← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

جَمِيعِ الْمَحَامِدِ مِمَّا تَضَمَّنَهُ اسْمُ الْجَلَالَةِ فِي أَصْلِ مَعْنَاهُ قَبْلَ نَقْلِهِ إِلَى الْعَلَمِيَّةِ. وَالْمَجْرُورُ يَتَنَازَعُهُ كِلَا الْفِعْلَيْنِ. وَوَجْهُ تَقْيِيدِ التَّنْزِيهِ وَالتَّرْفِيعِ بِ (مَا يُشْرِكُونَ) أَنه لم يجترىء أَحَدٌ أَنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعَالَى بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ إِلَّا أَهْلُ الشِّرْكِ بِزَعْمِهِمْ أَنَّ مَا نَسَبُوهُ إِلَى اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ كَمَالٌ مِثْلَ اتِّخَاذِ الْوَلَدِ أَوْ هُوَ مِمَّا أَنْبَأَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها [الْأَعْرَاف: ٢٨] . وَزَعَمُوا أَنَّ الْآلِهَةَ شُفَعَاؤُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ. وَقَالُوا فِي التَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ فَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِالْكَمَالِ لِلَّهِ، قَالَ تَعَالَى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لُقْمَان: ٢٥] . وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ عَن إشراكهم. [٦٩] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٦٩] وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) عَطْفٌ عَلَى وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ [الْقَصَص: ٦٨] أَيْ هُوَ خَالِقُهُمْ وَمُرَكِّبُهُمْ عَلَى النِّظَامِ الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ الْأَفْعَالُ وَالِاعْتِقَادَاتُ فَيَكُونُونَ مُسْتَعِدِّينَ لِقَبُولِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَتَغْلِيبِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ اعْتِقَادًا وَعَمَلًا، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا تُخْفِيهِ صُدُورُهُمْ، أَيْ نُفُوسُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَهُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ. فَضَمِيرُ صُدُورُهُمْ عَائِدٌ إِلَى مَا مِنْ قَوْلِهِ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ [الْقَصَص: ٦٨] بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا، أَيْ مَا تُكِنُّ صُدُورُ الْمَخْلُوقَاتِ وَمَا يُعْلِنُونَ. وَحَيْثُ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ ضَمَائِرُ الْعُقَلَاءِ فَقَدْ تَعَيَّنَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْبَشَرُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَهُمُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْعُمُومِ فِي مَا يَشاءُ [الْقَصَص: ٦٨] فَبِحَسَبِ مَا يَعْلَمُ مِنْهُمْ يَخْتَارُهُمْ وَيُجَازِيهِمْ فَحَصَلَ بِهَذَا إِيمَاءٌ إِلَى عِلَّةِ الِاخْتِيَارِ وَإِلَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. وَهَذَا مُنْتَهَى الْإِيجَازِ. وَفِي إِحْضَارِ الْجَلَالَةِ بِعُنْوَانِ وَرَبُّكَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مِمَّا تُكِنُّهُ صُدُورُهُمْ بُغْضُ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَتَقَدَّمَ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ آخر النَّمْل [٧٤] . [٧٠] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٧٠] وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ [الْقَصَص: ٦٨] الْآيَةَ. وَالْمَقْصُودُ هُوَ قَوْلُهُ

стр. 6967

وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِنَّمَا قَدَّمُ عَلَيْهِ مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْحُكْمِ مَعَ إِدْمَاجِ صِفَاتِ عَظَمَتِهِ الذَّاتِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ افْتِقَارَ الْكُلِّ إِلَيْهِ. وَلِذَلِكَ ابْتُدِئَتِ الْجُمْلَةُ بِضَمِيرِ الْغَائِبِ لِيَعُودَ إِلَى الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُ بِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها [الْقَصَص: ٥٨] إِلَى هُنَا، أَيِ الْمَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ الْعَظِيمَةِ وَالْفَاعِلُ لِتِلْكَ الْأَفْعَالِ الْجَلِيلَةِ. وَالْمَذْكُورُ بعنوان رَبُّكَ [الْقَصَص: ٦٩] هُوَ الْمُسَمَّى اللَّهَ اسْمًا جَامِعًا لِجَمِيعِ مَعَانِي الْكَمَالِ. فَضَمِيرُ الْغَيْبَةِ مُبْتَدَأٌ وَاسْمُ الْجَلَالَةِ خَبَرُهُ، أَيْ فَلَا تَلْتَبِسُوا فِيهِ وَلَا تُخْطِئُوا بِادِّعَاءِ مَا لَا يَلِيقُ بِاسْمِهِ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْله فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ [يُونُس: ٣٢] . وَقَوْلُهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ خَبَرٌ ثَانٍ عَنْ ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ، وَفِي هَذَا الْخَبَرِ الثَّانِي زِيَادَةُ تَقْرِيرٍ لِمَدْلُولِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ اسْمَ الْجَلَالَةِ اخْتُصَّ بِالدَّلَالَةِ عَلَى الْإِلَهِ الْحَقِّ إِلَّا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ حَرَّفُوا أَوْ أَثْبَتُوا الْإِلَهِيَّةَ لِلْأَصْنَامِ مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّهَا إِلَهِيَّةٌ دُونَ إِلَهِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ مِنْ حَقِّ النَّظَرِ أَنْ يُعْلَمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَكَانَ هَذَا إِبْطَالًا لِلشِّرْكِ بَعْدَ إِبْطَالِهِ بِحِكَايَةِ تَلَاشِيهِ عَنْ أَهْلِ مِلَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ [الْقَصَص: ٦٤] . وَأَخْبَرَ عَنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ خَبَرًا ثَانِيًا بِقَوْلِهِ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ عَلَى انْتِفَاءِ إِلَهِيَّةِ غَيْرِهِ بِحُجَّةِ أَنَّ النَّاسَ مُؤْمِنَهُمْ وَكَافِرَهُمْ لَا يَحْمَدُونَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا اللَّهَ فَلَا تَسْمَعُ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلْعُزَّى، مَثَلًا. فَاللَّامُ فِي لَهُ لِلْمِلْكِ، أَيْ لَا يَمْلِكُ الْحَمْدَ غَيْرُهُ، وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ وَهُوَ اخْتِصَاصٌ حَقِيقِيٌّ. وَتَعْرِيفُ الْحَمْدُ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ الْمُفِيدِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَيْ لَهُ كُلُّ حَمْدٍ. والْأُولى هِيَ الدُّنْيَا وَتَخْصِيصُ الْحَمْدِ بِهِ فِي الدُّنْيَا اخْتِصَاصٌ لِجِنْسِ الْحَمْدِ بِهِ لِأَنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ مَجَازٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ. وَأَمَّا الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ مَا فِي قَوْلِهِ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ [الْإِسْرَاء: ٥٢] . وَاخْتِصَاصُ الْجِنْسِ بِهِ فِي الْآخِرَةِ حَقِيقَةٌ.

стр. 6968

وَقَوْلُهُ وَلَهُ الْحُكْمُ اللَّامُ فِيهِ أَيْضًا لِلْمِلْكِ. وَالتَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصَاصِ أَيْضًا. والْحُكْمُ: الْقَضَاءُ وَهُوَ تَعْيِينُ نَفْعٍ أَوْ ضُرٍّ لِلْغَيْرِ. وَحُذِفَ الْمُتَعَلِّقُ بِالْحُكْمِ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ عَلَيْهِ، أَيْ لَهُ الْحُكْمُ فِي الدَّارَيْنِ. وَالِاخْتِصَاصُ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الدُّنْيَا يَثْبُتُ لِغَيْرِ اللَّهِ عَلَى الْمَجَازِ، وَأَمَّا الْحُكْمُ فِي الْآخِرَة فمقصور عَلَى اللَّهِ. وَفِي هَذَا إِبْطَالٌ لِتَصَرُّفِ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ فِيمَا يَزْعُمُونَهُ مِنْ تَصَرُّفَاتِهَا وَإِبْطَالٌ لِشَفَاعَتِهَا الَّتِي يَزْعُمُونَهَا فِي قَوْلِهِمْ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يُونُس: ١٨] أَيْ فِي الْآخِرَةِ إِنْ كَانَ مَا زَعَمْتُمْ مِنَ الْبَعْثِ. وَأَمَّا جُمْلَةُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فَمَسُوقَةٌ مَسَاقَ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، فَبَعْدَ أَنْ أُثْبِتَ لِلَّهِ كُلُّ حَمْدٍ وَكُلُّ حُكْمٍ، أَيْ أَنَّكُمْ تَرْجِعُونَ إِلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ فَتُمَجِّدُونَهُ وَيُجْرِي عَلَيْكُمْ حُكْمَهُ. وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا إِلْزَامُهُمْ بِإِثْبَاتِ الْبَعْثِ. وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ فِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لِلرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ وَلِلِاهْتِمَامِ بِالِانْتِهَاءِ إِلَيْهِ أَيْ إِلَى حكمه. [٧١- ٧٢] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : الْآيَات ٧١ إِلَى ٧٢] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) انْتِقَالٌ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى انْفِرَادِهِ تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ بِصِفَاتِ ذَاتِهِ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى ذَلِكَ بِبَدِيعِ مَصْنُوعَاتِهِ، وَفِي ضِمْنِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ إِدْمَاجُ الِامْتِنَانِ عَلَى النَّاسِ وَلِلتَّعْرِيضِ بِكُفْرِ الْمُشْرِكِينَ جَلَائِلَ نِعَمِهِ. وَمِنْ أَبْدَعَ الِاسْتِدْلَالِ أَنِ اخْتِيرَ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ هَذَا الصُّنْعُ الْعَجِيبُ الْمُتَكَرِّرُ كَلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، وَالَّذِي يَسْتَوِي فِي إِدْرَاكِهِ كُلُّ مُمَيِّزٍ، وَالَّذِي هُوَ أَجْلَى مَظَاهِرِ التَّغَيُّرِ فِي هَذَا الْعَالَمِ فَهُوَ دَلِيلُ الْحُدُوثِ وَهُوَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي التَّكَيُّفِ بِهِ جَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ فِي هَذَا الْعَالَمِ حَتَّى الْأَصْنَامَ فَهِيَ تُظْلِمُ وَتَسْوَدُّ أَجْسَامُهَا بِظَلَامِ اللَّيْلِ وَتُشْرِقُ وَتُضِيءُ بِضِيَاءِ النَّهَارِ، وَكَانَ الِاسْتِدْلَالُ بِتَعَاقُبِ الضِّيَاءِ وَالظُّلْمَةِ عَلَى

стр. 6969

النَّاسِ أَقْوَى وَأَوْضَحَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِتَكْوِينِ أَحَدِهِمَا لَوْ كَانَ دَائِمًا، لِأَنَّ قُدْرَةَ خَالِقِ الضِّدَّيْنِ وَجَاعِلِ أَحَدِهِمَا يَنْسَخُ الْآخَرَ كُلَّ يَوْمٍ أَظْهَرُ مِنْهَا لَوْ لَمْ يَخْلُقْ إِلَّا أَقْوَاهُمَا وَأَنْفَعَهُمَا، وَلِأَنَّ النِّعْمَةَ بِتَعَاقُبِهِمَا دَوْمًا أَشَدُّ مِنَ الْإِنْعَامِ بِأَفْضَلِهِمَا وَأَنْفَعِهِمَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَائِما لَكَانَ مسؤوما وَلَحَصَلَتْ مِنْهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَفُقِدَتْ مَنَافِعُ ضِدِّهِ. فَالتَّنَقُّلُ فِي النِّعَمِ مَرْغُوبٌ فِيهِ وَلَوْ كَانَ تَنَقُّلًا إِلَى مَا هُوَ دُونَ. وَسِيقَ إِلَيْهِمْ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ بِأُسْلُوبِ تَلْقِينِ النَّبِيءِ ﷺ أَنْ يَقُولَهُ لَهُمُ اهْتِمَامًا بِهَذَا التَّذْكِيرِ لهَذَا الِاسْتِدْلَال ولاشتماله عَلَى ضِدَّيْنِ مُتَعَاقِبَيْنِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ عُقُولُهُمْ قَاصِرَةً عَنْ إِدْرَاكِ دَلَالَةِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ لَكَانَ فِي الضِّدِّ الْآخَرِ تَنْبِيهٌ لَهُمْ، وَلَوْ قَصَّرُوا عَنْ حِكْمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ فِي تَعَاقُبِهِمَا مَا يَكْفِي لِلِاسْتِدْلَالِ. وَجِيءَ فِي الشَّرْطَيْنِ بِحَرْفِ إِنْ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَفْرُوضٌ فَرْضًا مُخَالِفًا لِلْوَاقِعِ. وَعُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ الِاسْتِدْلَالَ بِعِبْرَةِ خَلْقِ النُّورِ، فَلِذَلِكَ فَرَضَ اسْتِمْرَارَ اللَّيْلِ، وَالْمَقْصُودُ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ. وَالسَّرْمَدُ: الدَّائِمُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : مِنَ السَّرْدِ وَهُوَ الْمُتَابَعَةُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ: ثَلَاثَةٌ سَرْدٌ وَوَاحِدٌ فَرْدٌ. وَالْمِيمُ مَزِيدَةٌ وَوَزْنُهُ فَعْمَلَ، وَنَظِيرُهُ دُلَامِصٌ مِنَ الدِّلَاصِ اه. دُلَامِصٌ (بِضَمِّ الدَّالِّ وَكَسْرِ الْمِيمِ) مِنْ صِفَاتِ الدِّرْعِ وَأَصْلُهَا دِلَاصٌ (بِدَالٍ مَكْسُورَةٍ) أَيْ بَرَّاقَةٌ. وَنُسِبَ إِلَى صَاحِبِ «الْقَامُوسِ» وَبَعْضِ النُّحَاةِ أَنَّ مِيمَ سَرْمَدٍ أَصْلِيَّةً وَأَنَّ وَزْنَهُ فَعْلَلْ. وَالْمُرَادُ بِجَعْلِ اللَّيْلِ سَرْمَدًا أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ خَلَقَ الشَّمْسَ وَيَكُونَ خَلَقَ الْأَرْضَ فَكَانَتِ الْأَرْضُ مُظْلِمَةً. وَالرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ. وَالِاسْتِفْهَامُ فِي أَرَأَيْتُمْ تَقْرِيرِيٌّ، وَالِاسْتِفْهَامُ فِي مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ إِنْكَارِيٌّ وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِهَذَا الِانْتِفَاءِ وَأَنَّ خَالِقَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى لَا غَيْرُهُ. وَالْمُرَادُ بِالْغَايَةِ فِي قَوْلِهِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِحَاطَةُ أَزْمِنَةِ الدُّنْيَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ انْتِهَاءُ جَعْلِهِ سَرْمَدًا. وَالْإِتْيَانُ بِالضِّيَاءِ وَبِاللَّيْلِ مُسْتَعَارٌ لِلْإِيجَادِ شُبِّهَ إِيجَادُ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ

стр. 6970

مَوْجُودًا بِالْإِجَاءَةِ بِشَيْءٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ الْمُثُولُ وَالظُّهُورُ. وَالضِّيَاءُ: النُّورُ. وَهُوَ فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ قَالَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً. وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ يُونُسَ [٥] . وَعَبَّرَ بِالضِّيَاءِ دُونَ النَّهَارِ لِأَنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ قَدْ تَخِفُّ قَلِيلًا بِنُورِ الْقَمَرِ فَكَانَ ذِكْرُ الضِّيَاءِ إِيمَاءً إِلَى ذَلِكَ. وَفِي تَعْدِيَةِ فِعْلِ يَأْتِيكُمْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ إِيجَادَ الضِّيَاءِ وَإِيجَادَ اللَّيْلِ نِعْمَةٌ عَلَى النَّاسِ. وَهَذَا إِدْمَاجٌ لِلِامْتِنَانِ فِي أَثْنَاءِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الِانْفِرَادِ بِالْإِلَهِيَّةِ. وَإِذْ قَدِ اسْتَمَرَّ الْمُشْرِكُونَ عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ بَعْدَ سُطُوعِ هَذَا الدَّلِيلِ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تَقْدِرُ عَلَى إِيجَادِ الضِّيَاءِ جُعِلُوا كَأَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي أَقَامَتِ الْحُجَّةَ الْوَاضِحَةَ عَلَى فَسَادِ مُعْتَقَدِهِمْ، فَفَرَّعَ عَلَى تِلْكَ الْحُجَّةِ الِاسْتِفْهَامَ الْإِنْكَارِيَّ عَنِ انْتِفَاءِ سَمَاعِهِمْ بِقَوْلِهِ أَفَلا تَسْمَعُونَ أَيْ أَفَلَا تَسْمَعُونَ الْكَلَامَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى التَّذْكِيرِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ اللَّيْلِ وَالضِّيَاءِ وَمِنْهُ هَذِهِ الْآيَةُ. وَلَيْسَ قَوْلُهُ أَفَلا تَسْمَعُونَ تَذْيِيلًا. وَكَرَّرَ الْأَمْرَ بِالْقَوْلِ فِي مَقَامِ التَّقْرِيرِ لِأَنَّ التَّقْرِيرَ يُنَاسِبُهُ التَّكْرِيرُ مِثْلَ مَقَامِ التَّوْبِيخِ وَمَقَامِ التَّهْوِيلِ. وَعُكِسَ الِاسْتِدْلَالُ الثَّانِي بِفَرْضِ أَنْ يَكُونَ النَّهَارُ وَهُوَ انْتِشَارُ نُورِ الشَّمْسِ، سَرْمَدًا بِأَنْ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ غَيْرَ كُرَوِيَّةِ الشَّكْلِ بِحَيْثُ يَكُونُ شُعَاعُ الشَّمْسِ مُنْتَشِرًا عَلَى جَمِيعِ سَطْحِ الْأَرْضِ دَوْمًا. وَوَصْفُ اللَّيْلِ بِ تَسْكُنُونَ فِيهِ إِدْمَاجٌ لِلْمِنَّةِ فِي أَثْنَاءِ الِاسْتِدْلَالِ لِلتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى نِعَمٍ كَثِيرَةٍ وَتِلْكَ هِيَ نِعْمَةُ السُّكُونِ فِيهِ فَإِنَّهَا تَشْمَلُ لَذَّةَ الرَّاحَةِ، وَلَذَّةَ الْخَلَاصِ مِنَ الْحَرِّ، وَلَذَّةَ اسْتِعَادَةِ نَشَاطِ الْمَجْمُوعِ الْعَصَبِيِّ الَّذِي بِهِ التَّفْكِيرُ وَالْعَمَلُ، وَلَذَّةَ الْأَمْنِ مِنَ الْعَدُوِّ. وَلَمْ يُوصَفِ الضِّيَاءُ بِشَيْءٍ لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهِ وَاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا. وَتَفَرَّعَ عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَيْضًا تَنْزِيلَهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ لَا يُبْصِرُونَ الْأَشْيَاءَ الدَّالَّةَ عَلَى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ وَتَفَرُّدِهِ بِصُنْعِهَا وَهِيَ مِنْهُمْ بِمَرْأَى الْأَعْيُنِ.

стр. 6971

وَنَاسَبَ السَّمْعُ دَلِيلَ فَرْضِ سَرْمَدَةِ اللَّيْلِ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَوْ كَانَ دَائِمًا لَمْ تَكُنْ لِلنَّاسِ رُؤْيَةٌ فَإِنَّ رُؤْيَةَ الْأَشْيَاءِ مَشْرُوطَةٌ بِانْتِشَارِ شَيْءٍ مِنَ النُّورِ عَلَى سَطْحِ الْجِسْمِ الْمَرْئِيِّ، فَالظُّلْمَةُ الْخَالِصَةُ لَا تُرَى فِيهَا الْمَرْئِيَّاتُ. وَلِذَلِكَ جِيءَ فِي جَانِبِ فَرْضِ دَوَامِ اللَّيْلِ بِالْإِنْكَارِ عَلَى عَدَمِ سَمَاعِهِمْ، وَجِيءَ فِي جَانِبِ فَرْضِ دَوَامِ النَّهَارِ بِالْإِنْكَارِ عَلَى عَدَمِ إِبْصَارِهِمْ. وَلَيْسَ قَوْلُهُ أَفَلا تُبْصِرُونَ تذييلا. [٧٣] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٧٣] وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) تَصْرِيحٌ بِنِعْمَةِ تَعَاقُبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى النَّاسِ بِقَوْلِهِ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ بِطَرِيقِ الْإِدْمَاجِ بقوله يَأْتِيكُمْ [الْقَصَص: ٧١ وَبِقَوْلِهِ تَسْكُنُونَ فِيهِ [الْقَصَص: ٧٢] كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا. وَجُمْلَةُ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً [الْقَصَص: ٧١] . ومِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ فَإِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ بِالنَّاسِ حَقِيقَةٌ كُلِّيَّةٌ لَهَا تَحَقُّقٌ فِي وُجُودِ أَنْوَاعِهَا وَآحَادِهَا الْعَدِيدَةِ، وَالْمَجْرُورُ بِ مِنْ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ، وَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ لَكُمُ، وَالْمَقْصُودُ إِظْهَارُ أَنَّ هَذَا رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وَأَنَّهُ بَعْضٌ مِنْ رَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ لِيَتَذَكَّرُوا بِهِمَا نِعَمًا أُخْرَى. وَقَدَّمَ الْمَجْرُورَ بِ مِنْ رَحْمَتِهِ عَلَى عَامِلِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِمِنَّةِ الرَّحْمَةِ. وَقَدْ سَلَكَ فِي قَوْلِهِ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ طَرِيقَةُ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمَعْكُوسِ فَيَعُودُ لِتَسْكُنُوا فِيهِ إِلَى اللَّيْلِ، وَيَعُودُ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِلَى النَّهَارِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ فِيهِ، فَحَذَفَ الضَّمِيرَ وَجَارَّهُ إِيجَازًا اعْتِمَادًا عَلَى الْمُقَابَلَةِ. وَالِابْتِغَاءُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ: كِنَايَةٌ عَنِ الْعَمَلِ وَالطَّلَبِ لِتَحْصِيلِ الرِّزْقِ قَالَ تَعَالَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: ٢٠] . وَالرِّزْقُ: فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ.

стр. 6972

وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٩٨] . وَلَامُ لِتَسْكُنُوا وَلَامُ وَلِتَبْتَغُوا لِلتَّعْلِيلِ، وَمَدْخُولَاهُمَا عِلَّتَانِ لِلْجَعْلِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ فِعْلِ جَعَلَ. وَعُطِفَ عَلَى الْعِلَّتَيْنِ رَجَاءَ شُكْرِهِمْ عَلَى هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا مِنْ جُمْلَةِ رَحْمَتِهِ بِالنَّاسِ فَالشَّأْنُ أَنْ يَتَذَكَّرُوا بِذَلِكَ مَظَاهِرَ الرَّحْمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ وَجَلَائِلَ النِّعَمِ فَيَشْكُرُوهُ بِإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ. وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا فَلَمْ يَشْكُرُوا. وَقَرَأَ الْجُمْهُور أَرَأَيْتُمْ [الْقَصَص: ٧١] بِأَلِفٍ بَعْدَ الرَّاءِ تَخْفِيفًا لِهَمْزَةِ رَأَى. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ زِيَادَةً فِي التَّخْفِيفِ وَهِي لُغَة. [٧٤- ٧٥] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : الْآيَات ٧٤ إِلَى ٧٥] وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥) كُرِّرَتْ جُمْلَةُ يَوْمَ يُنادِيهِمْ مَرَّةً ثَانِيَةً لِأَنَّ التَّكْرِيرَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ مَقَامِ التَّوْبِيخِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: وَيَوْمَ نَنْزِعُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، فَأُعِيدَ ذِكْرُ أَنَّ اللَّهَ يُنَادِيهِمْ بِهَذَا الِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيعِيِّ وَيَنْزِعُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، فَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ ذَلِكَ النِّدَاءَ يُكَرَّرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إِنَّمَا كُرِّرَتْ حِكَايَتُهُ وَأَنَّهُ نِدَاءٌ وَاحِدٌ يَقَعُ عَقِبَهُ جَوَابُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَيَقَعُ نَزْعُ شَهِيدٍ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ عَلَيْهِمْ فَهُوَ شَامِلٌ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ. وَجِيءَ بِفِعْلِ الْمُضِيِّ فِي نَزَعْنا: إِمَّا لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ وَهِيَ يَعْقُبُهَا الْمَاضِي بِ (قَدْ) وَبِدُونِ (قَدْ) أَيْ يَوْمَ يَكُونُ ذَلِكَ النِّدَاءُ وَقَدْ أَخْرَجْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ وَأَخْرَجْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ شَهِيدًا وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ [النَّحْل: ٨٩] . وَشَهِيدُ كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولُهَا. وَالنَّزْعُ: جَذْبُ شَيْءٍ مِنْ بَيْنِ مَا هُوَ مُخْتَلِطٌ بِهِ وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِإِخْرَاجِ بَعْضٍ مِنْ جَمَاعَةٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ

стр. 6973

عِتِيًّا فِي سُورَةِ مَرْيَمَ [٦٩] . وَذَلِكَ أَنَّ الْأُمَمَ تَأْتِي إِلَى الْمَحْشَرِ تَتْبَعُ أَنْبِيَاءَهَا، وَهَذَا الْمَجِيءُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ تَأْتِي الْأَنْبِيَاءُ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْ آمَنُوا بِهِ كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيث «يَأْتِي النبيء مَعَه الرَّهْط والنبيء وَحْدَهُ مَا مَعَهُ أَحَدٌ» . وَالْتُفِتَ مِنَ الْغِيبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ فِي وَنَزَعْنا لإِظْهَار عَظمَة التَّكَلُّم، وَعُطِفَ فَقُلْنا عَلَى وَنَزَعْنا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ. وَالْمُخَاطَبُ بِ هاتُوا هُمُ الْمُشْرِكُونَ، أَيْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ عَلَى إِلَهِيَّةِ أَصْنَامِكُمْ. وهاتُوا اسْمُ فِعْلٍ مَعْنَاهُ نَاوِلُوا، وهات مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١١١] ، وَاسْتُعِيرَتِ الْمُنَاوَلَةُ لِلْإِظْهَارِ. وَالْأَمْرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيزِ فَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ فِيمَا زَعَمُوهُ مِنَ الشُّرَكَاءِ، وَلَمَّا عَلِمُوا عَجْزَهُمْ مِنْ إِظْهَارِ بُرْهَانٍ لَهُمْ فِي جَعْلِ الشُّرَكَاءِ لِلَّهِ أَيْقَنُوا أَنَّ الْحَقَّ مُسْتَحَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، أَيْ عَلِمُوا عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّهُمْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي إِثْبَاتِ الشُّرَكَاءِ وَأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ إِذْ كَانَ يَنْهَاهُمْ عَنِ الشِّرْكِ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ إِذْ نَادَاهُمْ بِأَمْرِ التَّعْجِيزِ فِي قَوْلِهِ هاتُوا بُرْهانَكُمْ. وَمَا كانُوا يَفْتَرُونَ يَشْمَلُ مَا كَانُوا يَكْذِبُونَهُ مِنَ الْمَزَاعِمِ فِي إِلَهِيَّةِ الْأَصْنَامِ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ لَهُ الْإِلَهِيَّةَ مِنَ الْأَصْنَامِ، كُلُّ ذَلِكَ كَانُوا يَفْتَرُونَهُ. وَالضَّلَالُ: أَصْلُهُ عَدَمُ الِاهْتِدَاءِ إِلَى الطَّرِيقِ. وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِعَدَمِ خُطُورِ الشَّيْءِ فِي الْبَالِ وَلِعَدَمِ حُضُورِهِ فِي الْمَحْضَرِ مِنِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَجَازِيهِ. وعَنْهُمْ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ضَلَّ. وَالْمُرَادُ: ضَلَّ عَنْ عُقُولِهِمْ وَعَنْ مَقَامِهِمْ مُثِّلُوا بِالْمَقْصُودِ لِلسَّائِرِ فِي طَرِيق حِين يخطىء الطَّرِيقَ فَلَا يَبْلُغُ الْمَكَانَ الْمَقْصُودَ. وَعُلِّقَ بِالضَّلَالِ ضَمِيرُ ذَوَاتِهِمْ لِيَشْمَلَ ضَلَالَ الْأَمْرَيْنِ فَيُفِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا حُجَّةً يُرَوِّجُونَ بِهَا زَعْمَهُمْ إِلَهِيَّةَ الْأَصْنَامِ، وَلَمْ يَجِدُوا الْأَصْنَامَ حَاضِرَةً لِلشَّفَاعَةِ فِيهِمْ فَوَجِمُوا عَنِ الْجَوَابِ وَأَيْقَنُوا بِالْمُؤَاخَذَةِ

стр. 6974

[٧٦، ٧٧] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : الْآيَات ٧٦ الى ٧٧] إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ. كَانَ مِنْ صُنُوفِ أَذَى أَيِمَّةِ الْكُفْرِ النَّبِيءَ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ دَوَاعِيَ تَصَلُّبِهِمْ فِي إِعْرَاضِهِمْ عَنْ دَعْوَتِهِ اعْتِزَازُهُمْ بِأَمْوَالِهِمْ وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] أَيْ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الثَّرْوَةِ فَهِيَ عِنْدَهُمْ سَبَبُ الْعَظَمَةِ وَنَبْزِهِمُ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّهُمْ ضُعَفَاءُ الْقَوْمِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ تَوْبِيخُهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً [سبأ: ٣٥] وَقَوْلِهِ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ [المزمل: ١١] الْآيَةَ. رَوَى الْوَاحِدِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ بِأَسَانِيدَ: أَنَّ الْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ وَسَادَتِهِمْ مِنْهُمْ عَتَبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَالْحَارِثُ بْنُ نَوْفَلٍ. قَالُوا: «أَيُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ نَكُونَ تَبَعًا لِهَؤُلَاءِ (يَعْنُونَ خَبَّابًا، وَبِلَالًا، وَعمَّارًا، وصهيبا) فَلَو طَرَدَ مُحَمَّدٌ عَنْهُ مَوَالِيَنَا وَعَبِيدَنَا كَانَ أَعْظَمَ لَهُ فِي صُدُورِنَا وَأَطْمَعَ لَهُ عِنْدَنَا وَأَرْجَى لِاتِّبَاعِنَا إِيَّاهُ وَتَصْدِيقِنَا لَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ إِلَى قَوْله بِالشَّاكِرِينَ [الْأَنْعَام: ٥٢، ٥٣] . وَكَانَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ قَرِيبًا قَوْلُهُ تَعَالَى وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها إِلَى قَوْلِهِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الْقَصَص: ٦٠، ٦١] كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلْمُشْرِكِينَ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ بِأَمْثَالِ نُظَرَائِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ فَضَرَبَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ لِحَالِ تَعَاظُمِهِمْ بِأَمْوَالِهِمْ مَثَلًا بِحَالِ قَارُونَ مَعَ مُوسَى وَإِنَّ مَثَلَ قَارُونَ صَالِحٌ لِأَنْ يَكُونُ مَثَلًا لِأَبِي لَهَبٍ وَلِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ فِي قَرَابَتِهِمَا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ وَأَذَاهُمَا إِيَّاهُ، وَلِلْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ فِي أَذَاهُ لِخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ وَغَيْرِهِ، وَلِلْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ مِنَ التَّعَاظُمِ بِمَالِهِ وَذَوِيِهِ. قَالَ تَعَالَى ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُوداً [المدثر: ١١، ١٢] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. فَقَوْلُهُ إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ لِذِكْرِ قِصَّةٍ ضُرِبَتْ مَثَلًا لِحَالِ بَعْضِ كُفَّارِ مَكَّةَ وَهُمْ سَادَتُهُمْ مِثْلُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَلَهَا مَزِيدُ تَعَلُّقٍ بِجُمْلَةِ وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الْقَصَص: ٦٠، ٦١] .

стр. 6975

وَلِهَذِهِ الْقِصَّةِ اتِّصَالٌ بِانْتِهَاءِ قِصَّةِ جُنْدِ فِرْعَوْنَ الْمُنْتَهِيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا [الْقَصَص: ٤٦] الْآيَةَ. وقارُونَ اسْمٌ مُعَرَبٌ أَصْلُهُ فِي الْعِبْرَانِيَّةِ (قُورَحُ) بِضَمِّ الْقَافِ مُشْبَعَةً وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَقَعَ فِي تَعْرِيبِهِ تَغْيِيرُ بَعْضِ حُرُوفِهِ لِلتَّخْفِيفِ، وَأُجْرِيَ وَزْنُهُ عَلَى مُتَعَارَفِ الْأَوْزَانِ الْعَرَبِيَّةِ مِثْلَ طَالُوتَ، وَجَالُوتَ، فَلَيْسَتْ حُرُوفُهُ حُرُوفُ اشْتِقَاقٍ مِنْ مَادَّةِ قَرَنَ. وَ (قُورَحُ هَذَا ابْنُ عَمِّ مُوسَى ﵇ دِنْيَا) ، فَهُوَ قُورَحُ بْنُ يَصْهَارَ بْنِ قَهَاتِ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ. وَمُوسَى هُوَ ابْنُ عِمْرَمَ الْمُسَمَّى عِمْرَانَ فِي الْعَرَبِيَّةِ ابْنِ قَاهِتَ فَيَكُونُ يَصَاهَرُ أَخَا عِمْرَمَ، وَوَرَدَ فِي الْإِصْحَاحِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ سِفْرِ الْعَدَدِ أَنَّ (قُورَحَ) هَذَا تَأَلَّبَ مَعَ بَعْضِ زُعَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ﵉ حِينَ جَعَلَ اللَّهُ الْكِهَانَةَ فِي بَنِي هَارُونَ مِنْ سِبْطِ (لَاوِي) فَحَسَدَهُمْ قُورَحُ إِذْ كَانَ ابْنَ عَمِّهِمْ وَقَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ: مَا بَالُكُمَا تَرْتَفِعَانِ عَلَى جَمَاعَةِ الرَّبِّ إِنَّ الْجَمَاعَةَ مُقَدَّسَةٌ وَالرَّبَّ مَعَهَا فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَى قُورَحَ وَأَتْبَاعِهِ وَخَسَفَ بِهِمُ الْأَرْضَ وَذَهَبَتْ أَمْوَالُ (قُورَحَ) كُلُّهَا، وَكَانَ ذَلِكَ حِينَ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى أَبْوَابِ (أَرِيحَا) قَبْلَ فَتْحِهَا. وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ جَعْلَ (قُورَحَ) رَئِيسًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مِصْرَ وَأَنَّهُ جَمَعَ ثَرْوَةً عَظِيمَةً. وَمَا حَكَاهُ الْقُرْآنُ يُبَيِّنُ سَبَبَ نُشُوءِ الْحَسَدِ فِي نَفْسِهِ لِمُوسَى لِأَنَّ مُوسَى لَمَّا جَاءَ بِالرِّسَالَةِ وَخَرَجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ زَالَ تَأَمُّرُ قارُونَ عَلَى قَوْمِهِ فَحَقَدَ عَلَى مُوسَى. وَقَدْ أَكْثَرَ الْقُصَّاصُ مِنْ وَصْفِ بَذْخَةِ قَارُونَ وَعَظْمَتِهِ مَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ. وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ بُرْهَانٍ. وَتَلَقَّفَهُ الْمُفَسِّرُونَ حَاشَا ابْنَ عَطِيَّةَ. وَافْتِتَاحُ الْجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِإِفَادَةِ تَأْكِيدِ خَبَرِ إِنَّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَتَعَلَّقَ بِهِ مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةُ وَهُوَ سُوءُ عَاقِبَةِ الَّذِينَ تَغُرُّهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَتَزْدَهِيهِمْ فَلَا يَكْتَرِثُونَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ وَيَسْتَخِفُّونَ بِالدِّينِ، وَيَكْفُرُونَ بِشَرَائِعِ اللَّهِ لِظُهُورِ أَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ قَارُونَ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْمِ مُوسَى لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِيهِ السَّامِعُ حَتَّى يُؤَكَّدَ لَهُ، فَمَصَبُّ التَّأْكِيدِ هُوَ مَا بَعْدَ قَوْلِهِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ الْمُنْتَهِيَةِ بِالْخَسْفِ.

стр. 6976

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِنَّ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ وَمَنَاطِ الِاهْتِمَامِ هُوَ مَجْمُوعُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْقِصَّةُ مِنَ الْعِبَرِ الَّتِي مِنْهَا أَنَّهُ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَصَارَ عَدُوًّا لَهُ وَلِأَتْبَاعِهِ، فَأَمْرُهُ أَغْرَبُ مِنْ أَمَرِ فِرْعَوْنَ. وَعَدَلَ عَنْ أَنْ يُقَالَ: كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِمَا فِي إِضَافَةِ قَوْمِ إِلَى مُوسى مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى أَنَ لِقَارُونَ اتِّصَالًا خَاصًّا بِمُوسَى فَهُوَ اتِّصَالُ الْقَرَابَةِ. وَجُمْلَةُ فَبَغى عَلَيْهِمْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى وَجُمْلَةِ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ، وَالْفَاءُ فِيهَا لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّعْقِيبِ، أَيْ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَطِرَ النِّعْمَةَ وَاجْتَرَأَ عَلَى ذَوِي قَرَابَتِهِ، لِلتَّعْجِيبِ مِنْ بَغْيِ أَحَدٍ عَلَى قَوْمِهِ كَمَا قَالَ طَرَفَةُ: وَظُلْمُ ذَوِي الْقُرْبَى أَشُدُّ مَضَاضَةً ... عَلَى الْمَرْءِ مِنْ وَقَعِ الْحُسَامِ الْمُهَنَّدِ وَالْبَغْيُ: الِاعْتِدَاءُ، وَالِاعْتِدَاءُ عَلَى الْأُمَّةِ الِاسْتِخْفَافُ بِحُقُوقِهَا، وَأَوَّلُ ذَلِكَ خَرْقُ شَرِيعَتِهَا. وَفِي الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْمِ مُوسى تَمْهِيدٌ لِلْكِنَايَةِ بِهَذَا الْخَبَرِ عَنْ إِرَادَةِ التَّنْظِيرِ بِمَا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَغْيِ بَعْضِ قَرَابَتِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِ. وَفِي قَوْلِهِ إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى مُحَسِّنٌ بَدِيعِيٌّ وَهُوَ مَا يُسَمَّى النَّثْرُ الْمُتَّزِنُ، أَيِ النَّثْرُ الَّذِي يَجِيءُ بِمِيزَانِ بَعْضِ بُحُورِ الشِّعْرِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ جَاءَتْ عَلَى مِيزَانِ مِصْرَاعٍ مِنْ بَحْرِ الْخَفِيفِ، وَوَجْهُ وُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ الْحَالَ الْبَلَاغِيَّ يَقْتَضِي التَّعْبِيرَ بِأَلْفَاظٍ وَتَرْكِيبٍ يَكُونُ مَجْمُوعُهُ فِي مِيزَانِ مِصْرَاعٍ مِنْ أَحَدِ بُحُورِ الشِّعْرِ. وَجُمْلَةُ إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ صِلَةُ مَا الْمَوْصُولَةِ عِنْدَ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ الَّذِينَ لَا يَمْنَعُونَ أَنْ تَقَعَ إِنَّ فِي افْتِتَاحِ صِلَةِ الْمَوْصُولِ. وَمَنَعَ الْكُوفِيُّونَ مِنْ ذَلِكَ وَاعْتُذِرَ عَنْهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَلِذَلِكَ تَأَوَّلُوا مَا هُنَا بِأَنَّهَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وَأَنَّ الْجُمْلَةَ بَعْدَهَا فِي مَحَلِّ الصِّفَةِ. وَالْمَفَاتِحُ: جَمْعُ مِفْتَحٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَهُوَ آلَةُ الْفَتْحِ، وَيُسَمَّى الْمِفْتَاحُ أَيْضًا. وَجَمْعُهُ مَفَاتِيحُ وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ

стр. 6977

والْكُنُوزِ: جَمْعُ كَنْزٍ وَهُوَ مُخْتَزَنُ الْمَالِ مِنْ صُنْدُوقٍ أَوْ خِزَانَةٍ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ فِي سُورَةِ هُودٍ [١٢] ، وَأَنَّهُ كَانَ يُقَدَّرُ بِمِقْدَارٍ مِنَ الْمَالِ مِثْلَ مَا يَقُولُونَ: بَدْرَةُ مَالٍ، وَأَنَّهُ كَانَ يُجْعَلُ لِذَلِكَ الْمِقْدَارِ خِزَانَةٌ أَوْ صُنْدُوقٌ يَسَعُهُ وَلِكُلِّ صُنْدُوقٍ أَوْ خِزَانَةٍ مِفْتَاحُهُ. وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ الْعُقَيْلِيِّ أَحَدِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ «يَكْفِي الْكُوفَةَ مِفْتَاحٌ» أَيْ مِفْتَاحٌ وَاحِدٌ، أَيْ كَنْزٌ وَاحِدٌ مِنَ الْمَالِ لَهُ مِفْتَاحٌ، فَتَكُونُ كَثْرَةُ الْمَفَاتِيحِ كِنَايَةً عَنْ كَثْرَةِ الْخَزَائِنِ وَتِلْكَ كِنَايَةٌ عَنْ وَفْرَةِ الْمَالِ فَهُوَ كِنَايَةٌ بِمَرْتَبَتَيْنِ مِثْلَ: جَبَانُ الْكَلْبِ مَهْزُولُ الْفَصِيلِ (وَتَنُوءُ) : تَثْقُلُ. وَيَظْهَرُ أَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ بِالْعُصْبَةِ بَاءُ الْمُلَابَسَةِ أَنْ تَثْقُلَ مَعَ الْعُصْبَةِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَهَا فَهِيَ لِشِدَّةِ ثِقَلِهَا تَثْقُلُ مَعَ أَنَّ حَمَلَتَهَا عُصْبَةٌ أُولُو قُوَّةٍ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْبَاءُ بَاءُ السَّبَبِيَّةِ كَالَّتِي فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ وَلَا كَمِثَالِ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» : نَاءَ بِهِ الْحِمْلُ، إِذَا أَثْقَلَهُ الْحِمْلُ حَتَّى أَمَالَهُ. وَأَمَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِأَنَّ تَرْكِيبَ الْآيَةِ فِيهِ قَلْبٌ، فَلَا يَقْبَلُهُ مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ. وَالْعُصْبَةُ: الْجَمَاعَةُ، وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ. وَأَقْرَبُ الْأَقْوَالِ فِي مِقْدَارِهَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ مِنْ عَشْرَةٍ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ. وَكَانَ اكْتَسَبَ الْأَمْوَالَ فِي مِصْرَ وَخَرَجَ بِهَا. إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ. إِذْ ظَرْفٌ مَنْصُوبٌ بِفِعْلِ (بَغَى عَلَيْهِمْ) وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الظَّرْفِ الْقِصَّةُ وَلَيْسَ الْقَصْدُ بِهِ تَوْقِيتَ الْبَغْيِ وَلِذَلِكَ قَدَّرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مُتَعَلِّقًا بِ (اذْكُرْ) مَحْذُوفًا وَهُوَ الْمَعْنِيُّ فِي نَظَائِرِهِ مِنَ الْقَصَصِ. وَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ بَعْضُهُمْ إِمَّا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ وَهُمْ أَهْلُ الْمَوْعِظَةِ وَإِمَّا مُوسَى ﵇ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْقَوْمِ لِأَنَّ أَقْوَالَهُ قُدْوَةٌ لِلْقَوْمِ فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا قَوْلَهُ.

стр. 6978

وَالْفَرَحُ يُطْلَقُ عَلَى السُّرُورِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَفَرِحُوا بِها فِي يُونُسَ [٢٢] . وَيُطْلَقُ عَلَى الْبَطَرِ وَالِازْدِهَاءِ، وَهُوَ الْفَرَحُ الْمُفْرِطُ الْمَذْمُومُ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا فِي سُورَةِ الرَّعْدِ [٢٦] وَهُوَ التَّمَحُّضُ لِلْفَرَحِ. وَالْفَرَحُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الْمُفْرِطُ مِنْهُ، أَيِ الَّذِي تَمْحَضَّ للتعلق بمتاع الدُّنْيَا وَلَذَّاتِ النَّفْسِ بِهِ لِأَنَّ الِانْكِبَابَ عَلَى ذَلِكَ يُمِيتُ مِنَ النَّفْسِ الِاهْتِمَامَ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْمُنَافَسَةِ لِاكْتِسَابِهَا فَيَنْحَدِرُ بِهِ التَّوَغُّلُ فِي الْإِقْبَالِ عَلَى اللَّذَّاتِ إِلَى حَضِيضِ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْكَمَالِ النَّفْسَانِيِّ وَالِاهْتِمَامِ بِالْآدَابِ الدِّينِيَّةِ، فَحُذِفَ الْمُتَعَلِّقُ بِالْفِعْلِ لِدَلَالَةِ الْمَقَامِ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى لَا تَفْرَحْ بِلَذَّاتِ الدُّنْيَا مُعْرِضًا عَنِ الدِّينِ وَالْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ. وَأَحْسَبُ أَنَّ الْفَرَحَ إِذَا لَمْ يَعْلَقْ بِهِ شَيْءٌ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ صَارَ سَجِيَّةَ الْمَوْصُوفِ فَصَارَ مُرَادًا بِهِ الْعُجْبُ وَالْبَطَرُ. وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى بَيَانِ الْمَقْصُودِ تَعْضِيدًا لِدَلَالَةِ الْمَقَامِ بِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، أَيِ الْمُفْرِطِينَ فِي الْفَرَحِ فَإِنَّ صِيغَةَ (فَعِلٍ) صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى تَعْلِيلِ النَّهْيِ، فَالْجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِلَّتِي قَبْلَهَا، وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْفَرَحِ تَقْتَضِي شِدَّةَ الْإِقْبَالِ عَلَى مَا يُفْرَحُ بِهِ وَهِيَ تَسْتَلْزِمُ الْإِعْرَاضَ عَنْ غَيْرِهِ فَصَارَ النَّهْيُ عَنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ رَمْزًا إِلَى الْإِعْرَاضِ عَنِ الْجِدِّ وَالْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ. وَابْتِغَاءُ الدَّارِ الْآخِرَةِ طَلَبُهَا، أَيْ طَلَبُ نَعِيمِهَا وَثَوَابِهَا. وَعَلِقَ بِفِعْلِ الِابْتِغَاءِ قَوْلُهُ فِيما آتاكَ اللَّهُ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ، أَيِ اطْلُبْ بِمُعْظَمِهِ وَأَكْثَرِهِ. وَالظَّرْفِيَّةُ مَجَازِيَّةٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَغَلْغُلِ ابْتِغَاءِ الدَّارِ الْآخِرَةِ فِي مَا آتَاهُ اللَّهُ وَمَا آتَاهُ هُوَ كُنُوزُ الْمَالِ، فَالظَّرْفِيَّةُ هُنَا كَالَّتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ [النِّسَاء: ٥] أَيْ مِنْهَا وَمُعْظَمِهَا، وَقَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الْفَقْعَسِيِّ: نُحَابِي بِهَا أَكْفَاءَنَا وَنُهِينُهَا ... وَنَشْرَبُ فِي أَثْمَانِهَا وَنُقَامِرُ أَيِ اطْلُبْ بِكُنُوزِكَ أَسْبَابَ حُصُولِ الثَّوَابِ بِالْإِنْفَاقِ مِنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا أَوْجَبَهُ وَرَغَّبَ فِيهِ مِنَ الْقُرْبَانِ وَوُجُوهِ الْبِرِّ. وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا. جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْحَافَّتَيْنِ بِهَا، وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ.

стр. 6979

وَالنَّهْيُ فِي وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِبَاحَةِ. وَالنِّسْيَانُ كِنَايَةٌ عَنِ التَّرْكِ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْخَيْلِ «وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا» ، أَيْ لَا نَلُومُكَ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا أَيِ الَّذِي لَا يَأْتِي عَلَى نَصِيبِ الْآخِرَةِ. وَهَذَا احْتِرَاسٌ فِي الْمَوْعِظَةِ خَشْيَةَ نُفُورِ الْمَوْعُوظِ مِنْ مَوْعِظَةِ الْوَاعِظِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا لِقَارُونَ وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ أَوْهَمُوا أَنْ يَتْرُكَ حُظُوظَ الدُّنْيَا فَلَا يَسْتَعْمِلَ مَالَهُ إِلَّا فِي الْقُرُبَاتِ، فَأُفِيدَ أَنَّ لَهُ اسْتِعْمَالَ بَعْضِهِ فِي مَا هُوَ مُتِمِحِّضٌ لِنَعِيمِ الدُّنْيَا إِذَا آتَى حَقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِهِ. فَقِيلَ: أَرَادُوا أَنَّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. وَالنَّصِيبُ: الْحَظُّ وَالْقِسْطُ، وَهُوَ فَعِيلٌ مِنَ النَّصْبِ لِأَنَّ مَا يُعْطَى لِأَحَدٍ يُنَصِّبُ لَهُ وَيُمَيِّزُ، وَإِضَافَةُ النَّصِيبِ إِلَى ضَمِيرِهِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ حَقُّهُ وَأَنَّ لِلْمَرْءِ الِانْتِفَاعَ بِمَالِهِ فِي مَا يُلَائِمُهُ فِي الدُّنْيَا خَاصَّةً مِمَّا لَيْسَ مِنَ الْقُرُبَاتِ وَلَمْ يَكُنْ حَرَامًا. قَالَ مَالِكٌ: فِي رَأْيِي مَعْنَى وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا تَعِيشُ وَتَأْكُلُ وَتَشْرَبُ غَيْرَ مُضَيَّقٍ عَلَيْكَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: نَصِيبُ الدُّنْيَا هُوَ الْحَلَالُ كُلُّهُ. وَبِذَلِكَ تَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مِثَالًا لِاسْتِعْمَالِ صِيغَةِ النَّهْيِ لِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ. ومِنْ لِلتَّبْعِيضِ. وَالْمُرَادُ بِالدُّنْيَا نَعِيمُهَا. فَالْمَعْنَى: نَصِيبَكَ الَّذِي هُوَ بَعْضُ نَعِيمِ الدُّنْيَا. وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. الْإِحْسَانُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ ابْتِغَاءِ الدَّارِ الْآخِرَةِ وَلَكِنَّهُ ذُكِرَ هُنَا لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ الِاحْتِجَاجَ بِقَوْلِهِ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ. وَالْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ، وَ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ كَإِحْسَانِ اللَّهِ إِلَيْكَ، وَالْمُشَبَّهُ هُوَ الْإِحْسَانُ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَحْسِنْ أَيْ إِحْسَانًا شَبِيهًا بِإِحْسَانِ اللَّهِ إِلَيْكَ. وَمَعْنَى الشَّبَهِ: أَنْ يَكُونَ الشُّكْرُ عَلَى كُلِّ نِعْمَةٍ مِنْ جِنْسِهَا. وَقَدْ شَاعَ بَيْنَ النُّحَاةِ تَسْمِيَةُ هَذِهِ الْكَافِ كَافَ التَّعْلِيلِ، وَمِثْلُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ [الْبَقَرَة: ١٩٨] . وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ التَّعْلِيلَ حَاصِلٌ مِنْ مَعْنَى التَّشْبِيهِ وَلَيْسَ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا مِنْ مَعَانِي الْكَافِ. وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الْإِحْسَانِ لِتَعْمِيمِ مَا يُحْسِنُ إِلَيْهِ فَيَشْمَلُ نَفْسَهُ وَقَوْمَهُ وَدَوَابَّهُ وَمَخْلُوقَاتِ اللَّهِ الدَّاخِلَةَ فِي دَائِرَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ

стр. 6980

اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» فَالْإِحْسَانُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَالْإِحْسَانُ لِكُلِّ شَيْءٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ حَتَّى الْأَذَى الْمَأْذُونُ فِيهِ فَبِقَدَرِهِ وَيَكُونُ بِحُسْنِ الْقَوْلِ وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَحُسْنِ اللِّقَاءِ. وَعَطْفُ لَا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ لِلتَّحْذِيرِ مِنْ خَلْطِ الْإِحْسَانِ بِالْفَسَادِ فَإِنَّ الْفَسَادَ ضِدُّ الْإِحْسَانِ، فَالْأَمْرُ بِالْإِحْسَانِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الْفَسَادِ وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَدَّدَتْ مَوَارِدُ الْإِحْسَانِ وَالْإِسَاءَةِ فَقَدْ يَغِيبُ عَنِ الذِّهْنِ أَنَّ الْإِسَاءَةَ إِلَى شَيْءٍ مَعَ الْإِحْسَانِ إِلَى أَشْيَاءَ يُعْتَبَرُ غَيْرَ إِحْسَانٍ. وَالْمُرَادُ بِالْأَرْضِ أَرْضُهُمُ الَّتِي هُمْ حَالُّونَ بِهَا، وَإِذْ قَدْ كَانَتْ جُزْءًا مِنَ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ فَالْإِفْسَادُ فِيهَا إِفْسَادٌ مَظْرُوفٌ فِي عُمُومِ الْأَرْضِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظَائِرُهُ مِنْهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٠٥] . وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الْإِفْسَادِ، لِأَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ لَا يَجُوزُ لِعِبَادِهِ عَمَلُهُ، وَقَدْ كَانَ قارُونَ مُوَحِّدًا عَلَى دِينِ إِسْرَائِيلَ وَلَكِنَّهُ كَانَ شَاكًّا فِي صِدْقِ مَوَاعِيدِ مُوسَى وَفِي تشريعاته. [٧٨] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٧٨] قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) جَوَابٌ عَنْ مَوْعِظَةِ وَاعِظِيهِ مِنْ قَوْمِهِ. وَقَدْ جَاءَ عَلَى أُسْلُوبِ حِكَايَةِ الْمُحَاوَرَاتِ فَلَمْ يُعْطَفْ وَهُوَ جَوَابٌ مُتَصَلِّفٌ حَاوَلَ بِهِ إِفْحَامَهُمْ وَأَنْ يَقْطَعُوا مَوْعِظَتَهُمْ لِأَنَّهَا أَمَرَّتْ بَطَرَهُ وَازْدِهَاءَهُ. وإِنَّما هَذِهِ هِيَ أَدَاةُ الْحَصْرِ الْمُرَكَّبَةُ مِنْ (إِنَّ) وَ (مَا) الْكَافَّةِ مُصَيَّرَتَيْنِ كَلِمَةً وَاحِدَةً وَهِيَ الَّتِي حَقُّهَا أَنْ تُكْتَبَ مَوْصُولَةَ النُّونِ بِمِيمِ (مَا) . وَالْمَعْنَى: مَا أُوتِيتُ هَذَا الْمَالَ إِلَّا عَلَى عِلْمٍ عَلِمْتُهُ. وَضَمِيرُ أُوتِيتُهُ عَائِدٌ إِلَى (مَا) الْمَوْصُولَةِ فِي قَوْلِهِمْ وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ [الْقَصَص: ٧٧] . وَبُنِيَ الْفِعْلُ لِلنَّائِبِ لِلْعِلْمِ بِالْفَاعِلِ مِنْ كَلَامِ وَاعِظِيهِ.

стр. 6981

وَ (عَلى عِلْمٍ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ. وعَلى لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ بِمَعْنَى التَّمَكُّنِ وَالتَّحَقُّقِ، أَيْ مَا أُوتِيتُ الْمَالَ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا فِي حَالِ تَمَكُّنِي مِنْ عِلْمٍ رَاسِخٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْعِلْمِ عِلْمَ أَحْكَامِ إِنْتَاجِ الْمَالِ مِنَ التَّوْرَاةِ، أَيْ أَنَا أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِمَا تَعِظُونَنِي بِهِ، يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْلَهُمْ لَهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ- وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ [الْقَصَص: ٧٦، ٧٧] . وَقَدْ كَانَ قَارُونُ مَشْهُورًا بِالْعِلْمِ بِالتَّوْرَاةِ وَلَكِنَّهُ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ فَأَرَادَ بِهَذَا الْجَوَابِ قَطْعَ مَوْعِظَتَهُمْ نَظِيرَ جَوَابِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْمُلَقَّبِ بِالْأَشْدَقِ لِأَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ حِينَ قَدِمَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمِيرًا مِنْ قِبَلِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ سِتِّينَ فَجَعَلَ يُجَهِّزُ الْجُيُوشَ وَيَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ لِقِتَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الَّذِي خَرَجَ عَلَى يَزِيدَ، فَقَالَ أَبُو شُرَيْحٍ لَهُ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثُكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يحل لامرىء يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضِدَ شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرِبَةٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِلْمِ عِلْمَ اكْتِسَابِ الْمَالِ مِنَ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا، فَأَرَادَ بِجَوَابِهِ إِنْكَارَ قَوْلِهِمْ: آتَاكَ اللَّهُ صَلَفًا مِنْهُ وَطُغْيَانًا. وَقَوْلُهُ عِنْدِي صِفَةٌ لِ عِلْمٍ تَأْكِيدًا لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَشُهْرَتِهِ بِهِ. هَذَا هُوَ الْوَجْهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنَ الْآيَةِ وَهُوَ الَّذِي يَسْتَقِيمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى عَقِبَهُ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ الْآيَةَ، كَمَا سَتَعْرِفُهُ. وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ وُجُوهًا تُسْفِرُ عَنْ أَشْكَالٍ أُخْرَى مِنْ تَرْكِيبِ نَظْمِ الْآيَةِ فِي مَحْمِلِ مَعْنَى عَلى وَمَحْمِلِ الْمُرَادِ مِنَ (الْعِلْمِ) وَمَحْمِلِ عِنْدِي فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا فَهِيَ مِنْكَ عَلَى طَرَفِ الثُّمَامِ. وَقَوْلُهُ أَوَلَمْ يَعْلَمْ الْآيَةَ إِقْبَالٌ عَلَى خِطَابِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 6982

وَالْهَمْزَةُ فِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ لِلِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ التَّعْجِيبِيِّ تَعْجِيبًا مِنْ عَدَمِ جَرْيِهِ عَلَى مُوجِبِ عِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ أَهْلَكَ أُمَمًا عَلَى بَطَرِهِمُ النِّعْمَةَ وَإِعْجَابِهِمْ لِقُوَّتِهِمْ وَنِسْيَانِهِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهُ تَعْجِيبًا مِنْ فَوَاتِ مُرَاعَاةِ ذَلِكَ مِنْهُ مَعَ سَعَةِ عِلْمِهِ بِغَيْرِهِ مِنْ بَابِ «حَفِظْتَ شَيْئًا وَغَابَتْ عَنْكَ أَشْيَاءُ» . وَعُطِفَ هَذَا الِاسْتِفْهَامُ عَلَى جُمْلَةِ قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ. وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْقِصَّةِ. وَالْقُوَّةُ: مَا بِهِ يُسْتَعَانُ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّعْبَةِ تَشْبِيهًا لَهَا بِقُوَّةِ الْجِسْمِ الَّتِي تُخَوِّلُ صَاحِبَهَا حَمْلَ الْأَثْقَالِ وَنَحْوِهَا قَالَ تَعَالَى وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الْأَنْفَال: ٦٠] . وَالْجَمْعُ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ. قِيلَ: كَانَ أَشْيَاعُ قَارُونَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رُؤَسَاءَ جَمَاعَاتٍ. وَجُمْلَة وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ تَذْيِيلٌ لِلْكَلَامِ فَهُوَ اسْتِئْنَافٌ وَلَيْسَ عَطْفًا عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مَنْ قَبْلَهُ. وَالسُّؤَالُ الْمَنْفِيُّ السُّؤَالُ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ سُؤَالَ الْآخِرَةِ. وَالْمَعْنَى: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى السُّؤَالِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِذُنُوبِهِمْ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عِقَابِهِمْ عَلَى إِجْرَامِهِمْ فَهِيَ كِنَايَةٌ بِوَسَائِطَ. وَالْكَلَامُ تَهْدِيدٌ لِلْمُجْرِمِينَ لِيَكُونُوا بِالْحَذَرِ مِنْ أَنْ يُؤْخَذُوا بَغْتَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ بِمَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، أَيْ لَا يُسْأَلُ الْمُجْرِمُ عَنْ جُرْمِهِ قَبْلَ عِقَابِهِ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لِلنَّاسِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ بِحَدَّيِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَأَمْهَلَ الْمُجْرِمَ فَإِذَا أَخَذَهُ أَخَذَهُ بَغْتَةً وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الْأَنْعَام: ٤٤] وَقَول النبيء ﷺ «إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ الظَّالِمَ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لم يفلته» . [٧٩] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٧٩] فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يَا لَيْتَ لَنا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ [الْقَصَص: ٧٦] إِلَى آخِرِهَا مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهَا وَتَعَلَّقَ بِهَا، فَدَلَّتِ الْفَاءُ عَلَى أَنَّ خُرُوجَهُ بَيْنَ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَ مِنْ أَجْلِ

стр. 6983

أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ وَلَمْ يَتَّعِظْ بِتِلْكَ الْمَوَاعِظِ وَلَا زَمَنًا قَصِيرًا بَلْ أَعْقَبَهَا بِخُرُوجِهِ هَذِهِ الْخِرْجَةَ الْمَلِيئَةَ صَلَفًا وَازْدِهَاءً. فَالتَّقْدِيرُ: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي فَخَرَجَ، أَيْ رَفَضَ الْمَوْعِظَةَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ. وَتَعْدِيَةُ (خَرَجَ) بِحَرْفِ عَلى لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى النُّزُولِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ خُرُوجٌ مُتَعَالٍ مُتَرَفِّعٌ، وفِي زِينَتِهِ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ (خَرَجَ) . وَالزِّينَةُ: مَا بِهِ جَمَالُ الشَّيْءِ وَالتَّبَاهِي بِهِ مِنَ الثِّيَابِ وَالطِّيبِ وَالْمَرَاكِبِ وَالسِّلَاحِ وَالْخَدَمِ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ فِي سُورَةِ النُّورِ [٣١] . وَإِنَّمَا فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَلَمْ تُعْطَفْ لِأَنَّهَا تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الزِّينَةُ مِنْ أَنَّهَا مِمَّا يَتَمَنَّاهُ الرَّاغِبُونَ فِي الدُّنْيَا. وَذَلِكَ جَامِعٌ لِأَحْوَالِ الرَّفَاهِيَةِ وَعَلَى أَخْصَرِ وَجْهٍ لِأَنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا لَهُمْ أَمْيَالٌ مُخْتَلِفَةٌ وَرَغَبَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ فَكُلٌّ يَتَمَنَّى أُمْنِيَةً مِمَّا تَلَبَّسَ بِهِ قَارُونُ مِنَ الزِّينَةِ، فَحَصَلَ هَذَا الْمَعْنَى مَعَ حُصُولِ الْإِخْبَارِ عَنِ انْقِسَامِ قَوْمِهِ إِلَى مُغْتَرِّينَ بِالزَّخَارِفِ الْعَاجِلَةِ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ، وَإِلَى عُلَمَاءَ يُؤْثِرُونَ الْآجِلَ عَلَى الْعَاجِلِ، وَلَوْ عُطِفَتْ جُمْلَةُ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بِالْوَاو وبالفاء لَفَاتَتْ هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةُ الْبَلِيغَةُ فَصَارَتِ الْجُمْلَةُ إِمَّا خَبَرًا مِنْ جُمْلَةِ الْأَخْبَارِ عَنْ حَالِ قَوْمِهِ، أَوْ جُزْءَ خَبَرٍ مِنْ قِصَّتِهِ. والَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا لما قوبلوا ب الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [الْقَصَص: ٨٠] كَانَ الْمَعْنِيُّ بِهِمْ عَامَّةَ النَّاسِ وَضُعَفَاءَ الْيَقِينِ الَّذِينَ تُلْهِيهِمْ زَخَارِفُ الدُّنْيَا عَمَّا يَكُونُ فِي مَطَاوِيهَا مِنْ سُوءِ الْعَوَاقِبِ فَتَقْصُرُ بَصَائِرُهُمْ عَنِ التَّدَبُّرِ إِذَا رَأَوْا زِينَةَ الدُّنْيَا فَيَتَلَهَّفُونَ عَلَيْهَا وَلَا يَتَمَنَّوْنَ غَيْرَ حُصُولِهَا فَهَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ إِلَّا أَنَّ إِيمَانَهُمْ ضَعِيفٌ فَلِذَلِكَ عَظُمَ فِي عُيُونِهِمْ مَا عَلَيْهِ قَارُونُ مِنَ الْبَذَخِ فَقَالُوا إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ أَيْ إنَّهُ لَذُو بَخْتٍ وَسَعَادَةٍ. وَأَصْلُ الْحَظِّ: الْقِسْمُ الَّذِي يُعْطَاهُ الْمَقْسُومُ لَهُ عِنْدَ الْعَطَاءِ، وَأُرِيدَ بِهِ هُنَا مَا قُسِمَ لَهُ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا. وَالتَّوْكِيدُ فِي قَوْلِهِ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ كِنَايَةٌ عَنِ التَّعَجُّبِ حَتَّى كَأَنَّ السَّامِعَ يُنْكِرُ حَظَّهُ فَيُؤَكِّدُهُ الْمُتَكَلِّمُ

стр. 6984

[٨٠] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٨٠] وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً. عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا [الْقَصَص: ٧٩] فَهِيَ مُشَارِكَةٌ لَهَا فِي مَعْنَاهَا لِأَنَّ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ خِرْجَةُ قَارُونَ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مَلَامِحُهُ مِنْ فِتْنَةٍ بِبَهْرَجَتِهِ وَبِزَّتِهِ دَالَّةٌ عَلَى قِلَّةِ اعْتِدَادِهِ بِثَوَابِ اللَّهِ وَعَلَى تَمَحُّضِهِ لِلْإِقْبَالِ عَلَى لَذَائِذِ الدُّنْيَا وَمَفَاخِرِهَا الْبَاطِلَةِ فَفِي كَلَامِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ تَنْبِيهٌ عَلَى ذَلِكَ وَإِزَالَةٌ لِمَا تَسْتَجْلِبُهُ حَالَةُ قَارُونَ مِنْ نُفُوسِ الْمُبْتَلِينَ بِزَخَارِفِ الدُّنْيَا. وَ (وَيْلٌ) اسْمٌ لِلْهَلَاكِ وَسُوءِ الْحَالِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٧٩] . وَيُسْتَعْمَلُ لَفْظُ (وَيْلٌ) فِي التَّعَجُّبِ الْمَشُوبِ بِالزَّجْرِ، فَلَيْسَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَاعِينَ بِالْوَيْلِ عَلَى الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ لِمَقَامِ الْمَوْعِظَةِ لِينُ الْخِطَابِ لِيَكُونَ أَعْوَنَ عَلَى الِاتِّعَاظِ، وَلَكِنَّهُمْ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ تَعَلُّقِ نُفُوسِ أُولَئِكَ بِزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاغْتِبَاطِهِمْ بِحَالِ قَارُونَ دُونَ اهْتِمَامٍ بِثَوَابِ اللَّهِ الَّذِي يَسْتَطِيعُونَ تَحْصِيلَهُ بِالْإِقْبَالِ عَلَى الْعَمَلِ بِالدِّينِ وَالْعَمَلِ النَّافِعِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ قَارُونَ غَيْرُ مُتَخَلِّقٍ بِالْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ. وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِيَتَمَكَّنَ الْخَبَرُ فِي ذِهْنِ السَّامِعِينَ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الثَّوَابِ الْمُضَافِ إِلَى أَوْسَعِ الْكُرَمَاءِ كَرَمًا مِمَّا تَسْتَشْرِفُ إِلَيْهِ النَّفْسُ. وَعَدَلَ عَنِ الْإِضْمَارِ إِلَى الْمَوْصُولِيَّةِ فِي قَوْلِهِ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً دُونَ: خَيْرٌ لَكُمْ، لِمَا فِي الْإِظْهَارِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ ثَوَابَ اللَّهِ إِنَّمَا يَنَالُهُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ وَأَنَّهُ عَلَى حَسَبِ صِحَّةِ الْإِيمَانِ وَوَفْرَةِ الْعَمَلِ، مَعَ مَا فِي الْمَوْصُولِ مِنَ الشُّمُولِ لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَذَلِكَ وَلِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ الْمَقَامَ. وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ. يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ فَهِيَ مِنْ كَلَامِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، أَمَرُوا الَّذِينَ فَتَنَهُمْ حَالُ قَارُونَ بِأَنْ يَصْبِرُوا عَلَى حِرْمَانِهِمْ مِمَّا فِيهِ قَارُونُ.

стр. 6985

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةً وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً مِنْ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَّمَ بِهَا عِبَادَهُ فَضِيلَةَ الصَّبْرِ. وَضَمِيرُ يُلَقَّاها عَائِدٌ إِلَى مَفْهُومٍ مِنَ الْكَلَامِ يَجْرِي عَلَى التَّأْنِيثِ، أَيِ الْخَصْلَةَ وَهِيَ ثَوَابُ اللَّهِ أَوِ السِّيرَةُ الْقَوِيمَةُ، وَهِيَ سِيرَةُ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. وَالتَّلْقِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ لَاقِيًا، أَيْ مُجْتَمِعًا مَعَ شَيْءٍ آخَرَ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ [٧٥] . وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِعْطَاءِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِعَارَةِ، أَيْ لَا يُعْطِي تِلْكَ الْخَصْلَةَ أَوِ السِّيرَةَ إِلَّا الصَّابِرُونَ لِأَنَّ الصَّبْرَ وَسِيلَةٌ لِنَوَالِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ لِاحْتِيَاجِ السَّعْيِ لَهَا إِلَى تَجَلُّدٍ لِمَا يَعْرِضُ فِي خِلَالِهِ مِنْ مَصَاعِبَ وَعَقَبَاتٍ كَأْدَاءٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَرْءُ مُتَخَلِّقًا بِالصَّبْرِ خَارَتْ عَزِيمَتُهُ فَتَرَكَ ذَاك لذاك. [٨١] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٨١] فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) دَلَّتِ الْفَاءُ عَلَى تعقيب سَاعَة خُرُوج قَارُونَ فِي ازْدِهَائِهِ وَمَا جَرَى فِيهَا مِنْ تَمَنِّي قَوْمٍ أَنْ يَكُونُوا مَثْلَهُ، وَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ علماؤهم من غفلتهم عَنِ التَّنَافُسِ فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ بِتَعْجِيلِ عِقَابِهِ فِي الدُّنْيَا بِمَرْأًى مِنَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا أَنْ يَكُونُوا مَثْلَهُ. وَالْخَسْفُ: انْقِلَابُ بَعْضِ ظَاهِرِ الْأَرْضِ إِلَى بَاطِنِهَا، وَعَكْسُهُ. يُقَالُ: خَسَفَتِ الْأَرْضُ وَخَسَفَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَانْخَسَفَتْ، فَهُوَ يُسْتَعْمَلُ قَاصِرًا وَمُتَعَدِّيًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْخَسْفُ بِقُوَّةِ الزِّلْزَالِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَذَلِكَ عَلَى التَّشْبِيهِ. وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ فَخَسَفْنا بِهِ بَاءُ الْمُصَاحِبَةِ، أَيْ خَسَفْنَا الْأَرْضَ مُصَاحِبَةً لَهُ وَلِدَارِهِ، فَهُوَ وَدَارُهُ مَخْسُوفَانِ مَعَ الْأَرْضِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ [٤٥] . وَهَذَا الْخَسْفُ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ غَيْرَ قَارُونَ وَمَنْ ظَاهَرَهُ، وَهُمَا رَجُلَانِ مِنْ سِبْطِ (رُوبِينَ) وَغَيْرَ دَارِ قَارُونَ، فَهُوَ مُعْجِزَةٌ لِمُوسَى ﵇.

стр. 6986

جَاءَ فِي الْإِصْحَاحِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ سِفْرِ الْعَدَدِ أَنَّ قُورَحَ (وَهُوَ قَارُونُ) وَمَنْ مَعَهُ لَمَّا آذَوْا مُوسَى كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَكَّرَهُمْ مُوسَى بِأَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُمْ مَزِيَّةَ خِدْمَةِ خَيْمَتِهِ وَلَكِنَّهُ أَعْطَى الْكِهَانَةَ بَنِي هَارُونَ وَلَمْ تُجْدِ فِيهِمُ الْمَوْعِظَةُ غَضِبَ مُوسَى عَلَيْهِمْ وَدَعَا عَلَيْهِمْ ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ بِأَنْ يَبْتَعِدُوا مِنْ حَوَالَيْ دَارِ قُورَحَ (قَارُونَ) وَخِيَامِ جَمَاعَتِهِ. وَقَالَ مُوسَى: إِنْ مَاتَ هَؤُلَاءِ كَمَوْتِ عَامَّةِ النَّاسِ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلْنِي إِلَيْكُمْ وَإِنِ ابْتَدَعَ اللَّهُ بِدْعَةً فَفَتَحَتِ الْأَرْضُ فَاهَا وَابْتَلَعَتْهُمْ وَكُلَّ مَالَهُمْ فَهَبَطُوا أَحْيَاءً إِلَى الْهَاوِيَةِ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدِ ازْدَرَوْا بِالرَّبِّ. فَلَمَّا فَرَغَ مُوسَى مِنْ كَلَامِهِ انْشَقَّتِ الْأَرْضُ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا وَابْتَلَعَتْهُمْ وَبُيُوتَهُمْ وَكُلَّ مَا كَانَ لَقُورَحَ مَعَ كُلِّ أَمْوَالِهِ وَخَرَجَتْ نَارٌ مِنَ الْأَرْضِ أَهْلَكَتِ الْمِائَتَيْنِ وَالْخَمْسِينَ رَجُلًا. وَقَدْ كَانَ قَارُونُ مُعْتَزًّا عَلَى مُوسَى بِالطَّائِفَةِ الَّتِي كَانَتْ شَايَعَتْهُ عَلَى مُوسَى وَهُمْ كَثِيرٌ مِنْ رُؤَسَاءِ جَمَاعَةِ اللَّاوِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَعَدَّهُمْ لِلنَّصْرِ عَلَى مُوسَى رَسُولِ اللَّهِ فَخُسِفَ بِهِمْ مَعَهُ وَهُوَ يَرَاهُمْ، وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ كَمَا كَانَ يَحْسَبُ. يُقَالُ: انْتَصَرَ فُلَانٌ، إِذَا حَصَلَ لَهُ النَّصْرُ، أَيْ فَمَا نَصَرَهُ أَنْصَارُهُ وَلَا حَصَلَ لَهُ النَّصْر بِنَفسِهِ. [٨٢] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٨٢] وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢) أَصْبَحَ هُنَا بِمَعْنَى صَارَ. وَ (الْأَمْسُ) مُسْتَعْمَلٌ فِي مُطْلَقِ زَمَنٍ مَضَى قَرِيبًا عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ. وَ (مَكَانُ) مُسْتَعْمَلٌ مَجَازًا فِي الْحَالَةِ الْمُسْتَقِرِّ فِيهَا صَاحِبُهَا، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الْحَالَةِ أَيْضًا بِالْمَنْزِلَةِ. وَمَعْنَى يَقُولُونَ أَنَّهُمْ يَجْهَرُونَ بِذَلِكَ نَدَامَةً عَلَى مَا تَمَنَّوْهُ وَرُجُوعًا إِلَى التَّفْوِيضِ لِحِكْمَةِ اللَّهِ فِيمَا يَخْتَارُهُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. وَحُكِيَ مَضْمُونُ مَقَالَاتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ الْآيَةَ.

стр. 6987

وَكَلِمَةُ وَيْكَأَنَّ عِنْدَ الْأَخْفَشِ وَقُطْرُبٍ مركبة من ثَلَاث كَلِمَاتٍ: (وَيْ) وَكَافُ الْخِطَابِ وَ (أَنَّ) . فَأَمَّا (وَيْ) فَهِيَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى: أَعْجَبُ، وَأَمَّا الْكَافُ فَهِيَ لِتَوْجِيهِ الْخِطَابِ تَنْبِيهًا عَلَيْهِ مِثْلَ الْكَافِ اللَّاحِقَةِ لِأَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ، وَأَمَّا (أَنَّ) فَهِيَ (أَنَّ) الْمَفْتُوحَةُ الْهَمْزَةِ أُخْتُ (إِنَّ) الْمَكْسُورَةِ الْهَمْزَةِ فَمَا بَعْدَهَا فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ هُوَ الْمُتَعَجَّبُ مِنْهُ فَيُقَدَّرُ لَهَا حَرْفُ جَرٍّ مُلْتَزَمٌ حَذْفُهُ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ وَكَانَ حَذْفُهُ مَعَ (أَنَّ) جَائِزًا فَصَارَ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ وَاجِبًا وَهَذَا الْحَرْفُ هُوَ اللَّامُ أَوْ (مِنْ) فَالتَّقْدِيرُ: أَعْجَبُ يَا هَذَا مِنْ بَسْطِ اللَّهِ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ. وَكُلُّ كَلِمَةٍ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثِ تُسْتَعْمَلُ بِدُونِ الْأُخْرَى فَيُقَالُ: وَيْ بِمَعْنَى أَعْجَبُ، وَيُقَالُ (وَيْكَ) بِمَعْنَاهُ أَيْضًا قَالَ عَنْتَرَةُ: وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأَبْرَأَ سُقْمَهَا ... قِيلُ الْفَوَارِسُ وَيْكَ عَنْتَرُ أَقْدِمِ وَيُقَالُ: وَيْكَأَنَّ، كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَوْ نَبِيهِ بْنِ الْحَجَّاجِ السَّهْمِيِّ: وَيْكَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ... بَبْ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ فَخَفَّفَ (أَنَّ) وَكَتَبُوهَا مُتَّصِلَةً لِأَنَّهَا جَرَتْ عَلَى الْأَلْسُنِ كَذَلِكَ فِي كَثِيرِ الْكَلَامِ فَلَمْ يَتَحَقَّقُوا أَصْلَ تَرْكِيبِهَا وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تُكْتَبَ (وَيْكَ) مَفْصُولَةً عَنْ (أَنْ) وَقَدْ وَجَدُوهَا مَكْتُوبَةً مَفْصُولَةً فِي بَيْتِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. وَذَهَبَ الْخَلِيلُ وَيُونُسُ وَسِيبَوَيْهِ وَالْجَوْهَرِيُّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ إِلَى أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ (وَيْ) وَ (كَأَنَّ) الَّتِي لِلتَّشْبِيهِ. وَالْمَعْنَى: التَّعَجُّبُ مِنَ الْأَمْرِ وَأَنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كَذَا وَالتَّشْبِيهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الظَّنِّ وَالْيَقِينِ. وَالْمَعْنَى: أَمَا تَعْجَبُ كَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ. وَذَهَبَ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الْعَلَاءِ وَالْكِسَائِيُّ وَاللَّيْثُ وَثَعْلَبُ وَنَسَبَهُ فِي «الْكَشَّافِ» إِلَى الْكُوفِيِّينَ (وَأَبُو عَمْرٍو بَصَرِيٌّ) أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ كَلِمَةِ (وَيْلٌ) وَكَافِ الْخِطَابِ وَفِعْلُ (اعْلَمْ) وَ (أَنَّ) . وَأَصْلُهُ: وَيْلَكَ اعْلَمْ أَنَّهُ كَذَا، فَحَذَفَ لَامَ الْوَيْلِ وَحَذَفَ فِعْلَ (اعْلَمْ) فَصَارَ (وَيْكَأَنَّهُ) . وَكِتَابَتُهَا مُتَّصِلَةٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُتَعَيِّنَةٌ لِأَنَّهَا صَارَتْ رَمْزًا لِمَجْمُوعِ كَلِمَاتِهِ فَكَانَتْ مِثْلَ النَّحْتِ.

стр. 6988

وَلِاخْتِلَافِ هَذِهِ التَّقَادِيرِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْفِ فَالْجُمْهُورُ يَقِفُونَ عَلَى وَيْكَأَنَّهُ بِتَمَامِهِ وَالْبَعْضُ يَقِفُ عَلَى (وَيْ) وَالْبَعْضُ يَقِفُ عَلَى (وَيْكَ) . وَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ مَنْزِلَةَ قَارُونَ نَدِمُوا عَلَى تَمَنِّيهِمْ لَمَّا رَأَوْا سُوءَ عَاقِبَتِهِ وَامْتَلَكَهُمُ الْعَجَبُ مِنْ تِلْكَ الْقِصَّةِ وَمِنْ خَفِيِّ تَصَرُّفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ وَعَلِمُوا وُجُوبَ الرِّضَى بِمَا قَدَّرَ لِلنَّاسِ مِنَ الرِّزْقِ فَخَاطَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِذَلِكَ وَأَعْلَنُوهُ. وَالْبَسْطُ: مُسْتَعْمَلٌ مَجَازًا فِي السَّعَةِ وَالْكَثْرَةِ. ويَقْدِرُ مُضَارِعُ قَدَرَ الْمُتَعَدِّي، وَهُوَ بِمَعْنَى: أَعْدَى بِمِقْدَارٍ، وَهُوَ مَجَازٌ فِي الْقِلَّةِ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ يَسْتَلْزِمُ قِلَّةَ الْمُقَدَّرِ لِعُسْرِ تَقْدِيرِ الشَّيْءِ الْكَثِيرِ قَالَ تَعَالَى وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتاها [الطَّلَاق: ٧] . وَفَائِدَةُ الْبَيَانِ بِقَوْلِهِ مِنْ عِبادِهِ الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّهُ فِي بَسْطَةِ الْأَرْزَاقِ وَقَدْرِهَا مُتَصَرِّفٌ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ إِذِ الْمَبْسُوطُ لَهُمْ وَالْمَقْدُورُ عَلَيْهِمْ كُلُّهُمْ عَبِيدُهُ فَحَقُّهُمُ الرِّضَى بِمَا قَسَمَ لَهُمْ مَوْلَاهُمْ. وَمَعْنَى لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا: لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا فَحَفِظَنَا مِنْ رِزْقٍ كَرِزْقِ قَارُونَ لَخَسَفَ بِنَا، أَيْ لَكُنَّا طَغَيْنَا مِثْلَ طُغْيَانِ قَارُونَ فَخَسَفَ بِنَا كَمَا خَسَفَ بِهِ، أَوْ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِأَنْ لَمْ نَكُنْ مِنْ شِيعَةِ قَارُونَ لَخَسَفَ بِنَا كَمَا خَسَفَ بِهِ وَبِصَاحِبَيْهِ، أَوْ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِثَبَاتِ الْإِيمَانِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ لَخَسَفَ بِنا عَلَى بِنَاءِ فِعْلِ «خُسِفَ» لِلْمَجْهُولِ لِلْعِلْمِ بِالْفَاعِلِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا. وَقَرَأَهُ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالسِّينِ، أَيْ لَخَسَفَ اللَّهُ الْأَرْضَ بِنَا. وَجُمْلَةُ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ تَكْرِير للتعجيب، أَيْ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ سَبَبَ هَلَاكِ قَارُونَ هُوَ كُفْرُهُ برَسُول الله.

стр. 6989

[سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٨٣] تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) انتهب قِصَّةُ قَارُونَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، فَأُعْقِبَتْ بِاسْتِئْنَافِ كَلَامٍ عَنِ الْجَزَاءِ عَلَى الْخَيْرِ وَضِدِّهِ فِي الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ وَأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِلَّذِينَ حَالُهُمْ بِضِدِّ حَالِ قَارُونَ، مَعَ مُنَاسَبَةِ ذِكْرِ الْجَنَّةِ بِعُنْوَانِ الدَّارِ لِذِكْرِ الْخَسْفِ بِدَارِ قَارُونَ لِلْمُقَابَلَةِ بَيْنَ دَارٍ زَائِلَةٍ وَدَارٍ خَالِدَةٍ. وَابْتُدِئَ الْكَلَامُ بِابْتِدَاءٍ مُشَوِّقٍ وَهُوَ اسْمُ الْإِشَارَةِ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ مِنْ قَبْلُ لِيَسْتَشْرِفَ السَّامِعُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فَيَعْقُبَهُ بَيَانُهُ بِالِاسْمِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ الْوَاقِعِ بَيَانًا أَوْ بَدَلًا مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ كَمَا فِي قَول عُبَيْدَة بْنِ الْأَبْرَصِ: تِلْكَ عِرْسِي غَضْبَى تُرِيدُ زِيَالِي ... أَلِبَيْنٍ تُرِيدُ أَمْ لِدَلَالِ.. الْأَبْيَاتِ. وَجُمْلَةُ نَجْعَلُها هُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَكَافُ الْخِطَابِ الَّذِي فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ مُخَاطَبٌ مُعَيَّنٌ مُوَجَّهٌ إِلَى كُلِّ سَامِعٍ مِنْ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ وَالْمَقْصُودُ تَبْلِيغُهُ إِلَى الْأُمَّةِ شَأْنَ جَمِيعِ آيِ الْقُرْآنِ. والدَّارُ: مَحَلُّ السُّكْنَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي الْأَنْعَامِ [١٢٧] . وَأَمَّا إِطْلَاقُ الدَّارِ عَلَى جَهَنَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ [إِبْرَاهِيم: ٢٨] فَهُوَ تَهَكُّمٌ كَقَوْلِ أَبِي الْغُولِ الطُّهَوِيِّ: وَلَا يَرْعَوْنَ أَكْنَافَ الْهُوَيْنَا ... إِذَا نَزَلُوا وَلَا رَوْضَ الْهُدُونِ فَاسْتِعْمَالُ الرَّوْضِ لِلْهُدُونِ تَهَكُّمٌ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَعْرِيضٍ. والْآخِرَةُ: مُرَادٌ بِهِ الدَّائِمَةُ، أَيِ الَّتِي لَا دَارَ بَعْدَهَا، فَاللَّفْظُ مُسْتَعْمَلٌ فِي صَرِيحِ مَعْنَاهُ وَكِنَايَتِهِ. وَمَعْنَى جَعْلِهَا لَهُمْ أَنَّهَا مُحْضَرَةٌ لِأَجْلِهِمْ لَيْسَ لَهُمْ غَيْرُهَا. وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُمْ فَلَهُمْ أَحْوَالٌ ذَاتُ مَرَاتِبَ أَفْصَحَتْ عَنْهَا آيَاتٌ أُخْرَى وَأَخْبَارٌ نَبَوِيَّةٌ فَإِنَّ أَحْكَامَ الدِّينِ لَا يُقْتَصَرُ فِي اسْتِنْبَاطِهَا عَلَى لَوْكِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.

стр. 6990

وَعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ: ذَهَبَتِ الْأَمَانِيُّ هَاهُنَا، أَيْ أَمَانِيُّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ نَاجُونَ مِنَ الْعِقَابِ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُرْجِئَةِ قَالَ قَائِلُهُمْ: كُنْ مُسْلِمًا وَمِنَ الذُّنُوبِ فَلَا تَخَفْ ... حَاشَا الْمُهَيْمِنَ أَنْ يُرِي تَنْكِيدَا لَوْ شَاءَ أَنْ يُصْلِيَكَ نَارَ جَهَنَّمٍ ... مَا كَانَ أَلْهَمَ قَلْبَكَ التَّوْحِيدَا وَمَعْنَى لَا يُرِيدُونَ كِنَايَةٌ عَنْ: لَا يَفْعَلُونَ، لِأَنَّ مَنْ لَا يُرِيدُ الْفِعْلَ لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا مُكْرَهًا. وَهَذَا مِنْ بَابِ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ [٥] . وَالْعُلُوُّ: التَّكَبُّرُ عَنِ الْحَقِّ وَعَلَى الْخَلْقِ، وَالطُّغْيَانُ فِي الْأَعْمَالِ، وَالْفَسَادُ: ضِدُّ الصَّلَاحِ، وَهُوَ كُلُّ فِعْلٍ مَذْمُومٍ فِي الشَّرِيعَةِ أَوْ لَدَى أَهْلِ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ. وَقَوْلُهُ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ تَذْيِيلٌ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةِ تِلْكَ الدَّارُ وَبِهِ صَارَتْ جُمْلَةُ تِلْكَ الدَّارُ كُلُّهَا تَذْيِيلًا لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ إِثْبَاتِ الْحُكَمِ لِلْعَامِّ بِالْمَوْصُولِ مِنْ قَوْلِهِ لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَالْمُعَرَّفِ بِلَامِ الِاسْتِغْرَاقِ. والْعاقِبَةُ: وَصْفٌ عُومِلَ مُعَامَلَةَ الْأَسْمَاءِ لِكَثْرَةِ الْوَصْفِ بِهِ وَهِيَ الْحَالَةُ الْآخِرَةُ بَعْدَ حَالَةٍ سَابِقَةٍ وَغَلَبَ إِطْلَاقُهَا عَلَى عَاقِبَةِ الْخَيْرِ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ فِي أول الْأَنْعَام [١١] . [٨٤] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٨٤] مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) تَتَنَزَّلُ جُمْلَةُ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ مَنْزِلَةَ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ لِجُمْلَةِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الْقَصَص: ٨٣] لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ ذَاتُ أَحْوَالٍ مِنَ الْخَيْرِ وَدَرَجَاتٍ مِنَ النَّعِيمِ وَهِيَ عَلَى حَسَبِ مَا يَجِيءُ بِهِ الْمُتَّقُونَ من الْحَسَنَات فتفاوت دَرَجَاتُهُمْ بِتَفَاوُتِهَا. وَفِي اخْتِيَارِ فِعْلِ جاءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ هُنَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ حَضَرَ بِالْحَسَنَةِ

стр. 6991

وَمَنْ حَضَرَ بِالسَّيِّئَةِ يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَى الْحِسَابِ. فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِخَاتِمَةِ الْأَمْرِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُوَافَاةِ. وَأَمَّا اخْتِيَارُ فِعْلِ عَمِلُوا فِي قَوْلِهِ الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ فَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ عَمَلَهُمْ هُوَ عِلَّةُ جَزَائِهِمْ زِيَادَةً فِي التَّنْبِيهِ عَلَى عَدْلِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَعْنَى فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أَنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ تَحْتَوِي عَلَى خَيْرٍ لَا مَحَالَةَ يَصِلُ إِلَى نَفْسِ الْمُحْسِنِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ فَلِلْجَائِي بِالْحَسَنَةِ خَيْرٌ أَفْضَلُ مِمَّا فِي حَسَنَتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، أَوْ فَلَهُ مِنَ اللَّهِ إِحْسَانٌ عَلَيْهَا خَيْرٌ مِنَ الْإِحْسَانِ الَّذِي فِي الْحَسَنَةِ قَالَ تَعَالَى فِي آيَاتٍ أُخْرَى فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الْأَنْعَام: ١٦٠] أَيْ فَلَهُ مِنَ الْجَزَاءِ حَسَنَاتٌ أَمْثَالُهَا وَهُوَ تَقْدِيرٌ يَعْلَمُهُ اللَّهُ. وَلَمَّا ذُكِرَ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ أُعْقِبَ بِضِدِّ ذَلِك مَعَ مُقَابَلَةُ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُحْسِنِ بِعَدْلِهِ مَعَ الْمُسِيءِ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ مِنْ قَرْنِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ. ومَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ مَا صَدَقُهُ الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ، والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ الثَّانِي هُوَ عَيْنُ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ الْإِضْمَارِ بِأَنْ يُقَالَ: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَوْنَ إِلَخْ وَلَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ لِأَنَّ فِي التَّصْرِيحِ بِوَصْفِهِمْ بِ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ تَكْرِيرًا لِإِسْنَادِ عَمَلِ السَّيِّئَاتِ إِلَيْهِمْ لِقَصْدِ تَهْجِينِ هَذَا الْعَمَلِ الذَّمِيمِ وَتَبْغِيضِ السَّيِّئَةِ إِلَى قُلُوبِ السَّامِعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَفِي قَوْلِهِ إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ عَنْ فِعْلِ يُجْزَى الْمَنْفِيِّ الْمُفِيدِ بِالنَّفْيِ عُمُومَ أَنْوَاعِ الْجَزَاءِ، وَالْمُسْتَثْنَى تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أَيْ جَزَاءُ شَبَهِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَهُ. وَالْمُرَادُ الْمُشَابَهَةُ وَالْمُمَاثَلَةُ فِي عُرْفِ الدِّينِ، أَيْ جَزَاءً وِفَاقًا لِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَجَارِيًا عَلَى مِقْدَارِهِ لَا حَيْفَ فِيهِ وَذَلِكَ مَوْكُولٌ إِلَى الْعلم الإلهي. [٨٥] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٨٥] إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) ابْتِدَاءُ كَلَامٍ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَتَثْبِيتِ فُؤَادِهِ وَوَعْدِهِ بِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّ إِنْكَارَ أَهْلِ الضَّلَالِ رِسَالَتَهُ لَا يَضِيرُهُ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِأَنَّهُ عَلَى

стр. 6992

هُدًى وَأَنَّهُمْ عَلَى ضَلَالٍ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ لِذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ رِسَالَةِ مُوسَى ﵇ مَا فِيهِ عِبْرَةٌ بِالْمُقَارَنَةِ بَيْنَ حَالَيِ الرَّسُولَيْنِ وَمَا لَقِيَاهُ مِنَ الْمُعْرِضِينِ. وَافْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ. وَجِيءَ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ اسْمٌ مَوْصُولٌ دُونَ اسْمِهِ تَعَالَى الْعَلَمِ لِمَا فِي الصِّلَةِ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى وَجْهِ بِنَاءِ الْخَبَرِ. وَأَنَّهُ خَبَرُ الْكَرَامَةِ وَالتَّأْيِيدِ أَيْ أَنَّ الَّذِي أَعْطَاكَ الْقُرْآنَ مَا كَانَ إِلَّا مُقَدِّرًا نَصْرَكَ وَكَرَامَتَكَ لِأَنَّ إِعْطَاءَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَا نَظِيرَ لَهُ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ عِنَايَةِ اللَّهِ بِالْمُعْطَى. قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: مَهْلًا هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ الْ ... قُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَعْظِيمِ شَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ . وَمَعْنَى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ اخْتَارَهُ لَكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: فَرَضَ لَهُ كَذَا، إِذَا عَيَّنَ لَهُ فَرْضًا، أَيْ نَصِيبًا. وَلَمَّا ضُمِّنَ فَرَضَ مَعْنَى (أَنْزَلَ) لِأَنَّ فَرْضَ الْقُرْآنِ هُوَ إِنْزَالُهُ، عُدِّيَ فَرَضَ بِحَرْفِ (عَلَى) . وَالرَّدُّ: إِرْجَاعُ شَيْءٍ إِلَى حَالِهِ أَوْ مَكَانِهِ. وَالْمَعَادُ: اسْمُ مَكَانِ الْعَوْدِ، أَيِ الْأَوْلِ كَمَا يَقْتَضِيهُ حَرْفُ الِانْتِهَاءِ. وَالتَّنْكِيرُ فِي مَعادٍ لِلتَّعْظِيمِ كَمَا يَقْتَضِيهُ مَقَامُ الْوَعْدِ وَالْبِشَارَةِ، وَمَوْقِعُهُمَا بَعْدَ قَوْلِهِ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها (١) [الْقَصَص: ٨٤] ، أَيْ إِلَى مَعَادٍ أَيِّ مَعَادٍ. وَالْمَعَادُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى آخِرِ أَحْوَالِ الشَّيْءِ وَقَرَارِهِ الَّذِي لَا انْتِقَالَ مِنْهُ تَشْبِيهًا بِالْمَكَانِ الْعَائِدِ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ صَدَرَ مِنْهُ أَوْ كِنَايَةً عَنِ الْأَخَارَةِ فَيَكُونُ مُرَادًا بِهِ الْحَيَاةُ الْآخِرَةُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَدِ اشْتَهَرَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بِالْمَعَادِ لِأَنَّهُ مَعَادُ الْكُلِّ اه. أَيْ فَأَبْشِرْ بِمَا تَلْقَى فِي مَعَادِكَ مِنَ الْكَرَامَةِ الَّتِي لَا تُعَادِلُهَا كَرَامَةٌ وَالَّتِي لَا تُعْطَى لِأَحَدٍ غَيْرِكَ. فَتَنْكِيرُ مَعادٍ أَفَادَ أَنَّهُ عَظِيمُ الشَّأْنِ، وَتَرَتُّبُهُ عَلَى الصِّلَةِ أَفَادَ أَنَّهُ لَا يُعْطَى لِغَيْرِهِ مِثْلُهُ كَمَا أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُفْرَضْ عَلَى أَحَدٍ مِثْلِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَعَادِ مَعْنَاهُ الْمَشْهُودُ الْقَرِيبُ مِنَ الْحَقِيقَةِ. وَهُوَ مَا يَعُودُ إِلَيْهِ الْمَرْءُ إِنْ غَابَ عَنْهُ، فيراد بِهِ هُنَا بَلَدُهُ الَّذِي كَانَ بِهِ وَهُوَ مَكَّةُ. وَهَذَا الْوَجْهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ خُرُوجِهِ مِنْهُ ثُمَّ عَوْدِهِ إِلَيْهِ لِأَنَّ الرَّدَّ يَسْتَلْزِمُ الْمُفَارَقَةَ. وَإِذْ قَدْ كَانَتِ السُّورَةُ

стр. 6993

مَكِّيَّةً وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَكَّةَ فَالْوَعْدُ بِالرَّدِّ كِنَايَةٌ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيءُ ﷺ أُرِيَ فِي النَّوْمِ أَنَّهُ يُهَاجِرُ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ، وَكَانَ قَالَ لَهُ وَرَقَةُ ابْن نَوْفَلَ: يَا لَيْتَنِي أَكُونُ مَعَكَ إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، فَمَا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لِيَغِيبَ عَنْ عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْجُحْفَةِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْهِجْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ فَوُعِدَ بِالرَّدِّ عَلَيْهَا وَهُوَ دُخُولُهُ إِلَيْهَا فَاتِحًا لَهَا وَمُتَمَكِّنًا مِنْهَا. فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِيرُ الْمَعَادِ بِذَلِكَ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْمُقَدِّمَةِ التَّاسِعَةِ. ثُمَّ تَكُونُ جُمْلَةُ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِمَنْزِلَةِ التَّفْرِيعِ عَلَى جُمْلَةِ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ، أَيْ رَادُّكَ إِلَى يَوْمِ الْمَعَادِ فَمُظْهِرٌ الْمُهْتَدِيَ وَالضَّالِّينَ، فَيَكُونُ عِلْمُ اللَّهِ بِالْمُهْتَدِي وَالضَّالِّ مُكَنًّى بِهِ عَنِ اتِّضَاحِ الْأَمْرِ بِلَا رَيْبٍ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَعْتَرِيهِ تَلْبِيسٌ وَتَكُونُ هَذِهِ الْكِنَايَةُ تَعْرِيضًا بِالْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمُ الضَّالُّونَ. وَأَنَّ النَّبِيءَ ﷺ هُوَ الْمُهْتَدِي. وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ عَبَّرَ عَنْ جَانِبِ الْمُهْتَدِي بِفِعْلِ مَنْ جاءَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْمُهْتَدِيَ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهَدْيٍ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا مِنْ قَبْلُ كَمَا يَقْتَضِيهِ: جَاءَ بِكَذَا. وَعَبَّرَ عَنْ جَانِبِ الضَّالِّينَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ ثَبَاتَ الضَّلَالِ الْمُشْعِرِ بِأَنَّ الضَّلَالَ هُوَ أَمْرُهُمُ الْقَدِيمُ الرَّاسِخُ فِيهِمْ مَعَ مَا أَفَادَهُ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ مِنِ انْغِمَاسِهِمْ فِي الضَّلَالِ وَإِحَاطَتِهِ بِهِمْ. وَيَكُونُ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤] لِظُهُورِ أَنَّ الْمُبَلِّغَ لِهَذَا الْكَلَامِ لَا يُفْرَضُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الشِّقَّ الضَّالَّ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الضَّالَّ مَنْ خَالَفَهُ. وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَجْهِ الثَّانِي تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُوَادَعَةِ وَالْمُتَارَكَةِ وَقَطْعِ الْمُجَادَلَةِ. فَالْمَعْنَى: عُدْ عَنْ إِثْبَاتِ هُدَاكَ وَضَلَالِهِمْ وَكِلْهُمْ إِلَى يَوْمِ رَدِّكَ إِلَى مَعَادِكَ يَوْمِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ اللَّهَ نَصَرَكَ وَخَذَلَهُمْ. وَعَلَى الْمَعْنَيَيْنِ فَجُمْلَةُ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا عَنْ جُمْلَةِ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ جَوَابًا لِسُؤَالِ سَائِلٍ يُثِيرُهُ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ.

стр. 6994

وَفِي تَقْدِيمِ جُمْلَةِ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ عَلَى جُمْلَةِ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى إِعْدَادٌ لِصَلَاحِيَةِ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ لِلْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورِينَ. فَهَذَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى مَعَانِي الْكَلَامِ بِمَوَاقِعِهِ وَتَرْتِيبِ نِظَامِهِ وَتَقْدِيمِ الْجُمَلِ عَنْ مَوَاضِعِ تَأْخِيرِهَا لِتَوْفِيرِ الْمَعَانِي. [٨٦، ٨٧] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : الْآيَات ٨٦ الى ٨٧] وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ. عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [الْقَصَص: ٨٥] إِلْخَ بِاعْتِبَارِ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْوَعْدِ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ أَوْ بِالنَّصْرِ الْمُبِينِ، أَيْ كَمَا حَمَّلَكَ تَبْلِيغَ الْقُرْآنِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَّامَةً عَلَى أَنَّهُ أَعَدَّ لَكَ الْجَزَاءَ بِالنَّصْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. كَذَلِكَ إِعْطَاؤُهُ إِيَّاكَ الْكِتَابَ عَنْ غَيْرِ تَرَقُّبٍ مِنْكَ بَلْ بِمَحْضِ رَحْمَةِ رَبِّكَ، أَيْ هُوَ كَذَلِكَ فِي أَنَّهُ عَلَامَةٌ لَكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَتْرُكُ نَصْرَكَ عَلَى أَعْدَائِكَ فَإِنَّهُ مَا اخْتَارَكَ لِذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّهُ أَعَدَّ لَكَ نَصْرًا مُبِينًا وَثَوَابًا جَزِيلًا. وَهَذَا أَيْضًا مِنْ دَلَالَةِ الْجُمْلَةِ عَلَى مَعْنًى غَيْرِ مُصَرَّحٍ بِهِ بَلْ عَلَى مَعْنًى تَعْرِيضِيٍّ بِدَلَالَةِ مَوْقِعِ الْجُمْلَةِ. وَإِلْقَاءُ الْكِتَابِ إِلَيْهِ وَحْيُهُ بِهِ إِلَيْهِ. أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الْإِلْقَاءِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ [٨٦، ٨٧] . وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يُخَامِرْ نَفْسَهُ رَجَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِهِ بَلْ كَانَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ وَاصْطِفَاءٍ لَهُ. فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ [الْقَصَص: ٨٥] وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا وَمَا تَخَلَّلَ

стр. 6995

بَيْنَهُمَا مِمَّا اقْتَضَى جَمِيعُهُ الْوَعْدَ بِنَصْرِهِ وَظُهُورِ أَمْرِهِ وَفَوْزِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنَّهُ جَاءَ مِنَ اللَّهِ إِلَى قَوْمٍ هُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَأَنَّ الَّذِي رَحِمَهُ فَآتَاهُ الْكِتَابَ عَلَى غَيْرِ تَرَقُّبٍ مِنْهُ لَا يَجْعَلُ أَمْرَهُ سُدًى فَأَعْقَبَ ذَلِكَ بِتَحْذِيرِهِ مِنْ أَدْنَى مُظَاهَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ فِعْلَ الْكَوْنِ لَمَّا وَقَعَ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ وَكَانَ سِيَاقُ النَّهْيِ مِثْلَ سِيَاقِ النَّفْيِ لِأَنَّ النَّهْيَ أَخُو النَّفْيِ فِي سَائِرِ تَصَارِيفِ الْكَلَامِ كَانَ وُقُوعُ فِعْلِ الْكَوْنِ فِي سِيَاقِهِ مُفِيدًا تَعْمِيمَ النَّهْيِ عَنْ كُلِّ كَوْنٍ مِنْ أَكْوَانِ الْمُظَاهَرَةِ لِلْمُشْرِكِينَ. وَالظَّهِيرُ: الْمُعِينُ. وَالْمُظَاهَرَةُ: الْمُعَاوَنَةُ، وَهِيَ مَرَاتِبُ أَعْلَاهَا النُّصْرَةُ وَأَدْنَاهَا الْمُصَانَعَةُ وَالتَّسَامُحُ، لِأَنَّ فِي الْمُصَانَعَةِ عَلَى الْمَرْغُوبِ إِعَانَةً لِرَاغِبِهِ. فَلَمَّا شَمِلَ النَّهْيُ جَمِيعَ أَكْوَانِ الْمُظَاهَرَةِ لَهُمُ اقْتَضَى النَّهْيُ عَنْ مُصَانَعَتِهِمْ وَالتَّسَامُحِ مَعَهُمْ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِضِدِّ الْمُظَاهَرَةِ فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنِ الْأَمْرِ بِالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ كَصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التَّوْبَة: ٧٣] . وَهَذَا الْمَعْنَى يُنَاسب كَون هَذِه الْآيَاتِ آخَرَ مَا نَزَلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَبَعْدَ مُتَارَكَتِهِ الْمُشْرِكِينَ وَمُغَادَرَتِهِ الْبَلَدَ الَّذِي يَعْمُرُونَهُ. وَقِيلَ النَّهْيُ لِلتَّهْيِيجِ لِإِثَارَةِ غَضَبِ النَّبِيءِ ﷺ عَلَيْهِمْ وَتَقْوِيَةِ دَاعِي شِدَّتِهِ مَعَهُمْ. وَوَجْهُ تَأْوِيلِ النَّهْيِ بِصَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ أَوْ عَنْ بَعْضِ ظَاهِرِهِ هُوَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ لَا يُفْرَضُ وُقُوعُهُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ حَتَّى يَنْهَى عَنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً على أَنه مؤوّل. وَتَوْجِيهُ النَّهْيِ إِلَيْهِ عَنْ أَنْ يَصُدُّوهُ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ كِنَايَةٌ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمْ مَا فِيهِ صَدٌّ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ كَمَا يَقُولُ الْعَرَبُ: لَا أَعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذَا، كَنَّوْا بِهِ عَنْ: أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ. فَيَعْرِفَ الْمُتَكَلِّمُ النَّاهِي فِعْلَهُ. وَالْمَقْصُودُ: تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الرُّكُونِ إِلَى الْكَافِرِينَ فِي شَيْء من شؤون الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ يُحَاوِلُونَ صَرْفَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦] . وَقِيلَ هُوَ لِلتَّهْيِيجِ أَيْضًا، وَتَأْوِيلُ هَذَا النَّهْيِ آكَدُ مِنْ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ فِي لَا يَصُدُّنَّكَ نَهْيَ صِرْفَةٍ كَمَا كَانَ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ

стр. 6996

فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا [الْبَقَرَة: ٢٤٣] أَمْرَ تَكْوِينٍ. فَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ قَدْ ضَمِنَ لِرَسُولِهِ صَرْفَ الْمُشْرِكِينَ عَنْ أَنْ يَصُدُّوهُ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ وَذَلِكَ إِذْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ بِأَنْ أَمَرَهُ بِالْهِجْرَةِ وَيَسَّرَهَا لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ مَعَهُ. وَالتَّقْيِيدُ بِالْبَعْدِيَّةِ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ لتعليل النَّهْي أَيَّامًا كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ، أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَصُدُّوكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أَنْزَلَهَا إِلَيْكَ فَإِنَّهُ مَا أَنْزَلَهَا إِلَيْكَ إِلَّا لِلْأَخْذِ بِهَا وَدَوَامِ تِلَاوَتِهَا، فَلَوْ فُرِضَ أَنْ يَصُدُّوكَ عَنْهَا لَذَهَبَ إِنْزَالُهَا إِلَيْكَ بُطْلًا وَعَبَثًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ [الْبَقَرَة: ٢١٣] . وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَمْرِ بِالدَّوَامِ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى إِيجَادِ الدَّعْوَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ حَاصِلٌ، أَيْ لَا يَصْرِفُكَ إِعْرَاضُ الْمُشْرِكِينَ عَنْ إِعَادَةِ دَعْوَتِهِمْ إِعْذَارًا لَهُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ مُسْتَعْمَلًا فِي الْأَكْمَلِ مِنْ أَنْوَاعِهِ، أَيْ أَنَّكَ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ أَشَدُّ تَمَكُّنًا فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ مِمَّا كُنْتَ مِنْ قَبْلُ لِأَنَّ تَشْغِيبَ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِ كَانَ يُرَنِّقُ صَفَاءَ تَفَرُّغِهِ لِلدَّعْوَةِ. وَجَمِيعُ هَذِهِ النَّوَاهِي وَالْأَوَامِرِ دَاخِلَةٌ فِي حَيِّزِ التَّفْرِيعِ بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ. أَمَّا قَوْلُهُ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَإِنْ حُمِلَتْ مِنَ فِيهِ عَلَى مَعْنَى التَّبْعِيضِ كَانَ النَّهْي مؤوّلا يُمَثِّلُ مَا أَوَّلُوا بِهِ النَّهْيَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ أَنَّهُ لِلتَّهْيِيجِ، أَوْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْمُسلمُونَ. [٨٨] [سُورَة الْقَصَص (٢٨) : آيَة ٨٨] وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) هَذَا النَّهْيُ مُوَجَّهٌ إِلَى النَّبِيءِ ﷺ فِي الظَّاهِرِ، وَالْمَقْصُودُ بِهِ إِبْطَالُ الشِّرْكِ وَإِظْهَارُ ضَلَالِ أَهْلِهِ إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِإِلَهِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا اتَّخَذُوا لَهُ شُرَكَاءَ وَشُفَعَاءَ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ انْفِرَادَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَقْضِي

стр. 6997

بِبُطْلَانِ الْإِشْرَاكِ فِي الِاعْتِقَادِ وَلَوْ أَضْعَفَ إِشْرَاكٍ، فَجُمْلَةُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ لِلنَّهْيِ الَّذِي فِي الْجُمْلَةِ قَبْلَهَا. وَجُمْلَةُ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ لِلنَّهْيِ لِأَنَّ هَلَاكَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مِنْهَا الْأَصْنَامُ وَكُلُّ مَا عُبِدَ مَعَ اللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْإِلَهِيَّةِ عَنْهَا لِأَنَّ الْإِلَهِيَّةَ تَنَافِي الْهَلَاكَ وَهُوَ الْعَدَمُ. وَالْوَجْهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الذَّاتِ. وَالْمَعْنَى: كُلُّ مَوْجُودٍ هَالِكٌ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى. وَالْهَلَاكُ: الزَّوَالُ وَالِانْعِدَامُ. وَجُمْلَةُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ تَذْيِيلٌ فَلِذَلِكَ كَانَتْ مَفْصُولَةً عَمَّا قَبْلَهَا. وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ بِاللَّامِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ، وَالْمَحْصُورُ فِيهِ هُوَ الْحُكْمُ الْأَتَمُّ، أَيِ الَّذِي لَا يَرُدُّهُ رَادٌّ. وَالرُّجُوعُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى: آخِرِ الْكَوْنِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ، لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ الِانْصِرَافُ إِلَى مَكَانٍ قَدْ فَارَقَهُ فَاسْتُعْمِلَ فِي مَصِيرِ الْخَلْقِ وَهُوَ الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ شُبِّهَ بِرُجُوعِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ الِاسْتِقْرَارُ وَالْخُلُودُ فَهُوَ مُرَادٌ مِنْهُ طُولُ الْإِقَامَةِ. وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ بِ (إِلَى) لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ نَفَوُا الرُّجُوعَ مِنْ أَصْلِهِ وَلَمْ يَقُولُوا بِالشَّرِكَةِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ تعدد هَذِه الْجُمْلَة إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالْإِلَهِيَّةِ فِي ذَاتِهِ وَهُوَ مَدْلُولُ جُمْلَةِ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ. وَذَلِكَ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى صِفَةِ الْقِدَمِ لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى جِنْسُ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعَالَى تَعَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُوجِدْهُ غَيْرُهُ فَثَبَتَ لَهُ الْقِدَمُ الْأَزَلِيُّ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَاقٍ لَا يَعْتَرِيهِ الْعَدَمُ لِاسْتِحَالَةِ عَدَمِ الْقَدِيمِ، وَذَلِكَ مَدْلُولُ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى مُنْفَرِدٌ فِي أَفْعَالِهِ بِالتَّصَرُّفِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا يَرُدُّهُ غَيْرُهُ فَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ إِثْبَاتَ الْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ. وَفِي كُلِّ هَذَا رَدٌّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَوَّزُوا شَرِكَتَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ، وَأَشْرَكُوا مَعَهُ آلِهَتَهُمْ فِي التَّصَرُّفِ بِالشَّفَاعَةِ وَالْغَوْثِ. ثُمَّ أَبْطَلَ إِنْكَارَهُمُ الْبَعْثَ بِقَوْلِهِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

стр. 6998

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢٩- سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ اشْتَهَرَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِسُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ مِنْ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَا رَوَاهُ عِكْرِمَةُ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا سَمِعُوا تَسْمِيَة سُورَة الْبَقَرَة وَسورَة الْعَنْكَبُوتِ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمَا، أَيْ بِهَذِهِ الْإِضَافَةِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الْحجر: ٩٥] يَعْنِي الْمُسْتَهْزِئِينَ بِهَذَا وَمِثْلِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْإِلْمَاعُ إِلَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٦] . وَوَجْهُ إِطْلَاقِ هَذَا الِاسْمِ عَلَى هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّهَا اخْتُصَّتْ بِذِكْرِ مَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِيهَا مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً [العنكبوت: ٤١] . وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَمَدَنِيَّةٌّ كُلُّهَا فِي أَحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ، وَقِيلَ بَعْضُهَا مَدَنِيٌّ. رَوَى الطَّبَرِيُّ وَالْوَاحِدِيُّ فِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ الْآيَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْهَا (أَيْ إِلَى قَوْلِهِ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [العنكبوت: ٣] نَزَلَتَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَصْحَابُ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ إِسْلَامٌ حَتَّى يُهَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَخَرَجُوا مُهَاجِرِينَ فَاتَّبَعَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَرَدُّوهُمْ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ [العنكبوت: ١٠، ١١] نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ بِمَكَّةَ وَذَكَرَ قَرِيبًا مِمَّا رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ. وَفِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» لِلْوَاحِدِيِّ عَنْ مُقَاتِلٍ: نَزَلَتِ الْآيَتَانِ الْأُولَيَانِ فِي مِهْجَعٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ خَرَجَ فِي جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بَدْرٍ فَرَمَاهُ عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ مِنَ

стр. 6999

الْمُشْرِكِينَ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ فَجَزِعَ عَلَيْهِ أَبُوهُ وَامْرَأَتُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ . وَقِيلَ: إِنَّ آيَةَ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [العنكبوت: ١٠] نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ ضَعَفَةِ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ كَانُوا إِذَا مَسَّهُمْ أَذًى مِنَ الْكُفَّارِ وَافَقُوهُمْ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ وَأَظْهَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا عَلَى إِسْلَامِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِهَا. وَقَالَ فِي «الْإِتْقَانِ» : وَيُضَمُّ إِلَى مَا اسْتُثْنِيَ مِنَ الْمَكِّيِّ فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا [العنكبوت: ٦٠] لِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ بِالْمُهَاجَرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالُوا كَيْفَ نَقْدَمُ بَلَدًا لَيْسَتْ لَنَا فِيهِ مَعِيشَةٌ فَنَزَلَتْ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا [العنكبوت: ٦٠] . وَقِيلَ: هَذِهِ السُّورَةُ آخِرُ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَهُوَ يُنَاكِدُ بِظَاهِرِهِ جَعْلَهُمْ هَذِهِ السُّورَةَ نَازِلَةً قَبْلَ سُورَةِ الْمُطَفِّفِينَ. وَسُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ آخِرُ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ ابْتِدَاءَ نُزُولِ سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ قَبْلَ ابْتِدَاءِ نُزُولِ سُورَةِ الْمُطَفِّفِينَ ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ كُلُّهَا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَنْزِلُ فِيهَا سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ ثُمَّ تَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ جَمِيعُ هَذِهِ السُّورَةِ. وَهَذِهِ السُّورَةُ هِيَ السُّورَة الْخَامِسَة والثامنون فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ سُوَرِ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الرُّومِ وَقَبْلَ سُورَةِ الْمُطَفِّفِينَ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ ذِكْرِ سُورَةِ الرُّومِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعَنْكَبُوتَ نَزَلَتْ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ إِحْدَى قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَتَكُونُ مِنْ أُخْرَيَاتِ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ بِحَيْثُ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَهَا بِمَكَّةَ إِلَّا سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ. وَآيَاتُهَا تِسْعٌ وَسِتُّونَ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِ الْعَدَدِ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ. أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةِ افْتِتَاحُ هَذِهِ السُّورَةِ بِالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ مِنْ أَغْرَاضِهَا تَحَدِّي الْمُشْرِكِينَ بِالْإِتْيَانِ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنْهُ كَمَا بَيَّنَّا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَجِدَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ الْأَصْلُ فِيمَا حَدَثَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ مِنَ الْأَحْدَاثِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالْفِتْنَةِ فِي قَوْلِهِ هُنَا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ٢] . فَتَعَيَّنَ أَنَّ أَوَّلَ أَغْرَاضِ

стр. 7000

هَذِهِ السُّورَةِ تَثْبِيتُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فَتَنَهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَصَدُّوهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ أَوْ عَنِ الْهِجْرَةِ مَعَ مَنْ هَاجَرُوا. وَوَعْدُ اللَّهِ بِنَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَخَذْلِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَأَنْصَارِهِمْ وَمُلَقِّنِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَالْأَمْرُ بِمُجَافَاةِ الْمُشْركين والابتعاد مِنْهُم وَلَوْ كَانُوا أَقْرَبَ الْقَرَابَةِ. وَوُجُوبُ صَبْرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَأَنَّ لَهُمْ فِي سَعَةِ الْأَرْضِ مَا يُنْجِيهِمْ مِنْ أَذَى أَهْلِ الشِّرْكِ. وَمُجَادَلَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مَا عَدَا الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَأَمْرُ النَّبِيءِ ﷺ بِالثَّبَاتِ عَلَى إِبْلَاغِ الْقُرْآنِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ. وَالتَّأَسِّي فِي ذَلِكَ بِأَحْوَالِ الْأُمَمِ الَّتِي جَاءَتْهَا الرُّسُلُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ جَاءَ بِمثل مَا جاؤوا بِهِ. وَمَا تَخَلَّلَ أَخْبَارَ مَنْ ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الرُّسُلِ مِنَ الْعِبَرِ. وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِدَلِيلِ أُمِّيَّةِ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ . وَتَذْكِيرُ الْمُشْرِكِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِيُقْلِعُوا عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ. وَإِلْزَامُهُمْ بِإِثْبَاتِ وَحْدَانِيَّتِهِ بِأَنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ خَالِقُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الْأَرْضِ. وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْبَعْثِ بِالنَّظَرِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَهُوَ أَعْجَبُ مِنْ إِعَادَتِهِ. وَإِثْبَاتُ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ. وَتَوَعُّدُ الْمُشْرِكِينَ بِالْعَذَابِ الَّذِي يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً وَهُمْ يَتَهَكَّمُونَ بِاسْتِعْجَالِهِ. وَضَرْبُ الْمَثَلِ لِاتِّخَاذِ الْمُشْرِكِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ بِمَثَلٍ وَهِيَ بَيْتُ العنكبوت. [١] [سُورَة العنكبوت (٢٩) : آيَة ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 7001

الم (١) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعَانِي أَمْثَالِهَا مُسْتَوْفًى عِنْدَ مُفْتَتَحِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّهَجِّيَ الْمَقْصُودَ بِهِ التَّعْجِيزُ يَأْتِي فِي كَثِيرٍ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ وَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يَقَعَ ذِكْرُ الْقُرْآنِ أَوِ الْكِتَابِ بَعْدَ تِلْكَ الْحُرُوفِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِبَ فِي سُوَرِ الْقُرْآنِ مَا عَدَا ثَلَاثَ سُوَرٍ وَهِيَ فَاتِحَةُ سُورَةِ مَرْيَمَ وَفَاتِحَةُ هَذِهِ السُّورَةِ وَفَاتِحَةُ سُورَةِ الرُّومِ. عَلَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لَمْ تَخْلُ مِنْ إِشَارَةٍ إِلَى التَّحَدِّي بِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ [العنكبوت: ٥١] . [٢] [سُورَة العنكبوت (٢٩) : آيَة ٢] أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) الِاسْتِفْهَامُ فِي أَحَسِبَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْكَارِ، أَيْ إِنْكَارِ حُسْبَانِ ذَلِكَ. وَحسب بِمَعْنَى ظَنَّ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢١٤] . وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ كُلُّ الَّذِينَ آمَنُوا، فَالْقَوْلُ كِنَايَةٌ عَنْ حُصُولِ الْمَقُولِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، أَيْ أَحَسِبَ النَّاسُ وُقُوعَ تَرَكِهِمْ لِأَنْ يَقُولُوا آمَنَّا، فَقَوْلُهُ أَنْ يُتْرَكُوا مَفْعُولٌ أَوَّلُ لِ حَسِبَ. وَقَوْلُهُ أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا شِبْهُ جُمْلَةٍ فِي مَحَلِّ الْمَفْعُولِ الثَّانِي وَهُوَ مَجْرُورٌ بِلَامِ جَرٍّ مَحْذُوفٌ مَعَ (أَنْ) حَذْفًا مُطَّرِدًا، وَالتَّقْدِيرُ: أَحَسِبَ النَّاسُ تَرْكَهُمْ غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِأَجْلِ قَوْلِهِمْ: آمَنَّا، فَإِنَّ أَفْعَالَ الظَّنِّ وَالْعِلْمِ لَا تَتَعَدَّى إِلَى الذَّوَاتِ وَإِنَّمَا تَتَعَدَّى إِلَى الْأَحْوَالِ وَالْمَعَانِي وَكَانَ حَقُّهَا أَنْ يَكُونَ مَفْعُولُهَا وَاحِدًا دَالًّا عَلَى حَالَةٍ، وَلَكِنْ جَرَى اسْتِعْمَالُ الْكَلَامِ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا لَهَا اسْمَ ذَاتٍ مَفْعُولًا، ثُمَّ يَجْعَلُوا مَا يَدُلُّ عَلَى حَالَةٍ لِلذَّاتِ مَفْعُولًا ثَانِيًا. وَلِذَلِكَ قَالُوا: إِنَّ مَفْعُولَيْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ (أَيِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهِ) أَصْلُهُمَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. وَالتَّرْكُ: عَدَمُ تَعَهُّدِ الشَّيْءِ بَعْدَ الِاتِّصَالِ بِهِ. وَالتَّرْكُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ لِأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ كَانُوا مُخَالِطِينَ لِلْمُشْرِكِينَ وَمِنْ زُمْرَتِهِمْ، فَلَمَّا آمَنُوا اخْتَصُّوا بِأَنْفُسِهِمْ وَخَالَفُوا أَحْوَالَ قَوْمِهِمْ وَذَلِكَ مَظِنَّةُ أَنْ يَتْرُكَهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَشَأْنَهُمْ، فَلَمَّا أَبَى الْمُشْرِكُونَ إِلَّا مُنَازَعَتَهُمْ طَمَعًا فِي إِقْلَاعِهِمْ عَنِ

стр. 7002

الْإِيمَانِ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَوْقِعَ الْمُبَاغَتَةِ وَالتَّعَجُّبِ، وَتَقَدَّمَ التَّرْكُ الْمَجَازِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَا يُبْصِرُونَ أَوَائِلَ الْبَقَرَةِ [١٧] . وأَنْ يَقُولُوا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ الَّذِي هُوَ لَامُ التَّعْلِيلِ. وَالتَّقْدِيرُ: لِأَجْلِ أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا. وَجُمْلَةُ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ حَالٌ، أَي لَا يحسبوا أَنَّهُمْ سَالِمُونَ مِنَ الْفِتْنَةِ إِذَا آمَنُوا. وَالْفِتَنُ وَالْفُتُونُ: فَسَادُ حَالِ النَّاسِ بِالْعُدْوَانِ وَالْأَذَى فِي الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَهْلِينَ. وَالِاسْمُ: الْفِتْنَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٠٢] . وَبِنَاءُ فِعْلَيْ يُتْرَكُوا ... ويُفْتَنُونَ لِلْمَجْهُولِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذِكْرِ الْفَاعِلِ لِظُهُورِ أَنَّ الْفَاعِلَ قَوْمٌ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، أَيْ أَنْ يُتْرَكُوا خَالِينَ عَنْ فُتُونِ الْكَافِرِينَ إِيَّاهُمْ لِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنَ الْأَحْدَاثِ قُبَيْلَ نُزُولِهَا، وَلِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ دَأْبِ النَّاسِ أَنْ يُنَاصِبُوا الْعَدَاءَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي مُعْتَقَدَاتِهِمْ وَمَنْ تَرَفَّعَ عَنْ رَذَائِلِهِمْ. وَالْمَعْنَى: أَحَسِبَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا أَنْ يَتْرُكَهُمْ أَعْدَاءُ الدِّينِ دُونَ أَنْ يَفْتِنُوهُمْ. وَمَنْ فَسَّرُوا الْفُتُونَ هُنَا بِمَا شَمِلَ التَّكَالِيفَ الشَّاقَّةَ مِثْلَ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ قَدِ ابْتَعَدُوا عَنْ مَهْيَعِ الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ وَنَاكَدُوا مَا تَفَرَّعَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [العنكبوت: ٣] . وَإِنَّمَا لَمْ نُقَدِّرْ فَاعِلَ يُتْرَكُوا ويُفْتَنُونَ أَنَّهُ الله تَعَالَى تحاشا مَعَ التَّشَابُهِ مَعَ وُجُودِ مَنْدُوحَةٍ عَنْهُ. وَهَذِهِ الْفِتْنَةُ مَرَاتِبُ أَعْظَمُهَا التَّعْذِيبُ كَمَا فُعِلَ بِبِلَالٍ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسر وأبويه. [٣] [سُورَة العنكبوت (٢٩) : آيَة ٣] وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) انْتِقَالٌ إِلَى التَّنْوِيهِ بِالْفُتُونِ لِأَجْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ بِأَنَّهُ سُنَّةُ اللَّهِ فِي سَالِفِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَتَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ بِلَامِ الْقَسَمِ وَحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ الْمُؤْمِنِينَ حِينَ اسْتَعْظَمُوا مَا نَالَهُمْ

стр. 7003

مِنَ الْفِتْنَةِ من الْمُشْركين واستبطأوا النَّصْرَ عَلَى الظَّالِمِينَ، وَذُهُولِهِمْ عَنْ سُنَّةِ الْكَوْنِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَنْزِلَةَ مَنْ يُنْكِرُ أَنَّ مَنْ يُخَالِفُ الدَّهْمَاءَ فِي ضَلَالِهِمْ وَيَتَجَافَى عَنْ أَخْلَاقِهِمْ وَرَذَالَتِهِمْ لَا بُدَّ أَنْ تَلْحَقَهُ مِنْهُمْ فِتْنَةٌ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا السَّنَنُ مِنْ آثَارِ مَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ عُقُولَ غَالِبِ الْبَشَرِ وَتَفْكِيرَهُمْ غَيْرَ الْمَعْصُومِ بِالدَّلَائِلِ وَكَانَ حَاصِلًا فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ كُلِّهَا أَسْنَدَ فُتُونَ تِلْكَ الْأُمَمِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِسْنَادًا مَجَازِيًّا لِأَنَّهُ خَالِقُ أَسْبَابِهِ كَمَا خَلَقَ أَسْبَابَ الْعِصْمَةِ مِنْهُ لِمَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْعِصْمَةِ مِنْ مِثْلِهِ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي خَلَقَ أَسْبَابَ تِلْكَ الْفِتَنِ قَرِيبِهَا وَبَعِيدِهَا قَادِرٌ عَلَى صَرْفِهَا بِأَسْبَابٍ تُضَادُّهَا. وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ دُعَاءُ مُوسَى ﵇ الْمَحْكِيُّ فِي سُورَةِ يُونُسَ [٨٨] وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَخْلُقَ ضِدَّ الْأَسْبَابِ الَّتِي غَرَّتْ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ وَغَشِيَتْ عَلَى قَلْبِهِ بِالضَّلَالِ. وَالْمَقْصُودُ التَّذْكِيرُ بِمَا لَحِقَ صَالِحِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ مِنَ الْأَذَى وَالِاضْطِهَادِ كَمَا لَقِيَ صَالِحُو النَّصَارَى مِنْ مُشْرِكِي الرُّومَانِ فِي عُصُورِ الْمَسِيحِيَّةِ الْأُولَى، وَقَدْ قَصَّ الْقُرْآنُ بَعْضَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبُرُوجِ. وَحُكْمُهَا سَارٍ فِي حَالِ كُلِّ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالْحَقِّ بَيْنَ قَوْمٍ يَسْتَخِفُّونَ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ نُكْرَانَ الْحَقِّ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ. وَالْوَاوُ الدَّاخِلَةُ عَلَى جُمْلَةِ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً عَلَى جُمْلَةِ أَحَسِبَ النَّاسُ [العنكبوت: ٢] ، وَيَجُوزُ كَوْنُهَا عَاطِفَةً عَلَى جُمْلَةِ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ٢] فَتَكُونُ بِمَعْنَى الْحَالِ، أَيْ وَالْحَالُ قَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا تَفَرَّعَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا. فَلَكَ أَنْ تُسَمِّيَ تِلْكَ الْوَاوَ اعْتِرَاضِيَّةً. وَإِسْنَادُ فِعْلِ فَتَنَّا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِقَصْدِ تَشْرِيفِ هَذِهِ الْفُتُونِ بِأَنَّهُ جَرَى عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ فِي الْأُمَمِ. فَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ٢] ، أَيْ يُفْتَنُونَ فَيَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا مِنْهُمْ وَالْكَاذِبِينَ. وَالْمُفَرَّعُ هُوَ عِلْمُ اللَّهِ الْحَاصِلُ فِي

стр. 7004

الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا يَقْتَضِيهِ تَوْكِيدُ فِعْلِ الْعِلْمِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ الَّتِي لَا يُؤَكَّدُ بِهَا الْمُضَارِعُ إِلَّا مُسْتَقْبَلًا. وَهُوَ تَعَلُّقٌ بِالْمَعْلُومِ شَبِيهٌ بِالتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ لِصِفَتَيِ الْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ وَإِنْ لَمْ يُسَمُّوهُ بِهَذَا الِاسْمِ. وَالْمُرَادُ بِالصِّدْقِ هُنَا ثَبَاتُ الشَّيْءِ وَرُسُوخُهُ، وَبِالْكَذِبِ ارْتِفَاعُهُ وَتَزَلْزُلُهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ حِينَ قَالُوا آمَنَّا [العنكبوت: ٢] لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ فِي إِخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ اعْتَقَدَ عَقِيدَةَ الْإِيمَانِ وَاتَّبَعَ رَسُولَهُ، فَإِذَا لَحِقَهُمُ الْفُتُونُ مِنْ أَجْلِ دُخُولِهِمْ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ فَمَنْ لَمْ يَعْبَأْ بِذَلِكَ وَلَمْ يَتْرُكِ اتِّبَاعَ الرَّسُولِ فَقَدْ تَبَيَّنَ رُسُوخُ إِيمَانِهِ وَرِبَاطَةُ عَزْمِهِ فَكَانَ إِيمَانُهُ حَقًّا وَصِدْقًا، وَمَنْ تَرَكَ الْإِيمَانَ خَوْفَ الْفِتْنَةِ فَقَدِ اسْتَبَانَ مِنْ حَالِهِ عَدَمُ رُسُوخِ إِيمَانِهِ وَتَزَلْزُلُهُ، وَهَذَا كَقَوْلِ النَّابِغَةِ: أُولَئِكَ قَوْمٌ بَأْسُهُمْ غَيْرُ كَاذِبٍ وَقَوْلِ الْأَعْشَى فِي ضِدِّهِ يَصِفُ رَاحِلَتَهُ: جُمَالِيَّةٍ تَغْتَلِي بِالرِّدَا ... فِ إِذَا كَذَّبَ الْآثِمَاتُ الْهَجِيرَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي أَوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ [٢] . وَلَمَّا كَانَ عِلْمُ اللَّهِ بِمَنْ يَكُونُ إِيمَانُهُ صَادِقًا عِنْدَ الْفُتُونِ وَمَنْ يَكُونُ إِيمَانُهُ كَاذِبًا بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ مُتَقَرِّرًا فِي الْأَزَلِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَحْصُلَ الْفُتُونُ وَالصِّدْقُ وَالْكَذِبُ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ فِعْلِ فَلَيَعْلَمَنَّ بِمَعْنَى: فَلَيَعْلَمَنَّ بِكَذِبِ إِيمَانِهِمْ بِهَذَا الْمَعْنَى، فَهُوَ مِنْ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِحُصُولِ أَمْرٍ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ سَيَكُونُ وَهُوَ شَبِيهٌ بِتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ وَلَا مَانِعَ مِنْ إِثْبَاتِ تَعَلُّقَيْنِ لِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى: أَحَدُهُمَا قَدِيمٌ، وَالْآخَرُ تَنْجِيزِيٌّ حَادِثٌ. وَلَا يُفْضِي ذَلِكَ إِلَى اتِّصَافِ اللَّهِ تَعَالَى بِوَصْفٍ حَادِثٍ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الصِّفَةِ تَحَقُّقُ مُقْتَضَاهَا فِي الْخَارِجِ لَا فِي ذَاتِ مَوْصُوفِهَا، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٤٣] ، وَقَوْلِهِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ فِي آلِ عِمْرَانَ [١٤٠] . وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْعِلْمَ هُنَا مُكَنًّى بِهِ عَنْ وَعْدِ الصَّادِقِينَ وَوَعِيدِ الْكَاذِبِينَ لِأَنَّ الْعِلْمَ سَبَبٌ لِلْجَزَاءِ بِمَا يَقْتَضِيهِ فَكَانَتِ الْكِنَايَةُ مَقْصُودَةً وَهُوَ الْمَعْنَى الْأَهَمُّ.

стр. 7005

وَقَدْ عَدَلَ فِي قَوْلِهِ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ عَنْ طَرِيقِ التَّكَلُّمِ إِلَى طَرِيقِ الْغَيْبَةِ بِإِظْهَارِ اسْمِ الْجَلَالَةِ عَلَى أُسْلُوبِ الِالْتِفَاتِ لِمَا فِي هَذَا الْإِظْهَارِ مِنَ الْجَلَالَةِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْجَزَاءَ عَلَى ذَلِكَ جَزَاءُ مَالِكِ الْمُلْكِ. وَتَعْرِيفُ الْمُتَّصِفِينَ بِصِدْقِ الْإِيمَانِ بِالْمَوْصُولِ وَالصِّلَةِ الْمَاضَوِيَّةِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُمُ اشْتَهَرُوا بِحِدْثَانِ صِدْقِ الْإِيمَانِ وَأَنَّ صِدْقَهُمْ مُحَقَّقٌ. وَأَمَّا تَعْرِيفُ الْمُتَّصِفِينَ بِالْكَذِبِ بِطَرِيقِ التَّعْرِيفِ بِاللَّامِ وَبِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ فَلِإِفَادَةِ أَنَّهُمْ عُهِدُوا بِهَذَا الْوَصْفِ وَتَمَيَّزُوا بِهِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ وَالرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ. رَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا إِلَى قَوْلِهِ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [العنكبوت: ١- ٣] فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ إِذْ كَانَ يُعَذَّبُ فِي الله، أَي وَأَمْثَالِهِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ مِمَّنْ كَانُوا يُعَذَّبُونَ بِمَكَّةَ وَكَانَ النَّبِيءُ ﷺ يَدْعُو لَهُمُ اللَّهَ بِالنَّجَاةِ لَهُمْ وَلِلْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ. [٤] [سُورَة العنكبوت (٢٩) : آيَة ٤] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) أُعْقِبَ تَثْبِيتُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ فُتُونِ الْمُشْرِكِينَ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ بِزَجْرِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَا يَعْمَلُونَهُ مِنَ السَّيِّئَاتِ فِي جَانِبِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَعْظَمُ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ فُتُونُهُمُ الْمُسْلِمِينَ. فَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ الْفَاتِنُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَهَذَا وَوَعِيدُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُفْلِتُهُمْ. وَفِي هَذَا أَيْضًا زِيَادَةُ تَثْبِيتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ. فَ أَمْ لِلْإِضْرَابِ الِانْتِقَالِيِّ وَيُقَدَّرُ بَعْدَهَا اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيُّ. والسَّيِّئاتِ: الْأَعْمَالُ السُّوءُ. وَهِيَ التَّنْكِيلُ وَالتَّعْذِيبُ وَفُتُونُ الْمُسْلِمِينَ. وَالسَّبْقُ: مُسْتَعْمَلٌ مَجَازًا فِي النَّجَاةِ وَالِانْفِلَاتِ كَقَوْلِ مُرَّةَ بْنِ عَدَّاءٍ الْفَقْعَسِيِّ:
следующие страницы →