← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

الْمَوْصُوفِ بِأَنَّهُ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ. ويَأْتَمِرُونَ بِكَ يَتَشَاوَرُونَ. وَضُمِّنَ مَعْنَى (يَهُمُّونَ) فَعُدِّيَ بِالْبَاءِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: يَأْتَمِرُونَ وَيَهُمُّونَ بِقَتْلِكَ. وَأَصْلُ الِائْتِمَارِ: قَبُولُ أَمْرِ الْآمِرِ فَهُوَ مُطَاوِعٌ أَمْرَهُ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: وَيَعْدُو عَلَى الْمَرْءِ مَا يَأْتَمِرْ أَيْ يَضُرُّهُ مَا يُطِيعُ فِيهِ أَمْرَ نَفْسِهِ. ثُمَّ شَاعَ إِطْلَاقُ الِائْتِمَارِ عَلَى التَّشَاوُرِ لِأَنَّ الْمُتَشَاوِرِينَ يَأْخُذُ بَعْضُهُمْ أَمْرَ بَعْضٍ فَيَأْتَمِرُ بِهِ الْجَمِيعُ، قَالَ تَعَالَى وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطَّلَاق: ٦] . وَجُمْلَةُ قالَ يَا مُوسى بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ جاءَ رَجُلٌ لِأَنَّ مَجِيئَهُ يَشْتَمِلُ عَلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ. وَمُتَعَلِّقُ الْخُرُوجِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْمَقَامِ، أَيْ فَاخْرُجْ مِنَ الْمَدِينَةِ. وَجُمْلَةُ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ تَعْلِيلٌ لِأَمْرِهِ بِالْخُرُوجِ. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ صِلَةٌ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُسْتَعْمَلُ فِعْلُ النُّصْحِ مُعَدًّى بِاللَّامِ. يُقَالُ: نَصَحْتُ لَكَ قَالَ تَعَالَى إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي السُّورَة التَّوْبَةِ [٩١] وَوَهَمًا قَالُوا: نَصَحْتُكَ. وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ لِلرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ. وَالتَّرَقُّبُ: حَقِيقَتُهُ الِانْتِظَارُ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ رَقَبَ إِذَا نَظَرَ أَحْوَالَ شَيْءٍ. وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ: مَرْقَبَةً وَمُرْتَقَبًا، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلْحَذَرِ. وَجُمْلَةُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ يَتَرَقَّبُ لِأَنَّ تَرَقُّبَهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ بِأَنْ يُنَجِّيَهُ. وَالْقَوْمُ الظَّالِمُونَ هُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ. وَوَصَفَهُمْ بِالظُّلْمِ لِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ وَلِأَنَّهُمْ رَامُوا قَتْلَهُ قِصَاصًا عَنْ قَتْلٍ خَطَأٍ وَذَلِكَ ظُلْمٌ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي الْقَتْلِ لَا يَقْتَضِي الْجَزَاءَ بِالْقَتْلِ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. وَمَحَلُّ الْعِبْرَةِ مِنْ قِصَّةِ مُوسَى مَعَ الْقِبْطِيِّ وَخُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ [الْقَصَص: ١٤] إِلَى هُنَا هُوَ أَنَّ اللَّهَ يَصْطَفِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَأَنَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا تَعَلَّقَتْ إِرَادَتُهُ بِشَيْءٍ هَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَهُ بِقُدْرَتِهِ فَأَبْرَزَهُ عَلَى أَتْقَنِ

стр. 6897

تَدْبِيرٍ، وَأَنَّ النَّاظِرَ الْبَصِيرَ فِي آثَارِ ذَلِكَ التَّدْبِيرِ يَقْتَبِسُ مِنْهَا دَلَالَةً عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ فِي دَعْوَتِهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [يُونُس: ١٦] . وَإِنَّ أَوْضَحَ تِلْكَ الْمظَاهر هُوَ مظهر اسْتِقَامَةُ السِّيرَةِ وَمَحَبَّةُ الْحَقِّ، وَأَنَّ دَلِيلَ عِنَايَةِ اللَّهِ بِمَنِ اصْطَفَاهُ لِذَلِكَ هُوَ نَصْرُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ وَنَجَاتُهُ مِمَّا لَهُ مَنِ الْمَكَائِدِ. وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَثَلٌ لِلْمُشْرِكِينَ لَوْ نَظَرُوا فِي حَالِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي ذَاتِهِ وَفِي حَالِهِمْ مَعَهُ. ثُمَّ إِنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ الْآيَةَ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ رَسُولَهُ ﷺ سَيَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِ من ظالميه. [٢٢] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٢٢] وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) هَذِهِ هِجْرَةٌ نَبَوِيَّةٌ تُشْبِهُ هِجْرَةَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ إِذْ قَالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي [العنكبوت: ٢٦] . وَقَدْ أَلْهَمَ اللَّهُ مُوسَى ﵇ أَنْ يَقْصِدَ بِلَادَ مَدْيَنَ إِذْ يَجِدُ فِيهَا نَبِيئًا يبصره بآداب النبوءة وَلَمْ يَكُنْ مُوسَى يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَتَوَجَّهُ وَلَا مَنْ سَيَجِدُ فِي وُجْهَتِهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ عَطْفٌ عَلَى جُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ إِذِ التَّقْدِيرُ: وَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ هَائِمًا عَلَى وَجْهِهِ فَاتَّفَقَ أَنْ كَانَ مَسِيرُهُ فِي طَرِيقٍ يُؤَدِّي إِلَى أَرْضِ مَدْيَنَ حِينَئِذٍ قَالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَرَجَ مُوسَى وَلَا عِلْمَ لَهُ بِالطَّرِيقِ إِلَّا حُسْنُ ظَنٍّ بِرَبِّهِ. وتَوَجَّهَ: وَلَّى وَجْهَهُ، أَيِ اسْتَقْبَلَ بِسَيْرِهِ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ. وتِلْقاءَ: أَصْلُهُ مَصْدَرٌ عَلَى وَزْنِ التِّفْعَالِ بِكَسْرِ التَّاءِ، وَلَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فِي كَسْرِ التَّاءِ إِلَّا تِمْثَالٍ، وَهُوَ بِمَعْنَى اللِّقَاءِ وَالْمُقَارَبَةِ. وَشَاعَ إِطْلَاقُ هَذَا الْمَصْدَرِ عَلَى جِهَتِهِ فَصَارَ مِنْ ظُرُوفِ الْمَكَانِ الَّتِي تُنْصَبُ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. وَالتَّقْدِيرُ: لَمَّا تَوَجَّهَ جِهَةَ تَلَاقِي مَدْيَنَ، أَيْ جِهَةَ تَلَاقِي بِلَادِ مَدْيَنَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ

стр. 6898

ومَدْيَنَ: قَوْمٌ مِنْ ذُرِّيَّةِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [٨٥] . وَأَرْضُ مَدْيَنَ وَاقِعَةٌ عَلَى الشَّاطِئِ الْغَرْبِيِّ مِنَ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ وَكَانَ مُوسَى قَدْ سَلَكَ إِلَيْهَا عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَلَدِ (رَعْمَسِيسَ) أَوْ (مَنْفِيسَ) طَرِيقًا غَرْبِيَّةً جَنُوبِيَّةً فَسَلَكَ بَرِّيَّةً تَمُرُّ بِهِ عَلَى أَرْضِ الْعَمَالِقَةِ وَأَرْضِ الْأَدُومِيِّينَ ثُمَّ بِلَادِ النَّبَطِ إِلَى أَرْضِ مَدْيَنَ. تِلْكَ مَسَافَةُ ثَمَانِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِيلًا تَقْرِيبًا. وَإِذْ قَدْ كَانَ مُوسَى فِي سَيْرِهِ ذَلِكَ رَاجِلًا فَتِلْكَ الْمَسَافَةُ تَسْتَدْعِي مِنَ الْمُدَّةِ نَحْوًا مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَكَانَ يَبِيتُ فِي الْبَرِّيَّةِ لَا مَحَالَةَ. وَكَانَ رَجُلًا جَلْدًا وَقَدْ أَلْهَمَهُ اللَّهُ سَوَاءَ السَّبِيلِ فَلَمْ يَضِلَّ فِي سَيْرِهِ. وَالسَّوَاءُ: الْمُسْتَقِيمُ النَّهْجِ الَّذِي لَا الْتِوَاءَ فِيهِ. وَقَدْ أَلْهَمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ الَّتِي فِي طَيِّهَا تَوْفِيقُهُ إِلَى الدَّين الْحق. [٢٣، ٢٤] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : الْآيَات ٢٣ إِلَى ٢٤] وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ مَا خَطْبُكُما قالَتا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) يَدُلُّ قَوْلُهُ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ أَنَّهُ بَلَغَ أَرْضَ مَدْيَنَ، وَذَلِكَ حِينَ وَرَدَ مَاءَهُمْ. وَالْوُرُودُ هُنَا مَعْنَاهُ الْوُصُولُ وَالْبُلُوغُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مَرْيَم: ٧١] . وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ مَوْضِعُ الْمَاءِ. وَمَاءُ الْقَوْمِ هُوَ الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ دِيَارُهُمْ لِأَنَّ الْقَبَائِلَ كَانَتْ تَقْطُنُ عِنْدَ الْمِيَاهِ وَكَانُوا يُكَنُّونَ عَنْ أَرْضِ الْقَبِيلَةِ بِمَاءِ بَنِي فُلَانٍ، فَالْمَعْنَى: وَلَمَّا ورد، أَي عِنْد مَا بَلَغَ بِلَادَ مَدْيَنَ. وَيُنَاسِبُ الْغَرِيبَ إِذَا جَاءَ دِيَارَ قَوْمٍ أَنْ يَقْصِدَ الْمَاءَ لِأَنَّهُ مُجْتَمَعُ النَّاسِ فَهُنَالِكَ يَتَعَرَّفُ لِمَنْ يُصَاحِبُهُ وَيُضِيفُهُ. ولَمَّا حَرْفُ تَوْقِيتِ وُجُودِ شَيْءٍ بِوُجُودِ غَيره، أَي عِنْد مَا حَلَّ بِأَرْضِ مَدْيَنَ وَجَدَ أُمَّةً.

стр. 6899

وَالْأُمَّةُ: الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ الْعَدَدِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فِي الْبَقَرَةِ [٢١٣] . وَحُذِفَ مَفْعُولُ يَسْقُونَ لِتَعْمِيمِ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُسْقَى وَهُوَ الْمَاشِيَةُ وَالنَّاسُ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ الْمَسْقِيِّ وَلَكِنْ بِمَا بَعْدَهُ مِنِ انْزِوَاءِ الْمَرْأَتَيْنِ عَنِ السَّقْيِ كَمَا فِي «الْكَشَّافِ» تَبَعًا «لِدَلَائِلِ الْإِعْجَازِ» ، فَيَكُونُ مِنْ تَنْزِيلِ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، أَوِ الْحَذْفُ هُنَا لِلِاخْتِصَارِ كَمَا اخْتَارَهُ السَّكَّاكِيُّ وَأَيَّدَهُ شَارِحَاهُ السَّعْدُ وَالسَّيِّدُ. وَأَمَّا حَذْفُ مَفَاعِيلِ تَذُودانِ- لَا نَسْقِي- فَسَقى لَهُما فَيَتَعَيَّنُ فِيهَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخَانِ. وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ «الْمِفْتَاحِ» وَشَارِحَاهُ فَشَيْءٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ حَتَّى يُقَدَّرَ مَحْذُوفٌ وَإِنَّمَا اسْتِفَادَةُ كَوْنِهِمَا تَذُودَانِ غَنَمًا مَرْجِعُهَا إِلَى كُتُبِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ. وَمَعْنَى مِنْ دُونِهِمُ فِي مَكَانٍ غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي حَوْلَ الْمَاءِ، أَيْ فِي جَانِبٍ مُبَاعِدٍ لِلْأُمَّةِ مِنَ النَّاسِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ كَلِمَةِ (دُونَ) أَنَّهَا وَصْفٌ لِلشَّيْءِ الْأَسْفَلِ مِنْ غَيْرِهِ. وَتَتَفَرَّعُ مِنْ ذَلِكَ مَعَانٍ مَجَازِيَّةٌ مُخْتَلِفَةُ الْعَلَاقَاتِ، وَمِنْهَا مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. فَ (دُونَ) بِمَعْنَى جِهَةٍ يَصِلُ إِلَيْهَا الْمَرْءُ بَعْدَ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ السَّاقُونَ. شَبَّهَ الْمَكَانَ الَّذِي يَبْلُغُ إِلَيْهِ الْمَاشِيَ بَعْدَ مَكَانٍ آخَرَ بِالْمَكَانِ الْأَسْفَلِ مِنَ الْآخَرِ كَأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَيْهِ الْمَاشِي لِأَنَّ الْمَشْيَ يُشَبَّهُ بِالصُّعُودِ وَبِالْهُبُوطِ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَارِ. وَيُحْذَفُ الْمَوْصُوفُ بِ (دُونَ) لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فَيَصِيرُ (دُونَ) بِمَنْزِلَةِ ذَلِكَ الِاسْمِ الْمَحْذُوفِ. وَحَرْفُ مِنَ مَعَ (دُونَ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلظَّرْفِيَّةِ مِثْلِ إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الْجُمُعَةِ: ٩] . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى (عِنْدَ) وَهُوَ مَعْنًى أَثْبَتَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [آل عمرَان: ١٠] . وَالْمَعْنَى: وَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ فِي جِهَةٍ مُبْتَعِدَةٍ عَنْ جِهَةِ السَّاقِينَ. وتَذُودانِ تَطْرُدَانِ. وَحَقِيقَةُ الذَّوْدِ طَرْدُ الْأَنْعَامِ عَنِ الْمَاءِ وَلِذَلِكَ سَمُّوا الْقَطِيعَ مِنَ الْإِبِلِ الذَّوْدَ فَلَا يُقَالُ: ذُدْتُ النَّاسَ، إِلَّا مَجَازًا مُرْسَلًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ «فَلَيُذَادَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ حَوْضِي» الْحَدِيثَ. وَالْمَعْنَى فِي الْآيَةِ: تَمْنَعَانِ إِبِلًا عَنِ الْمَاءِ. وَفِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ شُعَيْبًا كَانَ صَاحِبَ

стр. 6900

غَنَمٍ وَأَنَّ مُوسَى رَعَى غَنَمَهُ. فَيَكُونُ إِطْلَاقُ تَذُودانِ هُنَا مَجَازًا مُرْسَلًا، أَوْ تَكُونُ حَقِيقَةُ الذَّوْدِ طَرْدُ الْأَنْعَامِ كُلِّهَا عَنْ حَوْضِ الْمَاءِ. وَكَلَامُ أَيِمَّةِ اللُّغَةِ غَيْرُ صَرِيحٍ فِي تَبْيِينِ حَقِيقَةِ هَذَا. وَفِي سِفْرِ الْخُرُوجِ: أَنَّهَا كَانَتْ لَهُمَا غَنَمٌ، وَالذَّوْدُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْمَاشِيَةِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ حُضُورِ الْمَاءِ بِالْأَنْعَامِ سَقْيُهَا. فَلَمَّا رَأَى مُوسَى الْمَرْأَتَيْنِ تَمْنَعَانِ أَنْعَامَهُمَا مِنَ الشُّرْبِ سَأَلَهُمَا: مَا خَطْبُكُمَا؟ وَهُوَ سُؤَالٌ عَنْ قِصَّتِهِمَا وَشَأْنِهِمَا إِذْ حَضَرَا الْمَاءَ وَلَمْ يَقْتَحِمَا عَلَيْهِ لِسَقْيِ غَنَمِهِمَا. وَجُمْلَةُ قالَ مَا خَطْبُكُما بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ. وَالْخَطْبُ: الشَّأْنُ وَالْحَدَثُ الْمُهِمُّ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى قالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ [يُوسُف: ٥١] ، فَأَجَابَتَا بِأَنَّهُمَا كَرِهَتَا أَنْ تَسْقِيَا فِي حِينِ اكْتِظَاظِ الْمَكَانِ بِالرِّعَاءِ وَأَنَّهُمَا تَسْتَمِرَّانِ عَلَى عَدَمِ السَّقْيِ كَمَا اقْتَضَاهُ التَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ إِلَى أَنْ يَنْصَرِفَ الرِّعَاءُ. والرِّعاءُ: جَمْعُ رَاعٍ. وَالْإِصْدَارُ: الْإِرْجَاعُ عَنِ السَّقْيِ، أَيْ حَتَّى يَسْقِيَ الرِّعَاءُ وَيُصْدِرُوا مَوَاشِيَهُمْ، فَالْإِصْدَارُ جَعْلُ الْغَيْرِ صَادِرًا، أَيْ حَتَّى يَذْهَبَ رِعَاءُ الْإِبِلِ بِأَنْعَامِهِمْ فَلَا يَبْقَى الزِّحَامُ. وَصَدُّهُمَا عَنِ الْمُزَاحمَة عَادَتهمَا لِأَنَّهُمَا كَانَتَا ذَوَاتَيْ مُرُوءَةٍ وَتَرْبِيَةٍ زَكِيَّةٍ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يُصْدِرَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِّ. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو جَعْفَرٍ يُصْدِرَ بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَضَمِّ الدَّالِّ عَلَى إِسْنَادِ الصَّدْرِ إِلَى الرِّعَاءِ، أَيْ حَتَّى يَرْجِعُوا عَنِ الْمَاءِ، أَيْ بِمَوَاشِيهِمْ لِأَنَّ وَصْفَ الرِّعَاءِ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُمْ مَوَاشِيَ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ تِلْكَ عَادَتُهُمَا كُلَّ يَوْمِ سَقْيٍ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ عَادَةٌ. وَكَانَ قَوْلُهُمَا وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ اعْتِذَارًا عَنْ حُضُورِهِمَا لِلسَّقْيِ مَعَ الرِّجَالِ لِعَدَمِ وِجْدَانِهِمَا رَجُلًا يَسْتَقِي لَهُمَا لِأَنَّ الرَّجُلَ الْوَحِيدَ لَهُمَا هُوَ أَبُوهُمَا وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ وُرُودَ الْمَاءِ لِضَعْفِهِ عَنِ الْمُزَاحَمَةِ.

стр. 6901

وَاسْمُ الْمَرْأَتَيْنِ (لَيَّا) وَ (صَفُّورَةُ) . وَفِي سِفْرِ الْخُرُوجِ: أَنَّ أَبَاهُمَا كَاهِنُ مَدْيَنَ. وَسَمَّاهُ فِي ذَلِكَ السِّفْرِ أَوَّلَ مَرَّةٍ رَعْوِيلَ ثُمَّ أَعَادَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فَسَمَّاهُ يَثْرُونَ وَوَصَفَهُ بِحَمِيِّ مُوسَى، فَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ. وَقَالَ ابْنُ الْعِبْرِيِّ فِي «تَارِيخِهِ» : يَثْرُونُ بْنُ رَعْوِيلَ لَهُ سَبْعُ بَنَاتٍ خَرَجَ لِلسَّقْيِ مِنْهُمَا اثْنَتَانِ، فَيَكُونُ شُعَيْبٌ هُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْيَهُودِ يَثْرُونَ. وَالتَّعْبِيرُ عَنِ النَّبِيءِ بِالْكَاهِنِ اصْطِلَاحٌ. لِأَنَّ الْكَاهِنَ يُخْبِرُ عَنِ الْغَيْبِ وَلِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَائِمِ بِأُمُورِ الدِّينِ عِنْدَ الْيَهُودِ. وَلِلْجَزْمِ بِأَنَّهُ شُعَيْبٌ الرَّسُولُ جَعَلَ عُلَمَاؤُنَا مَا صَدَرَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةَ شَرْعًا سَابِقًا فَفَرَّعُوا عَلَيْهِ مَسَائِلَ مَبْنِيَّةً عَلَى أَصْلِ: أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الرُّسُلِ الْإِلَهِيِّينَ شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ. وَمِنْهَا مُبَاشَرَةُ الْمَرْأَةِ الْأَعْمَالَ وَالسَّعْيُ فِي طُرُقِ الْمَعِيشَةِ، وَوُجُوبُ اسْتِحْيَائِهَا، وَوِلَايَةُ الْأَبِ فِي النِّكَاحِ، وَجَعْلُ الْعَمَلِ الْبَدَنِيِّ مَهْرًا، وَجَمْعُ النِّكَاحِ وَالْإِجَارَةِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الْإِجَارَةِ. وَقَدِ اسْتَوْفَى الْكَلَامَ عَلَيْهَا الْقُرْطُبِيُّ. وَفِي أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ غُنْيَةٌ عَنِ الِاسْتِنْبَاطِ مِمَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لَا يُوجَدُ دَلِيلُهُ فِي الْقُرْآنِ فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ لَهَا مِنَ الْكِتَابِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا. وَفِي إِذْنه لَا بنتيه بِالسَّقْيِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُعَالَجَةِ الْمَرْأَةِ أُمُورَ مَالِهَا وَظُهُورِهَا فِي مَجَامِعِ النَّاسِ إِذَا كَانَتْ تَسْتُرُ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ فَإِنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا حَكَاهُ شَرْعُنَا وَلَمْ يَأْتِ مِنْ شَرْعِنَا مَا يَنْسَخُهُ. وَأَمَّا تَحَاشِي النَّاسِ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الْمُرُوءَةِ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِيمَا تَقْتَضِيهِ الْمُرُوءَةُ وَالْعَادَاتُ مُتَبَايِنَةٌ فِيهِ وَأَحْوَالُ الْأُمَمِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ وَخَاصَّةً مَا بَيْنَ أَخْلَاقِ الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ مِنَ الِاخْتِلَافِ. وَدُخُولُ لِما التَّوْقِيتِيَّةُ يُؤْذِنُ بِاقْتِرَانِ وُصُولِهِ بِوُجُودِ السَّاقِينَ. وَاقْتِرَانُ فِعْلِ (سَقَى) بِالْفَاءِ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ بَادَرَ فَسَقَى لَهُنَّ، وَذَلِكَ بِفَوْرِ وُرُودِهِ. وَمَعْنَى فَسَقى لَهُما أَنَّهُ سَقَى مَا جِئْنَ لِيَسْقِينَهُ لِأَجْلِهِمَا، فَاللَّامُ لِلْأَجْلِ، أَيْ لَا يَدْفَعُهُ لِذَلِكَ إِلَّا هُمَا، أَيْ رَأْفَةً بِهِمَا وَغَوْثًا لَهُمَا. وَذَلِكَ مِنْ قُوَّةِ مُرُوءَتِهِ أَنِ اقْتَحَمَ ذَلِكَ الْعَمَلَ الشَّاقَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِعْيَاءِ عِنْدَ الْوُصُولِ. وَالتَّوَلِّي: الرُّجُوعُ عَلَى طَرِيقِهِ، وَذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مِنْ قَبْلُ فِي ظِلٍّ فَرَجَعَ إِلَيْهِ. وَيَظْهَرُ أَنَّ تَوَلَّى مُرَادِفُ (وَلَّى) وَلَكِنَّ زِيَادَةَ الْمَبْنَى مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَقْتَضِيَ

стр. 6902

زِيَادَةَ الْمَعْنَى فَيَكُونُ تَوَلَّى أَشَدَّ مِنْ (وَلَّى) ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَّى مُدْبِراً فِي سُورَةِ النَّمْلِ [١٠] . وَقَدْ أَعْقَبَ إِيوَاءَهُ إِلَى الظِّلِّ بِمُنَاجَاتِهِ رَبَّهُ إِذْ قَالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. لَمَّا اسْتَرَاحَ مِنْ مَشَقَّةِ الْمَتْحِ وَالسَّقْيِ لِمَاشِيَةِ الْمَرْأَتَيْنِ وَالِاقْتِحَامِ بِهَا فِي عَدَدِ الرِّعَاءِ الْعَدِيدِ، وَوَجَدَ بَرْدَ الظِّلِّ تَذَكَّرَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ نِعَمًا سَابِقَةً أَسْدَاهَا اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ نَجَاتِهِ مِنَ الْقَتْلِ وَإِيتَائِهِ الْحِكْمَةَ وَالْعِلْمَ، وَتَخْلِيصِهِ مِنْ تَبِعَةِ قَتْلِ الْقِبْطِيِّ، وَإِيصَالِهِ إِلَى أَرْضٍ مَعْمُورَةٍ بِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ فَيَافِيَ وَمُفَازَاتٍ، تَذَكَّرَ جَمِيعَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي نِعْمَةِ بَرْدِ الظِّلِّ وَالرَّاحَةِ مِنَ التَّعَبِ فَجَاءَ بِجُمْلَةٍ جَامِعَةٍ لِلشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ وَهِيَ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . وَالْفَقِيرُ: الْمُحْتَاجُ فَقَوْلُهُ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ شُكْرٌ عَلَى نِعَمٍ سَلَفَتْ. وَقَوْلُهُ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ بِأَنَّهُ مُعْطِي الْخَيْرِ. وَالْخَيْرُ: مَا فِيهِ نَفْعٌ وَمُلَاءَمَةٌ لِمَنْ يَتَعَلَّقُ هُوَ بِهِ فَمِنْهُ خَيْرُ الدُّنْيَا وَمِنْهُ خَيْرُ الْآخِرَةِ الَّذِي قَدْ يُرَى فِي صُورَةِ مَشَقَّةٍ فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِالْعَوَاقِبِ، قَالَ تَعَالَى وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ [التَّوْبَة: ٨٥] . وَقَدْ أَرَادَ النَّوْعَيْنِ كَمَا يَرْمُزُ إِلَى ذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنْ إِيتَائِهِ الْخَيْرَ بِفِعْلِ أَنْزَلْتَ الْمُشْعِرِ بِرِفْعَةِ الْمُعْطَى. فَأَوَّلُ ذَلِكَ إِيتَاءُ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ. وَمِنَ الْخَيْرِ إِنْجَاؤُهُ مِنَ الْقَتْلِ، وَتَرْبِيَتُهُ الْكَامِلَةُ فِي بِذْخَةِ الْمُلْكِ وَعِزَّتِهِ، وَحِفْظُهُ مِنْ أَنْ تَتَسَرَّبَ إِلَيْهِ عَقَائِدُ الْعَائِلَةِ الَّتِي رُبِّيَ فِيهَا فَكَانَ مُنْتَفِعًا بِمَنَافِعِهَا مُجَنَّبًا رَذَائِلَهَا وَأَضْرَارَهَا. وَمِنَ الْخَيْرِ أَنْ جَعَلَ نَصْرَ قَوْمِهِ عَلَى يَدِهِ، وَأَنْ أَنْجَاهُ مِنَ الْقَتْلِ الثَّانِي ظُلْمًا، وَأَنْ هَدَاهُ إِلَى مَنْجًى مِنَ الْأَرْضِ، وَيسر لَهُ التعرف بِبَيْتِ نُبُوءَةٍ، وَأَنْ آوَاهُ إِلَى ظِلٍّ. وَ (مَا) مِنْ قَوْلِهِ لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مَوْصُولَةٌ كَمَا يَقْتَضِيهِ فِعْلُ الْمُضِيِّ فِي قَوْلِهِ أَنْزَلْتَ لِأَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيمَا مَضَى صَارَ مَعْرُوفًا غَيْرَ نَكِرَةٍ، فَقَوْلُهُ (مَا

стр. 6903

أَنْزَلْتَ إِلَيَّ) بِمَنْزِلَةِ الْمُعَرَّفِ بِلَامِ الْجِنْسِ لِتُلَائِمَ قَوْلَهُ فَقِيرٌ أَيْ فَقِيرٌ لِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الْخَيْرِ، أَيْ لِأَمْثَالِهِ. وَأَحْسَنُ خَيْرٍ لِلْغَرِيبِ وُجُودُ مَأْوًى لَهُ يَطْعَمُ فِيهِ وَيَبِيتُ وَزَوْجَةٌ يَأْنَسُ إِلَيْهَا وَيَسْكُنُ. فَكَانَ اسْتِجَابَةُ اللَّهِ لَهُ بِأَنْ أَلْهَمَ شُعَيْبًا أَنْ يُرْسِلَ وَرَاءَهُ لِيُنْزِلَهُ عِنْدَهُ وَيُزَوِّجَهُ بِنْتَهُ، كَمَا أَشْعَرَتْ بِذَلِكَ فَاءُ التَّعْقِيبِ فِي قَوْلِهِ فَجاءَتْهُ إِحْداهُما [الْقَصَص: ٢٥] . [٢٥] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٢٥] فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) عَرَفْتَ أَنَّ الْفَاءَ تُؤْذِنُ بِأَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ لَهُ فَقَيَّضَ شُعَيْبًا أَنْ يُرْسِلَ وَرَاءَ مُوسَى لِيُضَيِّفَهُ وَيُزَوِّجَهُ بِنْتَهُ، فَذَلِكَ يَضْمَنُ لَهُ أُنْسًا فِي دَارِ غُرْبَةٍ وَمَأْوًى وَعَشِيرًا صَالِحًا. وَتُؤْذِنُ الْفَاءُ أَيْضًا بِأَنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَتَرَيَّثْ فِي الْإِرْسَالِ وَرَاءَهُ فَأَرْسَلَ إِحْدَى الْبِنْتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَقَى لَهُمَا وَهِيَ (صَفُّورَةُ) فَجَاءَتْهُ وَهُوَ لَمْ يَزَلْ عَنْ مَكَانِهِ فِي الظِّلِّ. وَذَكَرَ تَمْشِي لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ عَلَى اسْتِحْياءٍ وَإِلَّا فَإِنَّ فِعْلَ (جَاءَتْهُ) مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ تَمْشِي. وعَلَى لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ مُسْتَعَارَةٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الْوَصْفِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهَا مُسْتَحْيِيَةٌ فِي مَشْيِهَا، أَيْ تَمْشِي غَيْرَ مُتَبَخْتِرَةٍ وَلَا مُتَثَنِّيَةٍ وَلَا مُظْهِرَةٍ زِينَةً. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهَا كَانَتْ سَاتِرَةً وَجْهَهَا بِثَوْبِهَا، أَيْ لِأَنَّ سَتْرَ الْوَجْهِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا وَلَكِنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي الْحَيَاءِ. وَالِاسْتِحْيَاءُ مُبَالَغَةٌ فِي الْحَيَاءِ مِثْلُ الِاسْتِجَابَةِ قَالَ تَعَالَى وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ إِلَى قَوْلِهِ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النُّور: ٣١] . وَجُمْلَةُ قالَتْ بَدَلٌ مِنْ (جَاءَتْهُ) . وَإِنَّمَا بَيَّنَتْ لَهُ الْغَرَضَ مِنْ دَعْوَتِهِ مُبَادَرَةً بِالْإِكْرَامِ. وَالْجَزَاءُ: الْمُكَافَأَةُ عَلَى عَمَلٍ حسن أَو سيّىء بِشَيْءٍ مِثْلِهِ فِي الْحُسْنِ أَوِ الْإِسَاءَةِ،

стр. 6904

قَالَ تَعَالَى هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [الرَّحْمَن: ٦٠] وَقَالَ تَعَالَى ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا [سبأ: ١٧] . وَتَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ فِي قَوْلِهِ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ حِكَايَةٌ لِمَا فِي كَلَامِهَا مِنْ تَحْقِيقِ الْخَبَرِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ وَإِدْخَالِ الْمَسَرَّةِ عَلَى الْمُخْبَرِ بِهِ. وَالْأَجْرُ: التَّعْوِيضُ عَلَى عَمَلٍ نَافِعٍ لِلْمُعَوَّضِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ ثَوَابُ الطَّاعَاتِ أَجْرًا، قَالَ تَعَالَى وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ [مُحَمَّد: ٣٦] . وَانْتَصَبَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنا عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ لِبَيَانِ نَوْعِ الْجَزَاءِ أَنَّهُ جَزَاءُ خَيْرٍ، وَهُوَ أَنْ أَرَادَ ضِيَافَتَهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَعْنَى إِجَارَةِ الْأَجِيرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقَاوُلٍ وَلَا شَرْطٍ وَلَا عَادَةٍ. وَالْجَزَاءُ: إِكْرَامٌ، وَالْإِجَارَةُ: تَعَاقُدٌ. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ قالَتْ إِحْداهُما يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [الْقَصَص: ٢٦] فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَبَاهَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ عَزْمٌ عَلَى اسْتِئْجَارِ مُوسَى. وَكَانَ فِعْلُ مُوسَى مَعْرُوفًا مَحْضًا لَا يَطْلَبُ عَلَيْهِ جَزَاءً لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمَرْأَتَيْنِ وَلَا بَيْتَهُمَا، وَكَانَ فِعْلُ شُعَيْبٍ كَرَمًا مَحْضًا وَمَحَبَّةً لِقِرَى كُلِّ غَرِيبٍ، وَتَضْيِيفُ الْغَرِيبِ مِنْ سُنَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَلَا غَرْوَ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا رَجُلَانِ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇. وَمَا فِي قَوْلِهِ مَا سَقَيْتَ لَنا مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ سَقْيِكَ، وَلَامُ لَنا لَامُ الْعِلَّةِ. فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. كَانَتِ الْعَوَائِدُ أَنْ يُفَاتَحَ الضَّيْفُ بِالسُّؤَالِ عَنْ حَالِهِ وَمَقْدِمِهِ فَلِذَلِكَ قَصَّ مُوسَى قِصَّةَ خُرُوجِهِ وَمَجِيئِهِ عَلَى شُعَيْبٍ. وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ شُعَيْبًا سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ قُدُومِهِ، والْقَصَصَ: الْخَبَرُ. وقَصَّ عَلَيْهِ أَخْبَرَهُ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْقَصَصَ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَيْ قَصَصَهُ، أَوْ لِلْعَهْدِ، أَيِ الْقَصَصَ الْمَذْكُورَ آنِفًا. وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ. فَطَمْأَنَهُ شُعَيْبٌ بِأَنَّهُ يُزِيلُ عَنْ نَفْسِهِ الْخَوْفَ لِأَنَّهُ أَصْبَحَ فِي مَأْمَنٍ مِنْ أَنْ يَنَالَهُ حُكْمُ فِرْعَوْنَ لِأَنَّ بِلَادَ مَدْيَنَ تَابِعَةٌ لِمُلْكِ الْكَنْعَانِيِّينَ وَهُمْ أَهْلُ بَأْسٍ وَنَجْدَةٍ. وَمَعْنَى نَهْيِهِ عَنِ الْخَوْفِ نَهْيُهُ عَنْ ظَنِّ أَنْ تَنَالَهُ يَدُ فِرْعَوْنَ.

стр. 6905

وَجُمْلَةُ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الْخَوْفِ. وَوَصْفُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِالظَّالِمِينَ تَصْدِيقًا لِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ مُوسَى مِنْ رَوْمِهِمْ قَتْلَهُ قِصَاصًا عَنْ قَتْلٍ خَطَأٍ. وَمَا سَبَقَ ذَلِكَ مِنْ خَبَرِ عَدَاوَتِهِمْ عَلَى بني إِسْرَائِيل. [٢٦- ٢٨] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : الْآيَات ٢٦ إِلَى ٢٨] قالَتْ إِحْداهُما يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨) حَذَفَ مَا لَقِيَهُ مُوسَى مِنْ شُعَيْبٍ مِنَ الْجَزَاءِ بِإِضَافَتِهِ وَإِطْعَامِهِ، وَانْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى عَرْضِ إِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ عَلَى أَبِيهَا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِلْعَمَلِ فِي مَاشِيَتِهِ إِذْ لَمْ يكن لَهُم بَيتهمْ رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ وَقَدْ كَبُرَ أَبُوهُمَا فَلَمَّا رَأَتْ أَمَانَتَهُ وَوَرَعَهُ رَأَتْ أَنَّهُ خَيْرُ مَنْ يُسْتَأْجَرُ لِلْعَمَلِ عِنْدَهُمْ لِقُوَّتِهِ عَلَى الْعَمَلِ وَأَمَانَتِهِ. وَالتَّاءُ فِي أَبَتِ عِوَضٌ عَنْ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ فِي النِّدَاءِ خَاصَّةً وَهِيَ يَجُوزُ كَسْرُهَا وَبِهِ قَرَأَ الْجُمْهُورُ. وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَبِهِ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ. وَجُمْلَةُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ عِلَّةٌ لِلْإِشَارَةِ عَلَيْهِ بِاسْتِئْجَارِهِ، أَيْ لِأَنَّ مِثْلَهُ مَنْ يُسْتَأْجَرُ. وَجَاءَتْ بِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ مُرْسَلَةٍ مَثَلًا لِمَا فِيهَا مِنَ الْعُمُومِ وَمُطَابَقَةِ الْحَقِيقَةِ بِدُونِ تَخَلُّفٍ، فَالتَّعْرِيفُ بِاللَّامِ فِي الْقَوِيُّ الْأَمِينُ لِلْجِنْسِ مُرَادٌ بِهِ الْعُمُومُ. وَالْخِطَابُ فِي مَنِ اسْتَأْجَرْتَ مُوَجَّهٌ إِلَى شُعَيْبٍ، وَصَالِحٌ لِأَنْ يَعُمَّ كُلَّ مَنْ يَصْلُحُ لِلْخِطَابِ لِتَتِمَّ صَلَاحِيَّةُ هَذَا الْكَلَامِ لِأَنْ يُرْسَلَ مَثَلًا. فَالتَّقْدِيرُ: مَنِ اسْتَأْجَرَ الْمُسْتَأْجِرُ. ومَنِ مَوْصُولَةٌ فِي مَعْنَى الْمُعَرَّفِ بِلَامِ الْجِنْسِ إِذْ لَا يُرَادُ بِالصِّلَةِ هُنَا وَصْفُ خَاصٍّ بِمُعَيَّنٍ. وَجَعْلُ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ مُسْنَدًا إِلَيْهِ بِجَعْلِهِ اسْمًا لِأَنَّ جَعْلَ الْقَوِيُّ

стр. 6906

الْأَمِينُ خَبَرًا مَعَ صِحَّةِ جَعْلِ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ هُوَ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ فَإِنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْرِيفِ فِي الْمَوْصُولِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ خَيْرَ، وَفِي الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ هُنَا الْعُمُومُ فِي كِلَيْهِمَا، فَأُوثِرَ بِالتَّقْدِيمِ فِي جُزْأَيِ الْجُمْلَةِ مَا هُوَ أَهَمُّ وَأَوْلَى بِالْعِنَايَةِ وَهُوَ خَيْرُ أَجِيرٍ، لِأَنَّ الْجُمْلَةَ سِيقَتْ مَسَاقَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ اسْتَأْجِرْهُ فَوَصْفُ الْأَجِيرِ أَهَمُّ فِي مَقَامِ تَعْلِيلِهَا وَنَفْسُ السَّامِعِ أَشَدُّ تَرَقُّبًا لِحَالِهِ. وَمَجِيءُ هَذَا الْعُمُومِ عَقِبَ الْحَدِيثِ عَنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُتَحَدَّثَ عَنْهُ مِمَّنْ يَشْمَلُهُ ذَلِكَ الْعُمُومُ فَكَانَ ذَلِكَ مُصَادِفًا الْمَحَزَّ مِنَ الْبَلَاغَةِ إِذْ صَارَ إِثْبَاتُ الْأَمَانَةِ وَالْقُوَّةِ لِهَذَا الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُ إِثْبَاتًا لِلْحُكْمِ بِدَلِيلٍ. فَتَقْدِيرُ مَعْنَى الْكَلَامِ: اسْتَأْجِرْهُ فَهُوَ قَوِيٌّ أَمِينٌ وَإِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرَ مُسْتَأْجِرٌ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. فَكَانَتِ الْجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةً عَلَى خُصُوصِيَّةِ تَقْدِيمِ الْأَهَمِّ وَعَلَى إِيجَازِ الْحَذْفِ وَعَلَى الْمَذْهَبِ الْكَلَامِيِّ، وَبِذَلِكَ اسْتَوْفَتْ غَايَةَ مُقْتَضَى الْحَالِ فَكَانَتْ بَالِغَةً حَدَّ الْإِعْجَازِ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ «أَشْكُو إِلَى اللَّهِ ضَعْفَ الْأَمِينِ وَخِيَانَةَ الْقَوِيِّ» . يُرِيدُ: أَسْأَلُهُ أَنْ يُؤَيِّدَنِي بِقَوِيٍّ أَمِينٍ أَسْتَعِينُ بِهِ. وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ هاتَيْنِ إِلَى الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَقَى لَهُمَا إِنْ كَانَتَا حَاضِرَتَيْنِ مَعًا دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ بَنَاتِ شُعَيْبٍ لِتَعَلُّقِ الْقَضِيَّةِ بِشَأْنِهِمَا، أَوْ تَكُونُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِمَا لِحُضُورِهِمَا فِي ذِهْنِ مُوسَى بِاعْتِبَارِ قُرْبِ عَهْدِهِ بِالسَّقْيِ لَهُمَا إِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى غَائِبَةً حِينَئِذٍ. وَفِيهِ جَوَازُ عَرْضِ الرَّجُلِ مَوْلَاتِهِ عَلَى مَنْ يَتَزَوَّجُهَا رَغْبَةً فِي صَلَاحِهِ. وَجَعَلَ لِمُوسَى اخْتِيَارَ إِحْدَاهُمَا لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَهَا وَكَانَتِ الَّتِي اخْتَارَهَا مُوسَى (صَفُّورَةَ) وَهِيَ الصُّغْرَى كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . وَإِنَّمَا اخْتَارَهَا دُونَ أُخْتِهَا لِأَنَّهَا الَّتِي عَرَفَ أَخْلَاقَهَا بِاسْتِحْيَائِهَا وَكَلَامِهَا فَكَانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لَهَا عِنْدَهُ. وَكَانَ هَذَا التَّخْيِيرُ قَبْلَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ، فَلَيْسَ فِيهِ جَهْلُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا. وَقَوْلُهُ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ حَرْفُ عَلى مَنْ صِيَغِ الشَّرْطِ فِي الْعُقُودِ. وتَأْجُرَنِي مُضَارِعُ أَجَرَهُ مِثْلُ نَصَرَهُ إِذَا كَانَ أَجِيرًا لَهُ. وَالْحِجَجُ: اسْمٌ

стр. 6907

جَمْعُ حِجَّةٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَهِيَ السَّنَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِنِ اسْمِ الْحَجِّ لِأَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ كُلَّ سَنَةٍ وَمَوْسِمُ الْحَجِّ يَقَعُ فِي آخِرِ شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ الْعَرَبِيَّةِ. وَالْتِزَامُ جَعْلِ تَزْوِيجِهِ مَشْرُوطًا بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ بَيْنَهُمَا عَرْضٌ مِنْهُ عَلَى مُوسَى وَلَيْسَ بِعَقْدِ نِكَاحٍ وَلَا إِجَارَةٍ حَتَّى يَرْضَى مُوسَى. وَفِي هَذَا الْعَرْضِ دَلِيلٌ لِمَسْأَلَةِ جَمْعِ عَقْدِ النِّكَاحِ مَعَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ. وَالْمَسْأَلَةُ أَصْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ الْمَرْأَةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيءِ ﷺ فَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا وَزَوَّجَهَا مِنْ رَجُلٍ كَانَ حَاضِرًا مَجْلِسَهُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُصْدِقُهَا فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، أَيْ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا إِيَّاهُ. وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الشَّرْطَ الْمُقَارِنَ لِعَقْدِ النِّكَاحِ إِنْ كَانَ مِمَّا يُنَافِي عَقْدَ النِّكَاحِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمُنَافِي لِعَقْدِ النِّكَاحِ فَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ لِأَجْلِهِ وَلَكِنْ يُلْغَى الشَّرْطُ. وَعَنْ مَالِكٍ أَيْضًا: تُكْرَهُ الشُّرُوطُ كُلُّهَا ابْتِدَاءً فَإِنْ وَقَعَ مَضَى. وَقَالَ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ: الشَّرْطُ جَائِزٌ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ الْحَقُّ لِلْآيَةِ، وَلِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ عَلَيْهِ الْفُرُوجَ» . وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَيْضًا أَنَّ الْإِجَارَةَ الْمَذْكُورَةَ جُعِلَتْ مَهْرًا لِلْبِنْتِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَشْرُوطَ الْتِزَامُ الْإِجَارَةِ لَا غَيْرُ، وَأَمَّا الْمَهْرُ فَتَابِعٌ لِمَا يُعْتَبَرُ فِي شَرْعِهِمْ رُكْنًا فِي النِّكَاحِ، وَالشَّرَائِعُ قَدْ تَخْتَلِفُ فِي مَعَانِي الْمَاهِيَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ. وَإِذَا أَخَذْنَا بِظَاهِرِ الْآيَةِ كَانَتْ دَالَّةً عَلَى أَنَّهُمَا جَعَلَا الْمَهْرَ مَنَافِعَ إِجَارَةِ الزَّوْجِ لِشُعَيْبٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِرِضَاهَا لِأَنَّهَا سَمِعَتْ وَسَكَتَتْ بِنَاءً عَلَى عَوَائِدَ مَرْعِيَّةٍ عِنْدَهُمْ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِتِلْكَ الْمَنَافِعِ أَبُوهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِوَلِيِّ الْمَرْأَةِ بِالْأَصَالَةِ إِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِلْمَهْرِ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ عَوَائِدَ الْأُمَمِ مُخْتَلِفَةٌ فِي تَزْوِيجِ وَلَايَاهُمْ. وَإِذْ قَدْ كَانَ فِي الْآيَةِ إِجْمَالٌ لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى جَوَازِ جَعْلِ مَهْرِ الْمَرْأَةِ مَنَافِعَ مِنْ إِجَارَةِ زَوْجِهَا فَيَرْجِعُ النَّظَرُ فِي صِحَّةِ جَعْلِ الْمَهْرِ إِجَارَةً إِلَى التَّخْرِيجِ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَالدُّخُولِ تَحْتَ عُمُومِ مَعْنَى الْمَهْرِ، فَإِنَّ مَنَافِعَ الْإِجَارَةِ ذَاتُ قِيمَةٍ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ تُجْعَلَ مَهْرًا. وَالتَّحْقِيقُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَيَمْضِي. وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ

стр. 6908

حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ جَعْلُ الْمَهْرِ مَنَافِعَ حُرٍّ وَيَجُوزُ كَوْنُهُ مَنَافِعَ عَبْدٍ. وَلَمْ يَرَ فِي الْآيَةِ دَلِيلًا لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ مُسْتَوْفِيًا شُرُوطَهُ فَوَقَعَ الْإِجْمَالُ فِيهَا. وَوَافَقَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَإِذْ قَدْ كَانَ حُكْمُ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا مُخْتَلِفًا فِي جَعْلِهِ شَرْعًا لَنَا كَانَ حُجَّةً مُخْتَلَفًا فِيهَا بَيْنَ عُلَمَاءِ أُصُولِ الْفِقْهِ فَزَادَهَا ضَعْفًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْإِجْمَالُ الَّذِي تَطَرَّقَهَا فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى أَدِلَّةٍ أُخْرَى مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ. وَدَلِيلُ الْجَوَازِ دَاخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ مَعْنَى الْمَهْرِ. فَإِنْ كَانَتِ الْمَنَافِعُ الْمَجْعُولَةُ مَهْرًا حَاصِلَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَوْ جَمِيعُهَا لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بَعْدَ الْبِنَاءِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ رَجَعَتِ الْمَسْأَلَةُ إِلَى النِّكَاحِ بِمَهْرٍ مُؤَجَّلٍ وَهُوَ مَكْرُوهٌ غَيْرُ بَاطِلٍ. وَإِلَى الْإِجَارَةِ بِعِوَضٍ غَيْرِ قَابِلٍ لِلتَّبْعِيضِ بِتَبْعِيضِ الْعَمَلِ فَإِذَا لَمْ يُتِمَّ الْأَجِيرُ الْعَمَلَ فِي هَذِهِ رَجَعَتْ إِلَى مَسْأَلَةِ عَجْزِ الْعَامِلِ عَنِ الْعَمَلِ بَعْدَ أَنْ قَبَضَ الْأَجْرَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ وَفِي حَدِيثِ الْمَرْأَةِ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيءِ ﷺ فَظَهَرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْهَا وَأَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَ لَهُ: إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. قَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مَا تُصْدِقُهَا؟ إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ ﷺ «الْتَمَسَ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» قَالَ: مَا عِنْدِي وَلَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَأَنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَالَ لَهُ: مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا لِسُوَرٍ سَمَّاهَا. قَالَ لَهُ: قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيءَ أَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهَا عِشْرِينَ آيَةً مِمَّا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ وَتَكُونُ امْرَأَتَهُ. فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ كَانَ الْحَدِيثُ جَارِيًا عَلَى وَفْقِ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَكَانَ حُجَّةً لِصِحَّةِ جَعْلِ الصَّدَاقِ إِجَارَةً عَلَى عَمَلٍ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الصَّحِيحِ فَالْقِصَّةُ خُصُوصِيَّةٌ يُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِهَا. وَلَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ فِي الْآيَةِ لِلْعَمَلِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ. وَوَرَدَ فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ أَنَّهُ رَعَى غَنَمَ يَثْرُونَ (وَهُوَ شُعَيْبٌ) ، وَلَا غَرَضَ لِلْقُرْآنِ فِي بَيَانِ ذَلِكَ. وَلَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ إِلَى الْأَجْرِ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنْكَاحُهُ الْبِنْتَ فَإِذَا لَمْ نَأْخُذْ بِهَذَا الظَّاهِرِ كَانَتِ الْآيَةُ غَيْرَ مُتَعَرِّضَةٍ لِلْأَجْرِ إِذْ لَا غَرَضَ فِيهِ مِنْ سَوْقِ الْقِصَّةِ فَيَكُونُ جَارِيًا عَلَى مَا هُوَ مُتَعَارَفٌ عِنْدَهُمْ فِي أُجُورِ الْأَعْمَالِ وَكَانَتْ لِلْقَبَائِلِ عَوَائِدُ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ أَدْرَكْتُ

стр. 6909

مُنْذُ أَوَّلِ هَذَا الْقَرْنِ الرَّابِعَ عَشَرَ أَنَّ رَاعِيَ الْغَنَمِ لَهُ فِي كُلِّ عَامٍ قَمِيصٌ وَحِذَاءٌ يُسَمَّى (بَلْغَةً) وَنَحْوُ ذَلِكَ لَا أَضْبُطُهُ الْآنَ. وَقَوْلُهُ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ جَعَلَ ذَلِكَ إِلَى مُوسَى تَفَضُّلًا مِنْهُ أَنِ اخْتَارَهُ وَوَكَّلَهُ إِلَى مَا تَكُونُ عَلَيْهِ حَالُهُ فِي مُنْتَهَى الْحِجَجِ الثَّمَانِ مِنْ رَغْبَةٍ فِي الزِّيَادَةِ. وَ (مِنْ) ابْتِدَائِيَّةٌ. وَ (عِنْدَ) مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الذَّاتِ وَالنَّفْسِ مَجَازًا، وَالْمَجْرُورُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: فَإِتْمَامُ الْعَشْرِ مِنْ نَفْسِكَ، أَيْ لَا مِنِّي، يَعْنِي: أَنَّ الْإِتْمَامَ لَيْسَ دَاخِلًا فِي الْعُقْدَةِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَكَانَ مَفْهُومُ الظَّرْفِ مُعْتَبَرًا هُنَا. وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ إِنْكَاحَ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ بِدُونِ إِذْنِهَا وَهُوَ أَخْذٌ بِظَاهِرِهَا إِذْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِاسْتِئْذَانِهَا. وَلِمَنْ يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَهُ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِهِ. وَقَوْلُهُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ يُرِيدُ الصَّالِحِينَ بِالنَّاسِ فِي حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ وَلِينِ الْجَانِبِ. قَصَدَ بِذَلِكَ تَعْرِيفَ خُلُقِهِ لِصَاحِبِهِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَا قَصَدَ بِهِ قَائِلُهُ الْفَخْرَ وَالتَّمَدُّحَ، فَأَمَّا مَا كَانَ لغَرَض فِي الدِّينِ أَوِ الْمُعَامَلَةِ فَذَلِكَ حَاصِلٌ لِدَاعٍ حَسَنٍ كَمَا قَالَ يُوسُفُ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يُوسُف: ٥٥] . وأَشُقَّ عَلَيْكَ مَعْنَاهُ: أَكُونَ شَاقًّا عَلَيْكَ، أَيْ مُكَلِّفَكَ مَشَقَّةً، وَالْمَشَقَّةُ: الْعُسْرُ وَالتَّعَبُ وَالصُّعُوبَةُ فِي الْعَمَلِ. وَالْأَصْلُ أَنْ يُوصَفَ بِالشَّاقِّ الْعَمَلُ الْمُتْعِبُ فَإِسْنَادُ أَشُقَّ إِلَى ذَاتِهِ إِسْنَادٌ مَجَازِيٌّ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْمَشَقَّةِ، أَيْ مَا أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِطَ عَلَيْكَ مَا فِيهِ مَشَقَّتُكَ. وَهَذَا مِنَ السَّمَاحَةِ الْوَارِدِ فِيهَا حَدِيثُ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمَحًا إِذَا اشْتَرَى..» . وَجُمْلَةُ قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ حِكَايَةٌ لِجَوَابِ مُوسَى عَنْ كَلَامِ شُعَيْبٍ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ إِلَى الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ إِلَى آخِرِهِ. وَهَذَا قَبُولُ مُوسَى لِمَا أَوْجَبَهُ شُعَيْبٌ وَبِهِ تَمَّ التَّعَاقُدُ عَلَى النِّكَاحِ وَعَلَى الْإِجَارَةِ، أَيِ الْأَمْرُ عَلَى مَا شَرَطْتَ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ. وَأَطْلَقَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ مَجَازًا فِي مَعْنَى الثُّبُوتِ وَاللُّزُومِ وَالِارْتِبَاطِ، أَيْ كُلٌّ فِيمَا هُوَ مِنْ عَمَلِهِ.

стр. 6910

وَ (أَيَّمَا) مَنْصُوبٌ بِ قَضَيْتُ. وَ (أَيَّ) اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْهَمٌ مِثْلُ (مَا) . وَزِيدَتْ بَعْدَهَا (مَا) لِلتَّأْكِيدِ لِيَصِيرَ الْمَوْصُولُ شَبِيهًا بِأَسْمَاءِ الشَّرْطِ لِأَنَّ تَأْكِيدَ مَا فِي اسْمِ الْمَوْصُولِ مِنَ الْإِبْهَامِ يُكْسِبُهُ عُمُومًا فَيُشْبِهُ الشَّرْطَ فَلِذَلِكَ جُعِلَ لَهُ جَوَابٌ كَجَوَابِ الشَّرْطِ. وَالْجُمْلَةُ كُلُّهَا بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ فِي مُنْتَهَى الْأَجَلِ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّعَاقُدُ الْمُفَادُ بِجُمْلَةِ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. وَالْعُدْوَانُ بِضَمِّ الْعَيْنِ: الِاعْتِدَاءُ عَلَى الْحَقِّ، أَيْ فَلَا تَعْتَدِي عَلَيَّ. فَنَفَى جِنْسَ الْعُدْوَانِ الَّذِي مِنْهُ عُدْوَانُ مُسْتَأْجِرِهِ. وَاسْتَشْهَدَ مُوسَى عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى شُعَيْبٍ بِشَهَادَةِ اللَّهِ. وَأَصْلُ الْوَكِيلِ: الَّذِي وُكِّلَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ، وَأَرَادَ هُنَا أَنَّهُ وُكِّلَ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا تَعَاقَدَا عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا أَخَلَّ أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ كَانَ اللَّهُ مُؤَاخِذَهُ. وَلَمَّا ضُمِّنَ الْوَكِيلُ مَعْنَى الشَّاهِدِ عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلَيَّ وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُعَدَّى بِ (إِلَى) . وَالْعِبْرَةُ مِنْ سِيَاقَةِ هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْقِصَّةِ الْمُفْتَتَحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ إِلَى قَوْلِهِ وَاللَّهُ عَلى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [الْقَصَص: ٢٢- ٢٨] هُوَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَمَنَاقِبِ أَهْلِ الْكَمَالِ وَكَيْفَ هَيَّأَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى لِتَلَقِّي الرِّسَالَةِ بِأَنْ قَلَّبَهُ فِي أَطْوَارِ الْفَضَائِلِ، وَأَعْظَمُهَا مُعَاشَرَةُ رَسُولٍ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ وَمُصَاهَرَتُهُ، وَمَا تَتَضَمَّنَهُ مِنْ خِصَالِ الْمُرُوءَةِ وَالْفُتُوَّةِ الَّتِي اسْتَكَنَّتْ فِي نَفْسِهِ مِنْ فِعْلِ الْمَعْرُوفِ، وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَالرَّأْفَةِ بِالضَّعِيفِ، وَالزُّهْدِ، وَالْقَنَاعَةِ، وَشُكْرِ رَبِّهِ عَلَى مَا أَسْدَى إِلَيْهِ، وَمِنَ الْعَفَافِ وَالرَّغْبَةِ فِي عِشْرَةِ الصَّالِحِينَ، وَالْعَمَلِ لَهُمْ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَقْدِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى الْعَهْدِ حَتَّى كَانَ خَاتِمَةُ ذَلِكَ تَشْرِيفَهُ بِالرِّسَالَةِ وَمَا تَضَمَّنَتْهُ من خِصَال النبوءة الَّتِي أَبْدَاهَا شُعَيْبٌ مِنْ حُبِّ الْقِرَى، وَتَأْمِينِ الْخَائِفِ، وَالرِّفْقِ فِي الْمُعَامَلَةِ، لِيَعْتَبِرَ الْمُشْرِكُونَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ لَهُمُ اعْتِبَارٌ فِي مُقَايَسَةِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ بِأَجْنَاسِهَا مِنْ أَحْوَالِ النَّبِيءِ ﷺ فَيَهْتَدُوا إِلَى أَنَّ مَا عَرَفُوهُ بِهِ مِنْ زَكِيِّ الْخِصَالِ قَبْلَ رِسَالَتِهِ وتقويم سيرته، وزكاء سَرِيرَته، وَإِعَانَتِهِ عَلَى نَوَائِبِ الْحق، وتزوجه بِأَفْضَل امْرَأَةٍ مِنْ نِسَاءِ قَوْمِهِ، إِنْ هِيَ إِلَّا خِصَالٌ فَاذَّةٌ فِيهِ بَيْنَ قَوْمِهِ وَإِنْ هِيَ إِلَّا

стр. 6911

بِوَارِقُ لِانْهِطَالِ سَحَابِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَل رسالاته وَلِيَأْتَسِيَ الْمُسْلِمُونَ بِالْأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ النبوءة وَالصَّلَاح. [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٢٩] فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نَارًا قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) لَمْ يَذْكُرِ الْقُرْآنُ أَيَّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى إِذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِتَعْيِينِهِ غَرَضٌ فِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «قَضَى أَوْفَاهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِذَا قَالَ فَعَلَ» أَيْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ الْمُسْتَقْبَلَ لَا يَصْدُرُ مِنْ مِثْلِهِ إِلَّا الْوَفَاءُ التَّامُّ، وَوَرَدَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فِي أَحَادِيثَ ضَعِيفَةِ الْأَسَانِيدِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ بِمِثْلِ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالْأَهْلُ مِنْ إِطْلَاقِهِ الزَّوْجَةُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا» . وَفِي سِفْرِ الْخُرُوجِ: أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ صِهْرَهُ فِي الذَّهَابِ إِلَى مِصْرَ لِافْتِقَادِ أُخْتِهِ وَآلِهِ. وَبَقِيَّةُ الْقِصَّةِ تَقَدَّمَتْ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [٧] إِلَّا زِيَادَةَ قَوْلِهِ: آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نَارًا وَذَلِكَ مُسَاوٍ لِقَوْلِهِ هُنَا (إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) . وَالْجِذْوَةُ مثلث الْجِيم، وقرىء بِالْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ، فَالْجُمْهُورُ بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَعَاصِمٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَحَمْزَةُ وَخَلَفٌ بِضَمِّهَا، وَهِي الْعود الغيظ. قِيلَ مُطْلَقًا وَقِيلَ الْمُشْتَعِلُ وَهُوَ الَّذِي فِي «الْقَامُوسِ» . فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَوَصْفُ الْجِذْوَةِ بِأَنَّهَا مِنَ النَّارِ وَصْفٌ مُخَصَّصٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ وَصْفٌ كَاشِفٌ، ومِنْ عَلَى الْأَوَّلِ بَيَانِيَّةٌ وَعَلَى الثَّانِي تَبْعِيضِيَّةٌ

стр. 6912

[٣٠- ٣٢] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : الْآيَات ٣٠ الى ٣٢] فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا فِي سُورَةِ النَّمْلِ إِلَّا مُخَالَفَةَ أَلْفَاظٍ مِثْلِ أَتاها هُنَا وجاءَها هُنَاكَ [النَّمْل: ٨] وإِنِّي أَنَا اللَّهُ هُنَا، وإِنَّهُ أَنَا اللَّهُ هُنَاكَ [النَّمْل: ٩] بِضَمِيرٍ عَائِدٍ إِلَى الْجَلَالَةِ هُنَالِكَ، وَضَمِيرِ الشَّأْنِ هُنَا وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْمَوْقِعِ لِأَنَّ ضَمِيرَ الْجَلَالَةِ شَأْنُهُ عَظِيمٌ. وَقَوْلُهُ هُنَا رَبُّ الْعالَمِينَ وَقَوْلُهُ هُنَالِكَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النَّمْل: ٩] . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوْصَافَ الثَّلَاثَةَ قِيلَتْ لَهُ حِينَئِذٍ. وَالْقَوْلُ فِي نُكْتَةِ تَقْدِيمِ صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ إِصْدَارِ أَمْرِهِ لَهُ بِإِلْقَاءِ الْعَصَا كَالْقَوْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النَّمْلِ لِأَنَّ وَصْفَ رَبُّ الْعالَمِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ مُسَخَّرَةٌ لَهُ لِيُثَبِّتَ بِذَلِكَ قَلْبَ مُوسَى مِنْ هَوْلِ تَلَقِّي الرِّسَالَةِ. وأَنْ أَلْقِ هُنَا وأَلْقِ هُنَاكَ [النَّمْل: ١٠] ، واسْلُكْ هُنَا وَأَدْخِلْ هُنَاكَ [النَّمْل: ١٢] . وَتِلْكَ الْمُخَالَفَةُ تَفَنُّنٌ فِي تَكْرِيرِ الْقِصَّةِ لِتَجَدُّدِ نَشَاطِ السَّامِعِ لَهَا، وَإِلَّا زِيَادَةَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ وَهَذَا وَادٍ فِي سَفْحِ الطُّورِ. وَشَاطِئُهُ: جَانِبُهُ وَضَفَّتُهُ. وَوَصْفُ الشَّاطِئِ بِالْأَيْمَنِ إِنْ حُمِلَ الْأَيْمَنُ عَلَى أَنَّهُ ضِدُّ الْأَيْسَرِ فَهُوَ أَيْمَنُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَاقِعٌ عَلَى يَمِينِ الْمُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ مِنْ جَعْلِ الْقِبْلَةِ هِيَ الْجِهَةَ الْأَصْلِيَّةَ لِضَبْطِ الْوَاقِعِ وَهُمْ يَنْعَتُونَ الْجِهَاتِ بِالْيَمِينِ وَالْيَسَارِ يُرِيدُونَ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: عَلَى قَطَنٍ بِالشَّيْمِ أَيْمُنُ صَوْبِهِ ... وَأَيْسَرُهُ عَلَى السِّتَارِ فَيَذْبُلِ وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى اصْطِلَاحُ الْمُسْلِمِينَ فِي تَحْدِيدِ الْمَوَاقِعِ الْجُغْرَافِيَّةِ وَمَوَاقِعِ الْأَرَضِينَ، فَيَكُونُ الْأَيْمَنُ يَعْنِي الْغَرْبِيَّ لِلْجَبَلِ، أَيْ جِهَةَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِنَ الطُّورِ.

стр. 6913

أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ سَمَّوُا الْيَمَنَ يَمَنًا لِأَنَّهُ عَلَى يَمِينِ الْمُسْتَقْبِلِ بَابَ الْكَعْبَةِ وَسَمَّوُا الشَّامَ شَامًا لِأَنَّهُ عَلَى شَامِ الْمُسْتَقْبِلِ لِبَابِهَا، أَيْ عَلَى شَمَالِهِ، فَاعْتَبَرُوا اسْتِقْبَالَ الْكَعْبَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِهِ الْآتِي وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ [الْقَصَص: ٤٤] . وَأَمَّا جَعْلُهُ بِمَعْنَى الْأَيْمَنِ لِمُوسَى فَلَا يَسْتَقِيمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ [طه: ٨٠] فَإِنَّهُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرٌ لِمُوسَى هُنَاكَ. وَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ تَفْضِيلٌ مِنَ الْيُمْنِ وَهُوَ الْبَرَكَةُ فَهُوَ كَوَصْفِهِ بِ الْمُقَدَّسِ فِي سُورَةِ النَّازِعَاتِ [١٦] إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً. والْبُقْعَةِ بِضَمِّ الْبَاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا هِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُتَمَيِّزَةِ عَنْ غَيْرِهَا. والْمُبارَكَةِ لِمَا فِيهَا مِنِ اخْتِيَارِهَا لِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَى مُوسَى. وَقَوْلُهُ مِنَ الشَّجَرَةِ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ نُودِيَ فَتَكُونُ الشَّجَرَةُ مَصْدَرَ هَذَا النِّدَاءِ وَتَكُونُ مِنْ لِلِابْتِدَاءِ، أَيْ سَمِعَ كَلَامًا خَارِجًا مِنَ الشَّجَرَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا نَعْتًا ثَانِيًا لِلْوَادِ أَوْ حَالًا فَتَكُونُ مِنْ اتِّصَالِيَّةً، أَيْ مُتَّصِلًا بِالشَّجَرَةِ، أَيْ عِنْدَهَا، أَيِ الْبُقْعَةِ الَّتِي تَتَّصِلُ بِالشَّجَرَةِ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الشَّجَرَةِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ وَعَدَلَ عَنِ التَّنْكِيرِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهَا شَجَرَةٌ مَقْصُودَةٌ وَلَيْسَ التَّعْرِيف للْعهد إِذْ لَمْ يَتَقَدَّمُ ذِكْرُ الشَّجَرَةِ، وَالَّذِي فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ كَانَتْ مِنْ شَجَرِ الْعُلَّيْقِ (وَهُوَ مِنْ شَجَرِ الْعِضَاهِ) وَقِيلَ: هِيَ عَوْسَجَةٌ وَالْعَوْسَجُ مِنْ شَجَرِ الْعِضَاهِ أَيْضًا. وَزِيَادَةُ أَقْبِلْ وَهِيَ تَصْرِيحٌ بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ لَا تَخَفْ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [١٠] لِأَنَّهُ لَمَّا أَدْبَرَ خَوْفًا مِنَ الْحَيَّةِ كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْخَوْفِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى طَلَبِ إِقْبَالِهِ فَكَانَ الْكَلَامُ هُنَالِكَ إِيجَازًا وَكَانَ هُنَا مُسَاوَاةً تَفَنُّنًا فِي حِكَايَةِ الْقِصَّتَيْنِ، وَكَذَلِكَ زِيَادَةُ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ هُنَا وَلَمْ يُحْكَ فِي سُورَةِ النَّمْلِ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمُفَادِ وَلا تَخَفْ. وَفِيهِ زِيَادَةُ تَحْقِيقِ أَمْنِهِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ بِ (إِنَّ) وَجَعْلِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْآمِنِينَ فَإِنَّهُ أَشَدُّ فِي تَحْقِيقِ الْأَمْنِ مِنْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّكَ آمِنٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٦٧] . وَقَوْلُهُ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ خَفِيَ فِيهِ مُحَصَّلُ الْمَعْنَى الْمُنْتَزَعِ مِنْ تَرْكِيبِهِ فَكَانَ مَجَالَ تَرَدُّدِ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَبْيِينِهِ، وَاعْتَكَرَتْ مَحَامِلُ كَلِمَاتِهِ فَمَا

стр. 6914

اسْتَقَامَ مَحْمَلُ إِحْدَاهَا إِلَّا وَنَاكَدَهُ مَحْمَلُ أُخْرَى. وَهِيَ أَلْفَاظُ: جَنَاحٍ، وَرَهَبٍ، وَحَرْفِ مِنَ. فَسَلَكُوا طَرَائِقَ لَا تُوَصِّلُ إِلَى مُسْتَقَرٍّ. وَقَدِ اسْتُوعِبَتْ فِي كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ وَالزَّمَخْشَرِيِّ. قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَإِنَّ قَوْلَهُ مِنَ الرَّهْبِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَلَّى مُدْبِراً عَلَى أَنَّ مِنَ حَرْفٌ لِلتَّعْلِيلِ، أَيْ أَدْبَرَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ إِلَيْهِ إِذْ لَا دَاعِيَ لِتَقْدِيمِ وَتَأْخِيرِ مَا زَعَمُوهُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ طُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ فِعْلِ وَلَّى وَبَيْنَ مِنَ الرَّهْبِ. وَقِيلَ الْجَنَاحُ: الْيَدُ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَنِ الْيَدِ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِمَّا إِلَى تَكْرِيرِ مُفَادِ قَوْلِهِ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ وَحَرْفُ الْعَطْفِ مَانِعٌ مِنِ احْتِمَالِ التَّأْكِيدِ. وَادِّعَاءُ أَنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ مِنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي كَمَا فِي «الْكَشَّافِ» بَعِيدٌ، أَوْ يُؤَوَّلُ بِأَنْ وَضْعَ الْيَدِ عَلَى الصَّدْرِ يُذْهِبُ الْخَوْفَ كَمَا عُزِيَ إِلَى الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِلَى مُجَاهِدٍ وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ. وَهَذَا مَيْلٌ إِلَى أَنَّ الْجَنَاحَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مُرَادٌ بِهِ يَدُ الْإِنْسَانِ. وَلِلْجَنَاحِ حَقِيقَةٌ وَمَجَازَاتٌ بَيْنَ مُرْسَلٍ وَاسْتِعَارَةٍ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ فِي تَصَارِيفِ مَعَانِيهِ وَلَيْسَ وُرُودُهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِمَعْنًى بِقَاضٍ بِحَمْلِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى حَيْثُمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ. وَلِذَا فَالْوَجْهُ أَنَّ قَوْلَهُ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ تَمْثِيلٌ بِحَالِ الطَّائِرِ إِذا سكن عَن الطيران أَو عَن الدفاع جعل كِنَايَة عَن سُكُون اضْطِرَاب الْخَوْف. وَيكون من هُنَا للبدلية، أَي اسكن سُكُون الطَّائِر بَدَلًا مِنْ أَنْ تَطِيرَ خَوْفًا. وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الزَّمَخْشَرِيُّ قِيلَ: وَأَصْلُهُ لِأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ. والرَّهْبِ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ الْخَوْفُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً [الْأَنْبِيَاء: ٩٠] . وَالْمَعْنَى: انْكَفِفْ عَنِ التَّخَوُّفِ مِنْ أَمْرِ الرِّسَالَةِ. وَفِي الْكَلَامِ إِيجَازٌ وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [الْقَصَص: ٣٣] فَقَوْلُهُ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ [الْقَصَص: ٣٥] . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ الرَّهْبِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَاءِ، وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَخَلَفٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ. وَقَرَأَهُ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَهِيَ لُغَاتٌ فَصِيحَةٌ.

стр. 6915

فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ. تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ وَالْإِشَارَةُ إِلَى الْعَصَا وَبَيَاضِ الْيَدِ. وَالْبُرْهَانُ: الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ. ومِنْ لِلِابْتِدَاءِ، وإِلى لِلِانْتِهَاءِ الْمَجَازِيِّ أَيْ حُجَّتَانِ عَلَى أَنْ أُرْسِلَ بِهِمَا إِلَيْهِمْ. وَجُمْلَةُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ لِتَضَمُّنِهَا أَنَّهُمْ بِحَيْثُ يُقْرَعُونَ بِالْبَرَاهِينِ فَبَيَّنَ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ تَمَكَّنُ الْكُفْرِ مِنْ نُفُوسِهِمْ حَتَّى كَانَ كَالْجِبِلَّةِ فِيهِمْ وَبِهِ قِوَامُ قَوْمِيَّتِهِمْ لِمَا يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ كانُوا. وَقَوله قَوْماً كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٦٤] . وَالْفِسْقُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَذانِكَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ مِنْ (ذَانِكَ) عَلَى الْأَصْلِ فِي التَّثْنِيَةِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتَشْدِيدِ نُونِ فَذانِكَ وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ. وَعَلَّلَهَا النَّحْوِيُّونَ بِأَنَّ تَضْعِيفَ النُّونِ تَعْوِيضٌ عَلَى الْأَلْفِ مِنْ (ذَا) وَ (تَا) الْمَحْذُوفَةِ لِأَجْلِ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ. وَفِي «الْكَشَّافِ» : أَنَّ التَّشْدِيدَ عِوَضٌ عَنْ لَامِ الْبُعْدِ الَّتِي تَلْحَقُ اسْمَ الْإِشَارَةِ فَلِذَلِكَ قَالَ «فَالْمُخَفَّفُ مُثَنَّى ذَاكَ وَالْمُشَدَّدُ مُثَنَّى ذَلِكَ» . وَهَذَا أحسن. [٣٣] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٣٣] قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) جَرَى التَّأْكِيدُ عَلَى الْغَالِبِ فِي اسْتِعْمَالِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْغَرِيبَةِ لِيَتَحَقَّقَ السَّامِعُ وُقُوعَهَا وَإِلَّا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ لَمَّا قَالَ لَهُ اضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ [الْقَصَص: ٣٢] . وَالْمَعْنَى: فَأَخَافَ أَنْ يَذْكُرُوا قَتْلِيَ الْقِبْطِيَّ فَيَقْتُلُونِي. فَهَذَا كَالِاعْتِذَارِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ رِسَالَةَ اللَّهِ لَا يُتَخَلَّصُ مِنْهَا بِعُذْرٍ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِي أَمْنٍ إِلَهِيٍّ مِنْ أَعْدَائِهِ. فَهَذَا تَعْرِيضٌ بِالدُّعَاءِ، وَمُقَدِّمَةٌ لِطَلَبِ تَأْيِيدِهِ بهَارُون أَخِيه.

стр. 6916

[سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٣٤] وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) هَذَا سُؤَالٌ صَرِيحٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوسَى لَا يُرِيدُ بِالْأَوَّلِ التَّنَصُّلَ مِنَ التَّبْلِيغِ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ تَأْيِيدَهُ بِأَخِيهِ. وَإِنَّمَا عَيَنَّهُ وَلَمْ يسْأَل مؤيدا مَا لِعِلْمِهِ بِأَمَانَتِهِ وَإِخْلَاصِهِ لِلَّهِ وَلِأَخِيهِ وَعِلْمِهِ بفصاحة لِسَانه. وردى بِالتَّخْفِيفِ مِثْلُ (رِدْءٍ) بِالْهَمْزِ فِي آخِرِهِ: الْعَوْنُ. قَرَأَهُ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَر ردى مُخَفَّفًا. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ رِدْءاً بِالْهَمْزِ عَلَى الْأَصْلِ. ويُصَدِّقُنِي قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ مَجْزُومًا فِي جَوَابِ الطَّلَبِ بِقَوْلِهِ فَأَرْسِلْهُ مَعِي. وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ حَالٌ مِنَ الْهَاء من فَأَرْسِلْهُ. وَمَعْنَى تَصْدِيقِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا فِي تَصْدِيقِ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِيَّاهُ بِإِبَانَتِهِ عَنِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي يُلْقِيهَا مُوسَى فِي مَقَامِ مُجَادِلَةِ فِرْعَوْنَ كَمَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي. فَإِنَّهُ فَرَّعَ طَلَبَ إِرْسَالِهِ مَعَهُ عَلَى كَوْنِهِ أَفْصَحَ لِسَانًا وَجَعَلَ تَصْدِيقَهُ جَوَابَ ذَلِكَ الطَّلَبِ أَوْ حَالًا مِنَ الْمَطْلُوبِ فَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى تَفْرِيعٍ، فَلَا جَرَمَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مُنَاسِبًا لِمَعْنَى الْمُفَرَّعِ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّهُ أَفْصَحُ لِسَانًا. وَلَيْسَ لِلْفَصَاحَةِ أَثَرٌ فِي التَّصْدِيقِ إِلَّا بِهَذَا الْمَعْنَى. وَلَيْسَ التَّصْدِيقُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: صَدَقَ مُوسَى، لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الْفَصِيحُ وَذُو الْفَهَاهَةِ. فَإِسْنَادُ التَّصْدِيقِ إِلَى هَارُونَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ، وَالْمُصَدِّقُونَ حَقِيقَةً هُمُ الَّذِينَ يَحْصُلُ لَهُمُ الْعِلْمُ بِأَنَّ مُوسَى صَادِقٌ فِيمَا جَاءَ بِهِ. وَجُمْلَةُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ تَعْلِيلٌ لِسُؤَالِ تَأْيِيدِهِ بِهَارُونَ، فَهَذِهِ مَخَافَةٌ ثَانِيَةٌ مِنَ التَّكْذِيبِ، وَالْأُولَى مَخَافَةٌ من الْقَتْل.

стр. 6917

[سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٣٥] قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ دَعْوَتَيْهِ وَزَادَهُ تَفَضُّلًا بِمَا لَمْ يَسْأَلْهُ فَاسْتِجَابَةُ الدَّعْوَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ، وَاسْتِجَابَةُ الْأُولَى بِقَوْلِهِ فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما، وَالتَّفَضُّلُ بِقَوْلِهِ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً، فَأَعْطَى مُوسَى مَا يُمَاثِلُ مَا لِهَارُونَ مِنَ الْمَقْدِرَةِ عَلَى إِقَامَةِ الْحُجَّةِ إِذْ قَالَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مُوسَى ﵇ مِنْ حُجَجٍ فِي مُجَادَلَةِ فِرْعَوْنَ كَمَا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ، وَهُنَا وَمَا خَاطَبَ بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِمَّا حُكِيَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ. وَلَمْ يُحْكَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ هَارُونَ تَكَلَّمَ بِدَعْوَةِ فِرْعَوْنَ عَلَى أَنَّ مُوسَى سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَحْلُلَ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِهِ كَمَا فِي سُورَةِ طه، وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ لَهُ. وَالشَّدُّ: الرَّبْطُ، وَشَأْنُ الْعَامِلِ بِعُضْوٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ عَمَلًا مُتْعِبًا لِلْعُضْوِ أَنْ يَرْبِطَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَفَكَّكَ أَوْ يَعْتَرِيَهُ كَسْرٌ، وَفِي ضِدِّ ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ [الْأَعْرَاف: ١٤٩] وَقَوْلُهُمْ: فَتَّ فِي عَضُدِهِ، وَجُعِلَ الْأَخُ هُنَا بِمَنْزِلَةِ الرِّبَاطِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ. وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ يُؤَيِّدُهُ بِفَصَاحَتِهِ، فَتَعْلِيقُهُ بِالشَّدِّ مُلْحَقٌ بِبَابِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ. وَهَذَا كُلُّهُ تَمْثِيلٌ لِحَالِ إِيضَاحِ حُجَّتِهِ بِحَالِ تَقْوِيَةِ مَنْ يُرِيدُ عَمَلًا عَظِيمًا أَنْ يُشَدَّ عَلَى يَدِهِ وَهُوَ التَّأْيِيدُ الَّذِي شَاعَ فِي مَعْنَى الْإِعَانَةِ وَالْإِمْدَادِ، وَإِلَّا فَالتَّأْيِيدُ أَيْضًا مُشْتَقٌّ مِنَ الْيَدِ. فَأَصْلُ مَعْنَى (أَيَّدَ) جَعَلَ يَدًا، فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ لِإِيجَادِ الْإِعَانَةِ. وَالسُّلْطَانُ هُنَا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّسَلُّطِ عَلَى الْقُلُوبِ وَالنُّفُوسِ، أَيْ مَهَابَةً فِي قُلُوبِ الْأَعْدَاءِ وَرُعْبًا مِنْكُمَا كَمَا أَلْقَى عَلَى مُوسَى مُحِبَّةً حِينَ الْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ. وَتَقَدَّمَ مَعْنَى السُّلْطَانِ حَقِيقَةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٣٣] . وَفَرَّعَ عَلَى جَعْلِ السُّلْطَانِ فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما أَيْ لَا يُؤْذُونَكُمَا بِسُوءٍ وَهُوَ الْقَتْلُ وَنَحْوُهُ. فَالْوُصُولُ مُسْتَعْمَلٌ مَجَازًا فِي الْإِصَابَةِ. وَالْمُرَادُ: الْإِصَابَةُ بِسُوءٍ، بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ. وَقَوْلُهُ بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِآياتِنا مُتَعَلِّقًا

стр. 6918

بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ [الْقَصَص: ٣٢] تَقْدِيرُهُ: إذْهَبَا بِآيَاتِنَا عَلَى نَحْوِ مَا قُدِّرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ [النَّمْلِ: ١٢] وَقَوله فِي سُورَة النَّمْل بَعْدَ قَوْلِهِ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ [النَّمْل: ١٢] أَيِ اذْهَبَا فِي تِسْعِ آيَاتٍ. وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [١٥] قالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً، أَيْ سُلْطَانًا عَلَيْهِمْ بِآيَاتِنَا حَتَّى تَكُونَ رَهْبَتُهُمْ مِنْكُمَا آيَةً مِنْ آيَاتِنَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِ فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما أَيْ يُصْرَفُونَ عَنْ أَذَاكُمْ بِآيَاتٍ مِنَّا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ» . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ الْغالِبُونَ أَيْ تَغْلِبُونَهُمْ وَتَقْهَرُونَهُمْ بِآيَاتِنَا الَّتِي نُؤَيِّدُكُمَا بِهَا. وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ فِي هَذَا الْوَجْهِ لِلِاهْتِمَامِ بِعَظَمَةِ الْآيَاتِ الَّتِي سَيُعْطَيَانِهَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ حَرْفَ قَسَمٍ تَأْكِيدًا لَهُمَا بِأَنَّهُمَا الْغَالِبُونَ وَتَثْبِيتًا لِقُلُوبِهِمَا. وَعَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا فَالْآيَاتُ تَشْمَلُ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ الْمُشَاهَدَةَ مِثْلَ الْآيَاتِ التِّسْعِ، وَتَشْمَلُ الْمُعْجِزَاتِ الْخَفِيَّةَ كَصَرْفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ عَنِ الْإِقْدَامِ عَلَى أَذَاهُمَا مَعَ مَا لَدَيْهِمْ مِنَ الْقُوَّةِ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْعَدَاوَةِ بِحَيْثُ لَوْلَا الصَّرَفَةُ مِنَ اللَّهِ لَأَهْلَكُوا مُوسَى وَأَخَاهُ. وَمَحَلُّ الْعِبْرَةِ مِنْ هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْقِصَّةِ التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّ الرِّسَالَةَ فَيْضٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى مَنِ اصْطَفَاهُ مِنْ عِبَادِهِ وَأَنَّ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَرِسَالَةِ مُوسَى جَاءَتْهُ بَغْتَةً فَنُودِيَ مُحَمَّدٌ فِي غَارِ جَبَلِ حِرَاءٍ كَمَا نُودِيَ مُوسَى فِي جَانِبِ جَبَلِ الطُّورِ، وَأَنَّهُ اعْتَرَاهُ مِنَ الْخَوْفِ مِثْلَ مَا اعْتَرَى مُوسَى، وَأَنَّ اللَّهَ ثَبَّتَهُ كَمَا ثَبَّتَ مُوسَى، وَأَنَّ اللَّهَ يَكْفِيهِ أَعْدَاءَهُ كَمَا كَفَى مُوسَى أعداءه. [٣٦] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٣٦] فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) طُوِيَ مَا بَيْنَ نِدَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ وَبَيْنَ حُضُورِهِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ مِنَ الْأَحْدَاثِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْعِبْرَةِ بِهِ. وَأُسْنِدَ الْمَجِيءُ بِالْآيَاتِ إِلَى مُوسَى ﵇ وَحْدَهُ دُونَ هَارُونَ لِأَنَّهُ

стр. 6919

الرَّسُولُ الْأَصْلِيُّ الَّذِي تَأْتِي الْمُعْجِزَاتُ عَلَى يَدَيْهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فَاذْهَبا بِآياتِنا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [١٥] ، وَقَوْلِهِ بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ [الْقَصَص: ٣٥] إِذْ جَعَلَ تَعَلُّقَ الْآيَاتِ بِضَمِيرَيْهَا لِأَنَّ مَعْنَى الْمُلَابَسَةِ مَعْنًى مُتَّسِعٌ فَالْمُصَاحِبُ لِصَاحِبِ الْآيَاتِ هُوَ مَلَابِسٌ لَهُ. وَالْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ هِيَ خَوَارِقُ الْعَادَاتِ الَّتِي أَظْهَرَهَا، أَيْ جَاءَهُمْ بِهَا آيَةً بَعْدَ آيَةٍ فِي مَوَاقِعَ مُخْتَلِفَةٍ، قَالُوا عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. وَالْمُفْتَرَى: الْمَكْذُوبُ. وَمَعْنَى كَوْنِهَا سِحْرًا مَكْذُوبًا أَنَّهُ مَكْذُوبٌ ادِّعَاءُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِخْفَاءُ كَوْنِهِ سِحْرًا. وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ وَما سَمِعْنا بِهذا إِلَى ادِّعَاءِ الرِّسَالَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُسْمَعُ وَأَمَّا الْآيَاتُ فَلَا تُسْمَعُ. فَمَرْجِعُ اسْمَيِ الْإِشَارَةِ مُخْتَلِفٌ، أَيْ مَا سَمِعْنَا مَنْ يَدْعُو آبَاءَنَا إِلَى مِثْلِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ فَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ، أَيْ فِي زَمَنِ آبَائِنَا. وَقَدْ جَعَلُوا انْتِفَاءَ بُلُوغِ مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ إِلَى آبَائِهِمْ حَتَّى تَصِلَ إِلَيْهِمْ بِوَاسِطَةِ آبَائِهِمُ الْأَوَّلِينَ، دَلِيلًا عَلَى بُطْلَانِهَا وَذَلِكَ آخِرُ مَلْجَأٍ يَلْجَأُ إِلَيْهِ الْمَحْجُوجُ الْمَغْلُوبُ حِينَ لَا يَجِدُ مَا يَدْفَعُ بِهِ الْحَقَّ بِدَلِيلٍ مَقْبُولٍ فَيَفْزَعُ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ التلفيقات والمباهتات. [٣٧] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٣٧] وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) لَمَّا قَالُوا قولا صَرِيحًا فِي تَكْذِيبِهِ وَاسْتَظْهَرُوا عَلَى قَوْلِهِمْ بِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى شَيْء من عَلِمَهُ آبَاؤُهُمْ أَجَابَ مُوسَى كَلَامَهُمْ بِمِثْلِهِ فِي تَأْيِيدِ صِدْقِهِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُهُ اللَّهُ، فَمَا عِلْمُ آبَائِهِمْ فِي جَانِبِ عِلْمِ اللَّهِ بِشَيْءٍ، فَلَمَّا تَمَسَّكُوا بِعِلْمِ آبَائِهِمْ تَمَسَّكَ مُوسَى بِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدِ احْتَجَّ مُوسَى بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَكِلْ ذَلِكَ إِلَى هَارُونَ. وَكَانَ مُقْتَضَى الِاسْتِعْمَالِ أَنْ يُحْكَى كَلَامُ مُوسَى بِفِعْلِ الْقَوْلِ غَيْرَ مَعْطُوفٍ بِالْوَاوِ شَأْنَ حِكَايَةِ الْمُحَاوَرَاتِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَخُولِفَ ذَلِكَ هُنَا بِمَجِيءِ حَرْفِ

стр. 6920

الْعَطْفِ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ لِأَنَّهُ قَصَدَ هُنَا التَّوَازُنَ بَيْنَ حُجَّةِ مَلَإِ فِرْعَوْنَ وَحُجَّةِ مُوسَى، لِيَظْهَرَ لِلسَّامِعِ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِي مُصَادَفَةِ الْحَقِّ وَيَتَبَصَّرَ فَسَادَ أَحَدِهِمَا وَصِحَّةَ الْآخَرِ، وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ، فَلِهَذَا عُطِفَتِ الْجُمْلَةُ جَرْيًا عَلَى الْأَصْلِ غَيْرِ الْغَالِبِ للتّنْبِيه على أَن فِيهِ خُصُوصِيَّة غير الْمَعْهُودَة فِي مثله فَتكون معرفَة التَّفَاوُت بَين المحتجين محَالة عَلَى النَّظَرِ فِي مَعْنَاهُمَا. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ قالَ مُوسى بِدُونِ وَاوٍ وَهِيَ مَرْسُومَةٌ فِي مُصْحَفِ أَهِلِ مَكَّةَ بِدُونِ وَاوٍ عَلَى أَصْلِ حِكَايَةِ الْمُحَاوَرَاتِ وَقَدْ حَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الْقِرَاءَتَيْنِ الْوَفَاءُ بِحَقِّ الْخُصُوصِيَّتَيْنِ مِنْ مُقْتَضَى حَالَيِ الْحِكَايَةِ. وَعَبَّرَ عَنِ اللَّهِ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضَافًا إِلَى ضَمِيرِهِ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَعْلَمُ الْحَقَّ هُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ لَا آلِهَتُهُمُ الْمَزْعُومَةُ. وَيُظْهِرُ أَنَّ الْقِبْطَ لَمْ يَكُنْ فِي لُغَتِهِمُ اسْمٌ عَلَى الرَّبِّ وَاجِبِ الْوُجُودِ الْحَقِّ وَلَكِنْ أَسْمَاءُ آلِهَةٍ مَزْعُومَةً. وَعَبَّرَ فِي جَانب بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى بِفِعْلِ الْمُضِيِّ وَفِي جَانِبِ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ بِالْمُضَارِعِ لِأَنَّ الْمَجِيءَ بِالْهُدَى الْمُحَقِّقِ وَالْمَزْعُومِ أَمْرٌ قَدْ تَحَقَّقَ وَمَضَى سَوَاءٌ كَانَ الْجَائِي بِهِ مُوسَى أَمْ آبَاؤُهُمُ الْأَوَّلُونَ وَعُلَمَاؤُهُمْ. وَأَمَّا كِيَانُ عَاقِبَةِ الدَّارِ لِمَنْ فَمَرْجُوٌّ لِمَا يَظْهَرُ بَعْدُ. فَفِي قَوْلِهِ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى إِشْهَادٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَكَلَامٌ مُنْصِفٌ، أَيْ رَبِّي أَعْلَمُ بِتَعْيِينِ الْجَائِي بِالْهُدَى أَنْحَنِ أَمْ أَنْتُمْ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤] . وَفِي قَوْلِهِ: وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ تَفْوِيضٌ إِلَى مَا سَيَظْهَرُ مِنْ نَصْرِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الآخر وَهُوَ تَعْرِيض بِالْوَعِيدِ بِسُوءِ عَاقِبَتِهِمْ. وعاقِبَةُ الدَّارِ كَلِمَةٌ جَرَتْ مَجْرَى الْمَثَلِ فِي خَاتِمَةِ الْخَيْرِ بَعْدَ الْمَشَقَّةِ تَشْبِيهًا لِعَامِلِ الْعَمَلِ بِالسَّائِرِ الْمُنْتَجِعِ إِذَا صَادَفَ دَارَ خِصْبٍ وَاسْتَقَرَّ بِهَا وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ. فَأَصْلُ عَاقِبَةُ الدَّارِ: الدَّارُ الْعَاقِبَةُ. فَأُضِيفَتِ الصِّفَةُ إِلَى مَوْصُوفِهَا. وَالْعَاقِبَةُ: هِيَ الْحَالَةُ الْعَاقِبَةُ، أَيِ الَّتِي تَعْقُبُ، أَيْ تَجِيءُ عَقِبَ غَيْرِهَا، فَيُؤْذِنُ هَذَا اللَّفْظ بتبدل حَالٍ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ، فَلِذَلِكَ لَا تطلق إِلَّا عَلَى الْعَاقِبَةِ الْمَحْمُودَةِ. وَقَدْ

стр. 6921

تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٣٥] قَوْلُهُ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ وَفِي سُورَةِ الرَّعْدِ [٢٢] قَوْلُهُ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ وَقَوله وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرَّعْد: ٤٢] . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ تَكُونُ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ عَلَى أَصْلِ تَأْنِيثِ لَفْظِ عاقِبَةُ الدَّارِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلَى الْخِيَارِ فِي فِعْلِ الْفَاعِلِ الْمَجَازِيِّ التَّأْنِيثِ. وَأَيَّدَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِجُمْلَةِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، دَلَالَةً عَلَى ثِقَتِهِ بِأَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَذَلِكَ يَفُتُّ مِنْ أَعَضَادِهِمْ، وَيُلْقِي رُعْبَ الشَّكِّ فِي النَّجَاةِ فِي قُلُوبِهِمْ. وَضَمِيرُ إِنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ بَعْدَهُ ذَاتُ مَعْنًى لَهُ شَأْن وخطر. [٣٨] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٣٨] وَقالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) كَلَامُ فِرْعَوْنَ الْمَحْكِيُّ هُنَا وَاقِعٌ فِي مَقَامٍ غَيْرِ مُقَامِ الْمُحَاوَرَةِ مَعَ مُوسَى فَهُوَ كَلَام أقبل بِهِ على خطاب أهل مَجْلِسه إِثْر المحاورة مَعَ مُوسَى فَلِذَلِكَ حُكِيَ بِحَرْفِ الْعَطْفِ عَطْفَ الْقِصَّةِ عَلَى الْقِصَّةِ. فَهَذِهِ قِصَّةُ مُحَاوَرَةٍ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فِي شَأْنِ دَعْوَةِ مُوسَى فَهِيَ حَقِيقَةٌ بِحَرْفِ الْعَطْفِ كَمَا لَا يَخْفَى. أَرَادَ فِرْعَوْنُ بِخِطَابِهِ مَعَ مَلَئِهِ أَنْ يُثَبِّتَهُمْ عَلَى عَقِيدَةِ إِلَهِيَّتِهِ فَقَالَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي إِبْطَالًا لِقَوْلِ مُوسَى الْمَحْكِيِّ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [٢٦] قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ وَقَوْلُهُ هُنَاكَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (١) [الشُّعَرَاء: ٢٤] . فَأَظْهَرَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ أَنَّ دَعْوَةَ مُوسَى لَمْ تَرُجْ عِنْدَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ بِهَا فَقَالَ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي. وَالْمُرَادُ بِنَفْيِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ نَفْيُ وُجُودِ إِلَهٍ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ يُرِيهِمْ أَنَّهُ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَقٍّ فَلَوْ كَانَ ثَمَّةَ إِلَهٌ غَيْرُهُ لَعَلِمَهُ. وَالْمَقْصُودُ بِنَفْيِ وُجُودِ إِلَهٍ غَيْرِهِ نَفْيُ وُجُودِ الْإِلَهِ الَّذِي أَثْبَتَهُ مُوسَى وَهُوَ خَالِقُ

стр. 6922

الْجَمِيعِ. وَأَمَّا آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَزْعُمُونَهَا فَإِنَّهَا مِمَّا تَقْتَضِيهِ إِلَهِيَّةُ فِرْعَوْنَ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ عِنْدَهُمْ هُوَ مَظْهَرُ الْآلِهَةِ الْمَزْعُومَةِ عِنْدَهُمْ لِأَنَّهُ فِي اعْتِقَادِهِمُ ابْنُ الْآلِهَةِ وَخُلَاصَةُ سِرِّهِمْ، وَكُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الْفَرَا. وَحَيْثُ قَالَ مُوسَى إِنَّ الْإِلَهَ الْحَقَّ هُوَ رب السَّمَوَات فَقَدْ حَسِبَ فِرْعَوْنُ أَنَّ مَمْلَكَةَ هَذَا الرَّبِّ السَّمَاءُ تَصَوُّرًا مُخْتَلًّا فَفَرَّعَ عَلَى نَفْيِ إِلَهٍ غَيْرِهِ وَعَلَى تَوَهُّمِ أَنَّ الرَّبَّ الْمَزْعُومَ مَقَرُّهُ السَّمَاءُ أَنْ أَمَرَ هامانُ وَزِيرَهُ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا يَبْلُغُ بِهِ عَنَانَ السَّمَاءِ لِيَرَى الْإِلَهَ الَّذِي زَعَمَهُ مُوسَى حَتَّى إِذَا لَمْ يَجِدْهُ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَأَثَبْتَ لَهُمْ عَدَمَ إِلَهٍ فِي السَّمَاءِ إِثْبَاتَ مُعَايَنَةٍ، أَرَادَ أَنْ يَظْهَرَ لِقَوْمِهِ فِي مَظْهَرِ الْمُتَطَلِّبِ لِلْحَقِّ الْمُسْتَقْصِي لِلْعَوَالِمِ حَتَّى إِذَا أَخْبَرَ قَوْمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنَّ نَتِيجَةَ بَحْثِهِ أَسْفَرَتْ عَنْ كَذِبِ مُوسَى ازْدَادُوا ثِقَةً بِبُطْلَانِ قَوْلِ مُوسَى ﵇. وَفِي هَذَا الضِّغْثِ مِنَ الْجَدَلِ السُّفِسْطَائِيِّ مَبْلَغٌ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى سُوءِ انْتِظَامِ تَفْكِيرِهِ وَتَفْكِيرِ مَلْئِهِ، أَوْ مَبْلَغُ تَحَيُّلِهِ وَضَعْفِ آرَاءِ قَوْمِهِ. وهامانُ لَقَبٌ أَوِ اسْمٌ لِوَزِيرِ فِرْعَوْنَ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا. وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ فَأَوْقِدْ لِي يَا هامانُ عَلَى الطِّينِ أَنْ يَأْمُرَ هامانُ الْعَمَلَةَ أَنْ يَطْبُخُوا الطِّينَ لِيَكُونَ آجُرًّا وَيَبْنُوا بِهِ فَكُنِّيَ عَنِ الْبِنَاءِ بِمُقَدَّمَاتِهِ وَهِيَ إِيقَادُ الْأَفْرَانِ لِتَجْفِيفِ الطِّينِ الْمُتَّخَذِ آجُرًّا. وَالْآجُرُّ كَانُوا يَبْنُونَ بِهِ بُيُوتَهُمْ فَكَانُوا يَجْعَلُونَ قَوَالِبَ مِنْ طِينٍ يَتَصَلَّبُ إِذَا طُبِخَ وَكَانُوا يَخْلِطُونَهُ بِالتِّبْنِ لِيَتَمَاسَكَ قَبْلَ إِدْخَالِهِ التَّنُّورَ كَمَا وَرَدَ وَصْفُ صُنْعِ الطِّينِ فِي الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ. وَابْتَدَأَ بِأَمْرِهِ بِأَوَّلِ أَشْغَالِ الْبِنَاءِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْعِنَايَةِ بِالشُّرُوعِ مِنْ أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْأَمْرِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْبَنَاءِ يَتَأَخَّرُ إِلَى مَا بَعْدَ إِحْضَارِ مَوَادِّهِ فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْأَخْذِ فِي إِحْضَارِ تِلْكَ الْمَوَادِّ الَّتِي أَوَّلُهَا الْإِيقَادُ، أَيْ إِشْعَالُ التَّنَانِيرِ لِطَبْخِ الْآجُرِّ. وَعَبَّرَ عَنِ الْآجُرِّ بِالطِّينِ لِأَنَّهُ قِوَامُ صُنْعِ الْآجُرِّ وَهُوَ طِينٌ مَعْرُوفٌ. وَكَأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِبِنَاءٍ مِنْ حَجَرٍ وَكِلْسٍ قَصْدًا لِلتَّعْجِيلِ بِإِقَامَةِ هَذَا الصَّرْحِ الْمُرْتَفِعِ إِذْ لَيْسَ مَطْلُوبًا طُولُ بَقَائِهِ بِإِحْكَامِ بِنَائِهِ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ بَلِ الْمُرَادُ سُرْعَةُ الْوُصُولِ إِلَى ارْتِفَاعِهِ كَيْ يَشْهَدَهُ النَّاسُ، وَيَحْصُلَ الْيَأْسُ ثُمَّ يُنْقَضُ مِنَ الْأَسَاسِ.

стр. 6923

وَعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالْآجُرِّ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي «الْمَثَلِ السَّائِرِ» : لِأَنَّ كَلِمَةَ الْآجُرِّ وَنَحْوِهَا كَالْقَرْمَدِ وَالطُّوبِ كَلِمَاتٌ مُبْتَذَلَةٌ فَذُكِرَ بِلَفْظِ الطِّينِ اه. وَأُظْهِرَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْأَثِيرِ: أَنَّ الْعُدُولَ إِلَى الطِّينِ لِأَنَّهُ أَخَفُّ وَأَفْصَحُ. وَإِسْنَادُ الْإِيقَادِ عَلَى الطِّينِ إِلَى هَامَانَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ الَّذِي يَأْمُرُ بِذَلِكَ كَمَا يَقُولُونَ: بَنَى السُّلْطَانُ قَنْطَرَةً وَبَنَى الْمَنْصُورُ بَغْدَادَ. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ هَامَانَ آنِفًا وَأَنَّهُ وَزِيرُ فِرْعَوْنَ. وَكَانَتْ أَوَامِرُ الْمُلُوكِ فِي الْعُصُورِ الْمَاضِيَةِ تُصْدَرُ بِوَاسِطَةِ الْوَزِيرِ فَكَانَ الْوَزِيرُ هُوَ الْمُنَفِّذَ لِأَوَامِرَ الْمَلِكِ بِوَاسِطَةِ أَعْوَانِهِ مِنْ كِتَّابٍ وَأُمَرَاءَ وَوُكَلَاءَ وَنَحْوِهِمْ، كُلٌّ فِيمَا يَلِيقُ بِهِ. وَالصَّرْحُ: الْقَصْرُ الْمُرْتَفِعُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى يلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [٤٤] . وَرَجَا أَنْ يَصِلَ بِهَذَا الصَّرْحِ إِلَى السَّمَاءِ حَيْثُ مَقَرُّ إِلَهِ مُوسَى. وَهَذَا مِنْ فَسَادِ تَفْكِيرِهِ إِذْ حَسِبَ أَنَّ السَّمَاءَ يُوصَلُ إِلَيْهَا بِمِثْلِ هَذَا الصَّرْحِ مَا طَالَ بِنَاؤُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ مُسْتَقِرٌّ فِي مَكَانٍ مِنَ السَّمَاءِ. وَالِاطِّلَاعُ: الطُّلُوعُ الْقَوِيُّ الْمُتَكَلَّفُ لِصُعُوبَتِهِ. وَقَوْلُهُ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ اسْتَعْمَلَ فِيهِ الظَّنَّ بِمَعْنَى الْقَطْعِ فَكَانَتْ مُحَاوَلَتُهُ الْوُصُولَ إِلَى السَّمَاءِ لِزِيَادَةِ تَحْقِيقِ ظَنِّهِ، أَوْ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقْنِعَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهَذَا تَمْوِيهَ الْأَمْرِ عَلَى قَوْمِهِ لِيُلْقِيَ فِي اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ مُوسَى ادَّعَى أَنَّ اللَّهَ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ يَبْلُغُ إِلَيْهِ ارْتِفَاعُ صَرْحِهِ. ثُمَّ يَجْعَلَ عَدَمَ الْعُثُورِ عَلَى الْإِلَهِ فِي ذَلِكَ الِارْتِفَاعِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ وُجُودِ الْإِلَهِ الَّذِي ادَّعَاهُ مُوسَى. وَكَانَتْ عَقَائِدُ أَهْلِ الضَّلَالَةِ قَائِمَةً عَلَى التَّخَيُّلِ الْفَاسِدِ، وَكَانَتْ دَلَائِلُهَا قَائِمَةً عَلَى تَمْوِيهِ الدَّجَّالِينَ مِنْ زُعَمَائِهِمْ. وَقَوْلُهُ مِنَ الْكاذِبِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَعُدُّهُ مِنَ الطَّائِفَةِ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ الْكَذِبُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [الْبَقَرَة: ٦٧] . وَلَمْ يَذْكُرِ الْقُرْآنُ أَنَّ هَذَا الصَّرْحَ بُنِيَ، وَلَيْسَ هُوَ أَحَدَ الْأَهْرَامِ لِأَنَّ الْأَهْرَامَ بُنِيَتْ

стр. 6924

مِنْ حِجَارَةٍ لَا مِنْ آجُرٍّ، وَلِأَنَّهَا جُعِلَتْ مَدَافِنَ لِلَّذِينَ بَنَوْهَا مِنَ الْفَرَاعِنَةِ. وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ هَلْ وَقَعَ بِنَاءُ هَذَا الصَّرْحِ وَتَمَّ أَوْ لَمْ يَقَعْ فَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ تَمَّ وَصَعِدَ فِرْعَوْنُ إِلَى أَعْلَاهُ وَنَزَلَ وَزَعَمَ أَنَّهُ قَتَلَ رَبَّ مُوسَى. وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّرْحَ سَقَطَ قَبْلَ إِتْمَامِ بِنَائِهِ فَأَهْلَكَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ عَمَلَةِ الْبِنَاءِ وَالْجُنْدِ. وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي بِنَائِهِ. وَقَدْ لَاحَ لِي فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَجْهٌ آخَرُ سَأَذْكُرُهُ فِي سُورَة الْمُؤمن. [٣٩] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٣٩] وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) الِاسْتِكْبَارُ: أَشَدُّ مِنَ الْكِبْرِ، أَيْ تَكَبَّرَ تَكَبُّرًا شَدِيدًا إِذْ طَمِعَ فِي الْوُصُولِ إِلَى الرَّبِّ الْعَظِيمِ وُصُولَ الْغَالِبِ أَوِ الْقَرِينِ. وجُنُودُهُ: أَتْبَاعُهُ. فَاسْتِكْبَارُهُ هُوَ الْأَصْلُ وَاسْتِكْبَارُ جُنُودِهِ تَبَعٌ لِاسْتِكْبَارِهِ لِأَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَهُ وَيَتَلَقَّوْنَ مَا يُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَقَائِدِ. والْأَرْضِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمَعْهُودَةُ، أَيْ أَرْضُ مِصْرَ وَأَنْ يُرَادَ بِهَا الْجِنْسُ، أَيْ فِي عَالَمِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَوْمَئِذٍ أَعْظَمَ أُمَمِ الْأَرْضِ. وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ الْحَقِّ حَال لَازِمَةٌ لِعَامِلِهَا إِذْ لَا يَكُونُ الِاسْتِكْبَارُ إِلَّا بِغَيْرِ الْحَقِّ. وَقَوْلُهُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لَا يُرْجَعُونَ مَعْلُومٌ بِالْفَحْوَى مِنْ كَفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِهِ لِأَهَمِّيَّةِ إِبْطَالِهِ فَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِدَلَالَةِ مَفْهُومِ الْفَحْوَى، وَلِأَنَّ فِي التَّصْرِيحِ بِهِ تَعْرِيضًا بِالْمُشْرِكِينَ فِي أَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ سَوَاءٌ فَلْيَضَعُوا أَنْفُسَهُمْ فِي أَيِّ مَقَامٍ مِنْ مَقَامَاتٍ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو جَهْلٍ يُلَقَّبُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ بِفِرْعَوْنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْذًا مِنْ تَعْرِيضَاتِ الْقُرْآنِ. وَمَعْنَى ذَلِكَ: ظَنُّوا أَنْ لَا بَعْثَ وَلَا رُجُوعَ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِالْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ. فَذِكْرُ إِلَيْنا لِحِكَايَةِ الْوَاقِعِ وَلَيْسَ بِقَيْدٍ فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ وَلَمْ يُنْكِرُوا وُجُودَ اللَّهِ مِثْلَ الْمُشْرِكِينَ. وَتَقْدِيمُ إِلَيْنا عَلَى عَامِلِهِ لِأَجْلِ الْفَاصِلَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ فِي مَنَعَةٍ مِنْ أَنْ يَرْجِعُوا فِي قَبْضَةِ قُدْرَتِنَا كَمَا

стр. 6925

دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [٢٤، ٢٥] قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ اسْتِعْجَابًا مِنْ ذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ فَالتَّعْرِيضُ بِالْمُشْرِكِينَ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ فِي مَنَعَةٍ مِنَ الِاسْتِئْصَالِ فَقَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الْأَنْفَال: ٣٢] . قَرَأَ نَافِعٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ لَا يُرْجَعُونَ بِفَتْحِ يَاءِ الْمُضَارَعَةِ مِنْ (رَجَعَ) . وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِضَمِّهَا مِنْ (أُرْجِعَ) إِذَا فُعِلَ بِهِ الرُّجُوع. [٤٠] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٤٠] فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) أَيْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْنَا فَعَجَّلْنَا بِهَلَاكِهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ إِلَى حُكْمِهِ وَعِقَابِهِ، وَيَعْقُبُهُ رُجُوعُ أَرْوَاحِهِمْ إِلَى عِقَابِهِ، فَلِهَذَا فَرَّعَ عَلَى ظَنِّهِمْ ذَلِكَ الْإِعْلَامَ بِأَنَّهُ أُخِذَ وَجُنُودُهُ. وَجَعَلَ هَذَا التَّفْرِيعَ كَالِاعْتِرَاضِ بَيْنَ حِكَايَةِ أَحْوَالِهِمْ. وَجَعَلَ فِي «الْكَشَّافِ» هَذَا مِنَ الْكَلَامِ الْفَخْمِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى عَظَمَةِ شَأْنِ اللَّهِ إِذْ كَانَ قَوْلُهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ يتَضَمَّن اسْتِعَارَةً مَكْنِيَّةً: شُبِّهَ هُوَ وَجُنُودُهُ بِحَصَيَاتٍ أَخَذَهُنَّ فِي كَفِّهِ فَطَرَحَهُنَّ فِي الْبَحْرِ. وَإِذَا حُمِلَ الْأَخْذُ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَانَ فِيهِ اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَسْتَتْبِعُ تَشْبِيهًا بِقَبْضَةٍ تُؤْخَذُ بِالْيَدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً [الحاقة: ١٤] وَقَوْلِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الزمر: ٦٧] . وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ اسْتِعَارَةً تَمْثِيلِيَّةً كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَوْلُهُ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ اعْتِبَارٌ بِسُوءِ عَاقِبَتِهِمْ لِأَجْلِ ظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِالْكُفْرِ وَظُلْمِهِمُ الرَّسُولَ بِالِاسْتِكْبَارِ عَن سَماع دَعوته. وَهَذَا مَوْضِعُ الْعِبْرَةِ مِنْ سَوْقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ فَيَقِيسُوا حَالَ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِحَالِ دَعْوَةِ مُوسَى ﵇ وَيَقِيسُوا حَالَهُمْ بِحَالِ فِرْعَوْن وَقَومه، فَيُوقِنُوا بِأَنَّ مَا أَصَابَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مِنْ عِقَابٍ سَيُصِيبُهُمْ لَا مَحَالَةَ. وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَحَلِّ الْعِبْرَةِ بِهَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْقِصَّةِ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا

стр. 6926

بَيِّناتٍ [الْقَصَص: ٣٦] لِيَعْتَبِرَ النَّاسُ بِأَنَّ شَأْنَ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَاحِدٌ فَإِنَّهُمْ يَتَلَقَّوْنَ دُعَاةَ الْخَيْرِ بِالْإِعْرَاضِ وَالِاسْتِكْبَارِ وَاخْتِلَاقِ الْمَعَاذِيرِ فَكَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ [الْقَصَص: ٣٦] قَالَتْ قُرَيْشٌ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ [الْأَنْبِيَاء: ٥] ، وَقَالُوا مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ [ص: ٧] أَيِ الَّتِي أَدْرَكْنَاهَا. وَكَمَا طَمِعَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَبْلُغَ إِلَى اللَّهِ اسْتِكْبَارًا مِنْهُ فِي الْأَرْضِ سَأَلَ الْمُشْرِكُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [الْفرْقَان: ٢١] وَظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ كَمَا ظَنَّ أُولَئِكَ فَيُوشِكُ أَنْ يُصِيبَهُمْ مِنَ الِاسْتِئْصَالِ مَا أصَاب أُولَئِكَ. [٤١] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٤١] وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ [الْقَصَص: ٣٩] أَيِ اسْتَكْبَرُوا فَكَانُوا يَنْصُرُونَ الضَّلَالَ وَيَبُثُّونَهُ، أَيْ جَعَلْنَاهُ وَجُنُودَهُ أَيِمَّةً لِلضَّلَالَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى النَّارِ فَكَأَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ فَكُلٌّ يَدْعُو بِمَا تَصِلُ إِلَيْهِ يَدُهُ فَدَعْوَةُ فِرْعَوْنَ أَمْرُهُ، وَدَعْوَةُ كَهَنَتِهِ بِاخْتِرَاعِ قَوَاعِدِ الضَّلَالَةِ وَأَوْهَامِهَا، وَدَعْوَةُ جُنُودِهِ بِتَنْفِيذِ ذَلِكَ والانتصار لَهُ. وَالْأَئِمَّة: جَمْعُ إِمَامٍ وَهُوَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي عَمَلٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ قَالَ تَعَالَى وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الْأَنْبِيَاء: ٧٣] . وَمَعْنَى جَعْلِهِمْ أَيِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ: خَلْقُ نُفُوسِهِمْ مُنْصَرِفَةً إِلَى الشَّرِّ وَمُعْرِضَةً عَنِ الْإِصْغَاءِ لِلرُّشْدِ وَكَانَ وُجُودُهُمْ بَيْنَ نَاسٍ ذَلِكَ شَأْنُهُمْ. فَالْجَعْلُ جَعْلٌ تَكْوِينِيٌّ بِجَعْلِ أَسْبَابِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ بَعَثَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ لِإِرْشَادِهِمْ فَلَمْ يَنْفَعْ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ. وَالدُّعَاءُ إِلَى النَّارِ هُوَ الدُّعَاءُ إِلَى الْعَمَلِ الَّذِي يُوقِعُ فِي النَّارِ فَهِيَ دَعْوَةٌ إِلَى النَّار بالمئال. وَإِذَا كَانُوا يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ فَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِالْأَحْرَى فَلِذَلِكَ قَالَ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لَا يُنْصَرُونَ أَيْ لَا يَجِدُونَ مَنْ يَنْصُرُهُمْ فَيَدْفَعُ عَنْهُمْ عَذَابَ النَّارِ. وَمُنَاسِبَةُ عَطْفِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لَا يُنْصَرُونَ هِيَ أَنَّ الدُّعَاءَ يَقْتَضِي جُنْدًا وَأَتْبَاعًا يَعْتَزُّونَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكِنَّهُمْ لَا يُجْدُونَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا [الْبَقَرَة: ١٦٧] .

стр. 6927

[سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٤٢] وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) إِتْبَاعُهُمْ بِاللَّعْنَةِ فِي الدُّنْيَا جَعْلُ اللَّعْنَةِ مُلَازِمَةً لَهُمْ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدَّرَ لَهُمْ هَلَاكًا لَا رَحْمَةَ فِيهِ، فَعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الْمُلَازَمَةِ بِالْإِتْبَاعِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ لِأَنَّ التَّابِعَ لَا يُفَارِقُ مَتْبُوعَهُ، وَكَانَت تِلْكَ عَاقِبَةُ تِلْكَ اللَّعْنَةِ إِلْقَاءَهُمْ فِي الْيَمِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِاللَّعْنَةِ لَعْنُ النَّاسِ إِيَّاهُمْ، يَعْنِي أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ يَلْعَنُونَهُمْ. وَجَزَاؤُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ، وَالْمَقْبُوحُ الْمَشْتُومُ بِكَلِمَةِ (قُبِّحَ) ، أَيْ قَبَّحَهُ اللَّهُ أَوِ النَّاسُ، أَيْ جَعَلَهُ قَبِيحًا بَيْنَ النَّاسِ فِي أَعْمَالِهِ أَيْ مَذْمُومًا، يُقَالُ: قَبَحَهُ بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ فَهُوَ مَقْبُوحٌ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَيُقَالُ: قَبَّحَهُ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ إِذَا نَسَبَهُ إِلَى الْقَبِيحِ فَهُوَ مُقَبَّحٌ، كَمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ مِمَّا قَالَتِ الْعَاشِرَةُ: «فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ» أَيْ فَلَا يُجْعَلُ قَوْلِي قَبِيحًا عِنْدَهُ غَيْرَ مَرْضِيٍّ. وَالْإِشَارَةُ إِلَى الدُّنْيَا بِ هذِهِ لِتَهْوِينِ أَمْرِ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ لِلْآخِرَةِ. وَالتَّخَالُفُ بَيْنَ صِيغَتَيْ قَوْلِهِ وَأَتْبَعْناهُمْ وَقَوْلِهِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ، لِأَنَّ اللَّعْنَةَ فِي الدُّنْيَا قَدِ انْتَهَى أَمْرُهَا بِإِغْرَاقِهِمْ، أَوْ لِأَنَّ لَعْنَ الْمُؤْمِنِينَ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا يَكُونُ فِي أَحْيَانِ يَذْكُرُونَهُمْ، فَكِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ لَا يَقْتَضِي الدَّوَامَ فَجِيءَ مَعَهُ بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ. وَأَمَّا تَقْبِيحُ حَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهُوَ دَائِمٌ مَعَهُمْ مُلَازِمٌ لَهُمْ فَجِيءَ فِي جَانِبِهِ بِالِاسْمِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ الدَّوَامَ وَالثَّبَاتَ. وَضَمِيرُ هُمْ فِي قَوْلِهِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ لَيْسَ ضَمِيرَ فَصْلٍ وَلَكِنَّهُ ضَمِيرُ مُبْتَدَأٍ وَبِهِ كَانَتِ الْجُمْلَةُ اسْمِيَّةً دَالَّةً عَلَى ثَبَاتِ التَّقْبِيحِ لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة. [٤٣] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٤٣] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) الْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ [الْقَصَص: ٣٠] إِلَى هُنَا الِاعْتِبَارُ بِعَاقِبَةِ الْمُكَذِّبِينَ الْقَائِلِينَ مَا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ [الْقَصَص: ٣٦] لِيُقَاسَ النَّظِيرُ

стр. 6928

عَلَى النَّظِيرِ، فَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ يُرِيدُونَ إِفْحَامَ الرَّسُولِ ﵊ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ اللَّهُ أَرْسَلَهُ حَقًّا لَكَانَ أُرْسِلَ إِلَى الْأَجْيَالِ مِنْ قَبْلِهِ، وَلَمَا كَانَ اللَّهُ يَتْرُكُ الْأَجْيَالَ الَّتِي قَبْلَهُمْ بِدُونِ رِسَالَةِ رَسُولٍ ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَى الْجِيلِ الْأَخِيرِ، فَكَانَ قَوْلُهُ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى إِتْمَامًا لِتَنْظِيرِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِرِسَالَةِ مُوسَى ﵇ فِي أَنَّهَا جَاءَتْ بَعْدَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ لَا رِسَالَةَ فِيهَا، مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ سَبْقَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَى الْأُمَمِ شَيْءٌ وَاقِعٌ بِشَهَادَةِ التَّوَاتُرِ، وَأَنَّهُ قَدْ تَرَتَّبَ عَلَى تَكْذِيبِ الْأُمَمِ رُسُلَهُمْ إِهْلَاكُ الْقُرُونِ الْأُولَى فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِاسْتِمْرَارِ إِرْسَالِ الرُّسُلِ مُتَعَاقِبِينَ بَلْ كَانُوا يَجِيئُونَ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَإِذَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحَاوِلُونَ بِقَوْلِهِمْ مَا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ [الْقَصَص: ٣٦] إِبْطَالَ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِعِلَّةِ تَأَخُّرِ زَمَانِهَا سَفْسَطَةً وَوَهَمًا فَإِنَّ دَلِيلَهُمْ مَقْدُوحٌ فِيهِ بِقَادِحِ الْقَلْبِ بِأَنَّ الرُّسُلَ قَدْ جَاءُوا إِلَى الْأُمَمِ مِنْ قَبْلُ ثُمَّ جَاءَ مُوسَى بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ. وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَمَّا بَهَرَهُمْ أَمْرُ الْإِسْلَامِ لَاذُوا بِالْيَهُودِ يَسْتَرْشِدُونَهُمْ فِي طُرُقِ الْمُجَادَلَةِ الدِّينِيَّةِ فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَخْلِطُونَ مَا يُلَقِّنُهُمُ الْيَهُودُ مِنَ الْمُغَالَطَاتِ بِمَا اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ تَضْلِيلِ أَيِمَّةِ الشِّرْكِ فَيَأْتُونَ بِكَلَامٍ يَلْعَنُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَرَّةً يَقُولُونَ مَا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ [الْقَصَص: ٣٦] وَهُوَ مِنْ مُجَادَلَاتِ الْأُمِّيِّينَ، وَمرَّة يَقُولُونَ لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسى [الْقَصَص: ٤٨] وَهُوَ من تلقين الْيَهُود، وَمَرَّةً يَقُولُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الْأَنْعَام: ٩١] ، فَكَانَ الْقُرْآنُ يَدْمَغُ بَاطِلَهُمْ بِحُجَّةِ الْحَقِّ بِإِلْزَامِهِمْ تَنَاقُضَ مَقَالَاتِهِمْ. وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ ذَلِكَ فَهِيَ حُجَّةٌ بِتَنْظِيرِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ بِرِسَالَةِ مُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا ذِكْرُ الْقُرُونِ الْأُولَى. وَأَمَّا ذِكْرُ إِهْلَاكِهِمْ فَهُوَ إِدْمَاجٌ لِلنِّذَارَةِ فِي ضِمْنِ الِاسْتِدْلَالِ. وَجُمْلَةُ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى تَخَلُّصٌ مِنْ قِصَّةِ بِعْثَةِ مُوسَى ﵇ إِلَى تَأْيِيدِ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَالْمَقْصُودُ قَوْلُهُ (مِنْ بَعْدِ الْقُرُونَ الْأُولَى) . ثُمَّ إِنَّ الْقُرْآنَ أَعْرَضَ عَنْ بَيَانِ حِكْمَةِ الْفِتَرِ الَّتِي تَسْبِقُ إِرْسَالَ الرُّسُلِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي الْإِرْسَالِ عَقِبَهَا لِأَنَّهُ الْمُهِمُّ فِي مَقَامِ نَقْضِ حُجَّةِ الْمُبْطِلِينَ

стр. 6929

لِلرِّسَالَةِ أَوِ اكْتِفَاءً بِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ وَاقِعٌ لَا يُسْتَطَاعُ إِنْكَارُهُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا، وَأَمَّا حِكْمَةُ الْفَصْلِ بِالْفِتَرِ فَشَيْءٌ فَوْقَ مَرَاتِبِ عُقُولِهِمْ. فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ إِلَى بَيَانِ حِكْمَةِ الْإِرْسَالِ عَقِبَ الْفَتْرَةِ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى إِلَى الْأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَهَا اللَّهُ لِتَكْذِيبِهَا رُسُلَ اللَّهِ. فَتَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ بِلَامِ الْقَسَمِ وَحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ الْمُخَاطَبِينَ مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِينَ لِوُقُوعِ ذَلِكَ حَتَّى يُحْتَاجَ مَعَهُمْ إِلَى التَّأْكِيدِ بِالْقَسَمِ، فَمَوْقِعُ التَّأْكِيدِ هُوَ قَوْلُهُ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى. والْكِتابَ: التَّوْرَاةُ الَّتِي خَاطَبَ اللَّهُ بِهَا مُوسَى ﵇. وَالْبَصَائِرُ: جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وَهِيَ إِدْرَاكُ الْعَقْلِ. سُمِّيَ بَصِيرَةً اشْتِقَاقًا مِنْ بَصَرِ الْعَيْنِ، وَجُعِلَ الْكِتَابُ بَصَائِرَ بِاعْتِبَارِ عِدَّةِ دَلَائِلِهِ وَكَثْرَةِ بَيِّنَاتِهِ، كَمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ [الْإِسْرَاء: ١٠٢] . والْقُرُونَ الْأُولى: قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمُ لُوطٍ. وَالْقَرْنُ: الْأُمَّةُ، قَالَ تَعَالَى كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ [الْأَنْعَام: ٦] . وَفِي الْحَدِيثِ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي» . وَالنَّاسُ هُمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَلِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَهْتَدِيَ بِهَدْيِهِ مِثْلِ الَّذِينَ تَهَوَّدُوا مِنْ عَرَبِ الْيَمَنِ، وهُدىً وَرَحْمَةً لَهُمْ، وَلِمَنْ يَقْتَبِسُ مِنْهُمْ قَالَ تَعَالَى إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [الْمَائِدَة: ٤٤] . وَمِنْ جُمْلَةِ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ تَحْذِيرُهَا مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ. وَضَمِيرُ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ عَائِدٌ إِلَى النَّاسِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالتَّوْرَاةِ، أَيْ فَكَذَلِكَ إِرْسَالُ مُحَمَّدٍ لَكُمْ هُدًى وَرَحْمَةٌ لَعَلَّكُمْ تتذكرون. [٤٤] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٤٤] وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) لَمَّا بَطَلَتْ شُبْهَتُهُمُ الَّتِي حَاوَلُوا بِهَا إِحَالَةَ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ نُقِلَ الْكَلَامُ إِلَى إِثْبَاتِ رِسَالَتِهِ بِالْحُجَّةِ الدَّامِغَةِ وَذَلِكَ بِمَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ رِسَالَةِ

стр. 6930

مُوسَى مِمَّا لَا قِبَلَ لَهُ بِعِلْمِهِ لَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ وَحْيٌ إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. فَهَذَا تَخَلُّصٌ مِنَ الِاعْتِبَارِ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ فِي قِصَّةِ مُوسَى إِلَى الصَّرِيحِ من إِثْبَات نبوءة مُحَمَّدٍ ﷺ . وَجِيءَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِطَرِيقَةِ الْمَذْهَبِ الْكَلَامِيِّ حَيْثُ بُنِيَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى انْتِفَاء كَون النبيء ﵊ مَوْجُودًا فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَضَى اللَّهُ فِيهِ أَمْرَ الْوَحْيِ إِلَى مُوسَى، لِيَنْتَقِلَ مِنْهُ إِلَى أَنَّ مِثْلَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ مُشَاهَدَةٍ لِأَنَّ طَرِيقَ الْعِلْمِ بِغَيْرِ الْمُشَاهَدَةِ لَهُ مَفْقُودٌ مِنْهُ وَمِنْ قَوْمِهِ إِذْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ مَعْرِفَةٍ بِأَخْبَارِ الرُّسُلِ كَمَا كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا انْتَفَى طَرِيقُ الْعِلْمِ الْمُتَعَارَفِ لِأَمْثَالِهِ تَعَيَّنَ أَنَّ طَرِيقَ عِلْمِهِ هُوَ إِخْبَارُ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِخَبَرِ مُوسَى. وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ نَفْيًا لِوُجُودِهِ هُنَاكَ وَحُضُورِهِ تَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الشَّاهِدِينَ أَهْلُ الشَّهَادَةِ، أَيِ الْخَبَرِ الْيَقِينِ، وَهُمْ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمُ اللَّهُ عَلَى التَّوْرَاةِ وَمَا فِيهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ ذَمَّهُمْ بِكَتْمِهِمْ بَعْضَ مَا تَتَضَمَّنُهُ التَّوْرَاةُ من الْبشَارَة بالنبيء ﷺ بِقَوْلِهِ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ١٤٠] . وَالْمَعْنَى مَا كُنْتَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَنِ وَلَا مِمَّنْ تَلَقَّى أَخْبَارَ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الْيَقِينِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ كُتُبِهِمْ يَوْمَئِذٍ فَتَعَيَّنَ أَنَّ طَرِيقَ عِلْمِكَ بِذَلِكَ وَحْيُ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْأَمْرُ الْمَقْضِيُّ: هُوَ أَمْرُ النُّبُوءَةِ لِمُوسَى إِذْ تَلَقَّاهَا مُوسَى. وَقَوْلُهُ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ، وَأَصْلُهُ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ وَإِنْ أَنْكَرَهُ نُحَاةُ الْبَصْرَةِ وَأَكْثَرُوا مِنَ التَّأْوِيلِ، وَالْحَقُّ جَوَازُهُ. وَالْجَانِبُ الْغَرْبِيُّ هُوَ الَّذِي ذُكِرَ آنِفًا بِوَصْفِ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ [الْقَصَص: ٣٠] أَيْ عَلَى بَيْتِ الْقِبْلَةِ. [٤٥] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٤٥] وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ. خَفِيَ اتِّصَالُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ بِالْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ وَكَيْفَ يَكُونُ اسْتِدْرَاكًا وَتَعْقِيبًا لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ بِرَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ.

стр. 6931

فَبَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى [الْقَصَص: ٤٣] مَسُوقٌ مَسَاقَ إِبْطَالِ تَعْجَبِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ لَمْ يَسْبِقْهَا رِسَالَةُ رَسُولٍ إِلَى آبَائِهِمُ الْأَوَّلِينَ، كَمَا عَلِمْتَ مِمَّا تَقَدَّمَ آنِفًا، فَذَكَّرَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ مُوسَى كَذَلِكَ بَعْدَ فَتْرَةٍ عَظِيمَةٍ، وَأَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُوسَى أَثَارُوا مِثْلَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَقَالُوا مَا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ [الْقَصَص: ٣٦] فَكَمَا كَانَتْ رِسَالَةُ مُوسَى ﵇ بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ كَذَلِكَ كَانَتْ رِسَالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَالْمَعْنَى: فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ حَقِيقِينَ بِأَنْ يُنَظِّرُوا رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ بِرِسَالَةِ مُوسَى وَلَكِنَّ اللَّهَ أَنْشَأَ قُرُونًا أَيْ أُمَمًا بَيْنَ زَمَنِ مُوسَى وَزَمَنِهِمْ فَتَطَاوَلَ الزَّمَنُ فَنَسِيَ الْمُشْرِكُونَ رِسَالَةَ مُوسَى فَقَالُوا مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ [ص: ٧] . وَحَذْفُ بَقِيَّةِ الدَّلِيلِ وَهُوَ تَقْدِيرُ: فَنَسُوا، لِلْإِيجَازِ لِظُهُورِهِ مِنْ قَوْلِهِ فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنِ الْيَهُودِ حِينَ صَارُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [الْمَائِدَة: ١٣] ، وَقَالَ عَنِ النَّصَارَى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [الْمَائِدَة: ١٤] وَقَالَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الْحَدِيد: ١٦] ، فَضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِمُ عَائِدٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ لَا إِلَى الْقُرُونِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِدْرَاكَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى [الْقَصَص: ٤٣] وَأَنَّ مَا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ هَذَا اسْتِطْرَادٌ. وَهَذَا أَحْسَنُ فِي بَيَانِ اتِّصَالِ الِاسْتِدْرَاكِ مِمَّا احْتَفَلَ بِهِ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» . وَلِلَّهِ دَرُّهُ فِي اسْتِشْعَارِهِ، وَشَكَرَ اللَّهُ مَبْلَغَ جُهْدِهِ. وَهُوَ بِهَذَا مُخَالِفٌ لِمَوْقِعِ الِاسْتِدْرَاكَيْنِ الْآتِيَيْنِ بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وَقَوْلِهِ وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الْقَصَص: ٤٦] . والْعُمُرُ الْأَمَدُ كَقَوْلِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ [يُونُس: ١٦] . وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. هَذَا تَكْرِيرٌ لِلدَّلِيلِ بِمَثَلٍ آخَرَ مِثْلُ مَا فِي قَوْلِهِ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ [الْقَصَص: ٤٤] أَيَّ مَا كُنْتَ مَعَ مُوسَى فِي وَقْتِ التَّكْلِيمِ وَلَا كُنْتَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ إِذْ جَاءَهُمْ مُوسَى وَحَدَثَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُعَيْبٍ مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ.

стр. 6932

وَالثَّوَاءُ: الْإِقَامَةُ. وَضَمِيرُ عَلَيْهِمُ عَائِدٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لَا إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ لِأَنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَتْلُو آيَاتِ اللَّهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. وَالْمُرَادُ بِالْآيَاتِ، الْآيَاتُ الْمُتَضَمِّنَةُ قِصَّةَ مُوسَى فِي أَهْلِ مَدْيَنَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ إِلَى قَوْلِهِ فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ [الْقَصَص: ٢٢- ٢٩] . وَبِمِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ مُقَاتِلٌ وَهُوَ الَّذِي يَسْتَقِيمُ بِهِ نَظْمُ الْكَلَامِ، وَلَوْ جُعِلَ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ لَكَانَ أَنْ يُقَالَ: تَشْهَدُ فِيهِمْ آيَاتنَا. وَجُمْلَة تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا عَلَى حَسَبِ تَفْسِيرِ مُقَاتِلٍ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ كُنْتَ وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ لِاخْتِلَافِ زَمَنِهَا مَعَ زَمَنِ عَامِلِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. وَالْمَعْنَى: مَا كُنْتَ مُقِيمًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ كَمَا يُقِيمُ الْمُسَافِرُونَ فَإِذَا قَفَلُوا مِنْ أَسْفَارِهِمْ أَخَذُوا يُحَدِّثُونَ قَوْمَهُمْ بِمَا شَاهَدُوا فِي الْبِلَادِ الْأُخْرَى. وَالِاسْتِدْرَاكُ فِي قَوْلِهِ وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ظَاهِرٌ، أَيْ مَا كُنْتَ حَاضِرًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ فَتَعْلَمَ خَبَرَ مُوسَى عَنْ مُعَايَنَةٍ وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَكَ بِوَحْيِنَا فَعَلَّمْنَاكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُهُ أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا. وَعَدَلَ عَنْ أَنْ يُقَالَ: وَلَكِنَّا أَوْحَيْنَا بِذَلِكَ، إِلَى قَوْلِهِ وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ الْأَهَمَّ هُوَ إِثْبَاتُ وُقُوعِ الرِّسَالَةِ مِنَ اللَّهِ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِهِمْ وَقَوْلِ أَمْثَالِهِمْ مَا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ [الْقَصَص: ٣٦] وَتُعْلَمَ رِسَالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ مَعَ مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً [الْقَصَص: ٤٦] الْآيَةَ فَالِاحْتِجَاجُ وَالتَّحَدِّي فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا تَحَدٍّ بِمَا علمه النبيء ﵊ مِنْ خَبَرِ الْقِصَّة الْمَاضِيَة. [٤٦] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٤٦] وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) جَانِبُ الطُّورِ: هُوَ الْجَانِبُ الْغَرْبِيُّ، وَهُوَ الْجَانِبُ الْأَيْمَنُ الْمُتَقَدِّمُ وَصَفَهُ بِذَيْنِكَ

стр. 6933

الْوَصْفَيْنِ، فَعُرِّيَ عَنِ الْوَصْفِ هُنَا لِأَنَّهُ صَارَ مَعْرُوفًا، وَقُيِّدَ الْكَوْنُ الْمَنْفِيُّ بِظَرْفِ نادَيْنا أَيْ بِزَمَنِ نِدَائِنَا. وَحَذْفُ مَفْعُولِ النِّدَاءِ لِظُهُورِ أَنَّهُ نِدَاءُ مُوسَى مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ النِّدَاءُ لِمِيقَاتِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَإِنْزَالُ أَلْوَاحِ التَّوْرَاةِ عَقِبَ تِلْكَ الْمُنَاجَاةِ كَمَا حُكِيَ فِي الْأَعْرَافِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي جَانِبِ الطُّورِ إِذْ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ حَوْلَ الطُّورِ كَمَا قَالَ تَعَالَى يَا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ [طه: ٨٠] وَهُوَ نَفْسُ الْمَكَانِ الَّذِي نُودِيَ فِيهِ مُوسَى لِلْمَرَّةِ الْأُولَى فِي رُجُوعِهِ مِنْ دِيَارِ مَدْيَنَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَالنِّدَاءُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ هُنَا إِذْ نادَيْنا غَيْرُ النِّدَاءِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ إِلَى قَوْلِهِ أَنْ يَا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ [الْقَصَص: ٣٠] الْآيَةَ لِئَلَّا يكون تَكْرَارا مَعَ قَوْلِهِ: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ [الْقَصَص: ٤٤] . وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ بِمَا علمه النبيء ﷺ مِنْ خَبَرِ اسْتِدْعَاءِ مُوسَى ﵇ لِلْمُنَاجَاةِ. وَتِلْكَ الْقِصَّةُ لَمْ تُذْكَرْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ فِي سُورَةٍ أُخْرَى مِثْلِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ. وَقَوْلُهُ وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ كَلِمَةُ لكِنْ بِسُكُونِ النُّونِ هُنَا بِاتِّفَاقِ الْقُرَّاءِ فَهِيَ حَرْفٌ لَا عَمَلَ لَهُ فَلَيْسَ حَرْفَ عَطْفٍ لِفِقْدَانِ شَرْطَيْهِ: تَقَدُّمِ النَّفْيِ أَوِ النَّهْيِ، وَعَدَمِ الْوُقُوعِ بَعْدَ وَاوِ عَطْفٍ. وَعَلَيْهِ فَحَرْفُ لكِنْ هُنَا لِمُجَرَّدِ الِاسْتِدْرَاكِ لَا عَمَلَ لَهُ وَهُوَ مُعْتَرِضٌ. وَالْوَاوُ الَّتِي قَبْلَ لكِنْ اعْتِرَاضِيَّةٌ. وَالِاسْتِدْرَاكُ فِي قَوْلِهِ وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ناشىء عَنْ دَلَالَةِ قَوْلِهِ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ عَلَى مَعْنَى: مَا كَانَ عِلْمُكَ بِذَلِكَ لِحُضُورِكَ، وَلَكِنْ كَانَ عِلْمُكَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ. فَانْتِصَابُ رَحْمَةً مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُ مَعْمُولٌ لِعَامِلِ نَصْبٍ مَأْخُوذٍ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ: إِمَّا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَفِيُ الْكَوْنِ فِي قَوْلِهِ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَكِنْ كَانَ عَلَمُكَ رَحْمَةً مِنَّا وَإِمَّا عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْآتِي بَدَلًا مِنْ فِعْلِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَكِنْ رَحِمْنَاكَ رَحْمَةً بِأَنْ عَلَّمْنَاكَ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ رَحْمَةً، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ لِتُنْذِرَ قَوْماً.

стр. 6934

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَحْمَةً مَنْصُوبًا عَلَى الْمَفْعُولِ لِأَجْلِهِ مَعْمُولًا لِفِعْلِ لِتُنْذِرَ فَيَكُونُ فِعْلُ لِتُنْذِرَ مُتَعَلِّقًا بِكَوْنِ مَحْذُوفٍ هُوَ مَصَبُّ الِاسْتِدْرَاكِ. وَفِي هَذِهِ التَّقَادِيرِ تَوْفِيرُ مَعَانٍ وَذَلِكَ مِنْ بَلِيغِ الْإِيجَازِ. وَعُدِلَ عَنْ: رَحْمَةً مِنَّا، إِلَى رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ بِالْإِظْهَارِ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِمَا يَشْعُرُ بِهِ مَعْنَى الرَّبِّ الْمُضَافِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ مِنَ الْعِنَايَةِ بِهِ عِنَايَةَ الرَّبِّ بِالْمَرْبُوبِ. وَيَتَعَلَّقُ لِتُنْذِرَ قَوْماً بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَصْدَرُ رَحْمَةً عَلَى الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ. وَالْقَوْمُ: قُرَيْشٌ وَالْعَرَبُ، فَهُمُ الْمُخَاطِبُونَ ابْتِدَاءً بِالدِّينِ وَكُلُّهُمْ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ ﵉ فَكَانَا نَذِيرَيْنِ حِينَ لَمْ تَكُنْ قَبِيلَةُ قُرَيْشٍ مَوْجُودَةً يَوْمَئِذَ وَلَا قَبَائِلُ الْعَرَبِ الْعَدْنَانِيَّةُ، وَأَمَّا الْقَحْطَانِيَّةُ فَلَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمُ لِأَنَّ اشْتِقَاقَ نَسَبِ قُرَيْشٍ كَانَ مِنْ عَدْنَانَ وَعَدْنَانُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِسْمَاعِيلَ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ. وَإِنَّمَا اقْتُصِرَ عَلَى قُرَيْشٍ أَوْ عَلَى الْعَرَبِ دُونَ سَائِرِ الْأُمَمِ الَّتِي بُعِثَ إِلَيْهَا النَّبِيءُ ﷺ ، لِأَنَّ الْمِنَّةَ عَلَيْهِمْ أَوْفَى إِذْ لَمْ تَسْبِقْ لَهُمْ شَرِيعَةٌ مِنْ قَبْلُ فَكَانَ نِظَامُهُمْ مُخْتَلًّا غَيْرَ مَشُوبٍ بِإِثَارَةٍ مِنْ شَرِيعَةٍ مَعْصُومَةٍ، فَكَانُوا فِي ضَرُورَةٍ إِلَى إِرْسَالِ نَذِيرٍ، وَلِلتَّعْرِيضِ بِكُفْرَانِهِمْ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ النِّذَارَةِ بِهِمْ وَلَا مَا يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ أَنْذَرَهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِنْ قَبْلِهِ مِثْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَهْلِ مَدْيَنَ. وَفِي قَوْلِهِ لِتُنْذِرَ مَعَ قَوْلِهِ مَا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ بَلَغُوا بِالْكُفْرِ حَدًّا لَا يَتَجَاوَزُهُ حِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى. وَالتَّذَكُّرُ: هُوَ النَّظَرُ الْعَقْلِيُّ فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي دَعَتْ إِلَى حِكْمَةِ إِنْذَارِهِمْ وَهِيَ تَنَاهِي ضَلَالِهِمْ فَوْقَ جَمِيعِ الْأُمَمِ الضَّالَّةِ إِذْ جَمَعُوا إِلَى الْإِشْرَاكِ مَفَاسِدَ جَمَّةً مِنْ قَتْلِ النُّفُوسِ، وَارْتِزَاقٍ بِالْغَارَاتِ وَبِالْمُقَامَرَةِ، وَاخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ، وَانْتِهَاكِ الْأَعْرَاضِ. فَوَجَبَ تَذْكِيرُهُمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُ حَالِهِمْ. وَتَقَدَّمَ آنِفًا نَظِيرُ قَوْلِهِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

стр. 6935

[٤٧] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٤٧] وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) هَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الْقَصَص: ٤٦] ، لِأَنَّ الْإِنْذَارَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ. ولَوْلا الْأُولَى حَرْفُ امْتِنَاعٍ لِوُجُودٍ، أَيِ انْتِفَاءُ جَوَابِهَا لِأَجْلِ وُجُودِ شَرْطِهَا وَهُوَ حَرْفٌ يَلْزَمُ الِابْتِدَاءَ فَالْوَاقِعُ بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ عَنِ الْمُبْتَدَإِ الْوَاقِعِ بَعْدَ لَوْلا وَاجِبُ الْحَذْفِ وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِكَوْنٍ عَامٍّ. وَالْمُبْتَدَأُ هُنَا هُوَ الْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِنْ أَنْ وَفِعْلِ تُصِيبَهُمْ وَالتَّقْدِيرُ: لَوْلَا إِصَابَتُهُمْ بِمُصِيبَةٍ، وَقَدْ عُقِبَ الْفِعْلُ الْمَسْبُوكُ بِمَصْدَرٍ بِفِعْلٍ آخَرَ وَهُوَ فَيَقُولُوا، فَوَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ هَذَا الْفِعْلُ الْمَعْطُوفُ فِي الِانْسِبَاكِ بِمَصْدَرٍ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ. فَهَذَا الْمَعْطُوفُ هُوَ الْمَقْصُودُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى [الْبَقَرَة: ٢٨٢] فَالْمَقْصُودُ هُوَ «أَنْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى» . وَإِنَّمَا حِيكَ نَظْمُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ وَلَمْ يَقُلْ: وَلَوْلَا أَنْ يَقُولُوا رَبَّنَا إِلَخْ حِينَ تُصِيبُهُمْ مُصِيبَةٌ إِلَى آخِرِهِ، لِنُكْتَةِ الِاهْتِمَامِ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ إِصَابَةِ الْمُصِيبَةِ فَوُضِعَتْ فِي مَوْضِعِ الْمُبْتَدَإِ دُونَ مَوْضِعِ الظَّرْفِ لِتُسَاوِيَ الْمُبْتَدَأَ الْمَقْصُودَ مِنْ جُمْلَةِ شَرْطِ لَوْلا فَيُصْبِحَ هُوَ وَظَرْفُهُ عُمْدَتَيْنِ فِي الْكَلَامِ، فَالتَّقْدِيرُ هُنَا: وَلَوْلَا إِصَابَتُهُمْ بِمُصِيبَةٍ يَعْقُبُهَا قَوْلُهُمْ رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَخْ لَمَا عَبَأْنَا بِإِرْسَالِكَ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ عِنَادٍ وتصميم على الْكفْر. فَجَوَابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِلَى قَوْلِهِ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [الْقَصَص: ٤٤- ٤٦] ، أَيْ وَلَكِنَّا أَعْذَرْنَا إِلَيْهِمْ بِإِرْسَالِكَ لِنَقْطَعَ مَعْذِرَتَهُمْ. وَجَوَابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ، أَيْ لَوْلَا الرَّحْمَةُ بِهِمْ بِتَذْكِيرِهِمْ وَإِنْذَارِهِمْ لَكَانُوا مُسْتَحِقِّينَ حُلُولَ الْمُصِيبَةِ بِهِمْ. ولَوْلا الثَّانِيَةُ حَرْفُ تحضيض، أَي هلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَنَا بِعَذَابٍ فَتُصْلِحَ أَحْوَالَنَا وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِنَا. وَانْتَصَبَ فَنَتَّبِعَ (بِأَنْ) مُضْمَرَةٍ وُجُوبًا فِي جَوَابِ التَّحْضِيضِ.
следующие страницы →