Полный текст (11 044 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.
стр. 7316
لِلَّذِينَ تَبَنَّوْهُمْ؟ فَأُجِيبَ بِبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ الْقِسْطُ فَاسْمُ التَّفْضِيلِ مَسْلُوبُ الْمُفَاضَلَةِ، أَيْ: هُوَ قِسْطٌ كَامِلٌ وَغَيْرُهُ جَوْرٌ عَلَى الْآبَاءِ الْحَقِّ وَالْأَدْعِيَاءِ، لِأَنَّ فِيهِ إِضَاعَةَ أَنْسَابِهِمُ الْحَقِّ.
وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الِاسْتِئْنَافِ تَقْرِيرُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الْأَحْزَاب: ٤] لِتَعْلَمَ عِنَايَةَ اللَّهِ تَعَالَى بِإِبْطَالِ أَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي التَّبَنِّي، وَلِتَطْمَئِنَ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُتَبَنِّينَ وَالْأَدْعِيَاءِ وَمَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ بِقَبُولِ هَذَا التَّشْرِيعِ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِمْ إِذْ يَنْزِعُ مِنْهُمْ إِلْفًا أَلِفُوهُ.
وَلِهَذَا الْمَعْنَى الدَّقِيقِ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ، فَجَمَعَ فِيهِ تَأْكِيدًا لِلتَّشْرِيعِ بِعَدَمِ التَّسَاهُلِ فِي بَقَاءِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ بِعُذْرِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ آبَاءَ بَعْضِ الْأَدْعِيَاءِ، وَتَأْنِيسًا لِلنَّاسِ أَنْ يَعْتَاضُوا عَنْ ذَلِكَ الِانْتِسَابِ الْمَكْذُوبِ اتِّصَالًا حَقًّا لَا يَفُوتُ بِهِ مَا فِي الِانْتِسَابِ الْقَدِيمِ مِنَ الصِّلَةِ، وَيَتَجَافَى بِهِ عَمَّا فِيهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ فَصَارُوا يَدْعُونَ سَالِمًا مُتَبَنَّى أَبِي حُذَيْفَةَ: سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يَشِذَّ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا قَوْلُ النَّاسِ لِلْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو: الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، نِسْبَةً لِلْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الَّذِي كَانَ قَدْ تَبَنَّاهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ الْمِقْدَادُ: أَنَا الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَعَ ذَلِكَ بَقِيَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسْمَعْ فِيمَنْ مَضَى مَنْ عَصَّى مُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مُتَعَمِّدًا اهـ.
وَفِي قَوْلِ الْقُرْطُبِيِّ: وَلَوْ كَانَ مُتَعَمِّدًا، نَظَرٌ، إِذْ لَا تُمْكِنُ مُعْرِفَةُ تَعَمُّدِ مَنْ يُطْلِقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَلَعَلَّهُ جَرَى عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ فَكَانَ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ لِأَنَّ مَا جَرَى عَلَى الْأَلْسِنَةِ مَظِنَّةُ النِّسْيَانِ، وَالْمُؤَاخَذَةُ بِالنِّسْيَانِ مَرْفُوعَة.
وارتفاع فَإِخْوانُكُمْ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ ضَمِيرُ الْأَدْعِيَاءِ، أَيْ: فَهُمْ لَا يَعْدُونَ أَنْ يُوصَفُوا بِالْإِخْوَانِ فِي الْإِسْلَامِ إِنْ لَمْ يَكُونُوا مَوَالِيَ أَوْ يُوصَفُوا بِالْمَوَالِي إِنْ كَانُوا مَوَالِيَ بِالْحِلْفِ أَوْ بِوِلَايَةِ الْعَتَاقَةِ وَهَذَا اسْتِقْرَاءٌ تَامٌّ. وَالْإِخْبَارُ بِأَنَّهُمْ إِخْوَانٌ وَمَوَالٍ كِنَايَةً عَنِ الْإِرْشَادِ إِلَى دَعْوَتِهِمْ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
وَالْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ وَهِيَ بِمَعْنَى (أَوْ) فَتَصْلُحُ لِمَعْنَى التَّخْيِيرِ، أَيْ: فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا
стр. 7317
آبَاءَهُمْ فَادْعُوهُمْ إِنْ شِئْتُمْ بِإِخْوَانٍ وَإِنْ شِئْتُمُ ادْعُوهُمْ مَوَالِيَ إِنْ كَانُوا كَذَلِكَ. وَهَذَا تَوْسِعَةٌ عَلَى النَّاسِ.
وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ، أَيْ: إِخْوَانُكُمْ أُخُوَّةً حَاصِلَةً بِسَبَبِ الدِّينِ كَمَا يَجْمَعُ الظَّرْفُ مُحْتَوَيَاتِهِ، أَوْ تُجْعَلُ فِي لِلتَّعْلِيلِ وَالتَّسَبُّبِ، أَيْ: إِخْوَانُكُمْ بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ [العنكبوت: ١٠] ، أَيْ: لِأَجْلِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] .
وَلَيْسَ فِي دَعْوَتِهِمْ بِوَصْفِ الْأُخُوَّةِ رِيبَةٌ أَوِ الْتِبَاسٌ مِثْلَ الدَّعْوَةِ بِالْبُنُوَّةِ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ بِالْأُخُوَّةِ فِي أَمْثَالِهِمْ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّ لِوَصْفِ الْأُخُوَّةِ فِيهِمْ تَأْوِيلًا بِإِرَادَةِ الِاتِّصَالِ الدِّينِيِّ بِخِلَافِ وَصْفِ الْبُنُوَّةِ فَإِنَّمَا هُوَ وَلَاءٌ وَتَحَالُفٌ فَالْحَقُّ أَنْ يُدْعَوْا بِذَلِكَ الْوَصْفِ، وَفِي ذَلِكَ جَبْرٌ لِخَوَاطِرِ الْأَدْعِيَاءِ من تَبَنَّوْهُمْ.
وَالْمُرَادُ بِالْوَلَاءِ فِي قَوْلِهِ وَمَوالِيكُمْ وَلَاءُ الْمُحَالَفَةِ لَا وَلَاءُ الْعِتْقِ، فَالْمُحَالَفَةُ مِثْلَ الْأُخُوَّةِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةٌ لِمَا كَانَ جَارِيًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَمِنَ النَّبِيءِ ﷺ مِنْ دَعْوَةِ الْمُتَبَنِّينَ إِلَى الَّذِينَ تَبَنَّوْهُمْ فَهُوَ مِنْ نَسْخِ السُّنَّةِ الْفِعْلِيَّةِ وَالتَّقْرِيرِيَّةِ بِالْقُرْآنِ. وَذَلِكَ مُرَادُ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَسَخَتْ حُكْمَ التَّبَنِّي.
قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : «وَفِي فَصْلِ هَذِهِ الْجُمَلِ وَوَصْلِهَا مِنَ الْحُسْنِ وَالْفَصَاحَةِ مَا لَا يَغْبَى عَنْ عَالَمٍ بِطُرُقِ النَّظْمِ» . وَبَيَّنَهُ الطَّيْبِيُّ فَقَالَ: يَعْنِي فِي إِخْلَاءِ الْعَاطِفِ وَإِثْبَاتِهِ مِنَ الْجُمَلِ مِنْ مُفْتَتَحِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا. وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْأَوَامِرَ وَالنَّهْيَ فِي اتَّقِ [الْأَحْزَاب: ١] وَلا تُطِعِ [الْأَحْزَاب: ١] وَاتَّبِعْ [الْأَحْزَاب: ٢] وَتَوَكَّلْ [الْأَحْزَاب: ٣] ، فَإِنَّ الِاسْتِهْلَالَ بِقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ اتَّقِ اللَّهَ [الْأَحْزَاب: ١] دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَمْرٍ مَعْنِيٍّ شَأْنُهُ لَائِحٌ مِنْهُ الْإِلْهَابُ، وَمِنْ ثَمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ وَلا تُطِعِ كَمَا يُعْطَفُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِ، وَأَرْدَفَ بِهِ النَّهْيَ، ثُمَّ أَمَرَ بِالتَّوَكُّلِ تَشْجِيعًا عَلَى مُخَالَفَةِ أَعْدَاءِ الدِّينِ، ثُمَّ عَقَّبَ كُلًّا مِنْ تِلْكَ الْأَوَامِرِ بِمَا يُطَابِقُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّتْمِيمِ، وَعَلَّلَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ
بِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [الْأَحْزَاب: ١] تَتْمِيمًا لِلِارْتِدَاعِ، وَعَلَّلَ قَوْلَهُ وَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ بِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [الْأَحْزَاب: ٢] تَتْمِيمًا، وَذَيَّلَ قَوْلَهُ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ بِقَوْلِهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الْأَحْزَاب: ٣] تَقْرِيرًا
стр. 7318
وَتَوْكِيدًا عَلَى مِنْوَالِ: فُلَانٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَالْحَقُّ أَبْلَجُ، وَفَصَّلَ قَوْلَهُ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الْأَحْزَاب: ٤] عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْنَافِ تَنْبِيهًا عَلَى بَعْضٍ مِنْ أَبَاطِيلِهِمْ. وَقَوْلُهُ: ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ [الْأَحْزَاب: ٤] فَذْلَكَةٌ لِتِلْكَ الْأَحْوَالِ آذَنَتْ بِأَنَّهَا مِنَ الْبُطْلَانِ وَحَقِيقٌ بِأَنْ يُذَمَّ قَائِلُهُ. وَوَصَلَ قَوْلَهُ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الْأَحْزَاب: ٤] عَلَى هَذِهِ الْفَذْلَكَةِ بِجَامِعِ التَّضَادِّ عَلَى مِنْوَالِ مَا سبق فِي الْمُجْمل فِي وَلا تُطِعِ واتَّبِعْ، وَفَصَّلَ قَوْلَهُ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَقَوله النبيء أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ [الْأَحْزَاب: ٦] ، وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى آخِرِ السُّورَةِ تَفْصِيلًا لِقَوْلِ الْحَقِّ وَالِاهْتِدَاءِ إِلَى السَّبِيلِ الْقَوِيمِ اهـ.
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً.
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا لِلْوُجُوبِ فَهُوَ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ لِتَحْرِيمِهِ كَأَنَّهُ قِيلَ: وَلَا تَدْعُوهُمْ لِلَّذِينَ تَبَنَّوْهُمْ إِلَّا خَطَأً.
وَالْجُنَاحُ: الْإِثْمُ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ أَمْرُ وُجُوبٍ.
وَمَعْنَى فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ مَا يَجْرِي عَلَى الْأَلْسِنَةِ خَارِجًا مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِيمَا اعْتَادُوهُ أَنْ يَقُولُوا: فُلَانُ ابْن فُلَانٍ لِلدَّعِيِّ وَمُتَبَنِّيهِ، وَلِذَلِكَ قَابَلَهُ بِقَوْلِهِ وَلكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ أَيْ: مَا تَعَمَّدَتْهُ عَقَائِدُكُمْ بِالْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ إِلَيْهِ. وَبِهَذَا تَقَرَّرَ إِبْطَالُ حُكْمِ التَّبَنِّي وَأَنْ لَا يَقُولَ أَحَدٌ لِدَعِيِّهِ: هُوَ ابْنِي، وَلَا يَقُولَ: تَبَنَّيْتُ فُلَانًا، وَلَوْ قَالَهُ أَحَدٌ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ أَثَرٌ وَلَا يُعْتَبَرُ وَصِيَّةً وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ الرَّجُلِ: أَنْزَلْتُ فُلَانًا مَنْزِلَةَ ابْنٍ لِي يَرِثُ مَا يَرِثُهُ ابْنِي. وَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى بِالتَّنْزِيلِ وَهُوَ خَارِجٌ مَخْرَجَ الْوَصِيَّةِ بِمَنَابِ وَارِثٍ إِذَا حَمَّلَهُ ثُلُثَ الْمَيِّتِ. وَأَمَّا إِذَا قَالَ لِمَنْ لَيْسَ بِابْنِهِ: هُوَ ابْنِي، عَلَى مَعْنَى الِاسْتِلْحَاقِ فَيَجْرِي عَلَى حُكْمِهِ إِنْ كَانَ الْمَنْسُوبُ مَجْهُولَ النَّسَبِ وَلَمْ يَكُنِ الناسب مرِيدا التلطف وَالتَّقْرِيبَ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ: هُوَ ابْنِي، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنَ الْقَائِلِ وَكَانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ سِنًّا ثَبَتَ
стр. 7319
نَسَبُهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ عَبْدُهُ عَتَقَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ وَلَكِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِصَاحِبَيْهِ فَقَالَا: لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَعْرُوفُ النَّسَبِ فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِالْقَائِلِ فَإِنْ كَانَ عَبْدًا يَعْتِقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ إِطْلَاقَهُ مَمْنُوعٌ إِلَّا مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ فَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: هُوَ أَخِي، لَمْ
يَعْتِقْ عَلَيْهِ إِذَا قَالَ: لَمْ أُرِدْ بِهِ أُخُوَّةَ النَّسَبِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُطْلَقُ فِي أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ بِنَصِّ الْآيَةِ، وَإِذَا قَالَ أَحَدٌ لِدَعِيِّهِ: يَا بُنَيَّ، عَلَى وَجْهِ التَّلَطُّفِ فَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْخَطَأِ وَلَا يَنْبَغِي التَّسَاهُلُ فِيهِ إِذَا كَانَتْ فِيهِ رِيبَةٌ.
وَقَوْلُهُ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ يَعُودُ ضَمِيرُ أَمْرِهِ إِلَى الْأَدْعِيَاءِ فَلَا يَشْمَلُ الْأَمْرُ دُعَاءَ الْحَفَدَةِ أَبْنَاءً لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءٌ. وَقَدْ
قَالَ النَّبِيءُ ﷺ فِي الْحَسَنِ ﵁: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ»
وَقَالَ: «لَا تُزْرِمُوا ابْنِي»
- أَيْ: لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ بَوْلَهُ-. وَكَذَلِكَ لَا يَشْمَلُ مَا يَقُولُهُ أَحَدٌ لِآخَرَ غَيْرِ دَعِيٍّ لَهُ: يَا ابْنِي، تَلَطُّفًا وَتَقَرُّبًا، فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ لِأَنَّ الْمَدْعُوَّ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ دَعِيًّا لِلْقَائِلِ وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَدْعُونَ لِدَاتِهِمْ بِالْأَخِ أَوِ الْأُخْتِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَنْتِ أُخْتِي وَأَنْتِ حُرْمَةُ جَارِي ... وَحَرَامٌ عَلَيَّ خَوْنُ الْجِوَارِ
وَيَدْعُونَ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ بَاسِمِ الْعَمِّ كَثِيرًا، قَالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
دَعَانِي الْغَوَانِي عَمَّهُنَّ وَخِلْتُنِي ... لِيَ اسْمٌ فَلَا أُدْعَى بِهِ وَهْوَ أَوَّلُ
يُرِيدُ: أَنَّهُنَّ كُنَّ يَدْعُونَهُ: يَا أَخِي.
وَوُقُوعُ جُناحٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ بِ لَيْسَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فَيُفِيدُ تَعْمِيمَ انْتِفَاءِ الْإِثْمِ عَنِ الْعَمَلِ الْخَطَأِ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ عَدَمِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِخُصُوصِ سَبَبِهِ الَّذِي وَرَدَ لِأَجْلِهِ وَهُوَ أَيْضًا مَعْضُودٌ بِتَصَرُّفَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الشَّرِيعَةِ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنا لَا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [الْبَقَرَة: ٢٨٦] ،
وَقَوُلُ النَّبِيءِ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُنْسَبَ أَحَدٌ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ بِطَرِيقِ لَحْنِ الْخِطَابِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» .
стр. 7320
وَيَخْرُجُ مِنَ النَّهْيِ قَوْلُ الرَّجُلِ لِآخَرَ: أَنْتَ أَبِي وَأَنَا ابْنُكَ عَلَى قَصْدِ التَّعْظِيمِ وَالتَّقْرِيبِ وَذَلِكَ عِنْدَ انْتِفَاءِ اللَّبْسِ، كَقَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ يُرَقِّقُ سَيْفَ الدَّوْلَةِ:
إِنَّمَا أَنْتَ وَالِدٌ وَالْأَبُ الْقَا ... طِعُ أَحَنَى مِنْ وَاصَلِ الْأَوْلَادِ
وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً [الْأَحْزَاب: ٢٤] تَعْلِيلُ نَفْيِ الْجُنَاحِ عَنِ الْخَطَأِ بِأَنَّ نَفْيَ الْجُنَاحِ مِنْ آثَارِ اتِّصَافِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ بِخَلْقِهِ.
[٦]
[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٦]
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٦)
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ [الْأَحْزَاب: ٤] وَقَوْلَهُ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الْأَحْزَاب: ٥] كَانَ قَدْ شَمِلَ فِي أَوَّلِ مَا شَمله فِي أول مَا شَمِلَهُ إِبْطَالَ بُنُوَّةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَكَانَ بِحَيْثُ يُثِيرُ سُؤَالًا فِي نُفُوسِ النَّاسِ عَنْ مَدَى صِلَةِ الْمُؤْمِنِينَ بِنَبِيئِهِمْ ﷺ وَهل هِيَ علاقَة الْأَجَانِبِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ سَوَاءٌ فَلِأَجَلِ تَعْلِيمِ الْمُؤْمِنِينَ حُقُوقَ النَّبِيءِ وَحُرْمَتَهُ جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُبَيِّنَةٌ أَنَّ النَّبِيءَ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ أَنْفُسِ الْمُؤْمِنِينَ. وَمن تَفْضِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْأَنْفُسَ مُرَادٌ بِهَا جَمْعُ النَّفْسِ وَهِيَ اللَّطِيفَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي [الْمَائِدَة: ١١٦] ، وَأَنَّ الْجَمْعَ لِلتَّوْزِيعِ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ آيِلٍ إِلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْأَنْفُسِ، أَيْ: أَنَّ النَّبِيءَ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِ، أَيْ: هُوَ أَشَدُّ وِلَايَةً، أَيْ: قُرْبًا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ قُرْبِ نَفْسِهِ إِلَيْهِ، وَهُوَ قُرْبٌ مَعْنَوِيٌّ يُرَادُ بِهِ آثَارُ الْقُرْبِ مِنْ مَحَبَّةٍ وَنُصْرَةٍ. فَ أَوْلى اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْوَلْيِ وَهُوَ الْقُرْبُ، أَيْ: أَشَدُّ قُرْبًا. وَهَذَا الِاسْمُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْأَحَقِّيَّةِ بِالشَّيْءِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ متعلّقه بِبِنَاء الْمُصَاحَبَةِ وَالْمُلَابَسَةِ. وَالْكَلَامُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ: أَوْلَى بِمَنَافِعِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ بِمَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ، فَهَذَا الْمُضَافُ حُذِفَ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ كُلِّ شَأْن من شؤون الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحَةِ.
стр. 7321
وَالْأَنْفُسُ: الذَّوَاتُ، أَيْ: هُوَ أَحَقُّ بِالتَّصَرُّفِ فِي شؤونهم مِنْ أَنْفُسِهِمْ فِي تصرفهم فِي شؤونهم. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا
فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِلنَّبِيءِ ﷺ : «لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ» فَقَالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ. فَقَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي»
. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَنْفُسِ مَجْمُوعَ نَوْعِهِمْ كَقَوْلِهِ: إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمرَان: ١٦٤] ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَنْفُسِ النَّاسَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ وِلَايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أَيْ: مِنْ وِلَايَةِ جَمِيعِهِمْ لِبَعْضِهِمْ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [الْبَقَرَة: ٨٥] ، أَيْ: يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَقَوْلِهِ: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً [النِّسَاء: ٢٩] .
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَقْوَى وَأَعَمُّ فِي اعْتِبَارِ حُرْمَةِ النَّبِيءِ ﷺ وَهُوَ يُفِيدُ أَوْلَوِيَّتَهُ بِمَنْ عَدَا الْأَنْفُسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِدَلَالَةِ فَحْوَى الْخِطَابِ. وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ أَنَّهُ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ بِنَفْسِ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِ إِلَّا بِدَلَالَةِ قِيَاسِ الْأَدْوَنِ، وَلِذَلِكَ اسْتَثْنَى عُمَرُ بن الْخطاب بادىء الْأَمْرِ نَفْسَهُ فَقَالَ: لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ إِلَّا مِنْ نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ. وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ فَالنَّبِيءُ ﵊ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ. وَسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ فَكَانَتْ وِلَايَةُ النَّبِيءِ ﷺ بِالْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ إِبْطَالِ التَّبَنِّي سَوَاءً عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة اقرأوا إِنْ شِئْتُمْ النَّبِيءُ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»
، وَلَمَّا عَلِمْتَ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْوِلَايَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى حُرْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ تَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّى ذَلِكَ فِيمَا هُوَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ النَّاسِ وَحُقُوقِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، مِثْلَ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ مِيرَاثَهُ لِوَرَثَتِهِ، وَقَدْ
стр. 7322
بَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ : «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَأَيَّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ وَرَثَتُهُ مَنْ كَانُوا، فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ» . وَهَذَا مَلَاكُ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ.
وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ.
عَطَفَ عَلَى حُقُوقِ النَّبِيءِ ﷺ حُقُوقَ أَزْوَاجِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِمُنَاسَبَةِ جَرَيَانِ ذِكْرِ حَقِّ النَّبِيءِ ﵊ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ مَا لِلْأُمَّهَاتِ مِنْ تَحْرِيمِ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ بِقَرِينَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاء تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ [الْأَحْزَاب: ٤] .
وَأَمَّا مَا عَدَا حُكْمَ التَّزَوُّجِ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ بِهِنَّ وَمُوَاسَاتِهِنَّ فَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى تَعْظِيمِ أَسْبَابِ النَّبِيءِ ﷺ وَحُرُمَاتِهِ وَلَمْ يَزَلْ أَصْحَابُ النَّبِيءِ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ يَتَوَخَّوْنَ حَسَنَ مُعَامَلَةِ أَزْوَاجِ النَّبِيءِ ﷺ وَيُؤْثِرُونَهُنَّ بِالْخَيْرِ وَالْكَرَامَةِ وَالتَّعْظِيمِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ حَمْلِ جِنَازَةِ مَيْمُونَةَ: «هَذِه زوج نبيئكم فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلَا تُزَعْزِعُوا وَلَا تُزَلْزِلُوا وَارْفُقُوا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَكَذَلِكَ مَا عَدَا حُكْمَ الزَّوَاجِ مِنْ وُجُوهِ الْمُعَامَلَةِ غَيْرَ مَا يَرْجِعُ إِلَى التَّعْظِيمِ. وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ جِيءَ بِالتَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي شَبَهِهِنَّ بِالْأُمَّهَاتِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِثْلَ الْإِرْثِ وَتَزَوُّجِ بَنَاتِهِنَّ، فَلَا يُحْسَبُ أَنَّ تَرِكَاتِهِنَّ يَرِثُهَا جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَنَّ بَنَاتِهِنَّ أَخَوَاتٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي حُرْمَةِ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ.
وَأَمَّا إِطْلَاقُ وَصْفِ خَالِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْخَلِيفَةِ مُعَاوِيَةَ لِأَنَّهُ أَخُو أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ التَّعْظِيمِ كَمَا يُقَالُ: بَنُو فُلَانٍ أَخْوَالُ فُلَانٍ، إِذَا كَانُوا قَبِيلَةَ أُمِّهِ.
وَالْمرَاد بأزواجه اللَّاتِي تَزَوَّجَهُنَّ بِنِكَاحٍ فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِلْكُ الْيَمِينِ، وَقَدْ قَالَ الصَّحَابَةُ يَوْمَ قُرَيْظَةَ حِينَ تَزَوَّجَ النَّبِيءُ ﷺ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ: أَهِيَ إِحْدَى مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ أَمْ هِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالُوا: نَنْظُرُ، فَإِذَا حَجَبَهَا فَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا لَمْ يحجبها فَهِيَ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا بَنَى بِهَا ضَرَبَ عَلَيْهَا
стр. 7323
الْحِجَابَ، فَعَلِمُوا أَنَّهَا إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَيُشْتَرَطُ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْأُمُومَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ بَنَى بِالْمَرْأَةِ، فَأَمَّا الَّتِي طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ مِثْلَ الْجَوْنِيَّةِ وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ النُّعْمَان الكندية فَلَا تعْتَبر من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ عَقَدَ عَلَيْهَا النَّبِيءُ ﷺ تَزَوَّجَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِهَا. فَقَالَتْ: لِمَ وَمَا ضَرَبَ عَلَيَّ النَّبِيءُ حِجَابًا وَلَا دُعِيتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَكَفَّ عَنْهَا.
وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ ابْنَةُ الْجَوْنِ الْكِنْدِيَّةُ تَزَوَّجَهَا الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَصَحَّحَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَعَنْ مُقَاتِلٍ: يَحْرُمُ تَزَوُّجُ كُلِّ امْرَأَةٍ عَقَدَ عَلَيْهَا النَّبِيءُ ﷺ وَلَوْ لَمْ يَبْنِ بِهَا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَصَحَّحَهُ فِي «الرَّوْضَةِ» ، واللاَّءِ طَلَّقَهُنَّ الرَّسُولُ ﵊ بَعْدَ الْبِنَاءِ بِهِنَّ فَاخْتُلِفَ فِيهِنَّ عَلَى قَوْلَيْنِ، قِيلَ: تَثْبُتُ حُرْمَةُ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ حِفْظًا لِحُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ لَهُنَّ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ. وَقَدْ أُكِّدَ حُكْمُ أُمُومَةِ أَزْوَاجِ النَّبِيءِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الْأَحْزَاب: ٥٣] ، وَبِتَحْرِيمِ تَزَوُّجِ إِحْدَاهُنَّ عَلَى الْمُؤمنِينَ بقوله [تَعَالَى] : وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [الْأَحْزَاب: ٥٣] . وَسَيَجِيءُ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَ بَعْدَهَا: وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: كَانَ فِي الْحَرْفِ الأول «وَهُوَ أبوهم» .
وَمَحْمَلُهَا أَنَّهَا تَفْسِيرٌ وَإِيضَاحٌ وَإِلَّا فَقَدْ أَفَادَ قَوْلُهُ تَعَالَى: النَّبِيءُ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ مفَاد هَذِه الْقُرَّاء.
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً.
أَعْقَبَ نَسْخَ أَحْكَامِ التَّبَنِّي الَّتِي مِنْهَا مِيرَاثُ الْمُتَبَنِّي مَنْ تَبَنَّاهُ وَالْعَكْسُ بِإِبْطَالِ
стр. 7324
نَظِيرِهِ وَهُوَ الْمُوَاخَاةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمَّا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ مَعَ مَنْ هَاجَرَ مَعَهُ، جَعَلَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا أَخًا لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ فَآخَى بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَبَيْنَ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَبَيْنَ الزُّبَيْرِ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَبَين عبد الرحمان بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَبَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَبَيْنَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَأَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ فَتَوَارَثَ الْمُتَآخُونَ مِنْهُمْ بِتِلْكَ الْمُؤَاخَاةِ زَمَانًا كَمَا يَرِثُ الْإِخْوَةُ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، كَمَا نُسِخَ التَّوَارُثُ بِالتَّبَنِّي بِآيَةِ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الْأَحْزَاب: ٥] ، فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ الْقَرَابَةَ هِيَ سَبَبُ الْإِرْثِ إِلَّا الِانْتِسَابَ الْجَعْلِيَّ.
فَالْمُرَادُ بِأُولِي الْأَرْحَامِ: الْإِخْوَةُ الْحَقِيقِيُّونَ. وَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِأُولِي الْأَرْحَامِ لِأَنَّ الشَّقِيقَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ فِي الْمِيرَاثِ وَهُمُ الْغَالِبُ، فَبَيَّنَتِ الْآيَةُ أَنَّ أُولِي الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي الْمِيرَاثِ مِنْ وِلَايَةِ الْمُتَآخِينَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَعَمَّ هَذَا جَمِيعَ أُولِي الْأَرْحَامِ وَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ فِي الْآيَتَيْنِ فِي مَعْنَى مِنْ. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ وَهُوَ مُطْلَقٌ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ وَالْمُطْلَقُ مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَيَانٌ فَمَحْمَلُ إِطْلَاقِهِ مَحْمَلُ الْعُمُومِ، لِأَنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ حَالٌ مِنْ أَحْوَالِ أُولِي الْأَرْحَامِ وَعُمُومِ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ أُولِي الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي جَمِيعِ الْوِلَايَاتِ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ أَوْ قَيَّدَهُ الدَّلِيلُ.
وَالْآيَةُ مُبَيَّنَةٌ فِي أَنَّ الْقَرَابَةَ الْحَقِيقِيَّةَ أَرْجَحُ مِنَ الْأُخُوَّةِ الْجَعْلِيَّةِ، وَهِيَ مُجْمَلَةٌ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ أُولِي الْأَرْحَامِ، وَذَلِكَ مُفَصَّلٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي أَحْكَامِ الْمَوَارِيثِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى لَفْظِ أُولُوا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبابِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٩٧] .
وَمَعْنَى فِي كِتابِ اللَّهِ فِيمَا كَتَبَهُ، أَيْ: فَرَضَهُ وَحَكَمَ بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُرْآنُ إِشَارَةً إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ الْمَوَارِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي آخِرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ مَعْلُومٌ سَهْمُهُ.
стр. 7325
وأُولُو الْأَرْحامِ مُبْتَدَأٌ، وبَعْضُهُمْ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ وأَوْلى خَبَرُ الثَّانِي وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ، وفِي كِتابِ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِ أَوْلى.
وَقَوْلُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِاسْمِ التَّفْضِيلِ وَهُوَ أَوْلى فَتَكُونَ مِنْ تَفْضِيلِيَّةً. وَالْمَعْنَى: أُولُوا الْأَرْحَامِ أَوْلَى بِإِرْثِ ذَوِي أَرْحَامِهِمْ مِنْ إِرْثِ
أَصْحَابِ وِلَايَةِ الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ بِتِلْكَ الْوِلَايَةِ، أَيِ: الْوِلَايَةِ الَّتِي بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ.
وَأُرِيدَ بِالْمُؤْمِنِينَ خُصُوصُ الْأَنْصَارِ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ بِعَطْفِ وَالْمُهاجِرِينَ عَلَى مَعْنَى أَصْحَابِ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ تَنْوِيهًا بِإِيمَانِ الْأَنْصَارِ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا بِإِيمَانِهِمْ قَبْلَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَهُمْ فَإِنَّ الْأَنْصَارَ آمَنُوا دُفْعَةً وَاحِدَةً لَمَّا أَبْلَغَهُمْ نُقَبَاؤُهُمْ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ إِيَّاهُمْ بَعْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ. قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الْحَشْر: ٩] أَيْ:
مِنْ قَبْلِ كَثِيرٍ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ عَدَا الَّذِينَ سَبَقَ إِيمَانُهُمْ. فَالْمَعْنَى: كُلُّ ذِي رَحِمٍ أَوْلَى بِإِرْثِ قَرِيبِهِ مِنْ أَنْ يَرِثَهُ أَنْصَارِيٌّ إِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُهَاجِرًا، أَوْ أَنْ يَرِثَهُ مُهَاجِرٌ إِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَيَكُونُ هَذَا نَاسِخًا لِلتَّوَارُثِ بِالْهِجْرَةِ الَّذِي شُرِعَ بِآيَةِ الْأَنْفَالِ [٧٢] : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا، فَتَوَارَثَ الْمُسْلِمُونَ بِالْهِجْرَةِ فَكَانَ الْأَعْرَابِيُّ الْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ قَرِيبَهُ الْمُهَاجِرَ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ هَذِهِ السُّورَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أَيْ: وَأُولُوا الْأَرْحَامِ الْكَائِنُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ، بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ، أَيْ: لَا يَرِثُ ذُو الرَّحِمِ ذَا رَحِمَهُ إِلَّا إِذَا كَانَا مُؤْمِنَيْنِ وَمُهَاجِرَيْنِ، فَتَكُونَ الْآيَةُ نَاسِخَةً لِلتَّوَارُثِ بِالْحِلْفِ وَالْمُؤَاخَاةِ الَّذِي شُرِعَ عِنْدَ قُدُومِ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ رَجَعُوا إِلَى مَوَارِيثِهِمْ فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ الْقَرَابَةَ أَوْلَى مِنَ الْحِلْفِ وَالْمُوَاخَاةِ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَإِنَّ آيَاتِ الْمَوَارِيثِ نَسَخَتْ هَذَا كُلَّهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَيَانِيَّةً، أَيْ: وَأُولُوا الْأَرْحَامِ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُهَاجِرُونَ، أَيْ:
فَلَا يَرِثْ أُولُوا الْأَرْحَامِ الْكَافِرُونَ وَلَا يَرِثْ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الْأَنْفَال: ٧٣] ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الْأَنْفَال: ٧٢] .
стр. 7326
وَالِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً مُنْقَطِعٌ، وإِلَّا بِمَعْنَى (لَكِنْ) لِأَنَّ مَا بَعْدَ إِلَّا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ الَّتِي أُثْبِتَتْ لِأُولِي الْأَرْحَامِ أَوْلَوِيَّةٌ خَاصَّةٌ وَهِيَ أَوْلَوِيَّةُ الْمِيرَاثِ بِدَلَالَةِ السِّيَاقِ دُونَ أَوْلَوِيَّةِ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ. وَهَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَطْعِ الِانْتِفَاعِ بِأَمْوَالِ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ أَصْحَابِ الْوِلَايَةِ بِالْإِخَاءِ وَالْحِلْفِ فَبَيَّنَ أَنِ الَّذِي أُبْطِلَ وَنُسِخَ هُوَ انْتِفَاعُ الْإِرْثِ وَبَقِيَ حُكْمُ الْمُوَاسَاةِ وَإِسْدَاءُ الْمَعْرُوفِ بِمِثْلِ الْإِنْفَاقِ وَالْإِهْدَاءِ وَالْإِيصَاءِ.
وَجُمْلَةُ كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً تَذْيِيلٌ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ وَخَاتِمَةٌ لَهَا مُؤْذِنَةٌ بِانْتِهَاءِ الْغَرَضِ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي شُرِعَتْ مِنْ قَوْلِهِ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الْأَحْزَاب: ٥] إِلَى هُنَا،
فَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ذلِكَ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ فَكَانَ هَذَا التَّذْيِيلُ أَعَمَّ مِمَّا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَمْ يَكُنْ تَكْرِيرًا لَهُ وَلَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ وَيَتَضَمَّنُ غَيْرَهُ فَيُفِيدُ تَقْرِيرَهُ وَتَوْكِيدَهُ تَبَعًا وَهَذَا شَأْنُ التَّذْيِيلَاتِ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْكِتابِ لِلْعَهْدِ، أَيْ: كِتَابِ اللَّهِ، أَيْ: مَا كَتَبَهُ عَلَى النَّاسِ وَفَرَضَهُ كَقَوْلِهِ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النِّسَاء: ٢٤] ، فَاسْتُعِيرَ الْكِتَابُ لِلتَّشْرِيعِ بِجَامِعِ ثُبُوتِهِ وَضَبْطِهِ التَّغْيِيرَ وَالتَّنَاسِيَ، كَمَا قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
حَذَرَ الْجَوْرِ وَالتَّطَاخِي وَهَلْ يَنْ ... قُضُ مَا فِي الْمَهَارِقِ الْأَهْوَاءُ
وَمَعْنَى هَذَا مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [٧٥] . فَالْكِتَابُ: اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وَحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ تَرْسِيخٌ لِلِاسْتِعَارَةِ.
وَالْمَسْطُورُ: الْمَكْتُوبُ فِي سُطُورٍ، وَهُوَ تَرْشِيحٌ أَيْضًا لِلِاسْتِعَارَةِ وَفِيهِ تَخْيِيلٌ لِلْمَكْنِيَّةِ.
وَفِعْلُ كانَ فِي قَوْلِهِ كانَ ذلِكَ لِتَقْوِيَةِ ثُبُوتِهِ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا، لِأَنَّ كانَ إِذَا لَمْ يُقْصَدُ بِهَا أَنَّ اسْمَهَا اتَّصَفَ بِخَبَرِهَا فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي كَانَتْ لِلتَّأْكِيدِ غَالِبًا مِثْلَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الْأَحْزَاب: ٤] أَيْ: لَمْ يزل كَذَلِك.
стр. 7327
[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : الْآيَات ٧ إِلَى ٨]
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٧) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (٨)
عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ يَا أَيهَا النبيء اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِلَى قَوْلِهِ:
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الْأَحْزَاب: ١- ٣] فَلِذَلِكَ تَضَمَّنَ الْأَمْرَ بِإِقَامَةِ الدِّينِ عَلَى مَا أَرَادَهُ اللهُ تَعَالَى وَأَوْحَى بِهِ إِلَى رَسُولِهِ ﷺ ، وَعَلَى نَبْذِ سُنَنِ الْكَافِرِينَ الصُّرَحَاءِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ أَحْكَامِ الْهَوَى وَالْأَوْهَامِ.
فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ وَعَقَّبَ بِمِثْلِ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَحْكَامِ جَاهِلِيَّتِهِمُ الضَّالَّةِ بِمَا طَالَ مِنَ الْكَلَامِ إِلَى هُنَا ثُنِيَ عِنَانُ الْكَلَامِ إِلَى الْإِعْلَامِ بِأَنَّ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ هُوَ مِنْ عُهُودٍ أَخَذَهَا اللَّهُ عَلَى النَّبِيئِينَ وَالْمُرْسَلِينَ مِنْ أَوَّلِ عُهُودِ الشَّرَائِعِ. وَتَرْبُطُ هَذَا الْكَلَامَ بِالْكَلَامِ الَّذِي عُطِفَ هُوَ عَلَيْهِ مُنَاسَبَةُ قَوْلِهِ: كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً [الْأَحْزَاب: ٦] . وَبِهَذَا الِارْتِبَاطِ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى بَيَانِ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيئِينَ، فَعُلِمَ أَن الْمَعْنى: وَإِذا أَخَذْنَا
مِنَ النَّبِيئِينَ مِيثَاقَهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَبِنَبْذِ طَاعَةِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَبِاتِّبَاعِ مَا أَوْحَى اللَّهُ بِهِ. وَقَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [الْأَحْزَاب: ١] لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً فَلَمَّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ وَبِالْإِعْرَاضِ عَنْ دَعْوَى الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، أُعْلِمَ بِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ النَّبِيئِينَ مِنْ قَبْلِهِ، وَلِذَلِكَ عَطَفَ قَوْلَهُ وَمِنْكَ عَقِبَ ذِكْرِ النَّبِيئِينَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ شَأْنَ الرُّسُلِ وَاحِدٌ وَأَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ فِيهِمْ مُتَّحِدَةٌ، فَهَذِهِ الْآيَةُ لَهَا مَعْنَى التَّذْيِيلِ لِآيَةِ يَا أَيهَا النبيء اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ [الْأَحْزَاب: ١] الْآيَاتُ الثَّلَاثُ وَلَكِنَّهَا جَاءَتْ مَعْطُوفَةً بِالْوَاوِ لِبُعْدِ مَا بَيْنَهَا وَمَا بَيْنَ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَقَوْلُهُ وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ الْآيَتَيْنِ لَهُمَا مَوْقِعُ الْمُقَدِّمَةِ لِقِصَّةِ الْأَحْزَابِ لِأَنَّ مِمَّا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِيثَاقَ النَّبِيئِينَ أَنْ يَنْصُرُوا الدِّينَ الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ بِهِ، وَأَنْ يَنْصُرُوا دِينَ الْإِسْلَامِ، قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَمَا آتَيْنَاكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمرَان: ٨١] فَمُحَمَّدٌ ﷺ مَأْمُورٌ بِالنُّصْرَةِ لِدِينِهِ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ فِي هَذِه الْآيَة: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً. وَقَالَ فِي
стр. 7328
الْآيَةِ الْآتِيَةِ فِي الثَّنَاءِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ الْآيَة [الْأَحْزَاب: ٢٤] .
وَقَدْ جَاءَ قَوْلُهُ: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيئِينَ مِيثَاقَهُمْ جَارِيًا عَلَى أُسْلُوبِ ابْتِدَاءِ كَثِيرٍ مِنْ قَصَصِ الْقُرْآنِ فِي افْتِتَاحِهَا بِ إِذْ عَلَى إِضْمَارِ (اذْكُرْ) . وإِذْ اسْمٌ لِلزَّمَانِ مُجَرَّدٌ عَنْ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ. فَالتَّقْدِيرُ: وَاذْكُرْ وَقْتًا، وَبِإِضَافَةِ إِذْ إِلَى الْجُمْلَةِ بَعْدَهُ يَكُونُ الْمَعْنَى: اذْكُرْ وَقْتَ أَخْذِنَا مِيثَاقًا عَلَى النَّبِيئِينَ. وَهَذَا الْمِيثَاقُ مُجْمَلٌ هُنَا بَيَّنَتْهُ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ. وَجِمَاعُهَا أَنْ يَقُولُوا الْحَقَّ وَيُبَلِّغُوا مَا أُمِرُوا بِهِ دُونَ مُلَايَنَةٍ لِلْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَلَا خَشْيَةٍ مِنْهُمْ، وَلَا مُجَارَاةٍ لِلْأَهْوَاءِ، وَلَا مُشَاطَرَةٍ مَعَ أَهْلِ الضَّلَالِ فِي الْإِبْقَاءِ عَلَى بَعْضِ ضَلَالِهِمْ. وَأَنَّ اللَّهَ وَاثَقَهُمْ وَوَعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِالنَّصْرِ. وَلِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ الْأَغْرَاضِ مَزِيدُ التَّأَثُّرِ بِهَذَا الْمِيثَاقِ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ وَشَدِيدُ الْمُشَابَهَةِ بِمَا أُخِذَ مِنَ الْمَوَاثِيقِ عَلَى الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى هُنَا: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الْأَحْزَاب: ٤] وَقَوْلُهُ فِي مِيثَاقِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [١٦٩] .
وَفِي تَعْقِيبِ أَمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالتَّقْوَى وَمُخَالَفَةِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالتَّثْبِيتِ عَلَى اتِّبَاعِ مَا يُوحِي إِلَيْهِ، وَأَمْرِهِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، وَجَعْلِهَا قَبْلَ قَوْلِهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ
[الْأَحْزَاب: ٩] إِلَخْ.. إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ التَّأْيِيدَ الَّذِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ إِذْ رَدَّ عَنْهُمْ أَحْزَابَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا مَا هُوَ إِلَّا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ حِينَ بَعَثَهُ.
وَالْمِيثَاقُ: اسْمُ الْعَهْدِ وَتَحْقِيقِ الْوَعْدِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ وَثِقَ، إِذَا أَيْقَنَ وَتَحَقَّقَ، فَهُوَ مَنْقُولٌ مِنِ اسْمِ آلَةٍ مَجَازًا غَلَبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٧] . وَإِضَافَةُ مِيثَاقٍ إِلَى ضَمِيرِ النَّبِيئِينَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ عَلَى مَعْنَى اخْتِصَاصِ الْمِيثَاقِ بِهِمْ فِيمَا أُلْزِمُوا بِهِ وَمَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ. وَيُضَافُ أَيْضًا
стр. 7329
إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ فِي قَوْلِهِ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ [الْمَائِدَة: ٧] .
وَقَوْلُهُ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ إِلَخْ هُوَ مِنْ ذِكْرِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِمْ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ أَفْضَلُ الرُّسُلِ، وَقَدْ ذُكِرَ ضَمِيرُ مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَهُمْ إِيمَاءً إِلَى تَفْضِيلِهِ عَلَى جَمِيعِهِمْ، ثُمَّ جُعِلَ تَرْتِيبُ ذِكْرِ الْبَقِيَّةِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الْوُجُودِ. وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ خُصَّ ضَمِيرُ النَّبِيءِ بِإِدْخَالِ حَرْفِ (مِنْ) عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ، ثُمَّ أُدْخِلَ حَرْفُ (مِنْ) عَلَى مَجْمُوعِ الْبَاقِينَ فَكَانَ قَدْ خُصَّ بِاهْتِمَامَيْنِ: اهْتِمَامِ التَّقْدِيمِ، وَاهْتِمَامِ إِظْهَارِ اقْتِرَانِ الِابْتِدَاءِ بِضَمِيرٍ بِخُصُوصِهِ غَيْرَ مُنْدَمِجٍ فِي بَقِيَّتِهِمْ ﵈.
وَسَيَجِيءُ أَنَّ مَا فِي سُورَةِ الشُّورَى [١٣] مِنْ تَقْدِيمِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً عَلَى وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الشورى: ١٣] طَرِيقٌ آخَرُ هُوَ آثَرُ بِالْغَرَضِ الَّذِي فِي تِلْكَ السُّورَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ الْآيَة [الشورى: ١٣] .
وَجُمْلَةُ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً أَعَادَتْ مَضْمُونَ جُمْلَةِ وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيئِينَ مِيثَاقَهُمْ لِزِيَادَةِ تَأْكِيدِهَا، وَلِيُبْنَى عَلَيْهَا وَصْفُ الْمِيثَاقِ بِالْغَلِيظِ، أَيْ: عَظِيمًا جَلِيلَ الشَّأْنِ فِي جِنْسِهِ فَإِنَّ كُلَّ مِيثَاقٍ لَهُ عِظَمٌ فَلَمَّا وُصِفَ هَذَا بِ غَلِيظاً أَفَادَ أَنَّ لَهُ عِظَمًا خَاصًّا، وَلِيُعَلِّقَ بِهِ لَامَ التَّعْلِيلِ من قَوْله لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ.
وَحَقِيقَةُ الْغَلِيظِ: الْقَوِيُّ الْمَتِينُ الْخَلْقِ، قَالَ تَعَالَى: فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ [الْفَتْح: ٢٩] . وَاسْتُعِيرَ الْغَلِيظُ لِلْعَظِيمِ الرَّفِيعِ فِي جِنْسِهِ لِأَنَّ الْغَلِيظَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ هُوَ أَمْكَنُهُ فِي صِفَاتِ جِنْسِهِ.
وَاللَّامُ فِي قَوْله لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ لَامُ كَيْ، أَيْ: أَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا لِنُعْظِمَ جَزَاءً لِلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَلِنُشَدِّدَ الْعَذَابَ جَزَاءً لِلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ، فَيَكُونُ مِنْ دَوَاعِي ذِكْرِ هَذَا الْمِيثَاقِ هُنَا أَنَّهُ تَوْطِئَةٌ لِذِكْرِ جَزَاءِ الصَّادِقِينَ وَعَذَابِ الْكَافِرِينَ زِيَادَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ دَوَاعِي ذَلِكَ آنِفًا. وَهَذِهِ عِلَّةٌ مِنْ عِلَلِ أَخْذِ الْمِيثَاقِ مِنَ النَّبِيئِينَ وَهِيَ آخِرُ الْعِلَلِ حُصُولًا فَأَشْعَرَ
стр. 7330
ذِكْرُهَا بِأَنَّ لِهَذَا الْمِيثَاقِ عِلَلًا تَحْصُلُ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ الصَّادِقُونَ عَنْ صِدْقِهِمْ، وَهِيَ مَا فِي الْأَعْمَالِ الْمَأْخُوذِ مِيثَاقُهُمْ عَلَيْهَا مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَذَلِكَ هُوَ مَا يُسْأَلُ الْعَامِلُونَ عَنْ عَمَلِهِ مِنْ خَيْرٍ وَشر.
وَضمير لِيَسْئَلَ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالصَّادِقِينَ أُمَمُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ بَلَغَهُمْ مَا أُخِذَ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ مِنَ الْمِيثَاقِ، وَيُقَابِلُهُمُ الْكَافِرُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا أَنْبِيَاءَهُمْ أَوِ الَّذِينَ صَدَّقُوهُمْ ثُمَّ نَقَضُوا الْمِيثَاقَ مِنْ بَعْدِ، فَيَشْمَلُهُمُ اسْمُ الْكَافِرِينَ.
وَالسُّؤَالُ: كِنَايَةٌ عَنِ الْمُؤَاخَذَةِ لِأَنَّهَا مِنْ ثَوَابِ جَوَابِ السُّؤَال أَعنِي إسداء الثَّوَابِ لِلصَّادِقِينَ وَعَذَابَ الْكَافِرِينَ، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الْأَنْبِيَاء: ٢٣] ، أَيْ: لَا يَتَعَقَّبُ أَحَدٌ فِعْلَهُ وَلَا يُؤَاخِذُهُ عَلَى مَا لَا يُلَائِمُهُ، وَقَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
وَقِيلَ: إِنَّك مَنْسُوب ومسؤول وَجُمْلَةُ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَطْفٌ على جملَة لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ وَغُيِّرَ فِيهَا الْأُسْلُوبُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَحْقِيقِ عَذَابِ الْكَافِرِينَ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُمْ يُسْأَلُونَ سُؤَالَ مَنْ يُسْمَعُ جَوَابُهُمْ أَوْ مَعْذِرَتُهُمْ، وَلِإِفَادَةِ أَنَّ إِعْدَادَ عَذَابِهِمْ أَمْرٌ مَضَى وَتَقَرَّرَ فِي علم الله.
[٩]
[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٩]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩)
ابْتِدَاءٌ لِغَرَضٍ عَظِيمٍ مِنْ أَغْرَاضِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ وَالَّذِي حُفَّ بِآيَاتٍ وَعِبَرٍ مِنِ ابْتِدَائِهِ وَمِنْ عَوَاقِبِهِ تَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَذْكِيرًا لِيَزِيدَهُمْ يَقِينًا وَتَبْصِيرًا. فَافْتُتِحَ الْكَلَامُ بِتَوْجِيهِ الْخِطَابِ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ أَهْلُهُ وَأَحِقَّاءُ بِهِ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَخْلِيدَ كَرَامَتِهِمْ وَيَقِينِهِمْ وَعِنَايَةَ اللَّهِ بِهِمْ وَلُطْفَهُ لَهُمْ وَتَحْقِيرًا لِعَدُوِّهِمْ وَمَنْ يَكِيدُ لَهُمْ، وَأُمِرُوا أَنْ يَذْكُرُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ
стр. 7331
وَلَا يَنْسَوْهَا لِأَنَّ فِي ذِكْرِهَا تَجْدِيدًا لِلِاعْتِزَازِ بِدِينِهِمْ وَالثِّقَةِ برَبهمْ والتصديق لنبيئهم ﷺ .
وَاخْتِيرَتْ لِلتَّذْكِيرِ بِهَذَا الْيَوْمِ مُنَاسَبَةُ الْأَمْرِ بِعَدَمِ طَاعَةِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ مِنَ
النِّعَمِ الَّتِي حَفَّتْ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي يَوْمِ الْأَحْزَابِ أَنَّ اللَّهَ رَدَّ كَيْدَ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فَذَكَّرَ الْمُؤْمِنُونَ بِسَابِقِ كَيْدِ الْمُنَافِقِينَ فِي تِلْكَ الْأَزْمَةِ لِيَحْذَرُوا مَكَائِدَهُمْ وَأَرَاجِيفَهُمْ فِي قَضِيَّةِ التَّبَنِّي وَتَزَوُّجِ النَّبِيءِ ﷺ مُطَلَّقَةَ مُتَبَنَّاهُ، وَلِذَلِكَ خُصَّ الْمُنَافِقُونَ بِقَوْلِهِ: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الْأَحْزَاب: ١٢] الْآيَاتِ عَلَى أَنَّ قَضِيَّةَ إِبْطَالِ التَّبَنِّي وَإِبَاحَةِ تَزَوُّجِ مُطَلَقِ الْأَدْعِيَاءِ كَانَ بِقُرْبِ وَقْعَةِ الْأَحْزَابِ.
وإِذْ ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الْمَاضِي مُتَعَلِّقٌ بِ نِعْمَةَ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْإِنْعَامِ، أَيِ:
اذْكُرُوا مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ زَمَانَ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا.
وَهَذِهِ الْآيَةُ وَمَا بَعْدَهَا تُشِيرُ إِلَى مَا جَرَى مِنْ عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ فَلْنَأْتِ عَلَى خُلَاصَةِ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ السِّيَرِ وَالتَّفْسِيرِ لِيَكُونَ مِنْهُ بَيَانٌ لِمَطَاوِي هَذِهِ الْآيَاتِ.
وَكَانَ سَبَبَ هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَنَّ قُرَيْشًا بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ تَهَادَنُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِمُدَّةِ عَامٍ عَلَى أَنْ يَلْتَقُوا بِبَدْرٍ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ فَلَمْ يَقَعْ قِتَالٌ بِبَدْرٍ لِتَخَلُّفِ أَبِي سُفْيَانَ عَنِ الْمِيعَادِ، فَلَمْ يُنَاوِشْ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ الْفَرِيقَ الْآخَرَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ حَادِثَةِ غَدْرِ الْمُشْرِكِينَ بِالْمُسْلِمِينَ وَهِيَ حَادِثَةُ بِئْرِ مَعُونَةَ حِينَ غَدَرَتْ قَبَائِلُ عُصَيَّةَ، وَرِعْلٍ، وَذَكْوَانَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ بِأَرْبَعِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذْ سَأَلَ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُوَجِّهَهُمْ إِلَى أَهْلِ نَجْدٍ يَدْعُونَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَكَانَ ذَلِكَ كَيْدًا كَادَهُ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ وَذَلِكَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنِ انْقِضَاءِ غَزْوَةِ أُحُدٍ.
فَلَمَّا أَجْلَى النَّبِيءُ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ لِمَا ظَهَرَ مِنْ غَدْرِهِمْ بِهِ وَخَيْسِهِمْ بِالْعَهْدِ الَّذِي لَهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، هُنَالِكَ اغْتَاظَ كَبَرَاءُ يَهُودِ قُرَيْظَةَ بَعْدَ الْجَلَاءِ وَبَعْدَ أَنْ نَزَلُوا بِدِيَارِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبِخَيْبَرَ فَخَرَجَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ- بِتَشْدِيدِ لَامِ سَلَّامِ وَضَمِّ حَاءِ الْحُقَيْقِ وَفَتْحِ قَافِهِ- وَكِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ- بِضَمِّ حَاءِ حُيَيٍّ وَفَتْحِ هَمْزَةِ وَطَاءِ أَخْطَبَ- وَغَيْرُهُمْ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ فَقَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ لِذَلِكَ
стр. 7332
وَتَآمَرُوا مَعَ غَطَفَانَ عَلَى أَنْ يَغْزُوا الْمَدِينَةَ فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ وَأَحَابِيشُهَا وَبَنُو كِنَانَةَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ وَقَائِدُهُمْ أَبُو سُفْيَانَ، وَخَرَجَتْ غَطَفَانُ فِي أَلْفٍ قَائِدُهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَخَرَجَتْ مَعَهُمْ هَوَازِنُ وَقَائِدُهُمْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ.
وَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَزْمُهُمْ عَلَى مُنَازَلَةِ الْمَدِينَةِ أَبْلَغَتْهُ إِيَّاهُ خُزَاعَةُ وَخَافَ الْمُسْلِمُونَ كَثْرَةَ عَدُوِّهِمْ، وَأَشَارَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ أَنْ يُحْفَرَ خَنْدَقٌ يُحِيطُ بِالْمَدِينَةِ تَحْصِينًا لَهَا مِنْ دُخُولِ الْعَدُوِّ فَاحْتَفَرَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالنَّبِيءُ ﷺ مَعَهُمْ يَحْفُرُ وَيَنْقُلُ التُّرَابَ، وَكَانَتْ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ سَنَةَ أَرْبَعٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: سَنَةَ خَمْسٍ. وَهُوَ الَّذِي اشْتَهَرَ عِنْدَ النَّاسِ وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي «جَامِعِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ» اتِّبَاعًا لِمَا اشْتُهِرَ، وَقَوْلُ مَالك أصحّ.
وَعند مَا تَمَّ حَفْرُ الْخَنْدَقِ أَقْبَلَتْ جُنُودُ الْمُشْرِكِينَ وَتَسَمَّوْا بِالْأَحْزَابِ لِأَنَّهُمْ عِدَّةُ قَبَائِلَ تَحَزَّبُوا، أَيْ: صَارُوا حِزْبًا وَاحِدًا، وَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ فَكَانَ وُرُودُ قُرَيْشٍ مِنْ أَسْفَلَ الْوَادِي مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ، وَوُرُودُ غَطَفَانَ وَهَوَازِنَ مِنْ أَعْلَى الْوَادِي مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، فَنَزَلَ جَيْشُ قُرَيْشٍ بِمُجْتَمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ بَيْنَ الْجُرْفِ وَزُغَابَةَ- بِزَايٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ- وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: وَالْغَابَةُ، وَالتَّحْقِيقُ هُوَ الْأَوَّلُ كَمَا فِي «الرَّوْضِ الْأُنُفِ» ، وَنَزَلَ جَيْشُ غَطَفَانَ وَهَوَازِنَ بِذَنَبِ نَقْمَى إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ، وَكَانَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ فَعَسْكَرُوا تَحْتَ جَبَلِ سَلْعٍ وَجَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى الْجَبَلِ وَالْخَنْدَقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ، وَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيهِمْ فِي آطَامِ الْمَدِينَةِ. وَأَمَّرَ النَّبِيءُ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَدَامَ الْحَالُ كَذَلِكَ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ فِيهَا حَرْبٌ إِلَّا مُصَارَعَةٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ فُرْسَانٍ اقْتَحَمُوا الْخَنْدَقَ مِنْ جِهَةٍ ضَيِّقَةٍ عَلَى أَفَرَاسِهِمْ فَتَقَاتَلُوا فِي السَّبْخَةِ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَسَلْعٍ وَقُتِلَ أَحَدُهُمْ قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَفَرَّ صَاحِبَاهُ، وَأَصَابَ سَهْمٌ غَرْبٌ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي أَكْحُلِهِ فَكَانَ مِنْهُ مَوْتُهُ فِي الْمَدِينَةِ. وَلَحِقَتِ الْمُسْلِمِينَ شِدَّةٌ مِنَ الْحِصَارِ وَخَوْفٌ مِنْ كَثْرَةِ جَيْشِ عَدُوِّهِمْ حَتَّى هَمَّ النَّبِيءُ ﷺ بِأَنْ يُصَالِحَ الْأَحْزَابَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ نِصْفَ ثَمَرِ الْمَدِينَةِ فِي عَامِهِمْ ذَلِكَ يَأْخُذُونَهُ عِنْدَ طِيبِهِ وَكَادَ أَنْ يَكْتُبَ مَعَهُمْ كِتَابًا فِي ذَلِكَ، فَاسْتَشَارَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ:
стр. 7333
قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى الشِّرْكِ وَلَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا ثَمَرَةً إِلَّا قِرًى أَوْ بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزَّنَا بِكَ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا! وَاللَّهِ لَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا كَانَ عَزَمَ عَلَيْهِ.
وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى جَيْشِ الْمُشْرِكِينَ رِيحًا شَدِيدَةً فَأَزَالَتْ خِيَامَهُمْ وَأَكْفَأَتْ قُدُورَهُمْ وَأَطْفَأَتْ نِيرَانَهُمْ، وَاخْتَلَّ أَمْرُهُمْ، وَهَلَكَ كُرَاعُهُمْ وَخُفُّهُمْ، وَحَدَثَ تَخَاذُلٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قُرَيْظَةَ وَظَنَّتْ قُرَيْشٌ أَنَّ قُرَيْظَةَ صَالَحَتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّهُمْ يَنْضَمُّونَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَالِ الْأَحْزَابِ، فَرَأَى أَهْلُ الْأَحْزَابِ الرَّأْيَ فِي أَنْ يَرْتَحِلُوا فَارْتَحَلُوا عَنِ الْمَدِينَةِ وَانْصَرَفَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ ذكر تَوْطِئَة لِقَوْلِهِ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً إِلَخْ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَحَلُّ الْمِنَّةِ. وَالرِّيحُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا هِيَ رِيحُ الصَّبَا وَكَانَتْ بَارِدَةً وَقَلَعَتِ الْأَوْتَادَ وَالْأَطْنَابَ وَسَفَّتِ التُّرَابَ فِي عُيُونِهِمْ وَمَاجَتِ الْخَيْلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ وَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنْ خَيْلِهِمْ وَإِبِلِهِمْ وَشَائِهِمْ. وَفِيهَا
قَالَ النَّبِيءُ ﷺ : «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» .
وَالْجُنُودُ الَّتِي لَمْ يَرَوْهَا هِيَ جُنُودُ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ أَرْسَلُوا الرِّيحَ وَأَلْقَوُا التَّخَاذُلَ بَيْنَ
الْأَحْزَابِ وَكَانُوا وَسِيلَةَ إِلْقَاءِ الرُّعْبِ فِي نُفُوسِهِمْ.
وَجُمْلَةُ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً فِي مَوْقِعِ الْحَالِ مِنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي قَوْلِهِ نِعْمَةَ اللَّهِ وَهِيَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ نَصَرَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ لِأَنَّهُ عَلِيمٌ بِمَا لَقِيَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالْمُصَابَرَةِ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ وَالْخُرُوجِ مِنْ دِيَارِهِمْ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَبَذْلِهِمُ النُّفُوسَ فِي نَصْرِ دِينِ اللَّهِ فَجَازَاهُمُ اللَّهُ بِالنَّصْرِ الْمُبِينِ كَمَا قَالَ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الْحَج: ٤٠] .
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً بِتَاءِ الْخِطَابِ. وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ بِيَاءِ الْغَيْبَةِ وَمَحْمَلُهَا عَلَى الِالْتِفَاتِ.
وَالْجُنُودُ الْأُوَّلُ جَمْعُ جُنْدٍ، وَهُوَ الْجَمْعُ الْمُتَّحِدُ الْمُتَنَاصِرُ وَلِذَلِكَ غَلَبَ عَلَى الْجَمْعِ الْمُجْتَمِعِ لِأَجْلِ الْقِتَالِ فَشَاعَ الْجُنْدُ بِمَعْنَى الْجَيْشِ. وَذَكَرَ جُنُودَ هُنَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ مَعَ
стр. 7334
أَنَّ مُفْرَدَهُ مُؤْذِنٌ بِالْجَمَاعَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى جُنْدٌ مَا هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ [ص: ١١] فَجَمَعَهُ هُنَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَجَمِّعِينَ مِنْ عِدَّةِ قَبَائِلَ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ جَيْشٌ خَرَجُوا مُتَسَانِدِينَ لِغَزْوِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَدِينَةِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٤٩] .
وَالْجُنُودُ الثَّانِي جَمْعُ جُنْدٍ بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ. وَالْمُرَادُ بِهِمْ مَلَائِكَةٌ أُرْسِلُوا لِنَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِلْقَاءِ الرُّعْبِ وَالْخَوْفِ فِي قُلُوب الْمُشْركين.
[١٠- ١١]
[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : الْآيَات ١٠ إِلَى ١١]
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً (١١)
إِذْ جاؤُكُمْ بَدَلٌ مِنْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ [الْأَحْزَاب: ٩] بَدَلَ مُفَصَّلٍ مِنْ مُجْمَلٍ.
وَالْمُرَادُ بِ (فَوْقِ) وأَسْفَلَ فَوْقُ جِهَةِ الْمَدِينَةِ وأسفلها.
ووَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ عَطْفٌ عَلَى الْبَدَلِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ التَّفْصِيلِ، وَالتَّعْرِيفُ فِي الْأَبْصارُ والْقُلُوبُ والْحَناجِرَ لِلْعَهْدِ، أَيْ: أَبْصَارُ الْمُسْلِمِينَ وَقُلُوبُهُمْ وَحَنَاجِرَهُمْ، أَوْ تُجْعَلُ اللَّامُ فِيهَا عِوَضًا عَنِ الْمُضَافَاتِ إِلَيْهَا، أَيْ: زَاغَتْ أَبْصَارُكُمْ وَبَلَغَتْ قُلُوبُكُمْ حَنَاجِرَكُمْ.
وَالزَّيْغُ: الْمَيْلُ عَنِ الْاسْتِوَاءِ إِلَى الِانْحِرَافِ. فَزَيْغُ الْبَصَرِ أَنْ لَا يَرَى مَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ، أَوْ أَنْ يُرِيدَ التَّوَجُّهَ إِلَى صَوْبٍ فَيَقَعَ إِلَى صَوْبٍ آخَرَ مِنْ شِدَّةِ الرُّعْبِ وَالِانْذِعَارِ.
والْحَناجِرَ: جَمَعُ حَنْجَرَةٍ- بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْجِيمِ-: مُنْتَهَى الْحُلْقُومِ وَهِيَ رَأْسُ الْغَلْصَمَةِ. وَبُلُوغُ الْقُلُوبِ الْحَنَاجِرَ تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ اضْطِرَابِ الْقُلُوبِ مِنَ
الْفَزَعِ وَالْهَلَعِ حَتَّى كَأَنَّهَا لِاضْطِرَابِهَا تَتَجَاوَزُ مَقَارَّهَا وَتَرْتَفِعُ طَالِبَةً الْخُرُوجَ مِنَ الصُّدُورِ فَإِذَا بَلَغَتِ الْحَنَاجِرَ لَمْ تَسْتَطِعْ تُجَاوُزَهَا مِنَ الضِّيقِ فَشُبِّهَتْ هَيْئَةُ قَلْبِ الْهُلُوعِ الْمَرْعُودِ بِهَيْئَةِ قَلْبٍ تَجَاوَزَ مَوْضِعَهُ وَذَهَبَ مُتَصَاعِدًا طَالِبًا الْخُرُوجَ، فَالْمُشَبَّهُ الْقَلْبُ نَفْسُهُ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْهَيْئَتَيْنِ.
стр. 7335
وَلَيْسَ الْكَلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ لَا تَتَجَاوَزُ مَكَانَهَا، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُهُمْ:
تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ، وَبَلَغَتِ الرُّوحُ التَّرَاقِيَ.
وَجُمْلَةُ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ زاغَتِ الْأَبْصارُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ لِلْحَالِ وَجِيءَ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَجَدُّدِ تِلْكَ الظُّنُونِ بِتَجَدُّدِ أَسْبَابِهَا كِنَايَةً عَنْ طُولِ مُدَّةِ هَذَا الْبَلَاءِ.
وَفِي صِيغَةِ الْمُضَارِعِ مَعْنَى التَّعْجِيبِ مِنْ ظُنُونِهِمْ لِإِدْمَاجِ الْعِتَابِ بِالِامْتِنَانِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْهَلَعِ الَّذِي أَزَاغَ الْأَبْصَارَ وَجَعَلَ الْقُلُوبَ بِمِثْلِ حَالَةِ أَنْ تَبْلُغَ الْحَنَاجِرَ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَشْفَقُوا مِنْ أَنْ يُهْزَمُوا لِمَا رَأَوْا مِنْ قُوَّةِ الْأَحْزَابِ وَضِيقِ الْحِصَارِ أَوْ خَافُوا طُولَ مُدَّةِ الْحَرْبِ وَفَنَاءَ الْأَنْفُسِ، أَوْ أَشْفَقُوا مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْهَزِيمَةِ جَرَاءَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الظُّنُونِ وَتَفَاوُتِ دَرَجَاتِ أَهْلِهَا.
وَالْمُؤْمِنُ وَإِنْ كَانَ يَثِقُ بِوَعْدِ رَبِّهِ لَكِنَّهُ لَا يَأْمَنُ غَضَبَهُ مِنْ جَرَّاءِ تَقْصِيرِهِ، وَيَخْشَى أَنْ يَكُونَ النَّصْرُ مُرْجَأً إِلَى زَمَنٍ آخَرَ، فَإِنَّ مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ لَا يُحَاطُ بِهِ.
وَحُذِفَ مَفْعُولَا تَظُنُّونَ بِدُونِ وُجُودِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيرِهِمَا فَهُوَ حَذْفٌ لِتَنْزِيلِ الْفِعْلِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، وَيُسَمَّى هَذَا الْحَذْفُ عِنْدَ النُّحَاةِ الْحَذْفَ اقْتِصَارًا، أَيْ: لِلِاقْتِصَارِ عَلَى نِسْبَةِ فِعْلِ الظَّنِّ لِفَاعِلِهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّنْزِيلِ أَنْ تَذْهَبَ نَفْسُ السَّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ، وَهُوَ حَذْفٌ مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ وَعَلَى جَوَازِهِ أَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى [النَّجْم: ٣٥] وَقَوْلُهُ: وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ [الْفَتْح: ١٢] ، وَقَوْلُ الْمَثَلِ: مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ، وَمَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَشُ.
وَضُمِّنَ تَظُنُّونَ مَعْنَى تَلْحَقُونَ، فَعُدِّيَ بِالْبَاءِ فَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: قَوْلُهُمْ: ظَنَنْتُ بِهِ، مَعْنَاهُ: جَعَلْتُهُ مَوْضِعَ ظَنِّي. وَلَيْسَتِ الْبَاءُ هُنَا بِمَنْزِلَتِهَا فِي كَفى بِاللَّهِ حَسِيباً [النِّسَاء: ٦] ، أَيْ:
لَيْسَتْ زَائِدَةً، وَمَجْرُورُهَا مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ قَبْلَهَا كَأَنَّكَ قُلْتَ: ظَنَنْتُ فِي الدَّارِ، وَمِثْلُهُ: شَكَكْتُ فِيهِ، أَيْ: فَالْبَاءَ عِنْدَهُ بِمَعْنَى (فِي) . وَالْوَجْهُ أَنَّهَا لِلْمُلَابَسَةِ كَقَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
فَقُلْتُ لَهُمْ: ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ فِي الْفَارِسِيِّ الْمَسَرَّدِ
стр. 7336
وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ [٨٧] .
وَانْتَصَبَ الظُّنُونَا عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِلْعَدَدِ، وَهُوَ جَمْعُ ظَنٍّ. وَتَعْرِيفُهُ بِاللَّامِ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، وَجَمْعُهُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الظَّنِّ كَمَا فِي قَول النَّابِغَة:
أبيتك عَارِيًا خَلَقًا ثِيَابِي ... عَلَى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنُونُ
وَكُتِبَ الظُّنُونَا فِي الإِمَام بِأَلف بَعْدَ النُّونِ، زِيدَتْ هَذِهِ الْأَلِفُ فِي النُّطْقِ لِلرِّعَايَةِ عَلَى الْفَوَاصِلِ فِي الْوُقُوفِ، لِأَنَّ الْفَوَاصِلَ مِثْلَ الْأَسْجَاعِ تُعْتَبَرُ مَوْقُوفًا عَلَيْهَا لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَهَا كَذَلِكَ. فَهَذِهِ السُّورَةُ بُنِيَتْ عَلَى فَاصِلَةِ الْأَلِفِ مِثْلَ الْقَصَائِدِ الْمَقْصُورَةِ، كَمَا زِيدَتِ الْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [الْأَحْزَاب: ٦٦] وَقَوْلِهِ: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الْأَحْزَاب: ٦٧] .
وَعَنْ أَبِي عَلِيٍّ فِي «الْحُجَّةِ» : مَنْ أَثْبَتَ الْأَلِفَ فِي الْوَصْلِ لِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ كَذَلِكَ وَهُوَ رَأس آيَة ورؤوس الْآيَاتِ تُشَبَّهُ بِالْقَوَافِي مِنْ حَيْثُ كَانَتْ مَقَاطِعَ، فَأَما فِي طَرَحَ الْأَلِفَ فِي الْوَصْلِ فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي القوافي وَلَيْسَ رُؤُوس الْآيِ بِقَوَافٍ.
فَأَمَّا الْقُرَّاءُ فَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَالْكِسَائِيُّ بِحَذْفِ الْأَلِفِ فِي الْوَصْلِ وَإِثْبَاتِهَا فِي الْوَقْفِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ، وَقَرَأَ خَلَفٌ بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ بَعْدَ النُّونِ فِي الْوَقْفِ وَحَذْفِهَا فِي الْوَصْلِ. وَهَذَا اخْتِلَافٌ مِنْ قَبِيلِ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوهِ الْأَدَاءِ لَا فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ. وَهِيَ كُلُّهَا فَصِيحَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَالْأَحْسَنُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْفَوَاصِلَ كَالْأَسْجَاعِ وَالْأَسْجَاعَ كَالْقَوَافِي.
وَالْإِشَارَةُ بِ هُنالِكَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ [الْأَحْزَاب: ٩] وَقَوله إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ. وَالْأَظْهَرُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إِلَى الزَّمَانِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ إِذْ فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ. وَكَثِيرًا مَا يُنَزَّلُ أَحَدُ الظَّرْفَيْنِ مَنْزِلَةَ الْآخَرِ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُنالِكَ: ظَرْفُ زَمَانٍ وَالْعَامِلُ فِيهِ
стр. 7337
ابْتُلِيَ اهـ. قُلْتُ: وَمِنْهُ دُخُولُ (لَاتَ) عَلَى (هَنَّا) فِي قَوْلِ حَجْلِ بْنِ نَضْلَةَ:
خَنَّتْ نَوَارُ وَلَاتَ هَنَّا حَنَّتِ ... وَبَدَا الَّذِي كَانَتْ نَوَارُ أَجَنَّتِ
فَإِنَّ (لَاتَ) خَاصَّةٌ بِنَفْيِ أَسْمَاءِ الزَّمَانِ فَكَانَ (هَنَّا) إِشَارَةً إِلَى زَمَانٍ مُنْكَرٍ وَهُوَ لُغَةٌ فِي (هُنَا) .
وَيَقُولُونَ: يَوْمُ هُنَا، أَيْ يَوْمُ أَوَّلَ، فَيُشِيرُونَ إِلَى زَمَنٍ قَرِيبٍ، وَأَصْلُ ذَلِكَ مَجَازٌ تُوُسِّعَ فِيهِ وَشَاعَ.
وَالِابْتِلَاءُ: أَصْلُهُ الِاخْتِبَارُ، وَيُطْلَقُ كِنَايَةً عَنْ إِصَابَةِ الشِّدَّةِ لِأَنَّ اخْتِبَارَ حَالِ الثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ لَازِمٌ لَهَا، وَسَمَّى اللَّهُ مَا أَصَابَ الْمُؤْمِنِينَ ابْتِلَاءً إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُزَعْزِعْ إِيمَانَهُمْ.
وَالزِّلْزَالُ: اضْطِرَابُ الْأَرْضِ، وَهُوَ مُضَاعَفُ زَلَّ تَضْعِيفًا يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ، وَهُوَ هُنَا
اسْتِعَارَةٌ لِاخْتِلَالِ الْحَالِ اخْتِلَالًا شَدِيدًا بِحَيْثُ تُخَيَّلُ مُضْطَرِبَةً اضْطِرَابًا شَدِيدًا كَاضْطِرَابِ الْأَرْضِ وَهُوَ أَشَدُّ اضْطِرَابًا لِلِحَاقِهِ أَعْظَمَ جِسْمٍ فِي هَذَا الْعَالَمِ. وَيُقَالُ: زُلْزِلَ فُلَانٌ، مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ تَبَعًا لِقَوْلِهِمْ: زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ، إِذْ لَا يُعْرَفُ فَاعِلُ هَذَا الْفِعْلِ عُرْفًا. وَهَذَا هُوَ غَالِبُ اسْتِعْمَالِهِ قَالَ تَعَالَى: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ الْآيَة [الْبَقَرَة: ٢١٤] .
وَالْمُرَادُ بِزَلْزَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ شِدَّةُ الِانْزِعَاجِ وَالذُّعْرِ لِأَنَّ أَحْزَابَ الْعَدُوِّ تَفُوقُهُمْ عددا وعدة.
[١٢- ١٣]
[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : الْآيَات ١٢ إِلَى ١٣]
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣)
عَطْفٌ عَلَى وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ [الْأَحْزَاب: ١٠] فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمَّا أُلْحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ ابْتِلَاءً فَبَعْضُهُ مِنْ حَالِ الْحَرْبِ وَبَعْضُهُ مِنْ أَذَى الْمُنَافِقِينَ، لِيَحْذَرُوا الْمُنَافِقِينَ فِيمَا يَحْدُثُ مِنْ بَعْدُ، وَلِئَلَّا يَخْشَوْا كَيْدَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ كَمَا صَرَفَ أَشَدَّهُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ.
стр. 7338
وَقَوْلُ الْمُنَافِقِينَ هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا قَالُوهُ عَلَنًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدُوا بِهِ إِدْخَالَ الشَّكِّ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لَعَلَّهُمْ يَرُدُّونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ فَأَوْهَمُوا بِقَوْلِهِمْ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَخْ ... أَنَّهُمْ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَنِسْبَةُ الْغُرُورِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِمَّا عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ وَإِمَّا لِأَنَّهُمْ بِجَهْلِهِمْ يُجَوِّزُونَ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَغُرَّ عِبَادَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ فَيَكُونُ نِسْبَةُ الْوَعْدِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ تَهَكُّمًا كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشُّعَرَاء: ٢٧] .
وَالْغُرُورُ: ظُهُورُ الشَّيْءِ الْمَكْرُوهِ فِي صُورَةِ الْمَحْبُوبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٩٦] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١١٢] . وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ وَعَدَهُمُ النَّصْرَ فَكَانَ الْأَمْرُ هَزِيمَةً وَهُمْ يَعْنُونَ الْوَعْدَ الْعَامَّ وَإِلَّا فَإِنَّ وَقْعَةَ الْخَنْدَقِ جَاءَتْ بَغْتَةً وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُمْ وُعِدُوا فِيهَا بِنَصْرٍ. والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا مُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ فَأَخْلَصُوا يَوْمَئِذٍ النِّفَاقَ وَصَمَّمُوا عَلَيْهِ.
وَالْمُرَادُ بِالطَّائِفَةِ الَّذِينَ قَالُوا: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَأَصْحَابُهُ. كَذَا قَالَ السُّدِّيُّ. وَقَالَ الْأَكْثَرُ: هُوَ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ،
وَهُوَ وَالِدُ عَرَابَةَ بْنِ أَوْسٍ الْمَمْدُوحِ بِقَوْلِ الشَّمَّاخِ:
رَأَيْتُ عَرَابَةَ الْأَوْسِيَّ يَسْمُو ... إِلَى الْخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ
فِي جَمَاعَةٍ مِنْ مُنَافِقِي قَوْمِهِ. وَالظَّاهِرُ هُوَ مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ، فَهُوَ الَّذِي يَدْعُو أَهْلَ يَثْرِبَ كُلَّهُمْ.
وَقَوْلُهُ لَا مُقامَ لَكُمْ قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ اسْمٌ لِمَكَانِ الْقِيَامِ، أَيِ:
الْوُجُودِ. وَقَرَأَهُ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِضَمِّ الْمِيمِ، أَيْ: مَحَلُّ الْإِقَامَةِ. وَالنَّفْيُ هُنَا بِمَعْنَى نَفْيِ الْمَنْفَعَةِ فَلَمَّا رَأَى هَذَا الْفَرِيقُ قِلَّةَ جَدْوَى وُجُودِهِمْ جَعَلَهَا كَالْعَدَمِ، أَيْ لَا فَائِدَةَ لَكُمْ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ يروم تخذيل النَّاسِ كَمَا فَعَلَ يَوْمَ أُحُدٍ.
ويَثْرِبَ: اسْمُ مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَثْرِبُ: اسْمُ أَرْضٍ وَالْمَدِينَةُ
стр. 7339
فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا، أَيِ: اسْمُ أَرْضٍ بِمَا فِيهَا مِنَ الْحَوَائِطِ وَالنَّخْلِ وَالْمَدِينَةُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ. سُمِّيتْ بَاسِمِ يَثْرِبَ مِنَ الْعَمَالِقَةِ، وَهُوَ يثرب بن قَانِيَةَ الْحَفِيدِ الْخَامِسِ لِإِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. وَقَدْ
رُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ نَهَى عَنْ تَسْمِيَتِهَا يَثْرِبَ وَسَمَّاهَا طَابَةَ.
وَفِي قَوْلِهِ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقامَ لَكُمْ مُحَسِّنٌ بَدِيعِيٌّ، وَهُوَ الِاتِّزَانُ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَكُونُ مِنْهُ مِصْرَاعٌ مِنْ بَحْرِ السَّرِيعِ مِنْ عَرُوضِهِ الثَّانِيَةِ الْمَخْبُولَةِ الْمَكْشُوفَةِ إِذْ صَارَتْ مَفْعُولَاتُ بِمَجْمُوعِ الْخَبْلِ وَالْكَشْفِ إِلَى فَعِلُنْ فَوَزْنُهُ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَرِيقٌ مِنْهُمُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وَلَيْسُوا فَرِيقًا مِنَ الطَّائِفَةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، بَلْ هَؤُلَاءِ هُمْ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وَجَمْعٌ مِنْ عَشِيرَتِهِ بَنِي حَارِثَةَ وَكَانَ بَنُو حَارِثَةَ أَكْثَرُهُمْ مُسْلِمِينَ وَفِيهِمْ مُنَافِقُونَ، فَجَاءَ مُنَافِقُوهُمْ يَعْتَذِرُونَ بِأَنَّ مَنَازِلَهُمْ عَوْرَةٌ، أَيْ: غَيْرُ حَصِينَةٍ.
وَجُمْلَةُ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ قالَتْ طائِفَةٌ، وَجِيءَ فِيهَا بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمْ يَلِحُّونَ فِي الِاسْتِئْذَانِ وَيُكَرِّرُونَهُ وَيُجَدِّدُونَهُ.
وَالْعَوْرَةُ: الثَّغْرُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ الْعَدُوُّ أَنْ يَتَسَرَّبَ مِنْهُ إِلَى الْحَيِّ، قَالَ لَبِيدٌ:
وَأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلَامُهَا وَالِاسْتِئْذَانُ: طَلَبُ الْإِذْنِ وَهَؤُلَاء راموا الانخذال وَاسْتَحْيَوْا. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ أَذِنَ لَهُمْ. وَذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ ثَمَانِينَ مِنْهُمْ رَجَعُوا دُونَ إِذْنِهِ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ وَإِلَّا لَمَا ظَهَرَ تَمَيُّزُهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ مِنْ قَوْلِهِ
يَسْتَأْذِنُ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ وَسَتَعْلَمُ ذَلِكَ، وَمَنَازِلُ بَنِي حَارِثَةَ كَانَتْ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ قُرْبَ مَنَازِلِ بَنِي سَلَمَةَ فَإِنَّهُمَا كَانَا حَيَّيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ قَالَ تَعَالَى: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [آل عمرَان: ١٢٢] هُمَا بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلَمَةَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ.
وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ بَنِي سَلَمَةَ رَامُوا أَنْ يَنْقُلُوا مَنَازِلَهُمْ قُرْبَ الْمَسْجِدِ فَقَالَ النَّبِيءُ ﷺ : «يَا بَنِي سَلَمَةَ أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ»
أَيْ خُطَاكُمْ.
стр. 7340
فَهَذَا الْفَرِيقُ مِنْهُمْ يَعْتَلُّونَ بِأَنَّ مَنَازِلَهُمْ بَعِيدَةٌ عَنِ الْمَدِينَةِ وَآطَامِهَا.
وَالتَّأْكِيدُ بِحَرْفِ إِنَّ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ تَمْوِيهٌ لِإِظْهَارِ قَوْلِهِمْ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ فِي صُورَةِ الصِّدْقِ. وَلَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ وَأَنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَعْلَمُ كَذِبَهُمْ جَعَلُوا تَكْذِيبَهُ إِيَّاهُمْ فِي صُورَةِ أَنَّهُ يَشُكُّ فِي صِدْقِهِمْ فَأَكَّدُوا الْخَبَرَ.
وَجُمْلَةُ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِلَى قَوْله مَسْؤُلًا [الْأَحْزَاب: ١٥] مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ إِلَخْ وَجُمْلَةِ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ [الْأَحْزَاب: ١٦] . فَقَوْلُهُ: وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ تَكْذِيبٌ لَهُمْ فَإِنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ مُحَصَّنَةً يَوْمَئِذٍ بِخَنْدَقٍ وَكَانَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ حَارِسَهَا.
وَلَمْ يُقْرَنْ هَذَا التَّكْذِيبُ بِمُؤَكِّدٍ لِإِظْهَارِ أَنَّ كَذِبَهُمْ وَاضِحٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى تَأْكِيد.
[١٤]
[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ١٤]
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (١٤)
مَوْقِعُ هَذِهِ الْآيَةِ زِيَادَةُ تَقْرِيرٍ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً [الْأَحْزَاب: ١٣] فَإِنَّهَا لِتَكْذِيبِهِمْ فِي إِظْهَارِهِمُ التَّخَوُّفَ عَلَى بُيُوتِهِمْ، وَمُرَادُهُمْ خَذْلُ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَمْ أَجِدْ فِيمَا رَأَيْتُ مِنْ كَلَامِ الْمُفَسِّرِينَ وَلَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْ أَفْصَحَ عَنْ مَعْنَى (الدُّخُولِ) فِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا ذَكَرُوا إِلَّا مَعْنَى الْوُلُوجِ إِلَى الْمَكَانِ مِثْلَ وُلُوجِ الْبُيُوتِ أَوِ الْمُدُنِ، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ. وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الدُّخُولَ كَثُرَ إِطْلَاقُهُ عَلَى دُخُولٍ خَاصٍّ وَهُوَ اقْتِحَامُ الْجَيْشِ أَوِ الْمُغِيرِينَ أَرْضًا أَوْ بَلَدًا لِغَزْوِ أَهْلِهِ، قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً إِلَى قَوْلِهِ: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ [الْمَائِدَة: ٢١] ، وَأَنَّهُ يُعَدَّى غَالِبًا إِلَى الْمَغْزُوِّينَ بِحَرْفِ عَلَى. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ إِلَى قَوْلِهِ: قالُوا يَا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً مَا دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [الْمَائِدَة: ٢٤] فَإِنَّهُ مَا يَصْلُحُ إِلَّا مَعْنَى دُخُولِ الْقِتَالِ وَالْحَرْبِ لِقَوْلِهِ: فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا يُرَادُ: إِذَا دَخَلْتُمْ دُخُولَ ضِيَافَةٍ أَوْ تَجَوُّلٍ أَوْ تَجَسُّسٍ،
стр. 7341
فَيُفْهَمُ مِنَ الدُّخُولِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ مَعْنَى الْغَزْوِ وَالْفَتْحِ كَمَا
نَقُولُ: عَامُ دُخُولِ التَّتَارِ بَغْدَادَ، وَلِذَلِكَ فَالدُّخُولُ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ هُوَ دُخُولُ الْغَزْوِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ دُخِلَتْ عَائِدًا إِلَى مَدِينَةِ يَثْرِبَ لَا إِلَى الْبُيُوتِ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ [الْأَحْزَاب: ١٣] ، وَالْمَعْنَى: لَوْ غُزِيَتِ الْمَدِينَةُ مِنْ جَوَانِبِهَا إِلَخْ ...
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِمْ يَتَعَلَّقُ بِ دُخِلَتْ لِأَنَّ بِنَاءَ دُخِلَتْ لِلنَّائِبِ مُقْتَضٍ فَاعِلًا مَحْذُوفًا. فَالْمُرَادُ: دُخُولُ الدَّاخِلِينَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَا جَاءَ عَلَى الْأَصْلِ فِي قَوْلِهِ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فِي سُورَةِ الْعُقُودِ [٢٣] .
وَالْأَقْطَارُ: جَمْعُ قُطْرٍ- بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ- وَهُوَ النَّاحِيَةُ مِنَ الْمَكَانِ. وَإِضَافَةُ (أَقْطَارِ) وَهُوَ جَمْعٌ تُفِيدُ الْعُمُومَ، أَيْ: مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِ الْمَدِينَةِ وَذَلِكَ أَشَدُّ هُجُومِ الْعَدُوِّ عَلَى الْمَدِينَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الْأَحْزَاب: ١٠] . وَأَسْنَدَ فِعْلَ دُخِلَتْ إِلَى الْمَجْهُولِ لِظُهُورِ أَنَّ فَاعِلَ الدُّخُولِ قَوْمٌ غُزَاةٌ. وَقَدْ أَبْدَى الْمُفَسِّرُونَ فِي كَيْفِيَّةِ نَظْمِ هَذِهِ الْآيَةِ احْتِمَالَاتٍ مُتَفَاوِتَةً فِي مَعَانِي الْكَلِمَاتِ وَفِي حَاصِلِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَأَقْرَبُهَا مَا قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلَى غُمُوضٍ فِيهِ، وَيَلِيهِ مَا فِي «الْكَشَّافِ» . وَالَّذِي يَنْبَغِي التَّفْسِيرُ بِهِ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضمير يُرِيدُونَ [الْأَحْزَاب: ١٣] أَوْ مِنْ ضَمِيرِ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ زِيَادَةً فِي تَكْذِيبِ قَوْلِهِمْ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ [الْأَحْزَاب: ١٣] .
وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي دُخِلَتْ عَائِدٌ إِلَى الْمَدِينَةِ لِأَنَّ إِضَافَةَ الْأَقْطَارِ يُنَاسِبُ الْمُدُنَ وَالْمُوَاطِنَ وَلَا يُنَاسِبُ الْبُيُوتَ. فَيَصِيرُ الْمَعْنَى: لَوْ دَخَلَ الْغُزَاةُ عَلَيْهِمُ الْمَدِينَةَ وَهُمْ قَاطِنُونَ فِيهَا.
وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِي، وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُعْطَفَ بِالْوَاوِ لَا بِ ثُمَّ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ بَعْدَ ثُمَّ هُنَا دَاخِلٌ فِي فِعْلِ شَرْطِ لَوْ وَوَارِدٌ عَلَيْهِ جَوَابُهَا، فَعَدَلَ عَنِ الْوَاوِ إِلَى ثُمَّ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ ثُمَّ أَهَمُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهَا كَشَأْنِ ثُمَّ فِي عَطْفِ
стр. 7342
الْجُمَلِ، أَيْ: أَنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَأْتُونَ الْفِتْنَةَ، والْفِتْنَةَ هِيَ أَنْ يَفْتِنُوا الْمُسْلِمِينَ، أَيِ: الْكَيْدُ لَهُمْ وَإِلْقَاءُ التَّخَاذُلِ فِي جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ فَسَّرَ الْفِتْنَةَ بِالشِّرْكِ وَلَا وَجْهَ لَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهَا بِالْقِتَالِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَالْإِتْيَانُ: الْقُدُومُ إِلَى مَكَانٍ. وَقَدْ أَشْعَرَ هَذَا الْفِعْلُ بِأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْمَدِينَةِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا لِيَفْتِنُوا الْمُسْلِمِينَ، وَضَمِيرُ النَّصْبِ فِي أَتَوْهَا عَائِدٌ إِلَى الْفِتْنَةَ وَالْمُرَادُ مَكَانُهَا وَهُوَ مَكَانُ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ لَأَتَوْا مَكَانَهَا وَمَظِنَّتِهَا. وَضَمِيرُ بِها لِلْفِتْنَةِ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ.
وَجُمْلَةُ وَما تَلَبَّثُوا بِها عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ لَآتَوْها. وَالتَّلَبُّثُ: اللُّبْثُ، أَيِ:
الِاسْتِقْرَارُ فِي الْمَكَانِ وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلْإِبْطَاءِ، أَي مَا أبطأوا بِالسَّعْيِ فِي الْفِتْنَةِ وَلَا خَافُوا أَنْ تُؤْخَذَ بُيُوتُهُمْ. وَالْمَعْنَى: لَوْ دَخَلَتْ جُيُوشُ الْأَحْزَابِ الْمَدِينَةَ وَبَقِيَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ خَارِجَهَا- أَيْ مَثَلًا لِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ- وَسَأَلَ الْجَيْشُ الدَّاخِلُ الْفَرِيقَ الْمُسْتَأْذِنِينَ أَنْ يُلْقُوا الْفِتْنَةَ فِي الْمُسلمين بِالتَّفْرِيقِ والتخذيل لَخَرَجُوا لِذَلِكَ الْقَصْدِ مُسْرِعِينَ وَلَمْ يُثَبِّطْهُمُ الْخَوْفُ عَلَى بُيُوتِهِمْ أَنْ يَدْخُلَهَا اللُّصُوصُ أَوْ يَنْهَبَهَا الْجَيْشُ: إِمَّا لِأَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْ أَنْ يَلْقَوْا سُوءًا مِنَ الْجَيْشِ الدَّاخِلِ لِأَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ لَهُ وَمُعَاوِنُونَ، فَهُمْ مِنْهُمْ وَإِلَيْهِمْ، وَإِمَّا لِأَنَّ كَرَاهَتَهُمُ الْإِسْلَامَ تَجْعَلُهُمْ لَا يَكْتَرِثُونَ بِنَهْبِ بُيُوتِهِمْ.
وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ إِلَّا يَسِيراً يُظْهِرُ أَنَّهُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ بِصُورَةِ الِاسْتِثْنَاءِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، أَيْ إِلَّا رَيْثَمَا يَتَأَمَّلُونَ فَلَا يُطِيلُونَ التَّأَمُّلَ فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِهِ تَأْكِيدَ قِلَّةِ التَّلَبُّثِ، فَهَذَا هُوَ التَّفْسِيرُ الْمُنْسَجِمُ مَعَ نَظْمِ الْقُرْآنِ أَحْسَنَ انْسِجَامٍ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ لَأَتَوْهَا بِهَمْزَةٍ تَلِيهَا مُثَنَّاةٌ فَوْقِيَّةٌ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَخَلَفٌ لَآتَوْها بِأَلِفٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ عَلَى مَعْنَى: لَأَعْطَوْهَا، أَيْ: لَأَعْطَوُا الْفِتْنَةَ سَائِلِيهَا، فَإِطْلَاقُ فِعْلِ أَتَوْهَا مُشَاكَلَةٌ لفعل سُئِلُوا.
стр. 7343
[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ١٥]
وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً (١٥)
هَؤُلَاءِ هُمْ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلَمَةَ وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ [الْأَحْزَاب: ١٣] وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيءَ ﷺ أَيْ كَانُوا يَوْمَ أُحُدٍ جَبُنُوا ثُمَّ تَابُوا وَعَاهَدُوا النَّبِيءَ ﷺ أَنَّهُمْ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ فِي غَزْوَةٍ بَعْدَهَا، وَهُمُ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما [آل عمرَان: ١٢٢] فَطَرَأَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ نِفَاقٌ وَضَعْفٌ فِي الْإِيمَانِ فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وَأَرَاهُمْ أَنَّ مِنْهُمْ فَرِيقًا قُلَّبًا لَا يَرْعَى عَهْدًا وَلَا يَسْتَقِرُّ لَهُمُ اعْتِقَادٌ وَأَنَّ ذَلِكَ لِضَعْفِ يَقِينِهِمْ وَغَلَبَةِ الْجُبْنِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَدْعُوَهُمْ إِلَى نَبْذِ عَهْدِ اللَّهِ. وَهَذَا تَنْبِيهٌ لِلْقَبِيلَيْنِ لِيَزْجُرُوا مَنْ نَكَثَ مِنْهُمْ. وَتَأْكِيدُ هَذَا الْخَبَرِ بِلَامِ الْقَسَمِ وَحَرْفِ التَّحْقِيقِ وَفِعْلِ كَانَ، مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ تَنْزِيلًا لِلسَّامِعِينَ مَنْزِلَةَ مَنْ يَتَرَدَّدُ فِي أَنَّهُمْ عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَى الثَّبَاتِ.
وَزِيَادَةُ مِنْ قَبْلُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْعَهْدَ قَدِيمٌ مُسْتَقِرٌّ وَهُوَ عَهْدُ يَوْمِ أُحُدٍ.
وَجُمْلَةُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ عاهَدُوا.
وَالتَّوْلِيَةُ: التَّوَجُّهُ بِالشَّيْءِ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْوَلْيِ وَهُوَ الْقُرْبُ، قَالَ تَعَالَى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الْبَقَرَة: ١٤٤] .
والْأَدْبارَ: الظُّهُورُ. وَتَوْلِيَةُ الْأَدْبَارِ: كِنَايَةٌ عَنِ الْفِرَارِ فَإِنَّ الَّذِي اسْتَأْذَنُوا لِأَجْلِهِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ أَرَادُوا مِنْهُ الْفِرَارَ أَلَا تَرَى قَوْلَهُ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً [الْأَحْزَاب: ١٣] ، وَالْفِرَارُ مِمَّا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَى تَرْكِهِ.
وَجُمْلَةُ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا إِلَخْ ...
وَالْمُرَادُ بِعَهْدِ اللَّهِ: كُلُّ عَهْدٍ يُوَثِّقُهُ الْإِنْسَانُ مَعَ رَبِّهِ.
وَالْمَسْئُولُ: كِنَايَةٌ عَنِ الْمُحَاسَبِ عَلَيْهِ
كَقَوْلِ النبيء ﷺ : «وكلكم مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ» ،
وَكَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْد قَوْله تَعَالَى: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الْأَحْزَاب: ٨] وَهَذَا تهديد.
стр. 7344
[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ١٦]
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٦)
جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ [الْأَحْزَاب: ١٣] وَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِأَنَّهَا جَرَتْ عَلَى أُسْلُوبِ التَّقَاوُلِ وَالتَّجَاوُبِ، وَمَا بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ إِلَى قَوْله مَسْؤُلًا [الْأَحْزَاب: ١٤- ١٥] اعْتِرَاضٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَهَذَا يُرَجِّحُ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَهُ لَهُمْ، أَيْ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ مَا أَرَدْتُمْ إِلَّا الْفِرَارَ جُبْنًا وَالْفِرَارُ لَا يَدْفَعُ عَنْكُمُ الْمَوْتَ أَوِ الْقَتْلَ، فَمَعْنَى نَفْيِ نَفْعِهِ: نَفْيُ مَا يُقْصَدُ مِنْهُ لِأَنَّ نَفْعَ الشَّيْءِ هُوَ أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ مَا يُقْصَدُ لَهُ.
فَقَوْلُهُ مِنَ الْمَوْتِ يَتَعَلَّقُ بِ الْفِرارُ وفَرَرْتُمْ وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِ يَنْفَعَكُمُ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ يَنْفَعَكُمُ غَيْرُ مَذْكُورٍ لِظُهُورِهِ مِنَ السِّيَاقِ، فَالْفَائِدَةُ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ الْمُتَعَلِّقِ، أَيْ: لَنْ يَنْفَعَكُمْ بِالنَّجَاةِ.
وَمَعْنَى نَفْيِ نَفْعِ الْفِرَارِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعَاطِي سَبَبِ النَّجَاةِ، هَذَا السَّبَبُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ لِوُجُوبِ الثَّبَاتِ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ فَيَتَمَحَّضُ فِي هَذَا الْفِرَارِ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ مَا قُدِّرَ لِلْإِنْسَانِ مِنَ اللَّهِ إِذْ لَا مُعَارِضَ لَهُ، فَلَوْ كَانَ الْفِرَارُ مَأْذُونًا فِيهِ لِجَازَ
مُرَاعَاةُ مَا فِيهِ مِنْ أَسْبَابِ النَّجَاةِ فَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ مَأْمُورِينَ بِثَبَاتِ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ مِنَ الْعَدُوِّ فَكَانَ حِينَئِذٍ الْفِرَارُ مِنْ وَجْهِ عَشَرَةِ أَضْعَافِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ وَأُذِنَ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمَّا نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِأَنْ يَثْبُتَ الْمُسْلِمُونَ لِضِعْفِ عَدَدِهِمْ مِنَ الْعَدُوِّ فَالْفِرَارُ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مَأْذُونٌ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْمُسْلِمُونَ زَحْفًا فَإِنَّ الْفِرَارَ حَرَامٌ سَاعَتَئِذٍ.
وَأَحْسَبُ أَنَّ الْأَمْرَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ كَانَ قَبْلَ النَّسَخِ فَلِذَلِكَ وَبَّخَ اللَّهُ الَّذِينَ أَضْمَرُوا الْفِرَارَ فَإِنَّ عَدَدَ جَيْشِ الْأَحْزَابِ يَوْمَئِذٍ كَانَ بِمِقْدَارِ أَرْبَعَةِ أَمْثَالِ جَيش الْمُسلمُونَ وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ زَحْفًا فَإِنَّ الْحَالَةَ حَالَةُ حِصَارٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَيْضًا: أَنَّكُمْ إِنْ فَرَرْتُمْ فَنَجَوْتُمْ مِنَ الْقَتْلِ لَا يَنْفَعُكُمُ الْفِرَارُ مِنَ الْمَوْتِ بِالْأَجَلِ وَعَسَى أَنْ تَكُونَ آجَالُكُمْ قَرِيبَةً.
стр. 7345
والْمَوْتِ، أُرِيدَ بِهِ: الْمَوْتُ الزُّؤَامُ وَهُوَ الْمَوْتُ حَتْفَ أَنْفِهِ لِأَنَّهُ قُوبِلَ بِالْقَتْلِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْفِرَارَ لَا يَدْفَعُ الْمَوْتَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَقَعُ بِالْفَارِّ فِي الْوَقْتِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّ الْفَارَّ يَمُوتُ فِيهِ وَيُقْتَلُ فَإِذَا خُيِّلَ إِلَى الْفَارِّ أَنَّ الْفِرَارَ قَدْ دَفَعَ عَنْهُ خَطَرًا فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَحْوَالِ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهَا لَا يُصِيبُ الْفَارَّ فِيهَا أَذًى وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَوْتٍ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ قَتْلٍ فِي الْإِبَّانِ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَمُوتُ فِيهِ أَوْ يُقْتَلُ. وَلِهَذَا عَقَّبَ بِجُمْلَةِ وَإِذاً لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا جَوَابًا عَنْ كَلَامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ، أَيْ إِنْ خُيِّلَ إِلَيْكُمْ أَنَّ الْفِرَارَ نَفَعَ الَّذِي فَرَّ فِي وَقْتٍ مَا فَمَا هُوَ إِلَّا نَفْعٌ زَهِيدٌ لِأَنَّهُ تَأْخِيرٌ فِي أَجَلِ الْحَيَاةِ وَهُوَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ، أَيْ: إِعْطَاءُ الْحَيَاةِ مُدَّةً منتهية، فَإِن إِذاً قَدْ تَكُونُ جَوَابًا لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ الْمَذْكُورُ، كَقَوْلِ الْعَنْبَرِيِّ:
لَوْ كُنْتَ مِنْ مَأْزِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إِبِلِي ... بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ
إِذَنْ لَقَامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ... عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إِنْ ذُو لَوْثَةٍ لَانَا
فَإِنَّ قَوْلَهُ: إِذَنْ لَقَامَ بِنَصْرِي، جَوَابٌ وَجَزَاءٌ عَنْ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ: لَمْ تَسْتَبِحْ إِبِلِي.
وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنِ اسْتَبَاحُوا إِبِلِي إِذَنْ لَقَامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ، وَهُوَ الَّذِي أَشْعَرَ كَلَامُ الْمَرْزُوقِيِّ بِاخْتِيَارِهِ خِلَافًا لِمَا فِي «مُغْنِي اللَّبِيبِ» .
وَالْأَكْثَر أَن إِذاً أَنَّ وَقَعَتْ بَعْدَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ الْعَاطِفَتَيْنِ أَنْ لَا يُنْصَبَ الْمُضَارِعُ بَعْدَهَا، وَوَرَدَ نَصْبُهُ نَادِرًا.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ تَخْلِيقُ الْمُسْلِمِينَ بِخُلُقِ اسْتِضْعَافِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَصَرْفُ هِمَمِهِمْ إِلَى السَّعْيِ نَحْوَ الْكَمَالِ الَّذِي بِهِ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ سَيْرًا وَرَاءَ تَعَالِيمِ الدِّينِ الَّتِي تَقُودُ النُّفُوسَ إِلَى أَوْجِ الْمَلَكِيَّةِ.
[٧١]
[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ١٧]
قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧)
قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً.
يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ الْآيَة [الْأَحْزَاب: ١٦] ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ، أَيْ: فَلَا عَاصِمَ
стр. 7346
لَكُمْ مِنْ نُفُوذِ مُرَادِهِ فِيكُمْ. وَإِعَادَةُ فِعْلِ قُلْ تَكْرِيرٌ لِأَجْلِ الِاهْتِمَامِ بِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ.
وَالْمَعْنَى: لِأَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ وَإِرَادَتَهُ مُحِيطَةٌ بِالْمَخْلُوقَاتِ فَمَتَى شَاءَ عَطَّلَ تَأْثِيرَ الْأَسْبَابِ أَوْ عَرْقَلَهَا بِالْمَوَانِعِ فَإِنْ يَشَأْ شَرًّا حَرَمَ الِانْتِفَاعَ بِالْأَسْبَابِ أَوِ الِاتِّقَاءَ بِالْمَوَانِعِ فَرُبَّمَا أَتَتِ الرَّزَايَا مِنْ وُجُوهِ الْفَوَائِدِ، وَمَتَى شَاءَ خَيْرًا خَاصًّا بِأَحَدٍ لَطَفَ لَهُ بِتَمْهِيدِ الْأَسْبَابِ وَتَيْسِيرِهَا حَتَّى يُلَاقِيَ مِنَ التَّيْسِيرِ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَرَقَّبًا، وَمَتَى لَمْ تَتَعَلَّقْ مَشِيئَتُهُ بِخُصُوصٍ أَرْسَلَ الْأَحْوَالَ فِي مَهْيَعِهَا وَخَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ مَا سَبَّبَهُ فِي أَحْوَالِ الْكَائِنَاتِ فَنَالَ كُلُّ أَحَدٍ نَصِيبًا عَلَى حَسَبِ فِطْنَتِهِ وَمَقْدِرَتِهِ وَاهْتِدَائِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَوْدَعَ فِي النُّفُوسِ مَرَاتِبَ التَّفْكِيرِ وَالتَّقْدِيرِ فَأَنْتُمْ إِذَا عَصَيْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَخَذَلْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ تَتَعَرَّضُونَ لِإِرَادَتِهِ بِكُمُ السُّوءَ فَلَا عَاصِمَ لَكُمْ مِنْ مُرَادِهِ، فَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ فِي مَعْنَى النَّفْيِ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْحِيلَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَنْفَعُهُمْ وَأَنَّ الْفِرَارَ يَعْصِمُهُمْ مِنَ الْمَوْتِ إِنْ كَانَ قِتَالٌ.
وَجُمْلَةُ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ إِلَخْ جَوَابُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً إِلَخ، أَو دَلِيلُ الْجَوَابِ عِنْدَ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ.
وَالْعِصْمَةُ: الْوِقَايَةُ وَالْمَنْعُ مِمَّا يَكْرَهُهُ الْمَعْصُومُ. وَقُوبِلَ السُّوءُ بِالرَّحْمَةِ لِأَنَّ الْمُرَادَ سُوءٌ خَاصٌّ وَهُوَ السُّوءُ الْمَجْعُولُ عَذَابًا لَهُمْ عَلَى مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ سُوءُ النِّقْمَةِ فَهُوَ سُوءٌ خَاصٌّ مُقَدَّرٌ مِنَ اللَّهِ لِأَجْلِ تَعْذِيبِهِمْ إِنْ أَرَادَهُ، فَيَجْرِي عَلَى خِلَافِ الْقَوَانِينِ الْمُعْتَادَةِ.
وَعَطْفُ أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً عَلَى أَرادَ بِكُمْ الْمَجْعُولِ شَرْطًا يَقْتَضِي كَلَامًا مُقَدَّرًا فِي الْجَوَابِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّ إِرَادَتَهُ الرَّحْمَةَ تُنَاسِبُ فِعْلَ يَعْصِمُكُمْ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ مَرْغُوبَةٌ.
فَالتَّقْدِيرُ: أَوْ يَحْرِمُكُمْ مِنْهُ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً، فَهُوَ مِنْ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ إِيجَازًا لِلْكَلَامِ، كَقَوْلِ الرَّاعِي:
إِذَا مَا الْغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ... وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ وَالْعَيُونَا
تَقْدِيرُهُ: وَكَحَّلْنَ الْعُيُونَ، لِأَنَّ الْعُيُونَ لَا تُزَجَّجُ وَلَكِنَّهَا تُكَحَّلُ حِينَ تُزَجَّجُ الْحَوَاجِبُ وَذَلِكَ مِنَ التَّزَيُّنِ.
стр. 7347
وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً.
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ، أَوْ هِيَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْقَوْلِ، وَالتَّقْدِيرَانِ مُتَقَارِبَانِ لِأَنَّ الْوَاوَ الِاعْتِرَاضِيَّةَ تَرْجِعُ إِلَى الْعَاطِفَةِ. وَالْكَلَامُ مُوَجَّهٌ إِلَى النَّبِيءِ ﷺ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الِالْتِفَاتِ. وَالْمَقْصُودُ لَازِمُ الْخَبَرِ وَهُوَ إِعْلَامُ النَّبِيءِ ﵊ بِبُطْلَانِ تَحَيُّلَاتِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ نَصِيرًا غَيْرَ اللَّهِ وَقَدْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْقِدُوا ضَمَائِرَهُمْ عَلَى نَصْرِ دِينِهِ وَرَسُولِهِ. وَالْمُرَادُ بِالْوَلِيِّ: الَّذِي يَتَوَلَّى نَفْعَهُمْ، وَبِالنَّصِيرِ: النَّصِيرُ فِي الْحَرْبِ فَهُوَ أَخَصُّ.
[١٨- ١٩]
[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : الْآيَات ١٨ الى ١٩]
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٩)
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ.
اسْتِئْنَاف بياني ناشىء عَنْ قَوْلِهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ [الْأَحْزَاب: ١٧] لِأَنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ سُؤَالًا يَهْجِسُ فِي نُفُوسِهِمْ أَنَّهُمْ يُخْفُونَ مَقَاصِدَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَشْعُرُ بِمُرَادِهِمْ مِنَ الِاسْتِئْذَانِ، فَأُمِرَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ أَي: فَالله ينبىء رَسُولَهُ بِكُمْ بِأَنَّ فِعْلَ أُولَئِكَ تَعْوِيقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ جُعِلَ هَذَا الِاسْتِئْنَافُ تَخَلُّصًا لِذِكْرِ فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ الْمُعَوِّقِينَ.
وقَدْ مُفِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ لِأَنَّهُمْ لِنِفَاقِهِمْ وَمَرَضِ قُلُوبِهِمْ يَشُكُّونَ فِي لَازِمِ هَذَا الْخَبَرِ وَهُوَ إِنْبَاءُ اللَّهِ رَسُولَهُ ﵊ بِهِمْ، أَوْ لِأَنَّهُمْ لِجَهْلِهِمُ النَّاشِئِ عَنِ الْكُفْرِ يَظُنُّونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ خَفَايَا الْقُلُوبِ. وَذَلِكَ لَيْسَ بِعَجِيبٍ فِي عَقَائِدِ أَهْلِ الْكُفْرِ. فَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيُّ كَثِيرَةُ شَحْمِ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةُ فِقْهِ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ
إِذَا جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا. وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ» [فصلت: ٢٢]
стр. 7348
فَلِلتَّوْكِيدِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ مَوْقِعٌ. وَدُخُولُ قَدْ عَلَّى الْمُضَارِعِ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ مَعْنَى التَّحْقِيقِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَأَنَّ مَا تَوَهَّمُوهُ مِنَ التَّقْلِيلِ إِنَّمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَا مِنْ دَلَالَةِ قَدْ، وَمِثْلُهُ إِفَادَةُ التَّكْثِيرِ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٤٤] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ فِي آخِرِ سُورَةِ النُّورِ [٦٤] .
وَالْمُعَوِّقُ: اسْمُ فَاعِلٍ مَنْ عَوَّقَ الدَّالِّ عَلَى شِدَّةِ حُصُولِ الْعَوْقِ. يُقَالُ: عَاقَهُ عَنْ كَذَا، إِذَا مَنَعَهُ وَثَبَّطَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلشِّدَّةِ وَالتَّكْثِيرِ مِثْلَ: قَطَّعَ الْحَبْلَ، إِذَا قَطَعَهُ قِطَعًا كَبِيرَةً، وغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ [يُوسُف: ٢٣] ، أَيْ: أَحْكَمَتْ غَلْقَهَا. وَيَكُونُ لِلتَّكْثِيرِ فِي الْفِعْلِ الْقَاصِرِ مِثْلَ: موّت المَال، إِذْ كَثُرَ الْمَوْتُ فِي الْإِبِلِ، وَطَوَّفَ فُلَانٌ، إِذَا أَكْثَرَ الطَّوَافَ، وَالْمَعْنَى: يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَحْرِصُونَ عَلَى تَثْبِيطِ النَّاسِ عَنِ الْقِتَالِ. وَالْخِطَابُ بِقَوْلِهِ مِنْكُمْ لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ [الْأَحْزَاب: ١٦] .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُونَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا هُمُ الْمُعَوِّقِينَ أَنْفُسُهُمْ فَيَكُونَ مِنْ عَطْفِ صِفَاتِ الْمَوْصُوفِ الْوَاحِدِ، كَقَوْلِهِ:
إِلَى الْمَلِكِ الْقَرِمِ وَابْنِ الْهُمَامِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا طَائِفَةً أُخْرَى وَإِخْوَانُهُمْ هُمُ الْمُوَافِقُونَ لَهُمْ فِي النِّفَاقِ، فَالْمُرَادُ:
الْأُخُوَّةُ فِي الرَّأْيِ وَالدِّينِ. وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، وَمُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ، وَمَنْ مَعَهُمَا من الَّذين انخذلوا عَنْ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ لَهُمْ هَلُمَّ إِلَيْنا أَيِ: ارْجِعُوا إِلَيْنَا. قَالَ قَتَادَةُ:
هَؤُلَاءِ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَ لَهُمْ: مَا مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَّا أَكَلَةُ رَأْسٍ- أَيْ نَفَرٌ قَلِيلٌ يَأْكُلُونَ رَأْسَ بَعِيرٍ- وَلَوْ كَانُوا لَحْمًا لَالْتَهَمَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَمِنْ مَعَهُ- تَمْثِيلًا بِأَنَّهُمْ سَهْلٌ تَغَلُّبُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَيْهِمْ-.
وهَلُمَّ اسْمُ فِعْلِ أَمْرٍ بِمَعْنَى أَقْبِلْ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَهِيَ الْفُصْحَى، فَلِذَلِكَ تَلْزَمُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ حَالَةً وَاحِدَةً عِنْدَهُمْ لَا تَتَغَيَّرُ عَنْهَا، يَقُولُونَ: هَلُمَّ، لِلْوَاحِدِ
стр. 7349
وَالْمُتَعَدِّدِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَهِيَ فِعْلٌ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ فَلِذَلِكَ يُلْحِقُونَهَا الْعَلَامَاتِ يَقُولُونَ: هَلُمَّ وَهَلُمِّي
وَهَلُمَّا وَهَلُمُّوا وَهَلْمُمْنَ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَام [١٥٠] . وَالْمعْنَى: انخذلوا عَنْ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ وَأَقْبِلُوا إِلَيْنَا.
وَجُمْلَةُ وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ حَالًا مِنَ الْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلَى الْمُعَوِّقِينَ وَالْقَائِلِينَ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُعْطَفُ عَلَى الْمُشْتَقِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ [العاديات: ٣، ٤] وَقَوْلِهِ: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ [الْحَدِيد: ١٨] ، فَالتَّقْدِيرُ هُنَا: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوَّقِينَ وَالْقَائِلِينَ وَغَيْرَ الْآتِينَ الْبَأْسَ، أَوْ وَالَّذِينَ لَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ. وَلَيْسَ فِي تَعْدِيَةِ فِعْلِ الْعِلْمِ إِلَى لَا يَأْتُونَ إِشْكَالٌ لِأَنَّهُ عَلَى تَأْوِيلٍ كَمَا أَنَّ عَمَلَ النَّاسِخِ فِي قَوْله وَأَقْرَضُوا [الْحَدِيد: ١٨] عَلَى تَأْوِيلِ، أَيْ: يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا، أَيْ: يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ بِجَمْعِ إِخْوَانِهِمْ مَعَهُمُ الِاعْتِضَادَ بِهِمْ فِي الْحَرْبِ وَلَكِنْ عَزْلَهُمْ عَنِ الْقِتَالِ.
وَمَعْنَى إِلَّا قَلِيلًا إِلَّا زَمَانًا قَلِيلًا، وَهُوَ زَمَانُ حُضُورِهِمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ الْمُرَابِطِينَ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النِّسَاء: ٤٦] ، أَيْ: إِيمَانًا ظَاهِرًا، وَمِثْلَ قَوْله تَعَالَى:
أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ [الرَّعْد: ٣٣] . وقَلِيلًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: إِتْيَانًا قَلِيلًا، وَقِلَّتُهُ تَظْهَرُ فِي قِلَّةِ زَمَانِهِ وَفِي قِلَّةِ غَنَائِهِ.
والْبَأْسَ: الْحَرْبُ وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لِيُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ [٨٠] . وَإِتْيَانُ الْحَرْبِ مُرَادٌ بِهِ إِتْيَانُ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ مَوْضِعِهَا. وَالْمُرَادُ: الْبَأْسُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ: مَكْرًا بِالْمُسْلِمِينَ لَا جُبْنًا.
وأَشِحَّةً جَمْعُ شَحِيحٍ بِوَزْنِ أَفْعِلَةٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَهُوَ فَصِيحٌ وَقِيَاسُهُ أَشِحَّاءُ.
وَضَمِيرُ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْكُمْ لِلرَّسُولِ ﵊ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ انْتِقَالٌ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي أُمِرَ الرَّسُولُ ﵊ بِأَنْ يَقُولَهُ لَهُمْ إِلَى كَشْفِ أَحْوَالِهِمْ لِلرَّسُولِ وَالْمُسْلِمِينَ بِمُنَاسَبَةِ الِانْتِقَالِ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ.
وَتَقَدَّمَ الشُّحُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ
стр. 7350
وَ (أَشِحَّةً) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَأْتُونَ. وَالشُّحُّ: الْبُخْلُ بِمَا فِي الْوُسْعِ مِمَّا يَنْفَعُ الْغَيْرَ.
وَأَصْلُهُ: عَدَمُ بَذْلِ الْمَالِ، وَيُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي مَنْعِ الْمَقْدُورِ مِنَ النَّصْرِ أَوِ الْإِعَانَةِ، وَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى الشَّيْءِ الْمَبْخُولِ بِهِ بِالْبَاءِ وب عَلَى قَالَ تَعَالَى: أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ وَيَتَعَدَّى إِلَى الشَّخْصِ الْمَمْنُوعِ بِ عَلَى أَيْضًا لِمَا فِي الشُّحِّ مِنْ مَعْنَى الِاعْتِدَاءِ فَتَعْدِيَتُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ مِنَ التَّعْدِيَةِ إِلَى الْمَمْنُوعِ.
وَالْمَعْنَى: يَمْنَعُونَكُمْ مَا فِي وُسْعِهِمْ مِنَ الْمَالِ أَوِ الْمَعُونَةِ، أَيْ: إِذَا حَضَرُوا الْبَأْسَ مَنَعُوا فَائِدَتَهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَاعُوا وَمِنْ ذَلِكَ شُحُّهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَكُلِّ مَا يُشَحُّ بِهِ.
وَيَجُوزُ جَعْلُ عَلَى هُنَا مُتَعَدِّيَةً إِلَى الْمُضْنُونِ بِهِ، أَيْ كَمَا فِي الْبَيْتِ الَّذِي أَنْشَدَهُ الْجَاحِظُ:
لَقَدْ كُنْتَ فِي قَوْمٍ عَلَيْكَ أَشِحَّةً ... بِنَفْسِكَ إِلَّا أَنَّ مَا طَاحَ طَائِحُ
وَجَعَلَ الْمَعْنَى: أَشِحَّةً فِي الظَّاهِرِ، أَيْ يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يَخَافُونَ عَلَيْكُمُ الْهَلَاكَ فَيَصُدُّونَكُمْ عَنِ الْقِتَالِ وَيُحَسِّنُونَ إِلَيْكُمُ الرُّجُوعَ عَنِ الْقِتَالِ، وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي «الْكَشَّافِ» . وَفُرِّعَ عَلَى وَصْفِهِمْ بِالشُّحِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَوْلُهُ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ إِلَى آخِرِهِ.
وَالْمَجِيءُ: مَجَازٌ مَشْهُورٌ مِنْ حُدُوثِ الشَّيْءِ وَحُصُولِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ [الْإِسْرَاء: ٧] .
والْخَوْفُ: تَوَقُّعُ الْقِتَالِ بَيْنَ الْجَيْشَيْنِ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ. وَالْمَقْصُودُ:
وَصْفُهُمْ بِالْجُبْنِ، أَيْ: إِذَا رَأَوْا جُيُوشَ الْعَدُوِّ مُقْبِلَةً رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ تُشِيرُ إِلَى مَا حَصَلَ فِي بَعْضِ أَيَّامِ الْأَحْزَابِ مِنَ الْقِتَالِ بَيْنَ الْفُرْسَانِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ اقْتَحَمُوا الْخَنْدَقَ مِنْ أَضْيَقِ جِهَاتِهِ وَبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالْخطاب فِي رَأَيْتَهُمْ لِلنَّبِيءِ ﷺ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا حِكَايَةُ حَالَةٍ وَقَعَتْ لَا فَرْضُ وُقُوعِهَا وَلِهَذَا أُتِيَ بِفِعْلِ رَأَيْتَهُمْ وَلَمْ يَقُل: فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ يَنْظُرُونَ
стр. 7351
إِلَيْكَ. وَنَظَرُهُمْ إِلَيْهِ نظر المتفرس فِيمَا ذَا يَصْنَعُ وَلِسَانُ حَالِهِمْ يَقُولُ: أَلَسْنَا قَدْ قُلْنَا لَكُمْ إِنَّكُمْ لَا قِبَلَ لَكُمْ بِقِتَالِ الْأَحْزَابِ فَارْجِعُوا، وَهُمْ يَرَوْنَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ حِينَ يُحَذِّرُونَهُ قِتَالَ الْأَحْزَابِ، وَلِذَلِكَ خَصَّ نَظَرَهُمْ بِأَنَّهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ: يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ. وَجِيءَ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِيَدُلَّ عَلَى تَكَرُّرِ هَذَا النَّظَرِ وَتَجَدُّدِهِ.
وَجُمْلَةُ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَنْظُرُونَ لِتَصْوِيرِ هَيْئَةِ نَظَرِهِمْ نَظَرَ الْخَائِفِ الْمَذْعُورِ الَّذِي يُحْدِقُ بِعَيْنَيْهِ إِلَى جِهَاتٍ يَحْذَرُ أَنْ تَأْتِيَهُ الْمَصَائِبُ مِنْ إِحْدَاهَا.
وَالدَّوْرُ وَالدَّوْرَانُ: حَرَكَةُ جِسْمٍ رَحَوِيَّةٌ- أَيْ كَحَرَكَةِ الرَّحَى- مُنْتَقِلٌ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ فَيَنْتَهِي إِلَى حَيْثُ ابْتَدَأَ. وَأَحْسَبُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ وَمَا تَصَّرَفَ مِنْهُ مُشْتَقَّاتٌ مِنِ اسْمِ الدَّارِ، وَهِيَ الْمَكَانُ الْمَحْدُودُ الْمُحِيطُ بِسُكَّانِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ حَوْلَهُمْ. وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الدَّارَةُ لِكُلِّ أَرْضٍ تُحِيطُ بِهَا جِبَالٌ. وَقَالُوا: دَارَتِ الرَّحَى حَوْلَ قُطْبِهَا. وَسَمَّوُا الصَّنَمَ: دُوَارًا- بِضَمِّ
الدَّالِ وَفَتْحِهَا- لِأَنَّهُ يَدُورُ بِهِ زَائِرُوهُ كَالطَّوَافِ. وَسُمِّيَتِ الْكَعْبَةُ دُوَارًا أَيْضًا، وَسَمَّوْا مَا يُحِيطُ بِالْقَمَرِ دَارَةً. وَسُمِّيَتْ مُصِيبَةُ الْحَرْبِ دَائِرَةً لِأَنَّهُمْ تَخَيَّلُوهَا مُحِيطَةً بِالَّذِي نَزَلَتْ بِهِ لَا يَجِدُ مِنْهَا مَفَرًّا، قَالَ عَنْتَرَةُ:
وَلَقَدْ خَشِيتُ بِأَنْ أَمُوتَ وَلَمْ تَدُرْ ... فِي الْحَرْبِ دَائِرَةٌ عَلَى ابْنَيْ ضَمْضَمِ
فَمَعْنَى تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ أَنَّهَا تَضْطَرِبُ فِي أَجْفَانِهَا كَحَرَكَةِ الْجِسْمِ الدَّائِرَةِ مِنْ سُرْعَةٍ تَنْقُلُهَا مُحَمْلِقَةٍ إِلَى الْجِهَاتِ الْمُحِيطَةِ. وَشَبَّهَ نَظَرَهَمْ بِنَظَرِ الَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ بِسَبَبِ النَّزْعِ عِنْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّ عَيْنَيْهِ تَضْطَرِبَانِ.
وَذَهَابُ الْخَوْفِ مَجَازٌ مَشْهُورٌ فِي الِانْقِضَاءِ، أَيْ: زَوَالِ أَسْبَابِهِ بِأَنْ يُتْرَكَ الْقِتَالُ أَوْ يَتَبَيَّنَ أَنْ لَا يَقَعَ قِتَالٌ. وَذَلِكَ عِنْدَ انْصِرَافِ الْأَحْزَابِ عَنْ مُحَاصَرَةِ الْمَدِينَةِ كَمَا سَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا [الْأَحْزَاب: ٢٠] .
стр. 7352
وَالسَّلْقُ: قُوَّةُ الصَّوْتِ وَالصِّيَاحِ. وَالْمَعْنَى: رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْمَلَامَةِ عَلَى التَّعَرُّضِ لِخَطَرِ الْعَدُوِّ الشَّدِيدِ وَعَدَمِ الِانْصِيَاعِ إِلَى إِشَارَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمُسَالَمَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَفُسِّرَ السَّلْقُ بِأَذَى اللِّسَانِ. قِيلَ: سَأَلَ نَافِع بن الأرزق عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَنْ سَلَقُوكُمْ فَقَالَ: الطَّعْنُ بِاللِّسَانِ. فَقَالَ نَافِعٌ: هَلْ تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الْأَعْشَى:
فِيهِمِ الْخِصْبُ وَالسَّمَاحَةُ وَالنَّجْ ... دَةُ فِيهِمْ وَالْخَاطِبُ الْمِسْلَاقُ
وحِدادٍ: جَمْعُ حَدِيدٍ، وَحَدِيدٌ: كُلُّ شَيْءٍ نَافِذٌ فِعْلُ أَمْثَالِهِ قَالَ تَعَالَى فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: ٢٢] .
وَانْتَصَبَ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الرَّفْعِ فِي سَلَقُوكُمْ، أَيْ:
خَاصَمُوكُمْ وَلَامُوكُمْ وَهُمْ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ أَشِحَّةً عَلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ لِلْمُسْلِمِينَ، أَيْ أَنَّ خِصَامَهُمْ إِيَّاهُمْ لَيْسَ كَمَا يَبْدُو خَوْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاسْتِبْقَاءً عَلَيْهِمْ وَلَكِنَّهُ عَنْ بُغْضٍ وَحِقْدٍ فَإِنَّ بَعْضَ اللَّوْمِ وَالْخِصَامِ يَكُونُ الدَّافِعُ إِلَيْهِ حُبُّ الْمَلُومِ وَإِبْدَاءُ النَّصِيحَةِ لَهُ، وَأَقْوَالُ الْحُكَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَيْرُ هُنَا هُوَ الْمَالُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إِنْ تَرَكَ خَيْراً [الْبَقَرَة: ١٨٠] .
وَقَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: ٨] ، أَيْ: هُمْ فِي حَالَةِ السِّلْمِ يُسْرِعُونَ إِلَى مَلَامِكُمْ وَلَا يُوَاسُونَكُمْ بِأَمْوَالِهِمْ لِلتَّجْهِيزِ لِلْعَدُوِّ إِنْ عَادَ إِلَيْكُمْ. وَدَخَلَتْ عَلَى هُنَا عَلَى الْمَبْخُولِ بِهِ.
أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً.
جِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ لِقَصْدِ تَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلُ، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرِيَاءُ بِمَا سَيَرِدُ مِنَ الْحُكْمِ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٥] .
وَقَدْ أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ انْتِفَاءِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا كَشْفًا لِدَخَائِلِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُوهِمُونَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ
стр. 7353
وَرُتِّبَ عَلَى انْتِفَاءِ إِيمَانِهِمْ أَنَّ اللَّهَ أَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ.
وَالْإِحْبَاطُ: جَعْلُ شَيْءٍ حَابِطًا، فَالْهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ مِثْلَ الْإِذْهَابِ. وَالْحَبْطُ حَقِيقَتُهُ:
أَنَّهُ فَسَادُ مَا يُرَادُ بِهِ الصَّلَاحُ وَالنَّفْعُ. وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى إِفْسَادِ مَا كَانَ نَافِعًا أَوْ عَلَى كَوْنِ الشَّيْءِ فَاسِدًا وَيُظَنُّ أَنَّهُ يَنْفَعُ يُقَالُ: حَبِطَ حَقُّ فُلَانٍ، إِذَا بَطَلَ. وَالْإِطْلَاقُ الْمَجَازِيُّ وَرَدَ كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ. وَفِعْلُهُ مِنْ بَابَيْ سَمِعَ وَضَرَبَ. وَمَصْدَرُهُ: الْحَبْطُ، وَاسْمُ الْمَصْدَرِ:
الْحُبُوطُ. وَيُقَالُ: أَحْبَطَ فُلَانٌ الشَّيْءَ، إِذَا أَبْطَلَهُ، وَمِنْهُ إِحْبَاطُ دَمِ الْقَتِيلِ، أَيْ: إِبْطَالُ حَقِّ الْقَوَدِ بِهِ. فَإِحْبَاطُ الْأَعْمَالِ: إِبْطَالُ الِاعْتِدَادِ بِالْأَعْمَالِ الْمَقْصُودِ بِهَا الْقُرْبَةُ وَالْمَظْنُونِ بِهَا أَنَّهَا أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ لِمَانِعٍ مَنَعَ مِنَ الِاعْتِدَادِ بِهَا فِي الدِّينِ.
وَقَدْ صَارَ لَفْظُ الْحَبْطِ وَالْحُبُوطِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ، فَأُطْلِقَ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِسَبَبِ الرِّدَّةِ، أَيِ: الرُّجُوعِ إِلَى الْكُفْرِ، أَوْ بِسَبَبِ زِيَادَةِ السَّيِّئَاتِ عَلَى الْحَسَنَاتِ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُ الْأَعْمَالِ الْعَذَابَ بِسَبَبِ زِيَادَةِ سَيِّئَاتِهِ عَلَى حَسَنَاتِهِ بِحَسَبِ مَا قَدَّرَ اللَّهُ لِذَلِكَ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ عُدَّتْ مَسْأَلَةُ الْحُبُوطِ مَعَ الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ، أَوْ بِحَيْثُ يُنْظُرُ فِي انْتِفَاعِهِ بِمَا فَعَلَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ عَلَيْهِ إِذَا ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ كَمَنْ حَجَّ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ تُعَدُّ مَسْأَلَةُ الْحُبُوطِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ:
الرِّدَّةُ تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ بِمُجَرَّدِ حُصُولِهَا فَإِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَ قَدْ حَجَّ مَثَلًا قَبْلَ رِدَّتِهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْحَجِّ تَمَسُّكًا بِإِطْلَاقِ هَذِهِ الْآيَةِ إِذْ نَاطَتِ الْحُبُوطَ بِانْتِفَاءِ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَرَيَا أَنَّ هَذَا مِمَّا يُحْمَلُ فِيهِ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ احْتِيَاطًا لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ رَاجِعٌ إِلَى الِاعْتِقَادَاتِ وَلَا يَكْفِي فِيهَا الظَّنُّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ رَجَعَتْ إِلَيْهِ أَعْمَالُهُ
الصَّالِحَةُ الَّتِي عَمِلَهَا قَبْلَ الرِّدَّةِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢١٧] حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ فِي آيَةِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ وَنَحْوِهَا عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي آيَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ تَغْلِيبًا لِلْجَانِبِ الْفُرُوعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْجَانِبِ الِاعْتِقَادِيِّ.
стр. 7354
وَتُعْرَفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَسْأَلَةِ الْمُوَافَاةِ، أَيِ: اسْتِمْرَارُ الْمُرْتَدِّ عَلَى الرِّدَّةِ إِلَى انْقِضَاءِ حَيَاتِهِ فَيُوَافِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُرْتَدًّا. فَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَرَيَا شَرْطَ الْمُوَافَاةِ وَالشَّافِعِيُّ اعْتَبَرَ الْمُوَافَاةَ. وَالْمُعْتَزِلَةُ قَائِلُونَ بِمِثْلِ مَا قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَحَكَى الْفَخْرُ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ اعْتِبَارَ الْمُوَافَاةِ عَلَى الْكُفْرِ، وَانْظُرْ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢١٧] . وَالْمَعْنَى:
أَنَّهُمْ لَا تَنْفَعُهُمْ قُرُبَاتُهُمْ وَلَا جِهَادُهُمْ.
وَجُمْلَةُ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي لَازِمِهِ وَهُوَ تَحْقِيرُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَخْرَجَهُمْ مِنْ حَظِيرَةِ الْإِسْلَامِ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ لَمْ يَعْبَأْ بِهِمْ وَلَا عَدَّ ذَلِكَ ثُلْمَةً فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يُدْلُونَ بِإِظْهَارِ الْإِيمَانِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَزُّونَ بِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[الحجرات: ١٧] .
[٢٠]
[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٢٠]
يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ مَا قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً (٢٠)
لَمَّا ذُكِرَ حَالُ الْمُنَافِقِينَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مِنْ فِتْنَتِهِمْ فِي الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا هُمْ حِينَ مَجِيءِ جُنُودِ الْأَحْزَابِ وَحِينَ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ثُنِيَ عَنَانُ الْكَلَامِ الْآنَ إِلَى حَالِهِمْ حِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِانْكِشَافِ جُنُودِ الْأَحْزَابِ عَنْهُمْ، فَأَفَادَ بِأَنَّ انْكِشَافَ الْأَحْزَابِ حَصَلَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَلِذَلِكَ كَانُوا يَشْتَدُّونَ فِي مَلَامِ الْمُسْلِمِينَ وَيَسْلُقُونَهُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ عَلَى أَنْ تَعَرَّضُوا لِلْعَدُوِّ الْكَثِيرِ، وَكَانَ اللَّهُ سَاعَتَئِذٍ قَدْ هَزَمَ الْأَحْزَابَ فَانْصَرَفُوا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ شَرَّهُمْ، وَلَيْسَ لِلْمُنَافِقِينَ وَسَاطَةٌ فِي ذَلِكَ. وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا لَا يَوَدُّونَ رُجُوعَ الْأَحْزَابِ دُونَ أَنْ يَأْخُذُوا الْمَدِينَةَ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ
стр. 7355
يَحْسَبُونَ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً [الْأَحْزَاب: ٩] إِلَخْ ... جَاءَ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ بِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ:
يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا يُؤْذِنُ بِانْهِزَامِ الْأَحْزَابِ وَرُجُوعِهِمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، أَيْ: وَقَعَ ذَلِكَ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ الْمُنَافِقُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْلُقُونَ الْمُؤْمِنِينَ اعْتِزَازًا بِالْأَحْزَابِ لِأَنَّ الْأَحْزَابَ حُلَفَاءُ لِقُرَيْظَةَ وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ أَخِلَّاءَ لِلْيَهُودِ فَكَانَ سَلْقُهُمُ الْمُسْلِمِينَ فِي وَقْتِ ذَهَابِ الْأَحْزَابِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَلَوْ عَلِمُوهُ لَخَفَّضُوا مِنْ شِدَّتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ يَحْسَبُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الرَّفْعِ فِي سَلَقُوكُمْ [الْأَحْزَاب:
١٩] أَيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ حَاسِبِينَ الْأَحْزَابَ مُحِيطِينَ بِالْمَدِينَةِ وَمُعْتَزِّينَ بِهِمْ فَظَهَرَتْ خَيْبَتُهُمْ فِيمَا قَدَّرُوا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ فَهُوَ وَصْفٌ لِجُبْنِ الْمُنَافِقِينَ، أَيْ: لَوْ جَاءَ الْأَحْزَابُ كَرَّةً أُخْرَى لَأَخَذَ الْمُنَافِقُونَ حِيطَتَهُمْ فَخَرَجُوا إِلَى الْبَادِيَةِ بَيْنَ الْأَعْرَابِ الْقَاطِنِينَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ غِفَارُ وَأَسْلَمُ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ تَعَالَى: مَا كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ [التَّوْبَة: ١٢٠] الْآيَةَ.
وَالْوُدُّ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ كِنَايَةً عَنِ السَّعْيِ لِحُصُولِ الشَّيْءِ الْمَوْدُودِ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمَحْبُوبَ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَحْصِيلِهِ إِلَّا مَانِعٌ قَاهِرٌ فَهُوَ لَازِمٌ لِلْوُدِّ.
وَالْبَادِي: سَاكِنُ الْبَادِيَةِ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ [٢٥] .
والْأَعْرابِ: هُمْ سُكَّانُ الْبَوَادِي بِالْأَصَالَةِ، أَيْ: يَوَدُّوا الِالْتِحَاقَ بِمَنَازِلِ الْأَعْرَابِ مَا لَمْ يَعْجِزُوا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ مَا قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا، أَيْ: فَلَوْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ فَكَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا.
ولَوْ حَرْفٌ يُفِيدُ التَّمَنِّيَ بَعْدَ فِعْلِ وُدٍّ وَنَحْوِهِ. أَنْشَدَ الْجَاحِظُ وَعَبْدُ الْقَاهِرِ:
يَوَدُّونَ لَوْ خَاطُوا عَلَيْكَ جُلُودَهُمْ ... وَلَا تَمْنَعُ الْمَوْتَ النُّفُوسُ الشَّحَائِحُ
وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ فِي سُورَة الْبَقَرَةِ [٩٦] .
وَالسُّؤَالُ عَنِ الْأَنْبَاءِ لِقَصْدِ التَّجَسُّسِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِلْمُشْرِكِينَ وَلِيَسُرَّهُمْ مَا عَسَى أَنْ يَلْحَقَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْهَزِيمَةِ.
следующие страницы →