ـ[التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد» ]ـ
المؤلف: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: ١٣٩٣هـ)
الناشر: الدار التونسية للنشر - تونس
سنة النشر: ١٩٨٤ هـ
عدد الأجزاء: ٣٠ (والجزء رقم ٨ في قسمين)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي، وضمن خدمة مقارنة التفاسير]
стр. 2
بَين يَدي الْكتاب (*)
стр. 3
[تَرْجَمَة ابْن عاشور، بقلم مصطفى عاشور:] (*)
(مُحَمَّد الطَّاهِر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور التّونسِيّ)
كَانَ جَامع الزيتونة مصنعا لرجال أفذاذ قادوا حَيَاة شعوبهم قبل أَن يقودوا حياتهم، فِي وَقت اضْطَرَبَتْ فِيهِ معالم الْحَيَاة، فَكَانُوا منارات للهدى وعلامات لطريق السداد. و «مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور» هُوَ أحد أَعْلَام هَذَا الْجَامِع، وَمن عظمائهم المجددين. حَيَاته المديدة الَّتِي زَادَت على ٩٠ عَاما كَانَت جهادًا فِي طلب الْعلم، وجهادا فِي كسر وتحطيم أطواق الجمود والتقليد الَّتِي قيدت الْعقل الْمُسلم عَن التفاعل مَعَ الْقُرْآن الْكَرِيم والحياة المعاصرة.
أحدثت آراؤه نهضة فِي عُلُوم الشَّرِيعَة وَالتَّفْسِير والتربية والتعليم والإصلاح، وَكَانَ لَهَا أَثَرهَا الْبَالِغ فِي اسْتِمْرَار «الزيتونة» فِي الْعَطاء والريادة.
وَإِذا كَانَ من عَادَة الشرق عدم احتفاظه بكنوزه، فَهُوَ غَالِبا مَا ينسى عمالقته ورواده الَّذين كَانُوا ملْء السّمع وَالْبَصَر، ويتطلع إِلَى أفكار مستوردة وتجارب سَابِقَة التَّجْهِيز، وينسى مصلحيه ومجدديه، وَنبت بيئته وغرس مبادئه!!
لم يلق الطَّاهِر تَمام حَقه من الاهتمام بِهِ وباجتهاداته وأفكاره الإصلاحية؛ وَرُبمَا رَجَعَ ذَلِك لِأَن اجتهاداته تحارب الجمود الْعقلِيّ والتقليد من نَاحيَة، وتصطدم بالاستبداد من نَاحيَة أُخْرَى، كَمَا أَن أفكاره تسْعَى للنهوض والتقدم وفْق مَنْهَج عَقْلِي إسلامي، وَلَعَلَّ هَذَا يبين لنا سَبَب نِسْيَان الشرق فِي هَذِه الفترة لرواده وعمالقته!!
من هُوَ ؟
ولد مُحَمَّد الطَّاهِر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور، الشهير بالطاهر بن عاشور، بتونس فِي (١٢٩٦هـ = ١٨٧٩م) فِي أسرة علمية عريقة تمتد أُصُولهَا إِلَى بِلَاد الأندلس. وَقد اسْتَقَرَّتْ هَذِه الأسرة فِي تونس بعد حملات التنصير ومحاكم التفتيش الَّتِي تعرض لَهَا مسلمو الأندلس.
وَقد نبغ من هَذِه الأسرة عدد من الْعلمَاء الَّذين تعلمُوا بِجَامِع الزيتونة، تِلْكَ المؤسسة العلمية الدِّينِيَّة العريقة الَّتِي كَانَت مَنَارَة للْعلم وَالْهِدَايَة فِي الشمَال الأفريقي، كَانَ مِنْهُم مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور، وَابْنه الَّذِي مَاتَ فِي حَيَاته: الْفَاضِل بن عاشور.
وَجَاء مولد الطَّاهِر فِي عصر يموج بالدعوات الإصلاحية التجديدية الَّتِي تُرِيدُ الْخُرُوج بِالدّينِ وعلومه من حيّز الجمود والتقليد إِلَى التَّجْدِيد والإصلاح، وَالْخُرُوج بالوطن من مستنقع التَّخَلُّف والاستعمار إِلَى ساحة التَّقَدُّم وَالْحريَّة والاستقلال، فَكَانَت لأفكار جمال الدَّين الأفغاني وَمُحَمّد عَبده وَمُحَمّد رشيد رضَا صداها المدوي فِي تونس وَفِي جَامعهَا العريق، حَتَّى إِن رجال الزيتونة بدءوا بإصلاح جامعهم من النَّاحِيَة التعليمية قبل الْجَامِع الْأَزْهَر، مِمَّا أثار إعجاب الإِمَام مُحَمَّد عَبده الَّذِي قَالَ: «إِن مُسْلِمِي الزيتونة سبقُونَا إِلَى إصْلَاح التَّعْلِيم، حَتَّى كَانَ مَا يجرونَ عَلَيْهِ فِي جَامع الزيتونة خيرا مِمَّا عَلَيْهِ أهل الْأَزْهَر» .
وأثمرت جهود التَّجْدِيد والإصلاح فِي تونس الَّتِي قَامَت فِي الأساس على الاهتمام بالتعليم وتطويره عَن إنْشَاء مدرستين كَانَ لَهما أكبر الْأَثر فِي النهضة الفكرية فِي تونس، وهما: الْمدرسَة الصادقية الَّتِي أَنْشَأَهَا الْوَزير النابهة خير الدَّين التّونسِيّ سنة (١٢٩١هـ = ١٨٧٤م) وَالَّتِي احتوت على مَنْهَج متطور امتزجت فِيهِ الْعُلُوم الْعَرَبيَّة باللغات الْأَجْنَبِيَّة، إِضَافَة إِلَى تَعْلِيم الرياضيات والطبيعة والعلوم الاجتماعية. وَقد أُقِيمَت هَذِه الْمدرسَة على أَن تكون تعضيدًا وتكميلاً للزيتونة.
أما الْمدرسَة الْأُخْرَى فَهِيَ الْمدرسَة الخلدونية الَّتِي تأسست سنة (١٣١٤هـ = ١٨٩٦م) وَالَّتِي كَانَت مدرسة علمية تهتم بتكميل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ دارسو الْعُلُوم الإسلامية من عُلُوم لم تدرج فِي برامجهم التعليمية، أَو أدرجت وَلَكِن لم يهتم بهَا وبمزاولتها فآلت إِلَى الإهمال.
وتواكبت هَذِه النهضة الإصلاحية التعليمية مَعَ دعوات مقاومة الاستعمار الفرنسي، فَكَانَت أطروحات تِلْكَ الحقبة من التَّارِيخ ذَات صبغة إصلاحية تجديدة شَامِلَة تَنْطَلِق من الدَّين نَحْو إصْلَاح الوطن والمجتمع، وَهُوَ مَا انعكس على تفكير ومنهج رواد الْإِصْلَاح فِي تِلْكَ الفترة الَّتِي تدعمت بتأسيس الصحافة، وصدور المجلات والصحف الَّتِي خلقت منَاخًا ثقافيًا وفكريًا كَبِيرا ينبض بِالْحَيَاةِ والوعي وَالرَّغْبَة فِي التحرر والتقدم.
حفظ الطَّاهِر الْقُرْآن الْكَرِيم، وَتعلم اللُّغَة الفرنسية، والتحق بِجَامِع الزيتونة سنة (١٣١٠هـ = ١٨٩٢م) وَهُوَ فِي الـ١٤ من عمره، فدرس عُلُوم الزيتونة ونبغ فِيهَا، وَأظْهر همة عالية فِي التَّحْصِيل، وساعده على ذَلِك ذكاؤه النَّادِر والبيئة العلمية الدِّينِيَّة الَّتِي نَشأ فِيهَا، وشيوخه الْعِظَام فِي الزيتونة الَّذين كَانَ لَهُم بَاعَ كَبِير فِي النهضة العلمية والفكرية فِي تونس، وَملك هاجس الْإِصْلَاح نُفُوسهم وعقولهم فبثوا هَذِه الرّوح الخلاقة التجديدية فِي نفس الطَّاهِر، وَكَانَ منهجهم أَن الْإِسْلَام دين فكر وحضارة وَعلم ومدنية.
سفير الدعْوَة
تخرج الطَّاهِر فِي الزيتونة عَام (١٣١٧هـ = ١٨٩٦م) ، والتحق بسلك التدريس فِي هَذَا الْجَامِع العريق، وَلم تمض إِلَّا سنوات قَليلَة حَتَّى عين مدرسًا من الطَّبَقَة الأولى بعد اجتياز اختبارها سنة (١٣٢٤هـ = ١٩٠٣م) .
وَكَانَ الطَّاهِر قد اختير للتدريس فِي الْمدرسَة الصادقية سنة (١٣٢١هـ = ١٩٠٠م) ، وَكَانَ لهَذِهِ التجربة المبكرة فِي التدريس بَين الزيتونة -ذَات الْمنْهَج التقليدي- والصادقية -ذَات التَّعْلِيم العصري المتطور- أَثَرهَا فِي حَيَاته، إِذْ فتحت وعيه على ضَرُورَة ردم الهوة بَين تيارين فكريين مَا زَالا فِي طور التكوين، ويقبلان أَن يَكُونَا خطوط انقسام ثقافي وفكري فِي الْمُجْتَمع التّونسِيّ، وهما: تيار الْأَصَالَة الممثل فِي الزيتونة، وتيار المعاصرة الممثل فِي الصادقية، وَدون آراءه هَذِه فِي كِتَابه النفيس «أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب؟» من خلال الرُّؤْيَة الحضارية التاريخية الشاملة الَّتِي تدْرك التحولات العميقة الَّتِي يمر بهَا الْمُجْتَمع الإسلامي والعالمي.
وَفِي سنة (١٣٢١ هـ = ١٩٠٣ م) قَامَ الإِمَام مُحَمَّد عَبده مفتي الديار المصرية بزيارته الثَّانِيَة لتونس الَّتِي كَانَت حَدثا ثقافيا دينيا كَبِيرا فِي الأوساط التونسية، والتقاه فِي تِلْكَ الزِّيَارَة الطَّاهِر بن عاشور فتوطدت العلاقة بَينهمَا، وَسَماهُ مُحَمَّد عَبده بـ «سفير الدعْوَة» فِي جَامع الزيتونة؛ إِذْ وجدت بَين الشَّيْخَيْنِ صِفَات مُشْتَركَة، أبرزها ميلهما إِلَى الْإِصْلَاح التربوي والاجتماعي الَّذِي صاغ ابْن عاشور أهم ملامحه بعد ذَلِك فِي كِتَابه «أصُول النظام الاجتماعي فِي الْإِسْلَام» . وَقد توطدت العلاقة بَينه وَبَين رشيد رضَا، وَكتب ابْن عاشور فِي مجلة الْمنَار.
آراء ومناصب
عين الطَّاهِر بن عاشور نَائِبا أول لَدَى النظارة العلمية بِجَامِع الزيتونة سنة (١٣٢٥ هـ = ١٩٠٧م) ؛ فَبَدَأَ فِي تطبيق رُؤْيَته الإصلاحية العلمية والتربوية، وَأدْخل بعض الإصلاحات على النَّاحِيَة التعليمية، وحرر لائحة فِي إصْلَاح التَّعْلِيم وعرضها على الْحُكُومَة فنفذت بعض مَا فِيهَا، وسعى إِلَى إحْيَاء بعض الْعُلُوم الْعَرَبيَّة؛ فَأكْثر من دروس الصّرْف فِي مراحل التَّعْلِيم وَكَذَلِكَ دروس أدب اللُّغَة، ودرس بِنَفسِهِ شرح ديوَان الحماسة لأبي تَمام.
وَأدْركَ صاحبنا أَن الْإِصْلَاح التعليمي يجب أَن ينْصَرف بطاقته القصوى نَحْو إصْلَاح الْعُلُوم ذَاتهَا؛ على اعْتِبَار أَن الْمعلم مهما بلغ بِهِ الجمود فَلَا يُمكنهُ أَن يحول بَين الأفهام وَمَا فِي التآليف؛ فَإِن الْحق سُلْطَان!!
وَرَأى أَن تَغْيِير نظام الْحَيَاة فِي أَي من أنحاء الْعَالم يتطلب تبدل الأفكار والقيم الْعَقْلِيَّة، ويستدعي تَغْيِير أساليب التَّعْلِيم. وَقد سعى الطَّاهِر إِلَى إِيجَاد تَعْلِيم ابتدائي إسلامي فِي المدن الْكَبِيرَة فِي تونس على غرار مَا يفعل الْأَزْهَر فِي مصر، وَلكنه قوبل بعراقيل كَبِيرَة.
أما سَبَب الْخلَل وَالْفساد اللَّذين أصابا التَّعْلِيم الإسلامي فترجع فِي نظره إِلَى فَسَاد الْمعلم، وَفَسَاد التآليف، وَفَسَاد النظام الْعَام؛ وَأعْطى أَوْلَوِيَّة لإِصْلَاح الْعُلُوم والتآليف.
اختير ابْن عاشور فِي لجنة إصْلَاح التَّعْلِيم الأولى بالزيتونة فِي (صفر ١٣٢٨ هـ = ١٩١٠م) ، وَكَذَلِكَ فِي لجنة الْإِصْلَاح الثَّانِيَة (١٣٤٢ هـ = ١٩٢٤م) ، ثمَّ اختير شَيخا لجامع الزيتونة فِي (١٣٥١ هـ = ١٩٣٢م) ، كَمَا كَانَ شيخ الْإِسْلَام الْمَالِكِي؛ فَكَانَ أول شُيُوخ الزيتونة الَّذين جمعُوا بَين هذَيْن المنصبين، وَلكنه لم يلبث أَن استقال من المشيخة بعد سنة وَنصف بِسَبَب العراقيل الَّتِي وضعت أَمَام خططه لإِصْلَاح الزيتونة، وبسبب اصطدامه بِبَعْض الشُّيُوخ عِنْدَمَا عزم على إصْلَاح التَّعْلِيم فِي الزيتونة.
أُعِيد تعينه شَيخا لجامع الزيتونة سنة (١٣٦٤ هـ = ١٩٤٥م) ، وَفِي هَذِه الْمرة أَدخل إصلاحات كَبِيرَة فِي نظام التَّعْلِيم الزيتوني؛ فارتفع عدد الطلاب الزيتونيين، وزادت عدد الْمعَاهد التعليمية.
وشملت عناية الطَّاهِر بن عاشور إصْلَاح الْكتب الدراسية وأساليب التدريس ومعاهد التَّعْلِيم؛ فاستبدل كثيرا من الْكتب الْقَدِيمَة الَّتِي كَانَت تدرس وصبغ عَلَيْهَا الزَّمَان صبغة القداسة بِدُونِ مبرر، واهتم بعلوم الطبيعة والرياضيات، كَمَا رَاعى فِي المرحلة التعليمية الْعَالِيَة التبحر فِي أَقسَام التخصص، وَبَدَأَ التفكير فِي إِدْخَال الْوَسَائِل التعليمية المتنوعة.
وحرص على أَن يصطبغ التَّعْلِيم الزيتوني بالصبغة الشَّرْعِيَّة والعربية، حَيْثُ يدرس الطَّالِب الزيتوني الْكتب الَّتِي تنمي الملكات العلمية وتمكنه من الغوص فِي الْمعَانِي؛ لذَلِك دَعَا إِلَى التقليل من الْإِلْقَاء والتلقين، وَإِلَى الْإِكْثَار من التطبيق؛ لتنمية ملكة الْفَهم الَّتِي يَسْتَطِيع من خلالها الطَّالِب أَن يعْتَمد على نَفسه فِي تَحْصِيل الْعلم.
ولدى اسْتِقْلَال تونس أسندت إِلَيْهِ رئاسة الجامعة الزيتونية سنة (١٣٧٤ هـ = ١٩٥٦م) .
التَّحْرِير والتنوير
كَانَ الطَّاهِر بن عاشور عَالما مصلحا مجددا، لَا يَسْتَطِيع الباحث فِي شخصيته وَعلمه أَن يقف على جَانب وَاحِد فَقَط، إِلَّا أَن الْقَضِيَّة الجامعة فِي حَيَاته وَعلمه ومؤلفاته هِيَ التَّجْدِيد والإصلاح من خلال الْإِسْلَام وَلَيْسَ بَعيدا عَنهُ، وَمن ثمَّ جَاءَت آراؤه وكتاباته ثورة على التَّقْلِيد والجمود وثورة على التسيب والضياع الفكري والحضاري.
يعد الطَّاهِر بن عاشور من كبار مفسري الْقُرْآن الْكَرِيم فِي الْعَصْر الحَدِيث، وَلَقَد احتوى تَفْسِيره «التَّحْرِير والتنوير» على خُلَاصَة آرائه الاجتهادية والتجديدية؛ إِذْ اسْتمرّ فِي هَذَا التَّفْسِير مَا يقرب من ٥٠ عَاما، وَأَشَارَ فِي بدايته إِلَى أَن منهجه هُوَ أَن يقف موقف الحكم بَين طوائف الْمُفَسّرين، تَارَة لَهَا وَأُخْرَى عَلَيْهَا؛ «فالاقتصار على الحَدِيث الْمعَاد فِي التَّفْسِير هُوَ تَعْطِيل لفيض الْقُرْآن الْكَرِيم الَّذِي مَا لَهُ من نفاد» ، وَوصف تَفْسِيره بِأَنَّهُ «احتوى أحسن مَا فِي التفاسير، وَأَن فِيهِ أحسن مِمَّا فِي التفاسير» .
وَتَفْسِير التَّحْرِير والتنوير فِي حَقِيقَته تَفْسِير بلاغي، اهتم فِيهِ بدقائق البلاغة فِي كل آيَة من آيَاته، وَأورد فِيهِ بعض الْحَقَائِق العلمية وَلَكِن باعتدال وَدون توسع أَو إغراق فِي تفريعاتها ومسائلها.
وَقد نقد ابْن عاشور كثيرا من التفاسير والمفسرين، وَنقد فهم النَّاس للتفسير، وَرَأى أَن أحد أَسبَاب تَأَخّر علم التَّفْسِير هُوَ الولع بالتوقف عِنْد النَّقْل حَتَّى وَإِن كَانَ ضَعِيفا أَو فِيهِ كذب، وَكَذَلِكَ اتقاء الرَّأْي وَلَو كَانَ صَوَابا حَقِيقِيًّا، وَقَالَ: «لأَنهم توهموا أَن مَا خَالف النَّقْل عَن السَّابِقين إِخْرَاج لِلْقُرْآنِ عَمَّا أَرَادَ الله بِهِ» ؛ فَأَصْبَحت كتب التَّفْسِير عَالَة على كَلَام الأقدمين، وَلَا همّ للمفسر إِلَّا جمع الْأَقْوَال، وبهذه النظرة أصبح التَّفْسِير «تسجيلا يقيَّد بِهِ فهم الْقُرْآن ويضيَّق بِهِ مَعْنَاهُ» .
وَلَعَلَّ نظرة التَّجْدِيد الإصلاحية فِي التَّفْسِير تتفق مَعَ الْمدرسَة الإصلاحية الَّتِي كَانَ من روادها الإِمَام مُحَمَّد عَبده الَّذِي رأى أَن أفضل مُفَسّر لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم هُوَ الزَّمن، وَهُوَ مَا يُشِير إِلَى معَان تجديدية، ويتيح للأفهام والعقول المتعاقبة الغوص فِي مَعَاني الْقُرْآن. وَكَانَ لتفاعل الطَّاهِر بن عاشور الإيجابي مَعَ الْقُرْآن الْكَرِيم أَثَره الْبَالِغ فِي عقل الشَّيْخ الَّذِي اتسعت آفاقه فَأدْرك مَقَاصِد الْكتاب الْحَكِيم وألم بأهدافه وأغراضه، مِمَّا كَانَ سَببا فِي فهمه ل مقاصد الشَّرِيعَة الإسلامية الَّتِي وضع فِيهَا أهم كتبه بعد التَّحْرِير والتنوير وَهُوَ كتاب «مَقَاصِد الشَّرِيعَة» .
مَقَاصِد الشَّرِيعَة
كَانَ الطَّاهِر بن عاشور فَقِيها مجددا، يرفض مَا يردده بعض أدعياء الْفِقْه من أَن بَاب الِاجْتِهَاد قد أغلق فِي أعقاب الْقرن الْخَامِس الهجري، وَلَا سَبِيل لفتحه مرّة ثَانِيَة، وَكَانَ يرى أَن ارتهان الْمُسلمين لهَذِهِ النظرة الجامدة المقلدة سَيُصِيبُهُمْ بالتكاسل وسيعطل إِعْمَال الْعقل لإيجاد الْحُلُول لقضاياهم الَّتِي تَجِد فِي حياتهم.
وَإِذا كَانَ علم أصُول الْفِقْه هُوَ الْمنْهَج الضَّابِط لعملية الِاجْتِهَاد فِي فهم نُصُوص الْقُرْآن الْكَرِيم واستنباط الْأَحْكَام مِنْهُ فَإِن الاختلال فِي هَذَا الْعلم هُوَ السَّبَب فِي تخلي الْعلمَاء عَن الِاجْتِهَاد. وَرَأى أَن هَذَا الاختلال يرجع إِلَى توسيع الْعلم بِإِدْخَال مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُجْتَهد، وَأَن قَوَاعِد الْأُصُول دونت بعد أَن دون الْفِقْه، لذَلِك كَانَ هُنَاكَ بعض التَّعَارُض بَين الْقَوَاعِد وَالْفُرُوع فِي الْفِقْه، كَذَلِك الْغَفْلَة عَن مَقَاصِد الشَّرِيعَة؛ إِذْ لم يدون مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل، وَكَانَ الأولى أَن تكون الأَصْل الأول لِلْأُصُولِ لِأَن بهَا يرْتَفع خلاف كَبِير.
وَيعْتَبر كتاب «مَقَاصِد الشَّرِيعَة» من أفضل مَا كتب فِي هَذَا الْفَنّ وضوحا فِي الْفِكر ودقة فِي التَّعْبِير وسلامة فِي الْمنْهَج واستقصاء للموضوع.
محنة التَّجْنِيس
لم يكن الطَّاهِر بن عاشور بَعيدا عَن سِهَام الاستعمار والحاقدين عَلَيْهِ والمخالفين لمنهجه الإصلاحي التجديدي، فتعرض الشَّيْخ لمحنة قاسية استمرت ٣ عُقُود عرفت بمحنة التَّجْنِيس، وملخصها أَن الاستعمار الفرنسي أصدر قانونا فِي (شَوَّال ١٣٢٨ هـ = ١٩١٠م) عرف بقانون التَّجْنِيس، يتيح لمن يرغب من التونسيين التجنس بالجنسية الفرنسية؛ فتصدى الوطنيون التونسيون لهَذَا القانون وَمنعُوا المتجنسين من الدّفن فِي الْمَقَابِر الإسلامية؛ مِمَّا أربك الفرنسيين فلجأت السلطات الفرنسية إِلَى الْحِيلَة لاستصدار فَتْوَى تضمن للمتجنسين التَّوْبَة من خلال صِيغَة سُؤال عَامَّة لَا تتَعَلَّق بالحالة التونسية توجه إِلَى الْمجْلس الشَّرْعِيّ.
وَكَانَ الطَّاهِر يتَوَلَّى فِي ذَلِك الْوَقْت سنة (١٣٥٢ هـ = ١٩٣٣م) رئاسة الْمجْلس الشَّرْعِيّ لعلماء الْمَالِكِيَّة فَأفْتى الْمجْلس صَرَاحَة بِأَنَّهُ يتَعَيَّن على المتجنس عِنْد حُضُوره لَدَى القَاضِي أَن ينْطق بِالشَّهَادَتَيْنِ ويتخلى فِي نفس الْوَقْت عَن جنسيته الَّتِي اعتنقها، لَكِن الاستعمار حجب هَذِه الْفَتْوَى، وبدأت حَملَة لتلويث سمعة هَذَا الْعَالم الْجَلِيل، وتكررت هَذِه الحملة الآثمة عدَّة مَرَّات على الشَّيْخ، وَهُوَ صابر محتسب.
صدق الله وَكذب بورقيبة
وَمن المواقف الْمَشْهُورَة للطاهر بن عاشور رفضه الْقَاطِع استصدار فَتْوَى تبيح الْفطر فِي رَمَضَان، وَكَانَ ذَلِك عَام (١٣٨١ هـ = ١٩٦١م) عِنْدَمَا دَعَا «الحبيبُ بورقيبة» الرئيسُ التّونسِيّ السَّابِق العمالَ إِلَى الْفطر فِي رَمَضَان بِدَعْوَى زِيَادَة الإنتاج، وَطلب من الشَّيْخ أَن يُفْتِي فِي الإذاعة بِمَا يُوَافق هَذَا، لَكِن الشَّيْخ صرح فِي الإذاعة بِمَا يُريدهُ الله تَعَالَى، بعد أَن قَرَأَ آيَة الصّيام، وَقَالَ بعْدهَا: «صدق الله وَكذب بورقيبة» ، فخمد هَذَا التطاول المقيت وَهَذِه الدعْوَة الْبَاطِلَة بِفضل مقولة ابْن عاشور.
وَفَاته
وَقد توفّي الطَّاهِر بن عاشور فِي (١٣ رَجَب ١٣٩٣ هـ = ١٢ أغسطس ١٩٧٣م) بعد حَيَاة حافلة بِالْعلمِ والإصلاح والتجديد على مستوى تونس والعالم الإسلامي.
стр. 4
[تَرْجَمَة ابْن عاشور، بقلم الْمهْدي بن حميدة] (*)
(مُحَمَّد الطَّاهِر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور التّونسِيّ)
١- آل عاشور
أصل هَذِه الشَّجَرَة الزكية الأول هُوَ مُحَمَّد بن عاشور، ولد بِمَدِينَة سلا من الْمغرب الْأَقْصَى بعد خُرُوج وَالِده من الأندلس فَارًّا بِدِينِهِ من الْقَهْر والتنصير. توفّي سنة ١١١٠هـ وَقد سَطَعَ نجم آخر وَهُوَ الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور وَهُوَ جد مترجمنا، ولد سنة ١٢٣٠هـ وَقد تقلد مناصب هَامة كالقضاء والإفتاء والتدريس والإشراف على الْأَوْقَاف الْخَيْرِيَّة والنظارة على بَيت المَال والعضوية بِمَجْلِس الشورى.
وَمن أشهر تلاميذه الشَّيْخ مُحَمَّد الْعَزِيز بوعتور وَالشَّيْخ يُوسُف جعيط وَالشَّيْخ أَحْمد بن الخوجة. وَالشَّيْخ سَالم بوحاجب وَالشَّيْخ مَحْمُود بن الخوجة وَالشَّيْخ مُحَمَّد بيرم. وَمن سلالة آل عاشور وَالِد شَيخنَا الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن عاشور وَقد تولى رئاسة مجْلِس إدارة جمعية الْأَوْقَاف ثمَّ خَلفه عَلَيْهَا "أَبُو النخبة المثقفة" مُحَمَّد البشير صفر حَيْثُ عينته الدولة نَائِبا عَنْهَا فِي تِلْكَ المؤسسة وَقد تدعمت الصِّلَة وتمتنت بَين الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور الْجد وتلميذه مُحَمَّد الْعَزِيز بوعتور الْوَزير نتج عَنْهَا زيجة شَرْعِيَّة لابنَة الثَّانِي - مُحَمَّد الْعَزِيز بوعتور - على ابْن الأول - الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور الْجد - وَهَكَذَا تمت أواصر هَذِه العائلة بالعائلات التونسية [١] وَأخذت مَكَانهَا وارتبطت صلَاتهَا فَكَانَت شَجَرَة طيبَة زيتونة لَا شرقية وَلَا غربية أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء تؤتي أكلهَا كل حِين بِإِذن رَبهَا.
٢- مولده ونشأته (١٨٧٩/١٩٧٣)
بشّرت هَذِه العائلة الشَّرِيفَة بِوِلَادَة الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور بالمرسى ضاحية من ضواحي العاصمة التونسية فِي جُمَادَى الأولى سنة ١٢٩٦ هـ الْمُوَافق لشهر سبتمبر ١٨٧٩م [٢] .
نَشأ الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور فِي بيئة علمية لجده للْأَب قَاضِي قُضَاة الْحَاضِرَة التونسية وجده للْأُم الشَّيْخ مُحَمَّد الْعَزِيز بوعتور. فَفِي مثل هَذَا الْوسط العلمي والسياسي والإصلاحي شب مترجمنا فحفظ الْقُرْآن الْكَرِيم حفظا متقنا مُنْذُ صغر سنه وَحفظ الْمُتُون العلمية كَسَائِر أَبنَاء عصره من التلاميذ ثمَّ تعلم مَا تيَسّر لَهُ من اللُّغَة الفرنسية [٣] .
ارتحل إِلَى الْمشرق الْعَرَبِيّ وأوروبا وشارك فِي عدَّة ملتقيات إسلامية. كَانَ عضوا مراسلا لمجمع اللُّغَة الْعَرَبيَّة بِالْقَاهِرَةِ سنة ١٩٥٦م، وبالمجمع العلمي الْعَرَبِيّ بِدِمَشْق سنة ١٩٥٥م. اشْتهر بِالصبرِ والاعتزاز بِالنَّفسِ والصمود أَمَام الكوارث، والترفع عَن الدُّنْيَا، حاول أقْصَى جهده إنقاذ التَّعْلِيم الزيتوني وتصدى لَهُ بمعارفه ويقينه وَلَكِن أَيدي الأعادي تسلطت على هَذِه المنارة العلمية فألغتها سنة ١٩٦١م فَتَوَلّى الْعلم بتونس وانزوى حَتَّى توفّي الإِمَام الشَّيْخ ﵀ يَوْم الْأَحَد ١٢ أوت ١٩٧٣م وَدفن بمقبرة الزلاج بِمَدِينَة تونس رَحمَه الله تَعَالَى وَجَعَلنَا خير خلف لخير سلف [٤] .
٣- مسيرته الدراسية والعلمية
الْتحق الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور بِجَامِع الزيتونة فِي سنة ١٣٠٣هـ/ ١٨٨٦ م وثابر على تَعْلِيمه بِهِ حَتَّى أحرز على شَهَادَة التطويع سنة ١٣١٧هـ/١٨٩٩م وَسمي عدلا مبرزا. ابْتِدَاء من سنة ١٩٠٠ م إِلَى سنة ١٩٣٢ أقبل على التدريس بِجَامِع الزيتونة والمدرسة الصادقية مدرسا من الدرجَة الثَّانِيَة فمدرسا من الدرجَة الأولى سنة ١٩٠٥م، ثمَّ عضوا مؤسسا للجنة إصْلَاح التَّعْلِيم بِجَامِع الزيتونة سنة ١٩١٠م. الْتحق الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور بِالْقضَاءِ سنة ١٩١١م فَكَانَ عضوا بالمحكمة العقارية وقاضيا مالكيا ثمَّ مفتيا مالكيا سنة ١٩٢٣م فكبير الْمُفْتِينَ سنة ١٩٢٤م فَشَيْخ الْإِسْلَام للْمَذْهَب الْمَالِكِي سنة ١٩٣٢م، وَقد بَاشر ﵀ كل هَذِه المهام بمهارة ودقة علمية نادرة وبنزاهة وَحسن نظر فَكَانَ حجَّة ومرجعا فِي مَا يقْضِي بِهِ. سمي شيخ جَامع الزيتونة وفروعه لأوّل مرّة فِي سبتمبر سنة ١٩٣٢م بعد أَن اشْترك فِي إدارة الْكُلية الزيتونية، وَلكنه استقال من مشيخة جَامع الزيتونة بعد سنة (سبتمبر سنة ١٩٣٣م) ثمَّ سمي من جَدِيد شَيخا لجامع الزيتونة فِي سنة ١٩٤٥م. وَفِي سنة ١٩٥٦م شَيخا عميدا للكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدَّين حَتَّى سنة ١٩٦٠م حَيْثُ أُحِيل إِلَى الرَّاحَة بِسَبَب موقفه تجاه الحملة الَّتِي شنها بورقيبة يَوْمئِذٍ ضد فَرِيضَة الصّيام فِي رَمَضَان [٥] . كَانَ مُقبلا على الْكِتَابَة وَالتَّحْقِيق والتأليف، فقد شَارك فِي إنْشَاء مجلة السَّعَادَة الْعُظْمَى سنة ١٩٥٢م وَهِي أول مجلة تونسية مَعَ صديقه الْعَلامَة الشَّيْخ مُحَمَّد الْخضر حُسَيْن ﵀. وَنشر بحوثا عديدة خُصُوصا فِي الْمجلة الزيتونية ومجلات مشرقية مثل هدى الْإِسْلَام والمنار وَالْهِدَايَة الإسلامية وَنور الْإِسْلَام ومجلة مجمع اللُّغَة الْعَرَبيَّة بِالْقَاهِرَةِ. كَمَا نشرت لَهُ مجلة الْمجمع العلمي بِدِمَشْق. شَارك فِي الموسوعة الْفِقْهِيَّة الَّتِي تشرف عَلَيْهَا وزارة الْأَوْقَاف والشئون الإسلامية بالكويت بمبحث قيم [٦] .
٤- شُيُوخه
اكْتسب الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور ثقافة وَاسِعَة شملت التَّفْسِير والْحَدِيث والقراءات ومصطلح الحَدِيث وَالْبَيَان واللغة والتاريخ والمنطق وَعلم الْعرُوض وأعمل فكره فِيمَا حصله وَتوسع فِي ذَلِك وحلله. فقد تخرج على أَيدي ثلة من عُلَمَاء عصره امتازوا بثقافة موسوعية فِي عُلُوم الدَّين وقواعد اللُّغَة الْعَرَبيَّة وبلاغتها وبيانها وبديعها إِلَى جَانب قدرَة على التَّبْلِيغ وَمَعْرِفَة بطرق التدريس والتركيز على تربية الملكات فِي الْعُلُوم وَمن أشهرهم الشَّيْخ مُحَمَّد النجار وَالشَّيْخ سَالم بوحاجب وَالشَّيْخ مُحَمَّد النخلي وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن يُوسُف وَالشَّيْخ عمر بن عاشور وَالشَّيْخ صَالح الشريف رَحِمهم الله تَعَالَى جَمِيعًا.
وَإِذا تصفحنا حَيَاة هَؤُلَاءِ الْأَعْلَام وجدناها حَيَاة علمية زاخرة حافلة بجلائل الْأَعْمَال قد أعْطوا الْحَيَاة التونسية عَطاء جزيلا فِي الدَّين والاجتماع وَالْأَدب والسياسة وَهَؤُلَاء النبغاء وَإِن لم يتْركُوا مؤلفات ضخمة إِلَّا أَنهم تركُوا تلاميذ شهدُوا لَهُم بطول الباع فِي نقد الْآثَار والمناهج وتتبع الهنات اللُّغَوِيَّة، وَقد كَانَ الشَّيْخ بوحاجب أخصائيا فِي عُلُوم اللُّغَة والنحو والبلاغة وَالْأَدب.
والأستاذ عمر بن الشَّيْخ ماهر فِي الْفِقْه والمنطق وَالْكَلَام والفلسفة. وَالشَّيْخ مُحَمَّد النجار كَانَ جَامعا لشتى الْعُلُوم الَّتِي تدرس بِجَامِع الزتونة. [٧]
وَهَؤُلَاء الْعلمَاء الَّذين تتلمذ عَلَيْهِم الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور كَانُوا ثَمَرَة لمصلحين أسهموا الْحَيَاة التونسية إسهاما جَلِيلًا على شَتَّى المستويات الأدبية والاجتماعية أَمْثَال الشَّيْخ إِبْرَاهِيم الريَاحي وَإِسْمَاعِيل التَّمِيمِي والوزير خير الدَّين باشا صَاحب أقوم المسالك وَالشَّيْخ مَحْمُود قبادو. وَلَقَد كَانَ هَؤُلَاءِ الْعلمَاء زعماء الْمدرسَة الإصلاحية التونسية، وَكَانَت فرعا مهما للمدارس الإصلاحية الَّتِي نشرت فِي الْعَالم الإسلامي كالمدرسة الدهلوية والمدرسة الوهابية والمدرسة الأفغانية - نِسْبَة إِلَى جمال الدَّين الأفغاني - وَهَذِه الْمدرسَة إِلَى جَانب الْمدرسَة المغربية تتفق مَعَ مدارس الْعَالم الإسلامي فِي الأسس والمبادئ وتختلف عَنْهَا فِي الأساليب والطرائق. بيد أَنَّهَا تلتقي جَمِيعًا حول هدف موحد هُوَ مقاومة التَّخَلُّف المزري الَّذِي تردى فِيهِ الْمُسلمُونَ بالرغم من أَن دينهم دين الْفِكر والحضارة وَالْعلم والمدنية [٨] .
٥- تأثره بمفكري عصره
لقد كَانَ للحركة الإصلاحية الَّتِي تزعمها السَّيِّد جمال الدَّين الأفغاني وتابعها تِلْمِيذه الشَّيْخ مُحَمَّد عَبده صداها الْبعيد فِي الْعَالم الإسلامي، فقد فتحت بصائر النَّاس وحركتهم عَن طَرِيق مجلة العروة الوثقى والزيارات المتتابعة للبلدان الإسلامية من قبل الشَّيْخَيْنِ الأفغاني وَمُحَمّد عَبده. وَفِي هَذَا النطاق تتدرج زيارتي الشَّيْخ مُحَمَّد عَبده إِلَى تونس الأولى كَانَت سنة ١٨٨٥م وَكَانَ عمر الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور ثَمَانِي سنوات. والأرجح أَن مترجمنا لم يتطلع إِلَى هَذِه الآراء الإصلاحية بعد نظرا لصِغَر سنه.
أما الزِّيَارَة الثَّانِيَة لمفتي الديار المصرية فَكَانَت سنة ١٩٠٣م/١٣٢١هـ وَكَانَ عمر الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور ثَلَاث وَعشْرين سنة وَهُوَ يشغل خطة مدرس من الطَّبَقَة الثَّانِيَة وَقد نجح فِي هَذِه الخطة فِي نفس هَذِه السّنة [٩] .
فَهُوَ فِي مقتبل الْعُمر وَقد نَضِجَتْ أفكاره وتشبع وَقَرَأَ كثيرا من آرائه، وتشوفت نَفسه للقاء هَذَا المصلح الْكَبِير. وَتحقّق لَهُ ذَلِك فقد حل مُحَمَّد عَبده ضيفا بالمرسى عِنْد الْوَزير خَلِيل أَبُو حَاجِب بقصره الْمَعْرُوف [١٠] . وَقد عقدت مجَالِس علمية بَين الشبخ مُحَمَّد عَبده وَبَين مفكري الْبِلَاد التونسيين. وَكَانَ الشَّيْخ الْأُسْتَاذ ابْن عاشور لَا يتَخَلَّف عَنْهَا وَكَانَ من بَين الَّذين تقدمُوا للأستاذ الإِمَام باقتراح يطْلبُونَ فِيهِ مِنْهُ بِأَن يلقِي درسا بالجمعية الخلدونية وَكَانَ عضوا بمجلسها الإداري، وَقد كَانَ لَهُ ذَلِك وَأُلْقِي الدَّرْس فِي جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ١٣٢١هـ/ سبتمبر ١٩٠٣م [١١] .
وَلم يقْتَصر الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور على اجتماعه بمصلحي الشرق فَحسب بل اجْتمع بمفكري الْعَالم الغربي من ذَلِك اجتماعه بالمستشرق اوبنهايم الْمَعْرُوف بمناهجه الفلسفية والدينية ومقارنة الْأَدْيَان والمذاهب وأصولها ومبادئها. وَله فِي هَذَا المجال بَاعَ وَلَقَد فاجئني فِي كِتَابه» أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب «بإشاراته الباهرة إِلَى مفكري الغرب ونظرته لأفكارهم بِعَين النَّقْد، يوحي إِلَيْك من خلالها أَنه مُتَمَكن من اللُّغَة الفرنسية على أقل شَيْء [١٢] .
٦- إصلاحاته ورؤيته للإصلاح
بَدَأَ الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور بمساعدة ثلة من الْأَنْصَار الأوفياء فِي تخطيط مراحل الْإِصْلَاح وتطبيق النّظم الَّتِي يَرَاهَا كفيلة بتحقيق الهدف الَّذِي يصبو إِلَيْهِ لِلْخُرُوجِ بِهَذَا المعهد الْعَظِيم من كبوته [١٣] بعد أَن تكلم عَن أساليب التَّعْلِيم "الزيتوني" ومناهجه بِلِسَان النَّقْد فِي كِتَابه» أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب «الَّذِي أَلفه سنة ١٩٠٧م - ١٣٢١هـ وَالَّذِي ضمنه رُؤْيَته للإصلاح وحدد فِيهِ أَسبَاب تخلف الْعُلُوم مصنفا كل علم على حِدة وَاعْتبر أَن إصْلَاح حَال الْأمة لَا يكون إِلَّا بإصلاح مناهج التَّعْلِيم وَالْقِيَام على هَذَا الْجَانِب، كتب كِتَابه هَذَا وعمره لم يتَجَاوَز الْخَمْسَة وَعشْرين سنة مِمَّا يدل على أَن هَذَا الشَّيْخ الْجَلِيل كرس حَيَاته للنهوض بالجامع الْأَعْظَم وبالتالي على مكمن الدَّاء فِي تخلف الْأمة، وَلَئِن أحس الشَّيْخ بجسامة المهمة والبون الشاسع بَين وَاقع الْمُسلمين وَمَا وصلت إِلَيْهِ الْأُمَم الغربية من امتلاك أَسبَاب النهضة والرقي إِلَّا أَنه لم يدّخر جهدا وَلم يثن عزما فِي السّير فِي هَذَا الطَّرِيق المليء بالأشواك.
لقد شملت عناية الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور إصْلَاح الْكتب الدراسية وأساليب التدريس ومعاهد التَّعْلِيم. وَقد اهتمت لجان من شُيُوخ الزيتونة بتشجيع مِنْهُ بِهَذَا الْغَرَض. وَنظرت فِي الْكتب الدراسية على مُخْتَلف مستوياتها وَعمل الشَّيْخ على استبدال كتب كَثِيرَة كَانَت مُنْذُ عصور مَاضِيَة تدرّس وصبغ عَلَيْهَا قدم الزَّمَان صبغة احترام وقداسة موهومة.
لقد حرص الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور على خاصتي التَّعْلِيم الزيتوني: الصبغة الشَّرْعِيَّة واللغة الْعَرَبيَّة وللوصول إِلَى هَذَا الهدف لابد من تَخْصِيص كتب دراسية شهد لَهَا الْعلمَاء بغزارة الْعلم وإحكام الصَّنْعَة وتنمية الملكات فِي التَّحْرِير ليتخرج من "الزيتونة" الْعَالم المقتدر على الْخَوْض فِيمَا درس من الْمسَائِل وتمحيصها ونقدها. ولتحقيق هَذِه الأهداف دَعَا الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور المدرسين إِلَى التقليل من الْإِلْقَاء والإكثار من الأشغال التطبيقية. حَتَّى تتربى للطَّالِب ملكة بهَا يسْتَقلّ فِي الْفَهم. ويعول على نَفسه فِي التَّحْصِيل على ثقافته الْعَامَّة والخاصة. وَقد حث المدرسين على نقد الأساليب والمناهج الدراسية وَاخْتِيَار أحْسنهَا أثْنَاء الدَّرْس ومراعاة تربية الملكة، بدل شحن الْعقل بمعلومات كَثِيرَة قد لَا يحسن الطَّالِب التَّصَرُّف فِيهَا. فَكَانَت دَعوته للإصلاح ذَات بعدِي التنظير والتطبيق الميداني.
стр. 5
- تطور الْعُلُوم
يَقُول الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور فِي كِتَابه "أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب" - إِيذَانًا مِنْهُ بِقرب النَّصْر واستعادة الْأمة مجدها وتخلصها من المستعمر الفرنسي الَّذِي باغتها فِي عقل دارها-:" رَأَيْت الَّذِي يطْمع فِي الْبَحْث عَن مُوجبَات تدلي الْعُلُوم يَرْمِي بِنَفسِهِ إِلَى متسع رُبمَا لَا يجد مِنْهُ مخرجا فِي أمد غَيره طَوِيل، وأيقنت أَن لأسباب تَأَخّر الْمُسلمين عُمُوما رابطة وَثِيقَة بِأَسْبَاب تَأَخّر الْعُلُوم" [١٤] . أحس الشَّيْخ ابْن عاشور بِقِيمَة الْعلم فِي سَبِيل نهوض الْأمة وحاول من خلال كِتَابه الْمَذْكُور أَن يقدم بديلا لما سَاد فِي أوساط الْجَامِع الْمَعْمُور من مناهج لتدريس الطّلبَة الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة الَّتِي توارثها الأجيال أَبَا عَن جد دون نظر وإعمال للرأي ومكنت الغرب بالتالي من استحكام سيطرته على الْعَالم الإسلامي والقطر التّونسِيّ جُزْء مِنْهُ.
وَقبل أَن يسْرد سببين رئيسيين لتأخر الْعُلُوم وَيزِيد عَلَيْهِمَا خَمْسَة عشر سَببا فرعيا، قدم نظرته إِلَى الْعُلُوم ورسم منهجه فِي التَّعَامُل مَعَ الْعلم وأطواره، فقسم الْعُلُوم قسمَيْنِ من جِهَة ثَمَرَتهَا:
١- مَا تنشأ عَنْهَا ثَمَرَة هِيَ من نوع مَوْضُوعَات مسَائِله، كعلم النَّحْو فثمرته تجتنى مِنْهُ وَهِي ثَمَرَة لفظية مَحْضَة.
٢- مَا يبْحَث عَن أَشْيَاء لَا لذاتها بل لاستنتاج نتائج عَنْهَا مثل علم التَّارِيخ والفلسفة والهندسة النظرية وأصول الْفِقْه وَغَيرهَا، فبالتاريخ يَسْتَعِين مزاوله على عقل التجارب وتجنب مضار الحضارات والأخطاء الَّتِي وَقعت فِيهَا الْأُمَم السَّابِقَة، والفلسفة تنير الْعقل وتدربه على فتح أَبْوَاب الْحَقَائِق وهاته الْأَشْيَاء لَا تقْرَأ فِي الفلسفة وَإِنَّمَا يتعودها الذِّهْن فِي ضمن ممارساته وَمثل ذَلِك علم البلاغة وَجَمِيع الْعُلُوم البرهانية النظرية، وأصول الْفِقْه فِي فلسفة الاستنباط.
يضيف فِي كِتَابه "أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب" ليقول كَلمته الحاسمة فِي التَّعَامُل مَعَ الْعُلُوم بمنطق النَّقْد والتطوير دون الْخُرُوج عَن أدب الِالْتِزَام بمناهج القدماء من سلف الْأمة، فَيَقُول:" وَإِن أطوار الْعُلُوم فِي الْأمة تشبه أطوارها فِي الْأَفْرَاد ذَلِك أَن الْعلم فِي الْأمة كَمَا هُوَ فِي الْفَرد لَهُ أَرْبَعَة أطوار:
١- طور الْحِفْظ والتقليد وَالْقَبُول للمسائل كَمَا هِيَ من غير انتساب بَعْضهَا من بعض وَلَا تفكر فِي غايتها بل لقصد الْعَمَل.
٢- طور انتساب بَعْضهَا من بعض وتنويعها وَالِانْتِفَاع بِبَعْضِهَا فِي بعض.
٣- طور الْبَحْث فِي عللها وأسرارها وغاياتها.
٤- الحكم عَلَيْهَا بِاعْتِبَار تِلْكَ الْعِلَل بالتصحيح والنقد وَهُوَ طور التضلع والتحرير.
- المسيرة النضالية
عُزز موقف الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر بن عاشور بتسميته شَيخا لِلْإِسْلَامِ الْمَالِكِي سنة ١٩٣٢م ثمَّ بتكليفه فِي شهر سبتمبر من نفس السّنة ١٩٣٢م بمهام شيخ مدير الْجَامِع الْأَعْظَم وفروعه فتيسر لَهُ الشُّرُوع فِي تطبيق آرائه الإصلاحية الَّتِي كَانَت شغله الشاغل [١٥] إِلَّا أَن الدسائس والمؤامرات الَّتِي كَانَت تحاك ضِدّه من طرف معارضيه "الزيتونيين" من المتحفظين على خطواته الإصلاحية من جِهَة وأعدائه وخصومه السياسيين "زعماء الحزب الْحر الدستوري الْجَدِيد" الَّذين شعروا بنفوذه وقبوله من طرف كل المحيطين بِهِ والدور الَّذِي يُمكن أَن يلعبه فِي سحب الْبسَاط من تَحت أَرجُلهم [١٦] من جِهَة ثَانِيَة جعلته يقدم استقالته فِي سبتمبر السّنة الموالية ١٩٣٣م. وَفِي سنة ١٣٦٤هـ -١٩٤٥م عيّن مرّة ثَانِيَة شَيخا للجامع الْأَعْظَم وفروعه وقوبلت عودة الشَّيْخ بحماس فياض من طرف الأوساط الزيتونية والرأي التّونسِيّ بِصفة عَامَّة واهتز المعهد الزيتوني وفروعه سُرُورًا فانتظمت عدَّة تظاهرات تكريما وارتياحا لعودة الشَّيْخ بالعاصمة وَمِنْهَا الِاسْتِقْبَال الْحَار الَّذِي خصته بِهِ فروع سوسة والقيروان وصفاقس بمناسبة الزِّيَارَة التفقدية الَّتِي قَامَ بهَا الشَّيْخ ابْن عاشور فِي ماي ١٩٤٥م فَور تَسْمِيَته من جَدِيد على رَأس إدارة التَّعْلِيم الزيتوني فَانْطَلَقت أَلْسِنَة الأدباء وَالشعرَاء بالقصائد الحماسية والأناشيد [١٧] .
واستأنف الشَّيْخ تطبيق برنامجه الإصلاحي فَجعل الْفُرُوع الزيتونية تَحت مراقبة إدارة مشيخة الْجَامِع رَأْسا بَعْدَمَا كَانَت ترجع شؤونها بِالنّظرِ إِلَى السلط الشَّرْعِيَّة الجهوية. كَمَا زَاد الشَّيْخ ابْن عاشور فِي عدد الْفُرُوع الزيتونية الَّذِي ارْتقى فِي مُدَّة سبع سنوات (١٩٤٩ - ١٩٥٦م) من ثَمَانِيَة إِلَى خمس وَعشْرين (مِنْهَا اثْنَان للفتيات فِي تونس وصفاقس) وَصَارَ عدد تلامذة الزيتونة وفروعها يناهز الْعشْرين ألف تلميذ فِي حُدُود ١٩٥٦م [١٨] .
كَمَا امتدت شبكة فروع الزيتونة إِلَى الْقطر الجزائري بإنشاء فرعين فِي مَدِينَة قسنطينة [١٩] .
وحرص الشَّيْخ ابْن عاشور على أَن يحسن من أوضاع الطّلبَة المعيشية والاجتماعية لَهُم لما لَهُ قيمَة فِي رفع معنويات الطّلبَة الزيتونيين إزاء إخْوَانهمْ الميسرين، وأمام الضغوط من حَولهمْ على الْقَضَاء على التَّعْلِيم الزيتوني [٢٠] والحيرة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أغلب أَبنَاء الزيتونة والآفاق الَّتِي يُمكن أَن يرسموها لمستقبلهم، فأنشئت مطابخ بِبَعْض الْمدَارِس مكنت الطّلبَة من تنَاول الطَّعَام ثَلَاث مَرَّات فِي الْيَوْم بأسعار زهيدة. إِلَّا أَن ذَلِك لم يكن شَيْئا يذكر أَمَام البنايات الْقَدِيمَة وَضعف مَالِيَّة إدارة المشيخة وَهِي حَقِيقَة عاشها كل الزيتونيين.
تجدر الْإِشَارَة إِلَى أَن سلطات الحماية حاولت تَعْطِيل إنجاز برنامج الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور بطرق متنوعة مِنْهَا مقاومة إنْشَاء الْفُرُوع ...وَقد زَاد تفاقم الْوَضع الظروف السياسية فِي الْبِلَاد وانعكاسها على الأوساط الزيتونية انعكاسا تسبب فِي اضْطِرَاب دَاخل الْجَامِع. وبسبب تمسك الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور بمبدأ عدم الاستجابة لرغبة الْأَحْزَاب السياسية فَاشْتَدَّ الْخلاف بَينه وَبَين الوزارة فِي سنة ١٩٥٠م [٢١] ، خُصُوصا إِثْر رفض الشَّيْخ ابْن عاشور لطلب تِلْكَ الوزارة بطرد بعض الطّلبَة أَعْضَاء صَوت الطَّالِب الزيتوني [٢٢] المناهض للحزب. وَقد قررت السلطة إبعاد الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور عَن مُبَاشرَة وظيفته مَعَ إبقائه فِي خطته وتكليف كاهيته الشَّيْخ عَليّ النيفر بإدارة المشيخة. وَفِي سِتَّة ١٩٥٦م عَاد الشَّيْخ ابْن عاشور إِلَى مُبَاشرَة شؤون التَّعْلِيم الزيتوني بعنوان شيخ عميد للجامعة الزيتونية من سنة ١٩٥٦ إِلَى ١٩٦٠م تَارِيخ الْقَضَاء على الزيتونة والتعليم الزيتوني.
٧- كتاباته ومؤلفاته
كَانَ أول من حَاضر بِالْعَرَبِيَّةِ بتونس فِي هَذَا الْقرن، أما كتبه ومؤلفاته فقد وصلت إِلَى الْأَرْبَعين هِيَ غَايَة فِي الدقة العلمية. وتدل على تبحر الشَّيْخ فِي شَتَّى الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَالْأَدب. وَمن أجلّها كِتَابه فِي التَّفْسِير "التَّحْرِير والتنوير" مَوْضُوع بحثنا. وَكتابه الثمين والفريد من نَوعه "فِي مَقَاصِد الشَّرِيعَة الإسلامية"، وَكتابه حَاشِيَة التَّنْقِيح للقرافي، و"أصُول الْعلم الاجتماعي فِي الْإِسْلَام"، وَالْوَقْف وآثاره فِي الْإِسْلَام، وَنقد علمي لكتاب أصُول الحكم، وكشف المعطر فِي أَحَادِيث الْمُوَطَّأ، والتوضيح والتصحيح فِي أصُول الْفِقْه، وموجز البلاغة، وَكتاب الْإِنْشَاء والخطابة، شرح ديوَان بشار وديوان النَّابِغَة ... إِلَخ.
وَلَا تزَال العديد من مؤلفات الشَّيْخ مخطوطة مِنْهَا: مَجْمُوع الْفَتَاوَى، وَكتاب فِي السِّيرَة، ورسائل فقهية كَثِيرَة [٢٣] .
وَقد قسمت مؤلفاته إِلَى قسمَيْنِ مِنْهَا مؤلفات فِي الْعُلُوم الإسلامية، وَأُخْرَى فِي الْعَرَبيَّة وآدابها [٢٤] :
· الْعُلُوم الإسلامية:
١- التَّحْرِير والتنوير
٢- مَقَاصِد الشَّرِيعَة الإسلامية
٣- أصُول النظام الاجتماعي فِي الْإِسْلَام
٤- أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب
٥- الْوَقْف وآثاره فِي الْإِسْلَام
٦- كشف الْمُعْطى من الْمعَانِي والألفاظ الْوَاقِعَة فِي الْمُوَطَّأ
٧- قصَّة المولد
٨- حَوَاشِي على التَّنْقِيح لشهاب الدَّين الْقَرَافِيّ فِي أصُول الْفِقْه
٩- رد على كتاب الْإِسْلَام وأصول الحكم تأليف على عبد الرازق
١٠- فَتَاوَى ورسائل فقهية
١١- التَّوْضِيح والتصحيح فِي أصُول الْفِقْه
١٢- النّظر الفسيح عِنْد مضايق الأنظار فِي الْجَامِع الصَّحِيح
١٣- تَعْلِيق وَتَحْقِيق على شرح حَدِيث أم زرع
١٤- قضايا شَرْعِيَّة وَأَحْكَام فقهية وآراء اجتهادية ومسائل علمية
١٥- آمال على مُخْتَصر خَلِيل
١٦- تعاليق على العلول وحاشية السياكوتي
١٧- آمال على دَلَائِل الإعجاز
١٨- أصُول التَّقَدُّم فِي الْإِسْلَام
١٩- مراجعات تتَعَلَّق بكتابي: معجز أَحْمد واللامع للعزيزي
· اللُّغَة الْعَرَبيَّة وآدابها:
١- أصُول الْإِنْشَاء والخطابة
٢- موجز البلاغة
٣- شرح قصيدة الْأَعْشَى
٤- تَحْقِيق ديوَان بشار
٥- الْوَاضِح فِي مشكلات المتنبي
٦- سرقات المتنبي
٧- شرح ديوَان الحماسة لأبي تَمام
٨- تَحْقِيق فَوَائِد العقيان لِلْفَتْحِ ابْن خاقَان مَعَ شرح ابْن زاكور
٩- ديوَان النَّابِغَة الذَّهَبِيّ
١٠- تَحْقِيق "مُقَدّمَة فِي النَّحْو" لخلف الْأَحْمَر
١١- تراجم لبَعض الْأَعْلَام
١٢- تَحْقِيق كتاب "الاقتضاب" للبطليوسي مَعَ شرح كتاب أدب الْكَاتِب
١٣- جمع وَشرح ديوَان سحيم
١٤- شرح معلقَة امْرِئ الْقَيْس
١٥- تَحْقِيق لشرح الْقرشِي على ديوَان المتنبي
١٦- غرائب الِاسْتِعْمَال
١٧- تَصْحِيح وَتَعْلِيق على كتاب "النتصار" لِجَالِينُوسَ للحكيم ابْن زهر.
وَقد عدد الدكتور مُحَمَّد الحبيب بن الخوجة المجلات العلمية الَّتِي أسْهم فِيهَا الشَّيْخ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عاشور، نذْكر مِنْهَا:
- السَّعَادَة الْعُظْمَى
- الْمجلة الزيتونية
وَمن الصُّحُف والمجلات الشرقية:
- هدى الْإِسْلَام
- نور الْإِسْلَام
- مِصْبَاح الشرق
- مجلة الْمنَار
- مجلة الْهِدَايَة الإسلامية
- مجلة مجمع اللُّغَة الْعَرَبيَّة بِالْقَاهِرَةِ
- مجلة الْمجمع العلمي بِدِمَشْق.
وَقد شغل مهمة عُضْو مراسل لمجمعي اللُّغَة الْعَرَبيَّة بِالْقَاهِرَةِ ودمشق مُنْذُ سنة ١٩٥٥م.
стр. 6
[مَبْحَث عَن التَّحْرِير والتنوير] (*)
- ٧٣٧ -
التَّعْرِيف بالتفسير:
وَتَفْسِيره الْمُسَمّى بالتحرير والتنوير اسْمه الْأَصْلِيّ: "تَحْرِير الْمَعْنى السديد وتنوير الْعقل الْجَدِيد وَتَفْسِير الْكتاب الْمجِيد".
وَالْكتاب لَهُ طبعتان: طبعة على هَيْئَة أَجزَاء مُتَفَرِّقَة نشرتها الدَّار التونسية للنشر، وطبعة فِي خمس مجلدات، وطبعة قديمَة سنة ١٣٨٤هـ بمطبعة عِيسَى البابي الْحلَبِي لم أَقف مِنْهَا على غير الْجُزْء الأول فَقَط.
قدم لَهُ الْمُؤلف بتمهيد واف ذكر فِيهِ مُرَاده من هَذَا التَّفْسِير وَقَالَ:
فَجعلت حَقًا عَليّ أَن أبدي فِي تَفْسِير الْقُرْآن نكتا لم أر من سبقني إِلَيْهَا، وَأَن أَقف موقف الحكم بَين طوائف الْمُفَسّرين تَارَة لَهَا وآونة عَلَيْهَا، فَإِن الِاقْتِصَار على الحَدِيث الْمعَاد، تَعْطِيل لفيض الْقُرْآن الَّذِي مَاله من نفاد، وَلَقَد رَأَيْت النَّاس حول كَلَام الأقدمين أحد رجلَيْنِ: رجل معتكف فِيمَا شاده الأقدمون، وَآخر آخذ بمعولة فِي هدم مَا مَضَت عَلَيْهِ الْقُرُون وَفِي تِلْكَ الْحَالَتَيْنِ ضرّ كثير، وهنالك حَالَة أُخْرَى ينجبر بهَا الْجنَاح الكسير، وَهِي أَن نعمد إِلَى مَا أشاده الأقدمون فنهذبه ونزيده وحاشا أَن ننقضه أَو نبيده، علما بِأَن غمص فَضلهمْ كفران للنعمة، وَجحد مزايا سلفها لَيْسَ من حميد خِصَال الْأمة.
стр. 7
- ٧٣٨ -
وَقد ذكر فِيهَا أهم التفاسير فِي نظره فبدأها بتفسير الْكَشَّاف ثمَّ الْمُحَرر الْوَجِيز ثمَّ مَفَاتِيح الْغَيْب وَتَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ والآلوسي وَذكر بعض الْحَوَاشِي على الْكَشَّاف والبيضاوي وَتَفْسِير أبي السُّعُود والقرطبي وَتَقْيِيد الأبي على ابْن عَرَفَة وَتَفْسِير ابْن جرير ودرة التَّنْزِيل. ثمَّ قَالَ: ولقصد الِاخْتِصَار أعرض عَن الْعزو إِلَيْهَا.
فَكَأَنَّهَا مراجعه الأساسية.
وَلَقَد أخر مَا حَقه التَّقْدِيم فَجعل أَولهَا كتاب الْكَشَّاف المعتزلي وَجعل فِي آخرهَا كتاب ابْن جرير أعظم الْمُفَسّرين وعمدة السَّابِقين واللاحقين مِمَّا يُعْطي الانطباع بِأَن مَنْهَج الشَّيْخ عقلاني أَكثر مِنْهُ أثري.
ثمَّ قَالَ: وَقد ميزت مَا يفتح الله لي من فهم فِي مَعَاني كِتَابه وَمَا أجلبه من الْمسَائِل العلمية مِمَّا لَا يذكرهُ الْمُفَسِّرُونَ.
كَمَا وضح أَن فن البلاغة لم يَخُصُّهُ أحد من الْمُفَسّرين بِكِتَاب كَمَا خصوا أفانين الْقُرْآن الْأُخْرَى وَمن أجل ذَلِك الْتزم أَن لَا يغْفل التَّنْبِيه على مَا يلوح لَهُ مِنْهُ كلما ألهمه.
وأخيرًا فَهُوَ يمتدح كِتَابه بقوله: فَفِيهِ أحسن مَا فِي التفاسير، وَفِيه أحسن مِمَّا فِي التفاسير.
وَقد أتبع كَلَامه عَن تَفْسِيره بِعشر مُقَدمَات:
الأولى: فِي التَّفْسِير والتأويل وَتعرض فِيهِ لبَيَان أَن التَّفْسِير لَيْسَ علما إِلَّا على وَجه التسامح وناقش ذَلِك بمقدمات منطقية ترسم أبعادًا لمنهجه العقلاني الَّذِي يَتَّضِح من خلال مطالعة تَفْسِيره شَيْئا فَشَيْئًا.
وَقد أثنى فِي تِلْكَ الْمُقدمَة على تفسيري الْكَشَّاف وَابْن عَطِيَّة وَقَالَ: وَكِلَاهُمَا عضادتا الْبَاب ومرجع من بعدهمَا من أولي الْأَلْبَاب.
وسوف يَأْتِي ذكر بَقِيَّة الْمُقدمَات فِي غُضُون كلامنا عَن الْمنْهَج التفصيلي.
الْمنْهَج الْعَام للتفسير:
وَتَفْسِير التَّحْرِير والتنوير بعتير فِي الْجُمْلَة تَفْسِيرا بلاغيا بَيَانا لغويا عقلانيا