Полный текст (11 044 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وَقَوْلُهُ: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ أَيْ مِنَ الْمُعْتَدِينَ وَأَشْهَرُ مَعَانِي الظُّلْمِ فِي اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ هُوَ الِاعْتِدَاءُ، وَالِاعْتِدَاءُ إِمَّا اعْتِدَاءٌ عَلَى نَهْيِ النَّاهِي إِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ الْجَزْمَ بِالتَّرْكِ وَإِمَّا اعْتِدَاءٌ عَلَى النَّفْسِ وَالْفَضِيلَةِ إِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ بَقَاءَ فَضِيلَةِ التَّنَعُّمِ لِآدَمَ فِي الْجَنَّةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الظُّلْمُ لِأَنْفُسِهِمَا بِارْتِكَابِ غَضَبِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ وَعَلَى الثَّانِي الظُّلْمُ لِأَنْفُسِهِمَا بِحِرْمَانِهَا مِنْ دوَام الْكَرَامَة.
[٣٦]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٣٦]
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦)
الْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَلا تَقْرَبا [الْبَقَرَة: ٣٥] وَحَقُّهَا إِفَادَةُ التَّعْقِيبِ فَيَكُونُ التَّعْقِيبُ عُرْفِيًّا لِأَنَّ وُقُوعَ الْإِزْلَالِ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ هِيَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُدَّةِ الْمُرَادَةِ مِنْ سُكْنَى الْجَنَّةِ كَالْأَمَدِ الْقَلِيلِ. وَالْأَحْسَنُ جَعْلُ الْفَاءِ لِلتَّفْرِيعِ مُجَرَّدَةً عَنِ التَّعْقِيبِ.
وَالْإِزْلَالُ جَعْلُ الْغَيْرِ زَالًّا أَيْ قَائِمًا بِهِ الزَّلَلُ وَهُوَ كَالزَّلَقِ أَنْ تَسِيرَ الرِّجْلَانِ عَلَى الْأَرْضِ بِدُونِ اخْتِيَارٍ لِارْتِخَاءِ الْأَرْضِ بِطِينٍ وَنَحْوِهِ، أَيْ ذَاهِبَةً رِجْلَاهُ بِدُونِ إِرَادَةٍ، وَهُوَ مَجَازٌ مَشْهُورٌ فِي صُدُورِ الْخَطِيئَةِ وَالْغَلَطِ الْمُضِرِّ وَمِنْهُ سُمِّي الْعِصْيَانُ وَنَحْوُهُ الزَّلَلَ.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: عَنْها يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الشَّجَرَةِ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ وَلِيَتَبَيَّنَ سَبَبُ
الزَّلَّةِ وَسَبَبُ الْخُرُوجِ مِنَ الْجَنَّةِ إِذْ لَوْ لَمْ يُجْعَلِ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى الشَّجَرَةِ لَخَلَتِ الْقِصَّةُ عَنْ ذِكْرِ سَبَبِ الْخُرُوجِ. وَ (عَنْ) فِي أَصْلِ مَعْنَاهَا أَيْ أَزَلَّهُمَا إِزْلَالًا نَاشِئًا عَنِ الشَّجَرَةِ أَيْ عَنِ الْأَكْلِ مِنْهَا، وَتَقْدِيرُ الْمُضَافِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ، وَلَيْسَتْ (عَنْ) لِلسَّبَبِيَّةِ وَمَنْ ذَكَرَ السَّبَبِيَّةَ أَرَادَ حَاصِلَ الْمَعْنَى كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النَّجْم: ٣] أَنَّ مَعْنَاهُ وَمَا يَنْطِقُ بِالْهَوَى فَقَالَ الرَّضِيُّ: الْأَوْلَى أَنَّ (عَنْ) بِمَعْنَاهَا وَأَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ نُطْقًا صَادِرًا عَنِ الْهَوَى. وَيَجُوزُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْجَنَّةِ وَتَكُونُ (عَنْ) عَلَى ظَاهِرِهَا وَالْإِزْلَالُ مَجَازًا فِي الْإِخْرَاجِ بِكُرْهٍ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْهُبُوطُ مِنَ الْجَنَّةِ مُكْرَهَيْنِ كَمَنْ يُزَلُّ عَنْ مَوْقِفِهِ فَيَسْقُطُ كَقَوْلِهِ: «وَكَمْ مَنْزِلٍ لَوْلَايَ طِحْتَ» .
وَقَوْلُهُ: فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ تَفْرِيعٌ عَنِ الْإِزْلَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلشَّجَرَةِ،
стр. 457
وَالْمُرَادُ مِنَ الْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ التَّعْظِيمُ، كَقَوْلِهِمْ قَدْ كَانَ مَا كَانَ، فَإِنْ جَعَلْتَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: عَنْها عَائِدًا إِلَى الْجَنَّةِ كَانَ هَذَا التَّفْرِيعُ تَفْرِيعَ الْمُفَصَّلِ عَنِ الْمُجْمَلِ وَكَانَتِ الْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ الْمُجَرَّدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ [الْأَعْرَاف: ٤] وَقَوْلِهِ: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [الْقَمَر: ٩] . أَمَّا دَلَالَةُ الْمَوْصُولِ عَنِ التَّعْظِيمِ فَهِيَ هِيَ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ «فَأَزَالَهُمَا» بِأَلْفٍ بَعْدِ الزَّايِ وَهُوَ مِنَ الْإِزَالَةِ بِمَعْنَى الْإِبْعَادِ، وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ عَنْها عَائِدًا إِلَى الْجَنَّةِ لَا إِلَى الشَّجَرَةِ. وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ فَقَدْ خَرَجَ مِمَّا كَانَ فِيهِ إِحْضَارًا لِهَذِهِ الْخَسَارَةِ الْعَظِيمَةِ فِي ذِهْنِ السَّامِعِينَ حَتَّى لَا تَكُونَ اسْتِفَادَتُهَا بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ خَاصَّةً فَإِنَّهَا دَلَالَةٌ قَدْ تَخْفَى فَكَانَتْ إِعَادَتُهُ فِي هَذِهِ الصِّلَةِ بِمُرَادِفِهِ كَإِعَادَتِهِ بِلَفْظِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨] .
وَتُفِيدُ الْآيَةُ إِثَارَةَ الْحَسْرَةِ فِي نُفُوسِ بَنِي آدَمَ عَلَى مَا أَصَابَ آدَمَ مِنْ جَرَّاءِ عَدَمِ امْتِثَالِهِ لِوِصَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَوْعِظَةً تُنَبِّهُ بِوُجُوبِ الْوُقُوفِ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّرْغِيبِ فِي السَّعْيِ إِلَى مَا يُعِيدُهُمْ إِلَى هَذِهِ الْجَنَّةِ الَّتِي كَانَتْ لِأَبِيهِمْ وَتَرْبِيَةَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الشَّيْطَانِ وَجُنْدِهِ إِذْ كَانَ سَبَبًا فِي جَرِّ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ لِأَبِيهِمْ حَتَّى يَكُونُوا أَبَدًا ثَأْرًا لِأَبِيهِمْ مُعَادِينَ لِلشَّيْطَانِ وَوَسْوَسَتِهِ مُسِيئِينَ الظُّنُونَ بِإِغْرَائِهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [الْأَعْرَاف: ٢٧] وَقَوْلُهُ هُنَا: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي تَرْبِيَةِ الْعَامَّةِ وَلِأَجْلِهِ كَانَ قَادَةُ الْأُمَمِ يَذْكُرُونَ لَهُمْ سَوَابِقَ عَدَاوَاتِ مُنَافِسِيهِمْ وَمَنْ
غَلَبَهُمْ فِي الْحُرُوبِ لِيَكُونَ ذَلِكَ بَاعِثًا عَلَى أَخْذِ الثَّأْرِ.
وَعَطْفُ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بِالْوَاوِ دُونَ الْفَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ متفرّع عَنِ الْإِخْرَاجِ بَلْ هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ ذِكْرَ الْإِخْرَاجِ قَبْلَ هَذَا لِمُنَاسَبَةِ سِيَاقِ مَا فَعَلَهُ الشَّيْطَانُ وَغُرُورِهِ بِآدَمَ فَلِذَلِكَ قُدِّمَ قَوْلُهُ: فَأَخْرَجَهُما إِثْرَ قَوْلِهِ: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ. وَوَجْهُ جَمْعِ الضَّمِيرِ فِي اهْبِطُوا قِيلَ لِأَنَّ هُبُوطَ آدَمَ وَحَوَّاءَ اقْتَضَى أَنْ لَا يُوجَدَ نَسْلُهُمَا فِي الْجَنَّةِ فَكَانَ إِهْبَاطُهُمَا إِهْبَاطًا لِنَسْلِهِمَا، وَقِيلَ الْخِطَابُ لَهُمَا وَلِإِبْلِيسَ وَهُوَ وَإِنْ أُهْبِطَ عِنْدَ إِبَايَتِهِ السُّجُودَ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [الْأَعْرَاف: ١٢، ١٣] إِلَى قَوْلِهِ قالَ اخْرُجْ مِنْها
стр. 458
مَذْءومًا مَدْحُوراً [الْأَعْرَاف: ١٨] إِلَى قَوْلِهِ وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [الْأَعْرَاف: ١٩] فَهَذَا إِهْبَاطٌ ثَانٍ فِيهِ تَحْجِيرُ دُخُولِ الْجَنَّةِ عَلَيْهِ وَالْإِهْبَاطُ الْأَوَّلُ كَانَ إِهْبَاطَ مَنْعٍ مِنَ الْكَرَامَةِ مَعَ تَمْكِينِهِ مِنَ الدُّخُولِ لِلْوَسْوَسَةِ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ بِعِيدٌ، فَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّ جَمْعَ الضَّمِيرِ مُرَادٌ بِهِ التَّثْنِيَةُ لِكَرَاهِيَةِ تُوَالِي الْمُثَنَّيَاتِ بِالْإِظْهَارِ وَالْإِضْمَارِ مِنْ قَوْلِهِ: وَكُلا مِنْها رَغَداً [الْبَقَرَة: ٣٥] وَالْعَرَبُ يَسْتَثْقِلُونَ ذَلِكَ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
وُقُوفًا بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهُمْ ... يَقُولُونَ لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَمَّلِ
وَإِنَّمَا لَهُ صَاحِبَانِ لِقَوْلِهِ: «قَفَا نَبْكِ» إِلَخْ وَقَالَ تَعَالَى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ [٤] .
وَقَوْلُهُ: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْبَعْضِ بَعْضُ الْأَنْوَاعِ وَهُوَ عَدَاوَةُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي اهْبِطُوا لِآدَمَ وَزَوْجِهِ وَإِبْلِيسَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ عَدَاوَةُ بَعْضِ أَفْرَادِ نَوْعِ الْبَشَرِ، إِنْ كَانَ ضمير اهْبِطُوا لآدَم وَحَوَّاءَ فَيَكُونُ ذَلِكَ إِعْلَامًا لَهُمَا بِأَثَرٍ مِنْ آثَارِ عَمَلِهِمَا يُورَثُ فِي بَنِيهِمَا، وَلِذَلِكَ مَبْدَأُ ظُهُور آثَار الِاخْتِلَاف فِي تَكْوِينِ خِلْقَتِهِمَا بِأَنْ كَانَ عِصْيَانُهُمَا يُورث فِي بنيهما، وَلذَلِك مبدأ ظُهُور آثَار الاختلال فِي تكوين خلقتهما بِأَن كَانَ عصيانهما يُورَثُ فِي أَنْفُسِهِمَا وَأَنْفُسِ ذُرِّيَّتِهِمَا دَاعِيَةَ التَّغْرِيرِ وَالْحِيلَةِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَإِنَّ الْأَخْلَاقَ تُوَرَّثُ وَكَيْفَ لَا وَهِيَ مِمَّا يُعَدَّى بِكَثْرَةِ الْمُلَابَسَةِ وَالْمُصَاحَبَةِ وَقَدْ قَالَ أَبُو تَمَامٍ:
لَأَعْدَيْتَنِي بِالْحِلْمِ إِنَّ الْعُلَا تُعْدِي وَوَجْهُ الْمُنَاسِبَةِ بَيْنَ هَذَا الْأَثَرِ وَبَيْنَ مَنْشَئِهِ الَّذِي هُوَ الْأَكْلُ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنَّ الْأَكْلَ مِنَ
الشَّجَرَةِ كَانَ مُخَالَفَةً لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَفْضًا لَهُ وَسُوءُ الظَّنِّ بِالْفَائِدَةِ مِنْهُ دَعَا لِمُخَالَفَتِهِ الطَّمَعُ وَالْحِرْصُ عَلَى جَلْبِ نَفْعٍ لِأَنْفُسِهِمَا، وَهُوَ الْخُلُودُ فِي الْجَنَّةِ وَالِاسْتِئْثَارُ بِخَيْرَاتِهَا مَعَ سُوءِ الظَّنِّ بِالَّذِي نَهَاهُمَا عَنِ الْأَكْلِ مِنْهَا وَإِعْلَامِهِ لَهُمَا بِأَنَّهُمَا إِنْ أَكَلَا مِنْهَا ظَلَمَا أَنْفُسَهُمَا لِقَوْلِ إِبْلِيسَ لَهُمَا: مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [الْأَعْرَاف: ٢٠] فَكَذَلِكَ كَانَتْ عَدَاوَةُ أَفْرَادِ الْبَشَرِ مَعَ مَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالْأُنْسِ وَالِاتِّحَادِ مَنْشَؤُهَا رَفْضُ تِلْكَ الْأُلْفَةِ وَالِاتِّحَادِ لِأَجْلِ جَلْبِ النَّفْعِ لِلنَّفْسِ وَإِهْمَالِ مَنْفَعَةِ الْغَيْرِ، فَلَا جَرَمَ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ الْخَاطِرِ الَّذِي بَعَثَهُمَا عَلَى الْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ وَبَيْنَ أَثَرِهِ الَّذِي بَقِيَ فِي نُفُوسِهِمَا وَالَّذِي سَيُوَرِّثُونَهُ نَسْلَهُمَا فَيُخْلَقُ النَّسْلُ مُرَكَّبَةً عُقُولُهُمْ عَلَى التَّخَلُّقِ بِذَلِكَ الْخُلُقِ الَّذِي طَرَأَ عَلَى عَقْلُُِ
стр. 459
أَبَوَيْهِمَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الْخُلُقَ الرَّاجِعَ لِإِيثَارِ النَّفْسِ بِالْخَيْرِ وَسُوءِ الظَّنِّ بِالْغَيْرِ هُوَ مَنْبَعُ الْعَدَاوَاتِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يُعَادِي الْآخَرَ إِلَّا لِاعْتِقَادِ مُزَاحِمَةٍ فِي مَنْفَعَةٍ أَوْ لِسُوءِ ظَنٍّ بِهِ فِي مَضَرَّةٍ. وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَسْأَلَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ وَهِيَ أَنَّ أَصْلَ الْأَخْلَاقِ حَسَنِهَا وَقَبِيحِهَا هُوَ الْخَوَاطِرُ الْخَيِّرَةُ وَالشِّرِّيرَةُ ثُمَّ يَنْقَلِبُ الْخَاطِرُ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِعْلٌ فَيَصِيرُ خُلُقًا وَإِذَا قَاوَمَهُ صَاحِبُهُ وَلَمْ يَفْعَلْ صَارَتْ تِلْكَ الْمُقَاوَمَةُ سَبَبًا فِي اضْمِحْلَالِ ذَلِكَ الْخَاطِرِ، وَلِذَلِكَ حَذَّرَتِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الْهَمِّ بِالْمَعَاصِي وَكَانَ جَزَاءُ تَرْكِ فِعْلِ مَا يَهُمُّ بِهِ مِنْهَا حَسَنَةً وَأَمَرَتْ بِخَوَاطِرِ الْخَيْرِ فَكَانَ جَزَاءُ مُجَرَّدِ الْهَمِّ بِالْحَسَنَةِ حَسَنَةً وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْهَا وَكَانَ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْهَمِّ عَشْرَ حَسَنَاتٍ كَمَا
وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً- ثُمَّ قَالَ- وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ»
وَجَعَلَ الْعَفْوَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ مِنَّةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَغْفِرَةً
فِي حَدِيثِ «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي فِيمَا حَدَّثَتْ بِهِ نُفُوسَهَا» .
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسَانَ خَيِّرًا سَالِمًا مِنَ الشُّرُورِ وَالْخَوَاطِرِ الشِّرِّيرَةِ عَلَى صِفَةٍ مَلَكِيَّةٍ وَهُوَ مَعْنَى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التِّين: ٤] ثُمَّ جَعَلَهُ أَطْوَارًا فَأَوَّلُهَا طَوْرُ تَعْلِيمِهِ النُّطْقَ وَوَضْعِ الْأَسْمَاءِ لِلْمُسَمَّيَاتِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَبْدَأُ الْمَعْرِفَةِ وَبِهِ يَكُونُ التَّعْلِيمُ أَيْ يُعَلِّمُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ بَعْضًا مَا عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ الْآخَرُ فَكَانَ إِلْهَامُهُ اللُّغَةَ مَبْدَأَ حَرَكَةِ الْفِكْرِ الْإِنْسَانِيِّ وَهُوَ مَبْدَأٌ صَالِحٌ لِلْخَيْرِ وَمُعِينٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ بِهِ عَلَّمَ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَلِذَلِكَ تَرَى الصَّبِيَّ يَرَى الشَّيْءَ فَيُسْرِعُ إِلَى قُرَنَائِهِ يُنَادِيهِمْ لِيَرَوْهُ مَعَهُ حِرْصًا عَلَى إِفَادَتِهِمْ فَكَانَ الْإِنْسَانُ مُعَلِّمًا بِالطَّبْعِ وَكَانَ ذَلِكَ مُعِينًا عَلَى خَيْرِيَّتِهِ إِلَّا أَنَّهُ صَالِحٌ أَيْضًا لِاسْتِعْمَالِ النُّطْقِ فِي التَّمْوِيهِ وَالْكَذِبِ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا نَهَاهُ عَنْ أَمْرٍ كَلَّفَهُ بِمَا فِي اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يَمْتَثِلَهُ وَأَنْ يُخَالِفَهُ فَتِلْكَ الِاسْتِطَاعَةُ مَبْدَأُ حَرَكَةِ نَفْسِهِ فِي الْحِرْصِ وَالِاسْتِئْثَارِ فَكَانَ خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ عَلَى
تِلْكَ الِاسْتِطَاعَةِ مَبْدَأَ طَوْرِ جَدِيدٍ هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [التِّين:
٥] ، ثُمَّ هَدَاهُ بِوَاسِطَةِ الشَّرَائِعِ فَصَارَ بِاتِّبَاعِهَا يَبْلُغُ إِلَى مَرَاتِبِ الْمَلَائِكَةِ وَيَرْجِعُ إِلَى تَقْوِيمِهِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [التِّين: ٦] وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى هَذَا الطَّوْرِ الْأَخِيرِ بِقَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ [الْبَقَرَة: ٣٨] الْآيَةَ.
وَجُمْلَةُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِمَّا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا وَإِمَّا جُمْلَةُ حَال من ضير اهْبِطُوا وَهِيَ اسْمِيَّةٌ خَلَتْ مِنَ الْوَاوِ، وَفِي اعْتِبَارِ الْجُمْلَةِ الْإِسْمِيَّةِ الْخَالِيَةِ مِنَ الْوَاوِ حَالًا
стр. 460
خِلَافٌ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، مَنَعَ ذَلِكَ الْفَرَّاءُ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَأَجَازَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٌ. وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ الْجُمْلَةَ الْحَالِيَّةَ تَسْتَغْنِي بِالضَّمِيرِ عَنِ الْوَاوِ وَبِالْوَاوِ عَنِ الضَّمِيرِ فَإِذَا كَانَتْ فِي مَعْنَى الصِّفَةِ لِصَاحِبِهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى ضَمِيرِهِ أَوْ ضَمِيرِ سَبَبِيِّهِ فَاسْتَغْنَتْ عَنِ الْوَاوِ نَحْوُ الْآيَةِ وَنَحْوُ جَاءَ زَيْدٌ يَدُهُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ أَبُوهُ يُرَافِقُهُ، وَإِلَّا وَجَبَتِ الْوَاوُ إِذْ لَا رَابِطَ حِينَئِذٍ غَيْرُهَا نَحْوُ جَاءَ زَيْدٌ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ وَقَوْلُ تَأَبَّطَ شَرًّا:
فَخَالَطَ سَهْلَ الْأَرْضِ لَمْ يَكْدَحِ الصَّفَا ... بِهِ كَدْحَةٌ وَالْمَوْتُ خَزْيَانُ يَنْظُرُ
وَقَوْلُهُ: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ضَمِيرُهُ رَاجِعٌ إِلَى مَا رَجَعَ إِلَيْهِ ضَمِيرُ اهْبِطُوا عَلَى التَّقَادِيرِ كُلِّهَا. وَالْحِينُ الْوَقْتُ وَالْمُرَادُ بِهِ وَقْتُ انْقِرَاضِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ وَالشَّيْطَانِيِّ بِانْقِرَاضِ الْعَالَمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ ضَمِيرِ لَكُمْ التَّوْزِيعَ أَيْ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مَتَاعًا لِأَنَّ الْحَيَاةَ أَمْرٌ مَرْغُوبٌ لِسَائِرِ الْبَشَرِ عَلَى أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَخْلُو مِنْ لَذَّاتٍ وَتَمَتُّعٍ بِمَا وَهَبَنَا اللَّهُ مِنَ الْمُلَائِمَاتِ. هَذَا إِنْ أُرِيدَ بِالْخَبَرِ الْمَجْمُوعِ أَيْ لِجَمِيعِكُمْ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ التَّوْزِيعُ فَالْحِينُ هُوَ وَقْتُ مَوْتِ كُلِّ فَرْدٍ عَلَى حَدِّ قَوْلِكَ لِلْجَيْشِ: هَذِهِ الْأَفْرَاسُ لَكُمْ أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُم فرس.
[٣٧]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٣٧]
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)
جَاءَ بِالْفَاءِ إِيذَانًا بِمُبَادَرَةِ آدَمَ بِطَلَبِ الْعَفْوِ. وَالتَّلَقِّي اسْتِقْبَالُ إِكْرَامٍ وَمَسَرَّةٍ قَالَ تَعَالَى:
وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [الْأَنْبِيَاء: ١٠٣] وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ صِيغَةُ تَفَعَّلَ مَنْ لَقِيَهُ وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى التَّكَلُّفِ لِحُصُولِهِ وَتَطَلُّبِهِ وَإِنَّمَا يُتَكَلَّفُ وَيُتَطَلَّبُ لِقَاءُ الْأَمْرِ الْمَحْبُوبِ بِخِلَافِ لَاقَى فَلَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْمُلَاقَى مَحْبُوبًا بَلْ تَقُولُ لَاقَى الْعَدْوَ. وَاللِّقَاءُ الْحُضُورُ نَحْوُ الْغَيْرِ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ وَفِي خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً [الْأَنْفَال: ٤٥] الْآيَةَ فَالتَّعْبِيرُ بِتَلَقَّى هُنَا مُؤَذِنٌ بِأَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَخَذَهَا آدَمُ كَلِمَاتٌ نَافِعَةٌ لَهُ
فَعُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَلِمَاتِ زَجْرٍ وَتَوْبِيخٍ بَلْ كَلِمَاتُ عَفْو ومغفرة ورضى وَهِيَ إِمَّا كَلِمَاتٌ لُقِّنَهَا آدَمُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى لِيَقُولَهَا طَالِبًا الْمَغْفِرَةَ وَإِمَّا كَلِمَاتُ إِعْلَامٍ مِنَ اللَّهِ إِيَّاهُ بِأَنَّهُ عَفَا عَنْهُ بَعْدَ أَنْ أَهْبِطَهُ مِنَ الْجَنَّةِ اكْتِفَاءً بِذَلِكَ فِي الْعُقُوبَةِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَلِمَاتُ عَفْوٍ عَطْفُ فَتابَ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ إِذْ لَوْ كَانَتْ كَلِمَاتِ تَوْبِيخٍ لَمَا صَحَّ التَّسَبُّبُ.
وَتَلَقِّي آدَمَ لِلْكَلِمَاتِ إِمَّا بِطَرِيقِ الْوَحْيُُِ
стр. 461
أَوِ الْإِلْهَامِ. وَلَهُمْ فِي تَعْيِينِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ رِوَايَاتٌ أَعْرَضْنَا عَنْهَا لِقِلَّةِ جَدْوَى الِاشْتِغَالِ بِذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ آدَمُ الْكَلِمَاتِ فَتِيبَ عَلَيْهِ فَلْنَهْتَمَّ نَحْنُ بِمَا يَنْفَعُنَا مِنَ الْكَلَامِ الصَّالِحِ وَالْفِعْلِ الصَّالِحِ.
وَلَمْ تُذْكَرْ تَوْبَةُ حَوَّاءَ هُنَا مَعَ أَنَّهَا مَذْكُورَةٌ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى نَحْوُ قَوْلِهِ: قَالَا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الْأَعْرَاف: ٢٣] لِظُهُورِ أَنَّهَا تَتْبَعُهُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ وَأَنَّهُ أَرْشَدَهَا إِلَى مَا أُرْشِدَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ جَرَى عَلَى الِابْتِدَاءِ بِتَكْرِيمِ آدَمَ وَجَعْلِهِ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فَكَانَ الِاعْتِنَاءُ بِذِكْرِ تَقَلُّبَاتِهِ هُوَ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ.
وَأَصْلُ مَعْنَى تَابَ رَجَعَ وَنَظِيرُهُ ثَابَ بِالْمُثَلَّثَةِ، وَلَمَّا كَانَتِ التَّوْبَةُ رُجُوعًا مِنَ التَّائِبِ إِلَى الطَّاعَةِ وَنَبْذًا لِلْعِصْيَانِ وَكَانَ قَبُولُهَا رُجُوعًا مِنَ الْمَتُوبِ إِلَيْهِ إِلَى الرضى وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ وُصِفَ بِذَلِكَ رُجُوعُ الْعَاصِي عَنِ الْعِصْيَانِ وَرُجُوعُ الْمَعْصِيِّ عَنِ الْعِقَابِ فَقَالُوا تَابَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ فَتَابَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ ضَمَّنُوا الثَّانِيَ مَعْنَى عَطْفٍ وَرَضًى فَاخْتِلَافُ مُفَادَيْ هَذَا الْفِعْلِ بِاخْتِلَافِ الْحَرْفِ الَّذِي يَتَعَدَّى بِهِ وَكَانَ أَصْلُهُ مَبْنِيًّا عَلَى الْمُشَاكَلَةِ.
وَالتَّوْبَةُ تَتَرَكَّبُ مِنْ عِلْمٍ وَحَالٍ وَعَمَلٍ، فَالْعِلْمُ هُوَ مَعْرِفَةُ الذَّنَبِ وَالْحَالُ هُوَ تَأَلُّمُ النَّفْسِ مِنْ ذَلِكَ الضَّرَرِ وَيُسَمَّى نَدَمًا، وَالْعَمَلُ هُوَ التَّرْكُ لِلْإِثْمِ وَتَدَارُكُ مَا يُمْكِنُ تَدَارُكَهُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّوْبَةِ، وَأَمَّا النَّدَمُ فَهُوَ الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ وَلِذَلِكَ
وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ»
قَالَهُ الْغَزَالِيُّ، قُلْتُ: أَيْ لِأَنَّهُ سَبَبُهَا ضَرُورَةً أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ لِأَنَّ أَحَدَ الْجُزْءَيْنِ غَيْرُ مَعْرِفَةٍ.
ثمَّ التَّعْبِير بتاب عَلَيْهِ هُنَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ أَكْلَ آدَمَ مِنَ الشَّجَرَةِ خَطِيئَةٌ إِثْم غَيْرَ أَنَّ الْخَطِيئَةَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ مُرَتَّبًا عَلَيْهَا جَزَاءُ عِقَابٍ أُخْرَوِيٍّ وَلَا نَقْصٌ فِي الدِّينِ وَلَكِنَّهَا أَوْجَبَتْ تَأْدِيبًا عَاجِلًا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَوْمَئِذٍ فِي طَوْرٍ كَطَوْرِ الصِّبَا فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ ارْتِكَابُهَا بِقَادِحٍ فِي نُبُوءَةِ آدَمَ عَلَى أَنَّهَا لَا يَظْهَرُ أَنْ تُعَدَّ مِنَ الْكَبَائِرِ بَلْ قِصَارُهَا أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّغَائِرِ إِذْ لَيْسَ فِيهَا مَعْنًى يُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثٍ بِالْأَمْرِ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَسَادٌ، وَفِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الصَّغَائِرِ خِلَافٌ بَيْنِ أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ وَبَيْنَ الْمَاتُرِيدِيِّ وَهِيَ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ، عَلَى أَنَّ نُبُوءَةَ آدَمَ فِيمَا يَظْهَرُ
كَانَتْ بَعْدَ النُّزُولِ إِلَى الْأَرْضِ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ عِصْمَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ إِذِ الْعِصْمَةُ عِنْدَ النُّبُوءَةِ.
وَعِنْدِي- وَبَعْضُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِهِمْ- أَنَّ ذَلِكَ الْعَالَمَ لَمْ يَكُنْ عَالَمَ تَكْلِيفٍ بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرَائِعِ بَلْ عَالَمَ تَرْبِيَةٍ فَقَطْ فَتَكُونُ خَطِيئَةُ آدَمَ وَمَعْصِيَتُهُ مُخَالَفَةً تَأْدِيبِيَّةً وَلِذَلِكَ كَانَ الْجَزَاءُ عَلَيْهَا جَارِيًا عَلَى طَرِيقَةِ الْعُقُوبَاتِ التَّأْدِيبِيَّةِ بِالْحِرْمَانِ مِمَّا جَرَّهُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، فَإِطْلَاقُ الْمَعْصِيَةِ وَالتَّوْبَةِ وَظُلْمِ النَّفْسِ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ هُوَ بِغَيْرِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ الْمَعْرُوفِ بَلْ هِيَ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ
стр. 462
وَتَوْبَةٌ بِمَعْنَى النَّدَمِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الْتِزَامِ حُسْنِ السُّلُوكِ، وَتَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِمَعْنى الرضى لَا بِمَعْنَى غُفْرَانِ الذُّنُوبِ، وَظُلْمُ النَّفْسِ بِمَعْنَى التَّسَبُّبِ فِي حِرْمَانِهَا مِنْ لَذَّاتٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ لَذَّةٍ قَلِيلَةٍ فَهُوَ قَدْ خَالَفَ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخَالِفَهُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ إِلَى قَوْله خالِدُونَ [الْبَقَرَة: ٣٨، ٣٩] فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي بَيَّنَ بِهِ لَهُمْ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ جَزَاؤُهَا جَهَنَّمُ فَأَوْرَدَ عَلَيَّ بَعْضُ الْحُذَّاقِ مِنْ طَلَبَةِ الدَّرْسِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ عَالَمَ تَكْلِيفٍ فَكَيْفَ كَفَرَ إِبْلِيسُ بِاعْتِرَاضِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ؟ فَأَجَبْتُهُ بِأَنَّ دَلَالَةَ أُلُوهِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْعَالَمِ حَاصِلَةٌ بِالْمُشَاهَدَةِ حُصُولًا أَقْوَى مِنْ كُلِّ دَلَالَةٍ زِيَادَةً عَلَى دَلَالَةِ الْعَقْلِ لِأَنَّ إِبْلِيسَ شَاهِدٌ بِالْحِسِّ الدَّلَائِلَ عَلَى تَفَرُّدِهِ تَعَالَى بِالْأُلُوهِيَّةِ وَالْخَلْقِ وَالتَّصَرُّفِ الْمُطْلَقِ وَبِعَلَمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَاتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ كَمَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِمِثْلِهِ لِلْمَلَائِكَةِ فَكَانَ اعْتِرَاضُهُ عَلَى فِعْلِهِ وَالتَّغْلِيطُ إِنْكَارًا لِمُقْتَضَى تِلْكَ الصِّفَاتِ فَكَانَ مُخَالَفَةً لِدَلَائِلِ الْإِيمَانِ فَكَفَرَ بِهِ. وَأَمَّا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ وَجَزَاءُ ذَلِكَ فَلَا يُتَلَقَّى إِلَّا بِالْإِخْبَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ لَمْ تَحْصُلْ يَوْمَئِذٍ وَإِنَّمَا حَصَلَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَهُمْ: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ الْآيَةَ فَظَهَرَ الْفَرْقُ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ آدَمُ بِالرَّفْعِ وكَلِماتٍ بِالنَّصْبِ، وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِنَصْبِ (آدَمَ) وَرَفْعِ (كَلِمَاتٌ) عَلَى تَأْوِيلِ (تَلَقَى) بِمَعْنَى بَلَغَتْهُ كَلِمَاتٌ فَيَكُونُ التَّلَقِّي مَجَازًا عَنِ الْبُلُوغِ بِعَلَاقَةِ السَّبَبِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ تَذْيِيلٌ وَتَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ وَهِيَ فَتابَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُفِيدُ مُفَادَهَا مَعَ زِيَادَةِ التَّعْمِيمِ وَالتَّذْيِيلِ مِنَ الْإِطْنَابِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي. وَمَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّوَّابِ أَنَّهُ الْكَثِيرُ الْقَبُولِ لِلتَّوْبَةِ أَيْ لِكَثْرَةِ التَّائِبِينَ فَهُوَ مِثَالُ مُبَالَغَةٍ مِنْ تَابَ الْمُتَعَدِّي بِعَلَى الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى قبُول التَّوْبَة إيذان بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخُصُّ تَائِبًا دُونَ آخَرَ وَهُوَ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ الْمُؤَذِنُ بِتَقْدِيرِ تَابَ آدَمُ فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَلَى جَعْلِ التَّوَّابِ بِمَعْنَى الْمُلْهِمِ لِعِبَادِهِ الْكَثِيرِينَ أَنْ يَتُوبُوا فَإِنَّ أَمْثِلَةَ الْمُبَالَغَةِ قَدْ تَجِيءُ مِنْ غَيْرِ التَّكَاثُرِ فَالتَّوَّابُ
هُنَا مَعْنَاهُ الْمُلْهَمُ التَّوْبَةِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ قَبُولِ تَوْبَةِ التَّائِبِ.
وَتَعْقِيبُهُ بِالرَّحِيمِ لِأَنَّ الرَّحِيمَ جَارٍ مَجْرَى الْعِلَّةِ لِلتَّوَّابِ إِذْ قَبُولُهُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ضَرْبٌ مِنَ الرَّحْمَةِ بِهِمْ وَإِلَّا لَكَانَتِ التَّوْبَةُ لَا تَقْتَضِي إِلَّا نَفْعَ التَّائِبِ نَفْسَهُ بِعَدَمِ الْعَوْدِ لِلذَّنْبِ حَتَّى تَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْآثَامُ، وَأَمَّا الْإِثْمُ الْمُتَرَتِّبُ فَكَانَ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ يَتَحَقَّقَ عِقَابُهُ لَكِنَّ الرَّحْمَةَ سَبَقَتِ الْعَدْلَ هُنَا بِوَعْدٍ من الله.
стр. 463
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ٣٨ إِلَى ٣٩]
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)
كُرِّرَتْ جُمْلَةُ قُلْنَا اهْبِطُوا فَاحْتَمَلَ تَكْرِيرُهَا أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ رَبْطِ النَّظْمِ فِي الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ دَالَّةً عَلَى تَكْرِيرِ مَعْنَاهَا فِي الْكَلَامِ الَّذِي خُوطِبَ بِهِ آدَمُ فَيَكُونُ هَذَا التَّكْرِيرُ لِمُجَرَّدِ اتِّصَالِ مَا تَعَلَّقَ بِمَدْلُولِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا [الْبَقَرَة: ٣٦] وَذَلِكَ قَوْلُهُ: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [الْبَقَرَة: ٣٦] وَقَوْلُهُ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً. إِذْ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ مَا اعْتَرَضَ بَيْنَهُمَا مِنْ قَوْلِهِ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [الْبَقَرَة: ٣٧] فَإِنَّهُ لَوْ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً لَمْ يَرْتَبِطْ كَمَالَ الِارْتِبَاطِ وَلَتَوَهَّمَ السَّامِعُ أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي التَّفَنُّنِ فَلِدَفْعِ ذَلِكَ أُعِيدَ قَوْلُهُ: قُلْنَا اهْبِطُوا فَهُوَ قَوْلٌ وَاحِدٌ كُرِّرَ مَرَّتَيْنِ لِرَبْطِ الْكَلَامِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْطِفُ قُلْنَا لِأَنَّ بَيْنَهُمَا شِبْهَ كَمَالِ الِاتِّصَالِ لِتَنَزُّلِ قَوْلِهِ: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً مِنْ قَوْلِهِ: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ مَنْزِلَةَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ ثُمَّ بُنِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً الْآيَةَ وَهُوَ مُغَايِرٌ لِمَا بُنِيَ عَلَى قَوْلِهِ: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ لِيَحْصُلَ شَيْءٌ مِنْ تَجَدُّدِ فَائِدَةٍ فِي الْكَلَامِ لِكَيْ لَا يَكُونَ إِعَادَةُ اهْبِطُوا مُجَرَّدَ تَوْكِيدٍ وَيُسَمَّى هَذَا الْأُسْلُوبُ فِي عِلْمِ الْبَدِيعِ بِالتَّرْدِيدِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [آل عمرَان: ١٨٨] وَإِفَادَتُهُ التَّأْكِيدَ حَاصِلَةٌ بِمُجَرَّدِ إِعَادَةِ اللَّفْظِ (١) .
وَقِيلَ هُوَ أَمر ثَانِي بِالْهُبُوطِ بِأَنْ أُهْبِطَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ ثُمَّ أُهْبِطَ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْضِ فَتَكُونُ إِعَادَةُ قُلْنَا اهْبِطُوا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ زَمَنِ الْقَوْلَيْنِ وَالْهُبُوطِ وَهُوَ تَأْوِيلٌ يُفِيدُ أَنَّ الْمَرَاحِلَ وَالْمَسَافَاتِ لَا عِبْرَةَ بِهَا عِنْدَ الْمُسَافِرِ وَلِأَنَّ ضَمِيرَ مِنْها الْمُتَعَيَّنَ لِلْعَوْدِ إِلَى الْجنَّة لتنسق الضَّمَائِرِ فِي قَوْلِهِ: وَكُلا مِنْها رَغَداً [الْبَقَرَة:
٣٥] стр. 464
وَقَوْلِهِ: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها [الْبَقَرَة: ٣٦] مَانِعٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ اهْبِطُوا مِنَ السَّمَاءِ جَمِيعًا إِذْ لَمْ يَسْبِقْ مَعَادٌ لِلسَّمَاءِ فَالْوَجْهُ عِنْدِي عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ إِعَادَةُ اهْبِطُوا الثَّانِي لِغَيْرِ رَبْطِ نَظْمِ الْكَلَامِ أَنْ تَكُونَ لِحِكَايَةِ أَمْرٍ ثَانٍ لِآدَمَ بِالْهُبُوطِ كَيْلَا يَظُنَّ أَنَّ تَوْبَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرِضَاهُ عَنْهُ عِنْدَ مُبَادَرَتِهِ بِالتَّوْبَةِ عَقِبَ الْأَمْرِ بِالْهُبُوطِ قَدْ أَوْجَبَتِ الْعَفْوَ عَنْهُ مِنَ الْهُبُوطِ مِنَ الْجَنَّةِ فَأَعَادَ لَهُ الْأَمْرَ بِالْهُبُوطِ بَعْدَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ لِيَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى وَطَوْرٌ مِنَ الْأَطْوَارِ الَّتِي أَرَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ جَعْلِهِ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ وَهُوَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ.
وَفِيهِ إِشَارَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْعَفْوَ يَكُونُ مِنَ التَّائِبِ فِي الزَّوَاجِرِ وَالْعُقُوبَاتِ. وَأَمَّا تَحْقِيقُ آثَارِ الْمُخَالِفَةِ وَهُوَ الْعُقُوبَةُ التَّأْدِيبِيَّةُ فَإِنَّ الْعَفْوَ عَنْهَا فَسَادٌ فِي الْعَالَمِ لِأَنَّ الْفَاعِلَ لِلْمُخَالَفَةِ إِذَا لَمْ يَرَ أَثَرَ فَعْلِهِ لَمْ يَتَأَدَّبْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَالتَّسَامُحُ مَعَهُ فِي ذَلِكَ تَفْوِيتٌ لِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، فَإِنَّ الصَّبِيَّ إِذَا لَوَّثَ مَوْضِعًا وَغَضِبَ عَلَيْهِ مُرَبِّيهِ ثُمَّ تَابَ فَعَفَا عَنْهُ فَالْعَفْوُ يَتَعَلَّقُ بِالْعِقَابِ وَأَمَّا تَكْلِيفُهُ بِأَنْ يُزِيلَ بِيَدِهِ التَّلْوِيثَ الَّذِي لَوَّثَ بِهِ الْمَوْضِعَ فَذَلِكَ لَا يَحْسُنُ التَّسَامُحُ فِيهِ وَلِذَا لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ رَضِيَ عَنْهُ وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ بِعُقُوبَةٍ وَلَا بِزَاجِرٍ فِي الدُّنْيَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصْفَحْ عَنْهُ فِي تَحَقُّقِ أَثَرِ مُخَالَفَتِهِ وَهُوَ الْهُبُوطُ مِنَ الْجَنَّةِ لِيَرَى أَثَرَ حِرْصِهِ وَسُوءِ ظَنِّهِ، هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّوْجِيهُ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنِ اهْبِطُوا الثَّانِي حِكَايَةَ أَمْرٍ ثَانٍ بِالْهُبُوطِ خُوطِبَ بِهِ آدَمُ.
وجَمِيعاً حَال. وَجَمِيع اسْمٌ لِلْمُجْتَمِعِينَ مِثْلَ لَفْظِ (جَمْعٍ) فَلِذَلِكَ الْتَزَمُوا فِيهِ حَالَةً وَاحِدَةً وَلَيْسَ هُوَ فِي الْأَصْلِ وَصْفًا وَإِلَّا لَقَالُوا جَاءُوا جَمِيعِينَ لِأَنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ يُطَابِقُ مَوْصُوفَهُ وَقَدْ تَأَوَّلُوا قَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ:
فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً
بِأَنَّ التَّاءَ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالْمَعْنَى اهْبِطُوا مُجْتَمِعَيْنِ فِي الْهُبُوطِ مُتَقَارِنَيْنِ فِيهِ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي اقْتِرَافِ سَبَبِ الْهُبُوطِ.
وَقَوْلُهُ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ شَرْطٌ عَلَى شَرْطٍ لِأَنَّ (إِمَّا) شَرْطٌ مُرَكَّبٌ مِنْ إِنِ الشَّرْطِيَّةِ وَمَا الزَّائِدَةُ دَالَّةٌ عَلَى تَأْكِيدِ التَّعْلِيقِ لِأَنَّ إِنْ بِمَجَرَّدِهَا دَالَّةٌ عَلَى الشَّرْطِ فَلَمْ يَكُنْ دُخُولُ مَا الزَّائِدَةِ عَلَيْهَا كَدُخُولِهَا عَلَى (مَتَى) وَ (أَيْ) وَ (أَيْنَ) وَ (أَيَّانَ) وَ (مَا) وَ (مِنْ) وَ (مَهْمَا) عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ أَصْلَهَا مَامَا لِأَنَّ تِلْكَ كَانَتْ زِيَادَتَهَا لِجَعْلِهَا مُفِيدَةً مَعْنَى الشَّرْطِ فَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَمْ تُوضَعْ لَهُ بِخِلَافِ (إِنْ) وَقَدِ الْتَزَمَتِ الْعَرَبُ تَأْكِيدَ فِعْلِ الشَّرْطِ مَعَ إِمَّا بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيَادَةِ تَوْكِيدِ التَّعْلِيقِ بِدُخُولِ عَلَامَتِهِ عَلَى أَدَاتِهِ وَعَلَى فِعْلِهِ فَهُوَ تَأْكِيدٌ لَا يُفِيدُ تَحْقِيقَ حُصُولِ الْجَوَابِ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلتَّعْلِيقِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَكَّدْ جَوَابُ الشَّرْطِ بِالنُّونِ بَلْ يُفِيدُ تَحْقِيقَ الرَّبْطِ أَيْ إِنَّ كَوْنَ
стр. 465
حُصُولِ الْجَوَابِ مُتَوَقِّفًا عَلَى حُصُولِ الشَّرْطِ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ لَا مَحَالَةَ فَإِنَّ التَّعْلِيقَ مَا هُوَ إِلَّا خَبَرٌ مِنَ الْأَخْبَارِ، إِذْ حَاصِلُهُ الْإِخْبَارُ بِتَوَقُّفِ حُصُولِ الْجَزَاءِ عَلَى حُصُولِ الشَّرْطِ فَلَا جَرَمَ كَانَ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ قَابِلًا لِلتَّوْكِيدِ وَقَلَّمَا خَلَا فِعْلُ الشَّرْطِ مَعَ إِمَّا عَنْ نُونِ التَّوْكِيدِ كَقَوْلِ الْأَعْشَى:
إِمَّا تَرَيْنَا حُفَاةً نِعَالَ لَنَا ... إِنَّا كَذَلِكَ مَا نَحْفَى وَنَنْتَعِلُ
وَهُوَ غَيْرُ حَسَنٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَالْفَارِسِيِّ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ وَالزَّجَّاجُ هُوَ مَمْنُوعٌ فَجَعَلَا خُلُوَّ الْفِعْلِ عَنْهُ ضَرُورَةً.
وَقَوْلُهُ: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ مَنْ شَرْطِيَّةٌ بِدَلِيلِ دُخُولِ الْفَاءِ فِي جَوَابِهَا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْفَاءَ وَإِنْ دَخَلَتْ فِي خَبَرِ الْمَوْصُولِ كَثِيرًا فَذَلِكَ عَلَى مُعَامَلَتِهِ مُعَامَلَةَ الشَّرْطِ فَلْتُحْمَلْ هُنَا عَلَى الشُّرْطِيَّةِ اخْتِصَارًا لِلْمَسَافَةِ.
وَأُظْهِرَ لَفْظَ الْهُدَى فِي قَوْلِهِ: هُدايَ وَهُوَ عَيْنُ الْهُدَى فِي قَوْلِهِ: مِنِّي هُدىً فَكَانَ الْمَقَامُ لِلضَّمِيرِ الرَّابِطِ لِلشَّرْطِيَّةِ الثَّانِيَةِ بِالْأَوْلَى لَكِنَّهُ أُظْهِرَ اهْتِمَامًا بِالْهُدَى لِيَزِيدَ رُسُوخًا فِي أَذْهَانِ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى حَدِّ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦] وَلِتَكُونَ هَاتِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا لَا تَشْتَمِلُ عَلَى عَائِدٍ يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ مُعَادٍ حَتَّى يَتَأَتَّى تَسْيِيرُهَا مَسِيرَ الْمَثَلِ أَوِ النَّصِيحَةِ فَتُلْحَظُ فَتُحْفَظُ وَتَتَذَكَّرُهَا النُّفُوسُ لِتُهَذَّبَ وَتَرْتَاضَ كَمَا أَظْهَرَ فِي قَوْلِهِ: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الْإِسْرَاء: ٨١] لِتَسِيرَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ مَسِيرَ الْمَثَلِ وَمِنْهُ قَوْلُ بَشَّارٍ:
إِذَا بَلَّغَ الرَّأْيُ الْمَشُورَةَ فَاسْتَعِنْ ... بِرَأْيِ نَصِيحٍ أَوْ نَصِيحَةِ حَازِمِ
وَلَا تَجْعَلِ الشُّورَى عَلَيْكَ غَضَاضَةً ... مَكَانُ الْخَوَافِي قُوَّةٌ لِلْقَوَادِمِ
وَأَدْنِ إِلَى الشُّورَى الْمُسَدَّدَ رَأْيُهُ ... وَلَا تُشْهِدِ الشُّورَى امْرَأً غَيْرَ كَاتِمِ
فَكَرَّرَ الشُّورَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي الْبَيْتَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ لِيَكُونَ كُلُّ نِصْفٍ سَائِرًا مَسِيرَ الْمَثَلِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ تَعْرِيفِ الْهُدَى الثَّانِي بِالْإِضَافَةِ لِضَمِيرِ الْجَلَالَةِ دُونَ أَلْ مَعَ أَنَّهَا الْأَصْلُ فِي وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِير الْوَاقِع معاد لِئَلَّا يَفُوتَ هَاتِهِ الْجُمْلَةَ الْمُسْتَقِلَّةَ شَيْءٌ تَضَمَّنَتْهُ الْجُمْلَةُ الْأُولَى إِذِ الْجُمْلَةُ الْأُولَى تَضَمَّنَتْ وَصْفَ الْهُدَى بِأَنَّهُ آتٍ مِنَ اللَّهِ وَالْإِضَافَةُ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ تُفِيدُ هَذَا الْمُفَادَ.
стр. 466
وَالْإِتْيَانُ (١) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ بِحَرْفِ الشَّرْطِ الدَّالِّ عَلَى عَدَمِ الْجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ إِيذَانٌ بِبَقِيَّةٍ مِنْ عِتَابٍ عَلَى عَدَمِ امْتِثَالِ الْهُدَى الْأَوَّلِ وَتَعْرِيضٌ بِأَنَّ مُحَاوَلَةَ هَدْيِكُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا جَدْوَى لَهَا كَمَا يَقُولُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ إِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِمَا أَوْصَاهُ بِهِ فَغَضِبَ عَلَيْهِ ثُمَّ اعْتَذَرَ لَهُ فَرَضِيَ عَنْهُ: إِنْ أَوْصَيْتُكَ يَوْمًا آخَرَ بِشَيْءٍ فَلَا تَعُدْ لِمِثْلِ فَعْلَتِكَ، يُعَرِّضُ لَهُ بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْغَرَضِ بِوَصِيَّتِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ إِذْ لَعَلَّهُ قَلِيلُ الْجَدْوَى، وَهَذَا وَجْهٌ بَلِيغٌ فَاتَ صَاحِبَ «الْكَشَّافِ» حَجَبَهُ عَنْهُ تَوْجِيهُ تَكَلُّفِهِ لِإِرْغَامِ الْآيَةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ دَلِيلًا لِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ بِعَدَمِ وُجُوبِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا بِهُدَى الْعَقْلِ فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ مَعَ كَوْن هُدَى اللَّهِ تَعَالَى النَّاسَ وَاجِبًا عِنْدَهُمْ، وَذَلِكَ التَّكَلُّفُ كَثِيرٌ فِي «كِتَابِهِ» وَهُوَ لَا يَلِيقُ بِرُسُوخِ
قَدَمِهِ فِي الْعِلْمِ، فَكَانَ تَقْرِيرُهُ هَذَا كَالِاعْتِذَارِ عَنِ الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ عَلَى أَنَّ الْهُدَى لَا يَخْتَصُّ بِالْإِيمَانِ الَّذِي يُغْنِي فِيهِ الْعَقْلُ عَنِ الرِّسَالَةِ عِنْدَهُمْ بَلْ مُعْظَمُهُ هُدَى التَّكَالِيفِ وَكَثِيرٌ مِنْهَا لَا قِبَلَ لِلْعَقْلِ بِإِدْرَاكِهِ، وَهُوَ عَلَى أُصُولِهِمْ أَيْضًا وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ إِبْلَاغُهُ لِلنَّاسِ فَيَبْقَى الْإِشْكَالُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِحَرْفِ الشَّكِّ هُنَا بِحَالِهِ فَلِذَلِكَ كَانَتِ الْآيَةُ أَسْعَدَ بِمَذْهَبِنَا أَيُّهَا الْأَشَاعِرَةَ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْهُدَى كُلِّهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَوْ شِئْنَا أَنْ نَسْتَدِلَّ بِهَا عَلَى ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ الْبَيْضَاوِيُّ وَلَكِنَّا لَا نَرَاهَا وَارِدَةً لِأَجْلِهِ.
وَقَوْلُهُ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً الْآيَةَ هُوَ فِي مَعْنَى الْعَهْدِ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى آدَمَ فَلَزِمَ ذُرِّيَّتَهُ أَنْ يَتْبَعُوا كُلَّ هُدًى يَأْتِيهِمْ مِنَ اللَّهِ وَأَنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ هُدًى يَأْتِي مِنَ اللَّهِ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ الْعَذَابَ стр. 467
فَشَمِلَ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُخَاطَبِ بِهَا طَوَائِفُ النَّاسِ لِوُقُوعِ (هُدًى) نَكِرَةً فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ وَهُوَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَأَوْلَى الْهُدَى وَأَجْدَرُهُ بِوُجُوبِ اتِّبَاعِهِ الْهُدَى الَّذِي أَتَى مِنَ اللَّهِ لِسَائِرِ الْبَشَرِ وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي خُوطِبَ بِهِ جَمِيعُ بَنِي آدَمَ وَبِذَلِكَ تَهَيَّأَ الْمَوْقِعُ لِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَخْ فَاللَّهُ أَخَذَ الْعَهْدَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ عَلَى اتِّبَاعِ الْهُدَى الْعَامِّ كَقَوْلِهِ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ [آل عمرَان: ٨١] الْآيَةَ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُ الْبَشَرَ بِمَا يَقْتَرِفُونَهُ مِنَ الضَّلَالِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَهْدِيهِمْ فَأَمَّا فِي تَفَاصِيلِ الشَّرَائِعِ فَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ وَلَا اخْتِلَافَ وَأَمَّا فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَمَا يَقْتَضِيهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَيَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ عُلَمَائِنَا فِي مُؤَاخَذَةِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ عَلَى الْإِشْرَاكِ، وَلَعَلَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهُدَى الْآتِيَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ مِنْ عَهْدِ آدَمَ وَنُوحٍ وَعَرَفَهُ الْبَشَرُ كُلُّهُمْ فَيَكُونُ خِطَابًا ثَابِتًا لَا يَسَعُ الْبَشَرَ ادِّعَاءُ جَهِلِهِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَقِيلَ لَا، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ أَنَّهُ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ نَفْيٌ لِجِنْسِ الْخَوْفِ. وخَوْفٌ مَرْفُوعٌ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ وَقَرَأَهُ يَعْقُوبُ مَبْنَيَا عَلَى الْفَتْحِ وَهُمَا وَجْهَانِ فِي اسْمِ (لَا) النَّافِيَةِ لِلْجِنْسِ وَقَدْ رَوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ نِسَاءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ لَا حَرَّ وَلَا قَرَّ وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سَآمَةَ» . وَبِنَاءُ الِاسْمِ عَلَى الْفَتْحِ نَصٌّ فِي نَفْيِ الْجِنْسِ وَرَفْعُهُ مُحْتَمِلٌ لِنَفْيِ الْجِنْسِ وَلِنَفْيِ فَرْدٍ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ فَإِذَا انْتَفَى اللَّبْسُ اسْتَوَى الْوَجْهَانِ كَمَا هُنَا إِذِ الْقَرِينَةُ ظَاهِرَةٌ فِي نَفْيِ الْجِنْسِ.
وَقَوْلُهُ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا قِيلَ لِآدَمَ فَإِكْمَالُ ذِكْرِهِ هُنَا اسْتِيعَابٌ لِأَقْسَامِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَهُوَ يَعُمُّ مَنْ كَذَّبَ
بِالْمُعْجِزَاتِ كُلِّهَا وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْقُرْآنُ، عَطْفٌ عَلَى (مَنْ) الشَّرْطِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ إِلَخْ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ جُمْلَةٍ إِسْمِيَّةٍ عَلَى جُمْلَةٍ إِسْمِيَّةٍ، وَأَتَى بِالْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ غَيْرَ شَرْطِيَّةٍ مَعَ مَا فِي الشَّرْطِيَّةِ مِنْ قُوَّةِ الرَّبْطِ وَالتَّنْصِيصِ عَلَى تَرَتُّبِ الْجَزَاءِ عَلَى الشَّرْطِ وَعَدَمِ الِانْفِكَاكِ عَنْهُ لِأَنَّ مَعْنَى التَّرَتُّبِ وَالتَّسَبُّبِ وَعَدَمَ الِانْفِكَاكِ قَدْ حَصَلَ بِطُرُقٍ أُخْرَى فَحَصَلَ مَعْنَى الشَّرْطِ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ بِشَارَةٌ يُؤْذِنُ مَفْهُومُهَا بِنِذَارَةِ مَنْ لَمْ يَتْبَعْهُ فَهُوَ خَائِفٌ حَزِينٌ فَيَتَرَقَّبُ السَّامِعُ مَا يُبَيِّنُ هَذَا الْخَوْفَ وَالْحُزْنَ فَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا الْآيَةَ. وَأَمَّا مَعْنَى التَّسَبُّبِ فَقَدْ حَصَلَ مِنْ تَعْلِيقِ الْخَبَرِ عَلَى الْمَوْصُول وصلته المؤمي إِلَى وَجْهِ بِنَاءِ الْخَبَرِ وَعِلَّتِهِ عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ فِي الْإِيمَاءِ إِلَى وَجْهِ بِنَاءِ الْخَبَرِ، وَأَمَّا عَدَمُ الِانْفِكَاكِ
стр. 468
فَقَدِ اقْتَضَاهُ الْإِخْبَارُ عَنْهُمْ بِأَصْحَابِ النَّارِ الْمُقْتَضِي لِلْمُلَازِمَةِ ثُمَّ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ: هُمْ فِيها خالِدُونَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَذْيِيلٌ ذُيِّلَتْ بِهِ قِصَّةُ آدَمَ لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ الْمُهْتَدِينَ وَلَيْسَ مِنَ الْمَقُولِ لَهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّذْيِيلِ تَهْدِيدُ الْمُشْرِكِينَ وَالْعَوْدُ إِلَى عَرْضِ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [الْبَقَرَة: ٢١] وَقَوْلِهِ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [الْبَقَرَة: ٢٨] فَتَكُونُ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا اعْتِرَاضِيَّةً وَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْخَالِقَ وَأَنْكَرُوا أَنْبِيَاءَهُ وَجَحَدُوا عَهْدَهُ كَمَا هُوَ اصْطِلَاحُ الْقُرْآنِ وَالْمَعْنَى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِي وَبِهُدَايَ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْمُقَابَلَةُ.
وَالْآيَاتُ جَمْعُ آيَةٍ وَهِيَ الشَّيْءُ الدَّالُّ عَلَى أَمْرٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَخْفَى، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِأَعْلَامِ الطَّرِيقِ آيَاتٌ لِأَنَّهُمْ وَضَعُوهَا لِلْإِرْشَادِ إِلَى الطُّرُقِ الْخَفِيَّةِ فِي الرِّمَالِ، وَتُسَمَّى الْحُجَّةُ آيَةً لِأَنَّهَا تُظْهِرُ الْحَقَّ الْخَفِيَّ، كَمَا قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
مَنْ لَنَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ آيَا ... تٌ ثَلَاثٌ فِي كُلِّهِنَّ الْقَضَاءُ
يَعْنِي ثَلَاثَ حُجَجٍ عَلَى نُصْحِهِمْ وَحُسْنِ بَلَائِهِمْ فِي الْحَرْبِ وَعَلَى اتِّصَالِهِمْ بِالْمَلِكِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ. وَسَمَّى اللَّهُ الدَّلَائِلَ عَلَى وُجُودِهِ وَعَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَعَلَى إِبْطَالِ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ آيَاتٍ، فَقَالَ: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ [الْأَنْعَام: ٤] وَقَالَ:
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الْأَنْعَام: ٩٧] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الْأَنْعَام: ٩٩] وَقَالَ:
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها [الْأَنْعَام: ١٠٩] وَسَمَّى الْقُرْآنُ آيَةً فَقَالَ: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ- إِلَى قَوْلِهِ- أَوَلَمْ
يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ
فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ [٥٠، ٥١] . وَسَمَّى أَجْزَاءَهُ آيَاتٍ فَقَالَ: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا [الْحَج: ٧٢] وَقَالَ: المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ [الرَّعْد: ١] لِأَنَّ كُلَّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ يَعْجِزُ الْبَشَرُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [الْبَقَرَة: ٢٣] ، فَكَانَ دَالًّا عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ فِيمَا جَاءَ بِهِ وَكَانَتْ جُمَلُهُ آيَاتٍ لِأَنَّ بِهَا بَعْضَ الْمِقْدَارِ الْمُعْجِزِ، وَلَمْ تُسَمَّ أَجْزَاءُ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الْأُخْرَى آيَاتٍ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الرَّجْمِ أَنَّ ابْنَ صُورِيَا حِينَ نَشَرَ التَّوْرَاةَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَذَلِكَ عَلَى تَشْبِيهِ الْجُزْءِ مِنَ التَّوْرَاةِ بِالْجُزْءِ مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ مِنْ تَعْبِيرِ رَاوِي الْحَدِيثِ.
وَأَصْلُ الْآيَةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهُُِ
стр. 469
فَعَلَةٌ بِالتَّحْرِيكِ أَيَيَةٌ أَوْ أَوَيَةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهَا وَاوِيَّةٌ أَوْ يَائِيَّةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنْ أَيٍّ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ أَوْ مِنْ أَوَيَ (١) فَلَمَّا تَحَرَّكَ حَرْفَا الْعِلَّةِ فِيهَا قُلِبَ أَحَدُهُمَا وَقُلِبَ الْأَوَّلُ تَخْفِيفًا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِأَنَّ قِيَاسَ اجْتِمَاعِ حَرْفَيْ عِلَّةٍ صَالِحَيْنِ لِلْإِعْلَالِ أَنْ يُعَلَّ ثَانِيهِمَا إِلَّا مَا قَلَّ مِنْ نَحْوِ آيَةٍ وَقَايَةٍ وَطَايَةٍ وَثَايَةٍ وَرَايَةٍ (٢) .
فَالْمُرَادُ بِآيَاتِنَا هُنَا آيَاتُ الْقُرْآنِ أَيْ وَكَذَّبُوا بِالْقُرْآنِ أَي بِأَنَّهُ وَحْيٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: وَكَذَّبُوا بِآياتِنا بَاءٌ يَكْثُرُ دُخُولُهَا عَلَى مُتَعَلَّقِ مَادَّةِ التَّكْذِيبِ مَعَ أَنَّ التَّكْذِيبَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ وَلَمْ أَقِفْ فِي كَلَامِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ عَلَى خَصَائِصِ لَحَاقِهَا بِهَذِهِ الْمَادَّةِ وَالصِّيغَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّكْذِيبِ فَتَكُونُ كَالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [الْمَائِدَة: ٦] وَقَوْلِ النَّابِغَةِ:
لَكَ الْخَيْرُ أَنْ وَارَتْ بِكَ الْأَرْضُ وَاحِدًا وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَصْلَهَا لِلسَّبَبِيَّةِ وَأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُقَالَ كَذَّبَ فَلَانًا بِخَبَرِهِ ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ فَصَارَ كَذَّبَ بِهِ وَكَذَبَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالْأَكْثَرُ أَنْ يُقَالَ كَذَّبَ فُلَانًا، وَكَذَبَ بِالْخَبَرِ الْفُلَانِيِّ، فَقَوْلُهُ:
بِآياتِنا يَتَنَازَعُهُ فِعْلَا كَفَرُوا وَكَذَّبُوا. وَقَوْلُهُ: هُمْ فِيها خالِدُونَ بَيَانٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ:
أَصْحابُ النَّارِ فَإِنَّ الصَّاحِبَ هُنَا بِمَعْنَى الْمُلَازِمِ وَلِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَةُ فِيها خالِدُونَ لِتَنَزُّلِهَا مِنَ الْأُولَى مَنْزِلَةَ الْبَيَانِ فَبَيْنَهُمَا كَمَال الِاتِّصَال.
[٤٠] стр. 470
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٤٠]
يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)
انْتِقَالٌ مِنْ مَوْعِظَةِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى مَوْعِظَةِ الْكَافِرِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبِذَلِكَ تَتِمُّ مَوْعِظَةُ الْفِرَقِ الْمُتَقَدَّمُ ذِكْرُهَا، لِأَنَّ فَرِيقَ الْمُنَافِقين لَا يعدو أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ، وَوُجِّهَ الْخِطَابُ هُنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ أشهر الْأُمَم المتدينة ذَاتِ الْكِتَابِ الشَّهِيرِ وَالشَّرِيعَةِ الْوَاسِعَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ جَاءَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ فَكَانَتْ هَاتِهِ السُّورَةُ الَّتِي هِيَ فُسْطَاطُهُ مُشْتَمِلَةً عَلَى الْغَرَضِ الَّذِي جَاءَ لِأَجْلِهِ، وَقَدْ جَاءَ الْوَفَاءُ بِهَذَا الْغَرَضِ عَلَى أَبْدَعِ الْأَسَالِيبِ وَأَكْمَلِ وُجُوهِ الْبَلَاغَةِ فَكَانَتْ فَاتِحَتُهَا فِي التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذَا الْكِتَابِ وَآثَارِ هَدْيِهِ وَمَا يكْتَسب متبوه مِنَ الْفَلَّاحِ دُنْيَا وَأُخْرَى، وَبِالتَّحْذِيرِ مِنْ سُوءِ مَغَبَّةِ مَنْ يُعْرِضُ عَنْ هَدْيِهِ وَيَتَنَكَّبُ طَرِيقَهُ، وَوَصَفَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ أَحْوَالَ النَّاسِ تُجَاهَ تَلَقِّي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَمُنَافِقٍ، بَعْدَ ذَلِكَ أَقْبَلَ عَلَى أَصْنَافِ أُولَئِكَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْمَقْصُودِ، وَقَدِ انْحَصَرَ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ مِنَ النَّاسِ الْمُتَلَقِّينَ لِهَذَا الْكِتَابِ بِالنِّسْبَةِ لِحَالِهِمْ تُجَاهَ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي صِنْفَيْنِ لِأَنَّهُمْ إِمَّا مُشْرِكٌ أَوْ مُتَدَيِّنٌ أَيْ كِتَابِيٌّ، إِذْ قَدِ انْدَرَجَ صِنْفُ الْمُنَافِقِينَ فِي الصِّنْفِ الْمُتَدَيِّنِ لِأَنَّهُمْ مِنَ الْيَهُودِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَدَعَا الْمُشْرِكِينَ إِلَى عِبَادَتِهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [الْبَقَرَة: ٢١] . فَالنَّاسُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُشْرِكِينَ كَمَا هُوَ اصْطِلَاحُ الْقُرْآنِ غَالِبًا كَمَا تَقَدَّمَ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ كُلَّ النَّاسِ فَقَوْلُهُ: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ يَخْتَصُّ بِهِمْ لَا مَحَالَةَ إِذْ لَيْسَ الْمُؤْمِنُونَ بِدَاخِلِينَ فِي ذَلِكَ، وَذَكَّرَهُمْ بِدَلَائِلِ الصَّنْعَةِ وَهِيَ خَلْقُ أُصُولِهِمْ وَبِأُصُولِ نِعَمِ الْحَيَاةِ وَهِيَ خَلْقُ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَإِنْزَالُ الْمَاءِ مِنَ السَّمَاءِ لِإِخْرَاجِ الثَّمَرَاتِ، وَعَجِبَ مِنْ كُفْرِهِمْ مَعَ ظُهُورِ دَلَائِلِ إِثْبَاتِ الْخَالِقِ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَذَكَّرَهُمْ بِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ وَهِيَ نِعْمَةُ تَكْرِيمِ أَصْلِهِمْ وَتَوْبَتُهُ عَلَى أَبِيهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ اقْتِصَارٌ عَلَى الْقَدْرِ الثَّابِتِ فِي فِطْرَتِهِمْ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ مِنَ الْأُصُولِ الدِّينِيَّةِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مَرْجِعًا
فِي الْمُحَاوَرَةِ وَالْمُجَادَلَةِ يَقْتَنِعُونَ بِهِ، وَخَاطَبَهُمْ فِي شَأْنِ إِثْبَاتِ صِدْقِ الرَّسُولِ خِلَالَ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الَّذِي تُدْرِكُهُ أَذْوَاقُهُمُ الْبَلَاغِيَّةُ فَقَالَ: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [الْبَقَرَة: ٢٣] الْآيَاتِ. وَلَمَّا قَضَى ذَلِكَ كُلَّهَ حَقَّهُ أَقْبَلَ بِالْخِطَابِ هُنَا عَلَى الصِّنْفِ الثَّانِي وَهُمْ أَهْلُ الشَّرَائِعِ وَالْكِتَابِ وَخَصَّ مِنْ
стр. 471
بَيْنِهِمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِأَنَّهُمْ أَمْثَلُ أُمَّةٍ ذَاتِ كِتَابٍ مَشْهُورٍ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ وَهُمُ الْأَوْحِدَاءُ بِهَذَا الْوَصْفِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ السَّاكِنِينَ الْمَدِينَةَ وَمَا حَوْلَهَا، وَهُمْ أَيْضًا الَّذِينَ ظَهَرَ مِنْهُمُ الْعِنَادُ وَالنِّوَاءُ لِهَذَا الدِّينِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَدْعُ الْيَهُودَ إِلَى تَوْحِيدٍ وَلَا اعْتِرَافٍ بِالْخَالِقِ لِأَنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ وَلَكِنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى تَذَكُّرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَإِلَى مَا كَانَتْ تُلَاقِيهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ مِنْ مُكَذِّبِيهِمْ، لِيَذْكُرُوا أَنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ وَلِيَرْجِعُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمِثْلِ مَا كَانُوا يُؤَنِّبُونَ بِهِ مَنْ كَذَّبَ أَنْبِيَاءَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ بِبِشَارَاتِ رُسُلِهِمْ وَأَنْبِيَائِهِمْ بِنَبِيٍّ يَأْتِي بَعْدَهُمْ.
وَلِتَوْجِيهِ الْخِطَابِ إِلَيْهِمْ طَرِيقَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ جَادَلَهُمْ بِالْأَدِلَّةِ الدِّينِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ وَإِثْبَاتِ صِدْقِ الرِّسَالَةِ بِمَا تَعَارَفُوهُ مِنْ أَحْوَالِ الرُّسُلِ، وَلَمْ يُعَرِّجْ لَهُمْ عَلَى إِثْبَاتِ الصِّدْقِ بِدَلَالَةِ مُعْجِزَةِ الْقُرْآنِ إِذْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ فُرْسَانِ هَذَا الْمَيْدَانَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا [الْبَقَرَة: ٢٦] فَكَانَ خِطَابُهُمْ هُنَا بِالدَّلَائِلِ الدِّينِيَّةِ وَبِحُجَجِ الشَّرِيعَةِ الْمُوسَوِيَّةِ لِيَكُونَ دَلِيلُ صِدْقِ الرَّسُولِ فِي الِاعْتِبَارِ بِحَالِهِ وَأَنَّهُ جَاءَ عَلَى وِفَاقِ أَحْوَالِ إِخْوَانِهِ الْمُرْسَلِينَ السَّابِقِينَ.
وَقَدْ أَفَاضَ الْقُرْآنُ فِي ذَلِكَ وَتَدَرَّجَ فِيهِ مِنْ دَرَجَةٍ إِلَى أُخْتِهَا بِأُسْلُوبٍ بَدِيعٍ فِي مُجَادَلَةِ الْمُخَاطَبِينَ وَأَفَادَ فِيهِ تَعْلِيمَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَا يَفُوتَهُمْ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ [الشُّعَرَاء: ١٩٧] فَقَدْ كَانَ الْعِلْمُ يَوْمَئِذٍ مَعْرِفَةَ التَّشْرِيعِ وَمَعْرِفَةَ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَأَحْوَالِ الْعَالَمَيْنِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مَعَ الْوِصَايَاتِ الْأَدَبِيَّةِ وَالْمَوَاعِظِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، فَبِذَلِكَ كَانَ الْيَهُودُ يَفُوقُونَ الْعَرَبَ وَمِنْ أَجْلِهِ كَانَتِ الْعَرَبُ تسترشدهم فِي الشؤون وَبِهِ امْتَازَ الْيَهُودُ عَلَى الْعَرَبِ فِي بِلَادِهِمْ بِالْفِكْرَةِ الْمَدَنِيَّةِ.
وَكَانَ عِلْمُ عَامَّةِ الْيَهُودِ فِي هَذَا الشَّأْنِ ضَعِيفًا وَإِنَّمَا انْفَرَدَتْ بِعِلْمِهِ عُلَمَاؤُهُمْ وَأَحْبَارُهُمْ فَجَاءَ الْقُرْآنُ فِي هَاتِهِ الْمُجَادَلَاتِ مُعْلِمًا أَيْضًا لِلْمُسْلِمِينَ وَمُلْحِقًا لَهُمْ بِعُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى تَكُونَ الدَّرَجَةُ الْعُلْيَا لَهُمْ لِأَنَّهُمْ يَضُمُّونَ هَذَا الْعِلْمَ إِلَى عُلُومِهِمُ اللِّسَانِيَّةِ وَنَبَاهَتِهِمُ الْفِكْرِيَّةِ فَتُصْبِحَ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ مُسَاوِيَةً فِي الْعِلْمِ لِخَاصَّةِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ وَهَذَا مَعْنًى عَظِيمٌ مِنْ مَعَانِي تَعْمِيمِ التَّعْلِيمِ وَالْإِلْحَاقِ فِي مُسَابَقَةِ التَّمُدْيُنِ. وَبِهِ تَنْكَشِفُ لَكُمْ حِكْمَةٌ مِنْ حِكَمِ تَعَرُّضِ
الْقُرْآنِ لِقِصَصِ الْأُمَمِ وَأَحْوَالِهِمْ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَعَ الْعِبْرَةِ تَعْلِيمًا اصْطِلَاحِيًّا. وَلَقَدْ نَعُدُّ هَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ وَهُوَ أَنَّهُ شَرَحَ مِنْ أَحْوَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا أَحْبَارُهُمْ وَخَاصَّتُهُمْ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى كِتْمَانِهِ الاستئثار بِهِ
стр. 472
خَشْيَةَ الْمُزَاحَمَةِ فِي الْجَاهِ وَالْمَنَافِعِ فَجَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْهُمْ وَعَنْ عِلْمِهِمْ صَادِعًا بِمَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُ خَاصَّتِهِمْ فَكَانَتْ هَذِهِ الْمُعْجِزَةُ لِلْكِتَابِيِّينَ قَائِمَةً مَقَامَ الْمُعْجِزَةِ الْبَلَاغِيَّةِ لِلْأُمِّيِّينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْإِلْمَامُ بِهَذَا فِي الْمُقَدِّمَةِ السَّابِعَةِ. وَقَدْ رُوعِيَتْ فِي هَذَا الِانْتِقَالِ مُسَايَرَةُ تَرْتِيبِ كتب التَّوْرَاة إِذا عَقَّبَتْ كِتَابَ التَّكْوِينِ بِكِتَابِ الْخُرُوجِ أَيْ وَصْفِ أَحْوَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مُدَّةِ فِرْعَوْنَ ثُمَّ بَعْثَةِ مُوسَى، وَقَدِ اقْتَصَرَ مِمَّا فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ عَلَى ذِكْرِ خَلْقِ آدَمَ وَإِسْكَانِهِ الْأَرْضَ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْعِبْرَةِ وَانْتَقَلَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَحْوَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِأَنَّ فِيهَا عِبَرًا جَمَّةً لَهُمْ وَلِلْأُمَّةِ.
فَقَوْلُهُ: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ خِطَابٌ لِذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ وَفِي ذُرِّيَّتِهِ انْحَصَرَ سَائِرُ الْأُمَّةِ الْيَهُودِيَّةِ، وَقَدْ خَاطَبَهُمْ بِهَذَا الْوَصْفِ دُونَ أَنْ يَقُولَ يَا أَيُّهَا الْيَهُودُ لِكَوْنِهِ هُوَ اسْمَ الْقَبِيلَةِ أَمَّا الْيَهُودُ فَهُوَ اسْمُ النِّحْلَةِ وَالدِّيَانَةِ وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ مُتَّبِعًا دِينَ الْيَهُودِيَّةِ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَحِمْيَرَ لَمْ يُعَتَدَّ بِهِمْ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَوْ آمَنَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالنَّبِيءِ ﷺ لَآمَنَ أَتْبَاعُهُمْ لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ تَبَعٌ لِمُقَلِّدِهِ. وَلِأَنَّ هَذَا الْخِطَابَ لِلتَّذْكِيرِ بِنِعَمٍ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى أَسْلَافِهِمْ وَكَرَامَاتٍ أَكْرَمَهُمْ بِهَا فَكَانَ لِنِدَائِهِمْ بِعُنْوَانِ كَوْنِهِمْ أَبْنَاءَ يَعْقُوبَ وَأَعْقَابَهُ مَزِيدُ مُنَاسَبَةٍ لِذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا ذُكِّرُوا بِعُنْوَانِ التَّدَيُّنِ بِدِينِ مُوسَى ذُكِّرُوا بِوَصْفِ الَّذِينَ هَادُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا [الْبَقَرَة: ٦٢] الْآيَةَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.
وَتَوْجِيهُ الْخُطَّابِ إِلَى جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَشْمَلُ عُلَمَاءَهُمْ وَعَامَّتَهُمْ لِأَنَّ مَا خُوطِبُوا بِهِ هُوَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى أَسْلَافِهِمْ وَبِعَهْدِ اللَّهِ لَهُمْ. وَكَذَلِكَ نَجِدُ خِطَابَهُمْ فِي الْأَغْرَاضِ الَّتِي يُرَادُ مِنْهَا التَّسْجِيلُ عَلَى جَمِيعِهِمْ يَكُونُ بِنَحْوِ يَا أَهْلَ الْكِتابِ [آل عمرَان: ٦٤] أَوْ بِوَصْفِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هَادُوا أَوْ بِوَصْفِ النَّصَارَى، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْغَرَضُ التَّسْجِيلَ عَلَى عُلَمَائِهِمْ نَجِدُ الْقُرْآنَ يُعَنْوِنُهُمْ بِوَصْفِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [النِّسَاء: ٤٧] أَوِ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ [الْأَنْعَام: ٢٠] . وَقَدْ يَسْتَغْنِي عَنْ ذَلِكَ بِكَوْنِ الْخَبَرِ الْمَسُوقِ مِمَّا يُنَاسِبُ عُلَمَاءَهُمْ خَاصَّةً مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الْبَقَرَة: ٧٥] . وَنَحْوَ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [الْبَقَرَة: ٤١] وَنَحْوَ وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الْبَقَرَة: ٤٢] فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [الْبَقَرَة: ٧٩] الْآيَةَ وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا
مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
[الْبَقَرَة: ٨٩] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ
стр. 473
يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ [الْبَقَرَة: ١٥٩] وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [الْبَقَرَة: ١٤٥] الْآيَةَ.
فَإِذَا جَاءَ الْخِطَابُ بِأُسْلُوبٍ شَامِلٍ لِعُلَمَائِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ صُرِفَ إِلَى كُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ مَا هُوَ لَائِقٌ بِهَا.
وَبَنُونَ مِمَّا أُلْحِقَ بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ وَلَيْسَ مِنْهُ لِأَنَّهُ دخل التَّكْسِيرُ بِحَذْفِ لَامِهِ وَزِيَادَةِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ فِي أَوَّلِهِ فَحَقُّهُ أَنْ يُجْمَعَ عَلَى أَبْنَاءٍ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَصْلِ ابْنٍ فَقِيلَ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ بَنَى أَيْ فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ كَالْخَلْقِ فَأَصْلُهُ بَنْيٌ أَيْ مَبْنِيٌّ لِأَنَّ أَبَاهُ بَنَاهُ وَكَوَّنَهُ فَحُذِفَتْ لَامُهُ لِلتَّخْفِيفِ وَعُوِّضَ عَنْهَا هَمْزَةُ الْوَصْلِ فَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ فِي مَعْنَى الِاشْتِقَاقِ إِلَّا أَنَّ الْحَذْفَ حِينَئِذٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِأَنَّ الْيَاءَ لَا مُوجِبَ لِحَذْفِهَا إِلَّا أَنْ يُتَكَلَّفَ لَهُ بِأَنَّ الْيَاءَ تَحَرَّكَتْ مَعَ سُكُونِ مَا قَبْلَهَا فَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا لِلسَّاكِنِ إِجْرَاءً لَهُ مُجْرَى عَيْنِ الْكَلِمَةِ ثُمَّ لَمَّا انْقَلَبَ أَلِفًا عَلَى تِلْكَ الْقَاعِدَةِ خِيفَ الْتِبَاسُهُ بِفِعْلِ بَنَى فَحُذِفَتِ اللَّامُ وَعُوِّضَ عَنْهَا هَمْزَةُ الْوَصْلِ. وَقِيلَ أَصْلُهُ وَاوٌ عَلَى وَزْنِ بَنْوٍ أَوْ بَنَوٍ بِسُكُونِ النُّونِ أَوْ بِالتَّحْرِيكِ فَحُذِفَتِ الْوَاوُ كَمَا حُذِفَتْ مِنْ نَظَائِرِهِ نَحْوَ أَخٍ وَأَبٍ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ بُعْدٌ عَنِ الِاشْتِقَاقِ وَبُعْدٌ عَنْ نَظَائِرِهِ لِأَنَّ نَظَائِرَهُ لَمَّا حُذِفَتْ لَامَاتُهَا لَمْ تُعَوِّضْ عَنْهَا هَمْزَةُ الْوَصْلِ.
وَإِسْرَائِيلُ لَقَبُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵈ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ، لِأَنَّ إِسْرَا بِمَعْنَى عَبْدٍ وإيل اسْمُ اللَّهِ أَيْ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ- إِسْرَا- وإيل- اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَقُولُونَ بَيْتُ إِيلَ (اسْمٌ لِقَرْيَةٍ تُسَمَّى لَوْزَ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ نَزَلَهَا يَعْقُوبُ ﵇ فِي مُهَاجَرِهِ فِرَارًا مِنْ أَخِيهِ عِيسُو وَبَنَى فِيهَا مَذْبَحًا وَدَعَا اسْمَهُ بَيْتَ إِيلَ) .
وَالَّذِي فِي كُتُبِ الْيَهُودِ أَنَّ سَبَبَ تَسْمِيَةِ يَعْقُوبَ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ خَائِفًا فِي مُهَاجَرِهِ مِنْ أَنْ يَلْحَقَهُ أَخُوهُ عِيسُو لِيَنْتَقِمَ مِنْهُ (١) عَرَضَ لَهُ فِي إِحْدَى اللَّيَالِي شَخْصٌ فَعَلِمَ يَعْقُوبُ أَنَّهُ رَبُّهُ
(أَيْ مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ) فَأَمْسَكَهُ وَصَارَعَهُ يَعْقُوبُ كَامِلَ اللَّيْلِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَالَ لَهُ أَطْلِقْنِي فَقَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: لَا أُطْلِقُكَ حَتَّى تُبَارِكَنِي فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُكَ؟
قَالَ: يَعْقُوبُ قَالَ لَهُ: لَا يُدْعَى اسْمُكَ يَعْقُوبَ بَعْدَ الْيَوْمِ بَلْ أَنْتَ стр. 474
إِسْرَائِيلُ لِأَنَّكَ جَاهَدْتَ اللَّهَ وَالنَّاسَ وَقَدَرْتَ. وَبَارَكَهُ هُنَاكَ (١) . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِسْرَا فِي هَذَا الِاسْمِ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى الْأَسْرِ فِي الْحَرْبِ كَمَا هُوَ فِي الْعَرَبِيَّةِ فَإِذَا كَانَ هَذَا مِنْ أَصْلِ التَّوْرَاةِ فَهُوَ عَلَى تَأْوِيلِ رُؤْيَا رَآهَا يَعْقُوبُ جَعَلَ اللَّهُ بِهَا لَهُ شَرَفًا أَوْ عَرَضَ لَهُ مَلَكٌ كَذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ يَعْقُوبَ لَهُ اثْنَا عشر ابْنا وهم الْمَشْهُورُونَ بِالْأَسْبَاطِ لِأَنَّهُمْ أَسْبَاطُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَى هَؤُلَاءِ الْأَسْبَاطِ يَرْجِعُ نَسَبُ جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْأَسْبَاطِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
واذْكُرُوا أَمْرٌ مِنَ الذِّكْرِ وَهُوَ- أَيِ الذِّكْرُ- بِكَسْرِ الذَّالِ وَضَمِّهَا يُطْلَقُ عَلَى خُطُورٍ شَيْءٍ بِبَالِ مَنْ نَسِيَهُ وَلِذَلِكَ قِيلَ، وَكَيْفَ يَذْكُرُهُ مَنْ لَيْسَ يَنْسَاهُ، وَيُطْلَقُ عَلَى النُّطْقِ بِاسْمِ الشَّيْءِ الْخَاطِرِ بِبَالِ النَّاسِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى التَّصْرِيحِ بِالدَّالِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الشَّأْنَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَنْطِقُ بِاسْمِ الشَّيْءِ إِلَّا إِذَا خَطَرَ بِبَالِهِ، وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ بَيْنَ مَكْسُورِ الذَّالِ وَمَضْمُومِهِ فَجَعَلَ الْمَكْسُورَ لِلِّسَانِيِّ وَالْمَضْمُومَ لِلْعَقْلِيِّ وَلَعَلَّهَا تَفْرِقَةٌ اسْتِعْمَالِيَّةٌ مُوَلَّدَةٌ إِذْ لَا يُحْجَرُ عَلَى الْمُسْتَعْمِلِ تَخْصِيصُهُ أَحَدَ مَصْدَرَيِ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ لِأَحَدِ مَعَانِي الْفِعْلِ عِنْدَ التَّعْبِيرِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ اصْطِلَاحِيًّا اسْتِعْمَالِيًّا لَا وَضْعًا حَتَّى يَكُونَ مِنَ الْمُتَرَادِفِ إِذِ اتِّحَادُ الْفِعْلِ مَانِعٌ مِنْ دَعْوَى تَرَادُفِ الْمَصْدَرَيْنِ فَقَدَ قَالَ عُمَرُ ﵁: أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ فَسَمَّى النَّوْعَيْنِ ذِكْرًا. وَالْمَقْصُودُ هُنَا الذِّكْرُ الْعَقْلِيُّ إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ ذِكْرَ النِّعْمَةِ بِاللِّسَانِ.
وَالْمُرَادُ بِالنِّعْمَةِ هُنَا جَمِيعُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ مُبَاشَرَةً أَوْ بِوَاسِطَةِ الْإِنْعَامِ عَلَى أَسْلَافِهِمْ فَإِنَّ النِّعْمَةَ عَلَى الْأَسْلَافِ نِعْمَةٌ عَلَى الْأَبْنَاءِ لِأَنَّهَا سُمْعَةٌ لَهُمْ، وَقُدْوَةٌ يَقْتَدُونَ بِهَا، وَبَرَكَةٌ تَعُودُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، وَصَلَاحُ حَالِهِمُ الْحَاضِرِ كَانَ بِسَبَبِهَا، وَبَعْضُ النِّعَمِ يَكُونُ فِيمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانَ مِنْ فِطْنَةٍ وَسَلَامَةِ ضَمِيرٍ وَتِلْكَ قَدْ تُورَثُ فِي الْأَبْنَاءِ. وَلَوْلَا تِلْكَ النِّعَمُ لَهَلَكَ سَلَفُهُمْ أَوْ لَسَاءَتْ حَالُهُمْ فَجَاءَ أَبْنَاؤُهُمْ فِي شَرِّ حَالٍ. فَيَشْمَلُ هَذَا جَمِيعَ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِمْ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اذْكُرُوا نِعَمِي عَلَيْكُمْ. وَهَذَا الْعُمُومُ مُسْتَفَادٌ مِنْ إِضَافَةِ نِعْمَةٍ إِلَى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعَالَى إِذِ الْإِضَافَةُ تَأْتِي لِمَا تَأْتِي لَهُ اللَّامُ وَلَا يَسْتَقِيمُ مِنْ مَعَانِي اللَّامِ الْعَهْدُ إِذْ
لَيْسَ فِي الْكَلَامِ نِعْمَةٌ مُعَيَّنَةٌ مَعْهُودَةٌ، وَلَا يَسْتَقِيمُ مَعْنَى اللَّامِ الْجِنْسِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى لَامِ الِاسْتِغْرَاقِ فَالْعُمُومُ حَصَلَ مِنْ إِضَافَةِ نِعْمَةٍ إِلَى الْمَعْرِفَةِ وَقَلِيلٌ مِنْ عُلَمَاءِ أُصُولِ الْفِقْهِ مَنْ يَذْكُرُونَ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِالْإِضَافَةِ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي «الْمَحْصُولِ» فِي أَثْنَاءِ стр. 475
الِاسْتِدْلَالِ. وَقَالَ وَلِيُّ الدِّينِ: الْإِضَافَةُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَدَلُّ عَلَى الْعُمُومِ مِنَ اللَّامِ وَقَالَ ابْنُ السُّبْكِيِّ فِي «شَرْحِ مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ» : دِلَالَةُ الْمُفْرَدِ الْمُضَافِ عَلَى الْعُمُومِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ هُوَ الصَّحِيحُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النُّور: ٦٣] أَيْ كُلِّ أَمْرِهِ وَقَدْ تَأَيَّدَ قَصْدُ عُمُومِ النِّعْمَةِ بِأَنَّ الْمَقَامَ لِلِامْتِنَانِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ فَيُنَاسِبُهُ تَكْثِيرُ النِّعَمِ. وَالْمُرَادُ النِّعَمُ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى أَسْلَافِهِمْ وَعَلَى الْحَاضِرِينَ مِنْهُمْ زَمَنَ نُزُولِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ النِّعْمَةَ عَلَى أَسْلَافِهِمْ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ وَقَدْ تَتَابَعَتِ النِّعَمُ عَلَيْهِمْ إِذْ بَوَّأَهُمْ قُرًى فِي بِلَادِ الْعَرَبِ بَعْدَ أَنْ سُلِبَتْ بِلَادُهُمْ فِلَسْطِينُ وَجَعَلَهُمْ فِي بُحْبُوحَةٍ مِنَ الْعَيْشِ مَعَ الْأَمْنِ وَالثَّرْوَةِ وَمُسَالَمَةِ الْعَرَبِ لَهُمْ.
وَالْأَمْرُ بِذِكْرِ النِّعْمَةِ هَنَا مُرَادٌ مِنْهُ لَازِمُهُ وَهُوَ شُكْرُهَا وَمِنْ أَوَّلِ مَرَاتِبِ الشُّكْرِ تَرْكُ الْمُكَابَرَةِ فِي تَلَقِّي مَا يُنْسَبُ إِلَى اللَّهِ مِنَ الرِّسَالَةِ بِالنَّظَرِ فِي أَدِلَّتِهَا وَمُتَابَعَةِ مَا يَأْتِي بِهِ الْمُرْسَلُونَ. فَقَوْلُهُ: الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَصْفٌ أُشِيرَ بِهِ إِلَى وُجُوبِ شُكْرِ النِّعَمِ لما يُؤذن الْمَوْصُول وَصِلَتِهِ مِنَ التَّعْلِيلِ فَهُوَ مَنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الْمَائِدَة: ٦] وَيُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ أَمْرَهُمْ بِتَفَكُّرِ النِّعَمِ الَّتِي أنعم بهَا عَلَيْكُم لِيَنْصَرِفُوا بِذَلِكَ عَنْ حَسَدِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّ تَذْكِيرَ الْحَسُودِ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ النِّعَمِ عِظَةٌ لَهُ وَصَرْفٌ لَهُ عَنِ الْحَسَدِ النَّاشِئِ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِنِعَمِ الْغَيْرِ وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِهِمْ أَنَّهُمْ حَاسِدُونَ لِلْعَرَبِ فِيمَا أُوتُوا مِنِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَانْتِقَالِ النُّبُوَّةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْعَرَبِ وَإِنَّمَا ذُكِّرُوا بِذَلِكَ لِأَنَّ لِلنَّفْسِ غَفْلَةً عَمَّا هُوَ قَائِمٌ بِهَا وَإِنَّمَا تَشْتَغِلُ بِأَحْوَالِ غَيْرِهَا لِأَنَّ الْحِسَّ هُوَ أَصْلُ الْمَعْلُومَاتِ فَإِذَا رَأَى الْحَاسِدُ نِعَمَ الْغَيْرِ نَسِيَ أَنَّهُ أَيْضًا فِي نِعْمَةٍ فَإِذَا أُرِيدَ صَرْفُهُ عَنِ الْحَسَدِ ذُكِّرَ بِنِعَمِهِ حَتَّى يَخِفَّ حَسَدُهُ فَإِنَّ حَسَدَهُمْ هُوَ الَّذِي حَالَ دُونَ تَصْدِيقِهِمْ بِهِ فَيَكُونُ وِزَانُهُ وِزَانَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النِّسَاء: ٥٤] ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى قَوْلِهِ: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ- بِالْمُعْجَمَةِ- عَلَى التَّحْلِيَةِ- بِالْمُهْمَلَةِ- وَيَكُونُ افْتِتَاحُ خِطَابِهِمْ بِهَذَا التَّذْكِيرِ تَهْيِئَةً لِنُفُوسِهِمْ إِلَى تَلَقِّي الْخِطَابِ بِسَلَامَةِ طَوِيَّةٍ وَإِنْصَافٍ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي هُوَ فِعْلٌ مَهْمُوزٌ مِنْ (وَفَى) الْمُجَرَّدِ وَأَصْلُ مَعْنَى وَفَى
أَتَمَّ الْأَمْرَ تَقُولُ وَفَيْتُهُ حَقَّهُ، وَلَمَّا كَانَ الْمُجَرَّدُ مُتَعَدِّيًا لِلْمَفْعُولِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَهْمُوزِ زِيَادَةُ تَعْدِيَةٍ لِلتَّسَاوِي بَيْنَ قَوْلِكَ وَفَيْتُهُ حَقَّهُ وَأَوْفَيْتُهُ حَقَّهُ تَعَيَّنَتِ الزِّيَادَةُ لِمُجَرَّدِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّوْفِيَةِ مِثْلَ بَانَ وَأَبَانَ وَشَغَلَ وَأَشْغَلَ وَأَمَّا وَفَّى بِالتَّضْعِيفِ فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ أَوْفَى لِأَنَّ فَعَّلَ وَإِنْ شَارَكَ أَفْعَلَ فِي مَعَانِيهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ
стр. 476
دَالًّا عَلَى التَّقَضِّي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ كَانَ أَدَلَّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ شَأْنَ الْأَمْرِ الَّذِي يُفْعَلُ مُدَرَّجًا أَنْ يَكُونَ أَتْقَنَ. وَقَدْ أُطْلِقَ الْوَفَاءُ عَلَى تَحْقِيقِ الْوَعْدِ وَالْعَهْدِ إِطْلَاقًا شَائِعًا صَيَّرَهُ حَقِيقَةً.
وَالْعَهْدُ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ [الْبَقَرَة:
٢٧] فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
وَالْعَهْدُ هُنَا هُوَ الِالْتِزَامُ لِلْغَيْرِ بِمُعَامَلَةٍ الْتِزَامًا لَا يُفَرِّطُ فِيهِ الْمَعَاهِدُ حَتَّى يَفْسَخَاهُ بَيْنَهُمَا وَاسْتُعِيرَ الْعَهْدُ الْمُضَافُ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ لِقَبُولِ مَا يُكَلِّفُهُمْ بِهِ مِنَ الدِّينِ وَاسْتُعْمِلَ مَجَازًا لِقَبُولِ التَّكَالِيفِ وَالدُّخُولِ فِي الدِّينِ وَاسْتُعِيرَ الْمُضَافُ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ لِلْوَعْدِ عَلَى ذَلِكَ بِالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ وَالنَّصْرِ فِي الدُّنْيَا فَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ عَهْدٍ مَجَازًا مُفْرَدًا اسْتُعْمِلَ الْعَهْدُ الْأَوَّلُ فِي التَّكَالِيفِ وَاسْتُعْمِلَ الْعَهْدُ الثَّانِي فِي الْوَعْدِ بِالثَّوَابِ وَالنَّصْرِ وَاسْتُعْمِلَ الْإِيفَاءُ مَعَ كِلَيْهِمَا فِي تَحْقِيقِ مَا الْتَزَمَ بِهِ كِلَا الْجَانِبَيْنِ مُسْتَعَارًا مِنْ مُلَائِمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ إِلَى ملائم الْمُشبه ليُفِيد تَرْشِيحًا لِاسْتِعَارَتِهِ وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْمَجْمُوعَ اسْتِعَارَةً تَمْثِيلِيَّةً بِأَنْ شَبَّهَ الْهَيْئَةَ الْحَاصِلَةَ مِنْ قَوْلِهِمْ لَمَّا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ وَأَنْ لَا يُقَصِّرُوا فِي الْعَمَلِ وَمِنْ وَعْدِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِالثَّوَابِ بِهَيْئَةِ الْمُتَعَاهِدِينَ عَلَى الْتِزَامِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِعَمَلٍ لِلْآخَرِ وَوَفَائِهِ بِعَهْدِهِ فِي عَدَمِ الْإِخْلَالِ بِهِ فَاسْتُعِيرَ لِهَذِهِ الْهَيْئَةِ الْكَلَامُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى قَوْلِهِ: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَهَذَا أَحْسَنُ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ وَجْهُ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْعَهْدِ الثَّانِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَتُقَرِّبُهُ الْمُشَاكَلَةُ.
وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَالْعَهْدُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» لِأَنَّ إِضَافَتَهُ إِلَى الْمَفْعُولِ مُتَعَيِّنَةٌ إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ الْإِيفَاءُ إِذْ لَا يُوفِي أَحَدٌ إِلَّا بِعَهْدِ نَفْسِهِ فَإِذَا أُضِيفَ الْعَهْدُ الَّذِي هُوَ مَفْعُولُ أَوْفُوا إِلَى غَيْرِ فَاعِلِ الْإِيفَاءِ تَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ إِضَافَتُهُ لِلْمَفْعُولِ وَبِذَلِكَ يَتِمُّ تَرْشِيحُ الْمَجَازِ إِنْ كَانَ مُفْرَدًا كَمَا أَشَارَ لَهُ الْمُحَقق التفتازانيّ فَإِنْ كَانَ مُرَكَّبًا فَأَخْلِقْ بِهِ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِلْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا يُضَافُ بِقَيْدِ الْإِيفَاءِ إِلَى مَفْعُولِهِ لَا مَحَالَةَ.
وَمِنْ لَطَائِفِ الْقُرْآنِ فِي اخْتِيَارِ لَفْظِ الْعَهْدِ لِلِاسْتِعَارَةِ هُنَا لِتَكْلِيفِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ أَنَّ
ذَلِكَ خِطَابٌ لَهُمْ بِاللَّفْظِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ فَإِنَّ التَّوْرَاةَ الْمُنَزَّلَةَ عَلَى مُوسَى ﵇ تُلَقَّبُ عِنْدَهُمْ بِالْعَهْدِ لِأَنَّهَا وَصَايَاتُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ وَلِذَا عُبِّرَ عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالْمِيثَاقِ وَهَذَا مِنْ طُرُقِ الْإِعْجَازِ الْعِلْمِيِّ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا عُلَمَاؤُهُمْ وَهُمْ أَشَحُّ بِهِ مِنْهُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ إِلَّا خَاصَّةُ أَهْلُ الدِّينِ فَمَجِيئُهُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيءِ الْعَرَبِيِّ الْأُمِّيِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ وَحْيٌ مِنَ الْعَلَّامِ بِالْغُيُوبِ. وَالْعَهْدُ قَدْ أُخِذَ عَلَى أَسْلَافِهِمْ بِوَاسِطَةِ رُسُلِهِمْ وَأَنْبِيَائِهِمْ قَالَ تَعَالَى:
стр. 477
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمرَان: ٨١] الْآيَةَ وَإِذْ قَدْ كَانَ الْمُخَاطَبُونَ بِالْآيَةِ قَدْ تَلَقَّوُا الشَّرِيعَةَ مِنْ أَسْلَافِهِمْ بِمَا فِيهَا مِنْ عَهْدٍ فَقَدْ كَانَ الْعَهْدُ لَازِمًا لَهُمْ وَكَانَ الْوَفَاءُ مُتَعَيِّنًا عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ جَاءَ فِيهِمُ الرَّسُولُ الْمَوْعُودُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ عَطَفَتِ الْوَاوُ جُمْلَةَ وَإِيَّايَ عَلَى الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي إِلَى آخِرِهَا عَلَى طَرِيقَةِ الِانْتِقَالِ مِنْ مَعْنًى إِلَى الْمَعْنَى الْمُتَوَلِّدِ عَنْهُ وَهِيَ أَصْلُ طَرِيقَةِ الْمُنْشِئِينَ أَنْ يُرَاعُوا التَّرْتِيبَ الْخَارِجِيَّ فِي الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ مَا لَمْ يَطْرَأْ مُقْتَضٍ لِتَغْيِيرِ التَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ وَمِنْهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ [هود: ٧٧] إِلَخْ، فَإِنَّهُ لَمَّا افْتَتَحَ خِطَابَهُمْ بِالتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ الْبَاعِثِ عَلَى شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَمُرَاقَبَةِ حَقِّهِ وَالْمُطَهِّرِ لَهُمْ مِنَ الْحَسَدِ فَإِنَّهُ صَارِفٌ عَنِ الِاعْتِرَافِ بِالنِّعْمَةِ كَمَا قَدَّمْنَا. ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي وَهُوَ مَبْدَأُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْأَمْرِ بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ الْمَوْعُودِ بِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِمْ. ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ فَهُوَ تَتْمِيمٌ لِذَلِكَ الْأَمْرِ السَّابِقِ بِالنَّهْيِ عَمَّا يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيفَاءِ بِالْعَهْدِ عَلَى وَجْهِهِ وَذَلِكَ هُوَ صَدُّ كُبَرَائِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ إِيَّاهُمْ عَنِ الِانْتِقَالِ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالتَّوْرَاةِ فَإِنَّهُمْ هُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ لِمَلِكِ بِلَادِهِمْ فِرْعَوْنَ مِصْرَ يَوْمَ بِعْثَةِ مُوسَى لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا [طه: ٧٢] فَكَانُوا أَحْرِيَاءَ بِأَن يخاطبوا سادتهم وَأَحْبَارَهُمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْخِطَابِ عِنْدَ الْبِعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ.
فَتَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ هُنَا مُتَعَيِّنٌ لِلِاخْتِصَاصِ لِيَحْصُلَ مِنَ الْجُمْلَةِ إِثْبَاتٌ وَنَفْيٌ وَاخْتِيرَ مِنْ طُرُقِ الْقَصْرِ طَرِيقُ التَّقْدِيمِ دُونَ مَا وَإِلَّا لِيَكُونَ الْحَاصِلُ بِالْمَنْطُوقِ هُوَ الْأَمْرَ بِرَهْبَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَكُونَ النَّهْيُ عَنْ رَهْبَةِ غَيْرِهِ حَاصِلًا بِالْمَفْهُومِ فَإِنَّهُمْ إِذَا رَهِبُوا اللَّهَ تَعَالَى حَرَصُوا عَلَى الْإِيفَاءِ بِالْعَهْدِ وَلَمَّا كَانَتْ رَهْبَتُهُمْ أَحْبَارَهُمْ تَمْنَعُهُمْ من الْإِيفَاء بالعهد أُدْمِجَ النَّهْيُ عَنْ رَهْبَةِ غَيْرِ اللَّهِ مَعَ الْأَمْرِ بِرَهْبَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي صِيغَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَتَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ مَعَ اشْتِغَالِ فِعْلِهِ بِضَمِيرِهِ آكَدُ فِي إِفَادَةِ التَّقْدِيمِ الْحَصْرَ مِنْ تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ عَلَى الْفِعْلِ غَيْرِ الْمُشْتَغِلِ بِضَمِيرِهِ، فَإِيَّايَ ارْهَبُونِ آكَدُ مِنْ نَحْوِ إِيَّايَ ارْهَبُوا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» إِذْ قَالَ: «وَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ زَيْدًا رَهِبْتُهُ وَهُوَ أَوْكَدُ فِي إِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ مِنْ إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الْفَاتِحَة: ٥] اهـ. وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنَّ تَقْدِيمَ الْمَفْعُولِ يَحْتَمِلُ الِاخْتِصَاصَ، إِلَّا أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ أَنْ يَدُلَّ
стр. 478
عَلَى الِاخْتِصَاصِ إِلَّا إِذَا أَقَامَتِ الْقَرِينَةُ عَلَى التَّقْوَى فَإِذَا كَانَ مَعَ التَّقْدِيمِ اشْتِغَالُ الْفِعْلِ بِضَمِيرِ الْمُقَدَّمِ نَحْوَ زَيْدًا ضَرَبْتُهُ كَانَ الِاخْتِصَاصُ أَوْكَدَ أَيْ كَانَ احْتِمَالُ التَّقْوَى أَضْعَفَ وَذَلِكَ لِأَنَّ إِسْنَادَ الْفِعْلِ إِلَى الضَّمِيرِ بَعْدَ إِسْنَادِهِ إِلَى الظَّاهِرِ الْمُتَقَدِّمِ يُفِيدُ التَّقْوَى فَتَعَيَّنَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْمَفْعُولِ لِلِاخْتِصَاصِ دُونَ التَّقْوَى إِذِ التَّقْوَى قَدْ حَصَلَ بِإِسْنَادِ الْفِعْلِ أَوَّلًا إِلَى الِاسْمِ أَوِ الظَّاهِرِ الْمُتَقَدِّمِ وَثَانِيًا إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَقَدِّمِ وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» وَهُوَ أَكْثَرُ اخْتِصَاصًا وَلَا أَقْوَى اخْتِصَاصًا إِذِ الِاخْتِصَاصُ لَا يَقْبَلُ التَّقْوِيَةَ بَلْ قَالَ وَهُوَ أَوْكَدُ فِي إِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ أَيْ أَنَّ إِفَادَتَهُ الِاخْتِصَاصَ أَقْوَى لِأَنَّ احْتِمَالَ كَوْنِ التَّقْدِيمِ لِلتَّقْوَى قَدْ صَارَ مَعَ الِاشْتِغَالِ ضَعِيفًا جِدًّا. وَلَسْنَا نَدَّعِي أَنَّ الِاشْتِغَالَ مُتَعَيِّنٌ لِلتَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ قَدْ يَأْتِي بِلَا تَخْصِيصٍ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [الْقَمَر: ٤٩] ، وَقَوْلِهِ: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ [الْقَمَر: ٢٤] وَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
فَكُلًّا أَرَاهُمْ أَصْبَحُوا يَعْقِلُونَهُ ... صَحِيحَاتِ مَالٍ طَالِعَاتٍ بِمَخْرَمِ
لِظُهُورِ أَنْ لَا مَعْنَى لِلتَّخْصِيصِ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا غَيْرَ أَنَّ الْغَالِبَ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ مَعَ صِيغَةِ الِاشْتِغَالِ لِلتَّخْصِيصِ إِذِ الْعَرَبُ لَا تُقَدِّمُ الْمَفْعُولَ غَالِبًا إِلَّا لِذَلِكَ وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَا وَجَّهَ بِهِ صَاحِبُ «الْمِفْتَاحِ» أَنَّ احْتِمَالَ الْمَفْعُولِ فِي الِاشْتِغَالِ التَّخْصِيصُ وَالتَّقْوَى بَاقٍ عَلَى حَالِهِ وَلَكِنَّكَ إِنْ قَدَّرْتَ الْفِعْلَ الْمَحْذُوفَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمَفْعُولِ كَانَ التَّقْدِيمُ لِلتَّقْوَى وَإِنْ قَدَّرْتَهُ بَعْدَ الْمَفْعُولِ كَانَ التَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ بَنَاهُ عَلَى حَالَةِ مَوْقِعِ الْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ مَعَ أَنَّ تَقْدِيرَ الْفِعْلِ اعْتِبَارٌ لَا يُلَاحِظُهُ الْبُلَغَاءُ وَلِأَنَّهُمْ يَنْصِبُونَ عَلَى مَوْقِعِهِ قَرِينَةً فَتَعَيَّنَ أَنَّ السَّامِعَ إِنَّمَا يَعْتَدُّ بِالتَّقْدِيمِ الْمَحْسُوسِ وَبِتَكْرِيرِ التَّعَلُّقِ وَأَمَّا الِاعْتِدَادُ بِمَوْقِعِ الْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ فَحَوَالَةٌ عَلَى غَيْرِ مُشَاهَدٍ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ إِنْ كَانَ بِنِيَّةِ الْمُتَكَلِّمِ فَلَا قِبَلَ لِلسَّامِعِ بِمَعْرِفَةِ نِيَّتِهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ فِي التَّقْدِيرِ لِلسَّامِعِ.
هَذَا وَالتَّقْدِيمُ إِذَا اقْتَرَنَ بِالْفَاءِ كَانَ فِيهِ مُبَالَغَةٌ، لِأَنَّ الْفَاءَ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُؤْذِنَةٌ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ وَلَمَّا كَانَ هَذَا الشَّرْطُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إِلَّا الْفَاءَ تَعَيَّنَ تَقْدِيرُهُ عَامًّا نَحْوَ إِنْ يَكُنْ شَيْءٌ أَوْ مَهْمَا يَكُنْ شَيْءٌ كَمَا أَشَارَ لَهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
[المدثر: ٣] حَيْثُ قَالَ: «وَدَخَلَتِ الْفَاءُ لِمَعْنَى الشَّرْطِ كَأَنَّهُ قِيلَ مَهْمَا كَانَ فَلَا تَدَعْ تَكْبِيرَهُ» .
فَالْمَعْنَى هُنَا وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَمَهْمَا يَكُنْ شَيْءٌ فَإِيَّايَ ارْهَبُونِي، فَلَمَّا حُذِفَتْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ بَعْدَ وَاوِ الْعَطْفِ بَقِيَتْ فَاءُ الْجَوَابِ مُوَالِيَةً لِوَاوِ الْعَطْفِ فَزُحْلِقَتْ إِلَى أَثْنَاءِ الْجَوَابِ كَرَاهِيَةَ تَوَالِيُُ
стр. 479
حَرْفَيْنِ فَقِيلَ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ بَدَلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ فَارْهَبُونِ. وَالتَّعْلِيقُ عَلَى الشَّرْطِ الْعَامِّ يَسْتَلْزِمُ تَحَقُّقَ وُقُوعِ الْجَوَابِ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ الشَّرْطِيَّ بِمَنْزِلَةِ رَبْطِ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ فَإِذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ أَمْرًا مُحَقَّقَ الْوُقُوعِ لِعَدَمِ خُلُوِّ الْحَدَثَانِ عَنْهُ تَعَيَّنَ تَحَقُّقُ وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فِي بَابِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يُخْتَارُ فِيهِمَا النَّصْبُ فِي الِاسْمِ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ الْفِعْلُ وَذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِكَ زَيْدًا اضْرِبْهُ وَمِثْلَ ذَلِكَ أَمَّا زَيْدًا فَاقْتُلْهُ فَإِذَا قُلْتَ زَيْدٌ فَاضْرِبْهُ لَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ تَحَمِلَهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ لَمْ يَسْتَقِمْ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْفَاءَ هُنَا فِي مَعْنَى فَاءِ الْجَزَاءِ فَمِنْ ثَمَّ جَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأَنَّ هَاتِهِ الْفَاءَ مَهْمَا وُجِدَتْ فِي الِاشْتِغَالِ دَلَّتْ عَلَى شَرْطٍ عَامٍّ مَحْذُوفٍ وَإِنَّ الْفَاءَ كَانَتْ دَاخِلَةً عَلَى الِاسْمِ فَزُحْلِقَتْ عَلَى حُكْمِ فَاءِ جَوَابِ أَمَّا الشَّرْطِيَّةُ (١) وَأَحْسَبُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّرْكِيبِ مِنْ مُبْتَكَرِ أَسَالِيبِ الْقُرْآنِ وَلَمْ أَذْكُرْ أَنِّي عَثَرْتُ عَلَى مِثْلِهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» الْمَبْنِيَّ عَلَى كَلَامِ سِيبَوَيْهِ مِنِ اعْتِبَارِ الْفَاءِ مُشْعِرَةً بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أَنَّ غَالِبَ مَوَاقِعِ هَاتِهِ الْفَاءِ الْمُتَقَدِّمِ مَعَهَا الْمَفْعُولُ عَلَى مَدْخَلِهَا أَنْ تَقَعَ بَعْدَ نَهْيٍ أَوْ أَمْرٍ يُنَاقِضُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْفَاءُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ إِلَى قَوْلِهِ: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [الزمر: ٦٥، ٦٦] وَقَوْلِ الْأَعْشَى: «وَلَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ وَاللَّهَ فَاعْبُدَا» فَكَانَ مَا يَتَقَدَّمُ هَاتِهِ الْفَاءَ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ شَرْطٌ فِي الْمَعْنَى وَكَانَتِ الْفَاءُ مُؤْذِنَةً بِذَلِكَ الشَّرْطِ وَعَلَامَةً عَلَيْهِ فَلِأَجْلِ كَوْنِهِ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِدَلِيلَيْنِ
أَصْلِهِ وَفَرْعِهِ كَانَ كَالْمَذْكُورِ كَأَنَّهُ قِيلَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَفَإِنْ كُنْتَ عَابِدًا شَيْئًا فَاللَّهَ فَاعْبُدْ، وَكَذَا فِي الْبَيْتِ وَهَذِهِ فَائِدَةٌ لَمْ يُفْصِحْ عَنْهَا السَّلَفُ فَخُذْهَا وَلَا تَخَفْ. стр. 480
قَالَ التفتازانيّ «وَنُقِلَ عَنْ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وُجُوهًا مِنَ التَّأْكِيدِ: تَقْدِيمُ الضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ وَتَأْخِيرُ الْمُتَّصِلِ وَالْفَاءُ الْمُوجِبَةُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ وَمَعْطُوفًا تَقْدِيرُهُ إِيَّايَ ارْهَبُوا فَارْهَبُونِ أَحَدُهُمَا مُقَدَّرٌ وَالثَّانِي مُظْهَرٌ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَكْرَارِ الرَّهْبَةِ، وَمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ بِدِلَالَةِ الْفَاءِ كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنْ كُنْتُمْ رَاهِبِينَ شَيْئًا فَارْهَبُونِ» اهـ. يُرِيدُ أَنَّ فِي تَقْدِيمِ الضَّمِيرِ إِفَادَةَ الِاخْتِصَاصِ وَالِاخْتِصَاصُ تَأْكِيدٌ، قَالَ صَاحِبُ «الْمِفْتَاحِ» لَيْسَ الْحَصْرُ وَالتَّخْصِيصُ إِلَّا تَأْكِيدًا عَلَى تَأْكِيدٍ وَأَمَّا تَأْخِيرُ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ فَلَمَّا فِي إِعَادَةِ الْإِسْنَادِ مِنَ التَّقْوَى، وَمُرَادُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِقَوْلِهِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ وَمَعْطُوفًا الْعَطْفُ اللُّغَوِيُّ أَيْ مُعَقَّبًا وَمُعَقَّبًا بِهِ لَا الْعَطْفُ النَّحْوِيُّ إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ هُنَا، فَتَحَصَّلَ أَنَّ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الِاخْتِصَاصِ فِي كَلَامِ البلغاء مَرَاتِب أَربع: مُجَرَّدُ التَّقْدِيمِ لِلْمَفْعُولِ نَحْوَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الْفَاتِحَة:
٥] . وَتَقْدِيمُهُ عَلَى فِعْلِهِ الْعَامِلِ فِي ضَمِيرِهِ نَحْوَ زَيْدًا رَهِبْتُهُ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ اقْتِرَانِ الْفِعْلِ بِالْفَاءِ نَحْوَ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر: ٣] وَتَقْدِيمُهُ عَلَى فِعْلِهِ الْعَامِلِ فِي ضَمِيرِهِ مَعَ اقْتِرَانِ الْفِعْلِ بِالْفَاءِ نَحْوَ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ. فَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ أَوْكَدُ مِنْهُمَا.
وَحُذِفَتْ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ بَعْدَ نُونِ الْوِقَايَةِ فِي قَوْلِهِ: فَارْهَبُونِ لِلْجُمْهُورِ مِنَ الْعَشَرَةِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ وَأَثْبَتَهَا يَعْقُوبُ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ. وَجُمْهُورُ الْعَرَبِ يَحْذِفُونَهَا فِي الْوَقْفِ دُونَ الْوَصْلِ وَهُذَيْلٌ يَحْذِفُونَهَا فِي الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ يُثْبِتُونَهَا فِي الْحَالَيْنِ وَإِنَّمَا اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ هُنَا عَلَى حَذْفِهَا فِي الْوَصْلِ مِثْلَ الْوَقْفِ لِأَنَّ كَلِمَةَ فَارْهَبُونِ كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ بِدُونِ يَاءٍ وَقُرِئَتْ كَذَلِكَ فِي سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا وَقَعَتْ فَاصِلَةً فَاعْتَبَرُوهَا كَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي بَابِ مَا يُحْذَفُ مِنْ أَوَاخِرِ الْأَسْمَاءِ فِي الْوَقْفِ «وَجَمِيعِ مَا لَا يُحْذَفُ فِي الْكَلَامِ وَمَا يُخْتَارُ فِيهِ أَنْ لَا يُحْذَفَ يُحْذَفُ فِي الْفَوَاصِلِ وَالْقَوَافِي» . وَلِأَنَّ لُغَةَ هُذَيْلٍ تَحْذِفُهَا مُطْلَقًا، وَقِرَاءَةُ يَعْقُوبَ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ جَرَى عَلَى لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَلِأَنَّهُ رَوَاهَا بِالْإِثْبَاتِ وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَيَكُونُ قَدْ تَأَوَّلَ كِتَابَتَهَا بِدُونِ يَاءٍ فِي الْمُصْحَفِ أَنَّهُ اعْتِمَادٌ عَلَى أَنَّ الْقَارِئَ يُجْرِيهَا عَلَى رِوَايَتِهِ وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ تَكُنْ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ فِي كَلِمَةٍ هِيَ فَاصِلَةً مِنَ الْآيِ لَمَا اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى حَذْفِهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [الْبَقَرَة: ١٨٦] كَمَا سَيَأْتِي
стр. 481
[٤١]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٤١]
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ.
شُرُوعٌ فِي دَعْوَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَهَدْيِ الْقُرْآنِ وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ خِطَابِهِمْ وَلَكِنْ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يهيىء نُفُوسَهُمْ إِلَى قَبُولِهِ كَمَا تَتَقَدَّمُ الْمُقَدِّمَةُ عَلَى الْغَرَضِ، وَالتَّخْلِيَةُ عَلَى التَّحْلِيَةِ.
وَالْإِيمَانُ بِالْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوْ بِكُتُبِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا شَمِلَهُ الْعَهْدُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [الْبَقَرَة: ٤٠] إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ هُنَا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ لِأَنَّهُمْ عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ مُوسَى ﵇ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ مُجْمَلٌ فِي الْعَهْدِ فَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ مِمَّا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ بَلْ حَتَّى يُصَدِّقُوا بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَنَّ الْجَائِيَ بِهِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ فَهُمْ مَدْعُوُّونَ إِلَى ذَلِكَ التَّصْدِيقِ هُنَا. فَعَطْفُ قَوْلِهِ: وَآمِنُوا عَلَى قَوْلِهِ: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [الْبَقَرَة: ٤٠] كَعَطْفِ الْمَقْصِدِ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَعَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي مِنْ قَبِيلِ عَطفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ فِي الْمَعْنَى وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ فَلَا يُقَالُ فِيهِ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي عَطْفِ الْجُزْئِيِّ عَلَى الْكُلِّيِّ مِنَ الْمُفْرَدَاتِ لَا فِي عَطْفِ الْجُمَلِ وَإِنَّمَا أَرَدْنَا تَقْرِيبَ مَوْقِعِ الْجُمْلَةِ وَتَوْجِيهَ إِيرَادَهَا مَوْصُولَةً غَيْرَ مَفْصُولَةٍ.
وَفِي تَعْلِيقِ الْأَمْرِ بِاسْمِ الْمَوْصُولِ وَهُوَ (مَا أُنْزِلَتْ) دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ نَحْوَ الْكِتَابِ أَوِ الْقُرْآنِ أَوْ هَذَا الْكِتَابِ إِيمَاءً إِلَى تَعْلِيلِ الْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَهُوَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ وَهُمْ قَدْ أَوْصَوْا بِالْإِيمَانِ بِكُلِّ كِتَابٍ يَثْبُتُ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ. وَلِهَذَا أَتَى بِالْحَالِ الَّتِي هِيَ عِلَّةُ الصِّلَةِ إِذْ جَعَلَ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَهِيَ الْعَلَامَةُ الدِّينِيَّةُ الْمُنَاسِبَةُ لِأَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَمَا جَعَلَ الْإِعْجَازَ اللَّفْظِيَّ عَلَامَةً عَلَى كَوْنِ الْقُرْآنِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ مِنَ الْعَرَبِ كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: الم ذلِكَ الْكِتابُ [الْبَقَرَة: ١، ٢] إِلَى قَوْلِهِ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [الْبَقَرَة: ٢٣] كَذَلِكَ جَعَلَ الْإِعْجَازَ الْمَعْنَوِيَّ وَهُوَ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْهُدَى الَّذِي هُوَ شَأْنُ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَّامَةً عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ لِأَهْلِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ بِالشَّرَائِعِ. ثُمَّ الْإِيمَانُ بِالْقُرْآنِ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِالَّذِي جَاءَ بِهِ وَبِالَّذِي أَنْزَلَهُ.
وَالْمُرَادُ بِمَا مَعَهُمْ كُتُبُ التَّوْرَاةِ الْأَرْبَعَةُ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَنِي
إِسْرَائِيلَ
стр. 482
كَالزَّبُورِ، وَكِتَابِ أَشْعِيَاءَ، وَأَرْمِيَاءَ، وَحَزْقِيَالَ، وَدَانْيَالَ وَغَيْرِهَا وَلِذَا اخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِمَا مَعَكُمْ دُونَ التَّوْرَاةِ مَعَ أَنَّهَا عُبِّرَ بِهَا فِي مَوَاضِعَ غَيْرِ هَذَا لِأَنَّ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ﵇ بِشَارَاتٍ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَصْرَحَ مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ فَكَانَ التَّنْبِيهُ إِلَيْهَا أَوْقَعَ.
وَالْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الْقُرْآنِ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْهُدَى الَّذِي دَعَتْ إِلَيْهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْأَمْرِ بِالْفَضَائِلِ وَاجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ وَمن الْوَعيد والوعد وَالْمَوَاعِظِ وَالْقَصَصِ فَمَا تَمَاثَلَ مِنْهُ بِهَا فَأَمْرُهُ ظَاهِرٌ وَمَا اخْتَلَفَ فَإِنَّمَا هُوَ لِاخْتِلَافِ الْمَصَالِحِ وَالْعُصُورِ مَعَ دُخُولِ الْجَمِيعِ تَحْتَ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ نَسْخًا لِأَنَّ النَّسْخَ إِزَالَةُ حُكْمٍ ثَابِتٍ وَلَمْ يُسَمَّ إبطالا أَو تكذبيا فَظَهَرَ أَنَّهُ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ حَتَّى فِيمَا جَاءَ مُخَالِفًا فِيهِ لِمَا مَعَهُمْ لِأَنَّهُ يُنَادِي عَلَى أَنَّ الْمُخَالَفَةَ تَغْيِيرُ أَحْكَامٍ تَبَعًا لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ بِسَبَبِ تَفَاوُتِ الْأَعْصَارِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُغَيِّرُ وَالْمُغَيَّرُ حَقًّا بِحَسَبِ زَمَانِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِبْطَالًا وَلَا تَكْذِيبًا قَالَ تَعَالَى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ [النِّسَاء: ١٦٠] الْآيَةَ. فَالْإِيمَانُ بِالْقُرْآنِ لَا يُنَافِي تَمَسُّكَهُمُ الْقَدِيمَ بِدِينِهِمْ وَلَا مَا سَبَقَ مِنْ أَخْذِ رُسُلِهِمْ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ بِاتِّبَاعِهِ. وَمِمَّا يَشْمَلُهُ تَصْدِيقُ الْقُرْآنِ لِمَا مَعَهُمْ أَنَّ الصِّفَاتِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ وَدِينُ الْإِسْلَامِ وَالْجَائِي بِهِ مُوَافِقَةٌ لِمَا بَشَّرَتْ بِهِ كُتُبُهُمْ فَيَكُونُ وُرُودُهُ مُعْجِزَةً لِأَنْبِيَائِهِمْ وَتَصْدِيقًا آخَرَ لِدِينِهِمْ وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْفَخْرُ وَالْبَيْضَاوِيُّ فَيَلْزَمُ تَأْوِيلُ التَّصْدِيقِ بِالتَّحْقِيقِ لِأَن التَّصْدِيق حَقِيقَة فِي إِعْلَامِ الْمُخْبَرِ (بِفَتْحِ الْبَاءِ) بِأَنَّ خَبَرَ الْمُخْبِرِ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ إِمَّا بِقَوْلِهِ صَدَقْتَ أَوْ صَدَقَ فُلَانٌ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» لَمَّا سَأَلَهُ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ قَالَ السَّائِلُ صَدَقْتَ قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، وَإِمَّا بِأَنْ يُخْبِرَ الرَّجُلُ بِخَبَرٍ مِثْلَ مَا أَخْبَرَ بِهِ غَيْرُهُ فَيَكُونُ إِخْبَارُهُ الثَّانِيَ تَصْدِيقًا لِإِخْبَارِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا إِطْلَاقُ التَّصْدِيقِ عَلَى دِلَالَةِ شَيْءٍ عَلَى صِدْقِ خَبَرٍ مَا فَهُوَ إِطْلَاقٌ مَجَازِيٌّ وَالْمَقْصُودُ وَصْفُ الْقُرْآنِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ بِأَخْبَارِهِ وَأَحْكَامِهِ لَا وَصْفُ الدِّينِ وَالنُّبُوَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى.
стр. 483
وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ.
جَمْعُ الضَّمِيرِ فِي تَكُونُوا مَعَ إِفْرَادِ لَفْظِ كافِرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْكَافِرِ فَرِيقٌ ثَبَتَ لَهُ الْكُفْرُ لَا فَرْدٌ وَاحِدٌ فَإِضَافَةُ أَوَّلَ إِلَى كافِرٍ بَيَانِيَّةٌ تُفِيدُ مَعْنَى فَرِيقٍ هُوَ أَوَّلُ فِرَقِ الْكَافِرِينَ. وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ فِي بِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى بِما أَنْزَلْتُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ. وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ وَهُوَ ارْتِقَاءٌ فِي الدَّعْوَةِ وَاسْتِجْلَابِ
الْقُلُوبِ فَإِنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ وَكَانَتْ صِيغَةُ الْأَمْرِ مُحْتَمِلَةً لِطَلَبِ الِامْتِثَالِ بِالْفَوْرِ أَوْ بِالتَّأْخِيرِ وَكَانُوا مَعْرُوفِينَ بِشِدَّةِ الْعَدَاوَةِ لِدِينِ الْإِسْلَامِ، عَطَفَ عَلَى أَمْرِهِمْ بِالْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ نَهْيَهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِالْقُرْآنِ وَذَلِكَ يُصَدَّقُ بِمَعَانٍ بَعْضُهَا يُسْتَفَادُ مِنْ حَقِّ التَّرْكِيبِ وَبَعْضُهَا مِنْ لَوَازِمِهِ وَبَعْضُهَا مِنْ مُسْتَتْبَعَاتِهِ وَكُلُّهَا تَحْتَمِلُهَا الْآيَةُ، فَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: أَوَّلَ كافِرٍ عَلَى حَقِيقَةِ مَعْنَى الْأَوَّلِ وَهُوَ السَّابِقُ غَيْرَهُ فَيَحْصُلُ مِنَ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ تَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا بِدَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ فَالنَّهْيُ عَنِ الْكُفْرِ بِالْقُرْآنِ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ ثُمَّ إِنَّ وَصْفَ (أَوَّلَ) يُشْعِرُ بِتَقْيِيدِ النَّهْيِ بِالْوَصْفِ وَلَكِنْ قَرِينَةُ السِّيَاقِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَادُ تَقْيِيدُ النَّهْيِ عَنِ الْكُفْرِ بِحَالَةِ أَوَّلِيَّتِهِمْ فِي الْكُفْرِ، إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُجَرَّدَ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَكُونُوا مُبَادِرِينَ بِالْكُفْرِ وَلَا سَابِقِينَ بِهِ غَيْرَهُمْ لِقِلَّةِ جَدْوَى ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ الْأَهَمَّ مِنْهُ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ فَأُفِيدَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ التَّلْوِيحِيَّةِ فَإِنَّ وَصْفَ أَوَّلَ أَصْلُهُ السَّابِقُ غَيْرَهُ فِي عَمَلٍ يُعْمَلُ أَوْ شَيْءٍ يُذْكَرُ فَالسَّبْقُ وَالْمُبَادَرَةُ مِنْ لَوَازِمِ مَعْنَى الْأُولَى لِأَنَّهَا بَعْضُ مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ نَقِيضَيْنِ إِذَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ كَانَ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ الْكَافِرِينَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ تَوْبِيخُهُمْ عَلَى تَأَخُّرِهِمْ فِي اتِّبَاعِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ هَذَا الْمُرَكَّبُ قَدْ كُنِّيَ بِهِ عَنْ مَعْنَيَيْنِ مِنْ مَلْزُومَاتِهِ، هُمَا مَعْنَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَمَعْنَى التَّوْبِيخِ الْمُكَنَّى عَنْهُ بِالنَّهْيِ، فَيَكُونُ مَعْنَى النَّهْيِ مُرَادًا وَلَازِمُهُ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْمُبَادَرَةِ بِالْإِيمَانِ مُرَادًا وَهُوَ الْمَقْصُودُ فَيَكُونُ الْكَلَامُ كِنَايَةً اجْتَمَعَ فِيهَا الْمَلْزُومُ وَاللَّازِمُ مَعًا، فَبِاعْتِبَارِ اللَّازِمِ يَكُونُ النَّهْيُ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ فَيَتَأَكَّدُ بِهِ الْأَمْرُ الَّذِي قَبْلَهُ كَأَنَّهُ قِيلَ: وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ وَكُونُوا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبِاعْتِبَارِ الْمَلْزُومِ يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الْكُفْرِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ غَرَضَانِ.
стр. 484
وَهَذِهِ الْكِنَايَةُ تَعْرِيضِيَّةٌ لِأَنَّ غَرَضَ الْمَعْنَى الْكِنَائِيِّ غَيْرُ غَرَضِ الْمَعْنَى الصَّرِيحِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَخْلَصْتُهُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى التَّعْرِيضِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ غَرَضُ الْحُكْمِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِهِ غَيْرَ غَرَضِ الْحُكْمِ الْمُصَرَّحِ بِهِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِهِ غَيْرَ الْمَحْكُومِ لَهُ بِالصَّرِيحِ. وَهَذَا الْوَجْهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى الظَّاهِرِ وَالتَّحْقِيقِ بَيْنَ مُتَنَاثِرِ كَلَامِهِمْ فِي التَّعْرِيضِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْكِنَايَةِ (١)
وَيَنْدَفِعُ بِهَذَا سُؤَالَانِ مستقلان أَحدهمَا ناشىء عَمَّا قَبْلَهُ: الْأَوَّلُ كَيْفَ يَصِحُّ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ الْكَافِرِينَ وَمَفْهُومُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَوْ كَفَرُوا بِهِ ثَانِيًا لَمَا كَانَ كُفْرُهُمْ مَنْهِيًّا عَنْهُ؟
الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ سَبَقَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ لِلْكُفْرِ لِأَنَّ آيَةَ الْبَقَرَةِ فِي خِطَابِ الْيَهُودِ نَزَلَتْ فِي الْمَدِينَةِ فَقَدْ تَحَقَّقَ أَنَّ الْيَهُودَ لَمْ يَكُونُوا أَوَّلَ الْكَافِرِينَ فَالنَّهْيُ عَنْ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ الْكَافِرِينَ تَحْصِيلُ حَاصِلٍ. وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَهَمَّ هُوَ الْمَعْنَى التَّعْرِيضِيُّ وَهُوَ يَقُومُ قَرِينَةً عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ مِنَ النَّهْيِ أَنْ لَا يَكُونُوا مِنَ الْمُبَادِرِينَ بِالْكُفْرِ أَيْ لَا يَكُونُوا مُتَأَخِّرِينَ فِي الْإِيمَانِ وَهَذَا أَوَّلُ الْوُجُوهِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ عِنْدَ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» وَاخْتَارَهُ الْبَيْضَاوِيُّ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْرِيضَ فِي خُصُوصِ وَصْفِ «أَوَّلَ» وَأَمَّا أَصْلُ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَكُونُوا كَافِرِينَ بِهِ فَذَلِكَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً وَصَرِيحًا. وَالتَّعْرِيضُ مِنْ قَبِيلِ الْكِنَايَةِ التَّلْوِيحِيَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ خَفَاءِ الِانْتِقَالِ مِنَ الْمَعْنَى إِلَى لَوَازِمِهِ. وَبَعْضُ التَّعْرِيضِ يَحْصُلُ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالْكَلَامِ وَلَعَلَّ هَذَا لَا يُوصَفُ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ وَلَا كِنَايَةٍ وَهُوَ مِنْ مُسْتَتْبَعَاتِ التَّرَاكِيبِ وَدِلَالَتِهَا الْعَقْلِيَّةِ وَسَيَجِيءُ لِهَذَا زِيَادَةُ بَيَانٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ [الْبَقَرَة: ٢٣٥] فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
الْمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ التَّعْرِيضَ بِالْمُشْرِكِينَ وَأَنَّهُمْ أَشَدُّ مِنَ الْيَهُودِ كُفْرًا أَيْ لَا تَكُونُوا فِي عِدَادِهِمْ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» مِنْ قَوْلِهِ: «وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ وَلَا تَكُونُوا مِثْلَ أَوَّلِ كَافِرٍ بِهِ يَعْنِي مَنْ أَشْرَكَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ» وَلَا يُرِيدُ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ يُوهِمُهُ وَسَكَتَ عَنْهُ شُرَّاحُهُ. стр. 485
الْمَعْنَى الثَّالِثُ: أَنْ يُرَادَ مِنْ «أَوَّلَ» الْمُبَادِرُ وَالْمُسْتَعْجِلُ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ الْأَوَّلِيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ [الزخرف: ٨١] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَقْرُومٍ الضَّبِّيُّ:
فَدَعَوْا نَزَالِ فَكُنْتُ أَوَّلَ نَازِلٍ ... وَعَلَامَ أَرْكَبُهُ إِذَا لَمْ أَنْزِلِ
فَقَوْلُهُ: أَوَّلَ نَازِلٍ لَا يُرِيدُ تَحْقِيقَ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ بَادَرَ مَعَ النَّاسِ فَإِنَّ الشَّأْنَ أَنَّهُ إِذَا دَعَا الْقَوْمُ نَزَالِ أَنْ يَنْزِلَ السَّامِعُونَ كُلُّهُمْ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَرَبَّصْ.
وَيَكُونُ الْمَعْنَى وَلَا تَعْجَلُوا بِالتَّصْرِيحِ بِالْكُفْرِ قَبْلَ التَّأَمُّلِ، فَالْمُرَادُ مِنَ الْكُفْرِ هُنَا التَّصْمِيمُ عَلَيْهِ لَا الْبَقَاءُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فَتَكُونُ الْكِنَايَةُ بِالْمُفْرَدِ وَهُوَ كَلِمَةُ (أَوَّلَ) .
الْمَعْنَى الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ «أَوَّلَ» كِنَايَةً عَنِ الْقُدْوَةِ فِي الْأَمْرِ لِأَنَّ الرَّئِيسَ وَصَاحِبَ اللِّوَاءِ وَنَحْوَهُمَا يَتَقَدَّمُونَ الْقَوْمَ، قَالَ تَعَالَى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [هود: ٩٨] وَقَالَ
خَالِدُ بْنُ زُهَيْرٍ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ:
فَلَا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَهَا ... فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مِنْ يَسِيرُهَا
أَيِ الْأَجْدَرُ وَالنَّاصِرُ لِسُنَّةٍ، وَالْمَعْنَى وَلَا تَكُونُوا مُقِرِّينَ لِلْكَافِرِينَ بِكُفْرِكُمْ فَإِنَّهُمْ إِنْ شَاهَدُوا كُفْرَكُمْ كَفَرُوا اقْتِدَاءً بِكُمْ وَهَذَا أَيْضًا كِنَايَةٌ بِالْمُفْرَدِ.
الْمَعْنَى الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَوَّلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدَّعْوَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ الدَّعْوَةُ فِي الْمَدِينَةِ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ هُوَ حَالٌ ثَانِيَة لِلْإِسْلَامِ، فِيمَا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ مُتَمَيِّزًا مُسْتَقِلًّا.
هَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَعْلِ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ: كافِرٍ بِهِ عَائِدًا على مَا بِما أَنْزَلْتُ أَيِ الْقُرْآنِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي مُقَابِلِ الْإِيمَانِ بِهِ. وَقِيلَ إِنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى مَا مَعَكُمْ وَهُوَ التَّوْرَاةُ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: «وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجِيءُ أَوَّلَ كافِرٍ مُسْتَقِيمًا عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْأَوَّلِيَّةِ» وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ تكلّف لِأَنَّهُ مؤول بِأَنَّ كُفْرَهُمْ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ الَّذِي جَاءَ عَلَى نَحْوِ مَا وَصَفَتِ التَّوْرَاةُ وَكُتُبُ أَنْبِيَائِهِمْ فِي بِشَارَاتِهِمْ بِنَبِيءٍ وَكِتَابٍ يَكُونَانِ مِنْ بَعْدِ مُوسَى فَإِذَا كَذَّبُوا بِذَلِكَ فَقَدْ كَفَرُوا بِصِحَّةِ مَا فِي التَّوْرَاةِ فَيُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ بِمَا مَعَهم.
قَالَ التفتازانيّ: وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ كَانَ كُفْرُهُمْ بِهِ بِمَعْنَى ادِّعَائِهِمْ أَنَّهُ كُلَّهُ كَذِبٌ وَأَمَّا إِذَا كَفَرُوا بِكَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ فِيهِ صِدْقًا وَكَذِبًا فَلَا يَتِمُّ، وَلِهَذَا كَانَ هَذَا الْوَجْهُ مَرْجُوحًا، وَرَدَّهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ.
стр. 486
وَبِهَذَا كُلِّهِ يَتَّضِحُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ لَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ مُنْصَبًّا عَلَى الْقَيْدِ بِحَيْثُ يُفِيدُ عَدَمُ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَكُونُوا ثَانِيَ كَافِرٍ أَوْ ثَالِثَ كَافِرٍ بِسَبَبِ الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ وَأَنَّ أَوَّلَ كَافِرٍ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْوَصْفِ الْمُلَازِمِ حَتَّى يَسْتَوِيَ فِي نَفْيِ مَوْصُوفِهِ أَنْ يُذْكَرَ الْوَصْفُ وَأَنْ لَا يُذْكَرَ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
على لَا حب لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ وَقَوْلِ ابْنِ أَحْمَرَ:
وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرْ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا عَقِبَ هَذَا.
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا.
عَطْفٌ عَلَى النَّهْيِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهَذَا النَّهْيُ مُوَجَّهٌ إِلَى عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمُ الْقُدْوَةُ
لِقَوْمِهِمْ وَالْمُنَاسَبَةُ أَنَّ الَّذِي صَدَّهُمْ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ هُوَ خَشْيَتُهُمْ أَنْ تَزُولَ رِئَاسَتُهُمْ فِي قَوْمِهِمْ فَكَانُوا يَتَظَاهَرُونَ بِإِنْكَارِ الْقُرْآنِ لِيَلْتَفَّ حَوْلَهُمْ عَامَّةُ قَوْمِهِمْ فَتَبْقَى رِئَاسَتُهُمْ عَلَيْهِمْ،
قَالَ النَّبِيءُ ﷺ : «لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ لَآمَنَ بِيَ الْيَهُودُ كُلُّهُمْ» .
وَالِاشْتِرَاءُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [الْبَقَرَة: ١٦] وَهُوَ اعْتِيَاضُ أَعْيَانٍ بِغَيْرِهَا مِثْلِهَا أَوْ ثَمَنِهَا مِنَ النَّقْدَيْنِ وَنَحْوِهِمَا كَأَوْرَاقِ الْمَالِ وَالسَّفَاتِجِ وَقَدِ اسْتُعِيرَ الِاشْتِرَاءُ هُنَا لِاسْتِبْدَالِ شَيْءٍ بِآخِرَ دُونَ تَبَايُعٍ.
وَالْآيَاتُ جَمْعُ آيَةٍ وَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ الْعَلَامَةُ عَلَى الْمَنْزِلِ أَوْ عَلَى الطَّرِيقِ قَالَ النَّابِغَةُ:
تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ
ثُمَّ أُطْلِقَتِ الْآيَةُ عَلَى الْحُجَّةِ لِأَنَّ الْحُجَّةَ عَلَامَةٌ عَلَى الْحَقِّ قَالَ الْحَارِثُ ابْن حِلِّزَةَ:
مَنْ لَنَا عِنْدَهُ من الْخَيْر يَا ... ت ثَلَاثٌ فِي كُلِّهِنَّ الْقَضَاءُ
وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مُعْجِزَةُ الرَّسُولِ آيَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ [النَّمْل: ١٢] وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ [الْأَعْرَاف: ٢٠٣] ، وَأُطْلِقَتْ أَيْضًا عَلَى الْجُمْلَةِ التَّامَّةِ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ [آل عمرَان: ٧]
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «أَمَا تَكْفِيكَُُ
стр. 487
آيَةُ الصَّيْفِ»
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النِّسَاء: ١٧٦] لِأَنَّ جُمَلَ الْقُرْآنِ حُجَّةٌ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ لِأَنَّ بَلَاغَتَهَا مُعْجِزَةٌ.
وَأَمَّا إِطْلَاقُ آيَةٍ عَلَى الْجُمْلَةِ مِنَ التَّوْرَاةِ فِي حَدِيثِ الرَّجْمِ فِي قَوْلِ الرَّاوِي «فَوَضْعُ الْمِدْرَاسِ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ» فَذَلِكَ مَجَازٌ عَلَى مَجَازٍ لِعَلَاقَةِ الْمُشَابِهَةِ. وَوَجْهُ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَ إِعْرَاضِهِمْ وَبَيْنَ الِاشْتِرَاءِ، أَنَّ إِعْرَاضَهُمْ عَنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ لِأَجْلِ اسْتِبْقَاءِ السِّيَادَةِ، وَالنَّفْعُ فِي الدُّنْيَا يُشْبِهُ اسْتِبْدَالَ الْمُشْتَرِي فِي أَنَّهُ يُعْطِي مَا لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِ وَيَأْخُذُ مَا إِلَيْهِ احْتِيَاجُهُ وَلَهُ فِيهِ مَنْفَعَتُهُ، فَفِي تَشْتَرُوا اسْتِعَارَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ فِي الْفِعْلِ، وَيَجُوزُ كَوْنُ تَشْتَرُوا مَجَازًا مُرْسَلًا بِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ أَوْ بِعَلَاقَةِ الِاسْتِعْمَالِ الْمُقَيَّدِ فِي الْمُطْلَقِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [الْبَقَرَة: ١٦] ، لَكِنْ هُنَا الِاسْتِعَارَةُ مُتَأَتِّيَةٌ فَهِيَ أَظْهَرُ لِظُهُورِ عَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ وَاسْتِغْنَاءِ عَلَاقَةِ الْمُشَابِهَةِ عَنْ تَطَلُّبِ وَجْهِ الْعُدُولِ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ لِأَنَّ مَقْصِدَ التَّشْبِيهِ وَحْدَهُ كَافٍ فِي الْعُدُولِ إِلَى الِاسْتِعَارَةِ، إِذِ التَّشْبِيهُ مِنْ مَقَاصِدِ الْبُلَغَاءِ.
وَإِذْ قَدْ كَانَ فِعْلُ الِاشْتِرَاءِ يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ أُبْدِلَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ جُعِلَ الْعِوَضَ الْمَرْغُوبَ فِيهِ هُوَ الْمُشْتَرَى وَهُوَ الْمَأْخُوذُ وَيُعَدَّى إِلَى الْفِعْلِ بِنَفْسِهِ، وَجُعِلَ الْعِوَضَ الْآخَرَ هُوَ الْمَدْفُوعَ
وَيُسَمَّى الثَّمَنَ وَيَتَعَدَّى الْفِعْلُ إِلَيْهِ بِالْبَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعْنَى الْعِوَضِ.
وَقَدْ عَدَّى الِاشْتِرَاءَ هُنَا إِلَى الْآيَاتِ بِالْبَاءِ فَكَانَتِ الْآيَاتُ هِيَ الْوَاقِعَةَ مَوْقِعَ الثَّمَنِ لِأَنَّ الثَّمَنَ هُوَ مُدْخَلُ الْبَاءِ فَدَلَّ دُخُولُ الْبَاءِ عَلَى أَنَّ الْآيَاتِ شُبِّهَتْ بِالثَّمَنِ فِي كَوْنِهَا أَهْوَنَ الْعِوَضَيْنِ عِنْدَ الْمُسْتَبْدِلِ، وَذِكْرُ الْبَاءِ قَرِينَةَ الْمَكْنِيَّةِ لِأَنَّهَا تَدْخُلْ عَلَى الثَّمَنِ وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهَا تَبَعِيَّةً إِذْ لَيْسَ ثَمَّ مَعْنًى حَقُّهُ أَنْ يُؤَدَّى بِالْحَرْفِ شُبِّهَ بِمَعْنَى الْبَاءِ، فَهَا هُنَا يَتَعَيَّنُ سُلُوكُ طَرِيقَةِ السَّكَّاكِيِّ فِي رَدِّ التَّبَعِيَّةِ لِلْمَكْنِيَّةِ. وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا جَعْلُ الْبَاءِ تَخْيِيلًا إِذْ لَيْسَتْ دَالَّةً عَلَى مَعْنًى مُسْتَقِلٍّ يُمْكِنُ تَخَيُّلُهُ.
ثُمَّ عَبَّرَ عَنْ مَفْعُولِ الِاشْتِرَاءِ بِلَفْظِ الثَّمَنِ وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُعْطِيَ لَفْظَ الثَّمَنِ لِمَدْخُولِ الْبَاءِ أَوْ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ كُلٍّ بِلَفْظٍ آخَرَ كَأَنْ يُقَالَ: لَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي مَتَاعًا قَلِيلًا فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ وَعَبَّرَ عَنِ الْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ بِالثَّمَنِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّحْقِيقِيَّةِ لِتَشْبِيهِ هَذَا الْعِوَضِ مِنَ الرِّئَاسَةِ أَوِ الْمَالِ بِالثَّمَنِ أَوْ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الثَّمَنَ فِي كَوْنِهِ أَعْيَانًا وَحُطَامًا جُعِلَتْ بَدَلًا عَنْ أَمْرٍ نَافِعٍ وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِهِمْ فِي أَنَّهُمْ مَغْبُونُو الصَّفْقَةِ إِذْ قَدْ بَذَلُوا أَنْفَسَ شَيْءٍ وَأَخَذُوا حَظًّا مَا قَلِيلًا فَكَانَ كِلَا الْبَدَلَيْنِ فِي الْآيَةِ مُشَبَّهًا بِالثَّمَنِ إِلَّا أَنَّ الْآيَاتِ شُبِّهَتْ بِهِ فِي كَوْنِهَا أَهْوَنَ
стр. 488
عَلَى الْمُعْتَاضِ، وَالْمَتَاعُ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ شُبِّهَ بِالثَّمَنِ فِي كَوْنِهِ شَيْئًا مَادِّيًّا يَنَالُهُ كُلُّ أَحَدٍ أَوْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الْآيَاتِ وَالثَّمَنِ أَمْرٌ هَيِّنٌ عَلَى فَرِيقٍ فَالْآيَاتُ هَانَتْ عَلَى الْأَحْبَارِ وَالْأَمْوَالُ هَانَتْ عَلَى الْعَامَّةِ وَخَصَّ الْهَيِّنَ حَقِيقَةً بِإِعْطَائِهِ اللَّفْظَ الْحَقِيقِيَّ الدَّالَّ عَلَى أَنَّهُ هَيِّنٌ وَأَمَّا الْهَيِّنُ صُورَةً فَقَدْ أَعْطَى الْبَاءَ الْمَجَازِيَّةَ وَكُلٌّ مِنَ الِاسْتِعَارَتَيْنِ قَرِينَةٌ عَلَى الْأُخْرَى، وَلِأَنَّهُ لَمَّا غَلَبَ فِي الِاسْتِعْمَالِ إِطْلَاقُ الثَّمَنِ عَلَى النَّقْدَيْنِ اخْتِيرَ إِطْلَاقُ ذَلِكَ عَلَى مَا يَأْخُذُونَهُ تَلْمِيحًا إِلَى أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الْمَالَ عَنْ تَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَقَوْلِهِ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى [الْأَعْرَاف: ١٦٩] .
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ ثَمَناً قَرِينَةُ الِاسْتِعَارَةِ فِي قَوْلِهِ وَلا تَشْتَرُوا وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا أُدْخِلَتِ الْبَاءُ عَلَى الْآيَاتِ تَعَيَّنَ أَنَّ الْآيَاتِ هِيَ ثَمَنُ الِاشْتِرَاءِ فَلَمَّا عَبَّرَ بَعْدَهُ بِلَفْظِ ثَمَناً مَفْعُولًا لِفِعْلِ تَشْتَرُوا عَلِمَ السَّامِعُ أَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِثَمَنٍ حَقِيقِيٍّ فَعَلِمَ أَنَّ الِاشْتِرَاءَ مَجَازٌ ثُمَّ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالثَّمَنِ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا لَيْسَ بِثَمَنٍ حَقِيقِيٍّ تَبَعًا لِلْعِلْمِ بِالْمَجَازِ فِي الْفِعْلِ النَّاصِبِ لَهُ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ ثَمَناً تَجْرِيدٌ وَتَقْرِيرَهُ مِثْلُ تَقْرِيرِ كَوْنِهِ قَرِينَةً إِذَا جَعَلْنَا الْقَرِينَةَ قَوْلَهُ بِآياتِي. وَقِيلَ هُوَ تَرْشِيحٌ لِأَنَّ لَفْظَ الثَّمَنِ مِنْ مُلَائِمِ الشِّرَاءِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ فِي كَوْنِهِ اسْتِعَارَةً لِأَنَّ التَّرْشِيحَ فِي نَفْسِهِ قَدْ يَكُونُ اسْتِعَارَةً مِنْ مُلَائِمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِمُلَائِمِ
الْمُشَبَّهِ عَلَى الِاحْتِمَالَاتِ كُلِّهَا هِيَ تَدُلُّ عَلَى تَجْهِيلِهِمْ وَتَقْرِيعِهِمْ. وَالْآيَاتُ لَا تُسْتَبْدَلُ ذَوَاتُهَا فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضَافٍ أَيْ لَا تَشْتَرُوا بِقَبُولِ آيَاتِي ثَمَنًا.
وَإِضَافَةُ آيَاتٍ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ لِلتَّشْرِيفِ قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ: عِظَمُ الْآيَاتِ بِشَيْئَيْنِ الْجَمْعُ وَالْإِضَافَةُ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ وَحَقَّرَ الْعِوَضَ بِتَحْقِيرَيْنِ التَّنْكِيرُ وَالْوَصْفُ بِالْقِلَّةِ اهـ أَيْ وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِغَبْنِ صَفْقَتِهِمْ إِذِ اسْتَبْدَلُوا نَفِيسًا بِخَسِيسٍ وَأَقُولُ وَصْفُ قَلِيلًا صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِأَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي تُبَاعُ بِهِ إِضَاعَةُ الْآيَاتِ هُوَ قَلِيلٌ وَلَوْ كَانَ أَعْظَمَ مُتَمَوِّلٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَضَاعَهُ آخِذُ ذَلِكَ الثَّمَنِ وَعَلَى هَذَا الْمُرَادِ يَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ.
وَقَدْ أُجْمِلَ الْعِوَضُ الَّذِي اسْتَبْدَلُوا بِهِ الْآيَاتِ فَلَمْ يُبَيَّنْ أَهُوَ الرِّئَاسَةُ أَوِ الرِّشَى الَّتِي يَأْخُذُونَهَا لِيَشْمَلَ ذَلِكَ اخْتِلَافَ أَحْوَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْمَقَاصِدِ الَّتِي تَصُدُّهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْإِسْلَامِ عَلَى حسب اخْتِلَاف هَمهمْ.
стр. 489
وَوَصَفَ ثَمَناً بِقَوْلِهِ: قَلِيلًا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّقْيِيدَ بِحَيْثُ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ أَخْذِ عِوَضٍ قَلِيلٍ دُونَ أَخْذِ عِوَضٍ لَهُ بَالٌ وَإِنَّمَا هُوَ وَصْفٌ مُلَازِمٌ لِلثَّمَنِ الْمَأْخُوذِ عِوَضًا عَنِ اسْتِبْدَالِ الْآيَاتِ فَإِنَّ كُلَّ ثَمَنٍ فِي جَانِبِ ذَلِكَ هُوَ قَلِيلٌ فَذِكْرُ هَذَا الْقَيْدِ مَقْصُودٌ بِهِ تَحْقِيرُ كُلِّ ثَمَنٍ فِي ذَلِكَ فَهَذَا النَّفْيُ شَبِيهٌ بِنَفْيِ الْقُيُودِ الْمُلَازِمَةِ لِلْمُقَيَّدِ لِيُفِيدَ نَفْيَ الْقَيْدِ وَالْمُقَيَّدِ مَعًا كَمَا فِي الْبَيْت الْمَشْهُور لامرىء الْقَيْسِ:
عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ ... إِذَا سَافَهُ الْعُودُ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرَا
أَيْ لَا مَنَارَ لَهُ فَيُهْتَدَى بِهِ لِأَنَّ الِاهْتِدَاءَ لَازِمٌ لِلْمَنَارِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ أَحْمَرَ:
لَا يُفْزِعُ الْأَرْنَبَ أَهْوَالُهَا ... وَلَا تَرَى الضبّ بهَا بنجحر
أَيْ لَا أَرْنَبَ بِهَا حَتَّى يَفْزَعَ مِنْ أَهْوَالِهَا وَلَا ضَبَّ بِهَا حَتَّى يَنْجَحِرَ، وَقَوْلُ النَّابِغَةِ:
مِثْلُ الزُّجَاجَةِ لَمْ تُكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ أَيْ عَيْنًا لَمْ تَرْمَدْ حَتَّى تُكْحَلَ لِأَنَّ التَّكْحِيلَ لَازِمٌ لِلْعَيْنِ الرَّمْدَاءِ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ.
وَقَدْ وَقَعَ ثَمَناً نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّهْيِ وَهُوَ كَالنَّفْيِ فَشَمِلَ كُلَّ عِوَضٍ، كَمَا وَقَعَتِ الْآيَاتُ جَمْعًا مُضَافًا فَشَمِلَتْ كُلَّ آيَةٍ، كَمَا وَقَعَ الْفِعْلُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَشَمِلَ كُلَّ اشْتِرَاءٍ إِذِ الْفِعْلُ كَالنَّكِرَةِ.
وَالْخِطَابُ وَإِنْ كَانَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ غَيْرَ أَنَّ خِطَابَاتِ الْقُرْآنِ وَقِصَصَهُ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأُمَمِ الْأُخْرَى إِنَّمَا يُقْصَدُ مِنْهَا الِاعْتِبَارُ والاتعاظ فَنحْن محذرون مِنْ مِثْلِ مَا وَقَعُوا فِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّنَا أَوْلَى بِالْكِمَالَاتِ النَّفْسِيَّةِ كَمَا قَالَ بَشَّارٌ:
الْحُرُّ يُلْحَى وَالْعَصَا لِلْعَبْدِ وَكَالْبَيْتِ السَّائِرِ:
الْعَبْدُ يُقْرَعُ بِالْعَصَا ... وَالْحُرُّ تَكْفِيهِ الْإِشَارَةْ
فَعُلَمَاؤُنَا مَنْهِيُّونَ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمَا نُهِيَ عَنْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ الصَّدْفِ عَن الْحق لأعراض الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ كَانَتْ سِيرَةُ السَّلَفِ ﵃.
وَمِنْ هُنَا فُرِضَتْ مَسْأَلَةٌ جَعَلَهَا الْمُفَسِّرُونَ مُتَعَلِّقَةً بِهَاتِهِ الْآيَةِ وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهَا بِهَا ضَعِيفًا وَهِيَ مَسْأَلَةُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالدِّينِ وَيَتَفَرَّعُ عَنْهَا أَخْذُ الْأُجْرَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَعَلَىُُ
стр. 490
بَعْضِ مَا فِيهِ عِبَادَةٌ كَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ. وَحَاصِلُ الْقَوْلِ فِيهَا أَنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَجَازُوا أَخْذَ الْأَجْرِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَضْلًا عَنِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ فَقَالَ بِجَوَازِ ذَلِكَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْجُمْهُورُ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ
الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ»
وَعَلَيْهِ فَلَا مَحَلَّ لَهَاتِهِ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَهُمْ بِحَالٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاشْتِرَاءِ فِيهَا مَعْنَاهُ الْمَجَازِيُّ وَلَيْسَ فِي التَّعْلِيمِ اسْتِبْدَالٌ وَلَا عُدُولٌ وَلَا إِضَاعَةٌ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى الْجَوَازِ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ إِجْمَاعَ جُمْهُورِ فُقَهَائِهِمْ. وَفِي «الْمُدَوَّنَةِ» : لَا بَأْس بِالْإِجَارَة عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ. وَمَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ شِهَابٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَتَمَسَّكُوا بِالْآيَةِ وَبِأَنَّ التَّعْلِيمَ لِذَلِكَ طَاعَةٌ وَعِبَادَةٌ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَلَا يُؤْخَذ عَلَيْهَا أجر كَذَلِكَ وَبِمَا
رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَالَ: «دَرَاهِمُ الْمُعَلِّمِينَ حَرَامٌ»
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَةَ فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا فَسَأَلْتُ النَّبِيءَ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ سَرَّكَ أَنْ تُطَوَّقَ بِهَا طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا»
وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ الْآيَةَ مَحْمَلُهَا فِيمَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّعْلِيمُ فَأَبَى إِلَّا بِالْأَجْرِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى مَا أَجَابَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ. فَالْوَجْهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَبَثِّ الدَّعْوَةِ فَلَوْ رَخَّصَ فِي الْأجر فِيهِ لتعلل تَعْلِيمٌ كَثِيرٌ لِقِلَّةِ مِنْ يُنْفِقُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُهُ وَمَحْمَلُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ حِينَ شَاعَ الْإِسْلَامُ وَكَثُرَ حُفَّاظُ الْقُرْآنِ. وَأَقُولُ لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا كُلِّهِ لِأَنَّ الْآيَةَ بَعِيدَةٌ عَنْ هَذَا الْغَرَضِ
كَمَا عَلِمْتَ وَأَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْقِيَاسِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ عِبَادَتَانِ قَاصِرَتَانِ وَأَمَّا التَّعْلِيمُ فَعِبَادَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ فَيَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَهَذَا فَارِقٌ مُؤَثِّرٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ عُبَادَةَ فَفِيهِمَا ضَعْفٌ مِنْ جِهَةِ إِسْنَادَيْهِمَا كَمَا بَيَّنَهُ الْقُرْطُبِيُّ، قُلْتُ وَلَا أَحْسَبُ الزُّهْرِيَّ يَسْتَنِدُ لِمِثْلِهِمَا وَلَا لِلْآيَةِ وَلَا لِذَلِكَ الْقِيَاسِ وَلَكِنَّهُ رَآهُ وَاجِبًا فَلَا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ وَقَدْ أَفْتَى مُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ بِجَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ قَالَ فِي «الدُّرَر» و «شَرحه» : «وَيُفْتَى الْيَوْمَ بِصِحَّتِهَا- أَيِ الْإِجَارَةِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ- وَالْأَصْلُ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَجُوزُ عِنْدَنَا عَلَى الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي لَكِنْ لَمَّا وَقَعَ الْفُتُورُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ جَوَّزَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ» اهـ.
وَمِنْ فُرُوعِ هَاتِهِ الْمَسْأَلَةِ جَوَازُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْأَجْرِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَحُكْمُهُمَا وَاحِدٌ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى
стр. 491
الْأَذَانِ وَعَلَى الْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ مَعًا وَأَمَّا عَلَى الصَّلَاةِ وَحْدَهَا فَكَرِهَهُ مَالِكٌ، قَالَ ابْنُ شَاسٍ جَازَتْ عَلَى الْأَذَانِ لِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ أَمَّا جَمْعُهُ مَعَ الصَّلَاةِ فَالْأُجْرَةُ عَلَى الْأَذَانِ فَقَطْ، وَأَجَازَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْإِجَارَةَ عَلَى الْإِمَامَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ تَكَلَّفَ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَرَوَى أَشْهَبٌ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِالْأَجْرِ عَلَى تَرَاوِيحِ رَمَضَانَ وَكَرِهَهُ فِي الْفَرِيضَةِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَفِي «الدُّرَرِ» وَيُفْتَى الْيَوْمَ بِصِحَّتِهَا لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ وَالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ وَيُجْبَرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى دَفْعِ الْأُجْرَةِ وَيُحْبَسُ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسَ عَشَرَ وَالْمِائَةِ: وَلَا يَجُوزُ فِي إِمَامَةِ الصَّلَاةِ الْإِجَارَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ لِأَنَّهَا عَقْدُ مُكَايَسَةٍ مِنَ الْمُعَاوَضَاتِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ الْعِوَضَانِ فِيهَا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ أَجْرَ الصَّلَاةِ لَهُ فَإِذَا أَخَذَ عَنْهَا عِوَضًا اجْتَمَعَ لَهُ العوضان اهـ. وَهُوَ تَعْلِيلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ وَاهٍ قَدَّمَهُ فِي الْفَرْقِ الرَّابِعَ عَشَرَ وَالْمِائَةِ عَلَى أَنَّ فِي كَوْنِهِ مِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ الْأَصْلِ نَظَرًا لَا نُطِيلُ فِيهِ فَانْظُرْهُ فَقَدْ نَبَّهْتُكَ إِلَيْهِ، فَالْحَقُّ أَنَّ الْكَرَاهَةَ الْمَنْقُولَةَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَانَتْ قَدْ حَدَثَتْ بَيْنَ ابْنِ عَرَفَةَ وَالدَّكَّالِيِّ وَهِيَ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى تُونُسَ فِي حُدُودِ سَنَةِ سَبْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ رَجُلٌ زَاهِدٌ مِنَ الْمَغْرِبِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ الدَّكَّالِيُّ فَكَانَ لَا يُصَلِّي مَعَ الْجَمَاعَةِ وَلَا يَشْهَدُ الْجُمْعَةَ مُعْتَلًّا بِأَنَّ أَئِمَّةَ تُونُسَ يَأْخُذُونَ الْأُجُورَ عَلَى الْإِمَامَةِ وَذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي فَاعِلِهِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ وَشَاعَ أَمْرُهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَحَدَثَ خِلَافٌ بَيْنَ النَّاسِ فَخَرَجَ إِلَى الْمَشْرِقِ فَارًّا بِنَفْسِهِ وَبَلَغَ أَنَّهُ ذَهَبَ لِمِصْرَ فَكَتَبَ ابْنُ عَرَفَةَ إِلَى أَهْلِ مِصْرَ أَبْيَاتًا هِيَ:
يَا أَهْلَ مِصْرَ وَمَنْ فِي الدِّينِ شَارَكَهُمْ ... تَنَبَّهُوا لِسُؤَالٍ مُعْضِلٍ نَزَلَا
لُزُومُ فِسْقِكِمُ أَوْ فِسْقِ مَنْ زَعَمَتْ ... أَقْوَالُهُ أَنَّهُ بِالْحَقِّ قَدْ عَمِلَا
فِي تَرْكِهِ الْجُمَعَ وَالْجُمَعَاتِ خَلْفَكُمُ ... وَشَرْطُ إِيجَابِ حُكْمِ الْكُلِّ قَدْ حَصَلَا
إِنْ كَانَ شَأْنُكُمُ التَّقْوَى فَغَيْرُكُمُ ... قَدْ بَاءَ بِالْفِسْقِ حَتَّى عَنْهُ مَا عَدَلَا
وَإِنْ يَكُنْ عَكْسُهُ فَالْأَمْرُ مُنْعَكِسٌ ... قُولُوا بِحَقٍّ فَإِنَّ الْحَقَّ مَا اعْتُزِلَا
فَيُقَالُ إِنَّ أَهْلَ مِصْرَ أَجَابُوهُ بِأَبْيَاتٍ مِنْهَا:
مَا كَانَ مِنْ شِيَمِ الْأَبْرَارِ أَنْ يَسِمُوا ... بِالْفِسْقِ شَيْخًا عَلَى الْخَيْرَاتِ قَدْ جبلا
لَا لَا وَلَكِنْ إِذَا مَا أَبْصَرُوا خَلَلًا ... كَسَوْهُ مِنْ حُسْنِ تَأْوِيلَاتِهِمْ حُلَلَا
أَلَيْسَ قَدْ قَالَ فِي «الْمِنْهَاجِ» صَاحِبُهُ ... يَسُوغُ ذَاكَ لِمَنْ قَدْ يَخْتَشِي زَلَلَاُُُُ
стр. 492
وَمِنْهَا:
وَقَدْ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْعُتَقِيِّ ... فِيمَا اخْتَصَرْتُ كَلَامًا أَوْضَحَ السُّبُلَا
مَا إِنْ تُرَدُّ شَهَادَةٌ لِتَارِكِهَا ... إِنْ كَانَ بِالْعِلْمِ وَالتَّقْوَى قَدِ احْتَفَلَا
نَعَمْ وَقَدْ كَانَ فِي الْأَعْلَيْنَ مَنْزِلَةً ... مِنْ جَانِبِ الْجُمَعِ وَالْجُمُعَاتِ وَاعْتَزَلَا
كَمَالِكٍ غَيْرَ مُبْدٍ فِيهِ مَعْذِرَةً ... إِلَى الْمَمَاتِ وَلَمْ يُسْأَلْ وَمَا عُذِلَا
هَذَا وَإِنَّ الَّذِي أَبْدَاهُ مُتَّجِهًا ... أَخْذُ الْأَئِمَّةِ أَجْرًا مَنْعَهُ نَقَلَا
وَهَبْكَ أَنَّكَ رَاءٍ حِلَّهُ نَظَرًا ... فَمَا اجْتِهَادُكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ وَلَا
هَكَذَا نُسِبَتْ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ التَّرَاجِمِ لِلْمَغَارِبَةِ أَنَّهَا وَرَدَتْ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا نَظَمَهَا بَعْضُ أَهْلِ تُونُسَ انْتِصَارًا لِلدَّكَّالِيِّ ذَكَرَ ذَلِكَ الْخَفَاجِيُّ فِي «طِرَازِ الْمَجَالِسِ» ، وَقَالَ إِنَّ الْمُجِيبَ هُوَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ السُّلَمِيُّ التُّونُسِيُّ وَذَكَرَ أَنَّ السِّرَاجَ الْبُلْقِينِيَّ ذَكَرَ هَاتِهِ الْوَاقِعَةَ فِي «فَتَاوَاهُ» وَذَكَرَ أَنَّ وَالِدَهُ أَجَابَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِأَبْيَاتٍ لَامِيَّةٍ انْظُرْهَا هُنَاكَ.
وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ.
الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ إِلَّا أَنَّ التَّعْبِير فِي الأولى بِارْهَبُونِ وَفِي الثَّانِي بِاتَّقُونِ لِأَنَّ الرَّهْبَةَ مُقَدِّمَةٌ التَّقْوَى إِذِ التَّقْوَى رَهْبَةٌ مُعْتَبَرٌ فِيهَا الْعَمَلُ بِالْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَنْهِيَّاتِ بِخِلَافِ مُطْلَقِ الرَّهْبَةِ فَإِنَّهَا اعْتِقَادٌ وَانْفِعَالٌ دُونَ عَمَلٍ، وَلِأَنَّ الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ تَأْمُرُهُمْ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ فَنَاسَبَهَا أَنْ يُخَوَّفُوا مَنْ نَكْثِهِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ تَأْمُرُهُمْ بِالْإِيمَانِ
بِالْقُرْآنِ الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنْهُ بَقِيَّةُ دَهْمَائِهِمْ فَنَاسَبَهَا الْأَمْرُ بِأَنْ لَا يَتَّقُوا إِلَّا اللَّهَ. وَلِلتَّقْوَى مَعْنًى شَرْعِيٌّ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وَهِيَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى أَخَصُّ لَا مَحَالَةَ مِنَ الرَّهْبَةِ وَلَا أَحْسَبُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودَ هُنَا.
وَالْقَوْلُ فِي حَذْفِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ قَوْلِهِ: فَاتَّقُونِ نَظِيرُ الْقَوْلِ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ.
стр. 493
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٤٢]
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)
مَعْطُوفٌ عَلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [الْبَقَرَة:
٤٠] إِلَى هُنَا لِأَنَّ هَاتِهِ الْجُمَلَ كُلَّهَا لَمْ يُقْصَدْ أَنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا خَاصَّةً بَلْ عَلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَهَا لَا سِيَّمَا قَوْلُهُ: وَلا تَلْبِسُوا فَإِنَّهُ مَبْدَأُ انْتِقَالٍ مِنْ غَرَضِ التَّحْذِيرِ مِنَ الضَّلَالِ إِلَى غَرَضِ التَّحْذِيرِ مِنَ الْإِضْلَالِ بَعْدَ أَنْ وَسَّطَ بَيْنَهُمَا قَوْلَهُ: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي [الْبَقَرَة: ٤١] كَمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَجْعَلَ كُلًّا مَعْطُوفًا عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ اعْتِبَارِ كَوْنِ مَا قَبْلَهُ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ كَذَلِكَ، وَهَذَا شَأْنُ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ إِلَّا إِذَا أُرِيدَ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِكَوْنِ الثَّانِيَةِ أَعْلَقَ بِالَّتِي وَالَتْهَا دُونَ الْبَقِيَّةِ وَذَلِكَ كَعَطْفِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ عَلَى لَا تَلْبِسُوا فَإِنَّهَا مُتَعَيِّنَةٌ لِلْعَطْفِ عَلَى تَلْبِسُوا لَا مَحَالَةَ إِنْ كَانَتْ مَعْطُوفَةً وَهُوَ الظَّاهِرُ فَإِنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالتَّغْلِيظُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ بِالْأَوْلَى.
وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ مَنْصُوبًا بِأَنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَ وَاوِ الْمَعِيَّةِ وَيَكُونَ مَنَاطُ النَّهْيِ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالتَّفْرِيقُ فِي الْمَنْهِيِّ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنِ الْجَمْعِ بِالْأَوْلَى بِخِلَافِ الْعَكْسِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّمَا نُهُوا عَنِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا عَلَى وَجْهِ الْجَمْعِ تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأَنَّهُم لَا يرجا مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا التَّرْكِ لِلَّبْسِ وَهُوَ تَرْكُ اللَّبْسِ الْمُقَارَنِ لِكَتْمِ الْحَقِّ فَإِنَّ كَوْنَهُ جَرِيمَةً فِي الدِّينِ أَمْرٌ ظَاهِرٌ. أَمَّا تَرْكُ اللَّبْسِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى التَّحْرِيفِ فِي التَّأْوِيل فَلَا يرجا مِنْهُمْ تَرْكُهُ إِذْ لَا طَمَاعِيَةَ فِي صَلَاحهمْ العاجل.
و (الْحق) الْأَمْرُ الثَّابِتُ مِنْ حَقٍّ إِذَا ثَبَتَ وَوَجَبَ وَهُوَ مَا تَعْتَرِفُ بِهِ سَائِرُ النُّفُوسِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ شَهَوَاتِهَا. وَالْبَاطِلُ فِي كَلَامِهِمْ ضِدُّ الْحَقِّ فَإِنَّهُ الْأَمْرُ الزَّائِلُ الضَّائِعُ يُقَالُ بَطَلَ بَطْلًا وَبُطُولًا وَبُطْلَانًا إِذَا ذهب ضيَاعًا وخسرا وَذهب دَمُهُ بُطْلًا أَيْ هَدْرًا. وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا تَتَبَرَّأُ
مِنْهُ النُّفُوسُ وَتُزِيلُهُ مَادَامَتْ خَلِيَّةً عَنْ غَرَضٍ أَوْ هَوًى، وَسُمِّيَ بَاطِلًا لِأَنَّهُ فِعْلٌ يَذْهَبُ ضَيَاعًا وَخَسَارًا عَلَى صَاحِبِهِ.
وَاللَّبْسُ خَلْطٌ بَيْنَ مُتَشَابِهَاتٍ فِي الصِّفَاتِ يَعْسُرُ مَعَهُ التَّمْيِيزُ أَوْ يَتَعَذَّرُ وَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى الَّذِي اخْتَلَطَ عَلَيْهِ بِعِدَّةِ حُرُوفٍ مِثْلَ عَلَى وَاللَّامِ وَالْبَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ السِّيَاقِ الَّذِي يَقْتَضِي مَعْنَى بَعْضِ تِلْكَ الْحُرُوفِ. وَقَدْ يُعَلَّقُ بِهِ ظَرْفُ عِنْدَ. وَقَدْ يُجَرَّدُ عَنِ التَّعْلِيقِ بِالْحَرْفِ.
وَيُطْلَقُ عَلَى اخْتِلَاطِ الْمَعَانِي وَهُوَ الْغَالِبُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّاغِبِ فِي «مُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِ» أَنَّهُ
стр. 494
هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، وَيُقَالُ فِي الْأَمْرِ لُبْسَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ أَيِ اشْتِبَاهٌ،
وَفِي حَدِيثِ شَقِّ الصَّدْرِ «فَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدِ الْتَبَسَ بِي»
أَيْ حَصَلَ اخْتِلَاطٌ فِي عَقْلِي بِحَيْثُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ وَالْخَيَالِ، وَفِعْلُهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَأَمَّا فِعْلُ لَبِسَ الثِّيَابَ فَمِنْ بَابِ سَمِعَ.
فَلَبْسُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ تَرْوِيجُ الْبَاطِلِ فِي صُورَةِ الْحَقِّ، وَهَذَا اللَّبْسُ هُوَ مَبْدَأُ التَّضْلِيلِ وَالْإِلْحَادِ فِي الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ فَإِنَّ الْمُزَاوِلِينَ لِذَلِكَ لَا يُرَوَّجُ عَلَيْهِمْ قَصْدُ إِبْطَالِهَا فَشَأْنُ مَنْ يُرِيدُ إِبْطَالَهَا أَنْ يَعْمِدَ إِلَى خَلْطِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ حَتَّى يُوهِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْحَقَّ قَالَ تَعَالَى:
وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ [الْأَنْعَام: ١٣٧] لِأَنَّهُمْ أَوْهَمُوهُمْ أَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ إِلَى الْأَصْنَامِ.
وَأَكْثَرُ أَنْوَاعِ الضَّلَالِ الَّذِي أُدْخِلَ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ مِنْ قَبِيلِ لَبْسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، فَقَدْ قَالَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنَ الْعَرَبِ وَمَنَعُوا الزَّكَاةَ أَنَّنَا كُنَّا نُعْطِي الزَّكَاةَ لِلرَّسُولِ وَنُطِيعُهُ فَلَيْسَ عَلَيْنَا طَاعَة لأحد بِعْهُ، وَهَذَا نَقْضٌ لِجَامِعَةِ الْمِلَّةِ فِي صُورَةِ الْأَنَفَةِ مِنَ الطَّاعَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ شَاعِرُهُمْ وَهُوَ الْخُطَيْلُ بْنُ أَوْسٍ:
أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ إِذْ كَانَ بَيْننَا ... فيا لعباد اللَّهِ مَا لِأَبِي بَكْرِ
وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ النَّاقِمُونَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ فَلَبَّسُوا بِأُمُورٍ زَيَّنُوهَا لِلْعَامَّةِ كَقَوْلِهِمْ رَقِيَ إِلَى مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ فِي الْمِنْبَرِ وَذَلِكَ اسْتِخْفَافٌ لِأَنَّ الْخَلِيفَتَيْنِ قَبْلَهُ نَزَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الدَّرَجَةِ الَّتِي كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهَا سَلَفُهُ، وَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ خَاتَمُ النَّبِيءِ ﷺ وَذَلِكَ رَمْزٌ عَلَى سُقُوطِ خِلَافَتِهِ.
وَقَدْ قَالَتِ الْخَوَارِجُ «لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ» فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: «كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ»
. وَحَرَّفَ أَقْوَامٌ آيَاتٍ بِالتَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ ثُمَّ سَمَّوْا ذَلِكَ بِالْبَاطِنِ وَزَعَمُوا أَنَّ لِلْقُرْآنِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ لَبْسٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ نَشَأَتْ عَنْ ذَلِكَ نِحْلَةُ الْبَاطِنِيَّةِ، ثُمَّ تَأْوِيلَاتُ الْمُتَفَلْسِفِينَ فِي الشَّرِيعَةِ كَأَصْحَابِ «الرَّسَائِلِ» الْمُلَقَّبِينَ بِإِخْوَانِ الصَّفَاءِ. ثُمَّ نَشَأَ تَلْبِيسُ الْوَاعِظِينَ وَالْمُرَغِّبِينَ وَالْمُرْجِئَةِ فَأَخَذُوا بَعْضَ الْآيَاتِ فَأَشَاعُوهَا وَكَتَمُوا مَا يُقَيِّدُهَا
وَيُعَارِضُهَا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣] فَأَوْهَمُوا النَّاسَ أَنَّ الْمَغْفِرَةَ عَامَّةٌ لِكُلِّ ذَنْبٍ وَكُلِّ مُذْنِبٍ وَلَوْ لَمْ يَتُبْ وَأَغَضُّوا عَنْ آيَاتِ الْوَعِيدِ وَآيَاتِ التَّوْبَةِ.
وَلِلتَّفَادِي مِنْ هَذَا الْوَصْفِ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ عُلَمَاءُ أُصُولِ الْفِقْهِ إِنَّ التَّأْوِيلَ لَا يَصِحُّ إِلَّا إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَوِيٌّ، أَمَّا إِذَا وَقَعَ التَّأْوِيلُ لِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ دَلِيلٌ فَهُوَُُ
стр. 495
تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ فَإِنْ وَقَعَ بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا فَهُوَ لَعِبٌ لَا تَأْوِيلٌ وَلِهَذَا نَهَى الْفُقَهَاءُ عَنِ اقْتِبَاسِ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي جَاءَ لَهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ:
لَئِنْ أَخْطَأت فِي مدحي ... ك مَا أَخْطَأْتَ فِي مَنْعِي
لَقَدْ أَنْزَلْتُ حَاجَاتِي ... بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعِ
وَقَوْلُهُ: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَالٌ وَهُوَ أَبْلَغُ فِي النَّهْيِ لِأَنَّ صُدُورَ ذَلِكَ مِنَ الْعَالِمِ أَشَدُّ فَمَفْعُولُ (تَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ، أَيْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ أَيْ لَبْسَكُمُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ. قَالَ الطَّيِّبِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى الْآتِي: أَفَلا تَعْقِلُونَ [الْبَقَرَة: ٤٤] إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ غَيْرُ مُنَزَّلٍ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ لِأَنَّهُ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْعِلْمِ الَّذِي هُوَ وَصْفُ كَمَالٍ وَذَلِكَ يُنَافِي قَوْلَهُ الْآتِي: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: أَفَلا تَعْقِلُونَ [الْبَقَرَة: ٤٤] إِذْ نَفَى عَنْهُمْ وَصْفَ الْعَقْلِ فَكَيْفَ يُثْبِتُ لَهُمْ هُنَا وَصْفَ الْعِلْمِ على الْإِطْلَاق.
[٤٣]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٤٣]
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)
أَمَرَ بِالتَّلَبُّسِ بِشِعَارِ الْإِسْلَامِ عَقِبَ الْأَمْرِ بِاعْتِقَادِ عَقِيدَةِ الْإِسْلَامِ فَقَوْلُهُ: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ [الْبَقَرَة: ٤١] الْآيَةَ رَاجِعٌ إِلَى الْإِيمَانِ بِالنَّبِيءِ ﷺ وَمَا هُوَ وَسِيلَةُ ذَلِكَ وَمَا هُوَ غَايَتُهُ، فَالْوَسِيلَةُ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ إِلَى فَارْهَبُونِ [الْبَقَرَة: ٤٠] وَالْمَقْصِدُ وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ، وَالْغَايَةُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ. وَقَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ مَفَاسِدَ تَصُدُّهُمْ عَنِ الْمَأْمُورَاتِ مُنَاسِبَاتٍ لِلْأَوَامِرِ. فَقَوْلُهُ: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِلَخْ أَمْرٌ بِأَعْظَمِ الْقَوَاعِدِ الْإِسْلَامِيَّةِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِإِجَابَتِهِمْ وَامْتِثَالِهِمْ لِلْأَوَامِرِ السَّالِفَةِ وَأَنَّهُمْ كَمُلَتْ لَهُمُ الْأُمُورُ الْمَطْلُوبَةُ. وَفِي هَذَا الْأَمْرِ تَعْرِيضٌ بِالْمُنَافِقِينَ، ذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَانَ عَقْدٌ قَلْبِيٌّ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إِلَّا النُّطْقُ، وَالنُّطْقُ اللِّسَانِيُّ أَمْرٌ سَهْلٌ قَدْ يَقْتَحِمُهُ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَا غُلُوٍّ فِي دِينِهِ فَلَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلَامٍ يُخَالِفُ
الدِّينَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ مَدْلُولَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا [الْبَقَرَة:
١٤] الْآيَةَ، فَلِذَلِكَ أُمِرُوا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِأَنَّ الْأَوْلَى عَمَلٌ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ الْخَالِقِ وَالسُّجُودِ إِلَيْهِ وَخَلْعِ الْآلِهَةِ، وَمِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ لَا يَفْعَلُهُ الْمُشْرِكُ لِأَنَّهُ يَغِيظُ آلِهَتَهُ بِالْفِعْلِ وَبِقَوْلِ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا يَفْعَلُهُ الْكِتَابِيُّ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ عِبَادَتَهُ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ إِنْفَاقُ الْمَالُُِ
следующие страницы →