Полный текст (11 044 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
عَنْ مَوْجُودَاتٍ شَرِيفَةٍ، وَأَنَّ سُجُودَ الْمَخْلُوقَاتِ الشَّرِيفَةِ لَهُ كِنَايَةٌ عَنْ عَظَمَةِ شَأْنِهِ. وَلَعَلَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْكَوَاكِبَ كِنَايَةٌ عَنْ مَوْجُودَاتٍ مُتَمَاثِلَةٍ، وَأَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كِنَايَةٌ عَنْ أَصْلَيْنِ لِتِلْكَ الْمَوْجُودَاتِ فَاسْتَشْعَرَ عَلَى الْإِجْمَالِ دَلَالَةَ رُؤْيَاهُ عَلَى رِفْعَةِ شَأْنِهِ فَأَخْبَرَ بِهَا أَبَاهُ.
وَكَانُوا يَعُدُّونَ الرُّؤْيَا مِنْ طُرُقِ الْإِنْبَاءِ بِالْغَيْبِ، إِذَا سَلِمَتْ مِنَ الِاخْتِلَاطِ وَكَانَ مزاج الزائي غَيْرَ مُنْحَرِفٍ وَلَا مُضْطَرِبٍ، وَكَانَ الرَّائِي قَدِ اعْتَادَ وُقُوعَ تَأْوِيلِ رُؤْيَاهُ، وَهُوَ شَيْءٌ وَرِثُوهُ مِنْ صَفَاءِ نُفُوسِ أَسْلَافِهِمْ إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق- ﵈. فَقَدْ كَانُوا آل بَيت نبوءة وَصَفَاءِ سَرِيرَةٍ.
وَلَمَّا كَانَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيًا، وَقَدْ رَأَى إِبْرَاهِيمُ- ﵇ فِي الْمَنَامِ أنّه يذبح ولد فَلَمَّا أَخْبَرَهُ قالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ [سُورَة الصافات: ١٠٢] . وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ- ﵇: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ [سُورَة يُوسُف: ٦] . فَلَا جَرَمَ أَنْ تَكُونَ مِرَائِي أَبْنَائِهِمْ مُكَاشَفَةً وَحَدِيثًا مَلَكِيًّا.
وَفِي الْحَدِيثِ: «لَمْ يَبْقَ مِنَ الْمُبَشِّرَاتِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ»
. وَالِاعْتِدَادُ بِالرُّؤْيَا مِنْ قَدِيمِ أُمُورِ النُّبُوءَةِ. وَقَدْ جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ إِبْرَاهِيمَ
﵇ فِي رُؤْيَا رَآهَا وَهُوَ فِي طَرِيقِهِ بِبِلَادِ شَالِيمَ بَلَدٌ مَلْكِيٌّ صَادِقٌ وَبَشَّرَهُ بِأَنَّهُ يَهَبُهُ نَسْلًا كَثِيرًا، وَيُعْطِيهِ الْأَرْضَ الَّتِي هُوَ سَائِرٌ فِيهَا (فِي الْإِصْحَاحِ ١٥ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ) .
أَمَّا الْعَرَبُ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ فِي كَلَامِهِمْ شَيْءٌ يُفِيدُ اعْتِدَادَهُمْ بِالْأَحْلَامِ، وَلَعَلَّ قَوْلَ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
إِنَّ الْأَمَانِيَ وَالْأَحْلَامَ تَضْلِيلُ
стр. 4447
يُفِيدُ عَدَمَ اعْتِدَادِهِمْ بِالْأَحْلَامِ، فَإِنَّ الْأَحْلَامَ فِي الْبَيْتِ هِيَ مِرَائِي النَّوْمِ.
وَلَكِنَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ رُؤْيَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الْحِجْرِ أَنَّهُ أَتَاهُ آتٍ فَأَمَرَهُ بِحَفْرِ بِئْرِ زَمْزَمَ فَوَصَفَ لَهُ مَكَانَهَا، وَكَانَتْ جُرْهُمْ سَدَمُوهَا عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ مَكَّةَ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ رُؤْيَا عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّ: «رَاكِبًا أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ فَوَقَفَ بِالْأَبْطُحِ ثُمَّ صَرَخَ: يَا آلَ غَدَرَ اخْرُجُوا إِلَى مُصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ» فَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ عَقِبَهَا بِثَلَاثِ لَيَالٍ.
وَقَدْ عُدَّتِ الْمَرَائِي النَّوْمِيَّةُ فِي أُصُولِ الْحِكْمَةِ الْإِشْرَاقِيَّةِ وَهِيَ مِنْ تُرَاثِهَا عَنْ حِكْمَةِ الْأَدْيَانِ السَّالِفَةِ مِثْلَ الْحَنِيفِيَّةِ. وَبَالَغَ فِي تَقْرِيبِهَا بِالْأُصُولِ النَّفْسِيَّةِ شِهَابُ الدِّينِ الْحَكِيمُ السُّهْرَوَرْدِيُّ فِي هَيَاكِلِ النُّورِ وَحِكْمَةِ الْإِشْرَاقِ، وَأَبُو عَلِيٍّ بن سِينَا فِي الْإِشَارَاتِ بِمَا حَاصِلُهُ: وَأَصْلُهُ: أَنَّ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ (وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالرُّوحِ) هِيَ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي مَقَرُّهَا الْعَالَمُ الْعُلْوِيُّ، فَهِيَ قَابِلَةٌ لِاكْتِشَافِ الْكَائِنَاتِ عَلَى تَفَاوُتٍ فِي هَذَا الْقَبُولِ، وَأَنَّهَا تُودَعُ فِي جِسْمِ الْجَنِينِ عِنْدَ اكْتِمَالِ طَوْرِ الْمُضْغَةِ، وَأَنَّ لِلنَّفْسِ النَّاطِقَةِ آثَارًا مِنَ الِانْكِشَافَاتِ إِذَا ظَهَرَتْ فَقَدْ يَنْتَقِشُ بَعْضُهَا بِمَدَارِكِ صَاحِبِ النَّفْسِ فِي لَوْحِ حِسِّهِ الْمُشْتَرَكِ، وَقَدْ يَصْرِفُهُ عَنِ الِانْتِقَاشِ شَاغِلَانِ: أَحَدُهُمَا حِسِّيٌّ خَارِجِيٌّ، وَالْآخَرُ بَاطِنِيٌّ عَقْلِيٌّ أَوْ وَهْمِيٌّ، وَقُوَى النَّفْسِ مُتَجَاذِبَةٌ مُتَنَازِعَةٌ فَإِذَا اشْتَدَّ بَعْضُهَا ضَعُفَ الْبَعْضُ الْآخَرُ كَمَا إِذَا هَاجَ الْغَضَبُ ضَعُفَتِ الشَّهْوَةُ، فَكَذَلِكَ إِنْ تَجَرَّدَ الْحِسُّ الْبَاطِنُ لِلْعَمَلِ شُغِلَ عَنِ الْحِسِّ الظَّاهِرِ، وَالنَّوْمُ شَاغِلٌ لِلْحِسِّ، فَإِذَا قَلَّتْ شَوَاغِلُ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ فَقَدْ تَتَخَلَّصُ النَّفْسُ عَنْ شَغْلِ مُخَيِّلَاتِهَا، فَتَطَّلِعُ عَلَى أُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ، فَتَكُونُ الْمَنَامَاتُ الصَّادِقَةُ.
وَالرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ حَالَةٌ يُكْرِمُ اللَّهُ بِهَا بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ الَّذِينَ زَكَتْ نُفُوسُهُمْ فَتَتَّصِلُ نُفُوسُهُمْ بِتَعَلُّقَاتٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ وَتَعَلُّقَاتٍ مِنْ إِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَمْرِهِ التَّكْوِينِيِّ فَتَنْكَشِفُ بِهَا الْأَشْيَاءُ الْمُغَيَّبَةُ بِالزَّمَانِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، أَوِ الْمُغَيَّبَةُ بِالْمَكَانِ قَبْلَ اطِّلَاعِ النَّاسِ عَلَيْهَا اطِّلَاعًا عَادِيًّا، وَلذَلِك
قَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 4448
«الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ
النُّبُوءَةِ»
. وَقَدْ بَيَّنَ تَحْدِيدُ هَذِهِ النِّسْبَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْحَدِيثِ فِي شُرُوحِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ: «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوءَةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتِ وَهِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ يَرَاهَا أَوْ تُرَى لَهُ» .
وَإِنَّمَا شُرِطَتِ الْمُرَائِي الصَّادِقَةُ بِالنَّاسِ الصَّالِحِينَ لِأَنَّ الِارْتِيَاضَ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ شَاغِلٌ لِلنَّفْسِ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَلِأَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ ارْتِقَاءَاتٌ وَكَمَالَاتٌ فَهِيَ مُعِينَةٌ لِجَوْهَرِ النَّفْسِ عَلَى الِاتِّصَالِ بِعَالَمِهَا الَّذِي خُلِقَتْ فِيهِ وَأُنْزِلَتْ مِنْهُ، وَبِعَكْسِ ذَلِكَ الْأَعْمَالُ السَّيِّئَةُ تُبْعِدُهَا عَنْ مَأْلُوفَاتِهَا وَتُبَلِّدُهَا وَتُذَبْذِبُهَا.
وَالرُّؤْيَا مَرَاتِبُ:
مِنْهَا أَنْ: تَرَى صُوَرَ أَفْعَالٍ تَتَحَقَّقُ أَمْثَالُهَا فِي الْوُجُودِ مثل رُؤْيا النبيء ﷺ أَنَّهُ يُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ، وَظَنُّهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَرْضَ الْيَمَامَةُ فَظَهَرَ أَنَّهَا الْمَدِينَةُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى الْمَدِينَةَ وَجَدَهَا مُطَابِقَةً لِلصُّورَةِ الَّتِي رَآهَا، وَمِثْلَ رُؤْيَاهُ امْرَأَةً فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَقيل لَهُ اكشفها فَهِيَ زَوْجُكَ فَكَشَفَ فَإِذَا هِيَ عَائِشَةُ، فَعَلِمَ أَنْ سَيَتَزَوَّجَهَا. وَهَذَا النَّوْعُ نَادِرٌ وَحَالَةُ الْكَشْفِ فِيهِ قَوِيَّةٌ.
وَمِنْهَا أَن ترى صور تَكُونُ رُمُوزًا لِلْحَقَائِقِ الَّتِي سَتَحْصُلُ أَوِ الَّتِي حَصَلَتْ فِي الْوَاقِعِ، وَتِلْكَ مِنْ قَبِيلِ مُكَاشَفَةِ النَّفْسِ لِلْمَعَانِي وَالْمَوَاهِي وَتَشْكِيلِ الْمُخَيِّلَةِ تِلْكَ الْحَقَائِقَ فِي أَشْكَالٍ مَحْسُوسَةٍ هِيَ مِنْ مَظَاهِرَ تِلْكَ الْمَعَانِي، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ الَّذِي تَخْتَرِعُهُ أَلْبَابُ الْخُطَبَاءِ وَالشُّعَرَاءِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا تَخْتَرِعُهُ الْأَلْبَابُ فِي حَالَةِ هَدُوِّ الدِّمَاغِ مِنَ الشَّوَاغِلِ الشَّاغِلَةِ، فَيَكُونُ أَتْقَنَ وَأَصْدَقَ. وَهَذَا أَكْثَرُ أَنْوَاعِ الْمَرَائِي. وَمِنْه رُؤْيا النبيء ﷺ أَنَّهُ يَشْرَبُ مِنْ قدح لبن حَتَّى رَأَى الرِّيَّ فِي أَظْفَارِهِ ثُمَّ أَعْطَى فَضْلَهُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ- ﵁. وَتَعْبِيرُهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ الْعِلْمُ.
стр. 4449
وَكَذَلِكَ رُؤْيَاهُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ نَاشِرَةً شَعْرَهَا خَارِجَةً مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْجَحْفَةِ، فَعَبَّرَهَا بِالْحُمَّى تَنْتَقِلُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْجَحْفَةِ، وَرُئِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ أَنَّهُ فِي رَوْضَةٍ، وَأَنَّ فِيهَا عَمُودًا، وَأَنَّ فِيهِ عُرْوَةً، وَأَنَّهُ أَخَذَ بِتِلْكَ الْعُرْوَةِ فَارْتَقَى إِلَى أَعْلَى العمود، فعبّره النبيء ﷺ بِأَنَّهُ لَا يَزَالُ آخِذًا بِالْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَأَنَّ الرَّوْضَةَ هِيَ الْجَنَّةُ، فَقَدْ تَطَابَقَ التَّمْثِيلُ النَّوْمِيُّ مَعَ التَّمْثِيلِ الْمُتَعَارَفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [سُورَة الْبَقَرَة: ٢٥٦] ، وَفِي
قَول النبيء ﷺ : «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» .
وَسَيَأْتِي تَأْوِيلُ هَذِهِ الرُّؤْيَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ [سُورَة يُوسُف: ١٠٠] .
[٥]
[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ٥]
قالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)
جَاءَتِ الْجُمْلَةُ مَفْصُولَةً عَنِ الَّتِي قَبْلَهَا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَاوَرَاتِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٣٠] .
وَالنِّدَاءُ مَعَ حُضُورِ الْمُخَاطَبِ مُسْتَعْمَلٌ فِي طَلَبِ إِحْضَارِ الذِّهْنِ اهْتِمَامًا بِالْغَرَضِ الْمُخَاطَبِ فِيهِ.
وبُنَيَّ- بِكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ- تَصْغِيرُ ابْنٍ مَعَ إِضَافَتِهِ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَأَصْلُهُ بُنَيْوِي أَوْ بُنَيْيِي عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ لَامَ ابْنٍ الْمُلْتَزَمَ عَدَمُ ظُهُورِهَا هِيَ وَاوٌ أَمْ يَاءٌ. وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَإِنَّهَا أُدْغِمَتْ فِيهَا يَاءُ التَّصْغِيرِ بَعْدَ قَلْبِ الْوَاوِ يَاءً لِتَقَارُبِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ، أَوْ لِتَمَاثُلِهِمَا فَصَارَ (بُنَيِّي) . وَقَدِ اجْتَمَعَ ثَلَاثُ يَاءَاتٍ فَلَزِمَ حَذْفُ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فَحُذِفَتْ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ لُزُومًا وَأُلْقِيَتِ الْكَسْرَةُ
стр. 4450
الَّتِي اجْتُلِبَتْ لِأَجْلِهَا عَلَى يَاءِ التَّصْغِيرِ دَلَالَةً عَلَى الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ. وَحَذْفُ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْمُنَادَى الْمُضَافِ شَائِعٌ، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا كَانَ فِي إِبْقَائِهَا ثِقَلٌ كَمَا هُنَا، لِأَنَّ الْتِقَاءَ يَاءَاتٍ ثَلَاثٍ فِيهِ ثِقَلٌ.
وَهَذَا التَّصْغِيرُ كِنَايَةٌ عَنْ تَحْبِيبٍ وَشَفَقَةٍ. نَزَّلَ الْكَبِيرَ مَنْزِلَةَ الصَّغِيرِ لِأَنَّ شَأْنَ الصَّغِيرِ أَنْ يُحَبَّ وَيُشْفَقَ عَلَيْهِ. وَفِي ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ إِمْحَاضِ النُّصْحِ لَهُ.
وَالْقَصُّ: حِكَايَةُ الرُّؤْيَا. يُقَالُ: قَصَّ الرُّؤْيَا إِذَا حَكَاهَا وَأَخْبَرَ بِهَا. وَهُوَ جَاءَ مِنَ الْقَصَصِ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا.
وَالرُّؤْيَا- بِأَلِفِ التَّأْنِيثِ- هِيَ: رُؤْيَةُ الصُّوَرِ فِي النَّوْمِ، فَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رُؤْيَةِ الْيَقَظَةِ بِاخْتِلَافِ عَلَامَتَيِ التَّأْنِيثِ، وَهِيَ بِوَزْنِ الْبُشْرَى وَالْبُقْيَا.
وَقَدْ عَلِمَ يَعْقُوبُ- ﵇ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ- ﵇ الْعَشَرَةَ كَانُوا يَغَارُونَ مِنْهُ لِفَرْطِ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ خُلُقًا وَخَلْقًا، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ الرُّؤْيَا إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، وَعَلِمَ أَنَّ تِلْكَ الرُّؤْيَا تُؤْذِنُ بِرِفْعَةٍ يَنَالُهَا يُوسُفُ- ﵇ عَلَى إِخْوَتِهِ الَّذِينَ هُمْ أَحَدَ عَشَرَ فَخَشِيَ إِنْ قَصَّهَا يُوسُفُ- ﵇ عَلَيْهِمْ أَنْ تَشْتَدَّ بِهِمُ الْغَيْرَةُ إِلَى حَدِّ الْحَسَدِ،
وَأَنْ يَعْبُرُوهَا عَلَى وَجْهِهَا فَيَنْشَأُ فِيهِمْ شَرُّ الْحَاسِدِ إِذَا حَسَدَ، فَيَكِيدُوا لَهُ كَيْدًا لِيَسْلَمُوا مِنْ تَفَوُّقِهِ عَلَيْهِمْ وَفَضْلِهِ فِيهِمْ.
وَالْكَيْدُ: إِخْفَاءُ عَمَلٍ يَضُرُّ الْمَكِيدَ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [١٨٣] .
وَاللَّامُ فِي لَكَ لِتَأْكِيدِ صِلَةِ الْفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ كَقَوْلِهِ: شَكَرْتُ لَكَ النُّعْمَى.
وَتَنْوِينُ كَيْداً لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّهْوِيلِ زِيَادَةٌ فِي تَحْذِيرِهِ مِنْ قَصِّ الرُّؤْيَا عَلَيْهِمْ.
وَقَصَدَ يَعْقُوبُ- ﵇ مِنْ ذَلِكَ نَجَاةَ ابْنِهِ مِنْ أَضْرَارٍ تَلْحَقُهُ، وَلَيْسَ قَصْدُهُ إِبْطَالَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا فَإِنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ أَضْرَارٍ وَمَشَاقَّ. وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ بَنِيهِ لَمْ يَبْلُغُوا فِي الْعِلْمِ مَبْلَغَ غَوْصِ النَّظَرِ الْمُفْضِي إِلَى أَنَّ الرُّؤْيَا إِنْ كَانَتْ
стр. 4451
دَالَّةً عَلَى خَيْرٍ عَظِيمٍ يَنَالُهُ فَهِيَ خَبَرٌ إِلَهِيٌّ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ عَدَمُ الْمُطَابَقَةِ لِلْوَاقِعِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بَلْ لَعَلَّهُمْ يَحْسَبُونَهَا مِنَ الْإِنْذَارِ بِالْأَسْبَابِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي يَزُولُ تَسَبُّبُهَا بِتَعْطِيلِ بَعْضِهَا.
وَقَوْلُ يَعْقُوبَ- ﵇ هَذَا لِابْنِهِ تَحْذِيرٌ لَهُ مَعَ ثِقَتِهِ بِأَنَّ التَّحْذِيرَ لَا يُثِيرُ فِي نَفْسِهِ كَرَاهَةً لِإِخْوَتِهِ لِأَنَّهُ وَثِقَ مِنْهُ بِكَمَالِ الْعَقْلِ، وَصَفَاءِ السَّرِيرَةِ، وَمَكَارِمِ الْخُلُقِ. وَمَنْ كَانَ حَالُهُ هَكَذَا كَانَ سَمْحًا، عَاذِرًا، مُعْرِضًا عَنِ الزَّلَّاتِ، عَالِمًا بِأَثَرِ الصَّبْرِ فِي رِفْعَةِ الشَّأْنِ، وَلِذَلِكَ قَالَ لِإِخْوَتِهِ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [سُورَة يُوسُف:
٩٠] وَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [سُورَة يُوسُف:
٩٢] . وَقَدْ قَالَ أَحَدُ ابْنَيْ آدَمَ- ﵇ لِأَخِيهِ الَّذِي قَالَ لَهُ لِأَقْتُلُنَّكَ حَسَدًا لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ [سُورَة الْمَائِدَة: ٢٨] . فَلَا يُشْكِلُ كَيْفَ حَذَّرَ يَعْقُوبُ يُوسُفَ- ﵉ مِنْ كَيْدِ إِخْوَتِهِ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَ كَلَامَهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ مَا حَذَّرَهُ إِلَّا مِنْ نَزْغِ الشَّيْطَانِ فِي نُفُوسِ إِخْوَتِهِ. وَهَذَا كاعتذار النبيء ﷺ لِلرَّجُلَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ اللَّذَيْنِ لَقِيَاهُ لَيْلًا وَهُوَ يُشَيِّعُ زَوْجَهُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى بَيْتِهَا
فَلَمَّا رَأَيَاهُ وَلَّيَا، فَقَالَ: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَكْبَرَا ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمَا: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي نُفُوسِكُمَا»
. فَهَذِهِ آيَةُ عِبْرَةٍ بِتَوَسُّمِ يَعْقُوبَ- ﵇ أَحْوَالَ أَبْنَائِهِ وَارْتِيَائِهِ أَنْ يَكُفَّ كَيْدَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
فَجُمْلَةُ إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ إِلَخْ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنْ قَصِّ الرُّؤْيَا عَلَى
إِخْوَتِهِ. وَعَدَاوَةُ الشَّيْطَانِ لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ تَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَهُمْ إِلَى إِضْرَارِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ يُوسُفَ- ﵇ لَمْ يَقُصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى إِخْوَتِهِ وَهُوَ
стр. 4452
الْمُنَاسِبُ لِكَمَالِهِ الَّذِي يَبْعَثُهُ عَلَى طَاعَةِ أَمْرِ أَبِيهِ. وَوَقَعَ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ أَنَّهُ قَصَّهَا عَلَيْهِم فحسدوه.
[٦]
[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ٦]
وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)
عَطَفَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى تَحْذِيرِهِ مِنْ قَصِّ الرُّؤْيَا عَلَى إِخْوَتِهِ إِعْلَامًا لَهُ بِعُلُوِّ قَدْرِهِ وَمُسْتَقْبَلِ كَمَالِهِ، كَيْ يَزِيدَ تَمَلِّيًا مِنْ سُمُوِّ الْأَخْلَاقِ فَيَتَّسِعُ صَدْرُهُ لِاحْتِمَالِ أَذَى إِخْوَتِهِ، وَصَفْحًا عَنْ غَيْرَتِهِمْ مِنْهُ وَحَسَدِهِمْ إِيَّاهُ لِيَتَمَحَّضَ تَحْذِيرُهُ لِلصَّلَاحِ، وَتَنْتَفِي عَنْهُ مَفْسَدَةُ إِثَارَةِ الْبَغْضَاءِ وَنَحْوِهَا، حِكْمَةً نَبَوِيَّةً عَظِيمَةً وَطِبًّا رُوحَانِيًّا نَاجِعًا.
وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: وَكَذلِكَ إِلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا مِنَ الْعِنَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ بِهِ، أَيْ وَمِثْلُ ذَلِكَ الِاجْتِبَاءِ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالتَّشْبِيهُ هُنَا تَشْبِيهُ تَعْلِيلٍ لِأَنَّهُ تَشْبِيهُ أَحَدِ الْمَعْلُولَيْنِ بِالْآخَرِ لِاتِّحَادِ الْعِلَّةِ. وَمَوْقِعُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مَوْقِعَ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ لِ يَجْتَبِيكَ الْمُبَيِّنِ لِنَوْعِ الِاجْتِبَاءِ وَوَجْهِهِ.
وَالِاجْتِبَاءُ: الِاخْتِيَارُ وَالِاصْطِفَاءُ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاجْتَبَيْناهُمْ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٨٧] ، أَيِ اخْتِيَارُهُ مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِ، أَوْ مِنْ بَيْنِ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ. وَقَدْ عَلِمَ يَعْقُوبُ- ﵇ ذَلِكَ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا وَدَلَالَتِهَا على رفْعَة شَأْنه فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَتِلْكَ إِذَا ضُمَّتْ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْفَضَائِلِ آلَتْ إِلَى اجْتِبَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ يُؤْذِنُ بِنُبُوءَتِهِ. وَإِنَّمَا عَلِمَ يَعْقُوبُ- ﵇ أَنَّ رِفْعَةَ يُوسُفَ- ﵇ فِي مُسْتَقْبَلِهِ رِفْعَةٌ إِلَهِيَّةٌ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى مُتَنَاسِبَةٌ فَلَمَّا كَانَ مَا ابتدأه بِهِ مِنَ النِّعَمِ اجْتِبَاءً وَكَمَالًا نَفْسِيًّا تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَا يَلْحَقُ بِهَا، مِنْ نَوْعِهَا.
стр. 4453
ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الِارْتِقَاءَ النَّفْسَانِيَّ الَّذِي هُوَ مِنَ الْوَارِدَاتِ الْإِلَهِيَّةِ غَايَتُهُ أَنْ يَبْلُغَ بِصَاحِبِهِ إِلَى النبوءة أَوِ الْحِكْمَةِ فَلِذَلِكَ عَلِمَ يَعْقُوبُ- ﵇ أَنَّ اللَّهَ سَيُعَلِّمُ يُوسُفَ- ﵇ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ، لِأَنَّ مُسَبِّبَ الشَّيْءِ مُسَبَّبٌ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فتعليم التّأويل ناشىء عَنِ التَّشْبِيهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: وَكَذلِكَ، وَلِأَنَّ اهْتِمَامَ يُوسُفَ- ﵇ بِرُؤْيَاهُ وَعَرْضِهَا عَلَى أَبِيهِ دَلَّ أَبَاهُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَوْدَعَ فِي نَفْسِ يُوسُفَ- ﵇ الِاعْتِنَاءَ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا وَتَعْبِيرِهَا. وَهَذِهِ آيَةُ عِبْرَةٍ بِحَالِ يَعْقُوبَ- ﵇ مَعَ ابْنِهِ إِذْ
أَشْعَرَهُ بِمَا تَوَسَّمَهُ مِنْ عِنَايَةِ اللَّهِ بِهِ لِيَزْدَادَ إِقْبَالًا عَلَى الْكَمَالِ بِقَوْلِهِ: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ.
وَالتَّأْوِيلُ: إِرْجَاعُ الشَّيْءِ إِلَى حَقِيقَتِهِ وَدَلِيلِهِ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [سُورَة آل عمرَان: ٧] .
والْأَحادِيثِ: يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ حَدِيثٍ بِمَعْنَى الشَّيْءِ الْحَادِثِ، فَتَأْوِيلُ الْأَحَادِيثِ: إِرْجَاعُ الْحَوَادِثِ إِلَى عِلَلِهَا وَأَسْبَابِهَا بِإِدْرَاكِ حَقَائِقِهَا عَلَى التَّمَامِ. وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِالْحِكْمَةِ، وَذَلِكَ بِالِاسْتِدْلَالِ بِأَصْنَافِ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْأَحَادِيثُ جَمْعَ حَدِيثٍ بِمَعْنَى الْخَبَرِ الْمُتَحَدَّثِ بِهِ، فَالتَّأْوِيلُ: تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا. سُمِّيَتْ أَحَادِيثُ لِأَنَّ الْمُرَائِيَ يتحدث بهَا الراؤون وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَمَلَهَا بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْقِصَّةِ وَقالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ [سُورَة يُوسُف: ١٠٠] . وَلَعَلَّ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مُرَادٌ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، أَوْ يَكُونُ اخْتِيَارُ هَذَا اللَّفْظِ إِيجَازًا مُعْجِزًا، إِذْ يَكُونُ قَدْ حُكِيَ بِهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ صَدَرَ مِنْ يَعْقُوبَ- ﵇ بِلُغَتِهِ يُعَبِّرُ عَنْ تَأْوِيلِ الْأَشْيَاءِ بِجَمِيعِ تِلْكَ الْمَعَانِي.
وَإِتْمَامُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ هُوَ إِعْطَاؤُهُ أَفْضَلَ النِّعَمِ وَهِي نعْمَة النبوءة، أَوْ هُوَ ضَمِيمُهُ الْملك إِلَى النبوءة وَالرِّسَالَةِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ إِتْمَامُ نِعْمَةِ الِاجْتِبَاءِ الْأُخْرَوِيِّ بِنِعْمَةِ الْمَجْدِ الدُّنْيَوِيِّ.
стр. 4454
وَعَلِمَ يَعْقُوبُ- ﵇ ذَلِكَ مِنْ دَلَالَةِ الرُّؤْيَا عَلَى سُجُودِ الْكَوَاكِبِ وَالنَّيِّرَيْنِ لَهُ، وَقَدْ عَلِمَ يَعْقُوبُ- ﵇ تَأْوِيلَ تِلْكَ بِإِخْوَتِهِ وَأَبَوَيْهِ أَوْ زَوْجِ أَبِيهِ وَهِيَ خَالَةُ يُوسُفَ- ﵇، وَعَلِمَ مِنْ تَمْثِيلِهِمْ فِي الرُّؤْيَا أَنَّهُمْ حِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ يَكُونُ أُخُوَتُهُ قَدْ نَالُوا النُّبُوءَةَ، وَبِذَلِكَ عَلِمَ أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَى إِخْوَتِهِ وَعَلَى زَوْجِ يَعْقُوبَ- ﵇ بالصديقية إِذا كَانَت زَوْجَة نبيء. فَالْمُرَادُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ خاصتهم وهم أنباؤه وَزَوْجُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِإِتْمَامِ النِّعْمَةِ لِيُوسُفَ- ﵇ إِعْطَاءُ الْمُلْكِ فَإِتْمَامِهَا عَلَى آلِ يَعْقُوبَ هُوَ أَنْ زَادَهُمْ عَلَى مَا أَعْطَاهُمْ مِنَ الْفَضْلِ نِعْمَةَ قَرَابَةِ الْمَلِكِ، فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ آلِهِ جَمِيعَ قَرَابَتِهِ.
وَالتَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ: كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ تَذْكِيرٌ لَهُ بِنِعَمٍ سَابِقَةٍ، وَلَيْسَ مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا. ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ إِتْمَامِ النِّعْمَةِ النُّبُوءَةَ فَالتَّشْبِيهُ تَامٌّ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ إِتْمَامِ النِّعْمَةِ الْمُلْكَ فَالتَّشْبِيهُ فِي إِتْمَامِ النِّعْمَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَجَعَلَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ- ﵉ أَبَوَيْنِ لَهُ لِأَنَّ لَهُمَا وِلَادَةً عَلَيْهِ، فَهُمَا أَبَوَاهُ
الْأَعْلَيَانِ بِقَرِينَةِ الْمقَام
كَقَوْل النبيء ﷺ : «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»
. وَجُمْلَةُ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ تَذْيِيلٌ بِتَمْجِيدِ هَذِهِ النِّعَمِ، وَأَنَّهَا كَائِنَةٌ عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَعَلِمُهُ هُوَ عِلْمُهُ بِالنُّفُوسِ الصَّالِحَةِ لِهَذِهِ الْفَضَائِلِ، لِأَنَّهُ خَلَقَهَا لِقَبُولِ ذَلِكَ فَعَلِمُهُ بِهَا سَابِقٌ، وَحِكْمَتُهُ وَضْعُ النِّعَمِ فِي مَوَاضِعِهَا الْمُنَاسِبَةِ.
وَتَصْدِيرُ الْجُمْلَةِ بِ إِنَّ لِلِاهْتِمَامِ لَا لِلتَّأْكِيدِ إِذْ لَا يَشُكُّ يُوسُفُ- ﵇ فِي عِلْمِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ. وَالِاهْتِمَامُ ذَرِيعَةٌ إِلَى إِفَادَةِ التَّعْلِيلِ. وَالتَّفْرِيعُ فِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالثَّنَاءِ عَلَى يُوسُفَ- ﵇ وَتَأَهُّلُهُ لِمِثْلِ تِلْكَ الْفَضَائِل.
стр. 4455
[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ٧]
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)
جُمْلَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ، وَهِيَ مَبْدَأُ الْقَصَصِ الْمَقْصُودِ، إِذْ كَانَ مَا قَبْلَهُ كَالْمُقَدِّمَةِ لَهُ الْمُنْبِئَةِ بِنَبَاهَةِ شَأْنِ صَاحِبِ الْقِصَّةِ، فَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَحِقَتْ يُوسُفَ- ﵇ وَلِهَذَا كَانَ أُسْلُوبُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ كَأُسْلُوبِ الْقَصَصِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا [سُورَة يُوسُف: ٨] نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [سُورَة ص: ٧٠، ٧١] إِلَى آخِرِ الْقِصَّة.
والظرفية الْمُسْتَفَاد مِنْ فِي ظَرْفِيَّةٌ مَجَازِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ مُقَارَنَةِ الدَّلِيلِ لِلْمَدْلُولِ بِمُقَارَنَةِ الْمَظْرُوفِ لِلظَّرْفِ، أَيْ لَقَدْ كَانَ شَأْنُ يُوسُفَ- ﵇ وَإِخْوَتِهِ مُقَارِنًا لِدَلَائِلَ عَظِيمَةٍ مِنَ الْعِبَرِ وَالْمَوَاعِظِ، وَالتَّعْرِيفُ بِعَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيرِهِ.
وَالْآيَاتُ: الدَّلَائِلُ عَلَى مَا تَتَطَلَّبُ مَعْرِفَتُهُ مِنَ الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ.
وَالْآيَاتُ حَقِيقَةٌ فِي آيَاتِ الطَّرِيقِ، وَهِيَ عَلَامَاتٌ يَجْعَلُونَهَا فِي الْمَفَاوِزِ تَكُونُ بَادِيَةً لَا تَغْمُرُهَا الرِّمَالُ لِتَكُونَ مُرْشِدَةً لِلسَّائِرِينَ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى حُجَجِ الصِّدْقِ، وَأَدِلَّةِ الْمَعْلُومَاتِ الدَّقِيقَةِ. وَجَمْعُ الْآيَاتِ هُنَا مُرَاعًى فِيهِ تَعَدُّدُهَا وَتَعَدُّدُ أَنْوَاعِهَا، فَفِي قِصَّةِ يُوسُفَ- ﵇ دَلَائِلُ عَلَى مَا لِلصَّبْرِ وَحُسْنِ الطَّوِيَّةِ مِنْ عَوَاقِبِ الْخَيْرِ وَالنَّصْرِ، أَوْ عَلَى مَا لِلْحَسَدِ وَالْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ مِنَ الْخَيْبَةِ وَالِانْدِحَارِ وَالْهُبُوطِ.
وَفِيهَا مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى صِدْقِ النَّبِيءِ- ﷺ ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ، إِذْ جَاءَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا أَحْبَارُ أَهْلِ الْكِتَابِ دُونَ قِرَاءَةٍ وَلَا كِتَابٍ وَذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ.
стр. 4456
وَفِي بَلَاغَةِ نَظْمِهَا وَفَصَاحَتِهَا مِنَ الْإِعْجَازِ مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ أَلْقَاهُ إِلَى رَسُولِهِ- ﷺ مُعْجِزَةً لَهُ عَلَى قَوْمِهِ أَهْلِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ.
وَالسَّائِلُونَ: مُرَادٌ مِنْهُمْ مَنْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ السُّؤَالُ عَنِ الْمَوَاعِظِ وَالْحِكَمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ [سُورَة فصلت: ١٠] . وَمِثْلَ هَذَا يُسْتَعْمَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِلتَّشْوِيقِ، وَالْحَثِّ عَلَى تَطَلُّبِ الْخَبَرِ وَالْقِصَّةِ. قَالَ طَرَفَةُ:
سَائِلُوا عَنَّا الَّذِي يَعْرِفُنَا ... بِقُوَانَا يَوْمَ تَحْلَاقِ اللمم
وَقَالَ السموأل أَوْ عَبْدُ الْمَلِكِ الْحَارِثِيُّ:
سَلِي إِنْ جَهِلْتِ النَّاسَ عَنَّا وَعَنْهُمُ ... فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ
وَقَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ:
طُلِّقْتِ إِنْ لَمْ تَسْأَلِي أَيُّ فَارِسٍ ... حَلِيلُكِ إِذْ لَاقَى صُدَاءً وَخَثْعَمَا
وَقَالَ أَنِيفُ بْنُ زِبَّانَ النَّبْهَانِيُّ:
فَلَمَّا الْتَقَيْنَا بَيْنَ السَّيْفِ بَيْنَنَا ... لِسَائِلَةٍ عَنَّا حَفِيٌّ سُؤَالُهَا
وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ يَكُونُ تَوْجِيهُهُ إِلَى ضَمِيرِ الْأُنْثَى، لِأَنَّ النِّسَاءَ يُعْنَيْنَ بِالسُّؤَالِ عَنِ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَا، وَلَمَّا جَاءَ الْقُرْآنُ وَكَانَتْ أَخْبَارُهُ الَّتِي يُشَوِّقُ إِلَى مَعْرِفَتِهَا أَخْبَارُ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ صَرَفَ ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالَ عَنِ التَّوْجِيهِ إِلَى ضَمِيرِ النِّسْوَةِ، وَوَجَّهَ إِلَى ضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ [سُورَة المعارج: ١] وَقَوْلِهِ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ [سُورَة النبأ: ١] .
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِ (السَّائِلِينَ) الْيَهُودُ إِذْ سَأَلَ فريق مِنْهُم النبيء ﷺ عَنْ ذَلِكَ. وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وَلَمْ يَكُنْ لِلْيَهُودِ مُخَالَطَةٌ للْمُسلمين بِمَكَّة.
стр. 4457
[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ٨]
إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨)
إِذْ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ (كَانَ) مِنْ قَوْلِهِ: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ [سُورَة يُوسُف: ٧] ، فَإِنَّ ذَلِكَ الزَّمَانَ مَوْقِعٌ مِنْ مَوَاقِعِ الْآيَاتِ فَإِنَّ فِي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ حِينَئِذٍ عِبْرَةً مِنْ عِبَرِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ حَسَدِ الْإِخْوَةِ وَالْأَقْرِبَاءِ، وَعِبْرَةٌ مِنَ الْمُجَازَفَةِ فِي تَغْلِيطِهِمْ أَبَاهُمْ، وَاسْتِخْفَافِهِمْ بِرَأْيهِ غُرُورًا مِنْهُمْ، وَغَفْلَةً عَنْ مَرَاتِبِ مُوجِبَاتِ مَيْلِ الْأَبِ إِلَى
بَعْضِ أَبْنَائِهِ. وَتِلْكَ الْآيَاتُ قَائِمَةٌ فِي الْحِكَايَةِ عَنْ ذَلِكَ الزَّمَنِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الْمَحْكِيُّ عَنْهُمْ قَوْلُ تَآمُرٍ وَتَحَاوُرٍ.
وَافْتِتَاحُ الْمَقُولِ بِلَامِ الِابْتِدَاءِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّوْكِيدِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ الْخَبَرِ. وَالْمُرَادُ: تَوْكِيدُ لَازِمِ الْخَبَرِ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَشُكُّ فِي أَنَّ يُوسُفَ- ﵇ وَأَخَاهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِيهِمْ مِنْ بَقِيَّتِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا سَوَاءً فِي الْحَسَدِ لَهُمَا وَالْغَيْرَةِ مِنْ تَفْضِيلِ أَبِيهِمْ إِيَّاهُمَا عَلَى بَقِيَّتِهِمْ، فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ إِقْنَاعَ بعض بذلك ليتمالؤوا عَلَى الْكَيْدِ لِيُوسُفَ- ﵇ وَأَخِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: وَنَحْنُ عُصْبَةٌ، وَقَوْلُهُ: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ [سُورَة يُوسُفَ: ١٠] فَقَائِلُ الْكَلَامِ بَعْضُ إِخْوَتِهِ، أَيْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ اقْتُلُوا يُوسُفَ [سُورَة يُوسُفَ: ٩] وَقَوْلُهُمْ: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ [سُورَة يُوسُفَ: ١٠] .
وَأَخُو يُوسُفَ- ﵇ أُرِيدَ بِهِ (بِنْيَامِينَ) وَإِنَّمَا خَصُّوهُ بِالْأُخُوَّةِ لِأَنَّهُ كَانَ شَقِيقَهُ، أُمُّهُمَا (رَاحِيلُ) بِنْتُ (لَابَانَ) ، وَكَانَ بَقِيَّةُ إِخْوَتِهِ إِخْوَةً لِلْأَبِ، أُمُّ بَعْضِهِمْ (لَيْئَةُ) بِنْتُ (لَابَانَ) ، وَأُمُّ بَعْضِهِمْ (بِلِهَةُ) جَارِيَةُ (لَيْئَةَ) وَهَبَتْهَا (لَيْئَةُ) لِزَوْجِهَا يَعْقُوبَ- ﵇.
وأَحَبُّ اسْمُ تَفْضِيلٍ، وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ يَتَعَدَّى إِلَى الْمُفَضَّلِ بِ (مِنْ) ، وَيَتَعَدَّى إِلَى الْمُفَضَّلِ عِنْدَهُ بِ (إِلَى) .
стр. 4458
وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ يُوسُفَ- ﵇ وَأَخَاهُ أَحَبُّ إِلَى يَعْقُوبَ- ﵇ مِنْهُمْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَعْوَى بَاطِلَةً أَثَارَ اعْتِقَادُهَا فِي نُفُوسِهِمْ شِدَّةَ الْغَيْرَةِ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ يُوسُفَ- ﵇ وَأَخِيهِ عَلَيْهِمْ فِي الْكَمَالَاتِ وَرُبَّمَا سَمِعُوا ثَنَاءَ أَبِيهِمْ عَلَى يُوسُفَ- ﵇ وَأَخِيهِ فِي أَعْمَالٍ تَصْدُرُ مِنْهُمَا أَوْ شَاهَدُوهُ يَأْخُذُ بِإِشَارَتِهِمَا أَوْ رَأَوْا مِنْهُ شَفَقَةً عَلَيْهِمَا لِصِغَرِهِمَا وَوَفَاةِ أُمِّهِمَا فَتَوَهَّمُوا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَشَدُّ حُبًّا إِيَّاهُمَا مِنْهُمْ تَوَهُّمًا بَاطِلًا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَعْوَاهُمْ مُطَابِقَةً لِلْوَاقِعِ وَتَكُونَ زِيَادَةُ مَحَبَّتِهِ إِيَّاهُمَا أَمْرًا لَا يَمْلِكُ صَرْفَهُ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ وِجْدَانٌ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤْثِرُهُمَا عَلَيْهِمْ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْأُمُورِ الظَّاهِرِيَّةِ وَيَكُونُ أَبْنَاؤُهُ قَدْ عَلِمُوا فَرْطَ مَحَبَّةِ أَبِيهِمْ إِيَّاهُمَا مِنَ التَّوَسُّمِ وَالْقَرَائِنِ لَا مِنْ تَفْضِيلِهِمَا فِي الْمُعَامَلَةِ فَلَا يَكُونُ يَعْقُوبُ- ﵇ مُؤَاخَذًا بِشَيْءٍ يُفْضِي إِلَى التَّبَاغُضِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ.
وَجُمْلَةُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ أَحَبُّ، أَيْ وَنَحْنُ أَكْثَرُ عَدَدًا.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْحَالِ التَّعَجُّبُ مِنْ تَفْضِيلِهِمَا فِي الْحُبِّ فِي حَالِ أَنَّ رَجَاءَ انْتِفَاعِهِ مِنْ
إِخْوَتِهِمَا أَشَدُّ مِنْ رَجَائِهِ مِنْهُمَا، بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الشَّائِعُ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْبَدْوِ مِنَ الِاعْتِزَازِ بِالْكَثْرَةِ، فَظَنُّوا مَدَارِكَ يَعْقُوبَ- ﵇ مُسَاوِيَةً لِمَدَارِكِ الدَّهْمَاءِ، وَالْعُقُولُ قَلَّمَا تُدْرِكُ مَرَاقِي مَا فَوْقَهَا، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ مَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْكَمَالِ مِنْ أَسْبَابِ التَّفْضِيلِ غَيْرُ مَا يَنْظُرُهُ مَنْ دُونَهُمْ.
وَتَكُونُ جُمْلَةُ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ تَعْلِيلًا لِلتَّعَجُّبِ وَتَفْرِيعًا عَلَيْهِ، وَضَمِيرُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ لِجَمِيعِ الْإِخْوَةِ عَدَا يُوسُفَ- ﵇ وَأَخَاهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا. وَالْمَقْصُودُ لَازِمُ الْخَبَرِ وَهُوَ تَجْرِئَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ إِتْيَانِ الْعَمَلِ الَّذِي سَيُغْرِيهِمْ بِهِ فِي قَوْلِهِمُ: اقْتُلُوا يُوسُفَ [سُورَة يُوسُفَ: ٩] ، أَيْ إِنَّا لَا يُعْجِزُنَا الْكَيْدُ لِيُوسُفَ- ﵇ وَأَخِيهِ فَإِنَّا عُصْبَةُ وَالْعُصْبَةُ يَهُونُ عَلَيْهِمُ الْعَمَلُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُهُ الْعَدَدُ الْقَلِيلُ كَقَوْلِهِ:
стр. 4459
قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ [سُورَة يُوسُف: ١٤] ، وَتَكُونُ جُمْلَةُ إِنَّ أَبانا تَعْلِيلًا لِلْإِغْرَاءِ وَتَفْرِيعًا عَلَيْهِ.
وَ «الْعُصْبَةُ: اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، مِثْلَ أَسْمَاءِ الْجَمَاعَاتِ، وَيُقَالُ:
الْعِصَابَةُ. قَالَ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ: تُطْلَقُ الْعُصْبَةُ عَلَى الْجَمَاعَةِ مِنْ عَشْرَةٍ إِلَى أَرْبَعِينَ» . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشْرَةٍ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَذَكَرُوا أَنَّ فِي مُصْحَفِ حَفْصَةٍ قَوْلَهُ تَعَالَى: «إِن الَّذين جاو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ أَرْبَعَةٌ مِنْكُمْ» .
وَكَانَ أَبْنَاءُ يَعْقُوبَ- ﵇ اثْنَيْ عَشَرَ، وَهُمُ الْأَسْبَاطُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أم يَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ الْآيَةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٤٠] .
والضلال إِخْطَاءُ مَسْلَكِ الصَّوَابِ. وَإِنَّمَا: أَرَادَ وَأَخْطَأَ التَّدْبِيرَ لِلْعَيْشِ لَا الْخَطَأُ فِي الدِّينِ وَالِاعْتِقَادِ. وَالتَّخْطِئَةُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَا تنَافِي الِاعْتِرَاف للمخطىء بالنبوءة.
[٩]
[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ٩]
اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (٩)
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَقَدِّمَ يُثِيرُ سُؤَالًا فِي نُفُوسِ السَّامِعِينَ عَنْ غَرَضِ الْقَائِلِينَ مِمَّا قَالُوهُ فَهَذَا الْمَقْصُودُ لِلْقَائِلِينَ. وَإِنَّمَا جَعَلُوا لَهُ الْكَلَامَ السَّابِقَ كَالْمُقَدِّمَةِ لِتَتَأَثَّرَ نُفُوسُ السَّامِعِينَ فَإِذَا أُلْقِيَ إِلَيْهَا الْمَطْلُوبُ كَانَتْ سَرِيعَةَ الِامْتِثَالِ إِلَيْهِ.
وَهَذَا فَنٌّ مِنْ صِنَاعَةِ الْخَطَابَةِ أَنْ يَفْتَتِحَ الْخَطِيبُ كَلَامَهُ بِتَهْيِئَةِ نُفُوسِ السَّامِعِينَ لِتَتَأَثَّرَ بِالْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ. فَإِنَّ حَالَةَ تَأَثُّرِ النُّفُوسِ تُغْنِي عَنِ الْخَطِيبِ
стр. 4460
غِنَاءَ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ مِنْ بَيَانِ الْعِلَلِ وَالْفَوَائِدِ، كَمَا قَالَ الْحَرِيرِيُّ فِي الْمَقَامَةِ الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ «فَلَمَّا دَفَنُوا الْمَيْتَ، وَفَاتَ قَوْلُ لَيْتَ، أَشْرَفَ شَيْخٌ مِنْ رِبَاوَةٍ، مُتَأَبِّطًا لِهِرَاوَةٍ، فَقَالَ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ» .
وَانْهَلَّ فِي الْخُطَبِ.
وَالْأَمْرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِرْشَادِ. وَأَرَادُوا ارْتِكَابَ شَيْءٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ يُوسُفَ وَأَبِيهِ- ﵉ تَفْرِقَةً لَا يُحَاوِلُ مِنْ جَرَّائِهَا اقْتِرَابًا بِأَنْ يَعْدِمُوهُ أَوْ يَنْقُلُوهُ إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى فَيَهْلَكُ أَوْ يُفْتَرَسُ.
وَهَذِهِ آيَةٌ مِنْ عِبَرِ الْأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ وَهِيَ التَّخَلُّصُ مِنْ مُزَاحَمَةِ الْفَاضِلِ بِفَضْلِهِ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ فِيهِ أَوْ مُسَاوِيَهُ بِإِعْدَامِ صَاحِبِ الْفَضْلِ وَهِيَ أَكْبَرُ جَرِيمَةٍ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْحَسَدِ، وَالْإِضْرَارِ بِالْغَيْرِ، وَانْتِهَاكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ، وَهُمْ قَدْ كَانُوا أَهْلَ دِينٍ وَمن بَيت نبوءة وَقَدْ أَصْلَحَ اللَّهُ حَالَهُمْ مِنْ بَعْدُ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ وَسَمَّاهُمُ الْأَسْبَاطَ.
وَانْتَصَبَ أَرْضاً عَلَى تَضْمِينِ اطْرَحُوهُ مَعْنَى أَوْدِعُوهُ، أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَوْ عَلَى تَشْبِيهِهِ بِالْمَفْعُولِ فِيهِ لِأَنَّ أَرْضاً اسْمُ مَكَانٍ فَلَمَّا كَانَ غَيْرَ مَحْدُودٍ وَزَادَ إِبْهَامًا بِالتَّنْكِيرِ عُومِلَ مُعَامَلَةَ أَسْمَاءِ الْجِهَاتِ، وَهَذَا أَضْعَفُ الْوُجُوهِ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ أَرْضٌ مَجْهُولَةٌ لِأَبِيهِ.
وَجَزْمُ يَخْلُ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ، أَيْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ.
وَالْخُلُوُّ: حَقِيقَتُهُ الْفَرَاغُ. وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ هُنَا مَجَازًا فِي عَدَمِ التَّوَجُّهِ لِمَنْ لَا يَرْغَبُونَ تَوَجُّهَهُ لَهُ، فَكَأَنَّ الْوَجْهَ خَلَا مِنْ أَشْيَاءٍ كَانَتْ حَالَّةً فِيهِ.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهُ لَكُمْ لَامُ الْعِلَّةِ، أَيْ يَخْلُ وَجْهُ أَبِيكُمْ لِأَجْلِكُمْ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَخْلُو مِمَّنْ عَدَاكُمْ فَيَنْفَرِدُ لَكُمْ.
стр. 4461
وَهَذَا الْمَعْنَى كِنَايَةُ تَلْوِيحٍ عَنْ خُلُوصِ مَحَبَّتِهِ لَهُمْ دُونَ مُشَارِكٍ.
وَعَطَفَ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ أَيْ مِنْ بَعْدِ يُوسُفَ- ﵇ عَلَى يَخْلُ لِيَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْجَوَابِ لِلْأَمْرِ. فَالْمُرَاد كَون ناشيء عَنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الصَّلَاحِ فِيهِ الصَّلَاحَ الدُّنْيَوِيَّ، أَيْ صَلَاحَ الْأَحْوَالِ فِي عَيْشِهِمْ مَعَ أَبِيهِمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الصَّلَاحَ الدِّينِيَّ.
وَإِنَّمَا لَمْ يُدَبِّرُوا شَيْئًا فِي إِعْدَامِ أَخِي يُوسُفَ- ﵇ شَفَقَةً عَلَيْهِ لِصِغَرِهِ.
وَإِقْحَامُ لَفْظِ قَوْماً بَيْنَ كَانَ وَخَبَرِهَا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ صَلَاحَ الْحَالِ صِفَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ فِيهِمْ كَأَنَّهُ مِنْ مُقَوِّمَاتِ قَوْمِيَّتِهِمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٦٤] وَعِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ فِي سُورَةِ يُونُسَ [١٠١] .
وَهَذَا الْأَمْرُ صَدَرَ مِنْ قَائِلِهِ وَسَامِعِيهِ مِنْهُمْ قبل اتّصافهم بالنبوءة أَوْ بِالْوِلَايَةِ لِأَنَّ فِيهِ ارْتِكَابَ كَبِيرَةِ الْقَتْلِ أَوِ التَّعْذِيبِ وَالِاعْتِدَاءِ، وكبيرة العقوق.
[١٠]
[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ١٠]
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠)
فَصْلُ جُمْلَةِ قالَ قائِلٌ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُقَاوَلَاتِ وَالْمُحَاوَرَاتِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٣٠] .
وَهَذَا الْقَائِلُ أَحَدُ الْإِخْوَةِ وَلِذَلِكَ وُصِفَ بِأَنَّهُ مِنْهُمْ.
وَالْعُدُولُ عَنِ اسْمِهِ الْعَلْمِ إِلَى التَّنْكِيرِ وَالْوَصْفِيَّةِ لِعَدَمِ الْجَدْوَى فِي مَعْرِفَةِ شَخْصِهِ وَإِنَّمَا الْمُهِمُّ أَنَّهُ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ. وَتَجَنُّبًا لِمَا فِي اسْمِهِ الْعَلَمِ مِنَ الثِّقَلِ
стр. 4462
اللَّفْظِيِّ الَّذِي لَا دَاعِيَ إِلَى ارْتِكَابِهِ. قِيلَ: إِنَّهُ (يَهُوذَا) وَقِيلَ: (شَمْعُونَ) وَقِيلَ (رُوبِينَ) ، وَالَّذِي فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْرَاةِ أَنَّهُ (رَاوبِينُ) صَدَّهُمْ عَنْ قَتْلِهِ وَأَنَّ يَهُوذَا دَلَّ عَلَيْهِ السَّيَّارَةَ كَمَا فِي الْإِصْحَاحِ ٣٧.
وَعَادَةُ الْقُرْآنِ أَنْ لَا يَذْكُرَ إِلَّا اسْمَ الْمَقْصُودِ مِنَ الْقِصَّةِ دُونَ أَسْمَاءِ الَّذِينَ شَمَلَتْهُمْ، مِثْلَ قَوْلِهِ: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [سُورَة غَافِر: ٢٨] .
وَالْإِلْقَاءُ: الرَّمْيُ.
وَالْغَيَابَاتُ: جَمْعُ غَيَابَةٍ، وَهِيَ مَا غَابَ عَنِ الْبَصَرِ مِنْ شَيْءٍ. فَيُقَالُ: غَيَابَةُ الْجُبِّ وَغَيَابَةُ الْقَبْرِ وَالْمُرَادُ قَعْرُ الْجُبِّ.
وَالْجُبُّ: الْبِئْرُ الَّتِي تُحْفَرُ وَلَا تُطْوَى.
وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَأَبُو جَعْفَرٍ «غَيَابَاتِ» بِالْجَمْعِ. وَمَعْنَاهُ جِهَاتُ تِلْكَ الْغَيَابَةِ، أَوْ يَجْعَلُ الْجَمْعَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي مَاهِيَّةِ الِاسْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ [سُورَة النُّور: ٤٠] وَقَرَأَ الْبَاقُونَ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ بِالْإِفْرَادِ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْجُبِّ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أَيْ فِي غَيَابَةِ جُبٍّ مِنَ الْجِبَابِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ادْخُلِ السُّوقَ. وَهُوَ فِي الْمَعْنَى كَالنَّكِرَةِ.
فَلَعَلَّهُمْ كَانُوا قَدْ عَهِدُوا جِبَابًا كَائِنَةً عَلَى أَبْعَادٍ مُتَنَاسِبَةٍ فِي طُرُقِ أَسْفَارِهِمْ يَأْوُونَ إِلَى قُرْبِهَا فِي مَرَاحِلِهِمْ لِسَقْيِ رَوَاحِلِهِمْ وَشُرْبِهِمْ، وَقَدْ تَوَخَّوْا أَنْ تَكُونَ طَرَائِقُهُمْ عَلَيْهَا، وَأَحْسَبُ أَنَّهَا كَانَتْ يَنْصَبُّ إِلَيْهَا مَاءُ السُّيُولِ، وَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بَعِيدَةَ الْقَعْرِ حَيْثُ عَلِمُوا أَنَّ إِلْقَاءَهُ فِي الْجُبِّ لَا يُهَشِّمُ عِظَامَهُ وَلَا مَاءَ فِيهِ فَيُغْرِقُهُ.
ويَلْتَقِطْهُ جَوَابُ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: وَأَلْقُوهُ. وَالتَّقْدِيرُ: إِنْ تُلْقُوهُ يَلْتَقِطُهُ.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّسَبُّبِ الَّذِي يُفِيدُهُ جَوَابُ الْأَمْرِ إِظْهَارُ أَنَّ مَا أَشَارَ بِهِ
стр. 4463
الْقَائِلُ مِنْ إِلْقَاءِ يُوسُفَ- ﵇ فِي غَيَابَةِ جُبٍّ هُوَ أَمْثَلُ مِمَّا أَشَارَ بِهِ الْآخَرُونَ مِنْ قَتْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ بِفَيْفَاءَ مُهْلِكَةٍ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ إِبْعَادُ يُوسُفَ- ﵇ عَنْ أَبِيهِ إِبْعَادًا لَا يُرْجَى بَعْدَهُ تَلَاقِيهِمَا دُونَ إِلْحَاقِ ضُرِّ الْإِعْدَامِ بِيُوسُفَ- ﵇ فَإِنَّ الْتِقَاطَ السَّيَّارَةِ إِيَّاهُ أَبْقَى لَهُ وَأَدْخَلُ فِي الْغَرَضِ مِنَ الْمَقْصُودِ لَهُمْ وَهُوَ إِبْعَادُهُ، لِأَنَّهُ إِذَا الْتَقَطَهُ السَّيَّارَةُ أَخَذُوهُ عِنْدَهُمْ أَوْ بَاعُوهُ فَزَادَ بُعْدًا عَلَى بُعْدٍ.
وَالِالْتِقَاطُ: تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ أَوِ الطَّرِيقِ، وَاسْتُعِيرَ لِأَخْذِ شَيْءٍ مُضَاعٍ.
وَالسَّيَّارَةُ: الْجَمَاعَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِحَالَةِ السَّيْرِ وَكَثْرَتِهِ، فَتَأْنِيثُهُ لِتَأْوِيلِهِ بِالْجَمَاعَةِ الَّتِي تَسِيرُ مِثْلَ الْفَلَّاحَةِ وَالْبَحَّارَةِ.
وَالتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الطَّرِيقَ لَا تَخْلُو مِنْ قَوَافِلَ بَيْنَ الشَّامِ وَمِصْرَ لِلتِّجَارَةِ وَالْمِيرَةِ.
وَجُمْلَةُ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ شَرْطٌ حُذِفَ جَوَابُهُ لِدَلَالَةِ وَأَلْقُوهُ، أَيْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ إِبْعَادَهُ عَنْ أَبِيهِ فَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَاتِ الْجُبِّ وَلَا تَقْتُلُوهُ.
وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِزِيَادَةِ التَّرَيُّثِ فِيمَا أَضْمَرُوهُ لَعَلَّهُمْ يَرَوْنَ الرُّجُوعَ عَنْهُ أَوْلَى مِنْ تَنْفِيذِهِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي شَرْطِهِ بِحَرْفِ الشَّرْطِ وَهُوَ إِنْ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ، فَكَانَ هَذَا الْقَائِلُ أَمْثَلَ الْإِخْوَةِ رَأَيًا وَأَقْرَبَهُمْ إِلَى التَّقْوَى، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ السَّيَّارَةَ يَقْصِدُونَ إِلَى جَمِيعِ الْجِبَابِ لِلِاسْتِقَاءِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ مُحْتَفَرَةً عَلَى مَسَافَاتِ مَرَاحِلِ السَّفَرِ. وَفِي هَذَا الرَّأْيِ عِبْرَةٌ فِي الِاقْتِصَادِ مِنَ الِانْتِقَامِ وَالِاكْتِفَاءِ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْغَرَضُ دون إفراط.
стр. 4464
[سُورَة يُوسُف (١٢) : الْآيَات ١١ إِلَى ١٢]
قالُوا يَا أَبانا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢)
اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّ سَوْقَ الْقِصَّةِ يَسْتَدْعِي تَسَاؤُلَ السَّامِعِ عَمَّا جَرَى بَعْدَ إِشَارَةِ أَخِيهِمْ عَلَيْهِمْ، وَهَلْ رَجَعُوا عَمَّا بَيَّتُوا وَصَمَّمُوا عَلَى مَا أَشَارَ بِهِ أَخُوهُمْ.
وَابْتِدَاءُ الْكَلَامِ مَعَ أَبِيهِمْ بِقَوْلِهِمْ: يَا أَبانا يَقْضِي أَنَّ تِلْكَ عَادَتُهُمْ فِي خِطَابِ الِابْنِ أَبَاهُ.
وَلَعَلَّ يَعْقُوبَ- ﵇ كَانَ لَا يَأْذَنُ لِيُوسُفَ- ﵇ بِالْخُرُوجِ مَعَ إِخْوَتِهِ لِلرَّعْيِ أَوْ لِلسَّبْقِ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ مِنْ كَيْدِهِمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَرِّحُ لَهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُهُمْ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ حَالَهُ فِي مَنْعِهِ مِنَ الْخُرُوجِ كَحَالِ مَنْ لَا يَأْمَنُهُمْ عَلَيْهِ فَنَزَّلُوهُ مَنْزِلَةَ مَنْ لَا يَأْمَنُهُمْ، وَأَتَوْا بِالِاسْتِفْهَامِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى نَفْيِ الِائْتِمَانِ.
وَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّ يَعْقُوبَ- ﵇ أَرْسَلَهُ إِلَى إِخْوَتِهِ وَكَانُوا قَدْ خَرَجُوا يَرْعَوْنَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَحْرِيفًا فَلَعَلَّ يَعْقُوبَ- ﵇ بَعْدَ أَنِ امْتَنَعَ مِنْ خُرُوجِ يُوسُفَ- ﵇ مَعَهُمْ سَمَحَ لَهُ بِذَلِكَ، أَوْ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ لَوْمَهُمْ عَلَيْهِ سَمَحَ لَهُ بِذَلِكَ.
وَتَرْكِيبُ مَا لَكَ لَا تَفْعَلُ. تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ فِي سُورَةِ يُونُسَ [٣٥] ، وَانْظُرْ قَوْلَهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ [٣٨] . وَقَوْلُهُ: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٨٨] .
وَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى قِرَاءَةِ لَا تَأْمَنَّا بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مُدْغَمَةٍ مِنْ نُونِ أَمِنَ وَنُونِ جَمَاعَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَهِيَ مَرْسُومَةٌ فِي الْمُصْحَفِ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ. وَاخْتَلَفُوا
стр. 4465
فِي كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِهَذِهِ النُّونِ بَيْنَ إِدْغَامٍ مَحْضٍ، وَإِدْغَامٍ بِإِشْمَامٍ، وَإِخْفَاءٍ بِلَا إِدْغَامٍ، وَهَذَا الْوَجْهُ الْأَخِيرُ مَرْجُوحٌ، وَأَرْجَحُ الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ الْإِدْغَامُ بِإِشْمَامٍ، وَهُمَا طَرِيقَتَانِ لِلْكُلِّ وَلَيْسَا مَذْهَبَيْنِ.
وَحَرْفُ عَلى الَّتِي يَتَعَدَّى بِهَا فِعْلُ الْأَمْنِ الْمَنْفِيِّ لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ بِمَعْنَى التَّمَكُّنِ مِنْ تَعَلُّقِ الِائْتِمَانِ بِمَدْخُولِ عَلى.
وَالنُّصْحُ عَمَلٌ أَوْ قَوْلٌ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمَنْصُوحِ، وَفِعْلُهُ يَتَعَدَّى بِاللَّامِ غَالِبًا وَبِنَفْسِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [٦٢] .
وَجُمْلَةُ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَتَيْ مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا وَجُمْلَةِ أَرْسِلْهُ. وَالْمَعْنَى هُنَا: أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ مَا فِيهِ نَفْعٌ لِيُوسُفَ- ﵇.
وَجُمْلَةُ أَرْسِلْهُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ الْإِنْكَارَ الْمُتَقَدِّمَ يُثِيرُ تَرَقُّبَ يَعْقُوبَ- ﵇ لِمَعْرِفَةِ مَا يُرِيدُونَ مِنْهُ لِيُوسُفَ- ﵇.
ويَرْتَعْ قَرَأَهُ نَافِعٌ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ- بِيَاءِ الْغَائِبِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ-. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ- بِنُونِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُشَارِكِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ- وَهُوَ على قراءتي هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ مُضَارِعُ ارْتَعَى وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ الرَّعْيِ لِلْمُبَالَغَةِ فِيهِ.
فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي أَكْلِ الْمَوَاشِي وَالْبَهَائِمِ وَاسْتُعِيرَ فِي كَلَامِهِمْ لِلْأَكْلِ الْكَثِيرِ لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الرِّيَاضِ وَالْأَرْيَافِ لِلَّعِبِ وَالسَّبْقِ تَقْوَى شَهْوَةُ الْأَكْلِ فِيهِمْ فَيَأْكُلُونَ أَكْلًا ذَرِيعًا فَلِذَلِكَ شَبَّهَ أَكْلَهُمْ بِأَكْلِ الْأَنْعَامِ. وَإِنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَسُرُّ أَبَاهُمْ أَنْ يَكُونُوا فَرِحِينَ.
وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ- بِنُونٍ وَسُكُونِ الْعَيْنِ-. وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ- بِيَاءِ الْغَائِبِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ- وَهُوَ عَلَى قِرَاءَتَيْ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ مُضَارِعُ رَتَعَ إِذَا أَقَامَ فِي خِصْبٍ وَسَعَةٍ مِنَ الطَّعَامِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ
стр. 4466
هَذَا مُسْتَعَارٌ مِنْ رَتَعَتِ الدَّابَّةُ إِذَا أَكَلَتْ فِي الْمَرْعَى حَتَّى شَبِعَتْ. فَمُفَادُ الْمَعْنَى عَلَى التَّأْوِيلَيْنِ وَاحِدٌ.
وَاللَّعِبُ: فِعْلٌ أَوْ كَلَامٌ لَا يُرَادُ مِنْهُ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُرَادَ بِمِثْلِهِ نَحْوَ الْجَرْيِ والقفز والسّبق والمراماة، نَحْوَ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
فَظَلَّ الْعَذَارَى يَرْتَمِينَ بِشَحْمِهَا يَقْصِدُ مِنْهُ الِاسْتِجْمَامَ وَدَفْعَ السَّآمَةِ. وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الشَّرَائِعِ كُلِّهَا إِذَا لَمْ يَصِرْ دَأَبًا. فَلَا وَجْهَ لِتَسَاؤُلِ صَاحب «الْكَشَّاف» على اسْتِجَازَةِ يَعْقُوبَ- ﵇ لَهُمُ اللَّعِبَ.
وَالَّذِينَ قَرَأُوا نَرْتَعْ بِنُونِ الْمُشَارَكَةِ قَرَأُوا وَنَلْعَبْ بِالنُّونِ أَيْضًا.
وَجُمْلَةُ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِثْلَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ [سُورَة يُوسُف: ١٠] . وَالتَّأْكِيدُ فِيهِمَا لِلتَّحْقِيقِ تَنْزِيلًا لِأَبِيهِمْ مَنْزِلَةَ الشَّاكِّ فِي أَنَّهُمْ يَحْفَظُونَهُ وَيَنْصَحُونَهُ كَمَا نَزَّلُوهُ مَنْزِلَةَ مَنْ لَا يَأْمَنُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ كَانَ لَا يَأْذَنُ لَهُ بِالْخُرُوجِ مَعَهُمْ لِلرَّعْيِ وَنَحْوِهِ.
وَتَقْدِيمُ لَهُ فِي لَهُ لَناصِحُونَ ولَهُ لَحافِظُونَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الرِّعَايَةِ
لِلْفَاصِلَةِ وَالِاهْتِمَامِ بِشَأْنِ يُوسُفَ- ﵇ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْقَصْرِ الِادِّعَائِيِّ جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ لِفَرْطِ عِنَايَتِهِمْ بِهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يَحْفَظُ غَيْرَهُ وَلَا يَنْصَحُ غَيْرَهُ.
وَفِي هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي تَوَاطَأُوا عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِيهِمْ عِبْرَة من تواطئ أَهْلِ الْغَرَضِ الْوَاحِدِ عَلَى التَّحَيُّلِ لِنَصْبِ الْأَحَابِيلِ لِتَحْصِيلِ غَرَضٍ دَنِيءٍ، وَكَيْفَ ابْتَدَأُوا بِالِاسْتِفْهَامِ عَنْ عَدَمِ أَمْنِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى أَخِيهِمْ وَإِظْهَارُ أَنَّهُمْ نُصَحَاءُ لَهُ، وَحَقَّقُوا ذَلِكَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَبِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، ثُمَّ أَظْهَرُوا أَنَّهُمْ مَا حَرَصُوا إِلَّا عَلَى فَائِدَةِ أَخِيهِمْ وَأَنَّهُمْ حَافِظُونَ لَهُ وَأَكَّدُوا ذَلِك أَيْضا.
стр. 4467
[سُورَة يُوسُف (١٢) : الْآيَات ١٣ إِلَى ١٤]
قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (١٤)
فَصْلُ جُمْلَةِ قالَ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَاوَرَةِ.
أَظْهَرَ لَهُمْ سَبَبَ امْتِنَاعِهِ مِنْ خُرُوجِ يُوسُفَ- ﵇ مَعَهُمْ إِلَى الرِّيفِ بِأَنَّهُ يُحْزِنُهُ لِبُعْدِهِ عَنْهُ أَيَّامًا، وَبِأَنَّهُ يَخْشَى عَلَيْهِ الذِّئَابَ، إِذْ كَانَ يُوسُفُ- ﵇ حِينَئِذٍ غُلَامًا، وَكَانَ قَدْ رُبِّيَ فِي دَعَةٍ فَلَمْ يَكُنْ مُرِّنَا بِمُقَاوَمَةِ الوحوش، والذئاب تجترىء عَلَى الَّذِي تُحِسُّ مِنْهُ ضَعْفًا فِي دِفَاعِهَا. قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبْعٍ الْفَزَارِيُّ يَشْكُو ضَعْفَ الشَّيْخُوخَةِ:
وَالذِّئْبُ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِي وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالْمَطَرَا
وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ يَذْكُرُ ذِئْبًا:
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَكَشَّرَ ضَاحِكًا ... وَقَائِمُ سَيْفِي مِنْ يَدِي بِمَكَانِ
تَعِشْ فَإِنْ عَاهَدْتَنِي لَا تَخُونَنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ
فَذِئَابُ بَادِيَةِ الشَّامِ كَانَتْ أَشَدَّ خُبْثًا مِنْ بَقِيَّةِ الذِّئَابِ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ كَذِئَابِ بِلَادِ الرُّوسِ. وَالْعَرَبُ يَقُولُونَ: إِنَّ الذِّئْبَ إِذَا حُورِبَ وَدَافَعَ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى عَضَّ الْإِنْسَانَ وَأَسَالَ دَمَهُ أَنَّهُ يَضْرَى حِينَ يَرَى الدَّمَ فَيَسْتَأْسِدُ عَلَى الْإِنْسَانِ، قَالَ:
فَكُنْتَ كَذِئْبِ السُّوءِ حِينَ رَأَى دَمًا ... بِصَاحِبِهِ يَوْمًا أَحَالَ عَلَى الدَّمِ
وَقَدْ يَتَجَمَّعُ سِرْبٌ مِنَ الذِّئَابِ فَتَكُونُ أَشَدَّ خَطَرًا عَلَى الْوَاحِدِ مِنَ النَّاسِ وَالصَّغِيرِ.
стр. 4468
وَالتَّعْرِيفُ فِي الذِّئْبُ تَعْرِيفُ الْحَقِيقَةِ وَالطَّبِيعَةِ، وَيُسَمَّى تَعْرِيفُ الْجِنْسِ. وَهُوَ هَنَا مُرَادٌ بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْ نَوْعِ الذِّئْبِ أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْهُ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ عَلَى الْجِنْسِ بِقَرِينَةِ أَنَّ الْأَكْلَ مِنْ أَحْوَالِ الذَّوَاتِ لَا مِنْ أَحْوَالِ الْجِنْسِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ أَيَّةُ ذَاتٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ دُونَ
تَعْيِينٍ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [سُورَة الْجُمُعَة: ٥] أَيْ فَرْدٍ مِنَ الْحَمِيرِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَقَرِينَةُ إِرَادَةِ الْفَرْدِ دُونَ الْجِنْسِ إِسْنَادُ حَمْلِ الْأَسْفَارِ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا يَحْمِلُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: (ادْخُلِ السُّوقَ) إِذَا أَرَدْتَ فَرْدًا مِنَ الْأَسْوَاقِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَقَوْلُكَ:
ادْخُلْ، قَرِينَةٌ عَلَى مَا ذُكِرَ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ شَبِيهٌ بِالنَّكِرَةِ فِي الْمَعْنَى إِلَّا أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ فَرْدٌ مِنَ الْجِنْسِ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا التَّعْرِيفِ بِاللَّامِ التَّعْرِيفُ بِعَلَمِ الْجِنْسِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ اللَّامِ وَبَيْنَ الْمُنْكَرِ كَالْفَرْقِ بَيْنَ عَلَمِ الْجِنْسِ وَالنَّكِرَةِ.
فَالْمَعْنَى: أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، أَيْ يَقْتُلَهُ فَيَأْكُلُ مِنْهُ فَإِنَّكُمْ تَبْعُدُونَ عَنْهُ، لِمَا يَعْلَمُ مِنْ إِمْعَانِهِمْ فِي اللَّعِبِ وَالشُّغْلِ باللهو والمسابقة، فتجتري الذِّئَابُ عَلَى يُوسُفَ- ﵇.
وَالذِّئْبُ: حَيَوَانٌ مِنَ الْفَصِيلَةِ الْكَلْبِيَّةِ، وَهُوَ كَلْبٌ بَرِّيٌّ وَحْشِيٌّ. مِنْ خُلُقِهِ الِاحْتِيَالُ وَالنُّفُورُ. وَهُوَ يَفْتَرِسُ الْغَنَمَ. وَإِذَا قَاتَلَ الْإِنْسَانَ فَجَرَحَهُ وَرَأَى عَلَيْهِ الدَّمَ ضَرَى بِهِ فَرُبَّمَا مَزَّقَهُ.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ يَعْقُوبُ- ﵇ أَنَّ ذَهَابَهُمْ بِهِ غَدًا يُحْدِثُ بِهِ حُزْنًا مُسْتَقْبَلًا (١) لِيَصْرِفَهُمْ عَنِ الْإِلْحَاحِ فِي طَلَبِ الْخُرُوجِ بِهِ لِأَنَّ شَأْنَ الِابْنِ الْبَارِّ أَنْ يَتَّقِيَ مَا يُحْزِنُ أَبَاهُ. стр. 4469
وَتَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِقَطْعِ إِلْحَاحِهِمْ بِتَحْقِيقِ أَنَّ حُزْنَهُ لِفِرَاقِهِ ثَابِتٌ، تَنْزِيلًا لَهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ، إِذْ رَأَى إِلْحَاحَهُمْ. وَيَسْرِي التَّأْكِيدُ إِلَى جُمْلَةِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ.
فَأَبَوْا إِلَّا الْمُرَاجَعَةَ قَالُوا: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ.
وَاللَّامُ فِي لَئِنْ أَكَلَهُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، أَرَادُوا تَأْكِيدَ الْجَوَابِ بِاللَّامِ. وَإِنْ وَلَامِ الِابْتِدَاءِ وَإِذَنِ الْجَوَابِيَّةِ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ خُسْرَانِهِمْ عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِ الشَّرْطِ. وَالْمُرَادُ:
الْكِنَايَةُ عَنْ عَدَمِ تَفْرِيطِهِمْ فِيهِ وَعَنْ حِفْظِهِمْ إِيَّاهُ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَرْضَى أَنْ يُوصَفَ بِالْخُسْرَانِ.
وَالْمُرَادُ بِالْخُسْرَانِ: انْتِفَاءُ النَّفْعِ الْمَرْجُوِّ مِنَ الرِّجَالِ، اسْتَعَارُوا لَهُ انْتِفَاءَ نَفْعِ التَّاجِرِ مِنْ تَجْرِهِ، وَهُوَ خَيْبَةٌ مَذْمُومَةٌ، أَيْ إِنَّا إِذَنْ لَمَسْلُوبُونَ مِنْ صِفَاتِ الْفُتُوَّةِ مِنْ قُوَّةٍ وَمَقْدِرَةٍ وَيَقَظَةٍ. فَكَوْنُهُمْ عُصْبَةً يَحُولُ دُونَ تَوَاطِيهِمْ عَلَى مَا يُوجِبُ الْخُسْرَانَ لِجَمِيعِهِمْ. وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الْعُصْبَةِ آنِفًا، وَفِي هَذَا عِبْرَةٌ مِنْ مِقْدَارِ إِظْهَارِ الصَّلَاحِ مَعَ اسْتِبْطَانِ الضُّرِّ وَالْإِهْلَاكِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِتَحْقِيقِ هَمْزَةِ الذِّئْبُ عَلَى الْأَصْلِ. وَقَرَأَهُ وَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ، وَالسُّوسِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ بِتَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ يَاءً. وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ نُسِبَ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ إِلَى خَلَفٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ، وَذَلِكَ لَا يُعْرَفُ فِي كُتُبِ الْقِرَاءَاتِ. وَفِي الْبَيْضَاوِيُّ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو أَظْهَرَ الْهَمْزَةَ فِي التَّوَقُّفِ، وَأَنَّ حَمْزَةَ أَظْهَرَهَا فِي الْوَصْل.
стр. 4470
[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ١٥]
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)
تَفْرِيعُ حِكَايَةِ الذَّهَابِ بِهِ وَالْعَزْمِ عَلَى إِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ عَلَى حِكَايَةِ الْمُحَاوَرَةِ بَيْنَ يَعْقُوبَ- ﵇ وَبَنِيهِ فِي مُحَاوَلَةِ الْخُرُوجِ بِيُوسُفَ- ﵇ إِلَى الْبَادِيَةِ يُؤْذِنُ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ فِيهَا ذِكْرُ أَنَّهُمْ أَلَحُّوا عَلَى يَعْقُوبَ- ﵇ حَتَّى أَقْنَعُوهُ فَأَذِنَ لِيُوسُفَ- ﵇ بِالْخُرُوجِ مَعَهُمْ، وَهُوَ إِيجَازٌ.
وَالْمَعْنَى: فَلَمَّا أَجَابَهُمْ يَعْقُوبُ- ﵇ إِلَى مَا طَلَبُوا ذَهَبُوا بِهِ وَبَلَغُوا الْمَكَانَ الَّذِي فِيهِ الْجُبُّ.
وَفِعْلُ (أَجْمَعَ) يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ بِنَفْسِهِ. وَمَعْنَاهُ: صَمَّمَ عَلَى الْفِعْلِ، فَقَوْلُهُ: أَنْ يَجْعَلُوهُ هُوَ مَفْعُولُ وَأَجْمَعُوا.
وَجَوَابُ (لَمَّا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ، وَالتَّقْدِيرُ: جَعَلُوهُ فِي الْجُبِّ. وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ. وَهُوَ مِنَ الْإِيجَازِ الْخَاصِّ بِالْقُرْآنِ فَهُوَ تَقْلِيلٌ فِي اللَّفْظِ لِظُهُورِ الْمَعْنَى.
وَجُمْلَةُ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ، لِأَنَّ هَذَا الْمُوحَى مِنْ مُهِمِّ عِبَرِ الْقِصَّةِ.
وَقِيلَ: الْوَاوُ مَزِيدَةٌ وَجُمْلَةُ أَوْحَيْنا هُوَ جَوَابُ (لَمَّا) ، وَقَدْ قِيلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي قَوْله امْرِئِ الْقَيْسِ:
فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى ... ... الْبَيْتَ.
وَقِيلَ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يَا إِبْراهِيمُ [سُورَة الصافات: ١٠٣، ١٠٤] الْآيَةَ وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ نَظَرٌ.
стр. 4471
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: إِلَيْهِ عَائِدٌ إِلَى يُوسُفَ- ﵇ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ مُقْتَصِرِينَ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنَّهُ قِيلَ الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى يَعْقُوبَ- ﵇.
وَجُمْلَةُ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا بَيَانٌ لِجُمْلَةِ أَوْحَيْنا. وَأُكِّدَتْ بِاللَّامِ وَنُونِ التَّوْكِيدِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهَا سَوَاءً كَانَ الْمُرَادُ مِنْهَا الْإِخْبَارُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ أَوِ الْأَمْرِ فِي الْحَالِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ فَهَذَا الْوَحْيُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِلْهَامًا أَلْقَاهُ اللَّهُ فِي نَفْسِ يُوسُفَ- ﵇ حِينَ كَيْدِهِمْ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَحْيٌ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ فَيَكُونُ إِرْهَاصًا لِيُوسُفَ- ﵇ قبل النّبوءة رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لِيُزِيلَ عَنْهُ كَرْبَهُ، فَأَعْلَمَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُهُ مِنْ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ وَتَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ عَلَى الَّذِينَ كَادُوا لَهُ، وَإِيذَانٌ بِأَنَّهُ سَيُؤَانِسُهُ فِي وَحْشَةِ الْجُبِّ بِالْوَحْيِ وَالْبِشَارَةِ، وَبِأَنَّهُ سَيُنَبِّئُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِخْوَتَهُ بِمَا فَعَلُوهُ مَعَهُ كَمَا تُؤْذِنُ بِهِ نُونُ التَّوْكِيدِ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِالْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَجَاتَهُ وَتَمَكُّنَهُ مِنْ إِخْوَتِهِ لِأَنَّ الْإِنْبَاءَ بِذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي حَالِ تَمَكُّنٍ مِنْهُمْ وَأَمْنٍ مِنْ شَرِّهِمْ.
وَمَعْنَى بِأَمْرِهِمْ: بِفِعْلِهِمُ الْعَظِيمِ فِي الْإِسَاءَةِ.
وَجُمْلَةُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ لَتُخْبِرَنَّهُمْ بِمَا فَعَلُوا بِكَ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّكَ أَخُوهُمْ بَلْ فِي حَالَةِ يَحْسَبُونَهُ مُطَّلِعًا عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ مُتَكَهِّنًا بِهَا، وَذَلِكَ إِخْبَارٌ بِمَا وَقَعَ بَعْدَ سِنِينَ مِمَّا حُكِيَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ [سُورَة يُوسُف: ٨٩] الْآيَتَيْنِ.
وَعَلَى احْتِمَالِ عَوْدِ ضَمِيرِ إِلَيْهِ عَلَى يَعْقُوبَ- ﵇ فَالْوَحْيُ هُوَ إِلْقَاءُ اللَّهِ إِلَيْهِ ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ، وَالْوَاوُ أَظْهَرُ فِي الْعَطْفِ حِينَئِذٍ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ إِلَى آخِرِهَا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ. ولَتُنَبِّئَنَّهُمْ أَمْرٌ، أَيْ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ نَبِّئْهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا، أَيْ أَشْعَرِهِمْ بِمَا كَادُوا لِيُوسُفَ-
стр. 4472
عَلَيْهِ السَّلَامُ-، إِشْعَارًا بِالتَّعْرِيضِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ [سُورَة يُوسُف: ١٣] .
وَجُمْلَةُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ جَمْعِ الْغَائِبِينَ، أَيْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّنَا أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ بِذَلِكَ.
وَهَذَا الْجُبُّ الَّذِي أُلْقِيَ فِيهِ يُوسُفُ- ﵇ وَقَعَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ فِي أَرْضِ (دَوْثَانَ) ، وَدَوْثَانَ كَانَتْ مَدِينَةً حَصِينَةً وَصَارَتْ خَرَابًا. وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ كَانَتْ حَوْلَهُ صَحْرَاءُ هِيَ مَرْعَى وَمَرْبَعٌ. وَوَصْفُ الْجُبِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ الْقَوَافِلِ. وَاتَّفَقَ وَاصِفُو الْجُبِّ عَلَى أَنَّهُ بَيْنَ (بَانْيَاسَ) وَ (طَبَرِيَّةَ) . وَأَنَّهُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا مِنْ طَبَرِيَّةَ مِمَّا يَلِي دِمَشْقَ، وَأَنَّهُ قُرْبَ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا (سَنْجَلُ أَوْ سَنْجِيلُ) . قَالَ قُدَامَةُ: هِيَ طَرِيقُ الْبَرِيدِ بَيْنَ بَعْلَبَكَّ وَطَبَرِيَّةَ.
وَوَصَفَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ بِالضَّبْطِ الْمَأْخُوذِ مِنَ الْأَوْصَافِ التَّارِيخِيَّةِ الْقَدِيمَةِ أَنَّهُ الطَّرِيقُ الْكُبْرَى بَيْنَ الشَّامِ وَمِصْرَ. وَكَانَتْ تَجْتَازُ الْأُرْدُنَّ تَحْتَ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ وَتَمُرُّ عَلَى (دَوْثَانَ) وَكَانَتْ تَسْلُكُهَا قَوَافِلُ الْعَرَبِ الَّتِي تَحْمِلُ الْأَطْيَابَ إِلَى الْمَشْرِقِ، وَفِي هَذِهِ الطَّرِيقِ جِبَابٌ كَثِيرَةٌ فِي (دَوْثَانَ) . وَجُبُّ يُوسُفَ مَعْرُوفٌ بَيْنَ طَبَرِيَّةَ وَصَفَدَ، بُنِيَتْ عَلَيْهِ قُبَّةٌ فِي زَمَنِ الدَّوْلَةِ الْأَيُّوبِيَّةِ بِحَسَبِ التَّوَسُّمِ وَهِيَ قَائِمَةٌ إِلَى الْآنَ.
[١٦- ١٨]
[سُورَة يُوسُف (١٢) : الْآيَات ١٦ الى ١٨]
وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يَا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ (١٨)
وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يَا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ عطف على جملَة فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ [سُورَة يُوسُف: ١٥]
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ عَطْفُ جُزْءِ الْقِصَّةِ.
стр. 4473
وَالْعِشَاءُ: وَقْتُ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الْبَاقِي مِنْ بَقَايَا شُعَاعِ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِهَا.
وَالْبُكَاءُ: خُرُوجُ الدُّمُوعِ مِنَ الْعَيْنَيْنِ عِنْدَ الْحُزْنِ وَالْأَسَفِ وَالْقَهْرِ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً [سُورَة التَّوْبَة: ٨٢] . وَقَدْ أُطْلِقَ هُنَا عَلَى الْبُكَاءِ الْمُصْطَنَعِ وَهُوَ التَّبَاكِي. وَإِنَّمَا اصْطَنَعُوا الْبُكَاءَ تَمْوِيهًا عَلَى أَبِيهِمْ لِئَلَّا يَظُنُّ بِهِمْ أَنَّهُمُ اغْتَالُوا يُوسُفَ- ﵇، وَلَعَلَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ مَقْدِرَةٌ عَلَى الْبُكَاءِ مَعَ عَدَمِ وِجْدَانِ مُوجِبِهِ، وَفِي النَّاسِ عَجَائِبُ مِنَ التَّمْوِيهِ وَالْكَيْدِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ تَتَأَثَّرُ أَعْصَابُهُمْ بِتَخَيُّلِ الشَّيْءِ وَمُحَاكَاتِهِ فَيَعْتَرِيهِمْ مَا يَعْتَرِي النَّاسَ بِالْحَقِيقَةِ.
وَبَعْضُ الْمُتَظَلِّمِينَ بِالْبَاطِلِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَفِطْنَةُ الْحَاكِمِ لَا تَنْخَدِعُ لِمِثْلِ هَذِهِ الْحِيَلِ
وَلَا تَنُوطُ بِهَا حُكْمًا، وَإِنَّمَا يُنَاطُ الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ.
جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى شُرَيْحٍ تُخَاصِمُ فِي شَيْءٍ وَكَانَتْ مُبْطِلَةً فَجَعَلَتْ تَبْكِي، وَأَظْهَرَ شُرَيْحٌ عَدَمَ الِاطْمِئْنَانِ لِدَعْوَاهَا، فَقِيلَ لَهُ: أَمَا تَرَاهَا تَبْكِي؟! فَقَالَ: قَدْ جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ- ﵇ أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ وَهُمْ ظَلَمَةٌ كَذَبَةٌ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْضِيَ إِلَّا بِالْحَقِّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بُكَاءَ الْمَرْءِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَقَالِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَصَنُّعًا. وَمِنَ الْخَلْقِ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدِرُ.
قُلْتُ: وَمِنَ الْأَمْثَالِ «دُمُوعُ الْفَاجِرِ بِيَدَيْهِ» وَهَذِهِ عِبْرَةٌ فِي هَذِهِ الْعِبْرَةِ.
وَالِاسْتِبَاقُ: افْتِعَالٌ مِنَ السَّبْقِ وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى التَّسَابُقِ قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : «وَالِافْتِعَالُ وَالتَّفَاعُلُ يَشْتَرِكَانِ كَالِانْتِضَالِ وَالتَّنَاضُلِ، وَالِارْتِمَاءِ وَالتَّرَامِي، أَيْ فَهُوَ بِمَعْنَى الْمُفَاعَلَةِ.
وَلِذَلِكَ يُقَالُ: السِّبَاقُ أَيْضًا. كَمَا يُقَالُ النِّضَالُ وَالرِّمَاءُ» . وَالْمُرَادُ: الِاسْتِبَاقُ بِالْجَرْيِ عَلَى الْأَرْجُلِ، وَذَلِكَ مِنْ مَرَحِ الشَّبَابِ وَلَعِبِهِمْ.
وَالْمَتَاعُ: مَا يُتَمَتَّعُ أَيْ يُنْتَفَعُ بِهِ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [١٠٢] . وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا ثَقَلُهُمْ مِنَ الثِّيَابِ وَالْآنِيَةِ وَالزَّادِ.
стр. 4474
وَمَعْنَى فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ قَتَلَهُ وَأَكَلَ مِنْهُ، وَفِعْلُ الْأَكْلِ يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ الشَّيْءِ. وَالْمُرَادُ بَعْضُهُ. يُقَالُ أَكَلَهُ الْأَسَدُ إِذَا أَكَلَ مِنْهُ. قَالَ تَعَالَى: وَما أَكَلَ السَّبُعُ [سُورَة الْمَائِدَة: ٣] عَطْفًا عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ عَنْ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهَا، أَيْ بِقَتْلِهَا.
وَمِنْ كَلَامِ عُمَرَ حِينَ طَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ «أَكَلَنِي الْكَلْبُ» ، أَيْ عَضَّنِي.
وَالْمُرَادُ بِالذِّئْبِ جَمْعٌ مِنَ الذِّئَابِ عَلَى مَا عَرَفْتَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ [سُورَة يُوسُف: ١٣] بِحَيْثُ لَمْ يَتْرُكِ الذِّئَابُ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا فَدَفَنَّاهُ.
وَقَوْلُهُ: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي لَازِمِ الْفَائِدَةِ. وَهُوَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ عَلِمَ بِمَضْمُونِ الْخَبَرِ. وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِيمَا ادَّعَوْهُ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَبَاهُمْ لَا يُصَدِّقُهُمْ فِيهِ، فَلَمْ يَكُونُوا طَامِعِينَ بِتَصْدِيقِهِ إِيَّاهُمْ.
وَفِعْلُ الْإِيمَانِ يُعَدَّى بِاللَّامِ إِلَى الْمُصَدَّقِ- بِفَتْحِ الدَّالِ- كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [سُورَة العنكبوت: ٢٦] . وَتَقَدَمَ بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ فِي سُورَةِ يُونُسَ [٨٣] .
وَجُمْلَةُ وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ فَالْوَاوُ وَاوُ الْحَالِ. وَلَوْ اتِّصَالِيَّةٌ، وَهِي تفِيد أَنه مَضْمُونَ مَا بَعْدَهَا هُوَ أَبْعَدُ الْأَحْوَالِ عَنْ تَحَقُّقِ مَضْمُونِ مَا قَبْلَهَا فِي ذَلِكَ الْحَالِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، أَيْ نَحْنُ نَعْلَمُ انْتِفَاءَ إِيمَانِكَ لَنَا فِي الْحَالَيْنِ فَلَا نَطْمَعُ أَنَّ نُمَوِّهَ عَلَيْكَ.
وَلَيْسَ يَلْزَمُ تَقْدِيرُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ هُوَ ضِدُّ الشَّرْطِ الْمَنْطُوقِ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ تَقْدِيرٌ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ عَلَى جَعْلِ الْوَاوِ لِلْحَالِ مَعَ (لَوْ وَإِنْ) الْوَصْلِيَّتَيْنِ وَلَيْسَ يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، أَلَا تَرَى قَوْلَ الْمَعَرِّي:
وَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ الْأَخِيرَ زَمَانُهُ ... لَآتٍ بِمَا لَمْ تَسْتَطِعْهُ الْأَوَائِلُ
كَيْفَ لَا يَسْتَقِيمُ تَقْدِيرُ إِنِّي إِنْ كُنْتُ الْمُتَقَدِّمَ زَمَانُهُ بَلْ وَإِنْ كُنْتُ الْأَخِيرَ زَمَانُهُ. فَشَرْطُ (لَوِ) الْوَصْلِيَّةُ وَ (إِنْ) الْوَصْلِيَّةُ لَيْسَ لَهُمَا مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ،
стр. 4475
لِأَنَّ الشَّرْطَ مَعَهُمَا لَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ.
وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ (لَوِ) الْوَصْلِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٧٠] ، وَعِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً فِي سُورَةِ آلِ عمرَان [٩١] .
وَجُمْلَة وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَلَمَّا كَانَ الدَّمُ مُلَطَّخًا بِهِ الْقَمِيصُ وَكَانُوا قَدْ جَاءُوا مُصَاحِبِينَ لِلْقَمِيصِ فَقَدْ جَاءُوا بِالدَّمِ عَلَى الْقَمِيصِ.
وَوَصَفُ الدَّمِ بِالْكَذِبِ وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ، وَالْمَصْدَرُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ، أَيْ مَكْذُوبٍ كَوْنُهُ دَمَ يُوسُفَ- ﵇ إِذْ هُوَ دَمُ جَدْيٍ، فَهُوَ دَمٌ حَقًّا لَكِنَّهُ لَيْسَ الدَّمُ الْمَزْعُومُ. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا كَيْفِيَّةً مِنْ كَيْفِيَّاتِ تَمْوِيهِ الدَّمِ وَحَالَةِ الْقَمِيصِ بِحَالِ قَمِيصِ مَنْ يَأْكُلُهُ الذِّئْبُ مِنْ آثَارِ تَخْرِيقٍ وَتَمْزِيقٍ مِمَّا لَا تَخْلُو عَنْهُ حَالَةُ افْتِرَاسِ الذِّئْبِ، وَأَنَّهُمْ أَفْطَنُ مِنْ أَنْ يَفُوتَهُمْ ذَلِكَ وَهُمْ عُصْبَةٌ لَا يَعْزُبُ عَنْ مَجْمُوعِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ. فَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ أَنَّ يَعْقُوبَ- ﵇ قَالَ لِأَبْنَائِهِ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ذِئْبًا أَحْلَمُ مِنْ هَذَا، أَكَلَ ابْنِي وَلَمْ يُمَزِّقْ قَمِيصَهُ، فَذَلِكَ مِنْ تَظَرُّفَاتِ الْقَصَصِ.
وَقَوْلُهُ: عَلى قَمِيصِهِ حَالٌ مِنْ (دَمٍ) فَقُدِّمَ عَلَى صَاحِبِ الْحَالِ.
قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ.
حَرْفُ الْإِضْرَابِ إِبْطَالٌ لِدَعْوَاهُمْ أَنَّ الذِّئْبَ أَكَلَهُ فَقَدْ صَرَّحَ لَهُمْ بِكَذِبِهِمْ.
وَالتَّسْوِيلُ: التَّسْهِيلُ وَتَزْيِينُ النَّفْسِ مَا تَحْرِصُ عَلَى حُصُولِهِ.
وَالْإِبْهَامُ الَّذِي فِي كَلِمَةِ أَمْراً يَحْتَمِلُ عِدَّةَ أَشْيَاءَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْذُوا بِهِ
стр. 4476
يُوسُفَ- ﵇: مِنْ قَتْلٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ تَغْرِيبٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعْيِينَ مَا فَعَلُوهُ. وَتَنْكِيرُ أَمْراً لِلتَّهْوِيلِ.
وَفُرِّعَ عَلَى ذَلِكَ إِنْشَاءُ التَّصَبُّرِ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ نَائِبٌ مَنَابَ اصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا. عَدَلَ بِهِ عَنِ النَّصْبِ إِلَى الرَّفْعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فِي سُورَةِ هُودٍ [٦٩] . وَيَكُونُ ذَلِكَ اعْتِرَاضًا فِي أَثْنَاءِ خِطَابِ أَبْنَائِهِ، أَوْ يَكُونُ تَقْدِيرُ: اصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، عَلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِنَفْسِهِ. وَيَجُوزُ أَن يكون فَصَبْرٌ جَمِيلٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، أَيْ فَأَمْرِي صَبْرٌ. أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ كَذَلِكَ.
وَالْمَعْنَى عَلَى الْإِنْشَاءِ أَوْقَعُ، وَتَقَدَّمَ الصَّبْرُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٤٥] .
وَوَصْفُ جَمِيلٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا كَاشِفًا إِذِ الصَّبْرُ كُلُّهُ حَسَنٌ دُونَ الْجَزَعِ.
كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ كُنَيفٍ النَّبْهَانِيُّ:
تَصَبَّرْ فَإِنَّ الصَّبْرَ بِالْحُرِّ أَجْمَلُ ... وَلَيْسَ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ مُعَوَّلُ
أَيْ أَجْمَلُ مِنَ الْجَزَعِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا مُخَصَّصًا. وَقَدْ فُسِّرَ الصَّبْرُ الْجَمِيلُ بِالَّذِي لَا يُخَالِطُهُ جَزَعٌ.
وَالْجَمَالُ: حُسْنُ الشَّيْءِ فِي صِفَاتِ مَحَاسِنِ صِنْفِهِ، فَجَمَالُ الصَّبْرِ أَحْسَنُ أَحْوَالِهِ، وَهُوَ أَنْ لَا يُقَارِنُهُ شَيْءٌ يُقَلِّلُ خَصَائِصَ مَاهِيَّتِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَن النبيء ﵇ مَرَّ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ لَهَا:
«اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي» ، فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي- وَلَمْ تَعْرِفْهُ- فَلَمَّا انْصَرَفَ مَرَّ بِهَا رَجُلٌ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيءُ ﷺ . فَأَتَت بَاب النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 4477
فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى»
أَيِ الصَّبْرُ الْكَامِلُ.
وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فَتَكُونُ مُحْتَمِلَةً لِلْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنْ إِنْشَاءِ الِاسْتِعَانَةِ أَوِ الْإِخْبَارِ بِحُصُولِ اسْتِعَانَتِهِ بِاللَّهِ عَلَى تَحَمُّلِ الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ أَرَادَ الِاسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ لِيُوسُفَ- ﵇ عَلَى الْخَلَاصِ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ.
وَالتَّعْبِيرُ عَمَّا أَصَابَ يُوسُفَ- ﵇ ب مَا تَصِفُونَ فِي غَايَةِ الْبَلَاغَةِ لِأَنَّهُ كَانَ وَاثِقًا بِأَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِي الصِّفَةِ وَوَاثِقًا بِأَنَّهُمْ أَلْحَقُوا بِيُوسُفَ- ﵇ ضُرًّا فَلَمَّا لَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدَهُ الْمُصَابُ أَجْمَلَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ إِجْمَالًا مُوَجَّهًا لِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ مَا يَصِفُونَهُ هُوَ مَوْتُهُ بِأَكْلِ الذِّئْبِ إِيَّاهُ وَيَعْقُوبُ- ﵇ يُرِيدُ أَنَّ مَا يَصِفُونَهُ هُوَ الْمُصَابُ الْوَاقِعُ الَّذِي وَصَفُوهُ وَصْفًا كَاذِبًا. فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [سُورَة الصافات: ١٨٠] .
وَإِنَّمَا فَوَّضَ يَعْقُوبُ- ﵇ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ وَلَمْ يَسْعَ لِلْكَشْفِ عَنْ مَصِيرِ يُوسُفَ- ﵇ لِأَنَّهُ عَلِمَ تَعَذُّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، وَلِأَنَّهُ لَا عَضُدَ لَهُ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى أَبْنَائِهِ أُولَئِكَ. وَقَدْ صَارُوا هُمُ السَّاعِينَ فِي الْبُعْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يُوسُفَ- ﵇، فَأَيِسَ مِنِ اسْتِطَاعَةِ الْكَشْفِ عَنْ يُوسُفَ- ﵇ بِدُونِهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ مِنْهُمْ فُرْصَةً قَالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ [سُورَة يُوسُف: ٨٧] .
стр. 4478
[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ١٩]
وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يَا بُشْرى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩)
عطف على وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ [سُورَة يُوسُف: ١٦] عَطْفُ قِصَّةٍ عَلَى قِصَّةٍ. وَهَذَا رُجُوعٌ إِلَى مَا جَرَى فِي شَأْنِ يُوسُفَ- ﵇، وَالْمَعْنَى: وَجَاءَتِ الْجُبَّ.
وَ (السَّيَّارَةِ) تَقَدَّمَ آنِفًا.
وَالْوَارِدُ: الَّذِي يَرِدُ الْمَاءَ لِيَسْتَقِيَ لِلْقَوْمِ.
وَالْإِدْلَاءُ: إِرْسَالُ الدَّلْوِ فِي الْبِئْرِ لِنَزْعِ الْمَاءِ.
وَالدَّلْوُ: ظَرْفٌ كَبِيرٌ مِنْ جِلْدٍ مَخِيطٍ لَهُ خُرْطُومٌ فِي أَسْفَلِهِ يَكُونُ مَطْوِيًّا عَلَى ظَاهِرِ الظَّرْفِ بِسَبَبِ شَدِّهِ بِحَبْلٍ مُقَارِنٍ لِلْحَبْلِ الْمُعَلَّقَةِ فِيهِ الدَّلْوُ. وَالدَّلْوُ مُؤَنَّثَةٌ.
وَجُمْلَةُ قَالَ يَا بُشْرَايَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ ذِكْرَ إدلاء الدَّلْو يهيّىء السَّامِعَ لِلسُّؤَالِ عَمَّا جَرَى حِينَئِذٍ فَيَقَعُ جَوَابُهُ قَالَ يَا بُشْرَايَ.
وَالْبُشْرَى: تَقَدَّمَتْ فِي قَوْله تَعَالَى: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
فِي سُورَةِ يُونُسَ [٦٤] .
وَنِدَاءُ الْبُشْرَى مَجَازٌ، لِأَنَّ الْبُشْرَى لَا تُنَادَى، وَلَكِنَّهَا شُبِّهَتْ بِالْعَاقِلِ الْغَائِبِ الَّذِي احْتِيجَ إِلَيْهِ فَيُنَادَى كَأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: هَذَا آنُ حُضُورِكَ. وَمِنْهُ: يَا حسرتا، وَيَا عجبا، فَهِيَ مَكْنِيَّةٌ وَحَرْفُ النِّدَاءِ تَخْيِيلٌ أَوْ تَبَعِيَّةٌ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ فَرِحَ وَابْتَهَجَ بِالْعُثُورِ عَلَى غُلَامٍ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يَا بُشْرَايَ بِإِضَافَةِ الْبُشْرَى إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ بِدُونِ إِضَافَةٍ.
стр. 4479
وَاسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ إِلَى ذَاتِ يُوسُفَ- ﵇ خَاطَبَ الْوَارِدُ بَقِيَّةَ السَّيَّارَةِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ ذَاتَ يُوسُفَ- ﵇ حِينَ أَصْعَدَهُ الْوَارِدُ مِنَ الْجُبِّ، إِذْ لَوْ كَانُوا يَرَوْنَهُ لَمَا كَانَتْ فَائِدَةٌ لِتَعْرِيفِهِمْ بِأَنَّهُ غُلَامٌ إِذِ الْمُشَاهَدَةُ كَافِيَةٌ عَنِ الْإِعْلَامِ، فَتَعَيَّنَ أَيْضًا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُشَاهِدِينَ شَبَحَ يُوسُفَ- ﵇ حِينَ ظَهَرَ مِنَ الْجُبِّ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ لَا يُقْصَدُ بِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى ذَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مَرْئِيَّةٍ بَلْ يُقْصَدُ بِهِ إِشْعَارُ السَّامِعِ بِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ شَيْءٌ فَرِحَ بِهِ غَيْرُ مُتَرَقَّبٍ، كَمَا يَقُولُ الصَّائِدُ لِرِفَاقِهِ: هَذَا غَزَالٌ! وَكَمَا يَقُولُ الغائص: هَذِه صَدَقَة! أَوْ لُؤْلُؤَةٌ! وَيَقُولُ الْحَافِرُ لِلْبِئْرِ: هَذَا الْمَاءُ! قَالَ النَّابِغَةُ يَصِفُ الصَّائِدَ وَكِلَابَهُ وَفَرَسَهُ:
يَقُولُ رَاكِبُهُ الْجِنِّيُّ مُرْتَفِقًا ... هَذَا لَكِنْ وَلَحْمُ الشَّاةِ مَحْجُورُ
وَكَانَ الْغَائِصُونَ إِذَا وَجَدُوا لُؤْلُؤَةً يَصِيحُونَ. قَالَ النَّابِغَةُ:
أَوْ دُرَّةُ صَدَفَاتِهِ غَوَّاصُهَا ... بَهِجٌ مَتَى يَرَهَا يُهِلُّ وَيَسْجُدُ
وَالْمَعْنَى: وَجَدْتُ فِي الْبِئْرِ غُلَامًا، فَهُوَ لُقَطَةٌ، فَيَكُونُ عَبْدًا لِمَنِ الْتَقَطَهُ. وَذَلِكَ سَبَبُ ابْتِهَاجِهِ بِقَوْلِهِ: يَا بُشْرَايَ هَذَا غُلَامٌ.
وَالْغُلَامُ: مِنْ سِنِّهِ بَيْنَ الْعَشْرِ وَالْعِشْرِينَ. وَكَانَ سِنُّ يُوسُفَ- ﵇ يَوْمَئِذٍ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَكَانَ هَؤُلَاءِ السيارة من الإسماعيليين كَمَا فِي التَّوْرَاةِ، أَيْ أَبْنَاءُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: كَانُوا مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ وَكَانَ مَجِيئُهُمُ الْجُبَّ لِلِاسْتِقَاءِ مِنْهَا، وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ إِخْوَةُ يُوسُفَ إِذْ كَانُوا قَدِ ابْتَعَدُوا عَنِ الْجُبِّ.
وَمَعْنَى أَسَرُّوهُ أَخْفَوْهُ. وَالضَّمِيرُ لِلسَّيَّارَةِ لَا مَحَالَةَ، أَيْ أَخْفَوْا يُوسُفَ- عَلَيْهِ
السَّلَامُ-، أَيْ خَبَرُ الْتِقَاطِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ مِنْ وِلْدَانِ بَعْضِ الْأَحْيَاءِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمَاءِ قَدْ تَرَدَّى فِي الْجُبِّ، فَإِذَا عَلِمَ أَهْلُهُ بِخَبَرِهِ طَلَبُوهُ وَانْتَزَعُوهُ
стр. 4480
مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ تَوَسَّمُوا مِنْهُ مَخَائِلَ أَبْنَاءِ الْبُيُوتِ، وَكَانَ الشَّأْنُ أَنْ يَعْرِفُوا مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ الْجُبِّ وَيُعْلِنُوا كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي التَّعْرِيفِ بِاللُّقَطَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ قَوْله: وَأَسَرُّوهُ مشعرا بِأَنَّ يُوسُفَ- ﵇ أَخْبَرَهُمْ بِقِصَّتِهِ، فَأَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ طَمَعًا فِي أَنْ يَبِيعُوهُ. وَذَلِكَ مِنْ فِقْدَانِ الدِّينِ بَيْنَهُمْ أَوْ لِعَدَمِ الْعَمَلِ بِالدِّينِ.
وبِضاعَةً مَنْصُوبُ عَلَى الْحَالِ الْمُقَدَّرَةِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي أَسَرُّوهُ، أَيْ جَعَلُوهُ بِضَاعَةً. وَالْبِضَاعَةُ: عُرُوضُ التِّجَارَةِ وَمَتَاعُهَا، أَيْ عَزَمُوا عَلَى بَيْعِهِ.
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ مُعْتَرِضَةٌ، أَيْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ مِنِ اسْتِرْقَاقِ مَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَقٌّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ، وَمَنْ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ قَوْمِهِ وَيُبَلِّغُوهُ إِلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا خَبَرَهُ، أَوْ كَانَ مِنْ حَقِّهِمْ أَنْ يَسْأَلُوهُ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَطِيعًا أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِخَبَرِهِ.
وَفِي عُثُورِ السَّيَّارَةِ عَلَى الْجُبِّ الَّذِي فِيهِ يُوسُفُ- ﵇ آيَةٌ مِنْ لُطْفِ الله بِهِ.
[٢٠]
[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ٢٠]
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)
مَعْنَى شَرَوْهُ بَاعُوهُ. يُقَالُ: شَرَى كَمَا يُقَالُ: بَاعَ، وَيُقَالُ: اشْتَرَى كَمَا يُقَالُ:
ابْتَاعَ. وَمِثْلُهُمَا رَهَنَ وَارْتَهَنَ، وَعَاوَضَ وَاعْتَاضَ، وَكَرَى وَاكْتَرَى.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ أَنَّ الْفِعْلَ لِلْحَدَثِ وَالِافْتِعَالَ لِمُطَاوَعَةِ الْحَدَثِ.
وَمَنْ فَسَّرَ شَرَوْهُ بِاشْتَرَوْهُ أَخْطَأَ خَطَأً أَوْقَعَهُ فِيهِ سُوءُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ. وَمَا ادَّعَاهُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ شَرَى وَاشْتَرَى مُتَرَادِفَانِ فِي مَعْنَيَيْهِمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ وَهَمَ إِذْ لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
стр. 4481
وَالْبَخْسُ: أَصْلُهُ مَصْدَرُ بَخَسَهُ إِذَا نَقَصَهُ عَنْ قِيمَةِ شَيْئِهِ. وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْمَبْخُوسِ كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ. وَتَقَدَّمَ فِعْلُ الْبَخْسِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٨٢] .
ودَراهِمَ بدل من بِثَمَنٍ وَهِيَ جُمَعُ دِرْهَمٍ، وَهُوَ الْمَسْكُوكُ. وَهُوَ مُعَرَّبٌ عَنِ الْفَارِسِيَّةِ كَمَا فِي «صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ» .
وَقَدْ أَغْفَلَهُ الَّذِينَ جَمَعُوا مَا هُوَ مُعَرَّبٌ فِي الْقُرْآنِ كَالسُّيُوطِيِّ فِي «الْإِتْقَانِ» .
ومَعْدُودَةٍ كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهَا قَلِيلَةً لِأَنَّ الشَّيْءَ الْقَلِيلَ يَسْهُلُ عَدُّهُ فَإِذَا كَثُرَ صَارَ تَقْدِيرُهُ بِالْوَزْنِ أَوِ الْكَيْلِ. وَيُقَالُ فِي الْكِنَايَةِ عَنِ الْكَثْرَةِ: لَا يُعَدُّ.
وَضَمَائِرُ الْجَمْعِ كُلُّهَا لِلسَّيَّارَةِ عَلَى أَصَحِّ التَّفَاسِيرِ.
وَالزَّهَادَةُ: قِلَّةُ الرَّغْبَةِ فِي حُصُولِ الشَّيْءِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَرْغَبَ فِيهِ، أَوْ قِلَّةُ الرَّغْبَةِ فِي عِوَضِهِ كَمَا هُنَا، أَيْ كَانَ السَّيَّارَةُ غَيْرَ رَاغِبِينَ فِي إِغْلَاءِ ثَمَنِ يُوسُفَ- ﵇.
وَلَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ قِلَّةُ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْأَسْعَارِ.
وَصَوْغُ الْإِخْبَارِ عَنْ زَهَادَتِهِمْ فِيهِ بِصِيغَةِ مِنَ الزَّاهِدِينَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِمَّا لَوْ أَخْبَرَ بِكَانُوا فِيهِ زَاهِدِينَ، لِأَنَّ جَعْلَهُمْ مِنْ فريق زاهدين ينبىء بِأَنَّهُمْ جَرَوْا فِي زُهْدِهِمْ فِي أَمْثَالِهِ عَلَى سُنَنِ أَمْثَالِهِمُ الْبُسَطَاءِ الَّذِينَ لَا يُقَدِّرُونَ قَدْرَ نَفَائِسِ الْأُمُورِ.
وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِ الزَّاهِدِينَ وَ (أَلْ) حَرفٌ لِتَعْرِيفِ الْجِنْس، وَلَيْسَت اسْم مَوْصُول خِلَافًا لِأَكْثَرِ النُّحَاةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ (أَلِ) الدَّاخِلَةَ عَلَى الْأَسْمَاء المشتقة اسْم مَوْصُول مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ وَتَمَسَّكُوا بِعِلَلٍ وَاهِيَةٍ وَخَالَفَهُمُ الْأَخْفَشُ وَالْمَازِنِيُّ.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى عَامِلِهِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الْمَزْهُودِ فِيهِ، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى ضَعْفِ تَوَسُّمِهِمْ وَبَصَارَتِهِمْ مَعَ الرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ
стр. 4482
[٢١]
[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ٢١]
وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)
وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً.
الَّذِي اشْتَراهُ مُرَادٌ مِنْهُ الَّذِي دَفَعَ الثَّمَنَ فَمَلَكَهُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَوَلَّ الِاشْتِرَاءَ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّ فِعْلَ الِاشْتِرَاءِ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى دَفْعِ الْعِوَضِ، بِحَيْثُ إِنَّ إِسْنَادَ الِاشْتِرَاءِ لِمَنْ يَتَوَلَّى إِعْطَاءَ الثَّمَنِ وَتَسَلُّمَ الْمَبِيعِ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ مَالِكُ الثَّمَنِ وَمَالِكُ الْمَبِيعِ يَكُونُ إِسْنَادًا مَجَازِيًّا، وَلِذَلِكَ يَكْتُبُ الْمُوَثِّقُونَ فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّ شِرَاءَهُ لِفُلَانٍ.
وَالَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ- ﵇ رَجُلٌ اسْمُهُ (فوطيفار) رَئِيس شَرط مَلِكِ مِصْرَ، وَهُوَ وَالِي مَدِينَةِ مِصْرَ، وَلُقِّبَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِالْعَزِيزِ، وَسَيَأْتِي.
وَمَدِينَةُ مِصْرَ هِيَ (مَنْفِيسُ) وَيُقَالُ: (مَنْفُ) وَهِيَ قَاعِدَةُ مِصْرَ السُّفْلَى الَّتِي يَحْكُمُهَا
قَبَائِلُ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ عُرِفُوا عِنْدَ القبط باسم (الهيكسوس) أَيِ الرُّعَاةُ. وَكَانَتْ مِصْرُ الْعُلْيَا الْمَعْرُوفَةُ الْيَوْمَ بِالصَّعِيدِ تَحْتَ حُكْمِ فَرَاعِنَةِ الْقِبْطِ. وَكَانَتْ مَدِينَتُهَا (ثِيبَةَ- أَوْ- طِيبَةَ) ، وَهِيَ الْيَوْمَ خَرَابٌ وَمَوْضِعُهَا يُسَمَّى الْأَقْصُرُ، جَمْعُ قَصْرٍ، لِأَنَّ بِهَا أَطْلَالَ الْقُصُورِ الْقَدِيمَةِ، أَيِ الْهَيَاكِلُ. وَكَانَتْ حُكُومَةُ مِصْرَ الْعُلْيَا أَيَامَئِذٍ مُسْتَضْعَفَةً لِغَلَبَةِ الْكَنْعَانِيِّينَ عَلَى مُعْظَمِ الْقُطْرِ وَأَجْوَدِهِ.
وَامْرَأَتُهُ تُسَمَّى فِي كُتُبِ الْعَرَبِ (زَلِيخَا) - بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَقَصْرِ آخِرِهِ- وَسَمَّاهَا الْيَهُودُ (رَاعِيلَ) . ومِنْ مِصْرَ صِفَةٌ لِ الَّذِي اشْتَراهُ.
ولِامْرَأَتِهِ مُتَعَلِّقٌ بِ قالَ أَوْ بِ اشْتَراهُ أَوْ يَتَنَازَعُهُ كِلَا الْفِعْلَيْنِ، فَيَكُونُ اشْتَرَاهُ لِيَهَبَهُ لَهَا لِتَتَّخِذَهُ وَلَدًا. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ.
وَامْرَأَتُهُ: مَعْنَاهُ زَوْجُهُ، فَإِنَّ الزَّوْجَةَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْمَرْأَةِ وَيُرَادُ مِنْهُ مَعْنَى الزَّوْجَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ [سُورَة هود: ٧١] .
стр. 4483
وَالْمَثْوَى: حَقِيقَتُهُ الْمَحَلُّ الَّذِي يثوي إِلَيْهِ الْمَرْءُ، أَيْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٢٨] . وَهُوَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ حَالِ الْإِقَامَةِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الْمَرْءَ يُثَوَى إِلَى مَنْزِلِ إِقَامَتِهِ.
فَالْمَعْنَى: اجْعَلِي إِقَامَتَهُ عِنْدَكِ كَرِيمَةً، أَيْ كَامِلَةً فِي نَوْعِهَا. أَرَادَ أَنْ يُجْعَلَ الْإِحْسَانُ إِلَيْهِ سَبَبًا فِي اجْتِلَابِ مَحَبَّتِهِ إِيَّاهُمَا وَنُصْحِهِ لَهُمَا فَيَنْفَعُهُمَا، أَوْ يَتَّخِذَانِهِ وَلَدًا فَيَبَرُّ بِهِمَا وَذَلِكَ أَشَدُّ تَقْرِيبًا. وَلَعَلَّهُ كَانَ آيِسًا مِنْ وِلَادَةِ زَوْجِهِ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِحُسْنِ تَفَرُّسِهِ فِي مَلَامِحِ يُوسُفَ- ﵇ الْمُؤْذِنَةِ بِالْكَمَالِ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ رَجُلًا ذَا فِرَاسَةٍ وَقَدْ جَعَلَهُ الْمَلِكُ رَئِيسَ شُرْطَتِهِ، فَقَدْ كَانَ الْمُلُوكُ أَهْلَ حَذَرٍ فَلَا يُوَلُّونَ أُمُورَهُمْ غَيْرَ الْأَكْفَاءِ.
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ إِنْ أَجْرَيْنَا اسْمَ الْإِشَارَةِ عَلَى قِيَاسِ كَثِيرٍ مِنْ أَمْثَالِهِ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٤٣] كَانَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى التَّمْكِينِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ تَنْوِيهًا بِأَنَّ ذَلِكَ التَّمْكِينَ بَلَغَ غَايَةَ مَا يُطْلَبُ مِنْ نَوْعِهِ بِحَيْثُ لَوْ أُرِيدَ تَشْبِيهُهُ بِتَمْكِينٍ أَتَمَّ مِنْهُ لَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ يُشَبَّهَ بِنَفْسِهِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ النَّابِغَةِ:
وَالسَّفَاهَةُ كَاسْمِهَا
فَيَكُونُ الْكَافُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ. وَالتَّقْدِيرُ: مَكَّنَا لِيُوسُفَ تَمْكِينًا كَذَلِكَ التَّمْكِينِ.
وَإِنْ أَجْرَيْنَا عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ كَانَتْ لِحَاصِلِ الْمَذْكُورِ آنِفًا، وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ عُثُورُ السَّيَّارَةِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ إِنْجَاءٌ لَهُ عَجِيب الْحُصُول بمصادفة عَدَمِ
стр. 4484
الْإِسْرَاعِ بِانْتِشَالِهِ مِنَ الْجُبِّ، أَيْ مَكَّنَا لِيُوسُفَ- ﵇ تَمْكِينًا مِنْ صُنْعِنَا، مِثْلَ ذَلِكَ الْإِنْجَاءِ الَّذِي نَجَّيْنَاهُ، فَتَكُونُ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ مَصْدَرٍ مَأْخُوذٍ مِنْ مَكَّنَّا. وَنَظِيرُهُ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٠٨] .
وَالتَّمْكِينُ فِي الْأَرْضِ هَنَا مُرَادٌ بِهِ ابْتِدَاؤُهُ وَتَقْدِيرُ أَوَّلِ أَجْزَائِهِ، فَيُوسُفُ- ﵇ بِحُلُولِهِ مَحَلَّ الْعِنَايَةِ مِنْ عَزِيزِ مِصْرَ قَدْ خَطَّ لَهُ مُسْتَقْبَلَ تَمْكِينِهِ مِنَ الْأَرْضِ بِالْوَجْهِ الْأَتَمِّ الَّذِي أُشِيرَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدُ: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ [سُورَة يُوسُف: ٥٦] ، فَمَا ذُكِرَ هُنَالِكَ هُوَ كَرَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ مِمَّا هُنَا، وَهُوَ تَمَامُهُ.
وَعَطَفَ عَلَى وَكَذلِكَ عِلَّةً لِمَعْنًى مُسْتَفَادٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَهُوَ الْإِيتَاءُ، تِلْكَ الْعِلَّةُ هِيَ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا قَدَّرَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنْ يَجْعَلَ يُوسُفَ- ﵇ عَالِمًا بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا وَأَن يَجعله نبيئا أَنْجَاهُ مِنَ الْهَلَاكِ، وَمَكَّنَ لَهُ فِي الْأَرْضِ تَهْيِئَةً لِأَسْبَابِ مُرَادِ اللَّهِ.
وَتَقَدَّمَ مَعْنَى تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ آنِفًا عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِ أَبِيهِ لَهُ: وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ [سُورَة يُوسُف: ٦] أَيْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا.
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ مُعْتَرِضَةٌ فِي آخِرِ الْكَلَامِ، وَتَذْيِيلٌ، لِأَنَّ مَفْهُومَهَا عَامٌّ يَشْمَلُ غَلَبَ اللَّهِ إِخْوَةَ يُوسُفَ- ﵇ بِإِبْطَالِ كَيْدِهِمْ، وَضَمِيرُ أَمْرِهِ عَائِدٌ لِاسْمِ الْجَلَالَةِ.
وَحَرْفُ عَلى بَعْدَ مَادَّةِ الْغَلَبِ وَنَحْوِهَا يَدْخُلُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي يُتَوَقَّعُ فِيهِ النِّزَاعُ، كَقَوْلِهِمْ: غَلَبْنَاهُمْ عَلَى الْمَاءِ.
وَأمر اللَّهِ هُوَ مَا قَدَّرَهُ وَأَرَادَهُ، فَمَنْ سَعَى إِلَى عَمَلٍ يُخَالِفُ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ فَحَالُهُ كَحَالِ الْمُنَازِعِ عَلَى أَنْ يُحَقِّقَ الْأَمْرَ الَّذِي أَرَادَهُ وَيَمْنَعَ حُصُولَ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَشَأْنُ اللَّهِ تَعَالَى كَحَالِ الْغَالِبِ لِمُنَازِعِهِ. وَالْمَعْنَى وَاللَّهُ مُتَمِّمٌ مَا قَدَّرَهُ، وَلِذَلِكَ
стр. 4485
عَقَّبَهُ بِالِاسْتِدْرَاكِ بِقَوْلِهِ: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ اسْتِدْرَاكًا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ
هَذَا الْحُكْمُ مِنْ كَوْنِهِ حَقِيقَةً ثَابِتَةً شَأْنُهَا أَن لَا تجْعَل لِأَنَّ عَلَيْهَا شَوَاهِدَ مِنْ أَحْوَالِ الْحَدَثَانِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ ظُهُوره.
[٢٢]
[سُورَة يُوسُف (١٢) : آيَة ٢٢]
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)
هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ اصْطِفَاءِ- يُوسُفَ- ﵇ لِلنُّبُوءَةِ. ذُكِرَ هُنَا فِي ذِكْرِ مَبْدَأِ حُلُولِهِ بِمِصْرَ لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ مِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِتَمْكِينِهِ فِي الْأَرْضِ وَتَعْلِيمِهِ تَأْوِيلَ الْأَحَادِيثِ.
وَالْأَشُدُّ: الْقُوَّةُ. وَفُسِّرَ بِبُلُوغِهِ مَا بَيْنَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً إِلَى أَرْبَعِينَ.
وَالْحُكْمُ وَالْحِكْمَةُ مُتَرَادِفَانِ، وَهُوَ: عِلْمُ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَالْعَمَلُ بِالصَّالِحِ وَاجْتِنَابُ ضِدِّهِ. وَأُرِيدَ بِهِ هُنَا النُّبُوءَةُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي ذِكْرِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ- ﵉ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [سُورَة الْأَنْبِيَاء: ٧٩] . وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ عِلْمٌ زَائِدٌ عَلَى النُّبُوءَةِ.
وَتَنْكِيرُ عِلْماً لِلنَّوْعِيَّةِ، أَوْ لِلتَّعْظِيمِ. وَالْمُرَادُ: عِلْمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُ: ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [سُورَة يُوسُف: ٣٧] .
وَقَالَ فَخْرُ الدِّينِ: الْحُكْمُ: الْحِكْمَةُ الْعَمَلِيَّةُ لِأَنَّهَا حُكْمٌ عَلَى هُدَى النَّفْسِ. وَالْعِلْمُ:
الْحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ.
وَالْقَوْلُ فِي وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ كَالْقَوْلِ فِي نَظِيرِهِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٤٣] .
وَفِي ذِكْرِ الْمُحْسِنِينَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ إِحْسَانَهُ هُوَ سَبَبُ جَزَائِهِ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ.
следующие страницы →