الْمُوَاجَهِ بِالْقَوْلِ كَمَا هُنَا لِظُهُورِ أَنَّ الْمُوَاجَهَ بِالْقَوْلِ هُمُ الْمُكَذِّبُونَ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [هود: ٣١] مُجَرَّدًا عَنْ لَامِ التَّبْلِيغِ. فَإِذَا كَانَ الْغَرَضُ ذِكْرَ الْمُوَاجَهِ بِالْقَوْلِ فَاللَّامُ حِينَئِذٍ تُسَمَّى لَامَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ الْقَوْلِ فَالَّذِي اقْتَضَى اجْتِلَابَ هَذِهِ اللَّامِ هُنَا هُوَ هَذَا الْقَوْلُ بِحَيْثُ لَوْ قَالَهُ قَائِلٌ لَكَانَ جَدِيرًا بِلَامِ التَّبْلِيغِ. وَالْخَزَائِنُ جَمْعُ خِزَانَةٍ- بِكَسْرِ الْخَاءِ- وَهِيَ الْبَيْتُ أَوِ الصُّنْدُوقُ الَّذِي يَحْتَوِي مَا تَتُوقُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ وَمَا يَنْفَعُ عِنْدَ الشِّدَّةِ وَالْحَاجَةِ. وَالْمَعْنَى أَنِّي لَيْسَ لِي تَصَرُّفٌ مَعَ اللَّهِ وَلَا أَدَّعِي أَنِّي خَازِنُ مَعْلُومَاتِ اللَّهِ وَأَرْزَاقِهِ. وخَزائِنُ اللَّهِ مُسْتَعَارَةٌ لِتَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ بِالْإِنْعَامِ وَإِعْطَاءِ الْخَيْرَاتِ النَّافِعَةِ لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا. شُبِّهَتْ تِلْكَ التَّعَلُّقَاتُ الصُّلُوحِيَّةُ وَالتَّنْجِيزِيَّةُ فِي حَجْبِهَا عَنْ عُيُونِ النَّاسِ وَتَنَاوُلِهِمْ مَعَ نَفْعِهَا إِيَّاهُمْ، بِخَزَائِنِ أَهْلِ الْيَسَارِ وَالثَّرْوَةِ الَّتِي تجمع الْأَمْوَال والأحبية وَالْخِلَعَ وَالطَّعَامَ، كَمَا أُطْلِقَ عَلَيْهَا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [المُنَافِقُونَ: ٧] ، أَيْ مَا هُوَ مُودَعٌ فِي الْعَوَالِمِ الْعُلْيَا وَالسُّفْلَى مِمَّا يَنْفَعُ النَّاسَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [الْحجر: ٢١] . وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ وَهُوَ قَوْلُهُ عِنْدِي لِلِاهْتِمَامِ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَابَةِ وَالْبِشَارَةِ لِلْمُخْبَرِينَ بِهِ لَوْ كَانَ يَقُولُهُ. وَقَوْلُهُ: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ عَطْفٌ عَلَى عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ فَهُوَ فِي حَيِّزِ الْقَوْلِ الْمَنْفِيِّ. وَأُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلَى طَرِيقَةِ عَطْفِ الْمَنْفِيَّاتِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنْ يُعَادَ مَعَهَا حَرْفُ النَّفْيِ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْمُتَعَاطِفَاتِ جَمِيعَهَا مَقْصُودَةٌ بِالنَّفْيِ بِآحَادِهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمَنْفِيَّ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ. وَالْمَعْنَى لَا أَقُولُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ، أَيْ عِلْمًا مُسْتَمِرًّا مُلَازِمًا لِصِفَةِ الرِّسَالَةِ. فَأَمَّا إِخْبَارُهُ عَنْ بَعْضِ الْمُغَيَّبَاتِ فَذَلِكَ عِنْدَ إِرَادَةِ اللَّهِ إِطْلَاعَهُ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ خَاصٍّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الْجِنّ: ٢٦، ٢٧] وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ. وَعَطْفُ: وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ عَلَى لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ

стр. 2631

بِإِظْهَارِ فِعْلِ الْقَوْلِ فِيهِ، خِلَافًا لِقَوْلِهِ: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَعَلَّهُ لِدَفْعِ ثِقَلِ الْتِقَاءِ حَرْفَيْنِ: (لَا) وَحَرْفِ (إِنَّ) الَّذِي اقْتَضَاهُ مَقَامُ التَّأْكِيدِ، لِأَنَّ ادِّعَاءَ مِثْلِهِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُؤَكَّدَ، أَيْ لَمْ أَدَّعِ أَنِّي مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَتَقُولُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الْأَنْعَام: ٨] ، فَنَفْيُ كَوْنِهِ مَلَكًا جَوَابٌ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مَلَكٌ أَوْ أَنْ يَكُونَ مَعَه ملك نذيرا. وَالْمَقْصُودُ نَفْيُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى يَكُونَ مُقَارِنًا لِمَلَكٍ آخَرَ مُقَارَنَةَ تَلَازُمٍ كَشَأْنِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ. وَكَانُوا يَتَوَهَّمُونَ أَنَّ الرِّسَالَةَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْبَشَرِ فَلذَلِك قَالُوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الْفرْقَان: ٧] . فَالْمَعْنَى نَفْيُ مَاهِيَّةِ الْمَلَكِيَّةِ عَنْهُ لِأَنَّ لِجِنْسِ الْمَلَكِ خَصَائِصَ أُخْرَى مُغَايِرَةً لِخَصَائِصِ الْبَشَرِ. وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ يُكَلِّفُهُ عَنَتًا: إِنِّي لَسْتُ مِنْ حَدِيدٍ. وَمِنْ تَلْفِيقِ الِاسْتِدْلَالِ أَنْ يَسْتَدِلَّ الْجُبَّائِيُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى تَأْيِيدِ قَوْلِ أَصْحَابِهِ الْمُعْتَزِلَةِ بِتَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مَعَ بُعْدِ ذَلِكَ عَنْ مَهْيَعِ الْآيَةِ. وَقَدْ تَابَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَكَذَلِكَ دَأْبُهُ كَثِيرًا مَا يُرْغِمُ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ عَلَى مسايرة مذْهبه فتنزو عَصَبِيَّتُهُ وَتَنْزَوِي عَبْقَرِيَّتُهُ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ سَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا فِي مَظِنَّتِهَا. وَجُمْلَةُ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى أَنْ يَقُولَ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ كَانَ الْمَقَامُ مُثِيرًا سُؤَالَ سَائِلٍ يَقُولُ: فَمَاذَا تَدَّعِي بِالرِّسَالَةِ وَمَا هُوَ حَاصِلُهَا لِأَنَّ الْجَهَلَةَ يَتَوَهَّمُونَ أَنَّ مَعْنَى النُّبُوءَةِ هُوَ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ الْمُتَبَرَّأُ مِنْهَا فِي قَوْلِهِ: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ إِلَخْ، فَيُجَابُ بِقَوْلِهِ: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ، أَيْ لَيْسَتِ الرِّسَالَةُ إِلَّا التَّبْلِيغَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ الْوَحْيِ. فَمَعْنَى أَتَّبِعُ مَجَازٌ مُرْسَلٌ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الشَّيْءِ وَمُلَازَمَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ. لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ مَعْنَى الِاتِّبَاعِ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الْمَشْيُ خَلْفَ الْمُتَّبَعِ- بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ-، أَيْ لَا أَحِيدُ عَنْ تَبْلِيغِ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِلَى إِجَابَةِ الْمُقْتَرَحَاتِ مِنْ إِظْهَارِ الْخَوَارِقِ أَوْ لِإِضَافَةِ الْأَرْزَاقِ أَوْ إِخْبَارٍ بِالْغَيْبِ، فَالتَّلَقِّي وَالتَّبْلِيغُ هُوَ مَعْنَى الِاتِّبَاعِ، وَهُوَ كُنْهُ الرِّسَالَةِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. فَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ هُنَا إِضَافِيٌّ، أَيْ دُونَ الِاشْتِغَالِ بِإِظْهَارِ مَا تَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الْخَوَارِقِ لِلْعَادَةِ. وَالْغَرَضُ مِنَ الْقَصْرِ قَلْبُ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَكُونُ رَسُولًا حَتَّى يَأْتِيَهُمْ بِالْعَجَائِبِ

стр. 2632

الْمَسْئُولَةِ. وَقَدْ حَصَلَ بِذَلِكَ بَيَانُ حَقِيقَةِ الرِّسَالَةِ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي ضَلَّ عَنْ إِدْرَاكِهَا الْمُعَانِدُونَ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [الْأَنْعَام: ٤٨] . وَإِذْ قَدْ كَانَ الْقَصْرُ إِضَافِيًّا كَانَ لَا مَحَالَةَ نَاظِرًا إِلَى قَلْبِ اعْتِقَادِهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِمَطَالِبِهِمْ بِاتِّبَاعِ مُقْتَرَحَاتِهِمْ، أَيْ لَا أَتَّبِعُ فِي التَّبْلِيغِ إِلَيْكُمْ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ. فَلَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ مَا يَقْتَضِي قَصْرَ تَصَرُّفِ الرَّسُولِ- ﵊ عَلَى الْعَمَلِ بِالْوَحْيِ حَتَّى يَحْتَجَّ بِهَا مَنْ يَنْفِي مِنْ عُلَمَائِنَا جَوَازَ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ فِي أُمُورِ الدِّينِ لِأَنَّ تِلْكَ مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَهَا أَدِلَّةٌ لِلْجَانِبَيْنِ، وَلَا مِسَاسَ لَهَا بِهَذَا الْقَصْرِ. وَمَنْ تَوَهَّمَهُ فَقَدْ أَسَاءَ التَّأْوِيلَ. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ. هَذَا خِتَامٌ لِلْمُجَادَلَةِ مَعَهُمْ وَتَذْيِيلٌ لِلْكَلَامِ الْمُفْتَتَحِ بِقَوْلِهِ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ، أَيْ قُلْ لَهُمْ هَذَا التَّذْيِيلَ عَقِبَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالِ. وَشُبِّهَتْ حَالَةُ مَنْ لَا يَفْقَهُ الْأَدِلَّةَ وَلَا يُفَكِّكُ بَيْنَ الْمَعَانِي الْمُتَشَابِهَةِ بِحَالَةِ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَيْنَ يَقْصِدُ وَلَا أَيْنَ يَضَعُ قَدَمَهُ. وَشُبِّهَتْ حَالَةُ مَنْ يُمَيِّزُ الْحَقَائِقَ وَلَا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ بِحَالَةِ الْقَوِيِّ الْبَصَرِ حَيْثُ لَا تَخْتَلِطُ عَلَيْهِ الْأَشْبَاحُ. وَهَذَا تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي فَسَادِ الْوَضْعِ لِأَدِلَّتِهِمْ وَعُقْمِ أَقْيِسَتِهِمْ، وَلِحَالِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا وَوَضَعُوا الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا، أَوْ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْمُشْرِكِينَ الَّتِي هُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِهَا وَالْحَالِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُمُ الَّتِي نَفَرُوا مِنْهَا لِيَعْلَمُوا أَيُّ الْحَالَيْنِ أَوْلَى بِالتَّخَلُّقِ. وَقَوْلُهُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ. وَهُوَ مَعْطُوفٌ بِالْفَاءِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ عَدَمَ اسْتِوَاءِ الْأَعْمَى والبصير بديهي لَا يَسَعُهُمْ إِلَّا الِاعْتِرَافُ بِعَدَمِ اسْتِوَائِهِمَا فَلَا جَرَمَ أَنْ يَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ إِنْكَارُ عَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ فِي أَنَّهُمْ بِأَيِّهِمَا أَشْبَهُ. وَالْكَلَامُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ [الْأَنْعَام: ٤٠] .

стр. 2633

وَالتَّفَكُّرُ: جَوَلَانُ الْعَقْلِ فِي طَرِيقِ اسْتِفَادَةِ علم صَحِيح. [٥١] [سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٥١] وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) الْأَظْهَرُ أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ [الْأَنْعَام: ٥٠] لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَدِّمَةٌ لِذِكْرِ مَنْ مُثِّلَتْ حَالُهُمْ بِحَالِ الْبَصِيرِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ. وَضَمِيرُ بِهِ عَائِدٌ إِلَى مَا يُوحى إِلَيَّ [الْأَنْعَام: ٥٠] وَهُوَ الْقُرْآنُ وَمَا يُوحَى بِهِ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ الْإِعْجَازُ. والَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُمَثَّلُونَ بِحَالِ الْبَصِيرِ. وَعُرِّفُوا بِالْمَوْصُولِ لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّلَةُ مِنَ الْمَدْحِ، وَمِنَ التَّعْلِيلِ بِتَوْجِيهِ إِنْذَارِهِ إِلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، لِأَنَّ الْإِنْذَارَ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِنْذَارٌ نَافِعٌ، خِلَافًا لِحَالِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الْحَشْرَ، فَلَا يَخَافُونَهُ فَضْلًا عَنِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى شُفَعَاءَ. وأَنْ يُحْشَرُوا مَفْعُولُ يَخافُونَ، أَيْ يَخَافُونَ الْحَشْرَ إِلَى رَبِّهِمْ فَهُمْ يُقَدِّمُونَ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَيَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَاهُمْ خِيفَةَ أَنْ يَلْقَوُا اللَّهَ وَهُوَ غَيْرُ رَاضٍ عَنْهُمْ. وَخَوْفُ الْحَشْرِ يَقْتَضِي الْإِيمَانَ بِوُقُوعِهِ. فَفِي الْكَلَامِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ الْمُشْركين لَا ينجع فِيهِمُ الْإِنْذَارُ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْحَشْرِ فَكَيْفَ يَخَافُونَهُ.. وَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِمْ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الْبَقَرَة: ٦] . وَجُمْلَةُ: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ أَنْ يُحْشَرُوا، أَيْ يُحْشَرُوا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَهَذِهِ الْحَالُ دَاخِلَةٌ فِي حَيِّزِ الْخَوْفِ. فَمَضْمُونُ الْحَالِ مُعْتَقَدٌ لَهُمْ، أَيْ لَيْسُوا مِمَّنْ يَزْعُمُونَ أَنَّ لَهُمْ شُفَعَاءَ عِنْدَ اللَّهِ لَا تُرَدُّ شَفَاعَتُهُمْ، فَهُمْ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَصْنَامَهُمْ شُفَعَاءَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ مِنْ دُونِهِ حَالٌ مِنْ وَلِيٌّ وشَفِيعٌ، وَالْعَامِلُ فِي الْحَالِ فِعْلُ يَخافُونَ،

стр. 2634

أَيْ لَيْسَ لَهُمْ وَلِيٌ دُونَ اللَّهِ وَلَا شَفِيعٌ دُونَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا. وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا شُفَعَاءَ وَأَوْلِيَاءَ غَيْرَ اللَّهِ. وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الشَّفَاعَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الْبَقَرَة: ٢٥٥] . وَلِصَاحِبِ «الْكَشَّافِ» هُنَا تَكَلُّفَاتٌ فِي مَعْنَى يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا وَفِي جَعْلِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ يُحْشَرُوا حَالًا لَازِمَةً، وَلَعَلَّهُ يَرْمِي بِذَلِكَ إِلَى أَصْلِ مَذْهَبِهِ فِي إِنْكَارِ الشَّفَاعَةِ. وَقَوْلُهُ: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ رَجَاءٌ مَسُوقٌ مَسَاقَ التَّعْلِيلِ لِلْأَمْرِ بِإِنْذَارِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُمْ يُرْجَى تَقْوَاهُمْ، بِخِلَافِ مَنْ لَا يُؤمنُونَ بِالْبَعْثِ. [٥٢] [سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٥٢] وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ [الْأَنْعَام: ٥١] لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى أَنْذَرَهُمْ وَلَازَمَهُمْ وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ مُتَكَبِّرُو الْمُشْرِكِينَ. فَقَدْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هُنَا صِلَةٌ أُخْرَى هِيَ أَنْسَبُ بِهَذَا الْحُكْمِ مِنَ الصِّلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، كَمَا أَنَّ تِلْكَ أَنْسَبُ بِالْحُكْمِ الَّذِي اقْتَرَنَتْ مَعَهُ مِنْهَا بِهَذَا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَ الْإِضْمَارِ، فَيُقَالُ: وَلَا تَطْرُدْهُمْ، فَإِنَّ النَّبِيءَ ﷺ جَاءَ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ فَأَوْلَى النَّاسِ بِمُلَازَمَتِهِ الَّذِينَ هِجِّيرَاهُمْ دُعَاءُ اللَّهِ تَعَالَى بِإِخْلَاصٍ فَكَيْفَ يَطْرُدُهُمْ فَإِنَّهُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ الْمَجْلِسِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [آل عمرَان: ٦٨] . رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيءِ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيءِ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ، وَرَجُلَانِ، لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ آهـ. وَسَمَّى الْوَاحِدِيُّ بَقِيَّةَ السِّتَّةِ: وَهُمْ صُهَيْبٌ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَالْمِقْدَادُ

стр. 2635

بْنُ الْأَسْوَدِ، وَخَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ. وَفِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ «فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ» إِجْمَالٌ بَيَّنَهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ رُؤَسَاءَ قُرَيْشٍ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ: لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلَاءِ الْأَعْبُدَ وَأَرْوَاحَ جِبَابِهِمْ (جَمْعُ جُبَّةٍ) جَلَسْنَا إِلَيْكَ وَحَادَثْنَاكَ. فَقَالَ: مَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالُوا: فَأَقِمْهُمْ عَنَّا إِذَا جِئْنَا فَإِذَا قُمْنَا فَأَقْعِدْهُمْ مَعَكَ إِنْ شِئْتَ، فَقَالَ: نعم، طعما فِي إِيمَانِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَوَقَعَ فِي «سُنَنِ» ابْنِ مَاجَهْ عَنْ خَبَّابٍ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ﷺ الْأَقْرَعُ بن حَابِس وعبينة بْنُ حِصْنٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ. وَعُيَيْنَةُ وَالْأَقْرَعُ إِنَّمَا وَفَدَا مَعَ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ الْوُفُودِ. اهـ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُمَا فَأَجَابَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي نَظِيرِ اقْتِرَاحِهِمَا. وَفِي سَنَدِهِ أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ أَوْ نَضْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْقَوِيِّ، وَفِيهِ السُّدِّيُّ ضَعِيفٌ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَلَا يُعْرَفُ سَنَدُهُ. وَسَمَّى ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُمُ الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ: خَبَّابٌ، وَعَمَّارٌ، وَأَبُو فُكَيْهَةَ، يَسَارٌ مَوْلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُحَرِّثٍ، وَصُهَيْبٌ وَأَشْبَاهُهُمْ، وَأَنَّ قُرَيْشًا قَالُوا: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا [الْأَنْعَام: ٥٣] . وَذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ فِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ. فَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: جَاءَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَمُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَالْحَارِثُ بْنُ نَوْفَلٍ، فِي أَشْرَافِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّ ابْنَ أَخِيكَ مُحَمَّدًا يَطْرُدُ عَنْهُ مَوَالِينَا وَعَبِيدَنَا وَعُتَقَاءَنَا كَانَ أعظم من صُدُورِنَا وَأَطْمَعَ لَهُ عِنْدَنَا وَأَرْجَى لِاتِّبَاعِنَا إِيَّاهُ وَتَصْدِيقِنَا لَهُ. فَأَتَى أَبُو طَالِبٍ إِلَى النَّبِيءِ ﷺ فَحَدَّثَهُ بِالَّذِي كَلَّمُوهُ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتَّى نَنْظُرَ مَا الَّذِي يُرِيدُونَ وَإِلَامَ يَصِيرُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ، فَأَنْزَلَ الله هَذِه الْآيَة. فَلَمَّا نَزَلَتْ أَقْبَلَ عُمَرُ يَعْتَذِرُ. وَالْمَعْنَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِحِرْصِهِ عَلَى إِيمَانِ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ لِيَكُونُوا قُدْوَةً لِقَوْمِهِمْ وَلِعِلْمِهِ بِأَنَّ أَصْحَابَهُ يَحْرِصُونَ حِرْصَهُ وَلَا يُوحِشُهُمْ أَنْ يُقَامُوا مِنَ الْمَجْلِسِ إِذَا حَضَرَهُ عُظَمَاءُ قُرَيْشٍ لِأَنَّهُمْ آمَنُوا يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ لَا لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَلَكِنَّ اللَّهَ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ. وَسَمَّاهُ طَرْدًا تَأْكِيدًا لِمَعْنَى النَّهْيِ، وَذَلِكَ لِحِكْمَةٍ: وَهِيَ كَانَتْ أَرْجَحَ مِنَ الطَّمَعِ فِي إِيمَانِ أُولَئِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى

стр. 2636

سَرَائِرِهِمْ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُظْهِرَ اسْتِغْنَاءَ دِينِهِ وَرَسُولِهِ عَنِ الِاعْتِزَازِ بِأُولَئِكَ الطُّغَاةِ الْقُسَاةِ، وَلِيُظْهِرَ لَهُمْ أَنَّ أُولَئِكَ الضُّعَفَاءَ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّ الْحِرْصَ عَلَى قُرْبِهِمْ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ أَوْلَى مِنَ الْحِرْصِ عَلَى قُرْبِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّ الدِّينَ يَرْغَبُ النَّاسُ فِيهِ وَلَيْسَ هُوَ يَرْغَبُ فِي النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الحجرات: ١٧] . وَمَعْنَى يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يُعْلِنُونَ إِيمَانَهُمْ بِهِ دُونَ الْأَصْنَامِ إِعْلَانًا بِالْقَوْلِ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ اعْتِقَادَ الْقَائِلِ بِمَا يَقُولُهُ، إِذْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ نِفَاقٌ وَإِنَّمَا ظَهَرَ الْمُنَافِقُونَ بِالْمَدِينَةِ. وَالْغَدَاةُ: أَوَّلُ النَّهَارِ. وَالْعَشِيُّ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى الصَّبَاحِ. وَالْبَاءُ لِلظَّرْفِيَّةِ. وَالتَّعْرِيفُ فِيهِمَا تَعْرِيفُ الْجِنْسِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ الْيَوْمَ كُلَّهُ. فَالْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ قُصِدَ بِهِمَا اسْتِيعَابُ الزَّمَانِ وَالْأَيَّامِ كَمَا يُقْصَدُ بِالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اسْتِيعَابُ الْأَمْكِنَةِ. وَكَمَا يُقَالُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَقِيلَ: أُرِيدَ بِالدُّعَاءِ الصَّلَاةُ. وَبِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ عُمُومُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. فَالْمَعْنَى وَلَا تَطْرُدِ الْمُصَلِّينَ، أَيِ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالْغَداةِ- بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَبِأَلِفٍ بَعْدَ الدَّالِّ-. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ- بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَبِوَاوٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الدَّالِّ- وَهِيَ لُغَةٌ فِي الْغَدَاةِ. وَجُمْلَةُ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي يَدْعُونَ، أَيْ يَدْعُونَ مُخْلِصِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ، أَيْ لَا يُرِيدُونَ حَظًّا دُنْيَوِيًّا. وَالْوَجْهُ حَقِيقَةُ الْجُزْءِ مِنَ الرَّأْسِ الَّذِي فِيهِ الْعَيْنَانِ وَالْأَنْفُ وَالْفَمُ. وَيُطْلَقُ الْوَجْهُ عَلَى الذَّاتِ كُلِّهَا مَجَازًا مُرْسَلًا. وَالْوَجْهُ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلذَّاتِ عَلَى اعْتِبَارِ مُضَافٍ، أَيْ يُرِيدُونَ رِضَى اللَّهِ، أَي لَا يُرِيدُونَ إِرْضَاءَ غَيْرِهِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً [الْإِنْسَان: ٩] ، وَقَوْلُهُ: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١١٥] . فَمَعْنَى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَدَعَوُا اللَّهَ لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قُرَيْشًا طَعَنُوا فِي إِيمَانِ الضُّعَفَاءِ وَنَسَبُوهُمْ إِلَى النِّفَاقِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ صَحِيحٌ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ

стр. 2637

يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ثَنَاءٌ عَلَيْهِمْ بِكَمَالِ إِيمَانِهِمْ، وَشَهَادَةٌ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ مُجَرَّدُونَ عَنِ الْغَايَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ كُلِّهَا، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهِ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. وَجُمْلَةُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ طَرْدِهِمْ، أَوْ إِبْطَالٌ لِعِلَّةِ الْهَمِّ بِطَرْدِهِمْ، أَوْ لِعِلَّةِ طَلَبِ طَرْدِهِمْ. فَإِنَّ إِبْطَالَ عِلَّةِ فِعْلِ الْمنْهِي عَنهُ يؤول إِلَى كَوْنِهِ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ، وَلِذَا فُصِّلَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ. وَالْحِسَابُ: عَدُّ أَفْرَادِ الشَّيْءِ ذِي الْأَفْرَادِ وَيُطْلَقُ عَلَى إِعْمَالِ النَّظَرِ فِي تَمْيِيزِ بَعْضِ الْأَحْوَالِ عَنْ بَعْضٍ إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِعَارَةِ بِتَشْبِيهِ تَتَبُّعِ الْأَحْوَالِ بَعْدَ الْأَفْرَادِ. وَمِنْهُ جَاءَ مَعْنَى الْحِسْبَةِ- بِكَسْرِ الْحَاءِ-، وَهِيَ النَّظَرُ فِي تَمْيِيزِ أَحْوَالِ أَهْلِ السُّوقِ مِنِ اسْتِقَامَةٍ وَضِدِّهَا. وَيُقَالُ: حَاسَبَ فُلَانًا عَلَى أَعْمَالِهِ إِذَا اسْتَقْرَاهَا وَتَتَبَّعَهَا. قَالَ النَّابِغَةُ: يُحَاسِبُ نَفْسَهُ بِكَمِ اشْتَرَاهَا فَالْحِسَابُ هُنَا مَصْدَرُ حَاسَبَ. وَالْمُرَادُ بِهِ تَتَبُّعُ الْأَعْمَالِ وَالْأَحْوَالِ وَالنَّظَرُ فِيمَا تُقَابَلُ بِهِ مِنْ جَزَاءٍ. وَضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: مِنْ حِسابِهِمْ وَقَوْلِهِ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا عَائِدِينَ إِلَى الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ وَهُوَ مُعَادٌ مَذْكُورٌ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِتَنَاسُقِ الضَّمَائِرِ مَعَ قَوْلِهِ فَتَطْرُدَهُمْ. فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ أَهْلُ الْحَقِّ فِي مَجْلِسِكَ لِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ فَلَا يُطْرَدُونَ عَنْهُ وَمَا عَلَيْكَ أَنْ تَحْسِبَ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ لَهُمْ بِزَعْمِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّ حُضُورَ أُولَئِكَ فِي مَجْلِسِكَ يَصُدُّ كُبَرَاءَ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْإِيمَانِ، أَيْ أَنَّ ذَلِكَ مَدْحُوضٌ تُجَاهَ حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَجْلِسِ رَسُولِهِمْ وَسَمَاعِ هَدْيِهِ. وَقِيلَ مَعْنَى: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ طَعَنُوا فِي إِخْلَاصِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا اجْتَمَعُوا عِنْدَكَ وَقَبِلُوا دِينَكَ لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَ مَأْكُولًا وَمَلْبُوسًا عِنْدَكَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا يَلْزَمُكَ إِلَّا اعْتِبَارُ ظَاهِرِهِمْ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ بَاطِنٌ يُخَالِفُهُ فَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ، أَيْ إِحْصَاءُ أَحْوَالِهِمْ وَمُنَاقَشَتُهُمْ عَلَيْهَا عَلَى نَحْوِ قَوْلِ نُوحٍ إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ [الشُّعَرَاء: ١١٣] . فَمَعْنَى حِسَابِهِمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَمْحِيصُ

стр. 2638

نِيَّاتِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ. وَالْقَصْدُ مِنْ هَذَا تَبْكِيتُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى طَرِيقَةِ إِرْخَاءِ الْعِنَانِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ اسْتِضْعَافَ يَقِينِ الْمُؤْمِنِينَ. وحِسابِهِمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرَانِ عَائِدَيْنِ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْكَلَامِ وَلَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّيَاقِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ، فَيَعُودُ الضَّمِيرَانِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَأَلُوا طَرْدَ ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ فَيَكُونُ ضَمِيرُ فَتَطْرُدَهُمْ عَائِدًا إِلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَيَخْتَلِفُ مَعَادُ الضَّمِيرَيْنِ اعْتِمَادًا على مَا يعيّنه سِيَاقُ الْكَلَامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها [الرّوم: ٩] ، وَقَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فِي وَقْعَةِ حُنَيْنٍ: عُدْنَا وَلَوْلَا نَحْنُ أَحْدَقَ جَمْعُهُمْ ... بِالْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزُوا مَا جَمَّعُوا أَيْ أَحْرَزَ الْمُشْرِكُونَ مَا جَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْغَنَائِمِ. وَالْمَعْنَى: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْإِيمَانِ بِكَ أَوْ عَلَى عَدَمِ الْإِيمَانِ شَيْءٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إِلَيَّ فَلَا تَظْلِمِ الْمُؤْمِنِينَ بِحِرْمَانِهِمْ حَقًّا لِأَجْلِ تَحْصِيلِ إِيمَانِ الْمُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا [النِّسَاء: ١٣٥] . وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ كَوْنُ إِضَافَةِ حِسابِهِمْ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ، أَيْ مُحَاسَبَتُكَ إِيَّاهُمْ. وَيَجُوزُ كَوْنُهَا مِنْ إِضَافَتِهِ إِلَى فَاعِلِهِ، أَيْ مِنْ حِسَابِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فَقْرَهُمْ وَضَعْفَهُمْ. وعَلَيْكَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. وَ (عَلَى) فِيهِ دَالَّةٌ عَلَى مَعْنَى اللُّزُومِ وَالْوُجُوبِ لِأَنَّ الرَّسُولَ- ﵊ هَمَّ أَوْ كَانَ بِحَيْثُ يَهُمُّ بِإِجَابَةِ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ لَمَّا سَأَلُوهُ، فَيَكُونُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْمَصْلَحَةَ مَدْحُوضَةٌ. وَ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ: مِنْ شَيْءٍ زَائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الشُّمُولِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَهُوَ الْحَرْفُ الَّذِي بِتَقْدِيرِهِ بُنِيَ اسْمُ (لَا) عَلَى الْفَتْحِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى إِرَادَةِ نَفْيِ الْجِنْسِ.

стр. 2639

وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدَيْنِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِمَا فِي قَوْلِهِ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ تَقْدِيمٌ غَيْرُ وَاجِبٍ لِأَنَّ لِلِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَتَيْنِ هُنَا مُسَوِّغًا، وَهُوَ وُقُوعُهُمَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَكَانَ تَقْدِيمُ الْمَجْرُورَيْنِ هُنَا اخْتِيَارِيًّا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ غَرَضٍ. وَالْغَرَضُ يَحْتَمِلُ مُجَرَّدَ الِاهْتِمَامِ وَيَحْتَمِلُ الِاخْتِصَاصَ. وَحَيْثُ تَأَتَّى مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ هُنَا فَاعْتِبَارُهُ أَلْيَقُ بِأَبْلَغِ كَلَامٍ، وَلِذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِ كَلَامُ «الْكَشَّافِ» . وَعَلَيْهِ فَمَعْنَى الْكَلَامِ قَصْرُ نَفْيِ حِسَابِهِمْ عَلَى النَّبِيءِ ﷺ لِيُفِيدَ أَنَّ حِسَابَهُمْ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى. وَذَلِكَ هُوَ مُفَادُ الْقَصْرِ الْحَاصِلِ بِالتَّقْدِيمِ إِذَا وَقَعَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَهُوَ مُفَادٌ خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ لِقِلَّةِ وُقُوعِ الْقَصْرِ بِوَاسِطَةِ التَّقْدِيمِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ. وَمِثَالُهُ الْمَشْهُورُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا فِيها غَوْلٌ [الصافات: ٤٧] فَإِنَّهُمْ فَسَّرُوهُ بِأَنَّ عَدَمَ الْغَوْلِ مَقْصُورٌ عَلَى الِاتِّصَافِ بِفِي خُمُورِ الْجَنَّةِ، فَالْقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ. وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْكَلَامِ خَمْسَةُ مُؤَكِّدَاتٍ. وَهِيَ (مِنَ) الْبَيَانِيَّةُ، وَ (مِنَ) الزَّائِدَةُ، وَتَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ، وَصِيغَةُ الْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وَالتَّأْكِيدُ بِالتَّتْمِيمُ بِنَفْيِ الْمُقَابِلِ فِي قَوْلِهِ: وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ، فَإِنَّهُ شَبِيهٌ بِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ. وَكُلُّ ذَلِكَ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى مُنْتَهَى التَّبْرِئَةِ مِنْ مُحَاوَلَةِ إِجَابَتِهِمْ لِاقْتِرَاحِهِمْ. وَيُفِيدُ هَذَا الْكَلَامُ التَّعْرِيضَ بِرُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ سَأَلُوا إِبْعَادَ الْفُقَرَاءِ عَنْ مَجْلِسِ الرَّسُولِ- ﵊ حِينَ مَا يَحْضُرُونَ وَأَوْهَمُوا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَائِلُ لَهُمْ دُونَ حُضُورِ مَجْلِسِ الرَّسُولِ- ﵊ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَالْكَوْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَخَاطَبَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِهَذَا الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الرَّسُولُ هُوَ الْمَسْئُول أَن يقْضِي أَصْحَابَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ لِيَعْلَمَ السَّائِلُونَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ مَا لَا يَقَعُ وَيَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَطْلَعَ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى كَذِبِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا رَاغِبِينَ فِي الْإِيمَانِ لَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ حِسَابُ أَحْوَالِ النَّاسِ وَلَاشْتَغَلُوا بِإِصْلَاحِ خُوَيْصِّتِهِمْ، فَيَكُونُ الْخِطَابُ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] . وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ بَعْدُ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الْأَنْعَام: ٥٥] . وَإِذْ كَانَ الْقَصْرُ يَنْحَلُّ عَلَى نِسْبَتَيْ إِثْبَاتٍ وَنَفْيٍ فَالنِّسْبَةُ الْمُقَدَّرَةُ مَعَ الْقَصْرِ وَهِيَ نِسْبَةُ الْإِثْبَاتِ ظَاهِرَةٌ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ وَضَمِيرِ الْغَائِبِينَ، أَيْ عَدَمُ حِسَابِهِمْ مَقْصُورٌ عَلَيْكَ، فَحِسَابُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إِذْ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا أَيْضًا قَوْلُهُ بَعْدَهُ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّهُ ذُكِرَ

стр. 2640

لِاسْتِكْمَالِ التَّعْلِيلِ، وَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلَى الْعِلَّةِ، لِأَنَّ مَجْمُوعَ مَدْلُولِ الْجُمْلَتَيْنِ هُوَ الْعِلَّةُ، أَيْ حِسَابُهُمْ لَيْسَ عَلَيْكَ كَمَا أَنَّ حِسَابَكَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ بَلْ عَلَى نَفْسِكَ، إِذْ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. فَكَمَا أَنَّكَ لَا تَنْظُرُ إِلَّا إِلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، فَهُمْ كَذَلِكَ لَا يُطْلَبُ مِنْهُمُ التَّفْرِيطُ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ لِتَسْدِيدِ رَغْبَةٍ مِنْكَ فِي شَيْءٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ أَوْ لِتَحْصِيلِ رَغْبَةِ غَيْرِهِمْ فِي إِيمَانِهِ. وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمَسْنَدِ إِلَيْهِ هُنَا كَتَقْدِيمِهِ فِي نَظِيرِهِ السَّابِقِ. وَفِي قَوْلِهِ: وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ أَظْهَرُوا أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِطَرْدِ ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ النُّصْحَ لَهُ لِيَكْتَسِبَ إِقْبَالَ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِ وَالْإِطْمَاعَ بِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِهِ فَيَكْثُرُ مُتَّبِعُوهُ. ثُمَّ بِهَذَا يَظْهَرُ أَنْ لَيْسَ الْمَعْنَى: بَلْ حِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَحِسَابُكَ عَلَى اللَّهِ، لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِسِيَاقِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ بِهِ قَوْلُهُ: وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ مُسْتَدْرَكًا فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَكَرَّرْ نَظِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ نَظِيرِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْ نُوحٍ إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [١١٣] لِأَنَّ ذَلِكَ حُكِيَ بِهِ مَا صَدَرَ مِنْ نُوحٍ وَمَا هُنَا حُكِيَ بِهِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ، فَتَنَبَّهْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنَ الْآيَةِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ بِنَفْيِ اللُّزُومِ وَالْوُجُوبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ (عَلَى) فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَا سِيَّمَا وَاعْتِبَارُ مَعْنَى الْقَصْرِ فِي قَوْلِهِ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ غَيْرُ وَاضِحٍ، لِأَنَّنَا إِذَا سَلَّمْنَا أَنْ يَكُونَ لِلرَّسُولِ- ﵊ شِبْهُ اعْتِقَادِ لُزُومِ تَتَبُّعِ أَحْوَالِهِمْ فَقُلِبَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ بِالْقَصْرِ، لَا نَجِدُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ إِذْ لَا اعْتِقَادَ لَهُمْ فِي هَذَا الشَّأْنِ. وَقَدَّمَ الْبَيَانَ عَلَى الْمُبَيَّنِ فِي قَوْلِهِ: وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ لِأَنَّ الْأَهَمَّ فِي الْمَقَامَيْنِ هُوَ مَا يَخْتَصُّ بِالْمُخَاطَبِ الْمُعَرِّضِ فِيهِ بِالَّذِينَ سَأَلُوهُ الطَّرْدَ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ، وَإِنَّمَا جِيءَ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ لِاسْتِكْمَالِ التَّعْلِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ: فَتَطْرُدَهُمْ مَنْصُوبٌ فِي جَوَابِ النَّهْيِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ. وَإِعَادَةُ فِعْلِ الطَّرْدِ دُونَ الِاقْتِصَارِ عَلَى قَوْلِهِ: فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ،

стр. 2641

لِإِفَادَةِ تَأْكِيدِ ذَلِكَ النَّهْيِ وَلِيُبْنَى عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ لِوُقُوعِ طُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ التَّفْرِيعِ وَالْمُفَرَّعِ عَلَيْهِ. فَحَصَلَ بِإِعَادَةِ فِعْلِ فَتَطْرُدَهُمْ غَرَضَانِ لَفْظِيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ. عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ فَتَطْرُدَهُمْ مَنْصُوبًا فِي جَوَابِ النَّفْيِ مِنْ قَوْلِهِ: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ، أَيْ لَا تَطْرُدْهُمْ إِجَابَةً لِرَغْبَةِ أَعْدَائِهِمْ. وَقَوْلُهُ: فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ عُطِفَ عَلَى فَتَطْرُدَهُمْ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، أَيْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِطَرْدِهِمْ، أَيْ فَكَوْنُهُ مِنَ الظَّالِمِينَ مُنْتَفٍ تَبَعًا لِانْتِفَاءٍ سَبَبِهِ وَهُوَ الطَّرْدُ. وَإِنَّمَا جَعَلَ طَرْدَهُمْ ظُلْمًا لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى تَكْلِيفُهُ بِأَنْ يُحَاسِبَهُمْ صَارَ طَرْدُهُمْ لِأَجْلٍ إِرْضَاءِ غَيْرِهِمْ ظُلْمًا لَهُمْ. وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ سَأَلُوا طَرْدَهُمْ لِإِرْضَاءِ كِبْرِيَائِهِمْ بأنّهم ظَالِمُونَ مفطرون عَلَى الظُّلْمِ وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ مَنْصُوبًا فِي جَوَابِ النَّهْيِ، وَيُجْعَلَ قَوْلُهُ فَتَطْرُدَهُمْ جِيءَ بِهِ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ لِتَجْدِيدِ رَبْطِ الْكَلَامِ لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ النَّهْيِ وَجَوَابِهِ بِالظَّرْفِ وَالْحَالِ وَالتَّعْلِيلِ فَكَانَ قَوْلُهُ فَتَطْرُدَهُمْ كَالْمُقَدَّمَةِ لِقَوْلِهِ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَلَيْسَ مَقْصُود بِالذَّاتِ لِلْجَوَابِيَّةِ فَالتَّقْدِيرُ: فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمين بطردهم. [٥٣] [سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٥٣] وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) الْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ كَمَا هِيَ فِي نَظَائِرِهِ. وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ السَّامِعَ لَمَّا شَعَرَ بِقِصَّةٍ أَوْمَأَ إِلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [الْأَنْعَام: ٥٢] الْآيَةَ يَأْخُذُهُ الْعَجَبُ مِنْ كِبْرِيَاءِ عُظَمَاءِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَكَيْفَ يَرْضَوْنَ الْبَقَاءَ فِي ضَلَالَةٍ تَكَبُّرًا عَنْ غِشْيَانِ مَجْلِسٍ فِيهِ ضُعَفَاءُ النَّاسِ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا الْخُلُقَ الْعَجِيبَ فِتْنَةٌ لَهُمْ خَلَقَهَا اللَّهُ فِي نُفُوسِهِمْ بِسُوءِ خُلُقِهِمْ. وَقَعَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ اعْتِرَاضًا بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ تَعْجِيلًا لِلْبَيَانِ، وَقُرِنَتْ بِالْوَاوِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الِاعْتِرَاضِ، وَهِيَ الْوَاوُ الِاعْتِرَاضِيَّةُ، وَتُسَمَّى الِاسْتِئْنَافِيَّةَ فَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ دَاعِيَهُمْ

стр. 2642

إِلَى طَلَبِ طَرْدِهِمْ هُوَ احْتِقَارٌ فِي حَسَدٍ وَالْحَسَدُ يَكُونُ أَعْظَمُ مَا يَكُونُ إِذَا كَانَ الْحَاسِدُ يَرَى نَفْسَهُ أَوْلَى بِالنِّعْمَةِ الْمَحْسُودِ عَلَيْهَا، فَكَانَ ذَلِكَ الدَّاعِي فِتْنَةً عَظِيمَةً فِي نُفُوسِ الْمُشْرِكِينَ إِذْ جَمَعَتْ كِبْرًا وَعُجْبًا وَغُرُورًا بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ إِلَى احْتِقَارٍ لِلْأَفَاضِلِ وَحَسَدٍ لَهُمْ، وَظُلْمٍ لِأَصْحَابِ الْحَقِّ، وَإِذْ حَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ وَالِانْتِفَاعِ بِالْقُرْبِ مِنْ مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ . وَالتَّشْبِيهُ مَقْصُودٌ مِنْهُ التَّعْجِيبُ مِنَ الْمُشَبَّهِ بِأَنَّهُ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْعُجْبِ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ إِلَى الْفُتُونِ الْمَأْخُوذِ مِنْ «فَتَنَّا» كَمَا يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى الْمَصْدَرِ فِي نَحْوِ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، أَيْ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ فُتُونًا يُرَغِّبُ السَّامِعَ فِي تَشْبِيهِهِ وَتَمْثِيلِهِ لِتَقْرِيبِ كُنْهِهِ فَإِذَا رَامَ الْمُتَكَلِّمُ أَنْ يُقَرِّبَهُ لَهُ بِطَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ لَمْ يَجِدْ لَهُ شَبِيهًا فِي غَرَائِبِهِ وَفَظَاعَتِهِ إِلَّا أَنْ يُشَبِّهَهُ بِنَفْسِهِ إِذْ لَا أَعْجَبَ مِنْهُ، عَلَى حدّ قَوْلهم: والسفاعة كَاسْمِهَا. وَلَيْسَ ثَمَّةَ إِشَارَةٍ إِلَى شَيْءٍ مُتَقَدِّمٍ مُغَايِرٍ لِلْمُشَبَّهِ. وَجِيءَ بِاسْمِ إِشَارَةِ الْبَعِيدِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى عِظَمِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ مِثْلِ هَذَا التَّشْبِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٤٣] . وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ الْمَنْصُوبِ الْمُشْرِكُونَ فَهُمُ الْمَفْتُونُونَ، وَبِالْبَعْضِ الْمَجْرُورِ بِالْبَاءِ الْمُؤْمِنُونَ، أَيْ فَتَنَّا عُظَمَاءَ الْمُشْرِكِينَ فِي اسْتِمْرَارِ شِرْكِهِمْ وَشِرْكِ مُقَلِّدِيهِمْ بِحَالِ الْفُقَرَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْخَالِصِينَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا [الْأَنْعَام: ٥٣] فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقُولُهُ غَيْرُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَمَا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي تَذْيِيلِهِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ. وَالْقَوْلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا مِنْهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ كَلَامًا قَالُوهُ فِي مَلَئِهِمْ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُمْ لَا يَقُولُونَهُ إِلَّا وَقَدِ اعْتَقَدُوا مَضْمُونَهُ، فَالْقَائِلُونَ أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْمُشْرِكُونَ. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِيَقُولُوا لَامُ التَّعْلِيلِ، وَمَدْخُولُهَا هُوَ أَثَرُ الْعِلَّةِ دَالٌّ عَلَيْهَا بَعْدَ طَيِّهَا

стр. 2643

عَلَى طَرِيقَةِ الْإِيجَازِ. وَالتَّقْدِيرُ: فَتَنَّاهُمْ لِيَرَوْا لِأَنْفُسِهِمْ شُفُوفًا وَاسْتِحْقَاقًا لِلتَّقَدُّمِ فِي الْفَضَائِلِ اغْتِرَارًا بِحَالِ التَّرَفُّهِ فَيَعْجَبُوا كَيْفَ يُدَّعَى أَنَّ اللَّهَ يَمُنُّ بِالْهُدَى وَالْفَضْلِ عَلَى نَاسٍ يَرَوْنَهُمْ أَحَطَّ مِنْهُم، وَكَيف يعدّونهم دُونَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَهَذَا مِنَ الْغُرُورِ وَالْعُجْبِ الْكَاذِبِ. وَنَظِيرُهُ فِي طَيِّ الْعِلَّةِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ أَثَرِهَا قَوْلُ إِيَاسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطَّائِيِّ: وَأَقْدَمْتُ وَالْخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنَا ... لِأَعْلَمَ مَنْ جَبَانُهَا مِنْ شُجَاعِهَا أَيْ لِيَظْهَرَ الْجَبَانُ وَالشُّجَاعُ فَأَعْلَمَهُمَا. وَالِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعَجُّبِ وَالْإِنْكَارِ، كَمَا هُوَ فِي قَوْلِهِ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا [الْقَمَر: ٢٥] . وَالْإِشَارَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي التَّحْقِيرِ أَوِ التَّعْجِيبِ كَمَا هِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ [٣٦] . وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ لِقَصْدِ تَقْوِيَةِ الْخَبَرِ. وَقَوْلُهُمْ: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَالُوهُ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَمُجَارَاةِ الْخَصْمِ، أَيْ حَيْثُ اعْتَقَدَ الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَحَرَمَ صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ، فَلِذَلِكَ تَعَجَّبَ أُولَئِكَ مِنْ هَذَا الِاعْتِقَادِ، أَيْ كَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى فُقَرَاءٍ وَعَبِيدٍ وَيَتْرُكُ سَادَةَ أَهْلِ الْوَادِي. وَهَذَا كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] . وَهَذِهِ شَنْشَنَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَالطُّغَاةِ. وَقَدْ حَدَثَ بِالْمَدِينَةِ مِثْلُ هَذَا. رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا بَايَعَكَ سُرَّاقُ الْحَجِيجِ مِنْ أَسْلَمَ وَغِفَارٍ وَمُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَتْ أَسْلَمُ وَغِفَارٌ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ خَيْرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ أَخَابُوا وَخَسِرُوا (أَيْ أَخَابَ بَنُو تَمِيمٍ وَمَنْ عُطِفَ عَلَيْهِمْ) فَقَالَ: نعم قَالَ: فو الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ لِخَيْرٌ مِنْهُمْ. وَفِي الْآيَةِ مَعْنًى آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ مُضْمَرًا فِي النَّفْسِ، وَضَمِيرُ لِيَقُولُوا عَائِدًا إِلَى الْمُؤْمِنِينَ الْفُقَرَاءِ، فَيَكُونُوا هُمُ الْبَعْضَ الْمَفْتُونِينَ، وَيَكُونُ الْبَعْضُ الْمَجْرُورُ بِالْبَاءِ صَادِقًا

стр. 2644

عَلَى أَهْلِ النِّعْمَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَتَكُونُ إِشَارَةُ هؤُلاءِ رَاجِعَةً إِلَى عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمَنِّ إِعْطَاءَ الْمَالِ وَحُسْنَ حَالِ الْعَيْشِ، وَيَكُونُ الِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلًا فِي التَّحَيُّرِ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مُعْتَبَرٌ فِيهَا مَا عُرِفُوا بِهِ مِنَ الْإِشْرَاكِ وَسُوءِ الِاعْتِقَادِ فِي اللَّهِ. وَالْمَعْنَى: وَكَذَلِكَ الْفُتُونُ الْوَاقِعُ لِعُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ فُتُونُ الْإِعْجَابِ وَالْكِبْرِيَاءِ حِينَ تَرَفَّعُوا عَنِ الدُّخُولِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الضُّعَفَاءُ وَالْعَبِيدُ مِنْ تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَصُحْبَتِهِ اسْتِكْبَارًا عَنْ مُسَاوَاتِهِمْ، كَذَلِكَ كَانَ فُتُونُ بَعْضٍ آخَرَ وَهُمْ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ حِينَ يُشَاهِدُونَ طِيبَ عَيْشِ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي الدُّنْيَا مَعَ إِشْرَاكِهِمْ بِرَبِّهِمْ فَيَعْجَبُونَ كَيْفَ مَنَّ اللَّهُ بِالرِّزْقِ الْوَاسِعِ عَلَى مَنْ يَكْفُرُونَ بِهِ وَلَمْ يَمُنَّ بِذَلِكَ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَهُمْ أَوْلَى بِنِعْمَةِ رَبِّهِمْ. وَقَدْ أَعْرَضَ الْقُرْآنُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِفَسَادِ هَذَا الْخَاطِرِ النَّفْسَانِيِّ اكْتِفَاءً بِأَنَّهُ سَمَّاهُ فِتْنَةً، فَعُلِمَ أَنَّهُ خَاطِرٌ غَيْرُ حَقٍّ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ مُشِيرٌ إِلَى إِبْطَالِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ. ذَلِكَ بِأَنَّهَا شُبْهَةٌ خَلَطَتْ أَمْرَ شَيْئَيْنِ مُتَفَارِقَيْنِ فِي الْأَسْبَابِ، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الْجَزَاءُ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهِ مِنَ النَّعِيمِ الْخَالِدِ فِي الْآخِرَةِ، الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَرَتُّبَ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ الْمَجْعُولِ عَنْ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بِالرِّزْقِ فِي الدُّنْيَا الْمُتَرَتِّبِ عَلَى أَسْبَابٍ دُنْيَوِيَّةٍ كَالتِّجَارَةِ وَالْغَزْوِ وَالْإِرْثِ وَالْهِبَاتِ. فَالرِّزْقُ الدُّنْيَوِيُّ لَا تَسَبُّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحْوَالِ الْقَلْبِيَّةِ وَلَكِنَّهُ مِنْ مُسَبِّبَاتِ الْأَحْوَالِ الْمَادِّيَّةِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِشُكْرِ الشَّاكِرِينَ، وَقَدْ أَعَدَّ لَهُمْ جَزَاءَ شُكْرِهِمْ، وَأَعْلَمُ بِأَسْبَابِ رِزْقِ الْمَرْزُوقِينَ الْمَحْظُوظِينَ. فَالتَّخْلِيطُ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ مِنْ ضَعْفِ الْفِكْرِ الْعَارِضِ لِلْخَوَاطِرِ الْبَشَرِيَّةِ وَالنَّاشِئِ عَنْ سُوءِ النَّظَرِ وَتَرْكِ التَّأَمُّلِ فِي الْحَقَائِقِ وَفِي الْعِلَلِ وَمَعْلُولَاتِهَا. وَكَثِيرًا مَا عَرَضَتْ لِلْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ شُبَهٌ وَأَغْلَاطٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى صَرَفَتْهُمْ عَنْ تَطَلُّبِ الْأَشْيَاءِ مِنْ مَظَانِّهَا وَقَعَدَتْ بِهِمْ عَنْ رَفْوِ أَخَلَّالِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَوْ غَرَّتْهُمْ بِالتَّفْرِيطِ فِيمَا يَجِبُ الِاسْتِعْدَادُ لَهُ كُلُّ ذَلِكَ لِلتَّخْلِيطِ بَيْنَ الْأَحْوَالِ الدِّينِيَّةِ الْأُخْرَوِيَّةِ وَبَيْنَ السُّنَنِ الْكَوْنِيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَمَا عَرَضَ لِابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ مِنْ حَيْرَةِ الْجَهْلِ فِي قَوْلِهِ: كَمْ عَالِمٍ عَالِمٍ أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ ... وَجَاهِلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوقًا هَذَا الَّذِي تَرَكَ الْأَوْهَامَ حَائِرَةً ... وَصَيَّرَ الْعَالِمَ النِّحْرِيرَ زِنْدِيقًا

стр. 2645

وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ مِمَّنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ قَدِ اهْتَدَوْا وَاسْتَفَاقُوا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تَأَهَّلُوا لِامْتِلَاكِ الْعَالِمِ وَلَاقَوْا. ومَنَّ فِي قَوْلِهِ مِنْ بَيْنِنا ابتدائية. و (بَين) ظَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى التَّوَسُّطِ، أَيْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُخْتَارًا لَهُمْ مِنْ وَسَطِنَا، أَيْ مَنَّ عَلَيْهِم وَتَركنَا، فيؤول إِلَى مَعْنَى مِنْ دُونِنَا. وَقَوْلُهُ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَةِ كُلِّهَا، فَهُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ مِنْ مَقُولِ الْقَوْلِ، وَلِذَلِكَ فُصِّلَ. وَالِاسْتِفْهَامُ تقريري. وعديّ بِأَعْلَمَ بِالْبَاءِ لِأَنَّهُ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ صَارَ قَاصِرًا. وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِالشَّاكِرِينَ مِنْ عِبَادِهِ فَلِذَلِكَ مَنَّ عَلَى الَّذِينَ أَشَارُوا إِلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِمِنَّةِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْفِيقِ. وَمَعْنَى عِلْمُهُ تَعَالَى بِالشَّاكِرِينَ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ جَاءُوا إِلَى الرَّسُولِ ﷺ مُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ بِقَرِيحَةٍ طَالِبِينَ النَّجَاةَ مِنَ الْكُفْرِ رَاغِبِينَ فِي حُسْنِ الْعَاقِبَةِ، فَهُوَ يَلْطُفُ بِهِمْ وَيُسَهِّلُ لَهُمُ الْإِيمَانَ وَيُحَبِّبُهُ إِلَيْهِمْ وَيُزَيِّنُهُ فِي قُلُوبِهِمْ وَيَزِيدُهُمْ يَوْمًا فَيَوْمًا تَمَكُّنًا مِنْهُ وَتَوْفِيقًا وَصَلَاحًا، فَهُوَ أَعْلَمُ بِقُلُوبِهِمْ وَصِدْقِهِمْ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أَنَّ رَثَاثَةَ حَالِ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ تُطَابِقُ حَالَةَ قُلُوبِهِمْ فِي الْإِيمَانِ فَيَأْخُذُونَ النَّاسَ بِبَزَّاتِهِمْ دُونَ نِيَّاتِهِمْ. فَهَذَا التَّذْيِيلُ نَاظِرٌ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ [الْأَنْعَام: ٣٦] . وَقَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ أَنَّهُ أَيْضًا أَعْلَمُ بِأَضْدَادِهِمْ. ضِدُّ الشُّكْرِ هُوَ الْكُفْرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [إِبْرَاهِيم: ٧] فَهُوَ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ يَأْتُونَ الرَّسُولَ- ﵊ مُسْتَهْزِئِينَ مُتَكَبِّرِينَ لَا هَمَّ لَهُمْ إِلَّا تَحْقِيرُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَقَدِ اسْتَفْرَغُوا وُسْعَهُمْ وَلُبَّهُمْ فِي مُجَادَلَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَتَضْلِيلِ الدَّهْمَاءِ فِي حَقِيقَةِ الدِّينِ. فَفِي الْكَلَامِ تَعْرِيض بالمشركين. [٥٤] [سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٥٤] وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [الْأَنْعَام: ٥٢] وَهُوَ ارْتِقَاءٌ فِي إِكْرَامِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. فَهُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا.

стр. 2646

وَمَعْنَى يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا أَنَّهُمْ يُوقِنُونَ بِأَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَاتٍ جَمَّةً. فَهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا نَزَلَ مِنَ الْآيَاتِ وَبِخَاصَّةٍ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَهُوَ مِنَ الْآيَاتِ، قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ [العنكبوت: ٥١] . وَقَوْلُهُ: فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ قِيلَ: مَعْنَاهُ حَيِّهِمْ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ كَلِمَةُ (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) ، وَقِيلَ: أَبْلِغْهُمُ السَّلَامَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَكْرِمَةً لَهُمْ لِمُضَادَّةِ طَلَبِ الْمُشْرِكِينَ طَرْدَهُمْ. وَقَدْ أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ كَرَامَتَيْنِ الْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِالسَّلَامِ حِينَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ وَهِيَ مَزِيَّةٌ لَهُمْ، لِأَنَّ شَأْنَ السَّلَامِ أَنَّ يَبْتَدِئَهُ الدَّاخِلُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ مَعَهُمْ كُلَّمَا أُدْخِلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلْمَرَّةِ الَّتِي يُبَلِّغُهُمْ فِيهَا هَذِهِ الْبِشَارَةَ، فَنَزَلَ هُوَ مَنْزِلَةَ الْقَادِمِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ زَفَّ إِلَيْهِمْ هَذِهِ الْبُشْرَى. وَالْكَرَامَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ بِشَارَتُهُمْ بِرِضَى اللَّهِ عَنْهُمْ بِأَنْ غَفَرَ لَهُمْ مَا يَعْمَلُونَ مِنْ سُوءٍ إِذَا تَابُوا مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحُوا. وَهَذَا الْخَبَرُ وَإِنْ كَانَ يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا، فَكَانَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ فِي وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ تَكْرِمَةً لَهُمْ لِيَكُونُوا مَيْمُونِيَ النَّقِيبَةِ عَلَى بَقِيَّةِ إِخْوَانِهِمْ وَالَّذِينَ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ. وَالسَّلَامُ: الْأَمَانُ، كَلِمَةٌ قَالَتْهَا الْعَرَبُ عِنْدَ لِقَاءِ الْمَرْءِ بِغَيْرِهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ مُسَالِمٌ لَا مُحَارِبٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ دِمَاءٌ وَتِرَاتٌ وَكَانُوا يَثْأَرُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلَوْ بِغَيْرِ الْمُعْتَدِي مِنْ قَبِيلَتِهِ، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا لَقِيَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبِيلَتِهِ إِحَنٌ وَحَفَائِظُ فَيُؤَمِّنُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِقَوْلِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَوْ سَلَامٌ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ حَكَاهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ- ﵇ ثُمَّ شَاعَ هَذَا اللَّفْظُ فَصَارَ مُسْتَعْمَلًا فِي التَّكْرِمَةِ. وَمَصْدَرُ سَلَّمَ التَّسْلِيمُ. وَالسَّلَامُ اسْمُ مَصْدَرٍ، وَهُوَ يَأْتِي فِي الِاسْتِعْمَالِ مُنَكَّرًا مَرْفُوعًا وَمَنْصُوبًا وَمُعَرَّفًا بِاللَّامِ مَرْفُوعًا لَا غَيْرَ. فَأَمَّا تَنْكِيرُهُ مَعَ الرَّفْعِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَهُوَ عَلَى اعْتِبَارِهِ اسْمًا بِمَعْنَى الْأَمَانِ، وَسَاغَ الِابْتِدَاءُ بِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ النَّوْعِيَّةُ لَا فَرْدٌ مُعَيَّنٌ. وَإِنَّمَا لَمْ يُقَدَّمِ الْخَبَرُ لِاهْتِمَامِ الْقَادِمِ بِإِدْخَالِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي نَفْسِ الْمَقْدُومِ عَلَيْهِ، أَنَّهُ طَارِقُ خَيْرٍ لَا طَارِقُ شَرٍّ. فَهُوَ مِنَ التَّقْدِيمِ لِضَرْبٍ مِنَ التَّفَاؤُلِ. وَأَمَّا تَعْرِيفُهُ مَعَ الرَّفْعِ فَلِدُخُولِ لَامِ تَعْرِيفِ الْجِنْسِ عَلَيْهِ.

стр. 2647

وَكَلِمَةُ (عَلَى) فِي الْحَالَتَيْنِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَمَكُّنِ التَّلَبُّسِ بِالْأَمَانِ، أَيِ الْأَمَانُ مُسْتَقَرٌّ مِنْكُمْ مُتَلَبِّسٌ بِكُمْ، أَيْ لَا تَخَفْ. وَأَمَّا إِنْ نَصَبُوا مَعَ التَّنْكِيرِ فَعَلَى اعْتِبَارِهِ كَمَصْدَرِ سَلَّمَ، فَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَتَى بَدَلًا مِنْ فِعْلِهِ. تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْتُ سَلَامًا، فَلِذَلِكَ لَا يُؤْتَى مَعَهُ بِ (عَلَى) . ثُمَّ أَنَّهُمْ يَرْفَعُونَهُ أَيْضًا عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ فَلَا يَأْتُونَ مَعَهُ بِ (عَلَى) لِقَصْدِ الدَّلَالَةِ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِالرَّفْعِ، لِأَنَّهُ يَقْطَعُ عَنْهُ اعْتِبَارَ الْبَدَلِيَّةِ عَنِ الْفِعْلِ وَلِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مُبْتَدَأٍ، أَيْ أَمْرُكُمْ سَلَامٌ، عَلَى حَدِّ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يُوسُف: ١٨] . وَالرَّفْعُ أَقْوَى، وَلِذَلِكَ قِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ رَدَّ تَحِيَّةً أَحْسَنَ مِنْ تَحِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا حُكِيَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [هود: ٦٩] . وَقَدْ وَرَدَ فِي رَدِّ السَّلَامِ أَنْ يَكُونَ بِمِثْلِ كَلِمَةِ السَّلَامِ الْأَوْلَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً [الْوَاقِعَة: ٢٦] وَوَرَدَ بِالتَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ فَيَنْبَغِي جَعْلُ الرَّدِّ أَحْسَنَ دَلَالَةً. فَأَمَّا التَّعْرِيفُ وَالتَّنْكِيرُ فَهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ. وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ عِيسَى وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ [مَرْيَم: ١٥] وَجَاءَ أَنَّهُ قَالَ: وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ [مَرْيَم: ٣٣] . وَجُمْلَةُ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا وَهِيَ أَوَّلُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْمَقُولِ، وَأَمَّا السَّلَامُ فَمُقَدِّمَةٌ لِلْكَلَامِ. وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ تَكُونَ كَلَامًا ثَانِيًا. وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ [١٢] . فَقَوْلُهُ هُنَا كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ إِلَخ. وَقَوْلُهُ: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ قَرَأَهُ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَيَعْقُوبُ- بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ- عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الرَّحْمَةَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ، لِأَنَّ الرَّحْمَةَ الْعَامَّةَ تَشْتَمِلُ عَلَى غُفْرَانِ ذَنْبِ مَنْ عَمِلَ ذَنْبًا ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ- بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ- عَلَى أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِجَوَابِ سُؤَالٍ مُتَوَقَّعٍ عَنْ مَبْلَغِ الرَّحْمَةِ

стр. 2648

(وَمَنْ) شَرْطِيَّةٌ، وَهِيَ أَدَلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ مِنَ الْمَوْصُولَةِ. وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِجَهالَةٍ لِلْمُلَابَسَةِ، أَيْ مُلْتَبِسًا بِجَهَالَةٍ. وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ عَمِلَ. وَالْجَهَالَةُ تُطْلَقُ عَلَى انْتِفَاءِ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ مَا. وَتُطْلَقُ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْحِلْمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [١٧] . وَالْمُنَاسِبُ هُنَا هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي، أَيْ مَنْ عَمِلَ سُوءًا عَنْ حَمَاقَةٍ مِنْ نَفْسِهِ وَسَفَاهَةٍ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَأْتِي السَّيِّئَاتِ إِلَّا عَنْ غَلَبَةِ هَوَاهُ رُشْدَهُ وَنُهَاهُ. وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الرَّحْمَةِ. وَأَمَّا حَمْلُ الْجَهَالَةِ عَلَى مَعْنَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَاهِلَ بِالذَّنْبِ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ، فَلَا قُوَّةَ لِتَفْرِيعِ قَوْلِهِ: ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ عَلَيْهِ، إِلَّا إِذَا أُرِيدَ ثُمَّ تَفَطَّنَ إِلَى أَنَّهُ عَمِلَ سُوءًا. وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: مِنْ بَعْدِهِ عَائِدٌ إِلَى سُوءاً أَيْ بَعْدَ السُّوءِ، أَيْ بَعْدَ عَمَلِهِ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ عَائِدًا إِلَى الْمَصْدَرِ الْمَضْمُونِ فِي (عَمَلِ) مِثْلِ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [الْمَائِدَة: ٨] . وَمَعْنَى أَصْلَحَ صَيَّرَ نَفْسَهُ صَالِحَةً، أَوْ أَصْلَحَ عَمَلَهُ بَعْدَ أَنْ أَسَاءَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ [٣٩] . وَعِنْدَ قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٦٠] . وَجُمْلَةُ: فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ دَلِيلُ جَوَابِ الشَّرْطِ، أَيْ هُوَ شَدِيدُ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ. وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنِ الْمَغْفِرَةِ لِهَذَا التَّائِبِ الْمُصْلِحِ. وَقَرَأَهُ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَخَلَفٌ- بِكَسْرِ هَمْزَةِ- فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ عَلَى أنّ الْجُمْلَة موكّدة بإن فَيُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِمَنْ تَابَ لِأَنَّهُ كَثِيرُ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَيَعْقُوبُ فَأَنَّهُ- بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ- عَلَى أَنَّهَا (أَنَّ) الْمَفْتُوحَةُ أُخْتُ (إِنَّ) ، فَيَكُونُ مَا بعْدهَا مؤوّلا بِمَصْدَرٍ. وَالتَّقْدِيرُ: فَغُفْرَانُهُ وَرَحْمَتُهُ. وَهَذَا جُزْءُ جُمْلَةٍ يَلْزَمُهُ تَقْدِيرُ خَبَرٍ، أَيْ لَهُ، أَيْ ثَابِتٌ لِمَنْ عَمِلَ سُوءًا ثمَّ تَابَ. [٥٥] [سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٥٥] وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ

стр. 2649

(٥٥) الْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الْأَنْعَام: ٥٣] . وَالْجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِلْكَلَامِ الَّذِي مَضَى مُبْتَدَئًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ [الْأَنْعَام: ٥١] . وَالتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ وَالتَّوْضِيحُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْفَصْلِ، وَهُوَ تُفَرُّقُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ. وَلَمَّا كَانَتِ الْأَشْيَاءُ الْمُخْتَلِطَةُ إِذَا فُصِّلَتْ يَتَبَيَّنُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ أُطْلِقَ التَّفْصِيلُ عَلَى التَّبْيِينِ بِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ، وَشَاعَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ حَقِيقَةً، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَيْضًا تَسْمِيَةُ الْإِيضَاحِ تَبْيِينًا وَإِبَانَةً، فَإِنَّ أَصْلَ الْإِبَانَةِ الْقَطْعُ. وَالْمُرَادُ بِالتَّفْصِيلِ الْإِيضَاحُ، أَيِ الْإِتْيَانُ بِالْآيَاتِ الْوَاضِحَة الدّلَالَة عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْهَا. وَالْآيَاتُ: آيَاتُ الْقُرْآنِ. وَالْمَعْنَى نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَنُبَيِّنُهَا تَفْصِيلًا مِثْلَ هَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي لَا فَوْقَهُ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ يَحْصُلُ بِهِ عِلْمُ الْمُرَادِ مِنْهَا بَيِّنًا. وَقَوْلُهُ: وَلِتَسْتَبِينَ عَطْفٌ عَلَى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِأَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ التَّفْصِيلُ الْبَالِغُ غَايَةَ الْبَيَانِ، فَيُعْلَمُ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ اتِّضَاحُ الْعِلْمِ لِلرَّسُولِ. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِشَيْءٍ يُنَاسِبُهُ وَهُوَ تَبَيُّنُ الرَّسُولِ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ، فَصَحَّ أَنْ تُعْطَفَ عَلَيْهِ عِلَّةٌ أُخْرَى مِنْ عِلْمِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَهِيَ اسْتِبَانَتُهُ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ. فَالتَّقْدِيرُ مَثَلًا: وَكَذَلِكَ التَّفْصِيلُ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِتَعْلَمَ بِتَفْصِيلِهَا كُنْهَهَا، وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ، فَفِي الْكَلَامِ إِيجَازُ الْحَذْفِ. وَهَكَذَا كُلَّمَا كَانَ اسْتِعْمَالُ (كَذَلِكَ) نَفْعَلُ بَعْدَ ذِكْرِ أَفْعَالٍ عَظِيمَةٍ صَالِحًا الْفِعْلُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ الْإِشَارَةِ لِأَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِأَمْرٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعَلَّلَ بِمِثْلِهِ صَحَّ أَنْ تُعْطَفَ عَلَيْهِ عِلَّةٌ أُخْرَى كَمَا هُنَا، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الْأَنْعَام: ٧٥] بِخِلَافِ مَا لَا يَصْلُحُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ إِذَا أُرِيدَ ذِكْرُ عِلَّةٍ بَعْدَهُ ذُكِرَتْ بِدُونِ عَطْفٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [الْبَقَرَة: ١٤٣] . وسَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ طَرِيقَهُمْ وَسِيرَتَهُمْ فِي الظُّلْمِ وَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَاحْتِقَارِ النَّاسِ وَالتَّصَلُّبِ فِي الْكُفْرِ.

стр. 2650

وَالْمُجْرِمُونَ هُمُ الْمُشْرِكُونَ. وُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّهُمُ الْمُرَادُ وَلِإِجْرَاءِ وَصْفِ الْإِجْرَامِ عَلَيْهِمْ. وَخَصَّ الْمُجْرِمِينَ لِأَنَّهُمُ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا لِإِيضَاحِ خَفِيِّ أَحْوَالِهِمْ لِلنَّبِيءِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ. وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ- بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ فِي أَوَّلِ الْفِعْلِ- عَلَى أَنَّهَا تَاءُ خِطَابٍ. وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ، وَخَلَفٌ- بِيَاءِ الْغَائِبِ-، ثُمَّ إِنَّ نَافِعًا، وَأَبَا جَعْفَرٍ قَرَأَ سَبِيلَ- بِفَتْحِ اللَّامِ- عَلَى أنّه مفعول لِتَسْتَبِينَ فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلطَّلَبِ. وَقَرَأَهُ الْبَقِيَّةُ- بِرَفْعِ اللَّامِ- عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ «يَسْتَبِينَ» أَوْ «تَسْتَبِينَ» . فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لَيْسَا لِلطَّلَبِ بَلْ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلُ اسْتَجَابَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَفْص، على عَاصِمٍ- بِرَفْعٍ- سَبِيلُ عَلَى أَنَّ تَاءَ الْمُضَارَعَةِ تَاءُ الْمُؤَنَّثَةِ. لِأَنَّ السَّبِيلَ مُؤَنَّثَةٌ فِي لُغَةِ عَرَبِ الْحِجَازِ، وَعَلَى أَنَّهُ مِنِ اسْتَبَانَ الْقَاصِرُ بِمَعْنَى بَانَ فَ سَبِيلُ فَاعل لِتَسْتَبِينَ، أَيْ لِتَتَّضِحَ سَبِيلُهُمْ لَك وَلِلْمُؤْمنِينَ. [٥٦] [سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٥٦] قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ عَادَ بِهِ الْكَلَامُ إِلَى إبِْطَال الشّرك بالتبري مِنْ عِبَادَةِ أَصْنَامِهِمْ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ أَبْطَلَ إِلَهِيَّةَ الْأَصْنَامِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ قَوْلِهِ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا [الْأَنْعَام: ١٤] الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ [الْأَنْعَام: ٤٠] الْآيَةَ وَقَوْلِهِ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ [الْأَنْعَام: ٤٦] الْآيَةَ. جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى لِإِبْطَالِ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ نَهَى رَسُولَهُ- ﵊ عَنْ عِبَادَتِهَا وَعَنِ اتِّبَاعِ أَهْوَاءٍ عَبَدَتِهَا.

стр. 2651

وَبُنِيَ نُهِيتُ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذِكْرِ الْفَاعِلِ لِظُهُورِ الْمُرَادِ، أَيْ نَهَانِي اللَّهُ. وَهُوَ يَتَعَدَّى بِحَرْفِ (عَن) فَحذف الْحَرْف حَذْفًا مُطَّرِدًا مَعَ (أَنْ) . وَأُجْرِيَ عَلَى الْأَصْنَامِ اسْمُ الْمَوْصُولِ الْمَوْضُوعُ لِلْعُقَلَاءِ لِأَنَّهُمْ عَامَلُوهُمْ مُعَامَلَةَ الْعُقَلَاءِ فَأَتَى لَهُمْ بِمَا يَحْكِي اعْتِقَادَهُمْ، أَوْ لِأَنَّهُمْ عَبَدُوا الْجِنَّ وَبَعْضَ الْبَشَرِ فَغُلِّبَ الْعُقَلَاءُ مِنْ مَعْبُودَاتِهِمْ. وَمَعْنَى تَدْعُونَ تَعْبُدُونَ وَتَلْجَئُونَ إِلَيْهِمْ فِي الْمُهِمَّاتِ، أَيْ تَدْعُونَهُمْ. ومِنْ دُونِ اللَّهِ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ الْمَحْذُوفِ، فَعَامِلُهُ تَدْعُونَ. وَهُوَ حِكَايَةٌ لِمَا غَلَبَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَدُعَائِهِمْ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ، حَتَّى كَأَنَّهُمْ عَبَدُوهُمْ دُونَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانُوا إِنَّمَا أَشْرَكُوهُمْ بِالْعِبَادَةِ مَعَ اللَّهِ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ. وَفِيهِ نِدَاءٌ عَلَيْهِمْ بِاضْطِرَابِ عَقِيدَتِهِمْ إِذْ أَشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ فِي الْعِبَادَةِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّونَهَا مَعَ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَالِكُ الْأَصْنَامِ وَجَاعِلُهَا شُفَعَاءَ لَكِنَّ ذَلِكَ كَالْعَدَمِ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ تَوَجَّهُوا بِهَا إِلَى الْأَصْنَامِ قَدِ اعْتَدَوْا بِهَا عَلَى حَقِّ اللَّهِ فِي أَنْ يَصْرِفُوهَا إِلَيْهِ. وَجُمْلَةُ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ اسْتِئْنَافٌ آخَرُ ابْتِدَائِيٌّ، وَقَدْ عُدِلَ عَنِ الْعَطْفِ إِلَى الِاسْتِئْنَافِ لِيَكُونَ غَرَضًا مُسْتَقِلًّا. وَأُعِيدَ الْأَمْرُ بِالْقَوْلِ زِيَادَةً فِي الِاهْتِمَامِ بِالِاسْتِئْنَافِ وَاسْتِقْلَالِهِ لِيَكُونَ هَذَا النَّفْيُ شَامِلًا لِلِاتِّبَاعِ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَفِي غَيْرِهَا مِنْ ضَلَالَتِهِمْ كَطَلَبِ طَرْدِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مَجْلِسِهِ. وَالْأَهْوَاءُ جَمْعُ هَوًى، وَهُوَ الْمَحَبَّةُ الْمُفْرِطَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٢٠] . وَإِنَّمَا قَالَ: لَا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ دُونَ لَا أَتْبَعُكُمْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمْ فِي دِينِهِمْ تَابِعُونَ لِلْهَوَى نَابِذُونَ لِدَلِيلِ الْعَقْلِ. وَفِي هَذَا تَجْهِيلٌ لَهُمْ فِي إِقَامَةِ دِينِهِمْ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ مَتِينٍ. وَجُمْلَةُ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً جَوَابٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ إِنِ اتّبعت أهواءكم إِذن قَدْ ضَلَلْتُ. وَكَذَلِكَ موقع (إِذن) حِينَ تَدْخُلُ عَلَى فِعْلٍ غَيْرِ مُسْتَقْبَلٍ فَإِنَّهَا تَكُونُ حِينَئِذٍ جَوَابًا لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ مَشْرُوطٍ بِ (إِنَّ) أَوْ (لَوْ) مُصَرَّحٍ بِهِ تَارَةً، كَقَوْلِ كُثَيِّرٍ:

стр. 2652

لَئِنْ عَادَ لِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بِمِثْلِهَا ... وَأَمْكَنَنِي مِنْهَا إِذَنْ لَا أُقِيلُهَا وَمُقَدَّرٍ أُخْرَى كَهَذِهِ الْآيَةِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩١] . وَتَقْدِيم جَوَاب (إِذن) على (إِذن) فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْجَوَابِ. وَلِذَلِكَ الِاهْتِمَامُ أُكِّدَ بِ قَدْ مَعَ كَوْنِهِ مَفْرُوضًا وَلَيْسَ بِوَاقِعٍ، لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ وُقُوعَهُ مُحَقَّقٌ لَوْ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ الْمُقَدَّرُ الَّذِي دلّت عَلَيْهِ (إِذن) . وَقَوْلُهُ: وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ عُطِفَ عَلَى قَدْ ضَلَلْتُ، عُطِفَ عَلَيْهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ جَزَاءٌ آخَرُ لِلشَّرْطِ الْمُقَدَّرِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ حَالِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا الْآنَ مِنْ كَوْنِهِ فِي عِدَادِ الْمُهْتَدِينَ إِلَى الْكَوْنِ فِي حَالَةِ الضَّلَالِ، وَأَفَادَ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ قَدْ ضَلَلْتُ لِأَنَّهُ نَفَى عَنْ نَفْسِهِ ضِدَّ الضَّلَالِ فَتَقَرَّرَتْ حَقِيقَةُ الضَّلَالِ عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ. وَتَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ قَدِ اهْتَدَيْتُ إِلَيْهَا وَنَبَّهْتُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ [١٤٠] . وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى [طه: ٧٩] . وَقَدْ أُتِيَ بِالْخَبَرِ بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فَقِيلَ: مِنَ الْمُهْتَدِينَ وَلَمْ يَقُلْ: وَمَا أَنَا مُهْتَدٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ الْجُمْلَةِ الَّتِي خَبَرُهَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، فَإِنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْمُهْتَدِينَ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، فَإِخْبَارُ الْمُتَكَلِّمِ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ مِنَ الْمُهْتَدِينَ يُفِيدُ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْفِئَةِ الَّتِي تُعْرَفُ عِنْدَ النَّاسِ بِفِئَةِ الْمُهْتَدِينَ، فَيُفِيدُ أَنَّهُ مُهْتَدٍ إِفَادَةً بِطَرِيقَةٍ تُشْبِهُ طَرِيقَةَ الِاسْتِدْلَالِ. فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْكِنَايَةِ الَّتِي هِيَ إِثْبَاتُ الشَّيْءِ بِإِثْبَاتِ مَلْزُومِهِ. وَهِيَ أَبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ [الشُّعَرَاء: ١٦٨] : قَوْلُكَ فُلَانٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِكَ: فُلَانٌ عَالِمٌ، لِأَنَّكَ تَشْهَدُ لَهُ بِكَوْنِهِ مَعْدُودًا فِي زُمْرَتِهِمْ وَمَعْرُوفَةً مُسَاهَمَتُهُ لَهُمْ فِي الْعِلْمِ. وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [١٣٦] . فَإِن قلت لوقيل: أَوَعَظْتَ أَوْ لَمْ تَعِظْ، كَانَ أَخْصَرَ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. قُلْتُ:

стр. 2653

لَيْسَ الْمَعْنَى بِوَاحِدٍ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَفَعَلْتَ هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ الْوَعْظُ أَمْ لَمْ تَكُنْ أَصْلًا مِنْ أَهْلِهِ وَمُبَاشَرَتِهِ، فَهُوَ أَبْلَغُ فِي قِلَّةِ الِاعْتِدَادِ بِوَعْظِهِ مِنْ قَوْلِهِ: أَمْ لَمْ تَعِظْ. وَقَالَ الْخَفَاجِيُّ إِنَّ أَصْلَ هَذَا لِابْنِ جِنِّي. وَلِهَذَا كَانَ نَفْيُ هَذَا الْخَبَرِ مُفِيدًا نَفْيَ هَذِهِ النِّسْبَةَ الْكِنَائِيَّةَ فَكَانَتْ أَبْلَغِيَّتُهُ فِي النَّفْيِ كَأَبْلَغِيَّتِهِ فِي الْإِثْبَاتِ، لِأَنَّ الْمُفَادَ الْكِنَائِيَّ هُوَ هُوَ. وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ فِي «الْكَشَّافِ» بِقَوْلِهِ: «وَمَا أَنَا مِنَ الْهُدَى فِي شَيْءٍ» . وَلَمْ يَتَفَطَّنْ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ بَعْضُ النَّاظِرِينَ نَقَلَهُ عَنْهُ الطِّيبِيُّ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُكَ: هُوَ مِنَ الْمُهْتَدِينَ، مُفِيدًا فِي الْإِثْبَاتِ أَنَّ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ حُظُوظًا عَظِيمَةً فِي الْهُدَى فَهُوَ فِي النَّفْيِ يُوجِبُ أَنْ تُنْفَى عَنْهُ الْحُظُوظُ الْكَثِيرَةُ، وَذَلِكَ يَصْدُقُ بِأَنْ يَبْقَى لَهُ حظّ قَلِيل. وَهَذَا سَفْسَطَةٌ خَفِيَتْ عَنْ قَائِلِهَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَصِحُّ إِفَادَةُ النَّفْيِ ذَلِكَ لَوْ كَانَتْ دَلَالَةُ الْمُثْبَتِ بِوَاسِطَةِ الْقُيُودِ اللَّفْظِيَّةِ، فَأَمَّا وَهِيَ بِطَرِيقِ التَّكْنِيَةِ فَهِيَ مُلَازِمَةٌ لِلَّفْظِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا لِأَنَّهَا دَلَالَةٌ عَقْلِيَّةٌ لَا لَفْظِيَّةٌ. وَلذَا قَالَ التفتازانيّ: «هُوَ مِنْ قَبِيلِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ لَا نَفْيِ التَّأْكِيدِ» فَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ قَدِ انْسَلَخَ عَنْ هَذِهِ الزُّمْرَةِ الَّتِي كَانَ مَعْدُودًا مِنْهَا وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ مُطْلَقِ الِاتِّصَافِ بِعَدَمِ الْهُدَى لِأَنَّ مُفَارَقَةَ الْمَرْءِ فِئَتَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْهَا أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنِ اتِّصَافِهِ بِمَا يُخَالِفُ صِفَاتِهِمْ قَبْلَ الِاتِّصَالِ بِهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٦٧] ، وَأَحَلْنَا بَسْطَهُ عَلَى هَذَا الْموضع. [٥٧] [سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٥٧] قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ الْكَلَامُ مِنْ إِبْطَالِ الشِّرْكِ بِدَلِيلِ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ الْمُؤَيِّدِ لِلْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ إِلَى إِثْبَاتِ صِدْقِ الرِّسَالَةِ بِدَلِيلٍ مِنَ اللَّهِ مُؤَيِّدٍ لِلْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ أَيْضًا، لِيَيْأَسُوا مِنْ مُحَاوَلَةِ إِرْجَاعِ الرَّسُولِ- ﵊ عَنْ دَعْوَتِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَتَشْكِيكِهِ فِي وَحْيِهِ بِقَوْلِهِمْ: سَاحِرٌ، مَجْنُونٌ، شَاعِرٌ، أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَلِيَيْأَسُوا

стр. 2654

أَيْضًا مِنْ إِدْخَالِ الشَّكِّ عَلَيْهِ فِي صِدْقِ إِيمَانِ أَصْحَابِهِ، وَإِلْقَاءِ الْوَحْشَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ بِمَا حَاوَلُوا مِنْ طَرْدِهِ أَصْحَابَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ حِينَ حُضُورِ خُصُومِهِ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ إِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ لَا يَتَزَعْزَعُ. وَعُطِفَ عَلَى ذَلِكَ جَوَابٌ عَنْ شُبْهَةِ اسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى تَكْذِيبِ الْوَعِيدِ بِمَا حَلَّ بِالْأُمَمِ مِنْ قَبْلِهِمْ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صِدْقًا لَعُجِّلَ لَهُمُ الْعَذَابُ، فَقَدْ كَانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الْأَنْفَال: ٣٢] وَيَقُولُونَ: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ [ص: ١٦] ، فَقَالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ : قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الْأَنْعَام: ٥٨] ، وَأَكَّدَ الْجُمْلَةَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِأَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ. وَإِعَادَةُ الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ لِتَكْرِيرِ الِاهْتِمَامِ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ [الْأَنْعَام: ٤٠] . وَالْبَيِّنَةُ فِي الْأَصْلِ وَصْفٌ مُؤَنَّثُ بَيِّنٍ، أَيِ الْوَاضِحَةُ، فَهِيَ صِفَةٌ جَرَتْ عَلَى مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ لِلْعِلْمِ بِهِ فِي الْكَلَامِ، أَيْ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ أَوْ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ. ثُمَّ شَاعَ إِطْلَاقُ هَذَا الْوَصْفِ فَصَارَ اسْمًا لِلْحُجَّةِ الْمُثْبِتَةِ لِلْحَقِّ الَّتِي لَا يَعْتَرِيهَا شَكٌّ، وَلِلدَّلَالَةِ الْوَاضِحَةِ، وَلِلْمُعْجِزَةِ أَيْضًا، فَهِيَ هُنَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ الْبَيِّنَةِ، أَيِ الْيَقِينِ. وَهُوَ أَنْسَبُ بِ عَلى الدَّالَّةِ عَلَى التَّمَكُّنِ، كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ عَلَى بَصِيرَةٍ، أَيْ أَنِّي مُتَمَكِّنٌ مِنَ الْيَقِينِ فِي أَمْرِ الْوَحْيِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبَيِّنَةِ الْقُرْآنَ، وَتَكُونَ (عَلَى) مُسْتَعْمَلَةً فِي الْمُلَازَمَةِ مَجَازًا مُرْسَلًا لِأَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ يَسْتَلْزِمُ الْمُلَازَمَةَ، أَيْ أَنِّي لَا أُخَالِفُ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ. ومِنْ رَبِّي صِفَةٌ لِ بَيِّنَةٍ يُفِيدُ تعظيمها وكمالها. و (من) ابْتِدَائِيَّةٌ، أَيْ بَيِّنَةٍ جَائِيَةٍ إِلَيَّ مِنْ رَبِّي، وَهِيَ الْأَدِلَّةُ الَّتِي أَوْحَاهَا اللَّهُ إِلَيْهِ وَجَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ وَغَيْرُهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مِنَ) اتِّصَالِيَّةً، أَيْ عَلَى يَقِينٍ مُتَّصِلٍ بِرَبِّي، أَيْ بِمَعْرِفَتِهِ تَوْحِيدَهُ، أَيْ فَلَا أَتَرَدَّدُ فِي ذَلِكَ فَلَا تَطْمَعُوا فِي صَرْفِي عَنْ ذَلِكَ، أَيْ أَنِّي آمَنْتُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ دَلَّتْ عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ دَلَائِلُ خَلْقِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَأَنَا مُوقِنٌ بِمَا آمَنْتُ بِهِ لَا يَتَطَرَّقُنِي شَكٌّ. وَهَذَا حِينَئِذٍ

стр. 2655

مَسُوقٌ مَسَاقَ التَّعْرِيضِ بِالْمُشْرِكِينَ فِي أَنَّهُمْ عَلَى اضْطِرَابٍ مِنْ أَمْرِ آلِهَتِهِمْ وَعَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ. وَجُمْلَةُ وَكَذَّبْتُمْ بِهِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ بَيِّنَةٍ. وَهِيَ تُفِيدُ التَّعَجُّبَ مِنْهُمْ أَنْ كَذَّبُوا بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةِ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، أَيْ أَنَا عَلَى بَيِّنَةٍ وَأَنْتُمْ كَذَّبْتُمْ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَاتُ فَشَتَّانَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: بِهِ يَعُودُ إِلَى الْبَيِّنَةِ بِاعْتِبَارِ تَأْوِيلِهَا بِالْبَيَانِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَا صَدَّقَهَا الْيَقِينُ أَوِ الْقُرْآنُ عَلَى وَجْهٍ جَعَلَ (مِنِ) ابْتِدَائِيَّةً، أَيْ وَكَذَّبْتُمْ بِالْيَقِينِ مُكَابَرَةً وَعِنَادًا، وَيَعُودُ إِلَى رَبِّي عَلَى وَجْهٍ جَعَلَ (مِنِ) اتِّصَالِيَّةً، أَيْ كُنْتُ أَنَا عَلَى يَقِينٍ فِي شَأْنِ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَعَ أَنَّ دَلَائِلَ تَوْحِيدِهِ بَيِّنَةٌ وَاضِحَةٌ. وَيَعُودُ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ فِي الْكَلَامِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ لِشُهْرَةِ التَّدَاوُلِ بَيْنَهُمْ فِي شَأْنِهِ فَإِذَا أُطْلِقَ ضَمِيرُ الْغَائِبِ انْصَرَفَ إِلَيْهِ بِالْقَرِينَةِ. وَالْبَاءُ الَّتِي عُدِّيَ بِهَا فِعْلُ كَذَّبْتُمْ هِيَ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ مَعْنَى الْفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [الْمَائِدَة: ٦] . فَلِذَلِكَ يَدُلُّ فِعْلُ التَّكْذِيبِ إِذَا عُدِّيَ بِالْبَاءِ عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ، أَيِ التَّكْذِيبِ الْقَوِيِّ. وَلَعَلَّ الِاسْتِعْمَالَ أَنَّهُمْ لَا يُعَدُّونَ فِعْلَ التَّكْذِيبِ بِالْبَاءِ إِلَّا إِذَا أُرِيدَ تَكْذِيبُ حُجَّةٍ أَوْ بُرْهَانٍ مِمَّا يُحْسَبُ سَبَبَ تَصْدِيقٍ، فَلَا يُقَالُ: كَذَّبْتُ بِفُلَانٍ، بَلْ يُقَالُ: كَذَّبْتُ فُلَانًا قَالَ تَعَالَى: لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ [الْفرْقَان: ٣٧] وَقَالَ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ [الْقَمَر: ٢٣] . وَالْمَعْنَى التَّعْرِيضِيُّ بِهِمْ فِي شَأْنِ اعْتِقَادِهِمْ فِي آلِهَتِهِمْ بَاقٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. وَقَوْلُهُ: مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ حَالَهُمْ فِي الْإِصْرَارِ عَلَى التَّكْذِيبِ مِمَّا يَزِيدُهُمْ عِنَادًا عِنْدَ سَمَاعِ تَسْفِيهِ أَحْلَامِهِمْ وَتَنَقُّصِ عَقَائِدِهِمْ فَكَانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ قَوْلُكَ حَقًّا فَأَيْنَ الْوَعِيدُ الَّذِي تَوَعَّدْتَنَا. فَإِنَّهُمْ قَالُوا: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الْأَنْفَال: ٣٢] وَقَالُوا: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً [الْإِسْرَاء: ٩٢] فَأُمِرَ بِأَنْ يُجِيبَ أَنْ يَقُولَ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ.

стр. 2656

وَالِاسْتِعْجَالُ طَلَبُ التَّعْجِيلِ بِشَيْءٍ، فَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ تَعْجِيلُ شَيْءٍ. فَإِذَا أُرِيدَ ذِكْرُ الْأَمْرِ الْمُعَجَّلِ عُدِّيَ إِلَيْهِ بِالْبَاءِ. وَالْبَاءُ فِيهِ لِلتَّعَدِّيَةِ. وَالْمَفْعُولُ هُنَا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: مَا عِنْدِي. وَالتَّقْدِيرُ: تَسْتَعْجِلُونَنِي بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النَّحْل: ١] فَالْأَظْهَرُ أَنَّ ضَمِيرُ الْغَائِبِ عَائِدٌ لِاسْمِ الْجَلَالَةِ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ. وَمَعْنَى مَا عِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَقْدِرَتِي، كَمَا يُقَالُ: مَا بِيَدِي كَذَا. فَالْعِنْدِيَّةُ مَجَازٌ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالْعِلْمِ وَالْمَقْدِرَةِ. وَالْمَعْنَى: أَنِّي لَسْتُ الْعَلِيمَ الْقَدِيرَ، أَيْ لَسْتُ إِلَهًا وَلَكِنَّنِي عَبْدٌ مُرْسَلٌ أَقِفُ عِنْدَ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ. وَحَقِيقَةُ (عِنْدَ) أَنَّهَا ظَرْفُ الْمَكَانِ الْقَرِيبِ. وَتُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي اسْتِقْرَارِ الشَّيْءِ لِشَيْءٍ وَمِلْكِهِ إِيَّاهُ، كَقَوْلِهِ: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [الْأَنْعَام: ٥٩] . وَتُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي الِاحْتِفَاظِ بِالشَّيْءِ، كَقَوْلِهِ: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [الزخرف: ٨٥] وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ [إِبْرَاهِيم: ٤٦] وَلَا يَحْسُنُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ (١) . وَالْمُرَادُ بِ مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ الْعَذَابُ الْمُتَوَعَّدُ بِهِ. عُبِّرَ بِطَرِيقِ الموصولية لما تنبىء بِهِ الصِّلَةُ

стр. 2657

مِنْ كَوْنِهِ مُؤَخَّرًا مُدَّخَرًا لَهُمْ وَأَنَّهُمْ يَسْتَعْجِلُونَهُ وَأَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ لَا مَحَالَةَ، لِأَنَّ التَّعْجِيلَ وَالتَّأْخِيرَ حَالَانِ لِلْأَمْرِ الْوَاقِعِ فَكَانَ قَوْلُهُ: تَسْتَعْجِلُونَ فِي نَفْسِهِ وَعِيدًا. وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ بِيَدِ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُقَدِّرُ وَقْتَهُ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ فِيهِ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْمُسْنَدِ الظَّرْفِ أَفَادَ قَصْرَ الْقَلْبِ، لِأَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا مِنْ تَوَعُّدِ النَّبِيءِ ﷺ إِيَّاهُمْ أَنَّهُ تَوَعَّدَهُمْ بِعِقَابٍ فِي مَقْدِرَتِهِ. فَجَعَلُوا تَأَخُّرَهُ إِخْلَافًا لِتَوَعُّدِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الْوَعِيدَ بِيَدِ اللَّهِ، كَمَا سَيُصَرَّحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ. فَقَوْلُهُ: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الْقَصْرِ، وَتَأْكِيدٌ لَهُ. وَعَلَى وَجْهِ كَوْنِ ضَمِيرِ بِهِ لِلْقُرْآنِ، فَالْمَعْنى كذّبتهم بِالْقُرْآنِ وَهُوَ بَيِّنَةٌ عَظِيمَةٌ، وَسَأَلْتُمْ تَعْجِيلَ الْعَذَابِ تَعْجِيزًا لِي وَذَلِكَ لَيْسَ بِيَدِي. وَجُمْلَةُ يَقُصُّ الْحَقَّ حَالٌ مِنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ أَوِ اسْتِئْنَافٌ، أَيْ هُوَ أَعْلَمُ بِالْحِكْمَةِ فِي التَّأْخِيرِ أَوِ التَّعْجِيلِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَعَاصِمٌ، وَأَبُو جَعْفَرٍ يَقُصُّ- بِضَمِّ الْقَافِ وَبِالصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ- فَهُوَ مِنَ الِاقْتِصَاصِ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الْأَثَرِ، أَيْ يُجْرِي قَدَرَهُ عَلَى أَثَرِ الْحَقِّ، أَيْ عَلَى وَفْقِهِ أَوْ هُوَ مِنَ الْقَصَصِ، وَهُوَ الْحِكَايَةُ أَيْ يَحْكِي بِالْحَقِّ، أَيْ أَنَّ وَعْدَهُ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ فَهُوَ لَا يُخْبِرُ إِلَّا بِالْحَقِّ. والْحَقَّ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ بِهِ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ يَقْضِ- بِسُكُونِ الْقَافِ وَبِضَادٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ- عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعُ (قَضَى) ، وَهُوَ فِي الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ يَاءٍ. فَاعْتُذِرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْيَاءَ حُذِفَتْ فِي الْخَطِّ تَبَعًا لِحَذْفِهَا فِي اللَّفْظِ فِي حَالِ الْوَصْلِ، إِذْ هُوَ غَيْرُ مَحَلِّ وَقْفٍ، وَذَلِكَ مِمَّا أُجْرِيَ فِيهِ الرَّسْمُ عَلَى اعْتِبَارِ الْوَصْلِ عَلَى النَّادِرِ كَمَا كُتِبَ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: ١٨] . قَالَ مَكِّيٌّ قِرَاءَةُ الصَّادِ (أَيِ الْمُهْمَلَةِ) أَحَبُّ إِلَيَّ لِاتِّفَاقِ الْحَرَمِيَّيْنِ (أَيْ نَافِعٍ وَابْنِ كَثِيرٍ) عَلَيْهَا وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الْقَضَاءِ لَلَزِمَتِ الْبَاءُ الْمُوَحَّدَةُ فِيهِ، يَعْنِي أَنْ يُقَالَ: يَقُصُّ بِالْحَقِّ. وَتَأْوِيلُهُ بِأَنَّهُ نَصْبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ نَادِرٌ. وَأَجَابَ الزُّجَاجُ بِأَنَّ الْحَقَّ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، أَيِ الْقَضَاءُ الْحَقُّ، وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُضْطَرَّ الْوَاقِفُ إِلَى إِظْهَارِ الْيَاءِ فَيُخَالِفُ الرَّسْمَ الْمُصْحَفِيَّ. وَجُمْلَةُ: وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ أَيْ يَقُصُّ وَيُخْبِرُ بِالْحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ يَقْضِي بِالْحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ مَنْ يَفْصِلُ الْقَضَاءَ.

стр. 2658

وَالْفَصْلُ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْقَضَاءِ. قَالَ عُمَرُ فِي كِتَابِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى «فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ» . وَيُطْلَقُ بِمَعْنَى الْكَلَامِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالصَّوَابِ وَالْخَطَأِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ [ص: ٢٠] وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق: ١٣] . فَمَعْنَى خَيْرُ الْفاصِلِينَ يَشْمَلُ الْقَوْلَ الْحَقَّ وَالْقَضَاء الْعدْل. [٥٨] [سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٥٨] قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ [الْأَنْعَام: ٥٧] يُثِيرُ سُؤَالًا فِي نَفْسِ السَّامِعِ أَنْ يَقُولَ: فَلَوْ كَانَ بِيَدِكَ إِنْزَالُ الْعَذَابِ بِهِمْ مَاذَا تَصْنَعُ، فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ الْآيَةَ. وَإِذْ قَدْ كَانَ قَوْلُهُ: لَوْ أَنَّ عِنْدِي إِلَخ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا فَالْأَمْرُ بِأَنْ يَقُولَهُ فِي قُوَّةِ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَمَّا بُنِيَ كُلُّهُ عَلَى تَلْقِينِ الرَّسُولِ مَا يَقُولُهُ لَهُمْ فَالسَّائِلُ يَتَطَلَّبُ مِنَ الْمُلَقِّنِ مَاذَا سَيُلَقَّنُ بِهِ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ. وَمَعْنَى عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ تَقَدَّمَ آنِفًا، أَيْ لَوْ كَانَ فِي عِلْمِي حِكْمَتُهُ وَفِي قُدْرَتِي فِعْلُهُ. وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ مَعْنَى لَسْتُ إِلَهًا وَلَكِنَّنِي عَبْدٌ أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ. وَقَوْلُهُ: لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ جَوَابُ لَوْ. فَمَعْنَى لَقُضِيَ تَمَّ وَانْتَهَى. وَالْأَمْرُ مُرَادٌ بِهِ النِّزَاعُ وَالْخِلَافُ. فَالتَّعْرِيفُ فِيهِ للْعهد، وَبني لَقُضِيَ الْأَمْرُ لِلْمَجْهُولِ لِظُهُورِ أَنَّ قَاضِيَهُ هُوَ مَنْ بِيَدِهِ مَا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ. وَتَرْكِيبُ (قُضِيَ الْأَمْرُ) شَاعَ فَجَرَى مَجْرَى الْمَثَلِ، فَحُذِفَ الْفَاعِلُ لِيَصْلُحَ التَّمَثُّلُ بِهِ فِي كُلِّ مَقَامٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ [يُوسُف: ٤١] وَقَوْلُهُ: وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [الشورى: ٢١] وَقَوْلُهُ: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ [مَرْيَم: ٣٩] وَلِذَلِكَ إِذَا جَاءَ فِي غَيْرِ طَرِيقَةِ الْمَثَلِ يُصَرَّحُ بِفَاعِلِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ [الْحجر: ٦٦] . وَذَلِكَ الْقَضَاءُ يَحْتَمِلُ أُمُورًا: مِنْهَا أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِالْآيَةِ الْمُقْتَرَحَةِ فَيُؤْمِنُوا، أَوْ أَنْ يَغْضَبَ فَيُهْلِكَهُمْ، أَوْ أَنْ يَصْرِفَ قُلُوبَهُمْ عَنْ طَلَبِ مَا لَا يُجِيبُهُمْ إِلَيْهِ فَيَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا.

стр. 2659

وَجُمْلَةُ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ تَذْيِيلٌ، أَيِ اللَّهُ أَعْلَمُ مِنِّي وَمِنْ كُلِّ أَحَدٍ بِحِكْمَةِ تَأْخِيرِ الْعَذَابِ وَبِوَقْتِ نُزُولِهِ، لِأَنَّهُ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ الَّذِي عِنْدَهُ مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ. وَالتَّعْبِيرُ بِالظَّالِمِينَ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ ضَمِيرِ الْخِطَابِ لِإِشْعَارِهِمْ بِأَنَّهُمْ ظَالِمُونَ فِي شِرْكِهِمْ إِذِ اعْتَدَوْا عَلَى حَقِّ اللَّهِ، وَظَالِمُونَ فِي تَكْذِيبِهِمْ إِذِ اعْتَدَوْا عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَظَالِمُونَ فِي معاملتهم الرَّسُول ﷺ . [٥٩] [سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٥٩] وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩) عُطِفَ عَلَى جُمْلَةِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ [الْأَنْعَام: ٥٨] عَلَى طَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ. وَالْمُنَاسَبَةُ فِي هَذَا التَّخَلُّصِ هِيَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِحَالَةِ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهَا غَائِبَةٌ عَنْ عَيَانِ النَّاسِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُمْ مِنْ تَعْجِيلِ الْوَعِيدِ أَوْ تَأْخِيرِهِ، وَهَذَا انْتِقَالٌ لِبَيَانِ اخْتِصَاصِهِ تَعَالَى بِعِلْمِ الْغَيْبِ وَسَعَةِ عِلْمِهِ ثُمَّ سَعَةِ قُدْرَتِهِ وَأَنَّ الْخَلْقَ فِي قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ. وَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ، أَيْ عِنْدَهُ لَا عِنْدَ غَيْرِهِ. وَالْعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ عِلْمٍ وَاسْتِئْثَارٍ وَلَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ مَكَانٍ. وَالْمَفَاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ- بِكَسْرِ الْمِيمِ- وَهُوَ الْآلَةُ الَّتِي يُفْتَحُ بِهَا الْمُغْلَقُ، وَتُسَمَّى الْمِفْتَاحُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مِفْتَحَ أَفْصَحُ مِنْ مِفْتَاحٍ، قَالَ تَعَالَى: وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [الْقَصَص: ٧٦] . وَالْغَيْبُ مَا غَابَ عَلَى عِلْمِ النَّاسِ بِحَيْثُ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى عِلْمِهِ، وَذَلِكَ يَشْمَل الْأَعْيَان لمغيّبة كَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ، وَالْأَعْرَاضَ الْخَفِيَّةَ، وَمَوَاقِيتَ الْأَشْيَاءِ. ومَفاتِحُ الْغَيْبِ هُنَا اسْتِعَارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ تَنْبَنِي عَلَى مَكْنِيَّةٍ بِأَنْ شُبِّهَتِ الْأُمُورُ الْمُغَيَّبَةُ عَنِ النَّاسِ بِالْمَتَاعِ النَّفِيسِ الَّذِي يُدَّخَرُ بِالْمَخَازِنِ وَالْخَزَائِنِ الْمُسْتَوْثَقِ عَلَيْهَا بِأَقْفَالٍ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ مَا فِيهَا إِلَّا الَّذِي بِيَدِهِ مَفَاتِحُهَا. وَأُثْبِتَتْ لَهَا الْمَفَاتِحُ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيلِيَّةِ. وَالْقَرِينَةُ

стр. 2660

هِيَ إِضَافَةُ الْمَفَاتِحِ إِلَى الْغَيْبِ، فَقَوْلُهُ: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ: عِنْدَهُ عَلِمُ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ. وَمَفَاتِحُ الْغَيْبِ جَمْعٌ مُضَافٌ يَعُمُّ كُلَّ الْمُغَيَّبَاتِ، لِأَنَّ عِلْمَهَا كُلَّهَا خَاصٌّ بِهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الْأُمُورُ الَّتِي لَهَا أَمَارَاتٌ مِثْلُ أَمَارَاتِ الْأَنْوَاءِ وَعَلَامَاتِ الْأَمْرَاضِ عِنْدَ الطَّبِيبِ فَتِلْكَ لَيْسَتْ مِنَ الْغَيْبِ بَلْ مِنْ أُمُورِ الشَّهَادَةِ الْغَامِضَةِ. وَغُمُوضُهَا مُتَفَاوِتٌ وَالنَّاسُ فِي التَّوَصُّلِ إِلَيْهَا مُتَفَاوِتُونَ وَمَعْرِفَتُهُمْ بِهَا مِنْ قَبِيلِ الظَّنِّ لَا مِنْ قَبِيلِ الْيَقِينِ فَلَا تُسَمَّى عِلْمًا، وَقِيلَ: الْمَفَاتِحُ جَمْعُ مَفْتَحٍ- بِفَتْحِ الْمِيمِ- وَهُوَ الْبَيْتُ أَوِ الْمَخْزَنُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنَّ يُغْلَقَ عَلَى مَا فِيهِ ثُمَّ يُفْتَحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى مَا فِيهِ، وَنُقِلَ هَذَا عَنِ السُّدِّيِّ، فَيَكُونُ اسْتِعَارَةً مُصَرَّحَةً وَالْمُشَبَّهُ هُوَ الْعِلْمُ بِالْغَيْبِ شُبِّهَ فِي إِحَاطَتِهِ وَحَجْبِهِ المغيّبات بِبَيْت الخزم تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ. وَجُمْلَةُ لَا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنًى عِنْدَهُ، فَهِيَ بَيَانٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَمُفِيدَةٌ تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى أَيْضًا لِرَفْعِ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ فَأُعِيدَ مَا فِيهِ طَرِيقٌ مُتَعَيِّنٌ كَوْنُهُ لِلْقَصْرِ. وَضَمِيرُ يَعْلَمُها عَائِدٌ إِلَى مَفاتِحُ الْغَيْبِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ مِنْ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ. تَقْدِيرُهُ: لَا يَعْلَمُ مَكَانَهَا إِلَّا هُوَ، لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِذَوَاتِ الْمَفَاتِحِ، وَهُوَ تَرْشِيحٌ لِاسْتِعَارَةِ مَفَاتِحِ الْغَيْبِ لِلْعِلْمِ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَنَفْيُ عِلْمِ غَيْرِهِ لَهَا كِنَايَةٌ عَنْ نَفْيِ الْعِلْمِ بِمَا تُغْلَقُ عَلَيْهِ الْمَفَاتِحُ مِنْ عِلْمِ الْمُغَيَّبَاتِ. وَمَعْنَى: لَا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ أَيْ عِلْمًا مُسْتَقِلًّا بِهِ، فَأَمَّا مَا أَطْلَعَ عَلَيْهِ بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الْجِنّ: ٢٦] فَذَلِكَ عِلْمٌ يَحْصُلُ لِمَنْ أَطْلَعَهُ بِإِخْبَارٍ مِنْهُ فَكَانَ رَاجِعًا إِلَى عِلْمِهِ هُوَ. وَالْعِلْمُ مَعْرِفَةُ الْأَشْيَاءِ بِكَيْفِيَّةِ الْيَقِينِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنّ رَسُول يَا لله ﷺ قَالَ: مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

стр. 2661

وَجُمْلَةُ: وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ لَا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ، أَوْ عَلَى جُمْلَةِ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ، لِأَنَّ كِلْتَيْهِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَى إِثْبَاتِ عِلْمٍ لِلَّهِ وَنَفْيِ عِلْمٍ عَنْ غَيْرِهِ، فَعُطِفَتْ عَلَيْهِمَا هَذِهِ الْجُمْلَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى إِثْبَات علم لله تَعَالَى، دُونَ نَفْيِ عِلْمِ غَيْرِهِ وَذَلِكَ عِلْمُ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي قَدْ يَتَوَصَّلُ النَّاسُ إِلَى عِلْمِ بَعْضِهَا، فَعَطْفُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ عَلَى جُمْلَةِ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لِإِفَادَةِ تَعْمِيمِ عِلْمِهِ تَعَالَى بِالْأَشْيَاءِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَفَاوِتَةِ فِي الظُّهُورِ بَعْدَ إِفَادَةِ عِلْمِهِ بِمَا لَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ. وَظُهُورُ مَا فِي الْبَرِّ لِلنَّاسِ عَلَى الْجُمْلَةِ أَقْوَى مِنْ ظُهُورِ مَا فِي الْبَحْرِ. وَذَكَرَ الْبَرَّ وَالْبَحْرَ لِقَصْدِ الْإِحَاطَةِ بِجَمِيعِ مَا حَوَتْهُ هَذِهِ الْكُرَةُ، لِأَنَّ الْبَرَّ هُوَ سَطْحُ الْأَرْضِ الَّذِي يَمْشِي فِيهِ الْحَيَوَانُ غَيْرَ سَابِحٍ، وَالْبَحْرَ هُوَ الْمَاءُ الْكَثِيرُ الَّذِي يَغْمُرُ جُزْءًا مِنَ الْأَرْضِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ مِلْحًا أَمْ عَذْبًا. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي النَّهْرَ بَحْرًا كَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ. وَالْمَوْصُولُ لِلْعُمُومِ فَيَشْمَلُ الذَّوَاتِ وَالْمَعَانِيَ كُلَّهَا. وَجُمْلَةُ: وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ لِقَصْدِ زِيَادَةِ التَّعْمِيمِ فِي الْجُزْئِيَّاتِ الدَّقِيقَةِ. فَإِحَاطَةُ الْعِلْمِ بِالْخَفَايَا مَعَ كَوْنِهَا مِنْ أَضْعَفَ الْجُزْئِيَّاتِ مُؤْذِنٌ بِإِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ أَوْلَى بِهِ. وَهَذِهِ مِنْ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْفَلَاسِفَةُ وَعَلِمَ أَنْ سَيَقُولَ بِقَوْلِهِمْ مَنْ لَا رُسُوخَ لَهُ فِي الدِّينِ مِنْ أَتْبَاعِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَتْرُكْ لِلتَّأْوِيلِ فِي حَقِيقَةِ عِلْمِهِ مَجَالًا، إِذْ قَالَ: وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ كَمَا سَنُبَيِّنُ الِاخْتِيَارَ فِي وَجْهِ إِعْرَابِهِ. وَالْمُرَادُ بِالْوَرَقَةِ وَرَقَةٌ مِنَ الشَّجَرِ. وَحَرْفُ (مِنْ) زَائِدٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِيُفِيدَ الْعُمُومَ نَصًّا. وَجُمْلَةُ يَعْلَمُها فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ وَرَقَةٍ الْوَاقِعَةِ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ الْمُسْتَغْنِيَةِ بِالْعُمُومِ عَنِ الصِّفَةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُفْرَغٌ مِنْ أَحْوَالٍ، وَهَذِهِ الْحَالُ حَالٌ لَازِمَةٌ بَعْدَ النَّفْيِ حَصَلَ بِهَا مَعَ الْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ الْفَائِدَةُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ عُمُومِ الْأَحْوَالِ، أَيْ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي حَالَةٍ إِلَّا حَالَةً يَعْلَمُهَا. وَالْأَظْهَرُ فِي نَظْمِ قَوْلِهِ: وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ أَنْ يَكُونَ وَرَقَةٍ فِي مَحَلِّ الْمُبْتَدَأِ مَجْرُورٌ بِ مِنْ الزَّائِدَةِ، وَجُمْلَةُ تَسْقُطُ صِفَةٌ لِ وَرَقَةٍ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهَا فَتُعْرَبُ حَالًا،

стр. 2662

وَجُمْلَةُ إِلَّا يَعْلَمُها خَبَرٌ مُفْرَغٌ لَهُ حَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ. وَلا حَبَّةٍ عُطِفَ عَلَى الْمُبْتَدَأِ بِإِعَادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ، وفِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ صِفَةٌ لِ حَبَّةٍ، أَيْ وَلَا حَبَّةٍ مِنْ بُذُورِ النَّبْتِ مَظْرُوفَةٍ فِي طَبَقَاتِ الْأَرْضِ إِلَى أَبْعَدِ عُمْقٍ يُمْكِنُ، فَلَا يَكُونُ حَبَّةٍ مَعْمُولًا لِفِعْلِ تَسْقُطُ لِأَنَّ الْحَبَّةَ الَّتِي تَسْقُطُ لَا تَبْلُغُ بِسُقُوطِهَا إِلَى ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ. وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ مَعْطُوفَانِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ الْمَجْرُورِ بِ مِنْ. وَالْخَبَرُ عَن هَذِه المبتدءات الثَّلَاثَةِ هُوَ قَوْلُهُ: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ لِوُرُودِهِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ، وَذَلِكَ ظَاهِرُ وُقُوعِ الْإِخْبَارِ بِهِ عَنِ الثَّلَاثَةِ، وَأَنَّ الْخَبَرَ الْأَوَّلَ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: مِنْ وَرَقَةٍ. وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ الْعِلْمُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ، وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ آثَارِ الْعِلْمِ مِنْ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يُطْلِعْنَا عَلَى كُنْهِهَا. وَقِيلَ: جَرُّ حَبَّةٍ عَطْفٌ عَلَى وَرَقَةٍ مَعَ إِعَادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ، وفِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَصْفٌ لِ حَبَّةٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى حَبَّةٍ ووَرَقَةٍ، فَيَقْتَضِي أَنَّهَا مَعْمُولَةٌ لِفِعْلِ تَسْقُطُ، أَيْ مَا يَسْقُطُ رَطْبٌ وَلَا يَابِسٌ، وَمُقَيَّدَةٌ بِالْحَالِ فِي وَقَوله: إِلَّا يَعْلَمُها. وَقَوْلُهُ: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: إِلَّا يَعْلَمُها لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ كَانَ الْكِتَابُ حَقِيقَةً أَمْ مَجَازًا عَنِ الضَّبْطِ وَعَدَمِ التَّبْدِيلِ. وَحَسَّنَ هَذَا التَّأْكِيدَ تَجْدِيدُ الْمَعْنَى لِبُعْدِ الْأَوَّلِ بِالْمَعْطُوفَاتِ وَصِفَاتِهَا، وَأُعِيدَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى تَفَنُّنًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي وَجْهِ جَمْعِ ظُلُماتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ [١] . ومُبِينٍ إِمَّا مِنْ أَبَانَ الْمُتَعَدِّي، أَيْ مُبَيِّنٌ لِبَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ مَا يُرِيدُهُ كَالْمَلَائِكَةِ، أَوْ مَنْ أَبَانَ الْقَاصِرِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى بَانَ، أَيْ بَيِّنٌ، أَيْ فُصِّلَ بِمَا لَا احْتِمَالَ فِيهِ وَلَا تَرَدُّدَ. وَقَدْ عُلِمَ مَنْ هَاتِهِ الْآيَاتِ عُمُومُ عِلْمِهِ تَعَالَى بِالْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْأَدْيَانِ دُونَ تَصْرِيحٍ بِهِ فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ وَمَا أَعْلَنَهُ إِلَّا الْقُرْآنُ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ:

стр. 2663

وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الْبَقَرَة: ٢٩] . وَفِيهِ إِبْطَالٌ لِقَوْلِ جُمْهُورِ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ خَاصَّةً وَلَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ، زَعْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يُنَزِّهُونَ الْعِلْمَ الْأَعْلَى عَنِ التَّجَزِّي فَهُمْ أَثْبَتُوا صِفَةَ الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَنْكَرُوا تَعَلُّقَ عِلْمِهِ بِجُزْئِيَّاتِ الْمَوْجُودَاتِ. وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْهُمْ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ تَأَوَّلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ وَنُصَيْرُ الدِّينِ الطُّوسِيُّ. وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي «الْمَبَاحِثِ الْمَشْرِقِيَّةِ (١) » : وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِ مَذْهَبِ الْفَلَاسِفَةِ فَإِنَّ اللَّائِقَ بِأُصُولِهِمْ أَنْ يُقَالَ: الْأُمُورُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ فَإِنَّهَا إِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ مُتَشَكِّلَةً وَلَا مُتَغَيِّرَةً، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُتَشَكِّلَةً غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُتَغَيِّرَةً غَيْرَ مُتَشَكِّلَةٍ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُتَشَكِّلَةً وَمُتَغَيِّرَةً مَعًا. فَأَمَّا مَا لَا تَكُونُ مُتَشَكِّلَةً وَلَا مُتَغَيِّرَةً فَإِنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ كُلِّيًّا أَوْ جُزْئِيًّا. وَكَيْفَ يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ مِنْهَا مَعَ اتِّفَاقِ الْأَكْثَرِ مِنْهُمْ عَلَى عِلْمِهِ تَعَالَى بِذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ وَبِالْعُقُولِ. وَأَمَّا الْمُتَشَكِّلَةُ غَيْرُ الْمُتَغَيِّرَةِ وَهِيَ الْأَجْرَامُ الْعُلْوِيَّةُ فَهِيَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَهُ تَعَالَى بِأَشْخَاصِهَا عِنْدَهُمْ، لِأَنَّ إِدْرَاكَ الْجُسْمَانِيَّاتِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِآلَاتٍّ جُسْمَانِيَّةٍ. وَأَمَّا الْمُتَغَيِّرَةُ غَيْرُ الْمُتَشَكِّلَةِ فَذَلِكَ مِثْلُ الصُّوَرِ وَالْأَعْرَاضِ الْحَادِثَةِ وَالنُّفُوسِ النَّاطِقَةِ، فَإِنَّهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَهُ لِأَنَّ تَعَلُّقَهَا يُحْوِجُ إِلَى آلَةٍ جُسْمَانِيَّةٍ بَلْ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مُتَغَيِّرَةً يَلْزَمُ مِنْ تَغَيُّرِهَا الْعِلْمُ. وَأَمَّا مَا يَكُونُ مُتَشَكِّلًا وَمُتَغَيِّرًا فَهُوَ الْأَجْسَامُ الْكَائِنَةُ الْفَاسِدَةُ (٢) . وَهِيَ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ مُدْرَكَةً لَهُ تَعَالَى لِلْوَجْهَيْنِ (أَيِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْقِسْمَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ) اهـ. وَقَدْ عُدَّ إِنْكَارُ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ مِنْ أُصُولٍ ثَلَاثَةٍ لَهُمْ خَالَفَتِ الْمَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ. وَهِيَ: إِنْكَارُ عِلْمِ اللَّهِ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَإِنْكَارُ حَشْرِ الْأَجْسَادِ، وَالْقَوْلُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ. ذَكَرَ ذَلِكَ الْغَزَّالِيُّ فِي «تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ» فَمَنْ يُوَافِقُهُمْ فِي

стр. 2664

ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ كُفْرًا، لَكِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْكُفْرِ بِاللَّازِمِ فَلَا يُعْتَبَرُ قَائِلُهُ مُرْتَدًّا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُوقَفَ عَلَى مَا يُفْضِي إِلَيْهِ قَوْلُهُ وَيَأْبَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ فَحِينَئِذٍ يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا حكم بردّته. [٦٠] [سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٦٠] وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) عَطَفَ جُمْلَةَ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ عَلَى جُمْلَةِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها [الْأَنْعَام: ٥٩] انْتِقَالًا مِنْ بَيَانِ سَعَةِ عِلْمِهِ إِلَى بَيَانِ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ دَلَائِلِ الْإِلَهِيَّةِ تَعْلِيمًا لِأَوْلِيَائِهِ وَنَعْيًا عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَعْدَائِهِ. وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْقُرْآنِ بِذِكْرِ دَلَائِلِ الْوَحْدَانِيَّةِ فِي أَنْفُسِ النَّاسِ عَقِبَ ذِكْرِ دَلَائِلِهَا فِي الْآفَاقِ فَجُمِعَ ذَلِكَ هُنَا عَلَى وَجْهٍ بَدِيعٍ مُؤْذِنٍ بِتَعْلِيمِ صِفَاتِهِ فِي ضِمْنِ دَلِيلِ وَحْدَانِيَّتِهِ. وَفِي هَذَا تَقْرِيبٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ. فَقَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ صِيغَةُ قَصْرٍ لِتَعْرِيفِ جُزْأَيِ الْجُمْلَةِ، أَيْ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ دُونَ الْأَصْنَامِ فَإِنَّهَا لَا تَمْلِكُ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً. وَالْخِطَابُ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ كَمَا يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ السَّابِقُ مِنْ قَوْلِهِ: لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الْأَنْعَام: ٥٨] وَاللَّاحِقُ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [الْأَنْعَام: ٦٤] وَيَقْتَضِيهِ طَرِيقُ الْقَصْرِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْحَالُ غَيْرَ خَاصٍّ بِالْمُشْرِكِينَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّاسَ فِيهِ سَوَاءٌ. وَالتَّوَفِّي حَقِيقَتُهُ الْإِمَاتَةُ، لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي قَبْضِ الشَّيْءِ مُسْتَوْفًى. وَإِطْلَاقُهُ عَلَى النَّوْمِ مُجَازٌ لِشَبَهِ النَّوْمِ بِالْمَوْتِ فِي انْقِضَاء الْإِدْرَاكِ وَالْعَمَلِ. أَلَا تَرَى قَوْلَهُ تَعَالَى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر: ٤٢] . وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ

стр. 2665

وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: يَتَوَفَّاكُمْ يُنِيمُكُمْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ، أَيْ فِي النَّهَارِ، فَأَرَادَ بِالْوَفَاةِ هُنَا النَّوْمَ عَلَى التَّشْبِيهِ. وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ تَقْرِيبٌ لِكَيْفِيَّةِ الْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِذَا اسْتُعِيرَ الْبَعْثُ لِلْإِفَاقَةِ مِنَ النَّوْمِ لِيَتِمَّ التَّقْرِيبُ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ. وَمَعْنَى جَرَحْتُمْ كَسَبْتُمْ، وَأَصْلُ الْجَرْحِ تَمْزِيقُ جِلْدِ الْحَيِّ بِشَيْءٍ مُحَدَّدٍ مِثْلَ السِّكِّينِ وَالسَّيْفِ وَالظُّفُرِ وَالنَّابِ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فِي سُورَةِ الْعُقُودِ [٤٥] . وَأُطْلِقَ عَلَى كِلَابِ الصَّيْدِ وَبُزَاتِهِ وَنَحْوِهَا اسْمُ الْجَوَارِحِ لِأَنَّهَا تَجْرَحُ الصَّيْدَ لِيُمْسِكَهُ الصَّائِدُ. قَالَ تَعَالَى: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْعُقُودِ [٤] . كَمَا سَمَّوْهَا كَوَاسِبَ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ: غُضْفًا كَوَاسِبَ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَا فَصَارَ لَفْظُ الْجَوَارِحِ مُرَادِفًا لِلْكَوَاسِبِ وَشَاعَ ذَلِكَ فَأُطْلِقَ عَلَى الْكَسْبِ اسْمُ الْجَرْحِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. وَقَالَ تَعَالَى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الجاثية: ٢١] . وَجُمْلَةُ: وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ مُعْتَرِضَةٌ لِقَصْدِ الِامْتِنَانِ بِنِعْمَةِ الْإِمْهَالِ، أَيْ وَلَوْلَا فَضْلُهُ لَمَا بَعَثَكُمْ فِي النَّهَارِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّكُمْ تَكْتَسِبُونَ فِي النَّهَارِ عِبَادَةَ غَيْرِهِ وَيَكْتَسِبُ بَعْضُكُمْ بَعْضَ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ كَالْمُؤْمِنِينَ. وَوَقَعَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْإِخْبَارِ بِعِلْمِهِ تَعَالَى مَا يَكْسِبُ النَّاسُ فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ رَعْيًا لِلْغَالِبِ، لِأَنَّ النَّهَارَ هُوَ وَقْتُ أَكْثَرِ الْعَمَلِ وَالِاكْتِسَابِ، فَفِي الْإِخْبَارِ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا يَقَعُ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِنِ اكْتِسَابِ مَا لَا يَرْضَى اللَّهُ بِاكْتِسَابِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ. وَجُمْلَةُ: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ فَتَكُونُ (ثُمَّ) لِلْمُهْلَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ (ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ فَتَعْطِفَ عَلَى جُمْلَةِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ أَيْ وَهُوَ يَعْلَمُ مَا تَكْتَسِبُونَ مِنَ الْمَنَاهِي ثُمَّ يَرُدُّكُمْ وَيُمْهِلُكُمْ. وَهَذَا بِفَرِيقِ الْمُشْرِكِينَ أَنْسَبُ. وَ (فِي) لِلظَّرْفِيَّةِ. وَالضَّمِيرُ لِلنَّهَارِ. وَالْبَعْثُ مُسْتَعَارٌ لِلْإِفَاقَةِ مِنَ النَّوْمِ لِأَنَّ الْبَعْثَ شَاعَ
следующие страницы →