← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

(٨٢) الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِلَفْظِ هَذَا مُقَدَّرٌ فِي الذِّهْنِ حَاصِلٌ مِنِ اشْتِرَاطِ مُوسَى عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ إِنْ سَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ سُؤَالِهِ الثَّانِي فَقَدِ انْقَطَعَتِ الصُّحْبَةُ بَيْنَهُمَا، أَيْ هَذَا الَّذِي حَصَلَ الْآنَ هُوَ فِرَاقُ بَيْنِنَا، كَمَا يُقَالُ: الشَّرْطُ أَمْلَكُ عَلَيْكَ أَمْ لَكَ. وَكَثِيرًا مَا يَكُونُ الْمشَار إِلَيْهِ مِقْدَار فِي الذِّهْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ [الْقَصَص: ٨٣] . وَإِضَافَةُ فِراقُ إِلَى بَيْنِي مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ. وَأَصْلُهُ: فِرَاقٌ بَيْنِي، أَيْ حَاصِلٌ بَيْنَنَا، أَوْ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ الْعَامِلِ فِي الظَّرْفِ إِلَى مَعْمُولِهِ، كَمَا يُضَافُ الْمَصْدَرُ إِلَى مَفْعُولِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ خُرُوجُ (بَيْنَ) عَنِ الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما [الْكَهْف: ٦١] . وَجُمْلَةُ سَأُنَبِّئُكَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا، تَقَعُ جَوَابًا لِسُؤَالٍ يَهْجِسُ فِي خَاطِرِ مُوسَى ﵇ عَنْ أَسْبَابِ الْأَفْعَالِ الَّتِي فَعَلَهَا الْخَضِرُ ﵇ وَسَأَلَهُ عَنْهَا مُوسَى فَإِنَّهُ قَدْ وَعَدَهُ أَنْ يُحْدِثَ لَهُ ذِكْرًا مِمَّا يَفْعَلُهُ. وَالتَّأْوِيلُ: تَفْسِيرٌ لِشَيْءٍ غَيْرِ وَاضِحٍ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَوَّلِ وَهُوَ الرُّجُوعُ. شَبَّهَ تَحْصِيلُ الْمَعْنَى عَلَى تَكَلُّفٍ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْمَكَانِ بَعْدَ السَّيْرِ إِلَيْهِ. وَقَدْ مَضَى فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذَا التَّفْسِيرِ، وَأَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ إِلَخْ.. مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٧] . وَفِي صِلَةِ الْمَوْصُولِ مِنْ قَوْلِهِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً تَعْرِيضٌ

стр. 5497

بِاللَّوْمِ عَلَى الِاسْتِعْجَالِ وَعَدَمِ الصَّبْرِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ إِحْدَاثُ الذِّكَرِ حَسْبَمَا وَعَدَهُ بقوله فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً. وَالْمَسَاكِينُ: هُنَا بِمَعْنَى ضُعَفَاءِ الْمَالِ الَّذِينَ يَرْتَزِقُونَ مِنْ جُهْدِهِمْ وَيُرَقُّ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ يَكْدَحُونَ دَهْرَهُمْ لِتَحْصِيلِ عَيْشِهِمْ. فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ فُقَرَاءُ أَشَدَّ الْفَقْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ [التَّوْبَة: ٦٠] بَلِ الْمُرَادُ بِتَسْمِيَتِهِمْ بِالْفُقَرَاءِ أَنَّهُمْ يُرَقُّ لَهُمْ كَمَا قَالَ الْحَرِيرِيُّ فِي الْمَقَامَةِ الْحَادِيَةِ وَالْأَرْبَعِينَ: « ... مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ وَأَيُّ مِسْكِينٍ» . وَكَانَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ هَؤُلَاءِ عَمَلَةٌ يَأْجُرُونَ سَفِينَتَهُمْ لِلْحَمْلِ أَوْ لِلصَّيْدِ. وَمَعْنَى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ: هُوَ مَلِكُ بِلَادِهِمْ بِالْمِرْصَادِ مِنْهُمْ وَمِنْ أَمْثَالِهِمْ يُسَخِّرُ كُلَّ سَفِينَةٍ يَجِدُهَا غَصْبًا، أَيْ بِدُونِ عِوَضٍ. وَكَانَ ذَلِكَ لِنَقْلِ أُمُورِ بِنَاءٍ أَوْ نَحْوِهُ مِمَّا يَسْتَعْمِلُهُ الْمَلِكُ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ وَشَهَوَاتِهِ، كَمَا كَانَ الْفَرَاعِنَةُ يُسَخِّرُونَ النَّاسَ لِلْعَمَلِ فِي بِنَاءِ الْأَهْرَامِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ لِلْأُمَّةِ لَجَازَ التَّسْخِيرُ مِنْ كُلٍّ بِحَسَبِ حَالِهِ مِنَ الِاحْتِيَاجِ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَبَعْدَ تَحَقُّقِهَا. ووراء اسْمُ الْجِهَةِ الَّتِي خَلْفَ ظَهْرِ مَنْ أُضِيفَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْمُ، وَهُوَ ضِدُّ أَمَامَ وَقُدَّامَ. وَيُسْتَعَارُ (الْوَرَاءُ) لِحَالِ تَعَقُّبِ شَيْءٍ شَيْئًا وَحَالِ مُلَازِمَةِ طَلَبِ شَيْءٍ شَيْئًا بِحَقٍّ وَحَالِ الشَّيْءِ الَّذِي سَيَأْتِي قَرِيبًا، كُلُّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالْكَائِنِ خَلْفَ شَيْءٍ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ فِي [الْجَاثِيَةِ: ١٠] .

стр. 5498

وَقَالَ لَبِيدٌ: أَلَيْسَ وَرَائِي أَنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي ... لُزُومَ الْعَصَا تُحْنَى عَلَيْهَا الْأَصَابِعُ وَبَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا وَراءَهُمْ مَلِكٌ بِمَعْنَى أَمَامَهُمْ مَلِكٌ، فَتَوَهَّمَ بَعْضُ مُدَوِّنِي اللُّغَةِ أَنَّ (وَرَاءَ) مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ، وَأَنْكَرَهُ الْفَرَّاءُ وَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ لِلَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ هُوَ وَرَاءَكَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَوَاقِيتِ مِنَ اللَّيَالِي تَقُولُ: وَرَاءَكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ. يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَجَازِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَلَيْسَ مِنَ الْأَضْدَادِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَمَعْنَى كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً أَيْ صَالِحَةٍ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها، وَقَدْ ذَكَرُوا فِي تَعْيِينِ هَذَا الْمَلِكِ وَسَبَبِ أَخْذِهِ لِلسُّفُنِ قَصَصًا وَأَقْوَالًا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْهَا بِعَيْنِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ فِي مَقَامِ الْعِبْرَةِ. وَجُمْلَةُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ جُمْلَتَيْ فَكانَتْ لِمَساكِينَ، ووَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ، فَكَانَ حَقُّهَا التَّأْخِيرَ عَنْ كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، وَلَكِنَّهَا قُدِّمَتْ خِلَافًا لِمُقْتَضَى الظَّاهِرِ لِقَصْدِ الِاهْتِمَامِ وَالْعِنَايَةِ بِإِرَادَةِ إِعَابَةِ السَّفِينَةِ حَيْثُ كَانَ عَمَلًا ظَاهِرُهُ الْإِنْكَارُ وَحَقِيقَتُهُ الصَّلَاحُ زِيَادَةً فِي تَشْوِيقِ مُوسَى إِلَى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، لِأَنَّ كَوْنَ السَّفِينَةِ لِمَسَاكِينَ مِمَّا يَزِيدُ السَّامِعَ تَعَجُّبًا فِي الْإِقْدَامِ عَلَى خَرْقِهَا. وَالْمَعْنَى: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَقَدْ فَعَلْتُ. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: فَعِبْتُهَا، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ وَقَعَ عَنْ قَصْدٍ وَتَأَمُّلٍ. وَقَدْ تُطْلَقُ الْإِرَادَةُ عَلَى الْقَصْدِ أَيْضًا. وَفِي «اللِّسَانِ» عَزْوُ ذَلِكَ إِلَى سِيبَوَيْهِ. وَتَصَرُّفُ الْخَضِرِ فِي أَمْرِ السَّفِينَةِ تَصَرُّفٌ بِرَعْيِ الْمُصْلِحَةِ الْخَاصَّةِ عَنْ إِذْنٍ مِنَ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَصَالِحِ الضُّعَفَاءِ إِذْ كَانَ الْخَضِرُ عَالِمًا بِحَالِ

стр. 5499

الْمَلِكِ، أَوْ كَانَ اللَّهُ أَعْلَمَهُ بِوُجُودِهِ حِينَئِذٍ، فَتَصَرَّفُ الْخَضِرِ قَائِمٌ مَقَامَ تَصَرُّفِ الْمَرْءِ فِي مَالِهِ بِإِتْلَافِ بَعْضِهِ لِسَلَامَةِ الْبَاقِي، فَتَصَرُّفُهُ الظَّاهِرُ إِفْسَادٌ وَفِي الْوَاقِعِ إِصْلَاحٌ لِأَنَّهُ مِنِ ارْتِكَاب أخف الضررين. وَهَذَا أَمْرٌ خَفِيٌّ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إِلَّا الْخَضِرُ، فَلِذَلِكَ أَنْكَرَهُ مُوسَى. وَأَمَّا تَصَرُّفُهُ فِي قَتْلِ الْغُلَامِ فَتَصَرُّفٌ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ جَارٍ عَلَى قَطْعِ فَسَادٍ خَاصٍّ عَلِمَهُ اللَّهُ وَأَعْلَمَ بِهِ الْخَضِرَ بِالْوَحْيِ، فَلَيْسَ مِنْ مَقَامِ التَّشْرِيعِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِنْ تَرْكِيبِ عَقْلِ الْغُلَامِ وَتَفْكِيرِهِ أَنَّهُ عَقْلٌ شَاذٌّ وَفِكْرٌ مُنْحَرِفٌ طُبِعَ عَلَيْهِ بِأَسْبَابٍ مُعْتَادَةٍ مِنِ انْحِرَافِ طَبْعٍ وَقُصُورِ إِدْرَاكٍ، وَذَلِكَ مِنْ آثَارٍ مُفْضِيَةٍ إِلَى تِلْكَ النَّفْسِيَّةِ وَصَاحِبِهَا فِي أَنَّهُ يَنْشَأُ طَاغِيًا كَافِرًا. وَأَرَادَ اللَّهُ اللُّطْفَ بِأَبَوَيْهِ بِحِفْظِ إِيمَانِهِمَا وَسَلَامَةِ الْعَالَمِ مِنْ هَذَا الطَّاغِي لُطْفًا أَرَادَهُ اللَّهُ خَارِقًا لِلْعَادَةِ جَارِيًا عَلَى مُقْتَضَى سَبْقِ عِلْمِهِ، فَفِي هَذَا مَصْلَحَةٌ لِلدِّينِ بِحِفْظِ أَتْبَاعِهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَهُوَ مَصْلَحَةٌ خَاصَّةٌ فِيهَا حِفْظُ الدِّينِ، وَمَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كَحُكْمِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ. وَالزَّكَاةُ: الطَّهَارَةُ، مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مُوسَى أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً. وَالرُّحْمُ:- بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ-: نَظِيرُ الْكُثْرِ لِلْكَثْرَةِ. وَالْخَشْيَةُ: تَوَقُّعُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُتَدَارَكْ بِقَتْلِهِ. وَضَمِيرَا الْجَمَاعَةِ فِي قَوْلِهِ فَخَشِينا وَقَوْلِهِ فَأَرَدْنا عَائِدَانِ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ الْوَاحِدِ بِإِظْهَارِ أَنَّهُ مُشَارِكٌ لِغَيْرِهِ فِي الْفِعْلِ. وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ يَكُونُ مِنَ التَّوَاضُعِ لَا مِنَ التَّعَاظُمِ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الْإِعْلَامِ بِأَنَّ اللَّهَ أَطْلَعَهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَمَرَهُ فَنَاسَبَهُ التَّوَاضُعُ فَقَالَ: فَخَشِينا فَأَرَدْنا، وَلَمْ يقل مثله عِنْد مَا قَالَ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها لِأَنَّ سَبَبَ الْإِعَابَةِ إِدْرَاكُهُ لِمَنْ لَهُ عِلْمٌ بِحَالِ تِلْكَ الْأَصْقَاعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 5500

قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ [٧٩] . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ أَنْ يُبْدِلَهُما- بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِّ- مِنَ التَّبْدِيلِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ- بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ- مِنَ الْإِبْدَال. وَأما قَضِيَّة الْجِدَار فَالْخَضِرُ تَصَرَّفَ فِي شَأْنِهَا عَنْ إِرَادَةِ اللَّهِ اللُّطْفَ بِالْيَتِيمَيْنِ جَزَاءً لِأَبِيهِمَا عَلَى صَلَاحِهِ، إِذْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ أَبَاهُمَا كَانَ يُهِمُّهُ أَمْرُ عَيْشِهِمَا بَعْدَهُ، وَكَانَ قَدْ أَوْدَعَ تَحْتَ الْجِدَارِ مَالًا، وَلَعَلَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُلْهِمَ وَلَدَيْهِ عِنْدَ بُلُوغِ أَشُدِّهِمَا أَنْ يَبْحَثَا عَنْ مَدْفِنِ الْكَنْزِ تَحْتَ الْجِدَارِ بِقَصْدٍ أَوْ بِمُصَادَفَةٍ، فَلَوْ سَقَطَ الْجِدَارُ قَبْلَ بُلُوغِهِمَا لَتَنَاوَلَتِ الْأَيْدِي مَكَانَهُ بِالْحَفْرِ وَنَحْوِهُ فَعَثَرَ عَلَيْهِ عَاثِرٌ، فَذَلِكَ أَيْضًا لُطْفٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ. وَقَدْ أَسْنَدَ الْإِرَادَةَ فِي قِصَّةِ الْجِدَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى دُونَ الْقِصَّتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهِمَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَسْعَى إِلَيْهِ كُلُّ مَنْ يَقِفُ عَلَى سِرِّهِ لِأَنَّ فِيهِمَا دَفْعَ فَسَادٍ عَنِ النَّاسِ بِخِلَافِ قِصَّةِ الْجِدَارِ فَتِلْكَ كَرَامَةٌ مِنَ اللَّهِ لِأَبِي الْغُلَامَيْنِ. وَقَوْلُهُ: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي تَصْرِيحٌ بِمَا يُزِيلُ إِنْكَارَ مُوسَى عَلَيْهِ تَصَرُّفَاتِهِ هَذِهِ بِأَنَّهَا رَحْمَةٌ وَمَصْلَحَةٌ فَلَا إِنْكَارَ فِيهَا بَعْدَ مَعْرِفَةِ تَأْوِيلِهَا. ثُمَّ زَادَ بِأَنَّهُ فَعَلَهَا عَنْ وَحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي عَلِمَ مُوسَى أَنَّ ذَلِكَ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ النَّبِيءَ إِنَّمَا يَتَصَرَّفُ عَنِ اجْتِهَادٍ أَوْ عَنْ وَحْيٍ، فَلَمَّا نَفَى أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ نَفْسِهِ تَعَيَّنَ أَنَّهُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِنَّمَا أُوثِرَ نَفْيُ كَوْنِ فِعْلِهِ عَنْ أَمْرِ نَفْسِهِ عَلَى أَنْ يَقُولَ: وَفَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِ رَبِّي، تَكْمِلَةً لِكَشْفِ حَيْرَةِ

стр. 5501

مُوسَى وَإِنْكَارِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ فَعْلَاتِهِ الثَّلَاثَ كَانَ يُؤَيِّدُ إِنْكَارَهُ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ تَصَرَّفَ عَنْ خَطَأٍ. وَانْتَصَبَ رَحْمَةً عَلَى الْمَفْعُولِ لِأَجْلِهِ فَيُنَازِعُهُ كُلٌّ من (أردْت) ، و (أردنَا) ، و (أَرَادَ رَبُّكَ) . وَجُمْلَةُ ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً فَذْلَكَةٌ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهَا ابْتِدَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ، فَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى الْمَذْكُورِ فِي الْكَلَامِ السَّابِقِ وَهُوَ تَلْخِيصٌ لِلْمَقْصُودِ كَحَوْصَلَةِ الْمُدَرِّسِ فِي آخِرِ دَرْسِهِ. وتَسْطِعْ مُضَارِعُ (اسْطَاعَ) بِمَعْنَى (اسْتَطَاعَ) . حَذَفَ تَاءَ الِاسْتِفْعَالِ تَخْفِيفًا لِقُرْبِهَا مِنْ مَخْرَجِ الطَّاءِ، وَالْمُخَالَفَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً لِلتَّفَنُّنِ تَجَنُّبًا لِإِعَادَةِ لَفَظٍ بِعَيْنِهِ مَعَ وُجُودِ مُرَادِفِهِ. وَابْتُدِئَ بِأَشْهَرِهِمَا اسْتِعْمَالًا وَجِيءَ بِالثَّانِيَةِ بِالْفِعْلِ الْمُخَفَّفِ لِأَنَّ التَّخْفِيفَ أَوْلَى بِهِ لِأَنَّهُ إِذَا كَرَّرَ تَسْتَطِعْ يَحْصُلُ مِنْ تَكْرِيرِهِ ثِقَلٌ. وَأَكَدَّ الْمَوْصُولَ الْأَوَّلَ الْوَاقِعَ فِي قَوْلِهِ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً تَأْكِيدًا لِلتَّعْرِيضِ بِاللَّوْمِ عَلَى عَدَمِ الصَّبْرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ قِصَّةَ مُوسَى وَالْخَضِرِ قَدِ اتَّخَذَتْهَا طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ النِّحَلِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَصْلًا بَنَوْا عَلَيْهِ قَوَاعِدَ مَوْهُومَةً. فَأَوَّلُ مَا أَسَّسُوهُ مِنْهَا أَنَّ الْخَضِرَ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا وَإِنَّمَا كَانَ عَبْدًا صَالِحًا، وَأَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي أُوتِيَهُ لَيْسَ وَحْيًا وَلَكِنَّهُ إِلْهَامٌ، وَأَنَّ تَصَرُّفَهُ الَّذِي تَصَرَفَهُ فِي الْمَوْجُودَاتِ أَصْلٌ لِإِثْبَاتِ الْعُلُومِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَأَنَّ الْخَضِرَ مَنَحَهُ اللَّهُ الْبَقَاءَ إِلَى انْتِهَاءِ مُدَّةِ الدُّنْيَا لِيَكُونَ مَرْجِعًا لِتَلَقِّي الْعُلُومِ

стр. 5502

الْبَاطِنِيَّةِ، وَأَنَّهُ يَظْهَرُ لِأَهْلِ الْمَرَاتِبِ الْعُلْيَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَيُفِيدُهُمْ مِنْ عِلْمِهِ مَا هُمْ أَهْلٌ لِتَلَقِّيهِ. وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِلْهَامَ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الْوَحْيِ، وَسَمَّوْهُ الْوَحْيَ الْإِلْهَامِيَّ، وَأَنَّهُ يَجِيءُ عَلَى لِسَانِ مَلَكِ الْإِلْهَامِ، وَقَدْ فَصَّلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ ابْن الْعَرَبِيِّ فِي الْبَابِ الْخَامِسِ وَالثَمَانِينَ مِنْ كِتَابِهِ «الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ» ، وَبَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَحْيِ الْأَنْبِيَاءِ بِفُرُوقٍ وعلامات ذكرهَا منثورة فِي الْأَبْوَابِ الثَّالِثِ وَالسَّبْعِينَ، وَالثَّامِنِ وَالسِتِّينَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ، وَالرَّابِعِ وَالسِّتِينَ بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَجَزَمَ بِأَنَّ هَذَا الْوَحْيَ الْإِلْهَامِيَّ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلشَّرِيعَةِ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَخْلُو مَا قَالَهُ مِنْ غُمُوضٍ وَرُمُوزٍ، وَقَدِ انْتَصَبَ عُلَمَاءُ الْكَلَامِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ لِإِبْطَالِ أَنْ يَكُونَ مَا يُسَمَّى بِالْإِلْهَامِ حُجَّةً. وَعَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ إِيقَاعُ شَيْءٍ فِي الْقَلْبِ يَثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ، وَأَبْطَلُوا كَوْنَهُ حُجَّةً لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِخَوَاطِرِ مَنْ لَيْسَ مَعْصُومًا وَلِتَفَاوُتِ مَرَاتِبِ الْكَشْفِ عِنْدَهُمْ. وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهَا النَّسَفِيُّ فِي «عَقَائِدِهِ» ، وَكُلُّ مَا قَالَهُ النَّسَفِيُّ فِي ذَلِكَ حَقٌّ، وَلَا يُقَامُ التَّشْرِيعُ عَلَى أُصُولٍ مَوْهُومَةٍ لَا تَنْضَبِطُ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْخَضِرَ نَبِيءٌ ﵇ وَأَنَّهُ كَانَ مُوحًى إِلَيْهِ بِمَا أُوحِيَ، لِقَوْلِهِ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ، وَأَنَّهُ قَدِ انْقَضَى خَبَرُهُ بَعْدَ تِلْكَ الْأَحْوَالِ الَّتِي قُصَّتْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَأَنَّهُ قَدْ لَحِقَهُ الْمَوْتُ الَّذِي يَلْحَقُ الْبَشَرَ فِي أَقْصَى غَايَةٍ مِنَ الْأَجَلِ يُمْكِنُ أَنْ تُفْرَضَ، وَأَنْ يَحْمِلَ مَا يُعْزَى إِلَيْهِ مِنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ الْمَوْسُومِينَ بِالصِّدْقِ أَنَّهُ مَحُوكٌ عَلَى نَسْجِ الرَّمْزِ الْمُعْتَادِ لَدَيْهِمْ، أَوْ عَلَى غِشَاوَةِ الْخَيَالِ الَّتِي قَدْ تُخَيِّمُ عَلَيْهِمْ. فَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ مِمَّنْ يَقُولُ: أَخْبرنِي الْخضر.

стр. 5503

[سُورَة الْكَهْف (١٨) : الْآيَات ٨٣ إِلَى ٨٤] وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) افْتِتَاحُ هَذِهِ الْقِصَّة ب وَيَسْئَلُونَكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِمَّا نَزَلَتِ السُّورَةُ لِلْجَوَابِ عَنْهُ كَمَا كَانَ الِابْتِدَاءُ بِقِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ اقْتِضَابًا تَنْبِيهًا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٨٥] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ سَأَلُوا النبيء ﵌ ثَلَاثَةَ أَسْئِلَةٍ بِإِغْرَاءٍ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فِي يَثْرِبَ. فَقَالُوا: سَلُوهُ عَنْ أَهْلِ الْكَهْفِ وَعَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَعَنِ الرُّوحِ، فَإِنْ أَجَابَ عَنْهَا كُلِّهَا فَلَيْسَ بِنَبِيءٍ» . وَإِنْ أَجَابَ عَنْ بَعْضِهَا وَأَمْسَكَ عَنْ بَعْضٍ فَهُوَ نَبِيءٌ؟. وَبَيَّنَّا هُنَالِكَ وَجْهَ التَّعْجِيلِ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ النَّازِلَةِ قَبْلَ سُورَةِ الْكَهْفِ بِالْجَوَابِ عَنْ سُؤَالِهِمْ عَنِ الرُّوحِ وَتَأْخِيرِ الْجَوَابِ عَنْ أَهْلِ الْكَهْفِ وَعَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ إِلَى سُورَةِ الْكَهْفِ. وَأَعْقَبْنَا ذَلِكَ بِمَا رَأَيْنَاهُ فِي تَحْقِيقِ الْحَقِّ مِنْ سَوْقِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ الثَّلَاثَةِ فِي مَوَاقِعَ مُخْتَلِفَةٍ. فَالسَّائِلُونَ: قُرَيْشٌ لَا مَحَالَةَ، وَالْمَسْئُولُ عَنْهُ: خَبَرُ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْعَالَمِ عُرِفَ بِلَقَبِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، كَانَتْ أَخْبَارُ سِيرَتِهِ خَفِيَّةً مُجْمَلَةً مُغْلَقَةً، فَسَأَلُوا النَّبِيءَ عَنْ تَحْقِيقِهَا وَتَفْصِيلِهَا، وَأَذِنَ لَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ مِنْهَا مَا هُوَ مَوْضِعُ الْعِبْرَةِ للنَّاس فِي شؤون الصَّلَاحِ وَالْعَدْلِ، وَفِي عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى فِي اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْخَلْقِ، فَكَانَ أَحْبَارُ الْيَهُودِ مُنْفَرِدِينَ بِمَعْرِفَةٍ إِجْمَالِيَّةٍ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ وَكَانَتْ مِنْ أَسْرَارِهِمْ فَلِذَلِكَ جرّبوا بهَا نبوءة مُحَمَّد ﵌.

стр. 5504

وَلَمْ يَتَجَاوَزِ الْقُرْآنُ ذِكْرَ هَذَا الرَّجُلِ بِأَكْثَرِ مِنْ لَقَبِهِ الْمُشْتَهِرِ بِهِ إِلَى تَعْيِينِ اسْمِهِ وَبِلَادِهِ وَقَوْمِهِ، لِأَنَّ ذَلِك من شؤون أَهْلِ التَّارِيخِ وَالْقَصَصِ وَلَيْسَ مِنْ أَغْرَاضِ الْقُرْآنِ، فَكَانَ مِنْهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يُفِيدُ الْأُمَّةَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ عِبْرَةً حِكَمِيَّةً أَوْ خُلُقِيَّةً فَلِذَلِكَ قَالَ الله: قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً. وَالْمُرَادُ بِالسُّؤَالِ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ السُّؤَالُ عَنْ خَبَرِهِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ إِيجَازًا لِدَلَالَةِ الْمَقَامِ، وَكَذَلِكَ حُذِفَ الْمُضَافُ فِي قَوْلِهِ: مِنْهُ أَيْ مِنْ خَبَرِهِ وَ (مِنْ) تَبْعِيضِيَّةٌ. وَالذِّكْرُ: التَّذَكُّرُ وَالتَّفَكُّرُ، أَيْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مَا بِهِ التَّذَكُّرُ، فَجَعَلَ الْمَتْلُوَّ نَفْسَهُ ذِكْرًا مُبَالَغَةً بِالْوَصْفِ بِالْمَصْدَرِ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ بِالْحَقِّ الَّذِي لَا تَخْلِيطَ فِيهِ مِنْ حَالِ الرَّجُلِ الَّذِي يُوصَفُ بِذِي الْقَرْنَيْنِ بِمَا فِيهِ إِبْطَالٌ لِمَا خَلَطَ بِهِ النَّاسُ بَيْنَ أَحْوَالِ رِجَالٍ عُظَمَاءَ كَانُوا فِي عُصُورٍ مُتَقَارِبَةٍ أَوْ كَانَتْ قَصَصُهُمْ تُسَاقُ مَسَاقَ مَنْ جَاسُوا خِلَالَ بِلَادٍ مُتَقَارِبَةٍ مُتَمَاثِلَةٍ وَشَوَّهُوا تَخْلِيطَهُمْ بِالْأَكَاذِيبِ، وَأَكْثَرُهُمْ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الشَّاهْنَامَةِ الْفِرْدَوْسِيُّ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالْأَكَاذِيبِ وَالْأَوْهَامِ الْخُرَافِيَّةِ. اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَعْيِينِ الْمُسَمَّى بِذِي الْقَرْنَيْنِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا تَفَرَّقَتْ بِهِمْ فِيهِ أَخْبَارٌ قَصَصِيَّةٌ وَأَخْبَارٌ تَارِيخِيَّةٌ وَاسْتِرْوَاحٌ مِنَ الِاشْتِقَاقَاتِ اللَّفْظِيَّةِ، وَلَعَلَّ اخْتِلَافَهُمْ لَهُ مَزِيدُ اتِّصَالٍ بِاخْتِلَافِ الْقَصَّاصِينَ الَّذِينَ عُنُوا بِأَحْوَالِ الْفَاتِحِينَ عِنَايَةَ تَخْلِيطٍ لَا عِنَايَةَ تَحْقِيقٍ فَرَامُوا تَطْبِيقَ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَيْهَا. وَالَّذِي يَجِبُ الِانْفِصَال فِيهِ بادىء ذِي بَدْءٍ أَنَّ وَصْفَهُ بِذِي الْقَرْنَيْنِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا ذَاتِيًّا لَهُ وَهُوَ وَصْفٌ عَرَبِيٌّ يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ عُرِفَ بِمَدْلُولِهِ بَيْنَ الْمُثِيرِينَ لِلسُّؤَالِ عَنْهُ فَتَرْجَمُوهُ بِهَذَا اللَّفْظِ.

стр. 5505

وَيَتَعَيَّنُ أَنْ لَا يُحْمَلَ الْقَرْنَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، بَلْ هُمَا عَلَى التَّشْبِيهِ أَوْ عَلَى الصُّورَةِ. فَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَا ذُؤَابَتَيْنِ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ مُتَدَلِّيَتَيْنِ، وَإِطْلَاقُ الْقَرْنِ عَلَى الضَّفِيرَةِ مِنَ الشَّعْرِ شَائِعٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: فَلَثَمْتُ فَاهَا آخِذًا بِقُرُونِهَا ... شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الْحَشْرَجِ وَفِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي صِفَةِ غُسْلِ ابْنة النبيء ﵌ قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: «فَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ» ، فَيَكُونُ هَذَا الْمَلِكُ قَدْ أَطَالَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَضَفَّرَهُ ضَفِيرَتَيْنِ فَسُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ، كَمَا سُمِّيَ خِرْبَاقُ ذَا الْيَدَيْنِ. وَقِيلَ: هُمَا شِبْهُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ مِنْ نُحَاسٍ كَانَا فِي خُوذَةِ هَذَا الْمَلِكِ فَنُعِتَ بِهِمَا. وَقِيلَ: هُمَا ضَرْبَتَانِ عَلَى مَوْضِعَيْنِ مِنْ رَأْسِ الْإِنْسَانِ يُشْبِهَانِ مَنْبَتَيِ الْقَرْنَيْنِ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُونِ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي الْأَقْوَالُ فِي تَعْيِينِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَأَحَدُ الْأَقْوَالِ: أَنَّهُ الْإِسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِيبُوسَ الْمَقْدُونِيُّ. وَذَكَرُوا فِي وَجْهِ تَلْقِيبِهِ بِذِي الْقَرْنَيْنِ أَنَّهُ ضَفَّرَ شَعْرَهُ قَرْنَيْنِ. وَقِيلَ: كَانَ يَلْبَسُ خُوذَةً فِي الْحَرْبِ بِهَا قَرْنَانِ، وَقِيلَ: رَسَمَ ذَاتَهُ عَلَى بَعْضِ نُقُودِهِ بِقَرْنَيْنِ فِي رَأْسِهِ تَمْثِيلًا لِنَفْسِهِ بِالْمَعْبُودِ (آمَوُنَ) مَعْبُودِ الْمِصْرِيِّينَ وَذَلِكَ حِينَ مَلَكَ مِصْرَ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ حِمْيَرَ هُوَ تُبَّعٌ أَبُو كَرِبٍ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ وَأَنَّهُ (أَفْرِيدُونُ بْنُ أَثْفِيَانَ بْنِ جَمْشِيدَ) . هَذِهِ أَوْضَحُ الْأَقْوَالِ، وَمَا دُونَهَا لَا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ وَلَا تَصْحِيحُ رِوَايَتِهِ. وَنَحْنُ تُجَاهَ هَذَا الِاخْتِلَافِ يَحِقُّ عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَخْلِصَ مِنْ قِصَّتِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَحْوَالًا تُقَرِّبُ تَعْيِينَهُ وَتَزْيِيفَ مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ، وَلَيْسَ يَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى تَعْيِينِهِ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بَلِ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ أَوْسَعُ.

стр. 5506

وَهَذِهِ الْقِصَّةُ الْقُرْآنِيَّةُ تُعْطِي صِفَاتٍ لَا مَحِيدَ عَنْهَا: إِحْدَاهَا: أَنَّهُ كَانَ مَلِكًا صَالِحًا عَادِلًا. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ كَانَ مُلْهَمًا مِنَ اللَّهِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّ مُلْكَهُ شَمِلَ أَقْطَارًا شَاسِعَةً. الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ بَلَغَ فِي فُتُوحِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ مَكَانًا كَانَ مَجْهُولًا وَهُوَ عَيْنٌ حَمِئَةٌ. الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ بَلَغَ بِلَادَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَأَنَّهَا كَانَتْ فِي جِهَةٍ مِمَّا شَمِلَهُ مُلْكُهُ غَيْرِ الْجِهَتَيْنِ الشَّرْقِيَّةِ وَالْغَرْبِيَّةِ فَكَانَتْ وَسَطًا بَيْنَهُمَا كَمَا يَقْتَضِيهِ اسْتِقْرَاءُ مَبْلَغِ أَسْبَابِهِ. السَّادِسَةُ: أَنَّهُ أَقَامَ سَدًّا يَحُولُ بَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَبَيْنَ قَوْمٍ آخَرِينَ. السَّابِعَةُ: أَنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ هَؤُلَاءِ كَانُوا عَائِثِينَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُفْسِدُونَ بِلَادَ قَوْمٍ مُوَالِينَ لِهَذَا الْمَلِكِ. الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ قَوْمٌ أَهْلُ صِنَاعَةٍ مُتْقَنَةٍ فِي الْحَدِيدِ وَالْبِنَاءِ. التَّاسِعَةُ: أَنَّ خَبَرَهُ خَفِيٌّ دَقِيقٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا الْأَحْبَارُ عِلْمًا إِجْمَالِيًّا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ. وَأَنْتَ إِذَا تَدَبَّرْتَ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ نَفَيْتَ أَنْ يَكُونَ ذُو الْقَرْنَيْنِ إِسْكَنْدَرَ الْمَقْدُونِيَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا صَالِحًا بَلْ كَانَ وَثَنِيًّا فَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِتَلَقِّي الْوَحْيِ مِنَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ كَمَالَاتٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَأَيْضًا فَلَا يُعْرَفُ فِي تَارِيخِهِ أَنَّهُ أَقَامَ سَدًّا بَيْنَ بَلَدَيْنِ. وَأَمَّا نِسْبَةُ السَّدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الصِّينِ وَبَيْنَ بِلَادِ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ إِلَيْهِ فِي كَلَامِ بَعْضِ المؤرخين فَهُوَ ناشىء عَنْ شُهْرَةِ الْإِسْكَنْدَرِ، فَتَوَهَّمَ

стр. 5507

الْقَصَّاصُونَ أَنَّ ذَلِكَ السَّدَّ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ بِنَائِهِ، كَمَا تَوَهَّمَ الْعَرَبُ أَنَّ مَدِينَةَ تَدْمُرَ بَنَاهَا سُلَيْمَانُ ﵇. وَأَيْضًا فَإِنَّ هِيرُودُوتِسَ الْيُونَانِيَّ الْمُؤَرِّخَ ذَكَرَ أَنَّ الْإِسْكَنْدَرَ حَارَبَ أُمَّهُ (سِكْيُثُوسَ) . وَهَذَا الِاسْمُ هُوَ اسْمُ مَاجُوجَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا (١) . وَأَحْسَبُ أَنَّ لِتَرْكِيبِ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى اسْمِ إِسْكَنْدَرَ الْمَقْدُونِيِّ أَثَرًا فِي اشْتِهَارِ نِسْبَةِ السَّدِّ إِلَيْهِ. وَذَلِكَ مِنْ أَوْهَامِ الْمُؤَرِّخِينَ فِي الْإِسْلَامِ. وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ مَمْلَكَةَ إِسْكَنْدَرَ كَانَتْ تَبْلُغُ فِي الْغَرْبِ إِلَى عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وَفِي الشَّرْقِ إِلَى قَوْمٍ مَجْهُولِينَ عُرَاةٍ أَوْ عَدِيمِي الْمَسَاكِنِ، وَلَا أَنَّ أُمَّتَهُ كَانَتْ تُلَقِّبُهُ بِذِي الْقَرْنَيْنِ. وَإِنَّمَا انْتُحِلَ هَذَا اللَّقَبُ لَهُ لَمَّا تَوَهَّمُوا أَنَّهُ الْمَعْنِيُّ بِذِي الْقَرْنَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَمَنْحُهُ هَذَا اللَّقَبَ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ مُؤَرِّخِي الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ رَسْمُ وَجْهِهِ عَلَى النُّقُودِ بِقَرْنَيْنِ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يُلَقَّبَ بِهِ. وَأَيْضًا فَالْإِسْكَنْدَرُ كَانَتْ أَخْبَارُهُ مَشْهُورَةً لِأَنَّهُ حَارَبَ الْفُرْسَ وَالْقِبْطَ وَهُمَا أُمَّتَانِ مُجَاوِرَتَانِ لِلْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْمُبْطِلَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تَتَأَتَّى لِإِبْطَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَلِكُ الْمُتَحَدَّثُ عَنْهُ هُوَ أَفْرِيدُونُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ تَبَابِعَةِ حِمْيَرَ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي عَصْرٍ مُتَوَغِّلٍ فِي الْقِدَمِ. وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ كَانَ مُعَاصِرًا إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَكَانَتْ بِلَادُهُ الَّتِي فَتَحَهَا مَجْهُولَةَ الْمَوَاقِعِ. وَلَكِنْ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا يَعْرِفُونَ مِنْ خَبَرِهِ مِثْلَ هَذَا، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ أَنَّ سَبَبَ هَذَا التَّوَهُّمِ هُوَ وُجُودُ كَلِمَةِ (ذُو) الَّتِي اشْتُهِرَ وُجُودُ مِثْلِهَا فِي أَلْقَابِ مُلُوكِ الْيَمَنِ وَتَبَابِعَتِهِ.

стр. 5508

فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ مَلِكًا مِنْ مُلُوك الصين لوجوه: أَحَدُهَا: أَنَّ بِلَادَ الصِّينِ اشْتَهَرَ أَهْلُهَا مُنْذُ الْقِدَمِ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ تَدْبِيرٍ وَصَنَائِعَ. الثَّانِي: أَنَّ مُعْظَمَ مُلُوكِهِمْ كَانُوا أَهْلَ عَدْلٍ وَتَدْبِيرٍ لِلْمَمْلَكَةِ. الثَّالِثُ: أَنَّ مِنْ سِمَاتِهِمْ تَطْوِيل شعر رؤوسهم وَجَعْلُهَا فِي ضَفِيرَتَيْنِ فَيَظْهَرُ وَجْهُ تَعْرِيفِهِ بِذِي الْقَرْنَيْنِ. الرَّابِعُ: أَنَّ سَدًّا وَرَدْمًا عَظِيمًا لَا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْعَالَمِ هُوَ مَوْجُودٌ بَيْنَ بِلَادِ الصِّينِ وَبِلَادِ الْمَغُولِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْجُغْرَافِيَا وَالتَّارِيخِ بِالسُّورِ الْأَعْظَمِ، وَسَيَرِدُ وَصْفُهُ. الْخَامِسُ: مَا رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵄، أَن النبيء ﵌ خَرَجَ لَيْلَةً فَقَالَ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ هَكَذَا» ، وَأَشَارَ بِعَقْدِ تِسْعِينَ (أَعْنِي بِوَضْعِ طَرَفِ السَّبَّابَةِ عَلَى طَرَفِ الْإِبْهَامِ) . وَقَدْ كَانَ زَوَالُ عَظَمَةِ سُلْطَانِ الْعَرَبِ عَلَى يَدِ الْمَغُولِ فِي بَغْدَادَ فَتَعَيَّنَ أَنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ هُمُ الْمَغُولُ وَأَنَّ الرَّدْمَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الرَّدْمُ الْفَاصِلُ بَيْنَ بِلَادِ الْمَغُولِ وَبِلَادِ الصِّينِ وَبَانِيهِ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِهِمْ، وَأَنَّ وَصْفَهُ فِي الْقُرْآنِ بِذِي الْقَرْنَيْنِ تَوْصِيفٌ لَا تَلْقِيبٌ فَهُوَ مِثْلُ التَّعْبِيرِ عَنْ شَاوَلَ مَلِكِ إِسْرَائِيلَ بَاسِمِ طَالُوتَ. وَهَذَا الْمَلِكُ هُوَ الَّذِي بَنَى السَّدَّ الْفَاصِلَ بَيْنَ الصِّينِ وَمَنْغُولْيَا. وَاسْمُ هَذَا الْملك (تسينشي هوانفتي) أَوْ (تسين شي هوانق تِي) . وَكَانَ مَوْجُودًا فِي حُدُودِ سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ قَبْلَ مِيلَادِ الْمَسِيحِ فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ إِسْكَنْدَرَ الْمَقْدُونِيِّ بِنَحْوِ قَرْنٍ. وَبِلَادُ الصِّينِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ كَانَتْ مُتَدَيِّنَةً بِدِينِ (كِنْفِيشْيُوسَ) الْمُشَرِّعِ الْمُصْلِحِ، فَلَا جَرَمَ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ شَرِيعَتِهِ صَالِحِينَ.

стр. 5509

وَهَذَا الْمَلِكُ يُؤْخَذُ مِنْ كُتُبِ التَّارِيخِ أَنَّهُ سَاءَتْ حَالَتُهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَأَفْسَدَ كَثِيرًا وَقَتَلَ عُلَمَاءَ وَأَحْرَقَ كُتُبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَقِيقَةِ وَبِأَسْبَابِهَا. وَلَمَّا ظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ هُوَ إِسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِيبُوسَ نَحَلُوهُ بِنَاءَ السَّدِّ. وَزَعَمُوهُ مِنْ صُنْعِهُ كَمَا نَحَلُوهُ لَقَبَ ذِي الْقَرْنَيْنِ. وَكُلُّ ذَلِكَ بِنَاءَ أَوْهَامٍ عَلَى أَوْهَامٍ وَلَا أساس لوَاحِد مِنْهُمَا وَلَا عَلَاقَةَ لِإِسْكَنْدَرَ الْمَقْدُونِيِّ بِقِصَّةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَالْأَمْرُ فِي قَوْله قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ إِذْنٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأَنْ يَعِدَ بِالْجَوَابِ عَنْ سُؤَالِهِمْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ عَلَى أَحَدِ تَأْوِيلَيْنِ فِي مَعْنَاهُ. وَالسِّينُ فِي قَول سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ لِتَحْقِيقِ الْوَعْدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي فِي سُورَةِ يُوسُفَ [٩٨] . وَجُعِلَ خَبَرُ ذِي الْقَرْنَيْنِ تِلَاوَةً وَذِكْرًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمُهِمَّ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا فِيهِ تَذْكِيرٌ وَمَا يَصْلُحُ لِأَنْ يَكُونَ تِلَاوَةً حَسَبَ شَأْنِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ يُتْلَى لِأَجْلِ الذِّكْرِ وَلَا يُسَاقُ مَسَاقَ الْقَصَصِ. وَقَوْلُهُ مِنْهُ ذِكْراً تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ أَحْوَالَهُ وَأَخْبَارَهُ كَثِيرَةٌ وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُهِمُّهُمْ بَعْضُ أَحْوَالِهِ الْمُفِيدَةِ ذِكْرًا وَعِظَةً. وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ فِي قِصَّةِ أَهْلِ الْكَهْفِ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ نَبَئِهِمْ، لِأَنَّ قِصَّتَهُمْ مُنْحَصِرَةٌ فِيمَا ذَكَرَ، وَأَحْوَالُ ذِي الْقَرْنَيْنِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيمَا ذَكَرَ هُنَا. وَحَرْفُ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ مِنْهُ ذِكْراً لِلتَّبْعِيضِ بِاعْتِبَارِ مُضَافٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ مِنْ خَبَرِهِ. وَالتَّمْكِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ مُتَمَكِّنًا، أَيْ رَاسِخًا، وَهُوَ تَمْثِيلٌ لِقُوَّةِ التَّصَرُّفِ بِحَيْثُ لَا يُزَعْزِعُ قُوَّتَهُ أَحَدٌ. وَحَقُّ فِعْلِ (مَكَّنَا) التَّعْدِيَةُ

стр. 5510

بِنَفْسِهِ، فَيُقَالُ: مَكَّنَاهُ فِي الْأَرْضِ كَقَوْلِهِ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ [الْأَنْعَام: ٦] . فَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ لِلتَّوْكِيدِ كَاللَّامِ فِي قَوْلِهِمْ: شَكَرْتُ لَهُ، وَنَصَحْتُ لَهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَفَنُّنٌ. وَعَلَى ذَلِكَ جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ [الْأَنْعَام: ٦] . فَمَعْنَى التَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ إِعْطَاءُ الْمَقْدِرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ. وَالْمُرَادُ بِالْأَرْضِ أَهْلُ الْأَرْضِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَرْضِ أَرْضٌ مُعَيَّنَةٌ وَهِيَ أَرْضُ مُلْكِهِ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ [يُوسُف: ٥٦] . وَالسَّبَبُ: حَقِيقَتُهُ الْحَبْلُ، وَأُطْلِقَ هُنَا عَلَى مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيْءِ مِنْ عِلْمٍ أَوْ مَقْدِرَةٍ أَوْ آلَاتِ التَّسْخِيرِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٦٦] . وكُلِّ شَيْءٍ مُسْتَعْمَلٌ هُنَا فِي الْأَشْيَاءِ الْكَثِيرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظَائِرِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [يُونُس: ٩٧] أَيْ آتَيْنَاهُ وَسَائِلَ أَشْيَاءَ عَظِيمَة كَثِيرَة. [٨٥- ٨٨] [سُورَة الْكَهْف (١٨) : الْآيَات ٨٥ إِلَى ٨٨] فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) السَّبَبُ: الْوَسِيلَةُ. وَالْمرَاد هُنَا مَعْنًى مَجَازِيٌّ وَهُوَ الطَّرِيقُ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ وَسِيلَةٌ إِلَى الْمَكَانِ الْمَقْصُودِ، وَقَرِينَةُ الْمَجَازِ ذِكْرُ الِاتِّبَاعِ وَالْبُلُوغِ

стр. 5511

فِي قَوْلِهِ: فَأَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى إِرَادَةِ غَيْرِ مَعْنَى السَّبَبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً إِظْهَارُ اسْمِ السَّبَبِ دُونَ إِضْمَارِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى غَيْرُ مَا أُرِيدَ بِالْأَوَّلِ حَسُنَ إِظْهَارُ اسْمِهِ تَنْبِيهًا عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ، أَيْ فَاتَّبَعَ طَرِيقًا لِلسَّيْرِ وَكَانَ سَيْرُهُ لِلْغَزْوِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ. وَلَمْ يَعُدَّ أَهْلُ اللُّغَةِ مَعْنَى الطَّرِيقِ فِي مَعَانِي لَفْظِ السَّبَبِ لَعَلَّهُمْ رَأَوْهُ لَمْ يَكْثُرْ وَيَنْتَشِرْ فِي الْكَلَامِ. وَيَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَسْبابَ السَّماواتِ [فاطر: ٣٧] مِنْ هَذَا الْمَعْنَى. وَكَذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ: وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ أَيْ هَابَ طُرُقَ الْمَنَايَا أَنْ يَسْلُكَهَا تَنَلْهُ الْمَنَايَا، أَيْ تَأْتِيهِ، فَذَلِكَ مَجَازٌ بِالْقَرِينَةِ. وَالْمُرَادُ بِ مَغْرِبَ الشَّمْسِ مَكَانُ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِنْ حَيْثُ يَلُوحُ الْغُرُوبُ مِنْ جِهَاتِ الْمَعْمُورِ مِنْ طَرِيقِ غَزْوَتِهِ أَوْ مَمْلَكَتِهِ. وَذَلِكَ حَيْثُ يَلُوحُ أَنَّهُ لَا أَرْضَ وَرَاءَهُ بِحَيْثُ يَبْدُو الْأُفُقُ مِنْ جِهَةٍ مُسْتَبْحِرَةٍ، إِذْ لَيْسَ لِلشَّمْسِ مَغْرِبٌ حَقِيقِيٌّ إِلَّا فِيمَا يَلُوحُ لِلتَّخَيُّلِ. وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ ذُو الْقَرْنَيْنِ قَدْ بَلَغَ بَحْرَ الْخَزَرِ وَهُوَ بُحَيْرَةُ قَزْوِينَ فَإِنَّهَا غَرْبُ بِلَادِ الصِّينِ. وَالْقَوْلُ فِي تَرْكِيبِ حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ كَالْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها. وَالْعَيْنُ: مَنْبَعُ مَاءٍ. وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَفْصٌ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ مَهْمُوزًا مُشْتَقًّا مِنَ الْحَمْأَةِ، وَهُوَ الطِّينُ الْأَسْوَدُ. وَالْمَعْنَى: عَيْنٌ مُخْتَلِطٌ مَاؤُهَا بِالْحَمْأَةِ فَهُوَ غَيْرُ صَافٍ.

стр. 5512

وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَخَلَفٌ: فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ بِأَلِفٍ بَعْدَ الْحَاءِ وَيَاءٍ بَعْدَ الْمِيمِ، أَيْ حَارَّةٍ مِنَ الْحُمُوِّ وَهُوَ الْحَرَارَةُ، أَيْ أَنَّ مَاءَهَا سَخَنَ. وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ مِنْ عُيُونِ النِّفْطِ الْوَاقِعَةِ عَلَى سَاحِلِ بَحْرِ الْخَزَرِ حَيْثُ مَدِينَةُ (بَاكُو) ، وَفِيهَا مَنَابِعُ النِّفْطِ الْآنَ وَلَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا يَوْمَئِذٍ. وَالْمُؤَرِّخُونَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَهَا الْبِلَادَ الْمُنْتِنَةَ. وَتَنْكِيرُ قَوْماً يُؤْذِنُ بِأَنَّهُمْ أُمَّةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ وَلَا مَأْلُوفَةٍ حَالَةُ عَقَائِدِهِمْ وَسِيرَتُهُمْ. فَجُمْلَةُ قُلْنا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِمَا أَشْعَرَ بِهِ تَنْكِيرُ قَوْماً مِنْ إِثَارَةِ سُؤَالٍ عَنْ حَالِهِمْ وَعَمَّا لَاقَاهُ بِهِمْ ذُو الْقَرْنَيْنِ. وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً عَلَى أَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ لِلْعَذَابِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَحْوَالَهُمْ كَانَتْ فِي فَسَادٍ مِنْ كُفْرٍ وَفَسَادِ عَمَلٍ. وَإِسْنَادُ الْقَوْلِ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَوْلُ إِلْهَامٍ، أَيْ أَلْقَيْنَا فِي نَفْسِهِ تَرَدُّدًا بَيْنَ أَن يُبَادر استيصالهم وَأَن يُمْهِلَهُمْ وَيَدَعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ وَحُسْنِ الْعَمَلِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أَيْ قَالَ فِي نَفْسِهِ مُعْتَمِدًا عَلَى حَالَةٍ وَسَطٍ بَيْنِ صُورَتَيِ التَّرَدُّدِ. وَقِيلَ: إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ نبيئا يُوحى عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ كَلَامًا مُوحًى بِهِ إِلَيْهِ يُخَيِّرُهُ فِيهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، مِثْلَ التَّخْيِيرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [مُحَمَّد: ٤] ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ جَوَابًا مِنْهُ إِلَى رَبِّهِ. وَقَدْ أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ سَدَادِ اجْتِهَادِهِ كَقَوْلِهِ: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ [الْأَنْبِيَاء: ٧٩] . وحُسْناً مُصَدَرٌ. وَعَدَلَ عَنْ (أَنَ تُحْسِنَ إِلَيْهِمْ) إِلَى أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً مُبَالَغَةً فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ حَتَّى جَعَلَ كَأَنَّهُ اتَّخَذَ فِيهِمْ نَفْسَ

стр. 5513

الْحُسْنِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [الْبَقَرَة: ٨٣] . وَفِي هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ تَلْقِينٌ لِاخْتِيَارِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْمُخَيَّرِ بَيْنَهُمَا. وَالظُّلْمُ: الشِّرْكُ، بِقَرِينَةِ قَسِيمِهِ فِي قَوْلِهِ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً. وَاجْتِلَابُ حَرْفِ الِاسْتِقْبَالِ فِي قَوْلِهِ: فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ سَيَدْعُوهُ إِلَى الْإِيمَانِ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ يُعَذِّبْهُ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَفْهُومِ فِي قَوْلِهِ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً أَيْ آمَنَ بَعْدَ كُفْرِهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ هُوَ مُؤْمِنٌ الْآنَ، لِأَنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ تَعْذِيبِهِمْ وَاتِّخَاذِ الْإِمْهَالِ مَعَهُمْ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ حِينَ التَّخْيِيرِ. وَالْمَعْنَى: فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ عَذَابَ الدُّنْيَا وَلِذَلِكَ أَسْنَدَهُ إِلَى ضَمِيرِهِ ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً وَذَلِكَ عَذَابُ الْآخِرَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ جَزاءً الْحُسْنى بِإِضَافَةِ جَزاءً إِلَى الْحُسْنى عَلَى الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفَصٌ عَنْ عَاصِمٍ، وَيَعْقُوبُ، وَخَلَفٌ جَزاءً الْحُسْنى بِنَصْبِ جَزاءً مُنَوَّنًا عَلَى أَنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ اسْتِحْقَاقِهِ الْحُسْنَى، أَوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، أَوْ حَالٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا بِاعْتِبَارِ تَعْرِيفِ الْجِنْسِ كَالتَّنْكِيرِ. وَتَأْنِيثُ الْحُسْنى بِاعْتِبَارِ الْخَصْلَةِ أَوِ الْفِعْلَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْحُسْنى هِيَ الْجَنَّةُ كَمَا فِي قَوْلِهِ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يُونُس: ٢٦] . وَالْقَوْلُ الْيُسْرُ: هُوَ الْكَلَامُ الْحَسَنُ، وُصِفَ بِالْيُسْرِ الْمَعْنَوِيِّ لِكَوْنِهِ لَا يُثْقِلُ سَمَاعَهُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً [الْإِسْرَاء: ٢٨] أَيْ جَمِيلًا. فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْحُسْنى الْخِصَالَ الْحُسْنَى، فَمَعْنَى عَطْفِ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أَنَّهُ يُجَازِي بِالْإِحْسَانِ وَبِالثَّنَاءِ، وَكِلَاهُمَا

стр. 5514

مِنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْحُسْنى ثَوَابَ الْآخِرَةِ فَذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا ذُو الْقَرْنَيْنِ مُخْبِرٌ بِهِ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا فِي فَائِدَةِ الْخَبَرِ، عَلَى مَعْنَى. إِنَّا نُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، أَوْ مُسْتَعْمَلًا فِي لَازِمِ الْفَائِدَةِ تَأَدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ أَنِّي أَعْلَمُ جَزَاءَهُ عِنْدَكَ الْحُسْنَى. وَعُطِفَ عَلَيْهِ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً لِبَيَانِ حَظِّ الْمَلِكِ مِنْ جَزَائِهِ وَأَنَّهُ الْبشَارَة وَالثنَاء. [٨٩، ٩٠] [سُورَة الْكَهْف (١٨) : الْآيَات ٨٩ إِلَى ٩٠] ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) تَقَدَّمَ خِلَافُ الْقُرَّاء فِي فَأَتْبَعَ سَبَباً فَهُوَ كَذَلِكَ هُنَا. وَمَطْلِعُ الشَّمْسِ: جِهَةُ الْمَشْرِقِ مِنْ سُلْطَانِهِ وَمَمْلَكَتِهِ، بَلَغَ جِهَةً قَاصِيَةً مِنَ الشَّرْقِ حَيْثُ يُخَالُ أَنْ لَا عُمْرَانَ وَرَاءَهَا، فَالْمَطْلِعُ مَكَانُ الطُّلُوعِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَلَغَ سَاحِلَ بَحْرِ الْيَابَانِ فِي حُدُودِ مَنْشُورْيَا أَوْ كُورْيَا شَرْقًا، فَوَجَدَ قَوْمًا تَطَلُعُ عَلَيْهِمُ الشَّمْس لَا يسترهم مِنْ حَرِّهَا، أَيْ لَا جَبَلَ فِيهَا يَسْتَظِلُّونَ بِظِلِّهِ وَلَا شَجَرَ فِيهَا، فَهِيَ أَرْضٌ مَكْشُوفَةٌ لِلشَّمْسِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عُرَاةً فَكَانُوا يَتَّقُونَ شُعَاعَ الشَّمْسِ فِي الْكُهُوفِ أَوْ فِي أَسْرَابٍ يَتَّخِذُونَهَا فِي التُّرَابِ. فَالْمُرَادُ بِالسِّتْرِ مَا يَسْتُرُ الْجَسَدَ. وَكَانُوا قَدْ تَعَوَّدُوا مُلَاقَاةَ حَرِّ الشَّمْسِ، وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يتعرضون للشمس ليدفعوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ مَا يُلَاقُونَهُ مِنَ الْقُرِّ لَيْلًا.

стр. 5515

وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ عِبْرَةٌ مِنِ اخْتِلَافِ الْأُمَمِ فِي الطَّبَائِعِ وَالْعَوَائِدِ وَسِيرَتِهِمْ عَلَى نَحْو مناخهم. [٩١] [سُورَة الْكَهْف (١٨) : آيَة ٩١] كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) كَذلِكَ الْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ، وَالْمُشَبَّهُ بِهِ شَيْءٌ تَضَمَّنَهُ الْكَلَامُ السَّابِقُ بِلَفْظِهِ أَوْ مَعْنَاهُ. وَالْكَافُ وَمَجْرُورُهَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شِبْهَ جُمْلَةٍ وَقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، أَيْ تَشْبِيهًا مُمَاثِلًا لِمَا سَمِعْتَ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ يُشِيرُ إِلَى الْمَحْذُوفِ لِأَنَّهُ كَالْمَذْكُورِ لِتَقَرُّرِ الْعِلْمِ بِهِ، وَالْمَعْنَى: مَنْ أَرَادَ تَشْبِيهَهُ لَمْ يُشَبِّهْهُ بِأَكْثَرِ مِنْ أَنْ يُشَبِّهَهُ بِذَاتِهِ عَلَى طَرِيقَةِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٤٣] . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُزْءَ جُمْلَةٍ حذف أحد جزأيها وَالْمَحْذُوفُ مُبْتَدَأٌ. وَالتَّقْدِيرُ: أَمْرُ ذِي الْقَرْنَيْنِ كَذَلِكَ، أَيْ كَمَا سَمِعْتَ. وَيَجُوزُ أَنْ يكون صفة ل قَوْماً أَيْ قَوْمًا كَذَلِكَ الْقَوْمُ الَّذِينَ وَجَدَهُمْ فِي مَغْرِبِ الشَّمْسِ، أَيْ فِي كَوْنِهِمْ كُفَّارًا، وَفِي تَخْيِيرِهِ فِي إِجْرَاءِ أَمْرِهِمْ عَلَى الْعِقَابِ أَوْ عَلَى الْإِمْهَالِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْرُورُ جُزْءَ جُمْلَةٍ أَيْضًا جُلِبَتْ لِلِانْتِقَالِ مِنْ كَلَامٍ إِلَى كَلَامٍ فَيَكُونَ فَصْلَ خِطَابٍ كَمَا يُقَالُ: هَذَا الْأَمْرُ كَذَا. وَعَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا فَهُوَ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ إِلَخْ ... وَجُمْلَةُ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ [الْكَهْف: ٩٢، ٩٣] إِلَخْ ...

стр. 5516

وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) . هَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي ثُمَّ أَتْبَعَ. وبِما لَدَيْهِ: مَا عِنْدَهُ مِنْ عَظَمَةِ الْمُلْكِ مِنْ جُنْدٍ وَقُوَّةٍ وَثَرْوَةٍ. وَالْخُبْرُ- بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ-: الْعِلْمُ وَالْإِحَاطَةُ بِالْخَبَرِ، كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِ الْمَعْلُومِ عَظِيمًا بِحَيْثُ لَا يُحِيطُ بِهِ عِلْمًا إِلَّا علّام الغيوب. [٩٢- ٩٨] [سُورَة الْكَهْف (١٨) : الْآيَات ٩٢ إِلَى ٩٨] ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لَا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نَارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) قالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) السُّدُّ- بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا-: الْجَبَلُ. وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْجِدَارِ الْفَاصِلِ، لِأَنَّهُ يُسَدُّ بِهِ الْفَضَاءُ، وَقِيلَ: الضَّمُّ فِي الْجَبَلِ وَالْفَتْحُ فِي الْحَاجِزِ.

стр. 5517

وَقَرَأَهُ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَخَلَفٌ، وَيَعْقُوبُ- بِضَمِّ السِّينِ- وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ- بِفَتْحِ السِّينِ- عَلَى لُغَةِ عَدَمِ التَّفْرِقَةِ. وَالْمُرَادُ بِالسَّدَّيْنِ هُنَا الْجَبَلَانِ، وَبِالسَّدِّ الْمُفْرَدِ الْجِدَارُ الْفَاصِلُ، وَالْقَرِينَةُ هِيَ الَّتِي عَيَّنَتِ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الْمُشْتَرك. وتعريف السَّدَّيْنِ تَعْرِيف الْجِنْسِ، أَيْ بَيْنِ سَدَّيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، أَيِ اتَّبَعَ طَرِيقًا آخَرَ فِي غَزْوَةٍ حَتَّى بَلَغَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مَعْلُومَيْنِ. وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا السَّبَبَ اتَّجَهَ بِهِ إِلَى جِهَةٍ غَيْرِ جِهَتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا الشَّمَالُ أَوِ الْجَنُوبُ. وَعَيَّنَهُ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّهُ لِلشَّمَالِ، وَبَنَوْا عَلَى أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ هُوَ إِسْكَنْدَرُ الْمَقْدُونِيُّ، فَقَالُوا: إِنَّ جِهَةَ السَّدَّيْنِ بَيْنَ (أَرْمِينِيَا وَأَذْرَبِيجَانَ) . وَنَحْنُ نَبْنِي عَلَى مَا عَيَّنَّاهُ فِي الْمُلَقَّبِ بِذِي الْقَرْنَيْنِ، فَنَقُولُ: إِنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ هُوَ الشَّمَالُ الْغَرْبِيُّ لِصَحْرَاءِ (قُوبِي) الْفَاصِلَةِ بَيْنَ الصِّينِ وَبِلَادِ الْمَغُولِ شَمَالَ الصِّينِ وَجَنُوبِ (مَنْغُولْيَا) . وَقَدْ وُجِدَ السَّدُّ هُنَالِكَ وَلَمْ تَزَلْ آثَارُهُ إِلَى الْيَوْمِ شَاهَدَهَا الْجُغْرَافِيُّونَ وَالسَّائِحُونَ وَصُوِّرَتْ صُوَرًا شَمْسِيَّةً فِي كُتُبِ الْجُغْرَافِيَا وَكُتُبِ التَّارِيخِ الْعَصْرِيَّةِ. وَمَعْنَى لَا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِمْ فَلُغَتُهُمْ مُخَالِفَةٌ لِلُغَاتِ الْأُمَمِ الْمَعْرُوفَةِ بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُهَا تَرَاجِمَةُ ذِي الْقَرْنَيْنِ لِأَنَّ شَأْنَ الْمُلُوكِ أَنْ يَتَّخِذُوا تَرَاجِمَةً لِيُتَرْجِمُوا لُغَاتِ الْأُمَمِ الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إِلَى مُخَاطَبَتِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةٍ غَرِيبَةٍ لِانْقِطَاعِ أَصْقَاعِهِمْ عَنِ الْأَصْقَاعِ الْمَعْرُوفَةِ فَلَا يُوجَدُ مَنْ يَسْتَطِيعُ إِفْهَامَهُمْ مُرَادَ الْمَلِكِ وَلَا هُمْ يَسْتَطِيعُونَ الْإِفْهَامَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ قَوْمٌ مُتَوَغِّلُونَ فِي الْبَدَاوَةِ وَالْبَلَاهَةِ فَلَا يَفْهَمُونَ مَا يَقْصِدُهُ مَنْ يُخَاطِبُهُمْ.

стр. 5518

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يَفْقَهُونَ- بِفَتْحِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْقَافِ- أَيْ لَا يَفْهَمُونَ قَوْلَ غَيْرِهِمْ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِىُّ- بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ- أَيْ لَا يَسْتَطِيعُونَ إِفْهَامَ غَيْرِهِمْ قَوْلَهُمْ. وَالْمَعْنَيَانِ مُتَلَازِمَانِ. وَهَذَا كَمَا فِي حَدِيثِ الْإِيمَانِ: «نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْهَمُ مَا يَقُولُ» . وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مُجَاوِرُونَ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ، وَكَانُوا أَضْعَفَ مِنْهُمْ فَسَأَلُوا ذَا الْقَرْنَيْنِ أَنْ يَقِيَهُمْ مِنْ فَسَادِ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُفَسِّرُونَ تَعْيِينَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَلَا أَسمَاء قبيلهم سِوَى أَنَّهُمْ قَالُوا: هُمْ فِي مُنْقَطَعِ بِلَادِ التُّرْكِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَكَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ مِنْ قَبَائِلِ بِلَادِ الصِّينِ الَّتِي تُتَاخِمُ بِلَادَ الْمَغُولِ وَالتَّتَرِ. وَجُمْلَةُ قالُوا اسْتِئْنَافٌ لِلْمُحَاوَرَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ جُمَلَ حِكَايَةِ الْقَوْلِ فِي الْمُحَاوَرَاتِ لَا تَقْتَرِنُ بِحَرْفِ الْعَطْفِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [الْبَقَرَة: ٣٠] الْآيَةَ. فَعَلَى أَوَّلِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي مَعْنَى لَا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا أَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ مَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ مَنْ طَاعَةٍ وَنِظَامٍ وَمَعَ ذَلِكَ يُعْرِبُونَ عَمَّا فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الْأَغْرَاضِ مِثْلَ إِعْرَابِ الْأَطْفَالِ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي أَنَّهُمْ أَمْكَنَهُمْ أَنْ يُفْهَمَ مُرَادُهُمْ بَعْدَ لَأْيٍ. وَافْتِتَاحُهُمُ الْكَلَامَ بِالنِّدَاءِ أَنَّهُمْ نَادَوْهُ نِدَاءَ الْمُسْتَغِيثِينَ الْمُضْطَرِّينَ، وَنِدَاؤُهُمْ إِيَّاهُ بِلَقَبِ ذِي القرنين يدل عَلَى أَنَّهُ مَشْهُورٌ بِمَعْنَى ذَلِكَ اللَّقَبِ بَيْنَ الْأُمَمِ الْمُتَاخِمَةِ لِبِلَادِهِ. وَيَاجُوجُ وَمَاجُوجُ أُمَّةٌ كَثِيرَةُ الْعَدَدِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْوَاوَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ حَرْفُ عَطْفٍ فَتَكُونُ أُمَّةً ذَاتَ شَعْبَيْنِ، وَهُمُ الْمَغُولُ وَبَعْضُ أَصْنَافِ التَّتَارِ. وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِأَصْلِ رَسْمِ الْكَلِمَةِ وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا اسْمَانِ عَرَبِيَّانِ كَمَا سَيَأْتِي فَقَدْ كَانَ الصِّنْفَانِ مُتَجَاوِرَيْنِ.

стр. 5519

وَوَقَعَ لِعُلَمَاءِ التَّارِيخِ وعلماء الْأَنْسَاب فِي اخْتِلَافُ إِطْلَاقِ اسْمَيِ الْمَغُولِ وَالتَّتَارِ كُلٌّ عَلَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْآخَرُ لِعُسْرِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمُتَقَارِبَيْنِ مِنْهُمَا، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْمَغُولَ هُمْ مَاجُوجُ بِالْمِيمِ اسْمُ جَدٍّ لَهُم يُقَال لَهُ أَيْضا (سكيثوس) وَرُبمَا يُقَال لَهُ (جيته) . وَكَانَ الِاسْمُ الْعَامُّ الَّذِي يَجْمَعُ الْقَبِيلَتَيْنِ مَاجُوجَ ثُمَّ انْقَسَمَتِ الْأُمَّةُ فَسُمِّيَتْ فُرُوعُهَا بِأَسْمَاءٍ خَاصَّةٍ، فَمِنْهَا مَاجُوجُ وَيَاجُوجُ وَتَتَرُ ثُمَّ التُّرْكُمَانُ ثُمَّ التُّرْكُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْوَاوَ الْمَذْكُورَةَ لَيْسَتْ عَاطِفَةً وَلَكِنَّهَا جَاءَتْ فِي صُورَةِ الْعَاطِفَةِ فَيَكُونُ اللَّفْظُ كَلِمَةً وَاحِدَةً مُرَكَّبَةً تَرْكِيبًا مَزْجِيًّا، فَيَتَكَوَّنُ اسْمًا لِأُمَّةٍ وَهُمُ الْمَغُولُ. وَالَّذِي يَجِبُ اعْتِمَادُهُ أَنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ هُمُ الْمَغُولُ وَالتَّتَرُ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْفِدَاءِ أَنَّ مَاجُوجَ هُمُ الْمَغُولُ فَيَكُونُ يَاجُوجُ هُمُ التَّتَرُ. وَقَدْ كَثُرَتِ التَّتَرُ عَلَى الْمَغُولِ فَانْدَمَجَ الْمَغُولُ فِي التَّتَرِ وَغَلَبَ اسْمُ التَّتَرِ عَلَى الْقَبِيلَتَيْنِ. وَأَوْضَحُ شَاهِدٍ عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جحش أَن النَّبِي ﵌ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: «لَا إِلْهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ» . وَحَلَّقَ بِأُصْبُعَيْهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. وَلَا يُعْرَفُ بِالضَّبْطِ وَقْتُ انْطِلَاقِهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ وَلَا سَبَبُ ذَلِكَ. وَيُقَدَّرُ أَنَّ انْطِلَاقَهُمْ كَانَ أَوَاخِرَ الْقَرْنِ السَّادِسِ الْهِجْرِيِّ. وَتَشَتَّتُ مُلْكِ الْعَرَبِ بِأَيْدِي الْمَغُولِ وَالتَّتَرِ مِنْ خُرُوجِ جَنْكِيزْ خَانَ الْمَغُولِيِّ وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى بُخَارَى سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَوَصَلُوا دِيَارَ بكر سنة ٦٢٨ هـ ثُمَّ مَا كَانَ مِنْ تَخْرِيبِ هُولَاكُو بَغْدَادَ عَاصِمَةَ مُلْكِ الْعَرَب سنة ٦٦٠ هـ. وَنَظِيرُ إِطْلَاقِ اسْمَيْنِ عَلَى حَيٍّ مُؤْتَلِفٍ مِنْ قَبِيلَتَيْنِ إِطْلَاقُ طَسْمٍ وَجَدِيسٍ عَلَى أُمَّةٍ مِنَ الْعَرَبِ الْبَائِدَةِ، وَإِطْلَاقُ السَّكَاسِكِ وَالسَّكَرَنِ فِي الْقَبَائِلِ

стр. 5520

الْيَمَنِيَّةِ، وَإِطْلَاقُ هِلَالٍ وَزِغْبَةَ عَلَى أَعْرَابِ إِفْرِيقِيَّةَ الْوَارِدِينَ مِنْ صَعِيدِ مِصْرَ، وَإِطْلَاق أَوْلَاد وزاز وَأَوْلَاد يَحْيَى عَلَى حَيٍّ بِتُونِسَ بِالْجَنُوبِ الْغَرْبِيِّ، وَمُرَادَةُ وَفَرْجَانُ عَلَى حَيٍّ مِنْ وَطَنِ نَابُلَ بِتُونِسَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ كِلْتَيْهِمَا بِأَلِفٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ بِدُونِ هَمْزٍ، وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ بِالْهَمْزِ. وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي أَنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ أَوْ مُعَرَّبٌ، وَغَالِبُ ظَنِّي أَنَّهُ اسْمٌ وَضَعَهُ الْقُرْآنُ حَاكَى بِهِ مَعْنَاهُ فِي لُغَةِ تِلْكَ الْأُمَّةِ الْمُنَاسِبِ لِحَالِ مُجْتَمَعِهِمْ فَاشْتُقَّ لَهُمَا مِنْ مَادَّةِ الْأَجِّ، وَهُوَ الْخَلْطُ، إِذْ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ تِلْكَ الْأُمَّةَ كَانَتْ أَخْلَاطًا مِنْ أَصْنَافٍ. والاستفهام فِي قَوْلِهِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ، مُسْتَعْمَلٌ فِي الْعَرْضِ. وَالْخَرْجُ: الْمَالُ الَّذِي يُدْفَعُ لِلْمَلِكِ. وَهُوَ- بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ- فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ. وَيُقَالُ فِيهِ الْخَرَاجُ بِأَلِفٍ بَعْدَ الرَّاءِ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهُ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ سَدًّا- بِضَمِّ السِّينِ- وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرو، وَحَفْص، وَحَمْزَة، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ- بِفَتْحِ السِّينِ-. وَقَوْلُهُ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ أَيْ مَا آتَانِي اللَّهُ مِنَ الْمَالِ وَالْقُوَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي عرضتموه أَو خير مِنَ السَّدِّ الَّذِي سَأَلْتُمُوهُ، أَيْ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي يَأْتِي بِخَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمْ، فَإِنَّهُ لَاحَ لَهُ أَنَّهُ إِنْ سَدَّ عَلَيْهِمُ الْمُرُورَ مِنْ بَيْنِ الصَّدَفَيْنِ تَحَيَّلُوا فَتَسَلَّقُوا الْجِبَالَ وَدَخَلُوا بِلَادَ الصِّينِ، فَأَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ سُورًا مُمْتَدًّا عَلَى الْجِبَالِ فِي طُولِ حُدُودِ الْبِلَادِ حَتَّى يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ تَسَلُّقُ تِلْكَ الْجِبَالِ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ رَدْمًا.

стр. 5521

وَالرَّدْمُ: الْبِنَاءُ الْمُرَدَّمُ. شُبِّهَ بِالثَّوْبِ الْمُرَدَّمِ الْمُؤْتَلِفِ مِنْ رِقَاعٍ فَوْقَ رِقَاعٍ، أَيْ سُدًّا مُضَاعَفًا. وَلَعَلَّهُ بَنَى جِدَارَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ وَرَدَمَ الْفَرَاغَ الَّذِي بَيْنَهُمَا بِالتُّرَابِ الْمَخْلُوطِ لِيَتَعَذَّرَ نَقْبُهُ. وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي عَمَلَةً كَثِيرِينَ قَالَ لَهُمْ: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَيْ بِقُوَّةِ الْأَبْدَانِ، أَرَادَ تَسْخِيرَهُمْ للْعَمَل لدفع الضّر عَنْهُمْ. وَقَدْ بَنَى ذُو الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ (تِسِينْ شِي هُوَانِقْ تِي) سُلْطَانُ الصِّينِ هَذَا الرَّدْمَ بِنَاءً عَجِيبًا فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَكَانَ يَعْمَلُ فِيهِ مَلَايِينُ مِنَ الْخَدَمَةِ، فَجَعَلَ طُولَهُ ثَلَاثَةَ آلَاف وثلاثمائة كيلومتر. وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَلْفًا ومائتي ميل، وَذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الِاصْطِلَاحِ فِي تَقْدِيرِ الْمِيلِ، وَجَعَلَ مَبْدَأَهُ عِنْدَ الْبَحْرِ، أَيِ الْبَحْرِ الْأَصْفَرِ شَرْقِيَّ مَدِينَةِ (بِيكِنْغَ) عَاصِمَةِ الصِّينِ فِي خطّ تجاه مَدِينَةِ (مُكَدْنَ) الشَّهِيرَةِ. وَذَلِكَ عِنْدَ عَرْضِ ٤، ٤٠ شَمَالًا، وَطُولِ ٠٢، ١٢ شَرْقًا، وَهُوَ يُلَاقِي النَّهْرَ الْأَصْفَرَ حَيْثُ الطُّولُ ٥٠، ١١١ شَرْقًا، وَالْعَرْضُ ٥٠، ٣٩ شَمَالًا، وَأَيْضًا فِي ٣٧ عَرْضِ شَمَالِيٍّ. وَمِنْ هُنَالِكَ يَنْعَطِفُ إِلَى جِهَةِ الشَّمَالِ الْغَرْبِيِّ وَيَنْتَهِي بِقُرْبِ ٩٩ طُولًا شَرْقِيًّا وَ٤٠ عَرْضًا شَمَالِيًّا. وَهُوَ مَبْنِيٌّ بِالْحِجَارَةِ وَالْآجُرِّ وَبَعْضُهُ مِنَ الطِّينِ فَقَطْ. وَسُمْكُهُ عِنْدَ أَسْفَلِهِ نَحْوَ ٢٥ قَدَمًا وَعِنْدَ أَعْلَاهُ نَحْوَ ١٥ قَدَمًا وَارْتِفَاعُهُ يَتَرَاوَحُ بَيْنَ ١٥ إِلَى ٢٠ قَدَمًا، وَعَلَيْهِ أَبْرَاجٌ مَبْنِيَّةٌ مِنَ الْقَرَامِيدِ ارْتِفَاعُ بَعْضِهَا نَحْوَ ٤٠ قَدَمًا. وَهُوَ الْآنَ بِحَالَةِ خَرَابٍ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ اعْتِبَارٌ مِنْ جِهَةِ الدِّفَاعِ، وَلَكِنَّهُ بَقِيَ عَلَامَةً عَلَى الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْمُقَاطَعَاتِ الْأَرْضِيَّةِ فَهُوَ فَاصِلٌ بَيْنَ الصين ومنغوليا، وَهُوَ يخترق جبال (يابلوني) الَّتِي هِيَ حُدُودٌ طَبِيعِيَّةٌ بَيْنَ الصِّينِ وَبِلَادِ مَنْغُولْيَا فَمُنْتَهَى طَرَفِهِ إِلَى الشَّمَالِ الْغَرْبِيِّ لِصَحْرَاءِ (قُوبِي) .

стр. 5522

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مَكَّنِّي بِنُونٍ مُدْغَمَةٍ، وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالْفَكِّ عَلَى الْأَصْلِ. وَقَوْلُهُ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ هُوَ أَمْرٌ لَهُمْ بِمُنَاوَلَةِ زُبَرِ الْحَدِيدِ. فَالْإِيتَاءُ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَةِ مَعْنَاهُ وَهُوَ الْمُنَاوَلَةُ وَلَيْسَ تَكْلِيفًا لِلْقَوْمِ بِأَنْ يَجْلِبُوا لَهُ الْحَدِيدَ مِنْ مَعَادِنِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي قَوْلَهُ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَيْ أَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ تَكْلِيفِهِمْ إِنْفَاقًا عَلَى جَعْلِ السَّدِّ. وَكَانَ هَذَا لِقَصْدِ إِقَامَةِ أَبْوَابٍ مِنْ حَدِيدٍ فِي مَدَاخِلِ الرَّدْمِ لِمُرُورِ سُيُولِ الْمَاءِ فِي شُعَبِ الْجَبَلِ حَتَّى لَا يَنْهَدِمَ الْبِنَاءُ بِأَنْ جَعْلَ الْأَبْوَابَ الْحَدِيدِيَّةَ كَالشَّبَابِيكِ تَمْنُعُ مُرُورَ النَّاسِ وَلَا تَمْنُعُ انْسِيَابَ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ قُضُبِهَا، وَجَعَلَ قُضْبَانَ الْحَدِيدِ مَعْضُودَةً بِالنُّحَاسِ الْمُذَابِ الْمَصْبُوبِ عَلَى الْحَدِيدِ. وَالزُّبُرُ: جَمْعُ زُبْرَةٍ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ الْكَبِيرَةُ مِنَ الْحَدِيدِ. وَالْحَدِيدُ: مَعْدَنٌ مِنْ مَعَادِنِ الْأَرْضِ يَكُونُ قِطَعًا كَالْحَصَى وَدُونَ ذَلِكَ فِيهَا صَلَابَةٌ. وَهُوَ يُصَنَّفُ ابْتِدَاءً إِلَى صِنْفَيْنِ: لَيِّنٍ، وَيُقَالُ لَهُ الْحَدِيدُ الْأُنْثَى، وَصُلْبٍ وَيُقَالُ لَهُ الذَّكَرُ. ثُمَّ يُصَنَّفُ إِلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ صِنْفًا، وألوانه مُتَقَارِبَةٌ وَهِيَ السِّنْجَابِيُّ، مِنْهَا مَا هُوَ إِلَى الْحُمْرَةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ إِلَى الْبَيَاضِ، وَهُوَ إِذَا صُهِرَ بِنَارٍ قَوِيَّةٍ فِي أَتُونٍ مُغْلَقٍ الْتَأَمَتْ أَجْزَاؤُهُ وَتَجَمَّعَتْ فِي وَسَطِ النَّارِ كَالْإِسْفِنْجَةِ وَاشْتَدَّتْ صَلَابَتُهُ لِأَنَّهُ بِالصِّهْرِ يَدْفَعُ مَا فِيهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ التُّرَابِيَّةِ وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالصَّدَأِ وَالْخَبَثِ، فَتَعْلُو تِلْكَ الْأَجْزَاءُ عَلَى سَطْحِهِ وَهِيَ الزَّبَدُ. وَخَبَثُ الْحَدِيدِ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» . وَلِذَلِكَ فَبِمِقْدَارِ مَا يَطْفُو مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاء الغربية الْخَبِيثَةِ يَخْلُصُ الْجُزْءُ الْحَدِيدِيُّ وَيَصْفُو وَيَصِيرُ زُبَرًا. وَمِنْ تِلْكَ الزُّبَرِ تُصْنَعُ الْأَشْيَاءُ الْحَدِيدِيَّةُ مِنْ سُيُوفٍ وَزُجَاجٍ وَدُرُوعٍ وَلَأْمَاتٍ، وَلَا وَسِيلَةَ لِصُنْعِهِ

стр. 5523

إِلَّا الصَّهْرُ أَيْضًا بِالنَّارِ بِحَيْثُ تَصِيرُ الزُّبْرَةُ كَالْجَمْرِ، فَحِينَئِذٍ تُشَكَّلُ بِالشَّكْلِ الْمَقْصُودِ بِوَاسِطَةِ الْمَطَارِقِ الْحَدِيدِيَّةِ. وَالْعَصْرُ الذِي اهْتَدَى فِيهِ الْبَشَرُ لِصِنَاعَةِ الْحَدِيدِ يُسَمَّى فِي التَّارِيخِ الْعَصْرُ الْحَدِيدِيُّ. وَقَوْلُهُ: حَتَّى إِذا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ أَشْعَرَتْ حَتَّى بِشَيْءٍ مُغَيًّا قَبْلَهَا، وَهُوَ كَلَامٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَآتَوْهُ زُبَرَ الْحَدِيدِ فَنَضَّدَهَا وَبَنَاهَا حَتَّى إِذا جعل مَا بَين الصدفين مُسَاوِيا لعلو الصَّدَفَيْنِ. وَهَذَا مِنْ إِيجَازِ الْحَذْفِ. وَالْمُسَاوَاةُ: جَعْلُ الْأَشْيَاءِ مُتَسَاوِيَةً، أَيْ مُتَمَاثِلَةً فِي مِقْدَارٍ أَوْ وَصْفٍ. وَالصَّدَفَانِ- بِفَتْحِ الصَّادِ وَفَتْحِ الدَّالِّ- فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، وَيَعْقُوبُ- بِضَمِّ الصَّادِ وَالدَّالِ، وَهُوَ لُغَةٌ. وَقَرَأَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ- بِضَمِّ الصَّادِ وَسُكُونِ الدَّالِ-. وَالصَّدَفُ: جَانِبُ الْجَبَلِ، وَهُمَا جَانِبِا الْجَبَلَيْنِ وَهُمَا السَّدَّانِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْقَزْوِينِيُّ فِي «الْكَشْفِ» : لَا يُقَالُ إِلَّا صَدَفَانِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَلَا يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا صَدَفٌ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُصَادِفُ الْآخَرُ، أَيْ فَالصَّدَفَانِ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْجَانِبَيْنِ مِثْلُ الْمِقَصَّانِ لِمَا يُقْطَعُ بِهِ الثَّوْبُ وَنَحْوُهُ. وَعَنْ أَبِي عِيسَى: الصَّدَفُ كُلُّ بِنَاءٍ عَظِيمٍ مُرْتَفِعٍ. وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ انْفُخُوا وَقَوْلِهِ آتُونِي خِطَابٌ لِلْعَمَلَةِ. وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ انْفُخُوا لِظُهُورِهِ مِنْ كَوْنِ الْعَمَل فِي صُنْعِ الْحَدِيدِ. وَالتَّقْدِيرُ: انْفُخُوا فِي الكيران، أَي الْكِيرَانِ الْمَصْفُوفَةِ عَلَى طُولِ مَا بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ مِنْ زُبَرِ الْحَدِيدِ.

стр. 5524

وَقَرَأَ الْجُمْهُور: قالَ آتُونِي مِثْلَ الْأَوَّلِ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَن عَاصِم آتُونِي عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ مِنَ الْإِتْيَانِ، أَيْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحْضُرُوا لِلْعَمَلِ. وَالْقِطْرُ- بِكَسْرِ الْقَافِ-: النُّحَاسُ الْمُذَابُ. وَضَمِيرُ اسْطاعُوا واسْتَطاعُوا لِيَأْجُوجَ وَمَاجُوجَ. وَالظُّهُورُ: الْعُلُوُّ. وَالنَّقْبُ: كَسْرُ الرَّدْمِ، وَعَدَمُ اسْتِطَاعَتِهِمْ ذَلِكَ لِارْتِفَاعِهِ وَصَلَابَتِهِ. واسْطاعُوا تَخْفِيفُ اسْتَطاعُوا، وَالْجمع فبينهما تَفَنُّنٌ فِي فَصَاحَةِ الْكَلَامِ كَرَاهِيَةَ إِعَادَةِ الْكَلِمَةِ. وَابْتُدِئَ بِالْأَخَفِّ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ وَلِيَهُ الْهَمْزُ وَهُوَ حَرْفٌ ثَقِيلٌ لِكَوْنِهِ مِنَ الْحَلْقِ، بِخِلَافِ الثَّانِي إِذْ وَلِيَهُ اللَّامُ وَهُوَ خَفِيفٌ. وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُبْتَدَأَ بِفِعْلِ اسْتَطاعُوا وَيُثَنَّى بِفِعْلِ اسْطاعُوا لِأَنَّهُ يَثْقُلُ بِالتَّكْرِيرِ، كَمَا وَقَعَ فِي قَوْلِهِ آنِفًا سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الْكَهْف: ٧٨] ثمَّ قَوْله: ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الْكَهْف: ٨٢] . وَمِنْ خَصَائِصِ مُخَالَفَةِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ هُنَا إِيثَارُ فِعْلٍ ذِي زِيَادَةٍ فِي الْمَبْنَى بِمَوْقِعٍ فِيهِ زِيَادَةُ الْمَعْنَى لِأَنَّ اسْتِطَاعَةَ نَقْبِ السَّدِّ أَقْوَى مِنِ اسْتِطَاعَةِ تَسَلُّقِهِ، فَهَذَا مِنْ مَوَاضِعِ دَلَالَةِ زِيَادَةِ الْمَبْنَى عَلَى زِيَادَةٍ فِي الْمَعْنَى. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ فَمَا اسْطاعُوا الْأَوَّلَ بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ مُدْغَمًا فِيهَا التَّاءُ.

стр. 5525

وَجُمْلَةُ قالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا، لِأَنَّهُ لَمَّا آذَنَ الْكَلَامُ بِانْتِهَاءِ حِكَايَةِ وَصْفِ الرَّدْمِ كَانَ ذَلِكَ مُثِيرًا سُؤَالَ مَنْ يَسْأَلُ: مَاذَا صَدَرَ مِنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ حِينَ أَتَمَّ هَذَا الْعَمَلَ الْعَظِيمَ؟ فَيُجَابُ بِجُمْلَةِ: قالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي. وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى الرَّدْمِ، وَهُوَ رَحْمَةٌ لِلنَّاسِ لِمَا فِيهِ مِنْ رَدِّ فَسَادِ أُمَّةِ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ عَنْ أُمَّةٍ أُخْرَى صَالِحَة. و (من) ابْتِدَائِيَّةٌ، وَجُعِلَتْ مِنَ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ أَلْهَمَهُ لِذَلِكَ وَيَسَّرَ لَهُ مَا هُوَ صَعْبٌ. وَفَرَّعَ عَلَيْهِ فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ نُطْقًا بِالْحِكْمَةِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ حَادِثٍ صَائِرٌ إِلَى زَوَالٍ. وَلِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ عَمَلًا عَظِيمًا مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى التَّعَهُّدِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ مِنَ الِانْهِدَامِ، وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَسَنَّى فِي بَعْضِ أَزْمَانِ انْحِطَاطِ الْمَمْلَكَةِ الَّذِي لَا مَحِيصَ مِنْهُ لِكُلِّ ذِي سُلْطَانٍ. وَالْوَعْدُ: هُوَ الْإِخْبَارُ بِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ. وَأَرَادَ بِهِ مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْأَجَلِ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ دَوَامُ ذَلِكَ الرَّدْمِ، فَاسْتَعَارَ لَهُ اسْمَ الْوَعْدِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ أَوْحَى إِلَيْهِ إِنْ كَانَ نَبِيئًا أَوْ أَلْهَمَهُ إِنْ كَانَ صَالِحًا أَنَّ لِذَلِكَ الرَّدْمِ أَجَلًا مُعَيَّنًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ. وَقَدْ كَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ الْوَعْدِ يَوْمَ قَالَ النبيء ﵌: «فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ ردم يَأْجُوج وماجوج هَكَذَا، وَعَقَدَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ» كَمَا تَقَدَّمَ. وَالدَّكُّ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ لِلْمُبَالَغَةِ، أَيْ جَعَلَهُ مَدْكُوكًا، أَيْ مُسَوًّى بِالْأَرْضِ بَعْدَ ارْتِفَاعٍ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ جَعَلَهُ دَكَّاءَ بِالْمَدِّ. وَالدَّكَّاءُ: اسْمٌ لِلنَّاقَةِ الَّتِي لَا سَنَامَ لَهَا، وَذَلِكَ عَلَى التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ.

стр. 5526

وَجُمْلَةُ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا تَذْيِيلٌ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَجَلٍ يَنْتَهِي إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [الرَّعْد: ٣٨] ولِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ [يُونُس: ٤٩] أَيْ وَكَانَ تَأْجِيلُ اللَّهِ الْأَشْيَاءَ حَقًّا ثَابِتًا لَا يَتَخَلَّفُ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ بِعُمُومِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ حِكْمَةٍ كَانَتْ تَذْيِيلًا بَدِيعًا. [٩٩- ١٠١] [سُورَة الْكَهْف (١٨) : الْآيَات ٩٩ الى ١٠١] وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ التَّرْكُ: حَقِيقَتُهُ مُفَارَقَةُ شَيْءٍ شَيْئًا كَانَ بِقُرْبِهِ، وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى جَعْلِ الشَّيْءِ بِحَالَةٍ مُخَالِفَةٍ لِحَالَةٍ سَابِقَةٍ تَمْثِيلًا لِحَالِ إِلْفَائِهِ عَلَى حَالَةٍ، ثُمَّ تَغْيِيرِهَا بِحَالِ مَنْ كَانَ قُرْبَ شَيْءٍ ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا الْمَجَازُ مُقَيَّدًا بِحَالَةٍ كَانَ عَلَيْهَا مَفْعُولُ تَرَكَ، فَيُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ آخِرُ الْعَهْدِ، وَذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ أَنَّهُ يَدُومُ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ الَّذِي تَرَكَهُ عَلَيْهَا بِالْقَرِينَةِ. وَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ لِذِكْرِ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الثَّالِثَةِ مِنْ قَصَصِ ذِي الْقَرْنَيْنِ إِذْ أَلْهَمَهُ دَفْعَ فَسَادِ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ، بِمَنْزِلَةِ جُمْلَةِ قُلْنا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ فِي الْقِصَّةِ الْأُولَى، وَجُمْلَةِ كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً فَجَاءَ أُسْلُوبُ حِكَايَةِ هَذِهِ الْقَصَصِ الثَّلَاثِ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ. ويَوْمَئِذٍ هُوَ يَوْمُ إِتْمَامِ بِنَاءِ السَّدِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ الْآيَةَ. ويَمُوجُ يَضْطَرِبُ تَشْبِيهًا بِمَوْجِ الْبَحْرِ. وَجُمْلَةُ يَمُوجُ حَالٌ مِنْ بَعْضَهُمْ أَوْ مفعول ثَان ل تَرَكْنا عَلَى تَأْوِيلِهِ بِ (جَعَلْنَا) ، أَيْ جَعَلْنَا يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ يَوْمَئِذٍ مُضْطَرِبِينَ بَيْنَهُمْ فَصَارَ فَسَادُهُمْ قَاصِرًا عَلَيْهِمْ وَدُفِعَ عَنْ غَيْرِهِمْ.

стр. 5527

وَالنَّارُ تَأْكُلُ نَفْسَهَا ... إِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهْ لِأَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَجِدُوا مَا اعْتَادُوهُ مِنْ غَزْوِ الْأُمَمِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُمْ رَجَعَ قَوِيُّهُمْ عَلَى ضَعِيفِهِمْ بِالِاعْتِدَاءِ. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) . تَخَلُّصٌ مِنْ أَغْرَاضِ الِاعْتِبَارِ بِمَا فِي الْقِصَّةِ مِنْ إِقَامَةِ الْمَصَالِحِ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَيْدِي مَنِ اخْتَارَهُ اللَّهُ لِإِقَامَتِهَا مِنْ خَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، إِلَى غَرَضِ التَّذْكِيرِ بِالْمَوْعِظَةِ بِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ تَخَلُّصٌ يُؤْذِنُ بِتَشْبِيهِ حَالِ تَمَوُّجِهِمْ بِحَالِ تَمَوُّجِ النَّاسِ فِي الْمَحْشَرِ، تَذْكِيرًا لِلسَّامِعِينَ بِأَمْرِ الْحَشْرِ وَتَقْرِيبًا بِحُصُولِهِ فِي خَيَالِ الْمُشْرِكِينَ. فَإِنَّ الْقَادِرَ عَلَى جَمْعِ أُمَّةٍ كَامِلَةٍ وَرَاءَ هَذَا السَّدِّ، بِفِعْلِ مَنْ يَسَّرَهُ لِذَلِكَ مِنْ خَلْقِهِ، هُوَ الْأَقْدَرُ عَلَى جَمْعِ الْأُمَمِ فِي الْحَشْرِ بِقُدْرَتِهِ، لِأَنَّ مُتَعَلِّقَاتِ الْقُدْرَةِ فِي عَالَمِ الْآخِرَةِ أَعْجَبُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ أَهَمِّ أَغْرَاضِ هَذِهِ السُّورَةِ إِثْبَاتَ الْبَعْثِ. وَاسْتُعْمِلَ الْمَاضِي مَوْضِعَ الْمُضَارِعِ تَنْبِيهًا عَلَى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. وَالنَّفْخُ فِي الصُّوَرِ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ تَشْبِيهًا لِحَالِ الدَّاعِي الْمُطَاعِ وَحَالِ الْمَدْعُوِّ الْكَثِيرِ الْعَدَدِ السَّرِيعِ الْإِجَابَةِ، بِحَالِ الْجُنْدِ الَّذِينَ يُنَفِّذُونَ أَمْرَ الْقَائِدِ بِالنَّفِيرِ فَيَنْفُخُونَ فِي بُوقِ النَّفِيرِ، وَبِحَالِ بَقِيَّةِ الْجُنْدِ حِينَ يَسْمَعُونَ بُوقَ النَّفِيرِ فَيُسْرِعُونَ إِلَى الْخُرُوجِ. عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الصُّوَرُ مِنْ مَخْلُوقَاتِ الْآخِرَةِ.

стр. 5528

وَالْحَالَةُ الْمُمَثَّلَةُ حَالَةٌ غَرِيبَةٌ لَا يَعْلَمُ تَفْصِيلَهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وتأكيد فعلي فَجَمَعْناهُمْ وعَرَضْنا بِمَصْدَرَيْهِمَا لِتَحَقُّقِ أَنَّهُ جَمْعٌ حَقِيقِيٌّ وَعَرْضٌ حَقِيقِيٌّ لَيْسَا مِنَ الْمَجَازِ، وَفِي تَنْكِيرِ الْجَمْعِ وَالْعَرْضِ تَهْوِيلٌ. وَنَعْتُ الْكَافِرِينَ بِ الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ هُوَ سَبَبُ عَرَضِ جَهَنَّمَ لَهُمْ، أَيِ الَّذِينَ عُرِفُوا بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا. وَالْغِطَاءُ: مُسْتَعَارٌ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِدَلَالَةِ الْبَصَرِ عَلَى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالْإِلَهِيَّةِ. وَحَرْفُ (مِنْ) لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ، وَهِيَ تَمَكُّنُ الْغِطَاءِ مِنْ أَعْيُنِهِمْ بِحَيْثُ كَأَنَّهَا محوية للغطاء. و (عَن) لِلْمُجَاوَزَةِ، أَيْ عَنِ النَّظَرِ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ ذِكْرِي. وَنَفْيُ اسْتِطَاعَتِهِمُ السَّمْعَ أَنَّهُمْ لِشِدَّةِ كُفْرِهِمْ لَا تُطَاوِعُهُمْ نُفُوسُهُمْ لِلِاسْتِمَاعِ. وَحُذِفَ مَفْعُولُ سَمْعاً لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ عَنْ ذِكْرِي عَلَيْهِ. وَالتَّقْدِيرُ: سَمْعًا لِآيَاتِي، فَنَفْيُ الِاسْتِطَاعَةِ مُسْتَعْمَلٌ فِي نَفْيِ الرَّغْبَةِ وَفِي الْإِعْرَاضِ كَقَوْلِهِ وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [فصلت: ٥] . وَعَرْضُ جَهَنَّمَ مُسْتَعْمَلٌ فِي إِبْرَازِهَا حِينَ يُشْرِفُونَ عَلَيْهَا وَقَدْ سِيقُوا إِلَيْهَا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْمُهَيَّئَةُ لَهُمْ، فَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالْعَرْضِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، لِأَنَّ الْعَرْضَ هُوَ إِظْهَارُ مَا فِيهِ رَغْبَة وشهوة.

стр. 5529

[سُورَة الْكَهْف (١٨) : آيَة ١٠٢] أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) أَعْقَبَ وَصْفَ حِرْمَانِهِمُ الِانْتِفَاعَ بِدَلَائِلِ الْمُشَاهَدَاتِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ سَمَاعِ الْآيَاتِ بِتَفْرِيعِ الْإِنْكَارِ لِاتِّخَاذِهِمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَزْعُمُونَهَا نَافِعَةً لَهُمْ تَنْصُرُهُمْ تَفْرِيعَ الْإِنْكَارِ عَلَى صِلَةِ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي، لِأَنَّ حُسْبَانَهُمْ ذَلِكَ نَشَأَ عَنْ كَوْنِ أَعْيُنِهِمْ فِي غِطَاءٍ وَكَوْنِهِمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا، أَيْ حَسَبُوا حُسْبَانًا بَاطِلًا فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ مَا حَسِبُوهُ شَيْئًا، وَلِأَجْلِهِ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا. وَتَقَدَّمَ حَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى فَاءِ الْعَطْفِ لِأَنَّ لِلِاسْتِفْهَامِ صَدْرُ الْكَلَامِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي أَمْثَالِهِ. وَالْخِلَافُ شَهِيرٌ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ فِي أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ مُقَدَّمٌ مِنْ تَأْخِيرٍ، أَوْ أَنَّ الْعَطْفَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا بَعْدَ الِاسْتِفْهَامِ بَعْدَ حَذْفِ الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ لِدَلَالَةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. فَيقدر هُنَا: أأمنوا عَذَابِي فَحَسِبُوا أَنْ يَتَّخِذُوا إِلَخْ ... وَأَوَّلُ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظَائِرُهُ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٧٥] . وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ، وَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَحْسَبُونَهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَا ظَنُّوهُ بَاطِلٌ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [العنكبوت: ٢] . وأَنْ يَتَّخِذُوا سَادَ مسدّ مفعولي فَحَسِبَ لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَفْعُولَيْنِ فَهُوَ يَنْحَلُّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ. وَالتَّقْدِيرُ: أَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا عِبَادِيَ مُتَّخِذِينَ أَوْلِيَاءَ لَهُمْ مِنْ دُونِي. وَالْإِنْكَارُ مُتَسَلِّطٌ عَلَى مَعْمُولِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي وَهُوَ أَوْلِياءَ الْمَعْمُول ل يَتَّخِذُوا بِقَرِينَةِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ فعل فَحَسِبَ مِنْ أَنَّ هُنَالِكَ

стр. 5530

مَحْسُوبًا بَاطِلًا، وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَوْلِيَاءَ بِاعْتِبَارِ مَا تَقْتَضِيهِ حَقِيقَةُ الْوِلَايَةِ مِنَ الْحِمَايَةِ وَالنَّصْرِ. وعِبادِي صَادِقٌ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَمَنْ عَبَدُوهُمْ مِنَ الْأَخْيَارِ مِثْلَ عِيسَى ﵇، وَيَصْدُقُ عَلَى الْأَصْنَامِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ. ومِنْ دُونِي مُتَعَلِّقُ بِ أَوْلِياءَ إِمَّا بِجَعْلِ دُونِي اسْمًا بِمَعْنَى حَوْلَ، أَيْ مِنْ حَوْلِ عَذَابِي، وَتَأْوِيلُ أَوْلِياءَ بِمَعْنَى أَنْصَارًا، أَيْ حَائِلِينَ دون عَذَابي ومانعيهم مِنْهُ، وَإِمَّا بِجَعْلِ دُونِي بِمَعْنَى غَيْرِي، أَيْ أَحَسِبُوا أَنَّهُمْ يَسْتَغْنُونَ بِوِلَايَتِهِمْ. وَصِيغَ فِعْلُ الِاتِّخَاذِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَجَدُّدِهِ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مُقْلِعِينَ عَنْهُ. وَجَعَلَ فِي «الْكَشَّافِ» فِعْلَ يَتَّخِذُوا لِلْمُسْتَقْبَلِ، أَيْ أَحَسِبُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي أَوْلِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا اتَّخَذُوهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً. وَنَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ [سبأ: ٤٠- ٤١] . وَإِظْهَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا دُونَ أَنْ يُقَالَ: أَفَحَسِبُوا، بِإِعَادَةِ الضَّمِيرِ إِلَى الْكَافِرِينَ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا، لِقَصْدِ اسْتِقْلَالِ الْجُمْلَةِ بِدَلَالَتِهَا، وَزِيَادَةً فِي إِظْهَار التوبيخ لَهَا. وَجُمْلَةُ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا مُقَرَّرَةٌ لِإِنْكَارِ انْتِفَاعِهِمْ بِأَوْلِيَائِهِمْ فَأَكَّدَ بِأَنَّ جَهَنَّمَ أُعِدَّتْ لَهُمْ نُزُلًا فَلَا مَحِيصَ لَهُمْ عَنْهَا وَلِذَلِكَ أَكَّدَ بِحَرْفِ (إِنَّ) .

стр. 5531

وأَعْتَدْنا: أَعْدَدْنَا، أبدل الدَّال الأولى تَاءً لِقُرْبِ الْحَرْفَيْنِ، وَالْإِعْدَادُ: التَّهْيِئَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نَارا [الْكَهْف: ٢٩] . وَجَعَلَ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ ضَمِيرَ الْجَلَالَةِ لِإِدْخَالِ الرَّوْعِ فِي ضَمَائِرِ الْمُشْرِكِينَ. وَالنُّزُلُ- بِضَمَّتَيْنِ-: مَا يُعَدُّ لِلنَّزِيلِ وَالضَّيْفِ مِنَ الْقِرَى. وَإِطْلَاقُ اسْمِ النُّزُلِ عَلَى الْعَذَابِ اسْتِعَارَةٌ عَلَاقَتُهَا التَّهَكُّمُ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: قَرَيْنَاكُمْ فَعَجَّلْنَا قِرَاكُمْ ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ مرداة طحونا [١٠٣، ١٠٤] [سُورَة الْكَهْف (١٨) : الْآيَات ١٠٣ إِلَى ١٠٤] قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) اعْتِرَاضٌ بِاسْتِئْنَافٍ ابْتِدَائِيٍّ أَثَارَهُ مَضْمُونُ جُمْلَةِ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَخْ ... فَإِنَّهُمْ لَمَّا اتَّخَذُوا أَوْلِيَاءَ مَنْ لَيْسُوا يَنْفَعُونَهُمْ فَاخْتَارُوا الْأَصْنَامَ وَعَبَدُوهَا وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهَا بِمَا أَمْكَنَهُمْ مِنَ الْقُرْبِ اغْتِرَارًا بِأَنَّهَا تَدْفَعُ عَنْهُمْ وَهِيَ لَا تُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا فَكَانَ عَمَلُهُمْ خَاسِرًا وَسَعْيُهُمْ بَاطِلًا. فَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ هُوَ قَوْلُهُ وَهُمْ يَحْسَبُونَ ... إِلَخْ. وَافْتِتَاحُ الْجُمْلَةِ بِالْأَمْرِ بِالْقَوْلِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْمَقُولِ بِإِصْغَاءِ السَّامِعِينَ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الِافْتِتَاحِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ فِي غَرَض مهمّ، وَكَذَلِكَ افْتِتَاحُهُ بِاسْتِفْهَامِهِمْ عَنْ إِنْبَائِهِمُ اسْتِفْهَامًا مُسْتَعْمَلًا فِي الْعَرْضِ لِأَنَّهُ

стр. 5532

بِمَعْنَى: أَتُحِبُّونَ أَنْ نُنَبِّئَكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، وَهُوَ عَرْضُ تَهَكُّمٍ لِأَنَّهُ مُنْبِئُهُمْ بِذَلِكَ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى رِضَاهُمْ. وَفِي قَوْلِهِ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا إِلَى آخِرِهِ ... تَمْلِيحٌ إِذْ عَدَلَ فِيهِ عَنْ طَرِيقِةِ الْخِطَابِ بِأَنْ يُقَالَ لَهُمْ: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِأَنَّكُمُ الْأَخْسَرُونَ أَعْمَالًا، إِلَى طَرِيقَةِ الْغَيْبَةِ بِحَيْثُ يَسْتَشْرِفُونَ إِلَى مَعْرِفَةِ هَؤُلَاءِ الْأَخْسَرِينَ فَمَا يُرَوِّعُهُمْ إِلَّا أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْمُخْبِرَ عَنْهُمْ هُمْ أَنْفُسُهُمْ. وَالْمَقُولُ لَهُمْ: الْمُشْرِكُونَ، تَوْبِيخًا لَهُمْ وَتَنْبِيهًا عَلَى مَا غَفَلُوا عَنْهُ مِنْ خَيْبَةِ سَعْيِهِمْ. وَنُونُ الْمُتَكَلِّمِ الْمُشَارِكِ فِي قَوْلِهِ نُنَبِّئُكُمْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نُونُ الْعَظَمَةِ رَاجِعَةً إِلَى ذَاتِ اللَّهِ عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ فِي الْحِكَايَةِ. وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: هَلْ يُنَبِّئُكُمُ اللَّهُ، أَيْ سَيُنَبِّئُكُمْ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْمُتَكَلِّمِ الْمُشَارِكِ رَاجِعَةً إِلَى الرَّسُول ﵌ وَإِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رَاجِعَةً لِلرَّسُولِ وَلِلْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ بدل من بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا وَفِي هَذَا الْإِطْنَابِ زِيَادَةُ التَّشْوِيقِ إِلَى مَعْرِفَةِ هَؤُلَاءِ الْأَخْسَرِينَ حَيْثُ أَجْرَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَوْصَافِ مَا يَزِيدُ السَّامِعَ حِرْصًا عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ وَالْأَحْوَالِ. وَالضَّلَالُ: خَطَأُ السَّبِيلِ. شَبَّهَ سَعْيَهُمْ غَيْرَ الْمُثْمِرِ بِالسَّيْرِ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مُوَصِّلَةٍ. وَالسَّعْيُ: الْمَشْيُ فِي شِدَّةٍ. وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي الْعَمَلِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [١٩] ، أَيْ عَمِلُوا

стр. 5533

أَعْمَالًا تَقَرَّبُوا بِهَا لِلْأَصْنَامِ يَحْسَبُونَهَا مُبَلِّغَةً إِيَّاهُمْ أغراضا وَقد أخطؤوها وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ خَيْرًا. وَإِسْنَادُ الضَّلَالِ إِلَى سَعْيِهِمْ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ. وَالْمَعْنَى: الَّذِينَ ضَلُّوا فِي سَعْيِهِمْ. وَبَيْنَ يَحْسَبُونَ ويُحْسِنُونَ جِنَاسٌ مُصَحَّفٌ، وَقَدْ مُثِّلَ بِهِمَا فِي مَبْحَث الجناس. [١٠٥] [سُورَة الْكَهْف (١٨) : آيَة ١٠٥] أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) جُمْلَةٌ هِيَ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ بَعْدَ قَوْلِهِ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ. وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ أَكْمَلَ تَمْيِيزٍ لِئَلَّا يَلْتَبِسُوا بِغَيْرِهِمْ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الْبَقَرَة: ٥] . وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِمْ أَحْرِيَاءُ بِمَا بَعْدِ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنْ حُكْمٍ بِسَبَبِ مَا أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَوْصَافِ. وَالْآيَاتُ: الْقُرْآنُ وَالْمُعْجِزَاتُ. وَالْحَبْطُ: الْبُطْلَانُ وَالدَّحْضُ. وَقَوْلُهُ: رَبِّهِمْ يَجْرِي عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي نُونِ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ أَنَّهُ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ. وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا، وَيَجْرِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ أَنَّهُ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ.

стр. 5534

وَنُونُ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي نُونِ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ جَارِيَةً عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ. وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهَيْنِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ فَإِنَّهَا الْتِفَاتٌ عَنْ قَوْلِهِ بِآياتِ رَبِّهِمْ، وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: فَلَا يُقِيمُ لَهُمْ. وَنَفْيُ إِقَامَةِ الْوَزْنِ مُسْتَعْمَلٌ فِي عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالشَّيْءِ، وَفِي حَقَارَتِهِ لِأَنَّ النَّاسَ يَزِنُونَ الْأَشْيَاءَ الْمُتَنَافَسَ فِي مَقَادِيرِهَا وَالشَّيْءُ التَّافِهُ لَا يُوزَنُ، فَشُبِّهُوا بِالْمُحَقَّرَاتِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَكْنِيَّةِ وَأَثْبَتَ لَهُمْ عَدَمَ الْوَزْنِ تَخْيِيلًا. وَجُعِلَ عَدَمُ إِقَامَةِ الْوَزْنِ مُفَرَّعًا عَلَى حَبْطِ أَعْمَالِهِمْ لِأَنَّهُمْ بِحَبْطِ أَعْمَالِهِمْ صَارُوا مُحَقَّرِينَ لَا شَيْءَ لَهُمْ من الصَّالِحَات. [١٠٦] [سُورَة الْكَهْف (١٨) : آيَة ١٠٦] ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦) الْإِشَارَةُ إِمَّا إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ وَعِيدِهِمْ فِي قَوْلِهِ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا، أَيْ ذَلِكَ الْإِعْدَادُ جَزَاؤُهُمْ. وَقَوْلُهُ جَزاؤُهُمْ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ. وَقَوْلُهُ جَهَنَّمُ بَدَلٌ مِنْ جَزاؤُهُمْ بَدَلًا مُطَابِقًا لِأَنَّ إِعْدَادَ جَهَنَّمَ هُوَ عَيْنُ جَهَنَّمَ. وَإِعَادَةُ لَفْظِ جَهَنَّمَ أَكْسَبَهُ قُوَّةَ التَّأْكِيدِ. وَإِمَّا إِلَى مُقَدَّرٍ فِي الذِّهْنِ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاق يُبينهُ مَا بَعْدَهُ عَلَى نَحْوِ اسْتِعْمَالِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مَعَ تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَالتَّقْدِيرُ: الْأَمْرُ وَالشَّأْنُ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ.

стр. 5535

وَالْبَاء للسَّبَبِيَّة، و (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. وَاتَّخَذُوا عَطْفٌ عَلَى كَفَرُوا فَهُوَ مِنْ صِلَةِ (مَا) الْمَصْدَرِيَّةِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَبِمَا اتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُؤًا، أَيْ بِاتِّخَاذِهِمْ ذَلِكَ كَذَلِكَ. وَالرُّسُلُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَقِيقَةُ الْجَمْعِ فَيَكُونَ إِخْبَارًا عَنْ حَالِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَمَنْ سَبَقَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الرَّسُولُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ تَعْظِيمًا كَمَا فِي قَوْلِهِ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ [إِبْرَاهِيم: ٤٤] . وَالْهُزُؤُ- بِضَمَّتَيْنِ- مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ. وَهُوَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنَ الْوَصْفِ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ، أَيْ كَانُوا كَثِيرِي الهزؤ بهم. [١٠٧، ١٠٨] [سُورَة الْكَهْف (١٨) : الْآيَات ١٠٧ إِلَى ١٠٨] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لَا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨) هَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ: إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي ذِكْرِ الْبِشَارَةِ بَعْدَ الْإِنْذَارِ. وَتَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ لِلِاهْتِمَامِ بِهَا لِأَنَّهَا جَاءَتْ فِي مُقَابَلَةِ جُمْلَةِ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا، وَهِيَ مُؤَكَّدَةٌ كَيْ لَا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ جَزَاءَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ مُهْتَمٍّ بِتَأْكِيدِهِ مَعَ مَا فِي التَّأْكِيدَيْنِ مِنْ تَقْوِيَةِ الْإِنْذَارِ وَتَقْوِيَةِ الْبِشَارَةِ. وَجَعْلُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ الْمَوْصُولَ بِصِلَةِ الْإِيمَانِ وَعَمَلِ الصَّالِحَاتِ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِ أَعْمَالِهِمْ، فَلِذَلِكَ خُولِفَ نَظْمُ الْجُمْلَةِ الَّتِي تُقَابِلُهَا فَلَمْ
следующие страницы →