← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وَتَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ قالَ إِمَّا لِمُجَرَّدِ الاهتمام بِبَيَان الماثلة وَإِمَّا لِيُغْنِيَ عَنْ حَرْفِ الْعَطْفِ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ كَلَامٍ إِلَى كَلَامٍ إِيجَازًا بَدِيعًا لِأَنَّ مُفَادَ حَرْفِ الْعَطْفِ التَّشْرِيكُ وَمُفَادَ كَافِ التَّشْبِيهِ التَّشْرِيكُ إِذِ التَّشْبِيهُ تَشْرِيكٌ فِي الصِّفَةِ. وَلِأَجْلِ الِاهْتِمَامِ أَوْ لِزِيَادَتِهِ أَكَّدَ قَوْلَهُ كَذلِكَ بِقَوْلِهِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَهُوَ صِفَةٌ أَيْضًا لِمَعْمُولِ قَالُوا الْمَحْذُوفِ أَيْ قَالُوا مَقُولًا مِثْلَ قَوْلِهِمْ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ كَذلِكَ تَأْكِيدًا لِمِثْلِ قَوْلِهِمْ وَتَعْتَبِرَ تَقْدِيمَهُ مِنْ تَأْخِيرٍ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَجوز صَاحب «الْكَشْف» وَجَمَاعَةٌ أَنْ لَا يَكُونَ قَوْلُهُ: مِثْلَ قَوْلِهِمْ أَوْ قَوْلُهُ: كَذلِكَ تَأْكِيدًا لِلْآخَرِ وَأَنَّ مَرْجِعَ التَّشْبِيهِ إِلَى كَيْفِيَّةِ الْقَوْلِ وَمَنْهَجِهِ فِي صُدُورِهِ عَنْ هَوًى، وَمَرْجِعَ الْمُمَاثَلَةِ إِلَى الْمُمَاثَلَةِ فِي اللَّفْظِ فَيَكُونُ عَلَى كَلَامِهِ تَكْرِيرًا فِي التَّشْبِيهِ مِنْ جِهَتَيْنِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى قُوَّةِ التَّشَابُهِ. وَقَوْلُهُ: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ الْآيَةَ، جَاءَ بِالْفَاءِ لِأَنَّ التَّوَعُّدَ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِظْهَارُ مَا أَكَنَّتْهُ ضَمَائِرهُمْ مِنَ الْهَوَى وَالْحَسَدِ مُتَفَرِّعٌ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ وَمُسَبَّبٌ عَنْهَا وَهُوَ خَبَرٌ مُرَادٌ بِهِ التَّوْبِيخُ وَالْوَعِيدُ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِإِضَافَةِ (بَيْنَ) رَاجِعٌ إِلَى الْفرق الثَّلَاث و (مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) يَعُمُّ مَا ذُكِرَ وَغَيْرُهُ. وَالْجُمْلَة تذييل. [١١٤] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١١٤] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤) عَطْفٌ عَلَى وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ [الْبَقَرَة: ١١٣] بِاعْتِبَارِ مَا سَبَقَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَفَانِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْجُرْاءَةِ وَسُوءِ الْمَقَالَةِ أَيْ أَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا وَمَا تَقَدَّمُهُ ظُلْمٌ وَلَا كَظُلْمِ مَنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَهَذَا اسْتِطْرَادٌ وَاقِعٌ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ أَحْوَالِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِذِكْرِ مَسَاوِئِ الْمُشْرِكِينَ فِي سُوءِ تَلَقِّيهُمْ دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ الَّذِي جَاءَ لِهَدْيِهِمْ وَنَجَاتِهِمْ. وَالْآيَةُ نَازِلَةٌ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ كَمَا فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ الْآيَةَ كَمَا سَيَأْتِي وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى مَنْعِ أَهْلِ مَكَّةَ النَّبِيءَ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ مِنَ الدُّخُولِ لِمَكَّةَ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ

стр. 702

حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ خِفْيَةً وَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ آمِنًا وَقَدْ أَوَيْتُمُ الصِّبَاءَ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي بُخْتُنَصَّرَ مَلِكِ أَشُورَ وَغَزْوِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ثَلَاثَ غَزَوَاتٍ أَوَّلَاهَا فِي سَنَةِ ٦٠٦ قَبْلَ الْمَسِيحِ زَمَنَ الْمَلِكِ يَهُويَاقِيمَ مَلِكِ الْيَهُودِ سَبَى فِيهَا جَمْعًا مِنْ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ. وَالثَّانِيَةُ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ سَبَى فِيهَا رُؤَسَاءَ المملكة وَالْملك يهواكين بْنَ يَهُويَاقِيمَ وَنَهَبَ الْمَسْجِدَ الْمُقَدَّسَ مِنْ جَمِيعِ نَفَائِسِهِ وَكُنُوزِهِ. وَالثَّالِثَةُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ فِي زَمَنِ الْمَلِكِ صِدْقِيَا فَأَسَرَ الْمَلِكَ وَسَمَلَ عَيْنَيْهِ وَأَحْرَقَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى وَجَمِيعَ الْمَدِينَةِ وَسَبَى جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَانْقَرَضَتْ بِذَلِكَ مَمْلَكَةُ يَهُوذَا وَذَلِكَ سَنَةَ ٥٧٨ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَتُسَمَّى هَذِهِ الْوَاقِعَةُ بِالسَّبْيِ الثَّالِثِ فَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ قَدْ مَنَعَ مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ أَنْ يَذْكُرَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ وَتَسَبَّبَ فِي خَرَابِهِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي غَزْوِ طَيْطَسَ الرُّومَانِيِّ لِأُورَشْلِيمَ سَنَةَ ٧٩ قَبْلَ الْمَسِيحِ فَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَأَحْرَقَ التَّوْرَاةَ وَتَرَكَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ خَرَابًا إِلَى أَنْ بَنَاهُ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ فَتْحِ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ. وَعَلَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ لَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةٌ لِذِكْرِهَا عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ فَلَا يَنْبَغِي بِنَاءُ التَّفْسِيرِ عَلَيْهِمَا. وَالْوَجْهُ هُوَ التَّعْوِيلُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَهِيَ الْمَأْثُورَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَالْمُنَاسِبَةُ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ وُفِّيَ أَهْلُ الْكِتَابِ حَقَّهُمْ مَنْ فَضْحِ نَوَايَاهُمْ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَبَيَانِ أَنَّ تِلْكَ شَنْشَنَةٌ مُتَأَصِّلَةٌ فِيهِمْ مَعَ كُلِّ مَنْ جَاءَهُمْ بِمَا يُخَالِفُ هَوَاهُمْ وَكَانَ قَدْ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ شَابُهُوهُمْ فِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الْبَقَرَة: ١٠٥] عَطَفَ الْكَلَامَ إِلَى بَيَانِ مَا تَفَرَّعَ عَنْ عَدَمِ وِدَادَةِ الْمُشْرِكِينَ نُزُولِ الْقُرْآنِ فَبَيَّنَ أَنَّ ظُلْمَهُمْ فِي ذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ إِذْ مَنَعُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ وَسَدُّوا طَرِيقَ الْهُدَى وَحَالُوا بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ زِيَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي هُوَ فَخْرُهُمْ وَسَبَبُ مَكَانَتِهِمْ وَلَيْسَ هَذَا شَأْنُ طَالِبِ صَلَاحِ الْخَلْقِ بَلْ هَذَا شَأْنُ الْحَاسِدِ الْمُغْتَاظِ. وَالِاسْتِفْهَامُ بِمَنْ إِنْكَارِيٌّ وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ مَنْ أَنَّهَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أَشُرِبَتْ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ وَكَانَ الِاسْتِفْهَامُ الْإِنْكَارِيُّ فِي مَعْنَى النَّفْيِ صَارَ الْكَلَامُ مِنْ وُقُوعِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَلِذَلِكَ فَسَّرُوهُ بِمَعْنَى لَا أَحَدَ أَظْلَمُ.

стр. 703

وَالظُّلْمُ الِاعْتِدَاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِمَا لَا يَرْضَى بِهِ وَيُطْلَقُ عَلَى وَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوضَعَ فِيهِ وَالْمَعْنَيَانِ صَالِحَانِ هُنَا. وَإِنَّمَا كَانُوا أَظْلَمَ النَّاسِ لِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِظُلْمٍ عَجِيبٍ فَقَدْ ظَلَمُوا الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِسُوءِ السُّمْعَةِ بَيْنَ الْأُمَمِ. وَجَمَعَ الْمَسَاجِدَ وَإِنْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ مَنَعُوا الْكَعْبَةَ فَقَطْ إِمَّا لِلتَّعْظِيمِ فَإِنَّ الْجَمْعَ يَجِيءُ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ [الْفرْقَان: ٣٧] ، وَإِمَّا لِمَا فِيهِ مِنْ أَمَاكِنِ الْعِبَادَةِ وَهِيَ الْبَيْتُ وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَالْحَطِيمُ، وَإِمَّا لِمَا يَتَّصِلُ بِهِ أَيْضًا مِنَ الْخَيْفِ وَمِنًى وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَكُلُّهَا مَسَاجِدُ وَالْإِضَافَةُ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ عَلَى مَعْنَى لَامِ التَّعْرِيفِ الْعَهْدِيِّ، وَإِمَّا لِقَصْدِ دُخُولِ جَمِيعِ مَسَاجِدِ اللَّهِ لِأَنَّهُ جَمْعٌ تَعَرَّفَ بِالْإِضَافَةِ وَوَقَعَ فِي سِيَاقِ مَنْعِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى النَّفْيِ لِيَشْمَلَ الْوَعِيدُ كُلَّ مُخَرِّبٍ لِمَسْجِدٍ أَوْ مَانِعٍ من الْعِبَادَة بتطيله عَنْ إِقَامَةِ الْعِبَادَاتِ وَيَدْخُلُ الْمُشْرِكُونَ فِي ذَلِكَ دُخُولًا أَوَّلِيًّا عَلَى حُكْمِ وُرُودِ الْعَامِّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ وَالْإِضَافَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى مَعْنَى لَامِ الِاسْتِغْرَاقِ وَلَعَلَّ ضَمِيرَ الْجَمْعِ الْمَنْصُوبَ فِي قَوْلِهِ: أَنْ يَدْخُلُوها يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْمَسَاجِدِ مَسَاجِدُ مَعْلُومَةٌ لِأَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ لَا يَتَعَدَّى لِكُلِّ مَنْ مَنَعَ مَسْجِدًا إِذْ هُوَ عِقَابٌ دُنْيَوِيٌّ لَا يَلْزَمُ اطِّرَادُهُ فِي أَمْثَالِ الْمُعَاقَبِ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْمَنْعِ مَنْعُ الْعِبَادَةِ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ بِهَا كَالطَّوَافِ وَالْجَمَاعَةِ إِذَا قُصِدَ بِالْمَنْعِ حِرْمَانُ فَرِيقٍ مِنَ الْمُتَأَهِّلِينَ لَهَا مِنْهَا. وَلَيْسَ مِنْهُ غَلْقُ الْمَسَاجِدِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّ صَلَاةَ الْفَذِّ لَا تُفَضَّلُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ غَلْقُهَا مِنْ دُخُولِ الصِّبْيَانِ وَالْمُسَافِرِينَ لِلنَّوْمِ، وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي دَرْسِ التَّفْسِيرِ عَنْ هَذَا فَقَالَ: غَلْقُ بَابِ الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ حفظ وصيانة اهـ. وَكَذَلِكَ مَنْعُ غَيْرِ الْمُتَأَهِّلِ لِدُخُولِهِ وَقَدْ مَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ الْمُشْرِكِينَ الطَّوَافَ وَالْحَجَّ وَمَنَعَ مَالِكٌ الْكَافِرَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَمَعْلُومٌ مَنْعُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ. وَالسَّعْيُ أَصْلُهُ الْمَشْيُ ثُمَّ صَارَ مَجَازًا مَشْهُورًا فِي التَّسَبُّبِ الْمَقْصُودِ كَالْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ نَحْوَ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى [النازعات: ٢٢] وَيُعَدَّى بِفِي الدَّالَّةِ عَلَى التَّعْلِيلِ نَحْوَ: سَعَيْتُ فِي حَاجَتِكَ فَالْمَنْعُ هُنَا حَقِيقَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى الْمُتَقَدِّمَةِ فِي سَبَبِ النُّزُولِ وَالسَّعْيُ مَجَازٌ فِي التَّسَبُّبِ غَيْرِ الْمَقْصُودِ فَهُوَ مَجَازٌ عَلَى مَجَازٍ. وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ فَالْمَنْعُ مَجَازٌ وَالسَّعْيُ حَقِيقَةٌ لِأَنَّ بُخْتُنَصَّرَ وَطِيطَسَ لَمْ يَمْنَعَا أَحَدًا مِنَ الذِّكْرِ وَلَكِنَّهُمَا تَسَبَّبَا فِي الْخَرَابِ بِالْأَمْرِ بِالتَّخْرِيبِ فَأَفْضَى ذَلِكَ إِلَى الْمَنْعِ وَآلَ إِلَيْهِ.

стр. 704

وَقَوْلُهُ: أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تُغْنِي عَن سُؤال ناشىء عَنْ قَوْلِهِ: مَنْ أَظْلَمُ أَوْ عَنْ قَوْلِهِ: سَعى لِأَنَّ السَّامِعَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ فَاعِلَ هَذَا أَظْلَمُ النَّاسِ أَوْ سَمِعَ هَذِهِ الْجُرْأَةَ وَهِيَ السَّعْيُ فِي الْخَرَابِ تَطَلَّبَ بَيَانُ جَزَاءِ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ أَوْ فَعَلَ هَذَا. وَيَجُوزُ كَوْنُهَا اعْتِرَاضًا بَيْنَ مَنْ أَظْلَمُ وَقَوْلِهِ: لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ. وَالْإِشَارَة بأولئك بَعْدَ إِجْرَاءِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ عَلَيْهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمُ اسْتُحْضِرُوا بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ لِيُخْبَرَ عَنْهُمْ بَعْدَ تِلْكَ الْإِشَارَةِ بِخَبَرِهِمْ جَدِيرُونَ بِمَضْمُونِهِ عَلَى حَدِّ مَا تَقَدَّمَ فِي أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْجُمَلِ لَيْسَ هُوَ بَيَانُ جَزَاءِ فِعْلِهِمْ أَوِ التَّحْذِيرِ مِنْهُ بَلِ الْمَقْصُودُ بَيَانُ هَاتِهِ الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ مِنْ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ بَيَانِ عَجَائِبِ أَهْلِ الْكِتَابِ ثُمَّ يُرَتِّبُ الْعِقَابَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَعْلَمَ جَدَارَتَهُمْ بِهِ وَقَدْ ذَكَرَ لَهُمْ عُقُوبَتَيْنِ دُنْيَوِيَّةً وَهِيَ الْخَوْفُ وَالْخِزْيُ وَأُخْرَوِيَّةً وَهِيَ الْعَذَابُ الْعَظِيمُ. وَمَعْنَى مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ أَنَّهُمْ لَا يَكُونُ لَهُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْفِعْلَةِ أَنْ يَدْخُلُوا تِلْكَ الْمَسَاجِدَ الَّتِي مَنَعُوهَا إِلَّا وَهُمْ خَائِفُونَ فَإِنَّ مَا كَانَ إِذَا وَقَعَ أَنْ وَالْمُضَارِعُ فِي خَبَرِهَا تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ وَإِنَّ كَانَ لَفْظُ (كَانَ) لَفْظَ الْمَاضِي وَأَنْ هَذِهِ هِيَ الَّتِي تَسْتَتِرُ عِنْدَ مَجِيءِ اللَّامِ نَحْوَ مَا كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ فَلَا إِشْعَارَ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ بِمُضِيٍّ. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لَهُمْ لِلِاسْتِحْقَاقِ أَيْ مَا كَانَ يَحِقُّ لَهُمُ الدُّخُولُ فِي حَالَةٍ إِلَّا فِي حَالَةِ الْخَوْف فهم حقيقيون بِهَا وَأَحْرِيَاءُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا وَعِيدٌ بِأَنَّهُمْ قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ تُرْفَعَ أَيْدِيهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَشَعَائِرِ اللَّهِ هُنَاكَ وَتَصِيرَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُوا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِلَّا خَائِفِينَ، وَوَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ فَكَانُوا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ حَتَّى نَادَى مُنَادِي النَّبِيءِ ﷺ «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَهُوَ آمِنٌ» فَدَخَلَهُ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ مَذْعُورِينَ أَنْ يُؤْخَذُوا بِالسَّيْفِ قَبْلَ دُخُولِهِمْ. وَعَلَى تَفْسِيرِ مَساجِدَ اللَّهِ بِالْعُمُومِ يَكُونُ قَوْلُهُ: مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها أَيْ مَنَعُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ فِي حَالِ أَنَّهُمْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُدْخُلُوهَا خَاشِعِينَ مِنَ اللَّهِ فيفسر الْخَوْف بالخشعية مِنَ اللَّهِ فَلِذَلِكَ كَانُوا ظَالِمِينَ بِوَضْعِ الْجَبَرُوتِ فِي مَوْضِعِ الْخُضُوعِ فَاللَّامُ عَلَى هَذَا فِي قَوْلِهِ مَا كانَ لَهُمْ لِلِاخْتِصَاصِ وَهَذَا الْوَجْهُ وَإِنْ فَرَضَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَّا أَنَّ مَكَانَ اسْمِ الْإِشَارَةِ الْمُؤْذِنِ بِأَنَّ مَا بَعْدَهُ تَرَتَّبَ عَمَّا قَبْلَهُ يُنَافِيهِ لِأَنَّ هَذَا الِابْتِغَاءَ مُتَقَرِّرٌ وَسَابِقٌ عَلَى الْمَنْعِ وَالسَّعْيِ فِي الْخَرَابِ.

стр. 705

وَقَوْلُهُ: لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ اسْتِئْنَافٌ ثَانٍ وَلَمْ يَعْطِفْ عَلَى مَا قَبْلَهُ ليَكُون مَقْصُودا الِاسْتِئْنَاف اهْتِمَامًا بِهِ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ لِكَوْنِهِ تَابِعًا لَا يَهْتَمُّ بِهِ السَّامِعُونَ كَمَالَ الِاهْتِمَامِ وَلِأَنَّهُ يَجْرِي مِنَ الِاسْتِئْنَافِ الَّذِي قَبْلَهُ مَجْرَى الْبَيَانِ مِنَ الْمُبِينِ فَإِنَّ الْخِزْيَ خَوْفٌ وَالْخِزْيُ الذُّلُّ وَالْهَوَانُ وَذَلِكَ مَا نَالَ صَنَادِيدَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْقَتْلِ الشَّنِيعِ وَالْأَسْرِ، وَمَا نَالَهُمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِنْ خِزْيِ الِانْهِزَامِ. وَقَوْلُهُ: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ عُطِفَتْ عَلَى مَا قَبْلَهَا لِأَنَّهَا تَتْمِيمٌ لَهَا إِذِ الْمَقْصُودُ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا أَنَّ لَهُمْ عَذَابَيْنِ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا وَعَذَابًا فِي الْآخِرَةِ. وَعِنْدِي أَنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ مُؤْذِنٌ بِالِاحْتِجَاجِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ سَبَبِ انْصِرَافِ النَّبِيءِ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ فَإِنَّ مَنْعَهُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَشَدُّ مِنَ اسْتِقْبَالِ غَيْرِ الْكَعْبَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ٢١٧] . [١١٥] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١١٥] وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) لَمَّا جَاءَ بِوَعِيدِهِمْ وَوَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ تَسْلِيَةَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى خُرُوجِهِمْ مِنْ مَكَّةَ وَنِكَايَةَ الْمُشْرِكِينَ بِفَسْخِ ابْتِهَاجِهِمْ بِخُرُوجِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهَا وَانْفِرَادِهِمْ هُمْ بِمَزِيَّةِ جِوَارِ الْكَعْبَةِ فَبَيَّنَ أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهَا مَا تَفَاضَلَتْ جِهَاتُهَا إِلَّا بِكَوْنِهَا مَظِنَّةً لِلتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ تَعَالَى وَتَذَكُّرِ نِعَمِهِ وَآيَاتِهِ الْعَظِيمَةِ فَإِذَا كَانَتْ وِجْهَةُ الْإِنْسَانِ نَحْوَ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَيْنَمَا تَوَلَّى فَقَدْ صَادَفَ رِضَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَتْ وِجْهَتَهُ الْكُفْرُ وَالْغُرُورُ وَالظُّلْمُ فَمَا يُغْنِي عَنْهُ الْعِيَاذُ بِالْمَوَاضِعِ الْمُقَدَّسَةِ بَلْ هُوَ فِيهَا دَخِيلٌ لَا يَلْبَثُ أَنْ يُقْلَعَ مِنْهَا قَالَ تَعَالَى: وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الْأَنْفَال: ٣٤] وَقَالَ ﷺ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ» . فَالْمُرَادُ مِنَ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فِي الْآيَةِ تَعْمِيمُ جِهَاتِ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا تَنْقَسِمُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسِيرِ الشَّمْسِ قسمَيْنِ قسم يبتدىء مِنْ حَيْثُ تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَقِسْمٌ يَنْتَهِي فِي حَيْثُ تَغْرُبُ وَهُوَ تَقْسِيمٌ اعْتِبَارِيٌّ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ لِأَنَّهُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْمُشَاهَدَةِ مُنَاسِبٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ وَالتَّقْسِيمُ الذَّاتِيُّ لِلْأَرْضِ هُوَ تَقْسِيمُهَا إِلَى شَمَالِيٍّ وَجَنُوبِيٍّ لِأَنَّهُ تَقْسِيمٌ يَنْبَنِي عَلَى اخْتِلَافِ آثَارِ الْحَرَكَةِ الْأَرْضِيَّةِ.

стр. 706

وَقَدْ قِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِذْنٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأَنْ يَتَوَجَّهَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى أَيَّةِ جِهَةٍ شَاءَ، وَلَعَلَّ مُرَادَ هَذَا الْقَائِلِ أَنَّ الْآيَةَ تُشِيرُ إِلَى تِلْكَ الْمَشْرُوعِيَّةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ قُبَيْلَ نَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِذِ الشَّأْنُ تَوَالِي نُزُولِ الْآيَاتِ وَآيَةُ نَسْخِ الْقِبْلَةِ قَرِيبَةُ الْمَوْقِعِ مِنْ هَذِهِ، وَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الْآيَةِ عَامًّا كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فَتَشْمَلُ الْهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ وَالِانْصِرَافَ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ. وَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاخْتِصَاصِ أَيْ أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَطْ لَا لَهُمْ، فَلَيْسَ لَهُمْ حَقٌّ فِي مَنْعِ شَيْءٍ مِنْهَا عَنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلِصِينَ. ووَجْهُ اللَّهِ بِمَعْنَى الذَّاتِ وَهُوَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ تَقُولُ: لِوَجْهِ زَيْدٍ أَيْ ذَاتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [الْبَقَرَة: ١١٢] وَهُوَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ عَمَلِهِ فَحَيْثُ أَمَرَهُمْ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَرِضَاهُ مَنُوطٌ بِالِامْتِثَالِ لِذَلِكَ، وَهُوَ أَيْضًا كِنَايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنْ رِضَاهُ بِهِجْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي سَبِيلِ الدِّينِ لِبِلَادِ الْحَبَشَةِ ثُمَّ لِلْمَدِينَةِ وَيُؤَيِّدُ كَوْنَ الْوَجْهِ بِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ فِي التَّذْيِيلِ: إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ فَقَوْلُهُ: واسِعٌ تَذْيِيلٌ لِمَدْلُولٍ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ وَالْمُرَادُ سَعَةُ مُلْكِهِ أَوْ سَعَةُ تَيْسِيرِهِ وَالْمَقْصُودُ عَظَمَةُ اللَّهِ، أَنه لَا جِهَةَ لَهُ وَإِنَّمَا الْجِهَاتُ الَّتِي يُقْصَدُ مِنْهَا رِضَى اللَّهِ تَفْضُلُ غَيْرَهَا وَهُوَ عَلِيمٌ بِمَنْ يَتَوَجَّهُ لِقَصْدِ مَرْضَاتِهِ، وَقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِأَنَّهَا الْمُرَادُ بِهَا الْقِبْلَةُ فِي الصَّلَاة. [١١٦] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١١٦] وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ بِقَالُوا عَائِدٌ إِلَى جَمِيعِ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ وَهِيَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِشَارَةً إِلَى ضَلَالٍ آخَرَ اتَّفَقَ فِيهِ الْفِرَقُ الثَّلَاث. وَقد قرىء بِالْوَاوِ (وَقَالُوا) عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَقالَتِ الْيَهُودُ [الْبَقَرَة: ١١٣] وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ بِدُونِ وَاوِ عَطْفٍ وَكَذَلِكَ ثَبَتَتِ الْآيَةُ فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ الْمُوَجَّهِ إِلَى الشَّامِ فَتَكُونُ اسْتِئْنَافًا كَأَنَّ السَّامِعَ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مَا مَرَّ مِنْ عَجَائِبِ هَؤُلَاءِ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ جَمْعًا وَتَفْرِيقًا تَسَنَّى لَهُ أَنْ يَقُولَ لَقَدْ أَسْمَعْتَنَا مِنْ مُسَاوِيهِمْ عَجَبًا فَهَلِ انْتَهَتْ مُسَاوِيهِمْ أَمْ لَهُمْ مَسَاوٍ أُخْرَى لِأَنَّ مَا سَمِعْنَاهُ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهَا مَسَاوٍ لَا تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ فِطَرٍ خَبِيثَةٍ.

стр. 707

وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَى هَذِهِ الضَّلَالَةِ الْفِرَقُ الثَّلَاثُ كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى مَا قَبْلَهَا، فَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ فَتَكُونُ هَاتِهِ الْآيَةُ رُجُوعًا إِلَى جَمْعِهِمْ فِي قَرَنٍ إِتْمَامًا لِجَمْعِ أَحْوَالِهِمُ الْوَاقِعِ فِي قَوْلِهِ: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ [الْبَقَرَة: ١٠٥] وَفِي قَوْلِهِ: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ [الْبَقَرَة: ١١٣] . وَقَدْ خُتِمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِآيَةٍ جَمَعَتِ الْفَرِيقَ الثَّالِثَ فِي مَقَالَةٍ أُخْرَى وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ [الْبَقَرَة: ١١٨] إِلَى قَوْلِهِ: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [الْبَقَرَة: ١١٨] . وَالْقَوْلُ هُنَا عَلَى حَقِيقَتِهِ وَهُوَ الْكَلَامُ اللِّسَانِيُّ وَلِذَلِكَ نَصَبَ الْجُمْلَةَ وَأُرِيدَ أَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَفْقِ الِاعْتِقَادِ. وَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً جَاءَ بِلَفْظِ (اتَّخَذَ) تَعْرِيضًا بِالِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ بِأَنَّ كَلَامَهُمْ لَا يَلْتَئِمُ لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا وَلَدًا لِلَّهِ وَيَقُولُونَ اتَّخَذَهُ اللَّهُ. وَالِاتِّخَاذُ الِاكْتِسَابُ وَهُوَ يُنَافِي الْوَلَدِيَّةَ إِذِ الْوَلَدِيَّةُ تُولَدُ بِدُونِ صُنْعٍ فَإِذَا جَاءَ الصُّنْعُ جَاءَتِ الْعُبُودِيَّةُ لَا مَحَالَةَ وَهَذَا التَّخَالُفُ هُوَ مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ فِي عِلْمِ الْجَدَلِ بِفَسَادِ الْوَضْعِ وَهُوَ أَنْ يَسْتَنْتِجَ وُجُودَ الشَّيْءِ مِنْ وُجُودِ ضِدِّهِ كَمَا يَقُولُ قَائِلٌ: الْقَتْلُ جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ فَلَا تُكَفَّرُ مِثْلُ الرِّدَّةِ. وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِالنِّسْبَةِ للْمُشْرِكين ناشىء عَنْ جَهَالَةٍ وَبِالنِّسْبَةِ لأهل الْكِتَابَيْنِ ناشىء عَنْ تَوَغُّلِهِمَا فِي سُوءِ فَهْمِ الدِّينِ حَتَّى تَوَهَّمُوا التَّشْبِيهَاتِ وَالْمَجَازَاتِ حَقَائِقَ فَقَدْ وَرَدَ وَصْفُ الصَّالِحِينَ بِأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ وَوَرَدَ فِي كِتَابِ النَّصَارَى وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ أَبُو عِيسَى وَأَبُو الْأُمَّةِ فَتَلَقَّفَتْهُ عُقُولٌ لَا تَعْرِفُ التَّأْوِيلَ وَلَا تُؤَيِّدُ اعْتِقَادَهَا بِوَاضِحِ الدَّلِيلِ فَظَنَّتْهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ فِي الْإِصْحَاحِ ١٤ مِنْ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ «أَنْتُمْ أَوْلَادٌ لِلرَّبِّ إِلَهِكُمْ لَا تَخْمِشُوا أَجْسَامَكُمْ» وَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى الْإِصْحَاحِ ٥ «طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ يُدْعَوْنَ» وَفِيهِ «وَصَلُّوا لِأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ» وَفِي الْإِصْحَاحِ ٦ «انْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ إِنَّهَا لَا تَزْرَعُ وَلَا تَحْصُدُ وَلَا تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا» وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي الْأَنَاجِيلِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَفَهِمُوهَا بِسُوءِ الْفَهْمِ عَلَى ظَاهِرِ عِبَارَتِهَا وَلَمْ يُرَاعُوا أُصُولَ الدِّيَانَةِ الَّتِي تُوجِبُ تَأْوِيلَهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا جَاءَتْهُمْ أَمْثَالُ هَاتِهِ الْعِبَارَاتِ أَحْسَنُوا تَأْوِيلَهَا وَتَبَيَّنُوا دَلِيلَهَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ» .

стр. 708

وَقَوْلُهُ: سُبْحانَهُ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَنْ شَنِيعِ هَذَا الْقَوْلِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْوَلَدِيَّةَ نَقْصٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ كَمَالًا فِي الشَّاهِدِ لِأَنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ كَمَالًا فِي الشَّاهِدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَسُدُّ بَعْضَ نَقَائِصِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ وَالْفَقْرِ وَتَسُدُّ مَكَانَهُ عِنْدَ الِاضْمِحْلَالِ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ فَلَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ لَآذَنَ بِالْحُدُوثِ وَبِالْحَاجَةِ إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِضْرَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ لِإِبْطَالِهِ، وَأَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى الْإِبْطَالِ بِقَوْلِهِ: لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ وَاللَّامُ لِلْمُلْكِ وَ (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أَيْ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ هِيَ مَجْمُوعُ الْعَوَالِمِ العلوية والسفلية. و (مَا) مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ تَقَعُ عَلَى الْعَاقِلِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى الْمَجْمُوعِ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي «الْمُفَصَّلِ» وَاخْتَارَهُ الرَّضِيُّ. وَقِيلَ: (مَا) تَغْلِبُ أَوْ تَخْتَصُّ بِغَيْرِ الْعُقَلَاء وَمن تخْتَص بِالْعُقَلَاءِ وَرُبَّمَا اسْتُعْمِلَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ وَهَذَا هُوَ الْمُشْتَهَرُ بَيْنَ النُّحَاةِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا وَعَلَيْهِ فَهُمْ يُجِيبُونَ عَلَى نَحْوِ هَاتِهِ الْآيَةِ بِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ التَّغْلِيبِ تَنْزِيلًا لِلْعُقَلَاءِ فِي كَوْنِهِمْ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ بِمَنْزِلَةٍ مُسَاوِيَةٍ لِغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَوْجُودَاتِ تَصْغِيرًا لِشَأْنِ كُلِّ مَوْجُودٍ. وَالْقُنُوتُ الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ مَعَ خَوْفٍ وَإِنَّمَا جَاءَ قانِتُونَ بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ الْمُخْتَصِّ بِالْعُقَلَاءِ تَغْلِيبًا لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْقُنُوتِ عَنْ إِرَادَةٍ وَبَصِيرَةٍ. وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفُ بَعْدَ (كُلٍّ) دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَيْ كُلُّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيِ الْعُقَلَاءُ لَهُ قَانِتُونَ وَتَنْوِينُ (كُلٍّ) تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها [الْبَقَرَة: ١٤٨] فِي هَذِهِ السُّورَةِ. وَفِي قَوْلِهِ: لَهُ قانِتُونَ حُجَّةٌ ثَالِثَةٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْوَلَدِ لِأَنَّ الْخُضُوعَ مِنْ شِعَارِ الْعَبِيدِ أَمَّا الْوَلَدُ فَلَهُ إِدْلَالٌ عَلَى الْوَالِدِ وَإِنَّمَا يَبَرُّ بِهِ وَلَا يَقْنُتُ، فَكَانَ إِثْبَاتُ الْقُنُوتِ كِنَايَةً عَنِ انْتِفَاءِ الْوَلَدِيَّةِ بِانْتِفَاءِ لَازِمِهَا لِثُبُوتِ مُسَاوِي نَقِيضِهِ وَمُسَاوِي النَّقِيضِ نَقِيضٌ وَإِثْبَاتُ النَّقِيضِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مَا هُوَ نَقِيضٌ لَهُ. وَفَصْلُ جُمْلَةِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ لِقَصْدِ اسْتِقْلَالِهَا بِالِاسْتِدْلَالِ حَتَّى لَا يَظُنَّ السَّامِعُ أَنَّهَا مُكَمِّلَةٌ لِلدَّلِيلِ الْمَسُوقِ لَهُ قَوْلُهُ: لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ وَلَدَهُ أَعْتَقَ عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ نَفْيَ الْوَلَدِيَّةِ بِإِثْبَاتِ الْعُبُودِيَّةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَنَافِي الْمَاهِيَّتَيْنِ وَهُوَ استرواح حسن.

стр. 709

[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١١٧] بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) هُوَ بِالرَّفْعِ خَبْرٌ لِمَحْذُوفٍ عَلَى طَرِيقَةِ حَذْفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ لِاتِّبَاعِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: صُمٌّ بُكْمٌ [الْبَقَرَة: ١٨] وَذَلِكَ مِنْ جِنْسِ مَا يُسَمُّونَهُ بِالنَّعْتِ الْمَقْطُوعِ. وَالْبَدِيعُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِبْدَاعِ وَهُوَ الْإِنْشَاءُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِنْشَاءِ الْمُنْشَآتِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ وَذَلِكَ هُوَ خَلْقُ أُصُولِ الْأَنْوَاعِ وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْ مُتَوَلِّدَاتِهَا، فَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ إِبْدَاعٌ وَخَلْقُ الْأَرْضِ إِبْدَاعٌ وَخَلْقُ آدَمَ إِبْدَاعٌ وَخَلْقُ نِظَامِ التَّنَاسُلِ إِبْدَاعٌ. وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ فَقِيلَ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ بَدَعَ الْمُجَرَّدِ مِثْلَ قَدَرَ إِذَا صَحَّ وَوَرَدَ بَدَعَ بِمَعْنَى قَدَرَ بِقِلَّةٍ أَوْ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ أَبْدَعَ وَمَجِيءُ فَعِيلٍ مِنْ أَفْعَلَ قَلِيلٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرو بن معديكرب: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ (١) يُرِيدُ الْمَسْمَعَ، وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: سَقَاكَ بِهَا الْمَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيَّةً ... فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَ أَيْ كَأْسًا مَرْوِيَّةً. فَيَكُونُ هُنَا مِمَّا جَاءَ قَلِيلًا وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [الْبَقَرَة: ٣٢] وَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: بَشِيراً وَنَذِيراً [الْبَقَرَة: ١١٩] . وَقَدْ قِيلَ فِي الْبَيْتِ تَأْوِيلَاتٌ مُتَكَلَّفَةٌ وَالْحَقُّ أَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ قَلِيلٌ حُفِظَ فِي أَلْفَاظٍ مِنَ الْفَصِيحِ غَيْرِ قَلِيلَةٍ مِثْلِ النَّذِيرِ وَالْبَشِيرِ إِلَّا أَنَّ قِلَّتَهُ لَا تُخْرِجُهُ عَنِ الْفَصَاحَةِ لِأَنَّ شُهْرَتَهُ تَمْنَعُ مِنْ جَعْلِهِ غَرِيبًا. وَأَمَّا كَوْنُهُ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ فَلَا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُوَلَّدِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقِيسَ عَلَيْهِ فِي مَادَّةٍ أُخْرَى.

стр. 710

وَذَهَبَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» إِلَى أَنَّ بَدِيعَ هُنَا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مَأْخُوذٌ مِنْ بَدُعَ بِضَمِّ الدَّالِّ أَيْ كَانَتِ الْبَدَاعَةُ صِفَةً ذَاتِيَّةً لَهُ بِتَأْوِيلِ بَدَاعَةِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّتِي هِيَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ فَأُضِيفَتْ إِلَى فَاعِلِهَا الْحَقِيقِيِّ عَلَى جَعْلِهِ مُشَبَّهًا بِالْمَفْعُولِ بِهِ وَأَجْرِيَتِ الصِّفَةُ عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ ليَكُون ضَمِيره فاعلالها لَفْظًا عَلَى نَحْوِ زَيْدٌ حَسَنُ الْوَجْهِ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ بَدِيعُ الشِّعْرِ، أَيْ بَدِيعَةٌ سَمَاوَاتُهُ. وَأَمَّا بَيْتُ عَمْرٍو فَإِنَّمَا عَيَّنُوهُ لِلتَّنْظِيرِ وَلَمْ يُجَوِّزُوا فِيهِ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ السَّمِيعُ بِمَعْنَى الْمَسْمُوعِ لِوُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ سَمِيعٌ بِمَعْنَى مَسْمُوعٍ مَعَ أَنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ غَيْرُ مُطَّرِدٍ. الثَّانِي أَنَّ سَمِيعٌ وَقَعَ وَصْفًا لِلذَّاتِ وَهُوَ الدَّاعِي وَحُكْمُ سَمِعَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى مَا لَا يَسْمَعُ أَنْ تَصِيرَ مِنْ أَخَوَات ظَنَّ فَيَلْزَمُ مَجِيءُ مَفْعُولٍ ثَانٍ بَعْدَ النَّائِبِ الْمُسْتَتِرِ وَهُوَ مَفْقُودٌ الثَّالِثُ أَنَّ الْمَعْنَى لَيْسَ عَلَى وَصْفِ الدَّاعِي بِأَنَّهُ مَسْمُوعٌ بَلْ عَلَى وَصْفِهِ بِأَنَّهُ مُسْمِعٌ أَيِ الدَّاعِي الْقَاصِدُ لِلْإِسْمَاعِ الْمُعْلِنُ لِصَوْتِهِ وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهُ دَاعٍ فِي أَمْرٍ مُهِمٍّ. وَوَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِبَدِيعِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُرَادٌ بِهِ أَنه بديع مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَفِي هَذَا الْوَصْفِ اسْتِدْلَالٌ عَلَى نَفْيِ بُنُوَّةِ مَنْ جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا، فَلَا شَيْءَ مِنْ تِلْكَ الْمَوْجُودَاتِ أَهْلٌ لِأَنْ يَكُونَ وَلَدًا لَهُ بَلْ جَمِيعُ مَا بَيْنَهُمَا عَبِيدٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْبَقَرَة: ١١٦] وَلِهَذَا رُتِّبَ نَفْيُ الْوَلَدِ عَلَى كَونه بديع السَّمَوَات وَالْأَرْضِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٠] بِقَوْلِهِ: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ. وَقَوْلُهُ: وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ إِلَخْ كَشْفٌ لِشُبْهَةِ النَّصَارَى وَاسْتِدْلَالٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَّخِذُ وَلَدًا بَلْ يُكَوِّنُ الْكَائِنَاتِ كُلَّهَا بِتَكْوِينٍ وَاحِدٍ وَكُلُّهَا خَاضِعَةٌ لِتَكْوِينِهِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى تَوَهَّمُوا أَنَّ مَجِيءَ الْمَسِيحِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ تَكْوِينَ أَحْوَالِ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ لَا شَيْءَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى التَّكْوِينِ وَالتَّقْدِيرِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا وُجِدَ بِوَاسِطَةٍ تَامَّةٍ أَوْ نَاقِصَةٍ أَوْ بِلَا وَاسِطَةٍ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمرَان: ٥٩] فَلَيْسَ تَخَلُّقُ عِيسَى مِنْ أُمٍّ دُونَ أَبٍ بِمُوجِبِ كَوْنِهِ ابْنَ الله تَعَالَى. و (كَانَ) فِي الْآيَةِ تَامَّةٌ لَا تَطْلُبُ خَبَرًا أَيْ يَقُولُ لَهُ: إِيجَدْ فَيُوجَدُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ وَالْمَقُولَ وَالْمُسَبَّبُ هُنَا تَمْثِيلٌ لِسُرْعَةِ وُجُودِ الْكَائِنَاتِ عِنْدَ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ بِهِمَا بِأَنْ شَبَّهَ فِعْلَ اللَّهِ

стр. 711

تَعَالَى بِتَكْوِينِ شَيْءٍ وَحُصُولِ الْمُكَوَّنِ عَقِبَ ذَلِكَ بِدُونِ مُهْلَةٍ بِتَوَجُّهِ الْآمِرِ لِلْمَأْمُورِ بِكَلِمَةِ الْأَمْرِ وَحُصُولِ امْتِثَالِهِ عَقِبَ ذَلِكَ لِأَنَّ تِلْكَ أَقْرَبُ الْحَالَاتِ الْمُتَعَارَفَةِ الَّتِي يُمْكِنُ التَّقْرِيبُ بِهَا فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَتَّسِعُ اللُّغَةُ لِلتَّعْبِيرِ عَنْهَا وَإِلَى نَحْوِ هَذَا مَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» وَنَظَرَهُ بِقَوْلِ أَبِي النَّجْمِ: إِذْ قَالَتِ الْأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الْحَقِ ... قُدُمًا فَآضَتْ كَالْفَنِيقِ الْمُحْنَقِ (١) وَالَّذِي يُعَيِّنُ كَوْنَ هَذَا تَمْثِيلًا أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ خِطَابُ مَنْ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ بِأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فَلَيْسَ هَذَا التَّقْرِيرُ الصَّادِرُ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ مَبْنِيًّا عَلَى مَنْعِ الْمُعْتَزِلَةِ قِيَامَ صِفَةِ الْكَلَامِ بِذَاتِهِ تَعَالَى إِذْ لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يُلْجِئُهُمْ إِلَى اعْتِبَارِ قِيَامِ صِفَةِ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ يُمْكِنُهُمْ تَأْوِيلُهُ بِمَا تَأَوَّلُوا بِهِ آيَاتٍ كَثِيرَةً وَلِذَلِكَ سَكَتَ عَنْهُ ابْنُ الْمُنِيرِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ ابْن عَطِيَّة. [١١٨] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَةٌ ١١٨] وَقالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [الْبَقَرَة: ١١٦] الْمَعْطُوفِ عَلَى قَوْلِهِ: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى [الْبَقَرَة: ١١٣] . لِمُنَاسَبَةِ اشْتِرَاكِ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي الْأَقْوَالِ وَالْعَقَائِدِ الضَّالَّةِ إِلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ قَوْلَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْآيَةِ الْمَاضِيَةِ وَهِيَ وَقالَتِ الْيَهُودُ لأَنهم الَّذين ابتدأوا بِذَلِكَ أَيَّامَ مُجَادَلَتِهِمْ فِي تَفَاضُلِ أَدْيَانِهِمْ وَيَوْمَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ مَا يُوجِبُ الِاشْتِغَالَ بِذَلِكَ إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَقَالُوا مِثْلَ قَوْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَجَمَعَ الْكُلَّ فِي وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرِيقٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ فِيهِ مُقْتَبَسًا مِنَ الْآخَرِ بل جَمِيعه ناشىء مِنَ الْغُلُوِّ فِي تَقْدِيسِ الْمَوْجُودَاتِ الْفَاضِلَةِ وَمَنْشَؤُهُ سُوءُ الْفَهْمِ فِي الْعَقِيدَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَأْخُوذَةً مِنْ كِتَابٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَنْشَأِ قَوْلُُِ

стр. 712

أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً أَمْ مَأْخُوذَةً مِنْ أَقْوَالِ قَادَتِهِمْ كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ. وَقَدَّمَ قَوْلَ الْمُشْرِكِينَ هُنَا لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَعْلَقُ بِالْمُشْرِكِينَ إِذْ هُوَ جَدِيدٌ فِيهِمْ وَفَاشٍ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا كَانُوا مُخْتَرِعِي هَذَا الْقَوْلِ نُسِبَ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ نُظِرَ بِهِمُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، إِذْ قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ لِرُسُلِهِمْ. ولَوْلا هُنَا حَرْفُ تَحْضِيضٍ قُصِدَ مِنْهُ التَّعْجِيزُ وَالِاعْتِذَارُ عَنْ عَدَمِ الْإِصْغَاءِ لِلرَّسُولِ اسْتِكْبَارًا بِأَنَّ عَدُّوا أَنْفُسَهُمْ أَحْرِيَاءَ بِالرِّسَالَةِ وَسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا مُبَالَغَةٌ فِي الْجَهَالَةِ لَا يَقُولُهَا أَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا الرِّسَالَةَ وَالْحَاجَةَ إِلَى الرُّسُلِ. وَقَوْلُهُ: أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ أَرَادُوا مُطْلَقَ آيَةٍ فَالتَّنْكِيرُ لِلنَّوْعِيَّةِ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مُكَابَرَةٌ وَجُحُودٌ لِمَا جَاءَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ وَحَسْبُكَ بِأَعْظَمِهَا وَهُوَ الْقُرْآنُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ التَّنْكِيرِ وَقَدْ سَأَلُوا آيَاتٍ مُقْتَرَحَاتٍ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الْإِسْرَاء: ٩٠] الْآيَاتِ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ الْآيَاتِ هِيَ عَجَائِبُ الْحَوَادِثِ أَوِ الْمَخْلُوقَاتِ وَمَا دَرَوْا أَنَّ الْآيَةَ الْعِلْمِيَّةَ الْعَقْلِيَّةَ أَوْضَحُ الْمُعْجِزَاتِ لِعُمُومِهَا وَدَوَامِهَا وَقَدْ تَحَدَّاهُمُ الرَّسُولُ بِالْقُرْآنِ فَعَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَكَفَاهُمْ بِذَلِكَ آيَةً لَوْ كَانُوا أَهْلَ إِنْصَافٍ. وَقَوْلُهُ: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ أَيْ كَمِثْلِ مَقَالَتِهِمْ هَذِهِ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ. وَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهْمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَدْ قَالَ الْيَهُودُ لِمُوسَى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [الْبَقَرَة: ٥٥] وَسَأَلَ النَّصَارَى عِيسَى هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ [الْمَائِدَة: ١١٢] . وَفِي هَذَا الْكَلَام تَسْلِيَة للنبيء ﷺ بِأَنَّ مَا لَقِيَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِثْلُ مَا لَاقَاهُ الرُّسُلُ قَبْلَهُ وَلِذَلِكَ أُرْدِفَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ [الْبَقَرَة: ١١٩] الْآيَةَ. ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ وَاقِعَةً مَوْقِعَ الْجَوَابِ لِمَقَالَةِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ وَهُوَ جَوَابٌ إِجْمَالِيٌّ اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى تَنْظِيرِ حَالِهِمْ بِحَالِ مَنْ قَبْلَهُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ التَّنْظِيرُ كِنَايَةً عَنِ الْإِعْرَاضِ عَنْ جَوَابِ مَقَالِهِمْ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَأْهِلُ أَنْ يُجَابَ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَرْتَبَةِ مَنْ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَيْسَتْ أَفْهَامُهُمْ بِأَهْلٍ لِإِدْرَاكِ مَا فِي نُزُولِ الْقُرْآنِ مِنْ أَعْظَمِ آيَةٍ وَتَكُونُ جُمْلَةُ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ تَقْرِيرًا أَيْ تَشَابَهَتْ عُقُولُهُمْ فِي الْأَفْنِ وَسُوءِ النَّظَرِ، وَتَكُونُ جُمْلَةُ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ تَعْلِيلًا لِلْإِعْرَاضِ عَنْ جَوَابِهِمْ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ أَهْلٍ لِلْجَوَابِ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَوَابِ هُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ

стр. 713

يُوقِنُونَ وَقَدْ بَيَّنَتْ لَهُمْ آيَاتُ الْقُرْآنِ بِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلَائِلِ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَلَيْسُوا أَهْلًا لِلْجَوَابِ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِقَوْمٍ يُوقِنُونَ بَلْ دَيْدَنُهُمُ الْمُكَابَرَةُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ كَذلِكَ (قَالَ) إِلَى آخِرِهَا مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ وَقالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ وَبَيْنَ جُمْلَةِ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ وَتُجْعَلُ جُمْلَةُ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ هِيَ الْجَوَابَ عَنْ مَقَالَتِهِمْ. وَالْمَعْنَى لَقَدْ أَتَتْكُمُ الْآيَةُ وَهِيَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَلَكِنْ لَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الَّذِينَ يُوقِنُونَ أَيْ دُونَكُمْ فَيَكُونُ عَلَى وِزَانِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ [العنكبوت: ٥١] . وَوَقَعَ الْإِعْرَاضُ عَنْ جَوَابِ قَوْلِهِمْ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ لِأَنَّهُ بَدِيهِيُّ الْبُطْلَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [الْفرْقَان: ٢١] . وَالْقَوْلُ فِي مَرْجِعِ التَّشْبِيهِ وَالْمُمَاثَلَةِ مِنْ قَوْلِهِ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ عَلَى نَحْوِ الْقَوْلِ فِي الْآيَةِ الْمَاضِيَةِ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ [الْبَقَرَة: ١١٣] . وَقَوْلِهِ: تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ تَقْرِيرٌ لِمَعْنَى قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، أَيْ كَانَتْ عُقُولُهُمْ مُتَشَابِهَةً فِي الْأَفْنِ وَسُوءِ النَّظَرِ فَلِذَا اتَّحَدُوا فِي الْمَقَالَةِ. فَالْقُلُوبُ هُنَا بِمَعْنَى الْعُقُولِ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. وَقَوْلُهُ تَشابَهَتْ صِيغَةٌ مِنْ صِيَغِ التَّشْبِيهِ وَهِيَ أَقْوَى فِيهِ مِنْ حُرُوفِهِ وَأَقْرَبُ بِالتَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، وَمِنْ مَحَاسِنِ مَا جَاءَ فِي ذَلِك قَول الصابىء: تَشَابَهَ دَمْعِي إِذْ جَرَى وَمُدَامَتِي ... فَمِنْ مِثْلِ مَا فِي الْكَأْسِ عَيْنِي تَسْكُبُ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ جُعِلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مُمَاثِلَيْنِ لِلْمُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَعْرَقُ فِيهَا إِذْ هُمْ أَشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ فَلَيْسَ ادِّعَاؤُهُمْ وَلَدًا لِلَّهِ بِأَكْثَرَ مِنِ ادِّعَائِهِمْ شَرِكَةَ الْأَصْنَامِ مَعَ الله فِي الإلاهية فَكَانَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مُلْحَقَيْنِ بِهِمْ لِأَنَّ دَعْوَى الِابْنِ لِلَّهِ طَرَأَتْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ تَكُنْ مِنْ أَصْلِ مِلَّتِهِمْ وَبِهَذَا الْأُسْلُوبِ تَأَتَّى الرُّجُوعُ إِلَى بَيَانِ أَحْوَالِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ الْخَاصَّةِ بِهِمْ وَذَلِكَ مِنْ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ. وَجِيءَ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ فِي يُوقِنُونَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالِاسْتِمْرَارِ كِنَايَةً عَنْ كَوْنِ الْإِيمَانِ خُلُقًا لَهُمْ فَأَمَّا الَّذِينَ دَأْبُهُمُ الْإِعْرَاضُ عَنِ النَّظَرِ وَالْمُكَابَرَةِ بَعْدَ ظُهُورِ الْحَقِّ فَإِنَّ الْإِعْرَاضَ يَحُولُ دُونَ حُصُولِ الْيَقِينِ وَالْمُكَابَرَةُ تَحُولُ عَنِ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فَأَصْحَابُ هَذَيْنِ الْخُلُقَيْنِ لَيْسُوا مِنَ الْمُوقِنِينَ.

стр. 714

وَتَبْيِينُ الْآيَاتِ هُوَ مَا جَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ لِلْبَشَرِ الَّذِي تَحَدَّى بِهِ جَمِيعَهُمْ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا الْإِتْيَانَ بِمِثْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيءٌ إِلَّا أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَالْمَعْنَى قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يُوقِنُوا وَلَا يُشَكِّكُوا أَنْفُسَهُمْ أَوْ يُعْرِضُوا حَتَّى يَحُولَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيقَانِ أَوْ يَكُونَ الْمَعْنَى قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُظْهِرُونَ الْيَقِينَ وَيَعْتَرِفُونَ بِالْحَقِّ لَا لِقَوْمٍ مِثْلِكُمْ من المكابرين. [١١٩] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١١٩] إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكَايَاتِ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، الْقَصْدُ مِنْهَا تَأْنِيسُ الرَّسُولِ ﵊ مِنْ أَسَفِهِ عَلَى مَا لَقِيَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّا يُمَاثِلُ مَا لَقِيَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ كَانَ يَوَدُّ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ فَيَتَأَيَّدُ بِهِمُ الْإِسْلَامُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِذَا هُوَ يَلْقَى مِنْهُمْ مَا لَقِيَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَوْ أَشَدَّ وَقَدْ قَالَ «لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ لَآمَنَ بِي الْيَهُودُ كُلُّهُمْ» فَكَانَ لِتَذْكِيرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِأَنَّهُ أَرْسَلَهُ تَهْدِئَةً لِخَاطِرِهِ الشَّرِيفِ وَعَذَرَ لَهُ إِذْ أَبْلَغَ الرِّسَالَةَ وَتَطْمِينٌ لِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ غير مسؤول عَنْ قَوْمٍ رَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِالْجَحِيمِ. وَفِيهِ تَمْهِيدٌ لِلتَّأْيِيسِ مِنْ إِيمَانِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَجِيءَ بِالتَّأْكِيدِ وَإِن كَانَ النَّبِي لَا يَتَرَدَّدُ فِي ذَلِكَ لِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ بِهَذَا الْخَبَرِ وَبَيَانِ أَنَّهُ يُنَوِّهُ بِهِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ تَنْوِيهِ شَأْنِ الرَّسُولِ. وَجِيءَ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ ضَمِيرُ الْجَلَالَةِ تَشْرِيفًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِعِزِّ الْحُضُورِ لِمَقَامِ التَّكَلُّمِ مَعَ الْخَالِقِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ كَأَنَّ اللَّهَ يُشَافِهُهُ بِهَذَا الْكَلَامِ بِدُونِ وَاسِطَةٍ فَلِذَا لَمْ يَقُلْ لَهُ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. وَقَوْلُهُ: بِالْحَقِّ مُتَعَلق بأرسلناك. وَالْحَقُّ هُوَ الْهُدَى وَالْإِسْلَامُ وَالْقُرْآنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ من وُجُوه الْحق المعجزات وَهِيَ كُلُّهَا مُلَابَسَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ فِي رِسَالَتِهِ بَعْضُهَا بِمُلَابَسَةِ التَّبْلِيغِ وَبَعْضُهَا بِمُلَابَسَةِ التَّأْيِيدِ. فَالْمَعْنَى أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: بَشِيراً وَنَذِيراً حَالَانِ وَهُمَا بِزِنَةٍ فَعِيلٍ بِمَعْنَى فَاعِلٍ مَأْخُوذَانِ مِنْ بَشَّرَ الْمُضَاعَفِ وَأَنْذَرَ الْمَزِيدِ فَمَجِيئُهُمَا مِنَ الرُّبَاعِيِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ كَالْقَوْلِ فِي بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْبَقَرَة: ١١٧] الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا، وَقِيلَ: الْبَشِيرُ مُشْتَقٌّ مِنْ بَشَرَ الْمُخَفَّفِ الشِّينِ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَلَا دَاعِيَ إِلَيْهِ.

стр. 715

وَقَوْلُهُ: وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ وَهُوَ إِمَّا عَلَى جُمْلَةِ إِنَّا أَرْسَلْناكَ أَوْ عَلَى الْحَالِ فِي قَوْلِهِ: بَشِيراً وَنَذِيراً وَيَجُوزُ كَوْنُ الْوَاوِ لِلْحَالِ. قَرَأَ نَافِعٌ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ اللَّامِ عَلَى أَنَّ (لَا) حَرْفُ نَهْيٍ جَازِمٌ لِلْمُضَارِعِ وَهُوَ عَطْفُ إِنْشَاءٍ عَلَى خَبَرٍ وَالسُّؤَالُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي الِاهْتِمَامِ وَالتَّطَلُّعِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَالِ مَجَازًا مُرْسَلًا بِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ لِأَنَّ الْمَعْنَى بِالشَّيْءِ الْمُتَطَلِّعِ لِمَعْرِفَةِ أَحْوَالِهِ يَكْثُرُ مِنَ السُّؤَالِ عَنْهُ، أَوْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ فَظَاعَةِ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكَافِرِينَ حَتَّى إِنَّ الْمُتَفَكِّرَ فِي مَصِيرِ حَالِهِمْ يَنْهَى عَنِ الِاشْتِغَالِ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَحْوَالٌ لَا يُحِيطُ بِهَا الْوَصْفُ وَلَا يَبْلُغُ إِلَى كُنْهِهَا الْعَقْلُ فِي فَظَاعَتِهَا وَشَنَاعَتِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ السُّؤَالِ يَرِدُ لِمَعْنَى تَعْظِيمِ أَمْرِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ نَحْوَ قَوْلِ عَائِشَةَ: «يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ» وَلِهَذَا شَاعَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلْقَاءُ الْمَسَائِلِ الصَّعْبَةِ بِطَرِيقَةِ السُّؤَالِ نَحْوَ (فَإِنْ قُلْتَ) لِلِاهْتِمَامِ. وَقَرَأَهُ جُمْهُورُ الْعَشَرَةِ بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَرَفْعِ اللَّامِ عَلَى أَنَّ (لَا) نَافِيَةٌ أَيْ لَا يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ وَهُوَ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ وَالسُّؤَالُ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُؤَاخَذَةِ وَاللَّوْمِ مِثْلُ قَوْله ﷺ : «وكلكم مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ» أَيْ لَسْتَ مُؤَاخَذًا بِبَقَاءِ الْكَافِرِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ بَعْدَ أَنْ بَلَّغْتَ لَهُمُ الدَّعْوَةَ. وَمَا قِيلَ إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي نَهْيِهِ ﷺ عَنِ السُّؤَالِ عَنْ حَالِ أَبَوَيْهِ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ اسْتِنَادٌ لِرِوَايَةٍ وَاهِيَةٍ وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ مُجَافِيًا لِلْبَلَاغَةِ إِذْ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّا أَرْسَلْناكَ تَأْنِيسٌ وَتَسْكِينٌ فَالْإِتْيَانُ مَعَهُ بِمَا يُذَكِّرُ الْمُكَدِّرَاتِ خُرُوجٌ عَنِ الْغَرَضِ وَهُوَ مِمَّا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِفساد الْوَضع. [١٢٠] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٢٠] وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠) عَطْفٌ عَلَى قَوْله: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ [الْبَقَرَة: ١١٩] أَوْ عَلَى إِنَّا أَرْسَلْناكَ [الْبَقَرَة: ١١٩] وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْكَلَامُ الْمُؤَيِّسُ مِنْ إِيمَانِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ قَبْلَهُ التَّأْنِيسَ وَالتَّسْلِيَةَ عَلَى نَحْوِ مَجِيءِ الْعِتَابِ بَعْدَ تَقْدِيمِ الْعَفْوِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التَّوْبَة: ٤٣] وَهَذَا مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ .

стр. 716

وَالنَّفْيُ بِلَنْ مُبَالغَة فِي التأييس لِأَنَّهَا لنفي الْمُسْتَقْبل وتأبيده. وَالْمِلَّةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ الدِّينُ وَالشَّرِيعَةُ وَهِيَ مَجْمُوعُ عَقَائِدَ وَأَعْمَالٍ يَلْتَزِمُهَا طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ يَتَّفِقُونَ عَلَيْهَا وَتَكُونُ جَامِعَةً لَهُمْ كَطَرِيقَةٍ يَتَّبِعُونَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ أَمَلَّ الْكِتَابَ فَسُمِّيَتِ الشَّرِيعَةُ مِلَّةً لِأَنَّ الرَّسُولَ أَوْ وَاضِعَ الدِّينِ يُعْلِمُهَا لِلنَّاسِ وَيُمْلِلُهَا عَلَيْهِمْ كَمَا سُمِّيَتْ دِينًا بِاعْتِبَارِ قَبُولِ الْأُمَّةِ لَهَا وَطَاعَتِهِمْ وَانْقِيَادِهِمْ. وَمَعْنَى الْغَايَةِ فِي حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ الْكِنَايَةُ عَنِ الْيَأْسِ مِنِ اتِّبَاعِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ يَوْمَئِذٍ لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا لَا يَرْضَوْنَ إِلَّا بِاتِّبَاعِهِ مِلَّتَهُمْ فَهُمْ لَا يَتَّبِعُونَ مِلَّتَهُ، وَلَمَّا كَانَ اتِّبَاعُ النَّبِيءِ مِلَّتَهُمْ مُسْتَحِيلًا كَانَ رِضَاهُمْ عَنْهُ كَذَلِكَ عَلَى حَدِّ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [الْأَعْرَاف: ٤٠] وَقَوْلُهُ: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الْكَافِرُونَ: ٢، ٣] وَالتَّصْرِيحُ بِلَا النَّافِيَةِ بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ: وَلَا النَّصارى لِلتَّنْصِيصِ عَلَى استقلالهم بِالنَّفْيِ وَعدم الِاقْتِنَاعُ بِاتِّبَاعِ حَرْفِ الْعَطْفِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُظَنُّ بِهِمْ خِلَافُ ذَلِكَ لِإِظْهَارِهِمْ شَيْئًا مِنَ الْمَوَدَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى [الْمَائِدَة: ٨٢] وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيءِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّبِعٍ مِلَّتَهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ الْقُرْآنَ لِأَنَّهُ جَاءَ بِنَسْخِ كِتَابَيْهِمْ. وَقَوْلُهُ: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى أَمْرٌ بِالْجَوَابِ عَمَّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: وَلَنْ تَرْضى مِنْ خُلَاصَةِ أَقْوَالٍ لَهُمْ يَقْتَضِي مَضْمُونُهَا أَنَّهُمْ لَا يُرْضِيهِمْ شَيْءٌ مِمَّا يَدْعُوهُمُ النَّبِيءُ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ مِلَّتَهُمْ هُدًى فَلَا ضَيْرَ عَلَيْهِ إِنِ اتَّبَعَهَا مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [الْبَقَرَة: ١١١] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّلَوُّنِ فِي الْإِعْرَاضِ عَنِ الدَّعْوَةِ وَلِذَلِكَ جِيءَ فِي جَوَابِهِمْ بِمَا هُوَ الْأُسْلُوبُ فِي الْمُجَاوَبَةِ مِنْ فِعْلِ الْقَوْلِ بِدُونِ حَرْفِ الْعَطْفِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا قَدْ قَالُوا مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ مِنْ قَوْلِهِ: حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ. وهُدَى اللَّهِ مَا يُقَدِّرُهُ لِلشَّخْصِ مِنَ التَّوْفِيقِ أَيْ قُلْ لَهُمْ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ هُدًى إِلَّا أَنْ يَهْدِيَكُمُ اللَّهُ، فَالْقَصْرُ حَقِيقِيٌّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهُدَى اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيَّ هُوَ الْهُدَى يَعْنِي أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْهُدَى إِبْطَالًا لِغُرُورِهِمْ بِأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْمِلَّةِ هُوَ الْهُدَى وَأَنَّ مَا خَالَفَهُ ضَلَالٌ. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْهُدَى وَمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنَ الْهُدَى لِأَنَّ أَكْثَرَهُ مِنَ الْبَاطِلِ. فَإِضَافَةُ الْهُدَى إِلَى اللَّهِ تَشْرِيفٌ، وَالْقَصْرُ إِضَافِيٌّ. وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ حَرَّفُوهُ وَوَضَعُوهُ، فَيَكُونُ الْقَصْرُ إِمَّا حَقِيقِيًّا ادِّعَائِيًّا بِأَنْ يُرَادَ هُوَ الْهُدَى الْكَامِلُ فِي الْهِدَايَةِ فَهُدَى غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ

стр. 717

بِالنِّسْبَةِ إِلَى هُدَى الْقُرْآنِ كُلًّا هُدًى لِأَنَّ هُدَى الْقُرْآنِ أَعَمُّ وَأَكْمَلُ فَلَا يُنَافِي إِثْبَاتَ الْهِدَايَةِ لِكِتَابِهِمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [الْمَائِدَة: ٤٤] وَقَوْلُهُ: وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ [الْمَائِدَة: ٤٦] وَإِمَّا قَصْرًا إِضَافِيًّا أَيْ هُوَ الْهُدَى دُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ مِلَّةٍ مُبْدَلَةٍ مَشُوبَةٍ بِضَلَالَاتٍ وَبِذَلِكَ أَيْضًا لَا يَنْتَفِي الْهُدَى عَنْ كَثِيرٍ من التعاليم والنصائح الصَّالِحَةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَأَهْلِ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ وَالتَّجْرِبَةِ لَكِنَّهُ هُدًى نَاقِصٌ. وَقَوْلُهُ: هُوَ الْهُدى الضَّمِير ضمير فصل. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْهُدَى تَعْرِيفُ الْجِنْسِ الدَّالِّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ مِنْ طُرُقِ الْحَصْرِ هُمَا ضَمِيرُ الْفَصْلِ وَتَعْرِيفُ الْجُزْأَيْنِ وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إِفَادَةُ تَحْقِيقِ مَعْنَى الْقَصْرِ وَتَأْكِيدِهِ لِلْعِنَايَةِ بِهِ فَأَيُّهُمَا اعْتَبَرْتَهُ طَرِيقَ قَصْرٍ كَانَ الْآخَرُ تَأْكِيدًا لِلْقَصْرِ وَلِلْخَبَرِ أَيْضًا. وَالتَّوْكِيدُ بِأَنَّ لِتَحْقِيقِ الْخَبَرِ وَتَحْقِيقِ نِسْبَتِهِ وَإِبْطَالِ تَرَدُّدِ الْمُتَرَدِّدِ لِأَنَّ الْقَصْرَ الْإِضَافِيَّ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ رَدَّ اعْتِقَادِ الْمُخَاطَبِ قَدْ لَا يَتَفَطَّنُ الْمُخَاطَبُ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ فَزِيدَ هُنَا مُؤَكَّدٌ آخَرُ وَهُوَ حَرْفُ (إِنَّ) اهْتِمَامًا بِتَأْكِيدِ هَذَا الْحُكْمِ. فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ عِدَّةُ مُؤَكِّدَاتٍ هِيَ: حَرْفُ إِنَّ وَالْقَصْرُ، إِذِ الْقَصْرُ تَأْكِيدٌ على تَأْكِيد مَا فِي «الْمِفْتَاحِ» فَهُوَ فِي قُوَّةِ مُؤَكِّدَيْنِ، مَعَ تَأْكِيدِ الْقَصْرِ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ وَهِيَ تَنْحَلُّ إِلَى أَرْبَعَةِ مُؤَكِّدَاتٍ لِأَنَّ الْقَصْرَ بِمَنْزِلَةِ تَأْكِيدَيْنِ وَقَدِ انْضَمَّ إِلَيْهِمَا تَأْكِيدُ الْقَصْرِ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ وَتَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ بِحَرْفِ (إِنَّ) . وَلَعَلَّ الْآيَةَ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ اسْتِقْبَالَ النَّبِيءِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا الْيَهُودُ لِقَطْعِ مَعْذِرَةِ الْيَهُودِ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ [الْبَقَرَة: ١٤٣] ، فَأَعْلَمَ رَسُولَهُ بِقَوْلِهِ: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُلِينُ مِنْ تَصَلُّبِ الْيَهُودِ فِي عِنَادِهِمْ فَتَكُونُ إِيمَاءً إِلَى تَمْهِيدِ نَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقَوْلُهُ: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ. اللَّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وَذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْخَبَرِ وَتَحْقِيقٌ لَهُ. وَعَبَّرَ عَنْ طَرِيقَتِهِمْ هُنَالِكَ بِالْمِلَّةِ نَظَرًا لِاعْتِقَادِهِمْ وَشُهْرَةِ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَعَبَّرَ عَنْهَا هُنَا بِالْأَهْوَاءِ بَعْدَ أَنْ مَهَّدَ لَهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى فَإِنَّ الْهَوَى

стр. 718

رَأَيٌ نَاشِئٌ عَنْ شَهْوَةٍ لَا عَنْ دَلِيلٍ، وَلِهَذَا لَمْ يُؤْتَ بِالضَّمِيرِ الرَّاجِعِ لِلْمِلَّةِ وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ فَشَمِلَتْ أَهْوَاؤُهُمُ التَّكْذِيبَ بِالنَّبِيءِ وَبِالْقُرْآنِ وَاعْتِقَادَهُمْ أَنَّ مِلَّتَهُمْ لَا يَنْقُضُهَا شَرْعٌ آخَرُ. وَقَوْلُهُ: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ تَحْذِيرٌ لِكُلِّ مَنْ تَلَقَّى الْإِسْلَامَ أَنْ لَا يَتَّبِعَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَهْوَاءَ الْأُمَمِ الْأُخْرَى، جَاءَ عَلَى طَرِيقَةِ تَحْذِيرِ النَّبِيءِ ﷺ مِثْلَ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] وَهُوَ جَوَابُ الْقَسَمِ وَدَلِيلُ جَوَابِ الشَّرْطِ لِأَنَّ اللَّامَ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ فَالْجَوَابُ لَهَا. وَجِيءَ بِإِنِ الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي تَأْتِي فِي مَوَاقِعِ عَدَمِ الْقَطْعِ بِوُقُوعِ شَرْطِهَا لِأَنَّ هَذَا فَرْضٌ ضَعِيفٌ فِي شَأْنِ النَّبِيءِ وَالْمُسْلِمِينَ. وَالْوَلِيُّ الْقَرِيبُ وَالْحَلِيفُ. وَالنَّصِيرُ كُلُّ مَنْ يُعِينُ أَحَدًا عَلَى مَنْ يُرِيدُ بِهِ ضُرَّا وَكِلَاهُمَا فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. وَ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ مِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَلِيٍّ لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى مَانِعٍ مِنْ عِقَابِهِ وَيُقَدَّرُ مِثْلُهُ بَعْدَ وَلا نَصِيرٍ أَيْ نَصِيرٌ مِنَ اللَّهِ. وَ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ: مِنْ وَلِيٍّ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ. وَعَطْفُ النَّصِيرِ عَلَى الْوَلِيِّ احْتِرَاسٌ لِأَنَّ نَفْيَ الْوَلِيِّ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ كُلِّ نَصِيرٍ إِذْ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ وَلِيٌّ لِكَوْنِهِ دَخِيلًا فِي قَبِيلَةٍ وَيَكُونُ أَنْصَارُهُ مِنْ جِيرَتِهِ. وَكَانَ الْقَصْدُ مِنْ نَفْيِ الْوِلَايَةِ التَّعْرِيضَ بِهِمْ فِي اعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ فَنَفَى ذَلِكَ عَنْهُمْ حَيْثُ لَمْ يَتَّبِعُوا دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نَفَى الْأَعَمَّ مِنْهُ وَهَذِهِ نُكْتَةُ عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى نَفْيِ الْأَعَمِّ. وَقَدِ اشْتَمَلَتْ جُمْلَةُ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ إِلَى آخِرِهَا عَلَى تَحْذِيرٍ مِنَ الطَّمَعِ فِي اسْتِدْنَاءِ الْيَهُودِ أَوِ النَّصَارَى بِشَيْءٍ مِنَ اسْتِرْضَائِهِمْ طَمَعًا فِي إِسْلَامِهِمْ بِتَأَلُّفِ قُلُوبِهِمْ فَأَكَّدَ ذَلِكَ التَّحْذِيرَ بِعَشَرَةِ مُؤَكِّدَاتٍ وَهِيَ الْقَسَمُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللَّامِ الْمُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ. وَتَأْكِيدُ جُمْلَةِ الْجَزَاءِ بِإِنَّ وَبِلَامِ الِابْتِدَاءِ فِي خَبَرِهَا. وَاسْمِيَّةُ جُمْلَةِ الْجَزَاءِ وَهِيَ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ. وَتَأْكِيدُ النَّفْيِ بِمِنْ فِي قَوْلِهِ مِنْ وَلِيٍّ. وَالْإِجْمَالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ بِذِكْرِ اسْمِ الْمَوْصُولِ وَتَبْيِينِهِ بِقَوْلِهِ مِنَ الْعِلْمِ. وَجَعْلُ الَّذِي جَاءَ (أَيْ أُنْزِلَ إِلَيْهِ) هُوَ الْعِلْمُ كُلُّهُ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِغَيْرِهِ لِنُقْصَانِهِ. وَتَأْكِيدُ مِنْ وَلِيٍّ بِعَطْفِ وَلا نَصِيرٍ الَّذِي هُوَ آيِلٌ إِلَى مَعْنَاهُ وَإِنِ اخْتَلَفَ مَفْهُومُهُ، فَهُوَ كالتأكيد بالمرادف.

стр. 719

[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٢١] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) اسْتِئْنَاف ناشىء عَنْ قَوْلِهِ: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى [الْبَقَرَة: ١٢٠] مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى [الْبَقَرَة: ١٢٠] لِتَضَمُّنِهِ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَيْسُوا يَوْمَئِذٍ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْهُدَى؟ كَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَ: كَيْفَ وَهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِشَرِيعَةٍ؟ وَمَنِ الَّذِي هُوَ عَلَى هُدًى مِمَّنِ اتَّبَعَ هَاتَيْنِ الشَّرِيعَتَيْنِ؟ فَأُجِيبُ بِأَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَتَلَوْهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اعْتِرَاضًا فِي آخِرِ الْكَلَامِ لِبَيَانِ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِقَصْدِ إِبْطَالِ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالْإِيمَانِ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ [الْبَقَرَة: ٩١] إِلَخْ. وَهُوَ صَدْرُ هَاتِهِ الْمُحَاوَرَاتِ وَمَا تَخَلَّلَهَا مِنَ الْأَمْثَالِ وَالْعِبَرِ وَالْبَيَانِ. فَقَوْلُهُ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ فَذْلَكَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَجَوَابٌ قَاطِعٌ لِمَعْذِرَتِهِمُ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ. وَلِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فُصِلَتِ الْجُمْلَةُ وَلَمْ تُعْطَفْ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْجَوَابِ، وَلِأَنَّ الْمَحْكِيَّ بِهَا مُبَايِنٌ لِمَا يُقَابِلُهُ الْمُتَضَمِّنُ لَهُ قَوْلُهُ: قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَلَمَّا انْتُقِلَ مِنْهُ إِلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [الْبَقَرَة: ١١٦] وَقَوْلُهُ: وَقالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الْبَقَرَة: ١١٨] . وَقَوْلُهُ: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ حَالٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِذْ هُمُ الْآنَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ. وَانْتَصَبَ حَقَّ تِلاوَتِهِ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ وَإِضَافَتُهُ إِلَى الْمَصْدَرِ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ أَيْ تِلَاوَة حَقًا. و (الْحق) هُنَا ضِدُّ الْبَاطِلِ أَيْ تِلَاوَةً مُسْتَوْفِيَةً قِوَامَ نَوْعِهَا لَا يَنْقُصُهَا شَيْءٌ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِي التِّلَاوَةِ وَتِلْكَ هِيَ التِّلَاوَةُ بِفَهْمِ مَقَاصِدِ الْكَلَامِ الْمَتْلُوِّ فَإِنَّ الْكَلَامَ يُرَادُ مِنْهُ إِفْهَامُ السَّامِعِ فَإِذَا تَلَاهُ الْقَارِئُ وَلَمْ يَفْهَمْ جَمِيعَ مَا أَرَادَهُ قَائِلُهُ كَانَتْ تِلَاوَتُهُ غَامِضَةً، فَحَقُّ التِّلَاوَةِ هُوَ الْعِلْمُ بِمَا فِي الْمَتْلُوِّ. وَقَوْلُهُ: أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ جُمْلَةٌ هِيَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ اسْمُ الْمَوْصُولِ، وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ فِي تَعْرِيفِهِمْ دُونَ الضَّمِيرِ وَغَيْرِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْأَوْصَافَ الْمُتَقَدِّمَةَ الَّتِي اسْتُحْضِرُوا

стр. 720

بِوَاسِطَتِهَا حَتَّى أُشِيرَ إِلَيْهِمْ بِاتِّصَافِهِمْ بِهَا هِيَ الْمُوجِبَةُ لِجَدَارَتِهِمْ بِالْحُكْمِ الْمُسْنَدِ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ عَلَى حَدِّ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] فَلَا شَكَّ أَنَّ تِلَاوَتَهُمُ الْكِتَابَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ تُثْبِتُ لَهُمْ أَوْحَدِيَّتَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِذَلِكَ الْكِتَابِ لِأَنَّ إِيمَانَ غَيْرِهِمْ بِهِ كَالْعَدَمِ. فَالْقَصْرُ ادِّعَائِيٌّ. فَضَمِيرُ بِهِ رَاجِعٌ إِلَى (الْكِتَابِ) مِنْ قَوْلِهِ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ. وَإِذَا كَانُوا هُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لِانْطِبَاقِ الصِّفَاتِ الَّتِي فِي كُتُبِهِمْ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُمْ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِمُ الْعَهْدُ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ الْمُقَفَّى وَأَنْ يَجْتَهِدُوا فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الصَّادِقِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْكَذَبَةِ حَتَّى يَسْتَيْقِنُوا انْطِبَاقَ الصِّفَاتِ عَلَى النَّبِيءِ الْمَوْعُودِ بِهِ فَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ ضَمِيرَ بِهِ عَائِدٌ إِلَى النَّبِيءِ ﷺ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعَادٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ مِنْ قَوْلِهِ: يُؤْمِنُونَ بِهِ إِلَى الْهُدَى فِي قَوْلِهِ: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ [الْبَقَرَة: ١٢٠] أَيْ يُؤْمِنُونَ بِالْقُرْآنِ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ فَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِالْبَاءِ رَاجِعٌ لِلْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ: آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْمُرَادُ بِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ، أَوِ التَّوْرَاةِ فَقَطْ لِأَنَّهَا مُعْظَمُ الدِّينَيْنِ وَالْإِنْجِيلُ تَكْمِلَةٌ فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ مِنَ الْيَهُودِ وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ وَتَمِيمٌ الدَّارِيُّ مِنَ النَّصَارَى. وَالْقَوْلُ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ كَالْقَوْلِ فِي أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِحُكْمِ مَفْهُومِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَفِيهِ اكْتِفَاءٌ عَنِ التَّصْرِيحِ بِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ هُمُ الرَّابِحُونَ فَفِي الْآيَةِ إِيجَازٌ بَدِيعٌ لِدَلَالَتِهَا عَلَى أَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَهُمْ كَافِرُونَ فَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ هُمُ الْفَائِزُونَ وَالْكَافِرُونَ هم الخاسرون. [١٢٢، ١٢٣] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ١٢٢ إِلَى ١٢٣] يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) أُعِيدَ نِدَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ نِدَاءَ التَّنْبِيهِ وَالْإِنْذَارِ وَالتَّذْكِيرِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ فِي الْغَرَضِ الَّذِي سِيقَ الْكَلَامُ الْمَاضِي لِأَجْلِهِ، فَإِنَّهُ ابْتَدَأَ نِدَاءَهُمْ أَوَّلًا بِمِثْلِ هَاتِهِ الْمَوْعِظَةِ فِي ابْتِدَاءِ التَّذْكِيرِ

стр. 721

بِأَحْوَالِهِمُ الْكَثِيرَةِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا عَقِبَ قَوْلِهِ: وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ [الْبَقَرَة: ٤٦] فَذِكْرُ مِثْلِ هَاتِهِ الْجُمْلَةِ هُنَاكَ كَذِكْرِ الْمَطْلُوبِ فِي صِنَاعَةِ الْمَنْطِقِ قَبْلَ إِقَامَةِ الْبُرْهَانِ وَذِكْرُهَا هُنَا كَذِكْرِ النَّتِيجَةِ فِي الْمَنْطِقِ عَقِبَ الْبُرْهَانِ تَأْيِيدًا لِمَا تَقَدَّمَ وَفَذْلَكَةً لَهُ وَهُوَ مِنْ ضُرُوبِ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ. وَقَدْ أُعِيدَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي ذكرت بهَا هُنَا لَك لِلتَّنْبِيهِ عَلَى نُكْتَةِ التَّكْرِيرِ لِلتَّذْكِيرِ وَلَمْ يُخَالِفْ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ إِلَّا من التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالشَّفَاعَةِ فَهُنَالِكَ قَدَّمَ وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ [الْبَقَرَة: ٤٨] وَأَخَّرَ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ [الْبَقَرَة: ٤٨] وَهُنَا قَدَّمَ وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَأَخَّرَ لَفْظَ الشَّفَاعَةِ مُسْنَدًا إِلَيْهِ تَنْفَعُها وَهُوَ تَفَنُّنٌ وَالتَّفَنُّنُ فِي الْكَلَامِ تَنْتَفِي بِهِ سَآمَةُ الْإِعَادَةِ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنَ التَّكْرِيرِ. وَقَدْ حَصُلَ مَعَ التَّفَنُّنِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ إِذْ جَاءَتِ الشَّفَاعَةُ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ مُسْنَدًا إِلَيْهَا الْمَقْبُولِيَّةُ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْعَدْلِ بِسَبَبِ نَفْيِ قَبُولِهَا وَنَفْيُ قَبُولِ الشَّفَاعَةِ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ أَخْذِ الْفِدَاءِ فَعَطَفَ نَفْيَ أَخَذِ الْفِدَاءِ لِلِاحْتِرَاسِ، وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَدَّمَ الْفِدَاءَ لِأَنَّهُ أُسْنِدَ إِلَيْهِ الْمَقْبُولِيَّةُ وَنَفْيُ قَبُولِ الْفِدَاءِ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ نَفْعِ الشَّفَاعَةِ فَعَطَفَ نَفْيَ نَفْعِ الشَّفَاعَةِ عَلَى نَفْيِ قَبُولِ الْفِدَاءِ لِلِاحْتِرَاسِ أَيْضًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي نُفِيَ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ مَقْبُولًا قَدْ جُعِلَ فِي الْآيَتَيْنِ أَوَّلًا وَذُكِرَ الْآخَرُ بَعْدَهُ. وَأَمَّا نَفْيُ الْقَبُولِ مَرَّةً عَنِ الشَّفَاعَةِ وَمَرَّةً عَنِ الْعَدْلِ فَلِأَنَّ أَحْوَالَ الْأَقْوَامِ فِي طَلَبِ الْفِكَاكِ عَنِ الْجُنَاةِ تَخْتَلِفُ، فَمَرَّةً يُقَدِّمُونَ الْفِدَاءَ فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ قَدَّمُوا الشُّفَعَاءَ، وَمَرَّةً يُقَدِّمُونَ الشُّفَعَاءَ فَإِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَفَاعَتُهُمْ عَرَضُوا الْفِدَاءَ. وَقَوْلُهُ: وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ مُرَادٌ مِنْهُ أَنَّهُ لَا عَدْلَ فَيُقْبَلُ وَلَا شَفَاعَةَ شَفِيعٍ يَجِدُونَهُ فَتُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ لِأَنَّ دَفْعَ الْفِدَاءِ مُتَعَذِّرٌ وَتَوَسُّطَ الشَّفِيعِ لِمِثْلِهِمْ مَمْنُوعٌ إِذْ لَا يَشْفَعُ الشَّفِيعُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فَيَكُونُ نَفْيُ نَفْعِ الشَّفَاعَةِ هُنَا مِنْ بَابِ قَوْلِهِ: على لَا حب لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ (١) يُرِيدُ أَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنْ نَفْيِ الْمَوْصُوفِ بِنَفْيِ صِفَتِهِ الْمُلَازِمَةِ

стр. 722

لَهُ كَقَوْلِهِمْ: وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ (١) وَهُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الْمَنَاطِقَةُ بِأَنَّ السَّالِبَةَ تَصْدُقُ مَعَ نَفْيِ الْمَوْضُوعِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالًا فِي أَصْلِ الْعَرَبِيَّةِ فَلَا وَالْمَنَاطِقَةُ تَبِعُوا فِيهِ أَسَالِيبَ الْيُونَانِ. وَالْقَوْلُ فِي بَقِيَّةِ الْآيَاتِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي نَظِيرَتِهَا. وَهُنَا خَتَمَ الْحِجَاجَ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَذَلِكَ مِنْ براعة المقطع. [١٢٤] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٢٤] وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) لَمَّا كَمُلَتِ الْحُجَجُ نُهُوضًا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ فِي عَمِيقِ ضَلَالِهِمْ بِإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَتَبْيِنِ سُوءِ نَوَايَاهُمُ الَّتِي حَالَتْ دُونَ الِاهْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِفَضْلِهِ، وَسَجَّلَ ذَلِكَ عَلَى زُعَمَاءِ الْمُعَانِدِينَ أَعْنِي الْيَهُودَ ابْتِدَاءً بِقَوْلِهِ: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ [الْبَقَرَة: ٤٠] مَرَّتَيْنِ، وَأَدْمَجَ مَعَهُمُ النَّصَارَى اسْتِطْرَادًا مَقْصُودًا، ثُمَّ أُنْصِفَ الْمُنْصِفُونَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يَتْلُونَ الْكِتَابَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، انْتَقَلَ إِلَى تَوْجِيهِ التَّوْبِيخِ وَالتَّذْكِيرِ إِلَى الْعَرَبِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَّهُمْ يَتَعَلَّقُونَ بِمِلَّتِهِ، وَأَنَّهُمْ زَرْعُ إِسْمَاعِيلَ وَسَدَنَةُ الْبَيْتِ الَّذِي بَنَاهُ، وَكَانُوا قَدْ وُخِزُوا بِجَانِبٍ مِنَ التَّعْرِيضِ فِي خِلَالِ الْمُحَاوَرَاتِ الَّتِي جَرَتْ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ لِلصِّفَةِ الَّتِي جَمَعَتْهُمْ وَإِيَّاهُمْ مِنْ حَسَدِ النَّبِيءِ وَالْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنْ خَيْرٍ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ لَيْسَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى شَيْءٍ، وَمِنْ قَوْلِهِمُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [الْبَقَرَة: ١١٦] ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ [الْبَقَرَة: ١١٨] . فَلَمَّا أَخَذَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى حَظَّهُمْ مِنَ الْإِنْذَارِ وَالْمَوْعِظَةِ كَامِلًا فِيمَا اخْتَصُّوا بِهِ، وَأَخَذُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ حَظَّهُمْ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا اشْتَرَكُوا فِيهِ تَهَيَّأَ الْمَقَامُ لِلتَّوَجُّهِ إِلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ لِإِعْطَائِهِمْ حَظَّهُمْ مِنَ الْمَوْعِظَةِ كَامِلًا فِيمَا

стр. 723

اخْتَصُّوا بِهِ، فَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ فَضَائِلِ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ وَدَعْوَتِهِ لِعَقِبِهِ عَقِبَ ذِكْرِ أَحْوَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، هِيَ الِاتِّحَادُ فِي الْمَقْصِدِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَذْكِيرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالنِّعَمِ وَالتَّخْوِيفِ، تَحْرِيضُهُمْ عَلَى الْإِنْصَافِ فِي تَلَقِّي الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالتَّجَرُّدِ مِنَ الْمُكَابَرَةِ وَالْحَسَدِ وَتَرْكِ الْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِنَيْلِ السَّعَادَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ مَوْعِظَةُ الْمُشْرِكِينَ ابْتِدَاءً وَبَنِي إِسْرَائِيلَ تَبَعًا لَهُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ أَشَدُّ اخْتِصَاصًا بِإِبْرَاهِيمَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى نَسَبِهِمْ إِلَيْهِ بِكَوْنِهِمْ حَفَظَةَ حَرَمِهِ، وَمُنْتَمِينَ قَدِيمًا لِلْحَنِيفِيَّةِ وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِمْ دِينٌ يُخَالِفُ الْحَنِيفِيَّةَ بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ. فَحَقِيقٌ أَنْ نَجْعَلَ قَوْلَهُ وَإِذِ ابْتَلى عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [الْبَقَرَة: ٣٠] كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ افْتِتَاحُهُ بِإِذْ عَلَى نَحْوِ افْتِتَاحِ ذِكْرِ خَلْقِ آدَمَ بِقَوْلِهِ: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فَإِنَّ الْأَوَّلَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ الْخَلْقِ الْأَوَّلِ وَقَدْ وَقَعَ عَقِبَ التَّعَجُّبِ مِنْ كُفْرِ الْمُشْرِكِينَ بِالْخَالِقِ فِي قَوْلِهِ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [الْبَقَرَة: ٢٨] ، عُقِّبَتْ تِلْكَ التَّذْكِرَةُ بإنذار من كيفر بِآيَاتِ اللَّهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِقَوْلِهِ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً [الْبَقَرَة: ٣٨] الْآيَةَ، ثُمَّ خُصَّ مِنْ بَيْنِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ عُهِدَ إِلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى عَهْدُ الْإِيمَانِ وَتَصْدِيقُ الرَّسُولِ الَّذِي يَجِيءُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ، لِأَنَّهُمْ صَارُوا بِمَنْزِلَةِ الشُّهَدَاءِ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ. فَتَهَيَّأَ الْمَقَامُ لِتَذْكِيرِ الْفَرِيقَيْنِ بِأَبِيهِمُ الْأَقْرَبِ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ أَيُّ وَجْهٍ يَكُونُ الْمَقْصُودُ بِالْخِطَابِ فِيهِ ابْتِدَاءً الْعَرَبَ، وَيَضُمُّ الْفَرِيقَ الْآخَرَ مَعَهُمْ فِي قَرَنٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ مُعْظَمُ الثَّنَاءِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بِذِكْرِ بِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَمَا تَبِعَهُ إِلَى أَنْ ذُكِرَتِ الْقِبْلَةُ وَسَطَ ذَلِكَ، ثُمَّ طَوَى بِالِانْتِقَالِ إِلَى ذِكْرِ سَلَفِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِقَوْلِهِ: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ [الْبَقَرَة: ١٣٣] لِيُفْضِيَ إِلَى قَوْلِهِ: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا [الْبَقَرَة: ١٣٥] فَيَرْجِعُ إِلَى تَفْضِيلِ الْحَنِيفِيَّةِ وَالْإِعْلَامِ بِأَنَّهَا أَصْلُ الْإِسْلَامِ وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَيْسُوا فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَكَذَلِكَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. وَقَدِ افْتَتَحَ ذِكْرَ هَذَيْنِ الطَّوْرَيْنِ بِفَضْلِ ذِكْرِ فَضْلِ الْأَبَوَيْنِ آدَمَ وَإِبْرَاهِيمَ، فَجَاءَ الْخَبَرَانِ عَلَى أُسْلُوبٍ وَاحِدٍ عَلَى أَبْدَعِ وَجْهٍ وَأَحْكَمِ نَظْمٍ. فَتَعَيَّنَ أَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ وَاذْكُرْ إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِذِ ابْتَلى عُطِفَ عَلَى قَوْله نِعْمَتِيَ [الْبَقَرَة: ١٢٢] أَيِ اذْكُرُوا نِعْمَتِي وَابْتِلَائِي

стр. 724

إِبْرَاهِيمَ، وَيَلْزَمُهُ تَخْصِيصُ هَاتِهِ الْمَوْعِظَةِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَتَخَلَّلَ وَاتَّقُوا يَوْماً [الْبَقَرَة: ١٢٣] بَيْنَ الْمَعْطُوفَيْنِ وَذَلِكَ يُضَيِّقُ شُمُولَ الْآيَةِ، وَقَدْ أُدْمِجَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي وَقَوْلُهُ: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مَقْصِدٌ آخَرُ وَهُوَ تَمْهِيدُ الِانْتِقَالِ إِلَى فَضَائِلِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَالْبَيْتِ الْحَرَامِ، لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الَّذِينَ عَجِبُوا مِنْ نَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَتَذَرَّعُوا بِذَلِكَ إِلَى الطَّعْنِ فِي الْإِسْلَامِ بِوُقُوعِ النَّسْخِ فِيهِ، وَإِلَى تَنْفِيرِ عَامَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنِ اتِّبَاعِهِ لِأَنَّهُ غَيَّرَ قِبْلَتَهُمْ لِيُظْهِرَ لَهُمْ أَنَّ الْكَعْبَةَ هِيَ أَجْدَرُ بِالِاسْتِقْبَالِ وَأَنَّ اللَّهَ اسْتَبْقَاهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ تَنْبِيهًا عَلَى مَزِيَّةِ هَذَا الدِّينِ. وَالِابْتِلَاءُ افْتِعَالٌ مِنَ الْبَلَاءِ، وَصِيغَةُ الِافْتِعَالِ هُنَا لِلْمُبَالَغَةِ وَالْبَلَاءُ الِاخْتِبَارُ وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [الْبَقَرَة: ٤٩] ، وَهُوَ مَجَازٌ مَشْهُورٌ فِيهِ لِأَنَّ الَّذِي يُكَلِّفُ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ يَكُونُ تَكْلِيفُهُ مُتَضَمِّنًا انْتِظَارَ فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ فَيَلْزَمُهُ الِاخْتِبَارُ فَهُوَ مَجَازٌ عَلَى مَجَازٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا التَّكْلِيفُ لِأَنَّ اللَّهَ كَلَّفَهُ بِأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ إِمَّا مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْآدَابِ وَإِمَّا مِنَ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِهِ، وَلَيْسَ فِي إِسْنَادِ الِابْتِلَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِشْكَالٌ بَعْدَ أَنْ عَرَفْتَ أَنَّهُ مَجَازٌ فِي التَّكْلِيفِ، وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ اسْتِعَارَةً تَمْثِيلِيَّةً، وَكَيْفَمَا كَانَ فَطَرِيقُ التَّكْلِيفِ وَحْيٌ لَا مَحَالَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِنُبُوءَةٍ لِتَتَهَيَّأَ نَفْسُهُ لِتَلَقِّي الشَّرِيعَةِ فَلَمَّا امْتَثَلَ مَا أُمِرَ بِهِ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرِّسَالَةِ وَهِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً فَتَكُونُ جُمْلَةُ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً بَدَلَ بَعْضٍ مِنْ جُمْلَةِ وَإِذِ ابْتَلى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِابْتِلَاءُ هُوَ الْوَحْيُ بِالرِّسَالَةِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً تَفْسِيرًا لِابْتَلَى. وَالْإِمَامُ الرَّسُول والقدوة. و (إِبْرَاهِيم) اسْمُ الرَّسُولِ الْعَظِيمِ الْمُلَقَّبِ بِالْخَلِيلِ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ تَارَحَ (وَتُسَمِّي الْعَرَبُ تَارَحَ آزَرَ) بْنَ نَاحُورَ بْنِ سُرُوجِ، ابْن رَعْوِ، ابْن فَالِحَ، ابْن عَابِرَ ابْن شَالِحَ ابْن أَرْفِكْشَادَ، ابْن سَامِ ابْن نُوحٍ هَكَذَا تَقُولُ التَّوْرَاةُ. وَمَعْنَى إِبْرَاهِيمَ فِي لُغَةِ الْكَلْدَانِيِّينَ أَبٌ رَحِيمٌ أَوْ أَبٌ رَاحِمٌ قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ، وَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اسْمَ إِبْرَاهِيمَ إِبْرَامُ وَأَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَوْحَى إِلَيْهِ وَكَلَّمَهُ أَمَرَهُ أَنْ يُسَمَّى إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّهُ يَجْعَلُهُ أَبَا لِجُمْهُورٍ مِنَ الْأُمَمِ، فَمَعْنَى إِبْرَاهِيمَ عَلَى هَذَا أَبُو أُمَمٍ كَثِيرَةٍ. وُلِدَ فِي أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ سَنَةَ ١٩٩٦ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ وَأَلْفٍ قَبْلَ مِيلَادِ الْمَسِيحِ، ثُمَّ انْتَقَلَ بِهِ وَالِدُهُ إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ (وَهِيَ أَرْضُ الْفِنِيقِيِّينَ) فَأَقَامُوا بِحَارَانَ (هِيَ حَوْرَانُ)

стр. 725

ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا لِقَحْطٍ أَصَابَ حَارَانَ فَدَخَلَ مِصْرَ وَزَوْجُهُ سَارَّةُ وَهُنَالِكَ رَامَ مَلِكُ مِصْرَ افْتِكَاكَ سَارَّةَ فَرَأَى آيَةً صَرَفَتْهُ عَنْ مَرَامِهِ فَأَكْرَمَهَا وَأَهْدَاهَا جَارِيَةً مِصْرِيَّةً اسْمُهَا هَاجَرُ وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ، وَسَمَّاهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَسْكَنَ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ وَأُمَّهُ هَاجَرَ بِوَادِي مَكَّةَ ثُمَّ لَمَّا شَبَّ إِسْمَاعِيلُ بَنَى إِبْرَاهِيمُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ هُنَالِكَ. وَتُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ سَنَةَ ١٧٧٣ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَأَلْفٍ قَبْلَ مِيلَادِ الْمَسِيحِ. وَفِي اسْمِهِ لُغَاتٌ لِلْعَرَبِ: إِحْدَاهَا إِبْرَاهِيمُ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ وَقَرَأَ بِهَا الْجُمْهُورُ، وَالثَّانِيَةُ إِبْرَاهَامُ وَقَعَتْ فِي قِرَاءَةِ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ حَيْثُمَا وَقَعَ اسْمُ إِبْرَاهِيمَ، الثَّالِثَةُ إِبْرَاهِمُ وَقَعَتْ فِي رَجَزٍ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: عُذْتُ بِمَا عاذ بِهِ إِبْرَاهِيم ... مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ وَهُوَ قَائِمْ وَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ فِي شَرْحِ حِرْزِ الْأَمَانِيِّ عَنِ الْفَرَّاءِ فِي إِبْرَاهِيمَ سِتَّ لُغَاتٍ: إِبْرَاهِيمُ، إِبْرَاهَامُ، إِبْرَاهُومُ، إِبْرَاهِمُ، (بِكَسْرِ الْهَاءِ) ، إِبْرَاهَمُ (بِفَتْحِ الْهَاءِ) إِبْرَاهُمُ (بِضَمِّ الْهَاءِ) . وَلَمْ يَقْرَأْ جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ الْعَشَرَةِ إِلَّا بِالْأُولَى وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالثَّانِيَةِ فِي ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ مَوْضِعًا سَيَقَعُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي مَوَاضِعِهَا، وَمَعَ اخْتِلَافِ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ فَهُوَ لَمْ يُكْتَبْ فِي مُعْظَمِ الْمَصَاحِفِ الْأَصْلِيَّةِ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، قَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ لَمْ أَجِدْ فِي مَصَاحِفِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ مَكْتُوبًا إِبْرَاهَمَ بِمِيمٍ بَعْدَ الْهَاءِ وَلَمْ يُكْتَبْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَصَاحِفِ إِبْرَاهَامُ بِالْأَلْفِ بَعْدِ الْهَاءِ عَلَى وَفْقِ قِرَاءَةِ هِشَامٍ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ذَكْوَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا خُلَيْدٍ الْقَارِئَ يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مَوْضِعًا إِبْرَاهَامُ قَالَ أَبُو خُلَيْدٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فَقَالَ عِنْدَنَا مُصْحَفٌ قَدِيمٌ فَنَظَرَ فِيهِ ثُمَّ أَعْلَمَنِي أَنَّهُ وَجَدَهَا فِيهِ كَذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْن مِهْرَانَ رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّ أهل دمشق يقرأون إِبْرَاهَامَ وَيَدَّعُونَ أَنَّهَا قِرَاءَةُ عُثْمَانَ ﵁ فَقَالَ مَالِكٌ هَا مُصْحَفُ عُثْمَانَ عِنْدِي ثُمَّ دَعَا بِهِ فَإِذَا فِيهِ كَمَا قَرَأَ أَهْلُ دِمَشْقَ. وَتَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ وَهُوَ لَفْظُ (إِبْرَاهِيمُ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَشْرِيفُ إِبْرَاهِيمَ بِإِضَافَةِ اسْمِ رَبٍّ إِلَى اسْمِهِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْإِيجَازِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ وَإِذِ ابْتَلَى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ.

стр. 726

وَالْكَلِمَاتُ الْكَلَامُ الَّذِي أَوْحَى اللَّهُ بِهِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ إِذِ الْكَلِمَةُ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْجُمَلُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٠] ، وَأَجْمَلَهَا هُنَا إِذْ لَيْسَ الْغَرَضُ تَفْصِيلَ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ وَلَا بَسْطَ الْقِصَّةِ وَالْحِكَايَةِ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ بَيَانُ فَضْلِ إِبْرَاهِيمَ بِبَيَانِ ظُهُورِ عَزْمِهِ وَامْتِثَالِهِ لِتَكَالِيفٍ فَأَتَى بِهَا كَامِلَةً فَجُوزِيَ بِعَظِيمِ الْجَزَاءِ، وَهَذِهِ عَادَةُ الْقُرْآنِ فِي إِجْمَالِ مَا لَيْسَ بِمَحَلِّ الْحَاجَةِ، وَلَعَلَّ جَمْعَ الْكَلِمَاتِ جَمْعُ السَّلَامَةِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أُصُولُ الْحَنِيفِيَّةِ وَهِيَ قَلِيلَةُ الْعَدَدِ كَثِيرَةُ الْكُلْفَةِ، فَلَعَلَّ مِنْهَا الْأَمْرَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، وَأَمَرَهُ بِالِاخْتِتَانِ، وَبِالْمُهَاجَرَةِ بِهَاجَرَ إِلَى شَقَّةٍ بَعِيدَةٍ وَأَعْظَمُ ذَلِكَ أَمْرُهُ بِذَبْحِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ فِي الرُّؤْيَا، وَقَدْ سُمِّيَ ذَلِكَ بَلَاءٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ [الصافات: ١٠٦] . وَقَوْلُهُ: فَأَتَمَّهُنَّ جِيءَ فِيهِ بِالْفَاءِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْفَوْرِ فِي الِامْتِثَالِ وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْعَزْمِ. وَالْإِتْمَامُ فِي الْأَصْلِ الْإِتْيَانُ بِنِهَايَةِ الْفِعْلِ أَوْ إِكْمَالُ آخِرِ أَجْزَاءِ الْمَصْنُوعِ. وَتَعْدِيَةُ فِعْلِ أَتَمَّ إِلَى ضَمِيرِ (كَلِمَاتٍ) مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، وَهُوَ مِنْ تَعْلِيقِ الْفِعْلِ بِحَاوِي الْمَفْعُولِ لِأَنَّهُ كَالْمَكَانِ لَهُ وَفِي مَعْنَى الْإِتْمَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النَّجْم: ٣٧] ، وَقَوْلُهُ: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [الصافات: ١٠٥] ، فَالْإِفْعَالُ هُنَا بِمَعْنَى إِيقَاعِ الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْهَمْزِ التَّصْيِيرَ أَيْ صَيَّرَهَا تَامَّةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ نَاقِصَةً إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ فَعَلَ بَعْضَهَا ثُمَّ أَتَى بِالْبَعْضِ الْآخَرِ، فَدَلَّ قَوْلُهُ: فَأَتَمَّهُنَّ مَعَ إِيجَازِهِ عَلَى الِامْتِثَالِ وَإِتْقَانِهِ وَالْفَوْرِ فِيهِ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ هِيَ الْمَقْصُودُ مِنْ جُزْءِ الْقِصَّةِ فَيَكُونُ عَطْفُهَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ ابْتُلَى فَامْتَثَلَ كَقَوْلِكَ دَعَوْتُ فُلَانًا فَأَجَابَ. وَجُمْلَةُ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَاشِئًا عَمَّا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ مِنْ تَعْظِيمِ الْخَبَرِ وَالتَّنْوِيهِ بِهِ، لِمَا يَقْتَضِيه ظَرْفُ (إِذْ) مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى قِصَّةٍ مِنَ الْأَخْبَارِ التَّارِيخِيَّةِ الْعَظِيمَةِ فَيَتَرَقَّبُ السَّامِعُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى اقْتِصَاصِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَصْلُ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُقَاوَلَةِ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُجَاوَبَةٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ابْتَلى. وَالْإِمَامُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَمِّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الْقَصْدُ وَهُوَ وَزْنُ فَعَّالٍ مِنْ صِيَغِ الْآلَةِ سَمَاعًا كَالْعِمَادِ وَالنِّقَابِ وَالْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ، فَأَصْلُهُ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْأَمُّ أَيِ الْقَصْدُ وَلَمَّا كَانَ الدَّالُّ عَلَى الطَّرِيقِ يَقْتَدِي بِهِ السائر دَلَّ الْإِمَامُ عَلَى الْقُدْوَةِ وَالْهَادِي. وَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ هُنَا الرَّسُولُ فَإِنَّ الرِّسَالَةَ أَكْمَلُ أَنْوَاعِ الْإِمَامَةِ وَالرَّسُولُ أَكْمَلُ أَفْرَادِ هَذَا النَّوْعِ. وَإِنَّمَا عدل عَن التَّعْبِير بِرَسُولًا إِلَى إِماماً لِيَكُونَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى أَنَّ رِسَالَتَهُ تَنْفَعُ

стр. 727

الْأُمَّةَ الْمُرْسَلَ إِلَيْهَا بِطَرِيقِ التَّبْلِيغِ، وَتَنْفَعُ غَيْرَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ بِطَرِيقِ الِاقْتِدَاءِ، فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ رَحَلَ إِلَى آفَاقٍ كَثِيرَةٍ فَتَنَقَّلَ مِنْ بِلَادِ الْكَلْدَانِ إِلَى الْعِرَاقِ وَإِلَى الشَّامِ وَالْحِجَازِ وَمِصْرَ، وَكَانَ فِي جَمِيعِ مَنَازِلِهِ مَحَلَّ التَّبْجِيلِ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّبْجِيلَ يَبْعَثُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ دِينَ بَرْهَمَا الْمُتَّبَعَ فِي الْهِنْدِ أَصْلُهُ مَنْسُوبٌ إِلَى اسْمِ إِبْرَاهَمَ ﵇ مَعَ تَحْرِيفٍ أُدْخِلَ عَلَى ذَلِكَ الدِّينِ كَمَا أُدْخِلَ التَّحْرِيفُ عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ، وَلِيَتَأَتَّى الْإِيجَازُ فِي حِكَايَةِ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ الْآتِي وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، فَيَكُونُ قَدْ سَأَلَ أَنْ يَكُونَ فِي ذُرِّيَّتِهِ الْإِمَامَةُ بِأَنْوَاعِهَا مِنْ رِسَالَةٍ وَمُلْكٍ وَقُدْوَةٍ عَلَى حَسَبِ التَّهَيُّؤِ فِيهِمْ، وَأَقَلُّ أَنْوَاعِ الْإِمَامَةِ كَوْنُ الرَّجُلِ الْكَامِلِ قُدْوَةً لِبَنِيهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَتَلَامِيذِهِ. وَقَوْلُهُ: قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي جَوَابٌ صَدَرَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ فَلِذَا حُكِيَ بِقَالَ دُونَ عَاطِفٍ عَلَى طَرِيقِ حِكَايَةِ الْمُحَاوَرَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [الْبَقَرَة: ٣٠] وَالْمَقُولُ مَعْطُوفٌ عَلَى خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ يُسَمُّونَهُ عَطْفَ التَّلْقِينِ وَهُوَ عَطْفُ الْمُخَاطَبِ كَلَامًا عَلَى مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ تَنْزِيلًا لِنَفْسِهِ فِي مَنْزِلَةِ الْمُتَكَلِّمِ يُكْمِلُ لَهُ شَيْئًا تَرَكَهُ الْمُتَكَلِّمُ إِمَّا عَنْ غَفْلَةٍ وَإِمَّا عَنِ اقْتِصَارٍ فَيُلَقِّنُهُ السَّامِعُ تَدَارُكَهُ بِحَيْثُ يَلْتَئِمُ مِنَ الْكَلَامَيْنِ كَلَامٌ تَامٌّ فِي اعْتِقَادِ الْمُخَاطَبِ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «بَايَعْتُ النَّبِيءَ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- إِلَخْ- فَشَرَطَ عَلَيَّ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِلَّذِي سَأَلَهُ فَلَمْ يُعْطِهِ فَقَالَ لَعَنَ اللَّهُ نَاقَةً حَمَلَتْنِي إِلَيْكَ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ «إِنَّ وَرَاكِبَهَا» ، وَقَدْ لَقَّبُوهُ عَطْفَ التَّلْقِينِ كَمَا فِي «شرح التفتازانيّ عَلَى الْكَشَّافِ» وَذَلِكَ لِأَنَّ أَكْثَرَ وُقُوعِ مِثْلِهِ فِي مَوْقِعِ الْعَطْفِ، وَالْأَوْلَى أَنْ تُحْذَفَ كَلِمَةُ عَطْفَ وَنُسَمِّي هَذَا الصِّنْفَ مِنَ الْكَلَامِ بِاسْمِ التَّلْقِينِ وَهُوَ تَلْقِينُ السَّامِعِ الْمُتَكَلِّمِ مَا يَرَاهُ حَقِيقًا بِأَنْ يُلْحِقَهُ بِكَلَامِهِ، فَقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقَةِ الْعَطْفِ وَهُوَ الْغَالِبُ كَمَا هُنَا، وَقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهَامِ الإنكاري وَالْحَال كَقَوْل تَعَالَى: قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً [الْبَقَرَة: ١٧٠] فَإِنَّ الْوَاوَ مَعَ (لَوِ) الْوَصْلِيَّةِ وَاوُ الْحَالِ وَلَيْسَ وَاوَ الْعَطْفِ فَهُوَ إِنْكَارٌ عَلَى إِلْحَاقِهِمُ الْمُسْتَفْهَمَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ وَدَعْوَاهُمْ، وَقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِ الْعَبَّاسِ لَمَّا قَالَ النَّبِيءُ ﷺ فِي حَرَمِ مَكَّةَ «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ» فَقَالَ الْعَبَّاسُ إِلَّا الْإِذْخِرَ لِبُيُوتِنَا وَقَيْنِنَا، وَلِلْكَلَامِ الْمَعْطُوفِ عَطْفَ التَّلْقِينِ مِنَ الْحُكْمِ حُكْمُ

стр. 728

الْكَلَامِ الْمَعْطُوفِ هُوَ عَلَيْهِ خَبَرًا وَطَلَبًا، فَإِذَا كَانَ كَمَا هُنَا عَلَى طَرِيقِ الْعَرْضِ عُلِمَ إِمْضَاءُ الْمُتَكَلِّمِ لَهُ إِيَّاهُ، بِإِقْرَارِهِ كَمَا فِي الْآيَةِ أَوِ التَّصْرِيحِ بِهِ كَمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ «إِلَّا الْإِذْخِرَ» ، ثُمَّ هُوَ فِي الْإِنْشَاءِ إِذَا عُطِفَ مَعْمُولُ الْإِنْشَاءِ يَتَضَمَّنُ أَنَّ الْمَعْطُوفَ لَهُ حُكْمُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْعَطْفِ فِي الْإِنْشَاءِ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِالْإِنْشَاءِ لَزِمَ تَأْوِيلُ عَطْفِ التَّلْقِينِ فِيهِ بِأَنَّهُ عَلَى إِرَادَةِ الْعَطْفِ عَلَى مَعْمُولٍ لَازِمِ الْإِنْشَاءِ فَفِي الْأَمْرِ إِذَا عَطَفَ الْمَأْمُورُ مَفْعُولًا عَلَى مَفْعُولِ الْآمِرِ كَانَ الْمَعْنَى زِدْنِي مِنَ الْأَمْرِ فَأَنَا بِصَدَدِ الِامْتِثَالِ وَكَذَا فِي الْمَنْهِيِّ. وَالْمَعْطُوفُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ أَيْ وَبَعْضٌ مِنْ ذُرِّيَّتِي أَوْ وَجَاعِلُ بَعْضٍ مِنْ ذُرِّيَّتِي. وَالذُّرِّيَّةُ نَسْلُ الرَّجُلِ وَمَا تَوَالَدَ مِنْهُ وَمِنْ أَبْنَائِهِ وَبَنَاتِهِ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ إِمَّا مِنَ الذَّرِّ اسْمًا وَهُوَ صِغَارُ النَّمْلِ، وَإِمَّا مِنَ الذَّرِّ مَصْدَرًا بِمَعْنَى التَّفْرِيقِ، وَإِمَّا مِنَ الذُّرَى وَالذَّرْوِ (بِالْيَاءِ وَالْوَاوِ) وَهُوَ مَصْدَرُ ذَرَتِ الرِّيحُ إِذَا سَفَتْ، وَإِمَّا مِنَ الذَّرْءِ بِالْهَمْزِ وَهُوَ الْخَلْقُ، فَوَزْنُهَا إِمَّا فُعْلِيَّةُ بِوَزْنِ النَّسَبِ إِلَى ذَرٍّ وَضَمِّ الذَّالِ فِي النَّسَبِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ كَمَا قَالُوا فِي النَّسَبِ إِلَى دَهْرٍ دُهْرِيٍّ بِضَمِّ الدَّالِّ، وَإِمَّا فُعِّيلَةٌ أَوْ فُعُّولَةٌ مِنَ الذُّرَى أَوِ الذَّرْوِ أَوِ الذَّرْءِ بِإِدْغَامِ الْيَائَيْنِ أَوِ الْيَاءِ مَعَ الْوَاوِ أَوِ الْيَاءِ مَعَ الْهَمْزَةِ بَعْدَ قَلْبِهَا يَاءً وَكُلُّ هَذَا تَصْرِيفٌ لِاشْتِقَاقِ الْوَاضِعِ فَلَيْسَ قِيَاسَ التَّصْرِيفِ. وَإِنَّمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي وَلَمْ يَقُلْ وَذُرِّيَّتِي لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لَمْ تَجْرِ بِأَنْ يَكُونَ جَمِيعَ نَسْلِ أَحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُونَ لِأَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ فَلَمْ يَسْأَلْ مَا هُوَ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً لِأَنَّ سُؤَالَ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ. وَإِنَّمَا سَأَلَ لِذَرِّيَّتِهِ وَلَمْ يَقْصُرِ السُّؤَالَ عَلَى عَقِبِهِ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي عَصَبِيَّةِ الْقَائِلِ لِأَبْنَاءِ دِينِهِ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي تَفَاوُتًا فَيَرَى أَبْنَاءَ الِابْنِ وَأَبْنَاءَ الْبِنْتِ فِي الْقُرْبِ مِنَ الْجِدِّ بَلْ هُمَا سَوَاءٌ فِي حُكْمِ الْقَرَابَةِ، وَأَمَّا مَبْنَى الْقَبَلِيَّةِ فَعَلَى اعْتِبَارَاتٍ عُرْفِيَّةٍ تَرْجِعُ إِلَى النُّصْرَةِ وَالِاعْتِزَازِ فَأَمَّا قَوْلُ: بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ فَوَهْمٌ جَاهِلِيٌّ، وَإِلَّا فَإِنَّ بَنِي الْأَبْنَاءِ أَيْضًا بَنُوهُمْ أَبْنَاءُ النِّسَاءِ الْأَبَاعِدِ، وَهَلْ يَتَكَوَّنُ نَسْلٌ إِلَّا مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ. وَكَذَا قَوْلُ:

стр. 729

وَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ ... فِيهَا خُلِقْنَ وَلِلْأَبْنَاءِ أَبْنَاءُ فَذَلِكَ سَفْسَطَةٌ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنِ الْأَحَقِّ بِالْبَرِّ مِنْ أَبَوَيْهِ «أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أَبُوكَ» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ [لُقْمَان: ١٤] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ اسْتِجَابَةٌ مَطْوِيَّةٌ بِإِيجَازٍ وَبَيَانٍ لِلْفَرِيقِ الَّذِي تَتَحَقَّقُ فِيهِ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِي لَا تَتَحَقَّقُ فِيهِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى أَحَدِهِمَا لِأَنَّ حُكْمَ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ يَثْبُتُ نَقِيضُهُ لِلْآخَرِ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِيجَازِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرِ الصِّنْفُ الَّذِي تَحَقَّقَ فِيهِ الدَّعْوَةُ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ ذِكْرُ الصِّنْفِ الْآخَرِ تَعْرِيضًا بِأَنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ يَوْمَئِذٍ أَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَمُشْرِكُو الْعَرَبِ هُمُ الَّذِينَ يُحْرَمُونَ مَنْ دَعْوَتِه، قَالَ تَعَالَى: مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [آل عمرَان: ٦٧، ٦٨] وَلِأَنَّ الْمُرَبِّي يَقْصِدُ التَّحْذِيرَ مِنَ الْمَفَاسِدِ قَبْلَ الْحَثِّ عَلَى الْمَصَالِحِ، فَبَيَانُ الَّذِينَ لَا تَتَحَقَّقُ فِيهِمُ الدَّعْوَةُ أَوْلَى مِنْ بَيَانِ الْآخَرِينَ. ويَنالُ مُضَارِعُ نَالَ نَيْلًا بِالْيَاءِ إِذَا أَصَابَ شَيْئًا وَالْتَحَقَ بِهِ أَيْ لَا يُصِيبُ عَهْدِيَ الظَّالِمِينَ أَيْ لَا يَشْمَلُهُمْ، فَالْعَهْدُ هُنَا بِمَعْنَى الْوَعْدِ الْمُؤَكَّدِ. وَسُمِّيَ وَعْدُ اللَّهِ عَهْدًا لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ فَصَارَ وَعْدُهُ عَهْدًا وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ النَّبِيءُ عَهْدًا فِي قَوْلِهِ «أَنْشُدُكَ عَهْدُكُ وَوَعْدُكُ» ، أَيْ لَا يَنَالُ وَعْدِي بِإِجَابَةِ دَعَوْتِكَ الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُفَسَّرَ الْعَهْدُ هُنَا بِغَيْرِ هَذَا وَإِنْ كَانَ فِي مَوَاقِعَ مِنَ الْقُرْآنِ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْعَهْدِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ. وَمِنْ دِقَّةِ الْقُرْآنِ اخْتِيَارُ هَذَا اللَّفْظِ هُنَا لِأَنَّ الْيَهُودَ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَهِدَ لِإِبْرَاهِيمَ عَهْدًا بِأَنَّهُ مَعَ ذُرِّيَّتِهِ فَفِي ذِكْرِ لَفْظِ الْعَهْدِ تَعْرِيضٌ بِهِمْ وَإِنْ كَانَ صَرِيحَ الْكَلَامِ لِتَوْبِيخِ الْمُشْرِكِينَ. وَالْمُرَادُ بِالظَّالِمِينَ ابْتِدَاءً الْمُشْرِكُونَ أَيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِذْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لُقْمَان: ١٣] وَالظُّلْمُ يَشْمَلُ أَيْضًا عَمَلَ الْمَعَاصِي الْكَبَائِرِ كَمَا وَقَعَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: ١١٣] وَقَدْ وَصَفَ الْقُرْآنُ الْيَهُودَ بِوَصْفِ الظَّالِمِينَ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الْمَائِدَة: ٤٥] فَالْمُرَادُ بِالظُّلْمِ الْمَعَاصِي الْكَبِيرَةُ وَأَعْلَاهَا الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعَالَى.

стр. 730

وَفِي الْآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ يَوْمئِذٍ لَيْسُوا جَدِيرِينَ بِالْإِمَامَةِ لِاتِّصَافِهِمْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الظُّلْمِ كَالشِّرْكِ وَتَحْرِيفِ الْكِتَابِ وَتَأْوِيلِهِ عَلَى حَسَبِ شَهَوَاتِهِمْ وَالِانْهِمَاكِ فِي الْمَعَاصِي حَتَّى إِذَا عَرَضُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ عَلِمُوا انْطِبَاقَهُ عَلَيْهِمْ. وَإِنَاطَةُ الْحُكْمِ بِوَصْفِ الظَّالِمِينَ إِيمَاءً إِلَى عِلَّةِ نَفْيِ أَنْ يَنَالَهُمْ عَهْدُ اللَّهِ فَيَفْهَمُ مِنَ الْعِلَّةِ أَنَّهُ إِذَا زَالَ وَصْفُ الظُّلْمِ نَالَهُمُ الْعَهْدُ. وَفِي الْآيَةِ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِالْكَبِيرَةِ لَيْسَ مُسْتَحِقًّا لِإِسْنَادِ الْإِمَامَةِ إِلَيْهِ أَعَنَى سَائِرَ وِلَايَاتِ الْمُسْلِمِينَ: الْخِلَافَةُ وَالْإِمَارَةُ وَالْقَضَاءُ وَالْفَتْوَى وَرِوَايَةُ الْعَلَمِ وَإِمَامَةُ الصَّلَاةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. قَالَ فَخْرُ الدِّينِ: قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ الْفَاسِقُ حَالَ فِسْقِهِ لَا يَجُوزُ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لَهُ. وَفِي «تَفْسِيرِ ابْنِ عَرَفَةَ» تَسْلِيمُ ذَلِكَ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنِ الْمَازِرِيِّ وَالْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ إِذَا عُقِدَ لِلْإِمَامِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ ثُمَّ فَسَقَ وَجَارَ فَإِنْ كَانَ فِسْقُهُ بِكُفْرٍ وَجَبَ خَلْعُهُ وَأَمَّا بِغَيْرِهِ مِنَ الْمَعَاصِي فَقَالَ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَبَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ يَخْلَعُ وَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا يُخْلَعُ بِالْفِسْقِ وَالظُّلْمِ وَتَعْطِيلِ الْحُدُودِ وَيَجِبُ وَعْظُهُ وَتَرْكُ طَاعَتِهِ فِيمَا لَا تَجِبُ فِيهِ طَاعَةٌ وَهَذَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى خَلْعِهِ فَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ إِلَّا بِفِتْنَةٍ وَحَرْبٍ فَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ وَأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى جَوْرِهِ أَوْلَى مِنَ اسْتِبْدَالِ الْأَمْنِ بِالْخَوْفِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ انطلاق أَيْدِي السُّفَهَاءِ وَالْفُسَّاقِ فِي الْأَرْضِ وَهَذَا حُكْمُ كُلِّ وِلَايَةٍ فِي قَوْلِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ، وَمَا نُقِلَ عَن أبي حينفة مِنْ جَوَازِ كَوْنِ الْفَاسِقِ خَلِيفَةً وَعَدَمِ جَوَازِ كَوْنِهِ قَاضِيًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ الْجَصَّاصُ هُوَ خَطَأٌ فِي النَّقْلِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعَشَرَةِ (عَهْدِي) بِفَتْحِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ وَجْهٌ مِنَ الْوُجُوهِ فِي يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ بِإِسْكَان الْيَاء. [١٢٥] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٢٥] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) تَدَرُّجٌ فِي ذِكْرِ مَنْقَبَةِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ جَعَلَ اللَّهُ بَيْتَهُ بِهَذِهِ الْفَضِيلَة. و (إِذْ) أَضَافَهَا إِلَى جَلَالَتِهِ فَقَالَ: (بَيْتِي) ، وَاسْتِهْلَالٌ لِفَضِيلَةِ الْقِبْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ على ابْتَلى [الْبَقَرَة: ١٢٤] وَأُعِيدَتْ (إِذْ) لِلتَّنْبِيهِ عَلَى

стр. 731

اسْتِقْلَالِ الْقِصَّةِ وَأَنَّهَا جَدِيرَةٌ بِأَنْ تُعَدَّ بِنِيَّةٍ أُخْرَى، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى حُصُولِ مَضْمُونِ هَذِهِ بَعْدَ حُصُولِ الْأُخْرَى أَوْ قَبْلَهُ إِذْ لَا غَرَضَ فِي ذَلِكَ فِي مَقَامِ ذِكْرِ الْفَضَائِلِ، وَلِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُفِيدُ تَرْتِيبًا. وَالْبَيْتُ اسْمُ جِنْسٍ لِلْمَكَانِ الْمُتَّخَذِ مَسْكَنًا لِوَاحِدٍ أَوْ عَدَدٍ مِنَ النَّاسِ فِي غَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ، وَهُوَ مَكَانٌ مِنَ الْأَرْضِ يُحِيطُ بِهِ مَا يُمَيِّزُهُ عَنْ بَقِيَّةِ بُقْعَتِهِ مِنَ الْأَرْضِ لِيَكُونَ السَّاكِنُ مُسْتَقِلًّا بِهِ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ يَتْبَعُهُ فَيَكُونُ مُسْتَقِرًّا لَهُ وَكُنَّا يَكُنَّهُ مِنَ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ وَسَاتِرًا يَسْتَتِرُ فِيهِ عَنِ النَّاسِ ومحطا لأثاثه وشؤونه، وَقَدْ يَكُونُ خَاصًّا وَهُوَ الْغَالِبُ وَقَدْ يَكُونُ لِجَمَاعَةٍ مِثْلَ دَارِ النَّدْوَةِ فِي الْعَرَبِ وَخَيْمَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ يَكُونُ مُحِيطَ الْبَيْتِ مِنْ حَجَرٍ وَطِينٍ كَالْكَعْبَةِ وَدَارِ النَّدْوَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَدِيمٍ مِثْلَ الْقِبَابِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ نَسِيجِ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها [النَّحْل: ٨٠] ، وَلَا يَكُونُ بَيْتًا إِلَّا إِذَا كَانَ مَسْتُورًا أَعْلَاهُ عَنِ الْحَرِّ وَالْقَرِّ وَذَلِكَ بِالسَّقْفِ لِبُيُوتِ الْحَجَرِ وَبُيُوتِ الْأَدِيمِ وَالْخِيَامِ. وَالْبَيْتُ عَلَمٌ بِالْغَلَبَةِ عَلَى الْكَعْبَةِ كَمَا غُلِبَ النَّجْمُ عَلَى الثُّرَيَّا. وَأَصْلُ أَلِ الَّتِي فِي الْأَعْلَامِ بِالْغَلَبَةِ هِيَ أَلِ الْعَهْدِيَّةِ وَذَلِكَ إِذَا كَثُرَ عَهْدُ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ جِنْسٍ بَيْنَ طَائِفَةٍ أَوْ قَوْمٍ صَارَ اسْمُ جِنْسِهِ مَعَ أَلِ الْعَهْدِيَّةِ كَالْعَلَمِ لَهُ ثُمَّ قَدْ يَتَعَهَّدُونَ مَعَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ كَمَا فِي النَّجْمِ لِلثُّرَيَّا وَالْكِتَابِ لِلْقُرْآنِ وَالْبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ، وَقَدْ يُنْسَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيَّ إِمَّا بِقِلَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ كَالصَّعِقِ عَلَمٌ عَلَى خُوَيْلِدِ بْنِ نُفَيْلٍ وَإِمَّا بِانْحِصَارِ الْجِنْسِ فِيهِ كَالشَّمْسِ. وَالْكَعْبَةُ بَيْتٌ بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ دُونَ شَرِيكٍ فَيَأْوِي إِلَيْهِ مَنْ يَدِينُ بِالتَّوْحِيدِ وَيَطُوفُ بِهِ مَنْ يَقْصِدُ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَلِكَ أَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى كَمَا قَالَ: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَفِي قَوْلِهِ: عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ [إِبْرَاهِيم: ٣٧] وَقَدْ عُرِفَتِ الْكَعْبَةُ بَاسِمِ الْبَيْتِ مِنْ عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ زُهَيْرٌ: فَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الَّذِي طَافَ حَوْلَهُ ... رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُمِ وَالْمَثَابَةُ مَفْعَلَةٌ مِنْ ثَابَ يَثُوبُ إِذَا رَجَعَ وَيُقَالُ مَثَابَةٌ وَمُثَابٌ مِثْلَ مَقَامَةٍ وَمَقَامٍ، وَالْمُرَادُ بِالْمَثَابَةِ أَنَّهُ يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِالتَّعْظِيمِ وَيَلُوذُونَ بِهِ. وَالْمُرَادُ مِنَ النَّاسِ سُكَّانُ مَكَّةَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ وَكُلُّ مَنْ يُجَاوِرُهُمْ وَيَدْخُلُ فِي حَلِفِهِمْ، فَتَعْرِيفُ النَّاسِ لِلْجِنْسِ الْمَعْهُودِ، وَتَعْلِيقٌ لِلنَّاسِ بِمَثَابَةٍ عَلَى التَّوْزِيعِ أَيْ يَزُورُهُ نَاسٌ وَيَذْهَبُونَ فَيَخْلُفُهُمْ نَاسٌ.

стр. 732

وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا ذِكْرَ مَنْقَبَةِ الْبَيْتِ وَالْمِنَّةُ عَلَى سَاكِنِيهِ كَانَ الْغَرَضُ التَّذْكِيرَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ أَنْ جَعْلَهُ لَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ قَوْمٌ إِلَّا وَيَخْلُفُهُمْ قَوْمٌ آخَرُونَ، فَكَانَ الَّذِينَ يَخْلُفُونَ الزَّائِرِينَ قَائِمِينَ مَقَامَهُمْ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْتِ وَسُكَّانِهِ، وَيَجُوزُ حَمْلُ تَعْرِيفِ النَّاسِ عَلَى الْعَهْدِ أَيْ يَثُوبُ إِلَيْهِ النَّاسُ الَّذِينَ أَلِفُوهُ وَهُمْ كُمَّلُ الزَّائِرِينَ فَهُمْ يَعُودُونَ إِلَيْهِ مِرَارًا، وَكَذَلِكَ كَانَ الشَّأْنُ عِنْدَ الْعَرَبِ. وَالْأَمْنُ مَصْدَرٌ أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الْبَيْتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ سَبَبُ أَمْنٍ فَجُعِلَ كَأَنَّهُ نَفْسُ الْأَمْنِ مُبَالَغَةً. وَالْأَمْنُ حُفِظُ النَّاسِ مِنَ الْأَضْرَارِ فَتَشْرِيدُ الدَّعَّارِ وَحِرَاسَةُ الْبِلَادِ وَتَمْهِيدُ السُّبُلِ وَإِنَارَةُ الطُّرُقِ أَمْنٌ، وَالِانْتِصَافُ مِنَ الْجُنَاةِ وَالضَّرْبُ عَلَى أَيْدِي الظَّلَمَةِ وَإِرْجَاعُ الْحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا أَمْنٌ، فَالْأَمْنُ يُفَسَّرُ فِي كُلِّ حَالٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ، وَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَحْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ أَخَذَ الْقَوِيِّ مَالَ الضَّعِيفِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ تَحَاكُمٌ وَلَا شَرِيعَةٌ كَانَ الْأَمْنُ يَوْمَئِذٍ هُوَ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، فَجعل الله لَهُم الْبَيْتَ أَمْنًا لِلنَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَيْ يَصُدُّ الْقَوِيَّ عَنْ أَنْ يَتَنَاوَلَ فِيهِ الضَّعِيفَ قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧] فَهَذِهِ مِنَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَمَّا فِي الْإِسْلَامِ فَقَدْ أَغْنَى اللَّهُ تَعَالَى بِمَا شَرَعَهُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَمَا أَقَامَهُ مِنْ حُكَّامِهِ فَكَانَ ذَلِكَ أَمْنًا كَافِيًا. قَالَ السُّهَيْلِيُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمرَان: ٩٧] إِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ تَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نِعْمَةٌ مِنْهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِذَرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ ﵇. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَأَضْرَابِهَا عَلَى حُكْمِ إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ فِي الْحَرَمِ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الْبَقَرَة: ١٩١] الْآيَةَ وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْجَعْلِ فِي الْآيَةِ إِمَّا الْجَعْلُ التَّكْوِينِيُّ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدَّرَهُ اللَّهُ وَأَوْجَدَ أَسْبَابَهُ فَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَيَسَّرَهُمْ إِلَى تَعْظِيمِهِ، وَإِمَّا الْجَعْلُ أَنْ أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِذَلِكَ فَأَبْلَغَهُ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ وَبَثَّهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ فَتَلْقَاهُ أَعْقَابُهُمْ تَلَقِّي الْأُمُورِ الْمُسَلَّمَةِ، فَدَامَ ذَلِكَ الْأَمْنُ فِي الْعُصُورِ وَالْأَجْيَالِ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ إِلَى أَنْ أَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ بِمَا شَرَعَ مِنْ أَحْكَامِ الْأَمْنِ فِي الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَتَمَّ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُرِيبُكُمْ مَا حَدَثَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنَ الْخَوْفِ فِي حِصَارِ الْحَجَّاجِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَلَا مَا حَدَثَ فِيهِ مِنَ الرُّعْبِ وَالْقَتْلِ وَالنَّهْبِ فِي زَمَنِ الْقَرَامِطَةِ حِينَ غَزَاهُ الْحَسَنُ ابْن بَهْرَامَ الْجُنَّابِيُّ (نِسْبَةٌ إِلَى بَلْدَةٍ يُقَالُ لَهَا جُنَّابَةُ بِتَشْدِيدِ

стр. 733

النُّونِ) كَبِيرُ الْقَرَامِطَةِ إِذْ قَتَلَ بِمَكَّةَ آلَافًا مِنَ النَّاسِ وَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ يَا كِلَابُ أَلَيْسَ قَالَ لَكُمْ مُحَمَّدٌ الْمَكِّيُّ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمرَان: ٩٧] أَيُّ أَمْنٍ هُنَا؟ وَهُوَ جَاهِلٌ غَبِيٌّ لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ الْأَمْرَ بِأَنْ يَجْعَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مَأْمَنًا فِي مُدَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ إِذْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ وَازِعٌ عَنِ الظُّلْمِ، أَوْ هُوَ خَبَرٌ مُرَادٌ بِهِ الْأَمْرُ مِثْلَ وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [الْبَقَرَة: ٢٢٨] . وَقَوْلُهُ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِصِيغَةِ الْمَاضِي عَطْفًا عَلَى جَعَلْنَا فَيَكُونُ هَذَا الِاتِّخَاذُ مِنْ آثَارِ ذَلِكَ الْجَعْلِ فَالْمَعْنَى أَلْهَمْنَا النَّاسَ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى، أَوْ أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ فَامْتَثَلُوا وَاتَّخَذُوهُ، فَهُوَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى حُصُولِ الْجَعْلِ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ جَعَلْنَا ذَلِكَ فَاتَّخَذُوا، وَقَرَأَهُ بَاقِي الْعَشَرَةِ بِكَسْرِ الْخَاءِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ عَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ أَيْ قُلْنَا اتَّخِذُوا بِقَرِينَةِ الْخِطَابِ فَيَكُونُ الْعَامِلُ الْمَعْطُوفُ مَحْذُوفًا بِالْقَرِينَةِ وَبَقِيَ مَعْمُولُهُ كَقَوْلِ لَبِيَدٍ: فَعَلَا فُرُوعُ الْأَيْهَقَانِ وَأَطْفَلَتْ ... بِالْجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا أَرَادَ وَبَاضَتْ نَعَامُهَا فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ لِأَفْرَاخِ الطَّيْرِ أَطْفَالٌ، فَمَآلُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَى مُفَادٍ وَاحِدٍ. ومقام إِبْرَاهِيمَ يُطْلَقُ عَلَى الْكَعْبَةِ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَقُومُ عِنْدَهَا يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَدْعُو إِلَى تَوْحِيدِهِ، قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِمْ ... مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ وَهُوَ قَائِمْ وَبِهَذَا الْإِطْلَاقِ جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمرَان: ٩٧] إِذِ الدُّخُولُ مِنْ عَلَائِقِ الْبَيْتِ، وَيُطْلَقُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْحَجْرِ الَّذِي كَانَ يَقِفُ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ بِنَائِهِ الْكَعْبَةَ لِيَرْتَفِعَ لِوَضْعِ الْحِجَارَةِ فِي أَعْلَى الْجِدَارِ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ ثَبَتَتْ آثَارُ قَدَمَيْهِ فِي الْحَجَرِ. قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَأَيْتُ فِي الْمَقَامِ أَثَرَ أَصَابِعِهِ وَأَخْمَصَ قَدَمَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ أَذْهَبَهُ مَسْحُ النَّاسِ بِأَيْدِيهِمْ، وَهَذَا الْحَجَرُ يُعْرَفُ إِلَى الْيَوْمِ بِالْمَقَامِ، وَقَدْ رَكَعَ النَّبِيءُ ﷺ فِي مَوْضِعِهِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ فَكَانَ الرُّكُوعُ عِنْدَهُ مِنْ سُنَّةِ الْفَرَاغِ مِنَ الطَّوَافِ. وَالْمُصَلَّى مَوْضِعُ الصَّلَاةِ وَصَلَاتُهُمْ يَوْمَئِذٍ الدُّعَاءُ وَالْخُضُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُُُ

стр. 734

قَدْ وَضَعَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَوَضَعَ الْحَجَرَ الَّذِي كَانَ يَرْتَفِعُ عَلَيْهِ لِلْبِنَاءِ حَوْلَهَا فَكَانَ الْمُصَلَّى عَلَى الْحَجَرِ الْمُسَمَّى بِالْمَقَامِ فَذَلِكَ يَكُونُ الْمُصَلَّى مُتَّخَذًا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى كِلَا الْإِطْلَاقَيْنِ. وَالْقِرَاءَتَانِ تَقْتَضِيَانِ أَنَّ اتِّخَاذَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى كَانَ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَلَمْ يَكُنِ الْحَجَرُ الَّذِي اعْتَلَى عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ فِي الْبِنَاءِ مَخْصُوصًا بِصَلَاةٍ عِنْدَهُ وَلَكِنَّهُ مَشْمُولٌ لِلصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ بَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ كَانَ عَامُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَوْ عَامُ الْفَتْحِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثُمَّ سُنَّتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ الْمَقَامِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ. رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: «وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُثِيرُ مَعْنًى آخَرَ لِلْآيَةِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ مُوَجَّهًا لِلْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ جُمْلَةُ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَجُمْلَةِ وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ اعْتِرَاضًا اسْتِطْرَادِيًّا، وَلِلْجَمْعِ بَيْنَ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ فِي الْآيَةِ يَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِ عُمَرَ «فَنَزَلَتْ» أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى النَّبِيءِ ﷺ شَرْعُ الصَّلَاةِ عِنْدَ حَجَرِ الْمَقَامِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لَهُمْ لِيَسْتَقِيمَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاتَّخَذُوا بِصِيغَةِ الْمَاضِي وَبِصِيغَةِ الْأَمْرِ فَإِنَّ صِيغَةَ الْمَاضِي لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَ حِكَايَةِ مَا كَانَ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ وَصِيغَةَ الْأَمْرِ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَتَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا مَعْنَى التَّشْرِيعِ لِلْمُسْلِمِينَ، إِعْمَالًا لِلْقُرْآنِ بِكُلِّ مَا تَحْتَمِلُهُ أَلْفَاظُهُ حَسْبَمَا بَيَّنَاهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ التَّاسِعَةِ. وَقَوْلُهُ: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ، الْعَهْدُ أَصْلُهُ الْوَعْدُ الْمُؤَكَّدُ وُقُوعَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [الْبَقَرَة: ١٢٤] ، فَإِذَا عُدِّيَ بِإِلَى كَانَ بِمَعْنَى الْوَصِيَّةِ الْمُؤَكِّدِ عَلَى الْمُوصَى الْعَمَلِ بِهَا فَعَهِدَ هُنَا بِمَعْنَى أَرْسَلَ عَهْدًا إِلَيْهِ أَيْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْخُذُ مِنْهُمْ عَهْدًا، فَالْمَعْنَى وَأَوْصَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ. وَقَوْلُهُ: أَنْ طَهِّرا أَنْ تَفْسِيرِيَّةَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ فِيهَا مَعْنَى الْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَالتَّفْسِيرُ لِلْقَوْلِ الضِّمْنِيِّ وَالْمُفَسِّرِ هُوَ مَا بَعْدَ (أَنْ) فَلَا تَقْدِيرَ فِي الْكَلَامِ وَلَوْلَا قَصْدُ حِكَايَةِ الْقَوْلِ لَمَا جَاءَ بَعْدَ (أَنْ) بِلَفْظِ الْأَمْرِ، وَلَقَالَ بِتَطْهِيرِ بَيْتِي إِلَخْ.

стр. 735

وَالْمُرَادُ مِنْ تَطْهِيرِ الْبَيْتِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ التَّطْهِيرِ مِنْ مَحْسُوسٍ بِأَنْ يُحْفَظَ مِنَ الْقَاذُورَاتِ وَالْأَوْسَاخِ لِيَكُونَ الْمُتَعَبِّدُ فِيهِ مُقْبِلًا عَلَى الْعِبَادَةِ دُونَ تَكْدِيرٍ، وَمِنْ تَطْهِيرٍ مَعْنَوِيٍّ وَهُوَ أَنْ يُبْعَدَ عَنْهُ مَا لَا يَلِيقُ بِالْقَصْدِ مِنْ بِنَائِهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَفْعَالِ الْمُنَافِيَةِ لِلْحَقِّ كَالْعُدْوَانِ وَالْفُسُوقِ، وَالْمُنَافِيَةِ لِلْمُرُوءَةِ كَالطَّوَافِ عُرْيًا دُونَ ثِيَابِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَيْسُوا أَهْلًا لِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُطَهِّرُوهُ مِمَّا يَجِبُ تَطْهِيرُهُ مِنْهُ قَالَ تَعَالَى: وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الْأَنْفَال: ٣٤] وَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التَّوْبَة: ٢٨] . وَالطَّائِفُونَ وَالْعَاكِفُونَ وَالرَّاكِعُونَ وَالسَّاجِدُونَ أَصْنَافُ الْمُتَعَبِّدِينَ فِي الْبَيْتِ مِنْ طَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَصَلَاةٍ، وَهُمْ أَصْنَافُ الْمُتَلَبِّسِينَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ سَوَاءٌ انْفَرَدَتْ بَعْضُ الطَّوَائِفِ بِبَعْضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَوِ اجْتَمَعَتِ الصِّفَاتُ فِي طَائِفَةٍ أَوْ طَوَائِفٍ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْكَعْبَةِ قَبْلَ وَضْعِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ إِسْمَاعِيلُ وَأَبْنَاؤُهُ وَأَصْهَارُهُ مِنْ جُرْهُمٍ وَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِدِينِ الْحَنِيفِيَّةِ مِنْ جِيرَانِهِمْ. وَقَدْ جَمَعَ الطَّائِفَ وَالْعَاكِفَ جَمْعَ سَلَامَةِ، وَجَمْعَ الرَّاكِعَ وَالسَّاجِدَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ، تَفَنُّنًا فِي الْكَلَامِ وَبُعْدًا عَنْ تَكْرِيرِ الصِّيغَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ بِخِلَافِ نَحْوَ قَوْلِهِ: مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ [التَّحْرِيم: ٥] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الْأَحْزَاب: ٣٥] الْآيَةَ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ «جَمَعَ الطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ جَمْعَ سَلَامَةٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى لَفْظِ الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ يَطُوفُونَ أَيْ يُجَدِّدُونَ الطَّوَافَ لِلْإِشْعَارِ بِعِلَّةِ تَطْهِيرِ الْبَيْتِ وَهُوَ قُرْبُ هَذَيْنِ مِنَ الْبَيْتِ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَا فِي الْبَيْتِ وَلَا عِنْدَهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ جَمْعَ سَلَامَةٍ» ، وَهَذَا الْكَلَامُ يُؤْذِنُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ جَمْعِ السَّلَامَةِ وَجَمْعِ التَّكْسِيرِ مِنْ حَيْثُ الْإِشْعَارِ بِالْحُدُوثِ وَالتَّجَدُّدِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كَلَامُ أَبِي الْفَتْحِ ابْن جِنِّي فِي «شَرْحِ الْحَمَاسَةِ» عِنْدَ قَوْلِ الْأَحْوَصِ الْأَنْصَارِيِّ: فَإِذَا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ... تُخْشَى بَوَادِرُهُ عَلَى الْأَقْرَانِ قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: «جَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَى بِبَوَادِرِ، وَإِنْ كَانَ جَمْعًا مُكَسَّرًا وَالْمَصْدَرُ إِذَا كُسِرَ بَعُدَ بِتَكْسِيرِهِ عَنْ شِبْهِ الْفِعْلِ، وَإِذَا جَازَ تَعَلُّقُ الْمَفْعُولِ بِهِ بِالْمَصْدَرِ مُكَسَّرًا نَحْوَ «مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ أَخَاهُ» كَانَ تَعَلُّقُ حَرْفِ الْجَرِّ بِهِ أَجْوَزَ» . فَصَرِيحُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّكْسِيرَ يُبْعِدُ مَا هُوَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ عَنْ شِبْهِ الْفِعْلِ.

стр. 736

وَخُولِفَ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ زِيَادَةٌ فِي التَّفَنُّنِ وَإِلَّا فَإِنَّ السَّاجِدَ يُجْمَعُ عَلَى سُجَّدٍ إِلَّا أَنَّ الْأَكْثَرَ فِيهِمَا إِذَا اقْتَرَنَا أَنْ يُخَالَفَ بَيْنَ صِيغَتَيْهِمَا قَالَ كُثَيِّرٌ: لَوْ يَسْمَعُونَ كَمَا سَمِعْتُ كَلَامَهَا ... خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وَسُجُودَا وَقَدْ عَلِمْتُمْ مِنَ النَّحْوِ وَالصَّرْفِ أَنَّ جَمْعَ فَاعِلٍ عَلَى فُعُولٍ سَمَاعِيٌّ فَمِنْهُ شُهُودٌ وَهُجُوعٌ وَهُجُودٌ وَسُجُودٌ. وَلَمْ يَعْطِفِ السُّجُودَ عَلَى (الركع) لِأَن الوصفين مُتَلَازِمَانِ وَلَوْ عَطَفَ لَتُوُهِّمَ أَنَّهُمَا وصفان مفترقان. [١٢٦] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٢٦] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) عَطْفٌ عَلَى وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً [الْبَقَرَة: ١٢٥] لإِفَادَة مَنْقَبَةٍ ثَالِثَةٍ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي اسْتِجَابَةِ دَعَوْتِهِ بِفَضْلِ مَكَّةَ وَالنِّعْمَةِ عَلَى سَاكِنِيهَا إِذَا شَكَرُوا، وَتَنْبِيهٌ ثَالِثٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ لِيَتَذَكَّرُوا دَعْوَةَ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ الْمُشْعِرَةِ بِحِرْصِهِ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ حَتَّى خَصَّ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ بِدَعْوَتِهِ الْمُؤْمِنِينَ فَيَعْرِضُ الْمُشْرِكُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْحَالِ الَّتِي سَأَلَهَا أَبُوهُمْ فَيَتَّضِحُ لَهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ، وَفِي ذَلِكَ بَعْثٌ لَهُمْ عَلَى الِاتِّصَافِ بِذَلِكَ لِأَنَّ لِلنَّاسِ رَغْبَةً فِي الِاقْتِدَاءِ بِأَسْلَافِهِمْ وَحَنِينًا إِلَى أَحْوَالِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ كُلُّهُ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأَنَّ مَا يُدْلُونَ بِهِ مِنَ النَّسَبِ لِإِبْرَاهِيمَ وَمِنْ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ، كَمَا عَرَضَ بِالْآيَاتِ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ هُنَا: ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ وَبِهِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَنْقَبَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [الْبَقَرَة: ١٢٥] . وَاسْمُ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: هَذَا بَلَداً مُرَادٌ بِهِ الْمَوْضِعُ الْقَائِمُ بِهِ إِبْرَاهِيمُ حِينَ دُعَائِهِ وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَابْنَهُ وَعَزَمَ عَلَى بِنَاءِ الْكَعْبَةِ فِيهِ إِنْ كَانَ الدُّعَاءُ قَبْلَ الْبِنَاءِ، أَوِ الَّذِي بُنِيَ فِيهِ الْكَعْبَةُ إِنْ كَانَ الدُّعَاءُ بَعْدَ الْبِنَاءِ، فَإِنَّ الِاسْتِحْضَارَ بِالذَّاتِ مُغْنٍ عَنِ الْإِشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ

стр. 737

بِالْيَدِ لِأَنَّ تَمْيِيزَهُ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ مُغْنٍ عَنِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ فَإِطْلَاقُ اسْمِ الْإِشَارَةِ حِينَئِذٍ وَاضِحٌ. وَأَصْلُ أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ أَنْ يَسْتَغْنِيَ بِهَا عَنْ زِيَادَةِ تَبْيِينِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ تَبْيِينًا لَفْظِيًّا لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بَيَانٌ، وَقَدْ يَزِيدُونَ الْإِشَارَةَ بَيَانًا فَيَذْكُرُونَ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ اسْمًا يُعْرَبُ عَطْفَ بَيَانٍ أَوْ بَدَلًا مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ قُصِدَ اسْتِحْضَارُهُ مِنْ بَعْضِ أَوْصَافِهِ كَقَوْلِكَ هَذَا الرَّجُلُ يَقُولُ كَذَا، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ إِنْ تَرَكْتَ الْإِشَارَةَ بِالْيَدِ اعْتِمَادًا عَلَى حُضُورِ الْمُرَادِ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ. وَقَدْ عَدَلَ هُنَا عَنْ بَيَانِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ اكْتِفَاءً عَنْهُ بِمَا هُوَ الْوَاقِع عِنْدِ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ دَعَا دَعْوَتَهُ وَهُوَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي بَنَى فِيهِ الْكَعْبَةَ لِأَنَّ الْغَرَضَ لَيْسَ تَفْصِيلَ حَالَةِ الدُّعَاءِ إِنَّمَا هُوَ بَيَانُ اسْتِجَابَةِ دُعَائِهِ وَفَضِيلَةِ مَحَلِّ الدَّعْوَةِ وَجَعْلِ مَكَّةَ بَلَدًا آمِنًا وَرِزْقِ أَهْلِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ، وَتِلْكَ عَادَةُ الْقُرْآنِ فِي الْإِعْرَاضِ عَمَّا لَا تَعَلُّقَ بِهِ بِالْمَقْصُودِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الْبَلَدَ مَفْعُولًا ثَانِيًا اسْتَغْنَى عَنْ بَيَانِ اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَفِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ [٣٥] لَمَّا جَعَلَ آمِناً مَفْعُولًا ثَانِيًا بَيَّنَ اسْمَ الْإِشَارَةِ بِلَفْظِ (الْبَلَدِ) ، فَحَصَلَ مِنَ الْآيَتَيْنِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ دَعَا لِبَلَدٍ بِأَنْ يَكُونَ آمِنًا. وَالْبَلَدُ الْمَكَانُ الْمُتَّسِعُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُتَحَيِّزِ عَامِرًا أَوْ غَامِرًا، وَهُوَ أَيْضًا الْأَرْضُ مُطْلَقًا، قَالَ صَنَّانٌ الْيَشْكُرِيُّ: لَكِنَّهُ حَوْضُ مَنْ أَوْدَى بِإِخْوَتِهِ ... رَيْبُ الْمَنُونِ فَأَضْحَى بَيْضَةَ الْبَلَدِ يُرِيدُ بَيْضَةَ النَّعَامِ فِي أُدْحِيِّ النَّعَامِ أَيْ مَحَلِّ بَيْضِهِ، وَيُطْلَقُ الْبَلَدُ عَلَى الْقَرْيَةِ الْمُكَوَّنَةِ مِنْ بُيُوتٍ عِدَّةٍ لِسُكْنَى أَهْلِهَا بِهَا وَهُوَ إِطْلَاقٌ حَقِيقِيٌّ هُوَ أَشْهَرُ مِنْ إِطْلَاقِ الْبَلَدِ عَلَى الْأَرْضِ الْمُتَّسِعَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ الْمَحْكِيَّةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تَتَقَرَّى مَكَّةُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِهَا إِلَّا بَيْتُ إِسْمَاعِيلَ أَوْ بَيْتٌ أَوْ بَيْتَانِ آخَرَانِ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْتَدَأَ عِمَارَتَهُ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ مِنْ حَجَرٍ، وَلِأَنَّ إِلْهَامَ اللَّهِ إِيَّاهُ لِذَلِكَ لِإِرَادَتِهِ تَعَالَى مَصِيرَهَا مَهِيعَ الْحَضَارَةِ لِتِلْكَ الْجِهَةِ إِرْهَاصًا لِنُبُوَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ كَانَ مَأْهُولًا بِسُكَّانٍ وَقْتَ مَجِيءِ إِبْرَاهِيمَ وَامْرَأَتِهِ وَابْنِهِ، وَالْعَرَبُ يَذْكُرُونَ أَنَّهُ كَانَ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ عَشَائِرُ مِنْ جُرْهُمٍ وَقُطُورَا وَالْعَمَالِقَةِ وَالْكَرْكَرِ فِي جِهَاتِ أَجْيَادَ وَعَرَفَاتَ. وَالْآمِنُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَمِنَ ضِدُّ خَافَ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَدَمُ الْخَوْفِ مِنْ عَدْوٍ وَمِنْ قِتَالٍ وَذَلِكَ مَا مَيَّزَ اللَّهُ مَكَّةَ بِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ بِلَادِ الْعَرَبِ، وَقَدْ يُطْلَقُ الْأَمْنُ عَلَى عَدَمِ الْخَوْفِ مُطْلَقًا فَتَعَيَّنَ ذِكْرُ

стр. 738

مُتَعَلِّقِهِ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِالْأَمْنِ مَا يَصِحُّ اتِّصَافُهُ بِالْخَوْفِ وَهُوَ ذُو الْإِدْرَاكِيَّةِ، فَالْإِخْبَارُ بِآمِنًا عَنِ الْبَلَدِ إِمَّا بِجَعْلِ وَزْنِ فَاعِلٍ هُنَا لِلنِّسْبَةِ بِمَعْنَى ذَا أَمْنٍ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ: كَلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةَ نَاصِبٍ أَيْ ذِي نَصَبٍ، وَإِمَّا عَلَى إِرَادَةِ آمِنًا أَهْلُهُ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ لِمُلَابَسَةِ الْمَكَانِ. ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي وَقْتِ دُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ أَرْضًا فِيهَا بَيْتٌ أَوْ بَيْتَانِ. فَالتَّقْدِيرُ فِي الْكَلَامِ اجْعَلْ هَذَا الْمَكَانَ بَلَدًا آمِنًا أَيْ قَرْيَةَ آمِنَةً فَيَكُونُ دُعَاءً بِأَنْ يَصِيرَ قَرْيَةً وَأَنْ تَكُونَ آمِنَةً. وَإِنْ كَانَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي وَقْتِ دُعَائِهِ قَرْيَةً بَنَى أُنَاسٌ حَوْلَهَا وَنَزَلُوا حَذْوَهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ «الْكَشَّافِ» هُنَا وَفِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ كَانَ دُعَاءً لِلْبَلَدِ بِحُصُولِ الْأَمْنِ لَهُ وَأَمَّا حِكَايَةُ دَعْوَتِهِ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ [٣٥] بِقَوْلِهِ: اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً فَتِلْكَ دَعْوَةٌ لَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ بَلَدًا. وَلَقَدْ كَانَتْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ هَذِهِ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِ النُّبُوءَةِ فَإِنَّ أَمْنَ الْبِلَادِ وَالسُّبُلِ يَسْتَتْبِعُ جَمِيعَ خِصَالِ سَعَادَةِ الْحَيَاةِ وَيَقْتَضِي الْعَدْلَ وَالْعِزَّةَ وَالرَّخَاءَ إِذْ لَا أَمْنَ بِدُونِهَا، وَهُوَ يَسْتَتْبِعُ التَّعْمِيرَ وَالْإِقْبَالَ عَلَى مَا يَنْفَعُ وَالثَّرْوَةَ فَلَا يَخْتَلُّ الْأَمْنُ إِلَّا إِذَا اخْتَلَتِ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ وَإِذَا اخْتَلَّ اخْتَلَّتِ الثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ تَيْسِيرَ الْإِقَامَةِ فِيهِ عَلَى سُكَّانِهِ لِتَوْطِيدِ وَسَائِلِ مَا أَرَادَهُ لِذَلِكَ الْبَلَدِ مِنْ كَوْنِهِ مَنْبَعَ الْإِسْلَامِ. وَالثَّمَرَاتُ جَمْعُ ثَمَرَةٍ وَهِيَ مَا تَحْمِلُ بِهِ الشَّجَرَةُ وَتُنْتِجُهُ مِمَّا فِيهِ غِذَاءٌ لِلْإِنْسَانِ أَوْ فَاكِهَةٌ لَهُ، وَكَأَنَّ اسْمَهُ مُنْتَسِبٌ مِنِ اسْمِ التَّمْر بِالْمُثَنَّاةِ فَإِنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ يُرِيدُونَ بِالثَّمَرِ بِالْمُثَلَّثَةِ التَّمْرَ الرَّطْبَ وَبِالْمُثَنَّاةِ التَّمْرَ الْيَابِسَ. وَلِلثَّمَرَةِ جُمُوعٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَهِيَ ثَمَرٌ بِالتَّحْرِيكِ وَثِمَارٌ، وَثُمُرٌ، بِضَمَّتَيْنِ، وَأَثْمَارٌ، وَأَثَامِيرُ، قَالُوا: وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَكَمَةً جُمِعَتْ عَلَى أَكَمٍ وَإِكَامٍ وَأُكُمٍ وَآكَامٍ وَأَكَامِيمِ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الثَّمَرَاتِ تَعْرِيفُ الِاسْتِغْرَاقِ وَهُوَ اسْتِغْرَاقٌ عُرْفِيٌّ أَيْ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَرَاتِ الْمَعْرُوفَةِ لِلنَّاسِ وَدَلِيلُ كَوْنِهِ تَعْرِيفَ الِاسْتِغْرَاقِ مَجِيءُ مِنْ الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ، وَفِي هَذَا دُعَاءٌ لَهُمْ بِالرَّفَاهِيَةِ حَتَّى لَا تَطْمَحَ نُفُوسُهُمْ لِلِارْتِحَالِ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ قَوْلِهِ أَهْلَهُ يُفِيدُ تَخْصِيصَهُ لِأَنَّ أَهْلَهُ عَامٌّ إِذْ هُوَ اسْمُ جَمْعٍ مُضَافٍ وَبَدَلُ الْبَعْضِ مُخَصَّصٌ.

стр. 739

وَخَصَّ إِبْرَاهِيمُ الْمُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ الرِّزْقِ لَهُمْ حِرْصًا عَلَى شُيُوعِ الْإِيمَانِ لِسَاكِنِيهِ لِأَنَّهُمْ إِذَا عَلِمُوا أَنَّ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ خَصَّتِ الْمُؤْمِنِينَ تَجَنَّبُوا مَا يَحِيدُ بِهِمْ عَنِ الْإِيمَانِ، فَجَعَلَ تَيْسِيرَ الرِّزْقِ لَهُمْ عَلَى شَرْطِ إِيمَانِهِمْ بَاعِثًا لَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ، أَوْ أَرَادَ التَّأَدُّبَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فَسَأَلَهُ سُؤَالًا أَقْرَبَ إِلَى الْإِجَابَةِ وَلَعَلَّهُ اسْتَشْعَرَ مِنْ رَدِّ اللَّهِ عَلَيْهِ عُمُومَ دُعَائِهِ السَّابِقِ إِذْ قَالَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [الْبَقَرَة: ١٢٤] فَقَالَ: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [الْبَقَرَة: ١٢٤] أَنَّ غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسُوا أَهْلًا لِإِجْرَاءِ رِزْقِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَدْ أَعْقَبَ اللَّهُ دَعَوْتَهُ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا. وَمَقْصِدُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ دَعْوَتِهِ هَذِهِ أَنْ تَتَوَفَّرَ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَسْبَابُ الْإِقَامَةِ فِيهَا فَلَا تَضْطَرُّهُمُ الْحَاجَةُ إِلَى سُكْنَى بَلَدٍ آخَرَ لِأَنَّهُ رَجَا أَنْ يَكُونُوا دُعَاةً لِمَا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ لِأَجْلِهِ مِنْ إِقَامَةِ التَّوْحِيدِ وَخِصَالِ الْحَنِيفِيَّةِ وَهِيَ خِصَالُ الْكَمَالِ، وَهَذَا أَوَّلُ مَظَاهِرِ تَكْوِينِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ الَّتِي دَعَا أَفْلَاطُونُ لِإِيجَادِهَا بَعْدَ بِضْعَةَ عَشَرَ قَرْنًا. وَجُمْلَةُ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ جَاءَتْ عَلَى سُنَنِ حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ فِي الْمُحَاوَرَاتِ وَالْأَجْوِبَةِ مَفْصُولَةً، وَضَمِيرُ قالَ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ، فَمَنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قالَ لِإِبْرَاهِيمَ وَأَنَّ إِعَادَةَ الْقَوْلِ لِطُولِ الْمَقُولِ الْأَوَّلِ فَقَدْ غَفَلَ عَنِ الْمَعْنَى وَعَنِ الِاسْتِعْمَالِ وَعَنِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: فَأُمَتِّعُهُ. وَقَوْلُهُ: وَمَنْ كَفَرَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: وَارْزُقْ أَهْلَهُ بِاعْتِبَارِ الْقَيْدِ وَهُوَ قَوْلُهُ: مَنْ آمَنَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَمَنْ كَفَرَ مُبْتَدَأً وَضُمِّنَ الْمَوْصُولُ مَعْنَى الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ قُرِنَ الْخَبَرُ بِالْفَاءِ عَلَى طَرِيقَةٍ شَائِعَةٍ فِي مِثْلِهِ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [الْبَقَرَة: ١٢٤] أَنَّ عَطْفَ التَّلْقِينِ فِي الْإِنْشَاءِ إِذَا كَانَ صَادِرًا مِنَ الَّذِي خُوطِبَ بِالْإِنْشَاءِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى حُصُولِ الْغَرَضِ مِنَ الْإِنْشَاءِ وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ آلَ الْمَعْنَى هُنَا إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَظْهَرَ فَضْلَهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بِأَنَّهُ يَرْزُقُ ذُرِّيَّتَهُ مُؤْمِنَهُمْ وَكَافِرَهُمْ، أَوْ أَظْهَرَ سِعَةَ رَحْمَتِهِ بِرِزْقِ سُكَّانِ مَكَّةَ كُلِّهِمْ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ. وَمَعْنَى (أُمَتِّعُهُ) أَجْعَلُ الرِّزْقَ لَهُ مَتَاعًا، وقَلِيلًا صِفَةٌ لمصدر مَحْذُوف لبعد قَوْلِهِ: فَأُمَتِّعُهُ وَالْمَتَاعُ الْقَلِيلُ مَتَاعُ الدُّنْيَا كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْمُقَابَلَةُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ لِقَوْلِ الْبَاقِلَّانِيِّ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّ الْكُفَّارَ مُنْعَمٌ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِ الدُّنْيَا، وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ لَمْ يُنْعَمْ عَلَى الْكَافِرِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَإِنَّمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ فِي

стр. 740

الدُّنْيَا مَلَاذَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِدْرَاجِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَعْدُودَةٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ بَيْنَ الْأَشْعَرِيِّ وَالْمَاتُرِيدِيِّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا لَفْظِيًّا وَإِنْ عَدَّهُ السُّبْكِيُّ فِي عِدَادِ الْخِلَافِ الْمَعْنَوِيِّ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ احْتِرَاسٌ مِنْ أَنْ يَغْتَرَّ الْكَافِرُ بِأَنَّ تَخْوِيلَهُ النِّعَمَ فِي الدُّنْيَا يُؤْذِنُ بِرِضَى اللَّهِ فَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْعَذَاب هُنَا. و (ثُمَّ) لِلتَّرَاخِي الرُّتَبِيِّ كَشَأْنِهَا فِي عَطْفِ الْجُمَلِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى كَوْنِ مَصِيرِهِ إِلَى الْعَذَابِ مُتَأَخِّرًا عَنْ تَمْتِيعِهِ بِالْمَتَاعِ الْقَلِيلِ. وَالِاضْطِرَارُ فِي الْأَصْلِ الِالْتِجَاءُ وَهُوَ بِوَزْنِ افْتَعَلَ مُطَاوِعُ أَضَرَّهُ إِذَا صَيَّرَهُ ذَا ضَرُورَةٍ أَيْ حَاجَةٍ، فَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ اضْطُرَّ قَاصِرًا لِأَنَّ أَصْلَ الْمُطَاوَعَةِ عَدَمُ التَّعَدِّي وَلَكِنَّ الِاسْتِعْمَالَ جَاءَ عَلَى تَعْدِيَتِهِ إِلَى مَفْعُولٍ وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ فَصِيحٌ غَيْرُ جَارٍ عَلَى قِيَاسٍ يُقَالُ اضْطَرَّهُ إِلَى كَذَا أَيْ أَلْجَأَهُ إِلَيْهِ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ لُقْمَانَ [٢٤] : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ. وَقَوْلُهُ: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ تَذْيِيلٌ وَالْوَاوُ لِلِاعْتِرَاضِ أَوْ لِلْحَالِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ هُوَ الْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ وَتَقْدِيره هِيَ. [١٢٧] [سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٢٧] وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) هَذِهِ مَنْقَبَةٌ ثَالِثَةٌ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇، وَتَذْكِيرٌ بِشَرَفِ الْكَعْبَةِ، وَوَسِيلَةٌ ثَالِثَةٌ إِلَى التَّعْرِيضِ بِالْمُشْرِكِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً [الْبَقَرَة: ١٢٨] إِلَخْ، وَتَمْهِيدٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْيَهُودِ إِنْكَارَهُمُ اسْتِقْبَالَ الْكَعْبَةِ الَّذِي يَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ [الْبَقَرَة: ١٤٢] وَلِأَجْلِ اسْتِقْلَالِهَا بِهَاتِهِ الْمَقَاصِدِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا الْآيَاتُ قَبْلَهَا عُطِفَتْ عَلَى سَوَابِقِهَا مَعَ الِاقْتِرَانِ بِإِذْ تَنْبِيهًا عَلَى الِاسْتِقْلَالِ. وَخُولِفَ الْأُسْلُوبُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ فِي حِكَايَةِ الْمَاضِي أَنْ يَكُونَ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي بِأَنْ يَقُولَ وَإِذْ رَفَعَ إِلَى كَوْنِهِ بِالْمُضَارِعِ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالَةِ
следующие страницы →