← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

تَجْلِيلِهِمْ مَعَهُ بِالْكِسَاءِ تَقْوِيَةُ اسْتِعَارَةِ الْبَيْتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ تَقْرِيبًا لِصُورَةِ الْبَيْتِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِيَكُونَ الْكِسَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْت وَوُجُود النبيء ﷺ مَعَهُمْ فِي الْكِسَاءِ كَمَا هُوَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ الْكِسَاءُ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ أَن أَزوَاج النبيء ﷺ هُنَّ آلُ بَيْتِهِ بِصَرِيحِ الْآيَةِ، وَأَنَّ فَاطِمَةَ وَابْنَيْهَا وَزَوْجَهَا مَجْعُولُونَ أَهْلَ بَيْتِهِ بِدُعَائِهِ أَوْ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ عَلَى مَحَامِلِهَا. وَلِذَلِكَ هُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ بِدَلِيلِ السُّنَةِ، وَكُلُّ أُولَئِكَ قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا، بَعْضُهُ بِالْجَعْلِ الْإِلَهِيِّ، وَبَعْضُهُ بِالْجَعْلِ النَّبَوِيّ، وَمثله قَوْله النبيء ﷺ : «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ» . وَقَدِ اسْتَوْعَبَ ابْنُ كَثِيرٍ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةً مِنْ هَذَا الْخَبَرِ مُقْتَضِيَةً أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ يَشْمَلُ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا. وَلَيْسَ فِيهَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا نَسَبَهُ ابْنُ كَثِيرٍ إِلَى الطَّبَرِيِّ وَلَمْ يُوجَدْ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا ذُكِرَ عِنْدَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ: فِيهِ نَزَلَتْ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وَذَكَرَتْ خَبَرَ تَجْلِيلِهِ مَعَ فَاطِمَةَ وَابْنَيْهِ بِكِسَاءٍ (وَذَكَرَ مُصَحِّحُ طَبْعَةِ «تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ» أَنَّ فِي متن ذَلِك الحَدِيث اخْتِلَافًا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَلَمْ يُفَصِّلْهُ الْمُصَحِّحُ) . وَقَدْ تَلَقَّفَ الشِّيعَةُ حَدِيثَ الْكِسَاءِ فَغَصَبُوا وَصْفَ أَهْلِ الْبَيْتِ وَقَصَرُوهُ عَلَى فَاطِمَةَ وَزَوْجِهَا وَابْنَيْهِمَا عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانَ، وَزَعَمُوا أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيءِ ﷺ لَسْنَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ. وَهَذِهِ مُصَادَمَةٌ لِلْقُرْآنِ بِجَعْلِ هَذِهِ الْآيَةِ حَشْوًا بَيْنَ مَا خُوطِبَ بِهِ أَزْوَاجُ النَّبِيءِ. وَلَيْسَ فِي لَفْظِ حَدِيثِ الْكِسَاءِ مَا يَقْتَضِي قَصَرَ هَذَا الْوَصْفِ عَلَى أَهْلِ الْكِسَاءِ إِذْ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: «هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي» صِيغَةُ قَصْرٍ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي [الْحجر: ٦٨] لَيْسَ مَعْنَاهُ لَيْسَ لِي ضَيْفٌ غَيْرُهُمْ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ مَبْتُورَةً عَمَّا قَبِلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا التَّوَهُّمَ مِنْ زَمَنِ عَصْرِ التَّابِعين، وَأَن منشأه قِرَاءَةِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْأَلْسُنِ دُونَ اتِّصَالٍ بَيْنِهَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْمُفَسِّرُونَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ شَاءَ بِأَهْلِيَّةٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَزوَاج النبيء ﷺ وَأَنَّهُ قَالَ أَيْضًا: لَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ نسَاء النبيء ﷺ وَأَنَّهُ كَانَ يَصْرُخُ بِذَلِكَ فِي السُّوقِ. وَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ أَن يَدْعُو النبيء الدَّعْوَةَ لِأَهْلِ الْكِسَاءِ وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَيْتِ أَمِّ سَلَمَةَ.

стр. 7387

وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ... فَقَالَ: «أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ» . فَقَدْ وَهَمَ فِيهِ الشِّيعَةُ فَظَنُّوا أَنَّهُ مَنَعَهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهَذِهِ جَهَالَة لِأَن النبيء ﷺ إِنَّمَا أَرَادَ أَن مَا سَأَلَتْهُ مِنَ الْحَاصِلِ، لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهَا وَفِي ضَرَائِرِهَا، فَلَيْسَتْ هِيَ بِحَاجَةٍ إِلَى إِلْحَاقِهَا بِهِمْ، فَالدُّعَاءُ لَهَا بِأَنْ يُذْهِبَ اللَّهُ عَنْهَا الرِّجْسَ وَيُطَهِّرَهَا دُعَاءٌ بِتَحْصِيلِ أَمْرٍ حَصَلَ وَهُوَ مُنَافٍ بِآدَابِ الدُّعَاءِ كَمَا حَرَّرَهُ شِهَابُ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الدُّعَاءِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَالدُّعَاءِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ، فَكَانَ جَوَاب النبيء ﷺ تَعْلِيمًا لَهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ: «إِنَّكِ من أَزوَاج النبيء» . وَهَذَا أَوْضَحُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: «إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ» . وَلَمَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ دعاءه كَانَ النبيء ﷺ يُطْلِقُ أَهْلَ الْبَيْتِ عَلَى فَاطِمَةَ وَعَلِيٍّ وَابْنَيْهِمَا، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمُرُّ بِبَابِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِذَا خَرَجَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ يَقُولُ: «الصَّلَاةَ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِيُذْهِبَ لَامُ جَرٍّ تُزَادُ لِلتَّأْكِيدِ غَالِبًا بَعْدَ مَادَّتَيِ الْإِرَادَةِ وَالْأَمْرِ، وَيَنْتَصِبُ الْفِعْلُ الْمُضَارع بعْدهَا ب (أَن) مُضْمَرَةً إِضْمَارًا وَاجِبًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [الْأَنْعَام: ٧١] ، وَقَوْلُ كُثَيْرٌ: أُرِيدُ لِأَنْسَى حُبَّهَا فَكَأَنَّمَا ... تُمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ مَكَانِ وَعَنِ النَّحَاسِ أَنَّ بَعْضَ الْقُرَّاءِ سَمَّاهَا (لَامَ أَنْ) وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٢٦] . وَقَوْلُهُ: أَهْلَ الْبَيْتِ نِدَاءٌ لِلْمُخَاطَبِينَ من نسَاء النبيء ﷺ مَعَ حَضْرَة النبيء ﵊، وَقَدْ شَمِلَ كُلَّ من ألحق النبيء ﷺ بِهِنَّ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَهُمْ: فَاطِمَةُ وَابْنَاهَا وَزَوْجُهَا وَسَلْمَانُ لَا يعدو هَؤُلَاءِ.

стр. 7388

[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٣٤] وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤) لَمَّا ضَمِنَ اللَّهُ لَهُنَّ الْعَظَمَةَ أَمَرَهُنَّ بِالتَّحَلِّي بِأَسْبَابِهَا وَالتَّمَلِّي مِنْ آثَارِهَا وَالتَّزَوُّدِ مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ بِدِرَاسَةِ الْقُرْآنِ لِيَجْمَعَ ذَلِكَ اهْتِدَاءَهُنَّ فِي أَنْفُسِهِنَّ ازْدِيَادًا فِي الْكَمَالِ وَالْعِلْمِ، وَإِرْشَادَهُنَّ الْأُمَّةَ إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحٌ لَهَا من علم النبيء ﷺ . وَفِعْلُ اذْكُرْنَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذَّالِ وَهُوَ التَّذَكُّرُ، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ تَشْمَلُ الْمَعْنَى الصَّرِيحَ مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ لَا يَنْسَيْنَ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا يَغْفَلْنَ عَنِ الْعَمَلِ بِهِ، وَيَشْمَلُ الْمَعْنَى الْكِنَائِيَّ وَهُوَ أَنْ يُرَادَ مُرَاعَاةُ الْعَمَلِ بِمَا يُتْلَى فِي بُيُوتِهِنَّ مِمَّا يَنْزِلُ فِيهَا وَمَا يقرأه النبيء ﷺ فِيهَا، وَمَا يُبَيِّنُ فِيهَا مِنَ الدِّينِ، وَيَشْمَلُ مَعْنًى كِنَائِيًّا ثَانِيًا وَهُوَ تَذَكُّرُ تِلْكَ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ أَنْ كَانَتْ بُيُوتُهُنَّ مَوْقِعَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الذِّكْرِ بِكَسْرِ الذَّالِ، وَهُوَ إِجْرَاءُ الْكَلَامِ عَلَى اللِّسَانِ، أَيْ بَلِّغْنَهُ لِلنَّاسِ بِأَنْ يَقْرَأْنَ الْقُرْآنَ وَيُبَلِّغْنَ أَقْوَالَ النَّبِيءِ ﷺ وَسِيرَتَهُ. وَفِيهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْعَمَلِ بِهِ. وَالتِّلَاوَةُ: الْقِرَاءَةُ، أَيْ إِعَادَةُ كَلَامٍ مَكْتُوبٍ أَوْ مَحْفُوظٍ، أَيْ مَا يَتْلُوهُ الرَّسُولُ ﷺ . ومِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ بَيَانٌ لِمَا يُتْلَى فَكُلُّ ذَلِكَ مَتْلُوٌّ، وَذَلِكَ الْقُرْآنُ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمَتْلُوَّ بِشَيْئَيْنِ: هَمَّا آيَاتُ اللَّهِ، وَالْحِكْمَةُ، فَآيَاتُ اللَّهِ يَعُمُّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ، لِأَنَّهُ مُعْجِزٌ عَنْ مُعَارَضَتِهِ فَكَانَ آيَةً عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَعَطْفُ وَالْحِكْمَةِ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ وَهُوَ مَا كَانَ مِنَ الْقُرْآنِ مَوَاعِظَ وَأَحْكَامًا شَرْعِيَّةً، قَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ الْأَحْكَامِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٣٩] ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، أَيْ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِهِنَّ عِنْدَ نُزُولِهِ، أَو بِقِرَاءَة النبيء ﷺ وَدِرَاسَتِهِنَّ الْقُرْآنَ، لِيَتَجَدَّدَ مَا عَلِمْنَهُ وَيَلْمَعَ لَهُنَّ مِنْ أَنْوَارِهِ مَا هُوَ مَكْنُونٌ لَا يَنْضُبُ مَعِينُهُ، وَلِيَكُنَّ مُشَارِكَاتٍ فِي تَبْلِيغِ الْقُرْآنِ وَتَوَاتُرِهِ، وَلَمْ يزل أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَالتَّابِعُونَ بَعْدَهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ النِّسَاءِ وَمِنْ أَحْكَامِ الرَّجُلِ مَعَ أَهْلِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يُوسُف: ٤٢] ، أَيْ بَلِّغْ خَبَرَ سَجْنِي وَبَقَائِي فِيهِ.

стр. 7389

وَمَوْقِعُ مَادَّةِ الذِّكْرِ هُنَا مُوَقِعٌ شَرِيفٌ لِتَحَمُّلِهَا هَذِهِ الْمَحَامِلَ مَا لَا يَتَحَمَّلُهُ غَيْرُهَا إِلَّا بِإِطْنَابٍ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِن الله تَعَالَى أَمَرَ نَبِيئَهُ ﵊ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزَلَ إِلَيْهِ فَكَانَ إِذَا قَرَأَ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ مَا اتَّفَقَ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَكَانَ عَلَى مَنْ تَبِعَهُ أَنْ يُبَلِّغَهُ إِلَى غَيْرِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْكُرَهُ لِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْحِكْمَةِ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَبَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا اخْتِلَافُ الْقُرَّاءِ فِي كَسْرِ بَاءِ (بِيُوتٍ) أَوْ ضَمِّهَا. وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ وَتَذْيِيلٌ لِلْجُمَلِ السَّابِقَةِ. وَالتَّعْلِيلُ صَالِحٌ لِمَحَامِلِ الْأَمْرِ كُلِّهَا لِأَنَّ اللُّطْفَ يَقْتَضِي إِسْدَاءَ النَّفْعِ بِكَيْفِيَّةٍ لَا تَشُقُّ عَلَى الْمُسْدَى إِلَيْهِ. وَفِيمَا وُجِّهَ إِلَى نسَاء النبيء ﷺ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَا هُوَ صَلَاحٌ لَهُنَّ وَإِجْرَاءٌ لِلْخَيْرِ بِوَاسِطَتِهِنَّ، وَكَذَلِكَ فِي تَيْسِيرِهِ إِيَّاهُنَّ لِمُعَاشَرَةِ الرَّسُولِ ﵊ وَجَعْلِهِنَّ أَهْلَ بُيُوتِهِ، وَفِي إِعْدَادِهِنَّ لِسَمَاعِ الْقُرْآنِ وَفَهْمِهِ، وَمُشَاهَدَةِ الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ، كُلُّ ذَلِكَ لُطْفٌ لَهُنَّ هُوَ الْبَاعِث على مَا وَجَّهَهُ إِلَيْهِنَّ مِنَ الْخِطَابِ لِيَتَلَقَّيْنَ الْخَبَرَ وَيُبَلِّغْنَهُ، وَلِأَنَّ الْخَبِيرَ، أَيِ الْعَلِيمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُذْهِبَ عَنْهُنَّ الرِّجْسَ وَيُطَهِّرُهُنَّ حَصَلَ مُرَادُهُ تَامًّا لَا خَلَلَ وَلَا غَفْلَةَ. فَمَعْنَى الْجُمْلَةِ أَنَّهُ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِاللُّطْفِ وَالْعِلْمِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ كانَ فَيَشْمَلُ عُمُومُ لُطْفِهِ وَعِلْمِهِ لُطْفَهُ بِهِنَّ وَعِلْمَهُ بِمَا فِيهِ نفعهن. [٣٥] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٣٥] إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥) يَجُوزُ أَنَّ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ [الْأَحْزَاب: ٣١] بَعْدَ قَوْلِهِ: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [الْأَحْزَاب: ٣٢]

стр. 7390

يُثِيرُ فِي نُفُوسِ الْمُسْلِمَاتِ أَنْ يَسْأَلْنَ: أَهُنَّ مَأْجُورَاتٌ عَلَى مَا يَعْمَلْنَ من الْحَسَنَات، وأ هنّ مَأْمُورَاتٌ بِمِثْلِ مَا أُمِرَتْ بِهِ أَزوَاج النبيء ﷺ ، أَمْ تِلْكَ خَصَائِص لِنسَاء النبيء ﵊، فَكَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا هُوَ جَوَابٌ لِهَذَا السُّؤَالِ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِيمَا إِذَا ذَكَرَ مَأْمُورَاتٍ يُعْقِبُهَا بِالتَّذْكِيرِ بِحَالِ أَمْثَالِهَا أَوْ بِحَالِ أَضْدَادِهَا. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا وَرَدَ بِمُنَاسَبَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ فَضَائِل أَزوَاج النبيء ﷺ . روى ابْنُ جَرِيرٍ وَالْوَاحِدِيُّ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ نِسَاءً دَخَلْنَ على أَزوَاج النبيء ﷺ فَقُلْنَ: قَدْ ذَكَرَكُنَّ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يَذْكُرْنَا بِشَيْءٍ، وَلَوْ كَانَ فِينَا خَيْرٌ لَذَكَرَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وروى النَّسَائِيّ وَأحمد: أَن أم سَلمَة قَالَت للنبيء ﷺ : مَا لنا لَا نذْكر فِي الْقُرْآن كَمَا يذكر الرِّجَال فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ: «أَنَّ أُمَّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّة أَتَت النبيء ﷺ فَقَالَتْ: مَا أَرَى النِّسَاءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: «قَالَ مُقَاتِلٌ: بَلَغَنِي أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ لَمَّا رَجَعَتْ مِنَ الْحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا جَعْفَرَ بْنِ أَبِي طَالِبٍ دَخَلَتْ على نسَاء النبيء فَقَالَتْ: هَلْ نَزَلَ فِينَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قِيلَ: لَا، فَأَتَت النبيء ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النِّسَاءَ لَفِي خَيْبَةٍ وَخَسَارٍ. قَالَ: وَمِمَّ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: لِأَنَّهُنَّ لَا يُذْكَرْنَ بِالْخَيرِ كَمَا يذكر الرِّجَالُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ» . فَالْمَقْصُودُ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ النِّسَاءُ، وَأَمَّا ذِكْرُ الرِّجَالِ فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الصِّنْفَيْنِ فِي هَذِهِ الشَّرَائِعِ سَوَاءٌ لِيَعْلَمُوا أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ لَا كَمَا كَانَ مُعْظَمُ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ خَاصًّا بِالرِّجَالِ إِلَّا الْأَحْكَامَ الَّتِي لَا تُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِ النِّسَاءِ، فَشَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ بِعَكْسِ ذَلِكَ الْأَصْلُ فِي شَرَائِعِهَا أَنْ تَعُمَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ إِلَّا مَا نُصَّ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِأَحَدِ الصِّنْفَيْنِ، وَلَعَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا تَقَرَّرَ أَصْلُ التَّسْوِيَةِ فَأَغْنَى عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ فِي مُعْظَمِ أَقْوَالِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ

стр. 7391

وَجْهُ تِعْدَادِ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَة فِي هَذِه الْآيَة لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ التَّسْوِيَةُ فِي خُصُوصِ صِفَةٍ وَاحِدَةٍ. وَسُلِكَ مَسْلَكُ الْإِطْنَابِ فِي تِعْدَادِ الْأَوْصَافِ لِأَنَّ الْمَقَامَ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ لِاخْتِلَافِ أَفْهَامِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ فِي هَذَا التِّعْدَادِ إِيمَاءً إِلَى أُصُولِ التَّشْرِيعِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي آخِرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَبِهَذِهِ الْآثَارِ يَظْهَرُ اتِّصَالُ هَذِهِ الْآيَاتِ بِالَّتِي قَبْلَهَا. وَبِهِ يَظْهَرُ وَجْهُ تَأْكِيدِ هَذَا الْخَبَرِ بِحَرْفِ إِنَّ لِدَفْعِ شَكِّ مَنْ شَكَّ فِي هَذَا الْحُكْمِ مِنَ النِّسَاءِ. وَالْمُرَادُ بِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذَا الْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ شَرَعًا. وَالْإِسْلَامُ بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ هُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَحِجُّ الْبَيْتِ، وَلَا يَعْتَبِرُ إِسْلَامًا إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ. وَذِكْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بَعْدَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فِي الْبَقَرَةِ [١٣٢] . وَالْمرَاد ب الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الَّذين آمنُوا. وَالْإِيمَان: أَن يُؤمن بالله وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر ويؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره. وَتقدم الْكَلَام على الْإِيمَان فِي أَوَائِل سُورَة الْبَقَرَة. و (الْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ) : أَصْحَابُ الْقُنُوتِ وَهُوَ الطَّاعَةُ لِلَّهِ وَعِبَادَتُهُ، وَتَقَدَّمَ آنِفًا وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ [الْأَحْزَاب: ٣١] والصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ مَنْ حَصَلَ مِنْهُمْ صِدْقُ الْقَوْلِ وَهُوَ ضِدُّ الْكَذِبِ، وَالصِّدْقُ كُلُّهُ حَسَنٌ، وَالْكَذِبُ لَا خَيْرَ فِيهِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ. وَشَمَلَ ذَلِكَ الْوَفَاءَ بِمَا يُلْتَزَمُ بِهِ مِنْ أُمُورِ الدِّيَانَةِ كَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَالْوَفَاءِ بِالنذرِ، وَتقدم عِنْد قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٧٧] . وب الصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ: أَهْلُ الصَّبْرِ وَالصَّبْرُ مَحْمُودٌ فِي ذَاتِهِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى قُوَّةِ الْعَزِيمَةِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا هُوَ تَحَمُّلُ الْمَشَاقِّ فِي أُمُورِ الدِّينِ، وَتَحَمُّلُ الْمَكَارِهِ فِي

стр. 7392

الذَّبِّ عَنِ الْحَوْزَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَتَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا آخِرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٢٠٠] . وَبِ الْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ: أَهْلُ الْخُشُوعِ، وَهُوَ الْخُضُوعُ لِلَّهِ وَالْخَوْفُ مِنْهُ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْإِخْلَاصِ بِالْقَلْبِ فِيمَا يَعْمَلُهُ الْمُكَلَّفُ، وَمُطَابَقَةُ ذَلِكَ لِمَا يَظْهَرُ مِنْ آثَارِهِ عَلَى صَاحِبِهِ. وَالْمُرَادُ: الْخُشُوعُ لِلَّهِ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٤٥] . وَبِ الْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ: مَنْ يَبْذُلُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [١١٤] . وَفَائِدَةُ ذَلِكَ لِلْأُمَّةِ عَظِيمَةٌ. وَأَمَّا (الصَّائِمُونَ وَالصَّائِمَاتُ) فَظَاهَرٌ مَا فِي الصِّيَامِ مِنْ تَخَلُّقٍ بِرِيَاضَةِ النَّفْسِ لِطَاعَةِ اللَّهِ، إِذْ يَتْرُكُ الْمَرْءُ مَا هُوَ جِبِلِّيٌّ مِنَ الشَّهْوَةِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ، أَيْ بُرْهَانًا عَلَى أَنَّ رِضَى اللَّهِ عَنهُ ألذّ عِنْده مِنْ أَشَدِّ اللَّذَّاتِ مُلَازَمَةً لَهُ. وَأَمَّا حِفْظُ الْفُرُوجِ فَلِأَنَّ شَهْوَةَ الْفَرْجِ شَهْوَةٌ جِبِلِّيَّةٌ، وَهِيَ فِي الرَّجُلِ أَشَدُّ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِذَلِكَ فَقَالَ فِي يحيى وَحَصُوراً [آل عمرَان: ٣٩] وَقَالَ فِي مَرْيَمَ وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها [الْأَنْبِيَاء: ٩١] ، وَهَذَا الْحِفْظُ لَهُ حُدُودٌ سَنَّتْهَا الشَّرِيعَةُ، فَالْمُرَادُ: حِفْظُ الْفروج عَن أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ شَرْعًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ: حِفْظَهَا عَنِ الِاسْتِعْمَالِ أَصْلًا وَهُوَ الرَّهْبَنَةُ، فَإِنَّ الرَّهْبَنَةَ مَدْحُوضَةٌ فِي الْإِسْلَامِ بِأَدِلَّةٍ مُتَوَاتِرَةِ الْمَعْنَى. وَأَمَّا (الذَّاكِرُونَ وَالذَّاكِرَاتُ) فَهُوَ وَصْفٌ صَالِحٌ لِأَنْ يَكُونَ مِنَ الذِّكْرِ بِكَسْرِ الذَّالِ وَهُوَ ذِكْرُ اللِّسَانِ كَالَّذِي فِي قَوْلِهِ: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [الْبَقَرَة: ١٥٢] وَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي» ، وَمِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّهَا كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ [الْأَحْزَاب: ٣٤] ، وَالَّذِي فِي قَوْلِهِ: ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمرَان: ١٣٥] . وَمَفْعُولُ والْحافِظاتِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ، وَكَذَلِكَ مَفْعُولُ والذَّاكِراتِ. وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ الْعَشْرُ عَلَى جَوَامِعِ فُصُولِ الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا.

стр. 7393

فَالْإِسْلَامُ: يَجْمَعُ قَوَاعِدَ الدِّينِ الْخَمْسَ الْمَفْرُوضَةَ الَّتِي هِيَ أَعْمَالٌ، وَالْإِيمَانُ يَجْمَعُ الِاعْتِقَادَاتِ الْقَلْبِيَّةَ الْمَفْرُوضَةَ وَهُوَ شَرْطُ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا، قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [الْبَلَد: ١٧] . وَالْقُنُوتُ: يَجْمَعُ الطَّاعَاتِ كُلَّهَا مَفْرُوضَهَا وَمَسْنُونَهَا، وَتَرْكَ الْمَنْهِيَّاتِ وَالْإِقْلَاعَ عَنْهَا مِمَّنْ هُوَ مُرْتَكِبُهَا، وَهُوَ مَعْنَى التَّوْبَةِ، فَالْقُنُوتُ هُوَ تَمَامُ الطَّاعَةِ، فَهُوَ مُسَاوٍ لِلتَّقْوَى. فَهَذِهِ جَوَامِعُ شَرَائِعِ الْمُكَلَّفِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَالصِّدْقُ: يَجْمَعُ كُلَّ عَمَلٍ هُوَ مِنْ مُوَافَقَةِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِلْوَاقِعِ فِي الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ وَالْعُقُودِ وَالِالْتِزَامَاتِ وَفِي الْمُعَامَلَاتِ بِالْوَفَاءِ بِهَا وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ، وَمُطَابَقَةِ الظَّاهِرِ لِلْبَاطِنِ فِي الْمَرَاتِبِ كُلِّهَا. وَمِنَ الصِّدْقِ صِدْقُ الْأَفْعَالِ. وَالصَّبْرُ: جَامِعٌ لِمَا يَخْتَصُّ بِتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ مِنَ الْأَعْمَالِ كَالْجِهَادِ وَالْحِسْبَةِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَمُنَاصَحَةِ الْمُسْلِمِينَ وَتَحَمُّلِ الْأَذَى فِي اللَّهِ، وَهُوَ خُلُقٌ عَظِيمٌ هُوَ مِفْتَاحُ أَبْوَابِ مَحَامِدِ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ وَالْإِنْصَافِ مِنَ النَّفْسِ. وَالْخُشُوعُ: الْإِخْلَاصُ بِالْقَلْبِ وَالظَّاهِرِ، وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَتَجَنُّبُ الْمعاصِي، وَيدخل فِيهِ الْإِحْسَانِ وَهُوَ الْمُفَسَّرُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» . وَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ جَمِيعُ الْقُرَبِ النَّوَافِل فَإِنَّهَا مِنْ آثَارِ الْخُشُوعِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّوْبَةُ مِمَّا اقْتَرَفَهُ الْمَرْءُ مِنَ الْكَبَائِرِ إِذْ لَا يَتَحَقَّقُ الْخُشُوعُ بِدُونِهَا. وَالتَّصَدُّقُ: يَحْتَوِي جَمِيعَ أَنْوَاعِ الصَّدَقَاتِ والْعَطِيَّاتِ وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِرْفَاقِ. وَالصَّوْمُ: عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ، فَلِذَلِكَ خُصِّصَتْ بِالذِّكْرِ مِعَ أَنَّ الْفَرْضَ مِنْهُ مَشْمُولٌ لِلْإِسْلَامِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَيَفِي صَوْمَ النَّافِلَةِ، فَالتَّصْرِيحُ بِذِكْرِ الصَّوْمِ تَنْوِيهٌ بِهِ. وَفِي الحَدِيث «قَالَ الله تَعَالَى: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» . وَحِفْظُ الْفُرُوجِ: أُرِيدَ بِهِ حِفْظُهَا عَمَّا وَرَدَ الشَّرْعُ بِحِفْظِهَا عَنْهُ، وَقَدِ انْدَرَجَ فِي هَذَا جَمِيعُ أَحْكَامِ النِّكَاحِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهَا وَمَا هُوَ وَسِيلَةٌ لَهَا. وَذِكْرُ اللَّهِ كَمَا عَلِمْتَ لَهُ مُحَمَلَانِ:

стр. 7394

أَحَدُهُمَا: ذِكْرُهُ اللِّسَانِيُّ فَيَدْخُلُ فِيهِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَطَلَبُ الْعِلْمِ ودراسته. قَالَ النبيء ﷺ «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» ، فَفِي قَوْلِهِ: «وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ» إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جَنْسِ عَمَلِهِمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي شَيْءٍ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [الْبَقَرَة: ١٥٢] وَقَالَ فِيمَا أخبر عَنهُ رَسُولُهُ ﷺ «وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» . وَشَمَلَ مَا يُذْكَرُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَذْكَارِ. وَالْمَحْمَلُ الثَّانِي: الذِّكْرُ الْقَلْبِيُّ وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَهُوَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمرَان: ١٣٥] فَدَخَلَ فِيهِ التَّوْبَةُ وَدَخَلَ فِيهَا الِارْتِدَاعُ عَنِ الْمَظَالِمِ كُلِّهَا مِنَ الْقَتْلِ وَأَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَالْحِرَابَةِ وَالْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ فِي الْمُعَامَلَاتِ. وَمِمَّا يُوضح شُمُوله لهَذِهِ الشَّرَائِع كُلِّهَا تَقْيِيدُهُ بِ كَثِيراً لِأَنَّ الْمَرْءَ إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا فَقَدِ اسْتَغْرَقَ ذِكْرُهُ عَلَى الْمَحْمَلَينِ جَمِيعَ مَا يُذْكَرُ اللَّهُ عِنْدَهُ. وَيُرَاعَى فِي الِاتِّصَافِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ أَنْ تَكُونَ جَارِيَةً عَلَى مَا حَدَّدَهُ الشَّرْعُ فِي تَفَاصِيلِهَا. وَالْمَغْفِرَةُ: عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا فَرَّطَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [٢٣] . وَاعْلَمْ أَنَّ عَطْفَ الصِّفَاتِ بِالْوَاوِ الْمُفِيدِ مُجَرَّدَ التَّشْرِيكِ فِي الْحُكْمِ دُونَ حَرْفَيِ التَّرْتِيبِ: الْفَاءِ وَثُمَّ، شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ مَعَهُ ثَابِتًا لِكُلِّ وَاحِدٍ اتَّصَفَ بِوَصْفٍ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُشْتَقِّ مِنْهَا مَوْصُوفُهُ لَأَنَّ أَصْلَ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى مُغَايَرَةِ الْمَعْطُوفَاتِ فِي الذَّاتِ، فَإِذَا قُلْتَ: وُجَدْتُ فِيهِمُ الْكَرِيمَ وَالشُّجَاعَ وَالشَّاعِرَ كَانَ الْمَعْنَى: أَنَّكَ وَجَدْتَ فِيهِمْ ثَلَاثَةَ أُنَاسٍ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ مِنَ الْمَذْكُورَاتِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «فَإِنَّ مِنْهُمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ» أَيْ أَصْحَابَ الْمَرَضِ وَالضَّعْفِ وَالْحَاجَةِ، بِخِلَافِ الْعَطْفِ بِالْفَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فَالتَّالِياتِ ذِكْراً [الصافات: ١- ٣] فَإِنَّ الْأَوْصَافَ الْمَذْكُورَةَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ ثَابِتَةٌ

стр. 7395

لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ. وَلِهَذَا فَحَقُّ جُمْلَةِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً أَنْ تَكُونَ خَبَرًا فِي الْمَعْنَى عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاطِفَاتِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَعَدَ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، إِنَّ الْمُسْلِمَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُنَّ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، وَهَكَذَا. وَالْفِعْلُ الْوَاقِعُ فِي جُمْلَةِ الْخَبَرِ وَهُوَ فِعْلُ أَعَدَّ قَدْ تَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَمَعْطُوفٍ عَلَى الْمَفْعُولِ فَصِحَّةُ الْإِخْبَارِ بِهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْصُوفَاتِ المتعاطفات بِاعْتِبَارِ الْمَعْطُوفِ عَلَى مَفْعُولِهِ وَاضِحَةٌ لَأَنَّ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ يَصْلُحُ لِأَنْ يُعْطَى لِكُلِّ وَاحِدٍ وَيَقْبَلُ التَّفَاوُتَ فَيَكُونُ لِكُلٍّ مِنْ أَصْحَابِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ أَجْرُهُ عَلَى اتِّصَافِهِ بِهِ وَيَكُونُ أَجْرُ بَعْضِهِمْ أَوْفَرَ مِنْ أَجْرِ بَعْضٍ آخَرَ. وَأَمَّا صِحَّةُ الْإِخْبَارِ بِفِعْلِ أَعَدَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاطِفَاتِ بِاعْتِبَار الْمَفْعُول وَهُوَ مَغْفِرَةً فَيَمْنَعُ مِنْهُ مَا جَاءَ مِنْ دَلَائِلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الذُّنُوبَ الْكَبِيرَةَ الَّتِي فَرَطَتْ لَا يُضْمَنُ غُفْرَانُهَا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَّا بِشَرْطِ التَّوْبَةِ مِنَ الْمُذْنِبِ وَعَدًا مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الْأَنْعَام: ٥٤] . وَأَلْحَقَتِ السُّنَّةُ بِمُوجِبَاتِ الْمَغْفِرَةِ الْحَجَّ الْمَبْرُورَ وَالْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَشْيَاءَ أُخْرَى. وَالْوَجْهُ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ عِنْدِي: أَنْ تُحْمَلَ كُلُّ صِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَلَى عَدَمِ مَا يُعَارِضُهَا مِمَّا يُوجِبُ التَّبِعَةَ، أَيْ سَلَامَتُهُ مِنَ التَّلَبُّسِ بِالْكَبَائِرِ حَمَلًا أُرَاعِي فِيهِ الْجَرْيَ عَلَى سَنَنِ الْقُرْآنِ فِي مِثْلِ مَقَامِ الثَّنَاءِ وَالتَّنْوِيهِ بِالْمُسْلِمِينَ مِنَ اعْتِبَارِ حَالِ كَمَالِ الْإِسْلَامِ كَقَوْلِهِ: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الْأَنْفَال: ٤] فَإِنَّا لَا نَجِدُ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا فِي مَقَامِ التَّحْذِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ. وَالْمَرْجِعُ فِي هَذَا الْمَحْمَلِ إِلَى بَيَانِ الْإِجْمَالِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ. وَقَدْ سَكَتَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ عَنِ التَّصَدِّي لِبَيَانِ مُفَادِ هَذَا الْوَعْدِ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ فِيمَا رَأَيْتُ سِوَى صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» فَجَعَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً: أَنَّ الْجَامِعِينَ وَالْجَامِعَاتِ لِهَذِهِ الطَّاعَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، وَجَعَلَ وَاوَ الْعَطْفِ بِمَعْنَى الْمَعِيَّةِ، وَجَعَلَ الْعَطْفَ عَلَى اعْتِبَارِ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَاتِ فِي الْأَوْصَافِ لَا الْمُغَايَرَةِ بِالذَّوَاتِ، وَهَذَا تَكَلُّفٌ وَصُنْعٌ بِالْيَدِ، وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَكَثِيرٌ. وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ جَمْعَ تِلْكَ الصِّفَاتِ لَا يُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ لِأَنَّ الْكَبَائِرَ لَا تُسْقِطُهَا عَنْ

стр. 7396

صَاحِبِهَا إِلَّا التَّوْبَةُ، إِلَّا أَنْ يَضُمَّ إِلَى كَلَامِهِ ضَمِيمَةً وَهِيَ حَمْلُ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ والذَّاكِراتِ عَلَى مَعْنَى الْمُتَّصِفِينَ بِالذِّكْرِ اللِّسَانِيِّ وَالْقَلْبِيِّ، فَيَكُونَ الذِّكْرُ الْقَلْبِيُّ شَامِلًا لِلتَّوْبَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمرَان: ١٣٥] فَيَكُونُ الَّذِينَ جَمَعُوا هَذِهِ الْخِصَالَ الْعَشْرَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُمُ التَّوْبَةُ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا الِاعْتِذَارَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَا يَتَجَاوَزُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَإِنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِثْلُهَا يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ هَذَا الِاعْتِذَارِ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً إِلَى قَوْلِهِ: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا الْآيَةَ فِي سُورَة الْفرْقَان [٦٣- ٧٥] . [٣٦] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٣٦] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (٣٦) مُعْظَمُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ خِطْبَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ عَلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى فَتَاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فَاسْتَنْكَفَتْ وَأَبَتْ وَأَبَى أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ الْآيَةَ، فَتَابَعَتْهُ وَرَضِيَتْ لِأَنَّ تَزْوِيجَ زَيْنَبَ بِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وَيَكُونُ مَوْقِعُهَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي هِيَ مَدَنِيَّةٌ إِلْحَاقًا لَهَا بِهَا لِمُنَاسِبَةِ أَنْ تَكُونَ مُقَدِّمَةً لِذِكْرِ تَزَوُّجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَ وَقْعَةِ الْأَحْزَابِ وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ فَقَدَّرَ لَهُ الْأَحْوَالَ الَّتِي حَصَلَتْ مِنْ بَعْدُ. وَوُجُودُ وَاوِ الْعَطْفِ فِي أَوَّلِ الْجُمْلَةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى كَلَامٍ نَزَلَ قَبْلَهَا مِنْ سُورَةٍ أُخْرَى لَمْ نَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِ وَلَا تَعْيِينِ السُّورَةِ الَّتِي كَانَتِ الْآيَةُ فِيهَا، وَهُوَ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا. وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بَنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرْنَ مِنَ النِّسَاءِ وَأَنَّهَا وهبت نَفسهَا للنبيء ﷺ فَزَوَّجَهَا مِنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، بَعْدَ أَنْ طَلَّقَ زَيْدٌ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا،

стр. 7397

فَكَرِهَتْ هِيَ وَأَخُوهَا ذَلِكَ وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَرَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَزَوَّجَنِي عَبْدَهُ ثُمَّ رَضِيَتْ هِيَ وَأَخُوهَا بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ. وَالْمُنَاسَبَةُ تَعْقِيبُ الثَّنَاءِ عَلَى أَهْلِ خِصَالٍ هِيَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، بِإِيجَابِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﷺ ، فَلَمَّا أَعْقَبَ ذَلِكَ بِمَا فِي الِاتِّصَافِ بِمَا هُوَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مِمَّا يُكْسِبُ مَوْعُودَهُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَالْأَجْرِ، وَسَوَّى فِي ذَلِكَ بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء، أَعْقَبَهُ بِبَيَانِ أَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ ﷺ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَعْتَزِمُ الْأَمْرَ هِيَ طَاعَةٌ وَاجِبَةٌ وَأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَأَنَّ صِنْفَيِ النَّاسِ الذُّكُورَ وَالنِّسَاءَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ كَمَا كَانَا سَوَاءً فِي الْأَحْكَامِ الْمَاضِيَةِ. وَإِقْحَامُ كانَ فِي النَّفْيِ أَقْوَى دِلَالَةٍ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِأَنَّ فِعْلَ كانَ لِدِلَالَتِهِ عَلَى الْكَوْنِ، أَيِ الْوُجُودِ يَقْتَضِي نَفْيُهُ انْتِفَاءَ الْكَوْنِ الْخَاصِّ بِرُمَّتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَالْمَصْدَرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعِ اسْمِ كانَ الْمَنْفِيَّةِ وَهِيَ كانَ التَّامَّةُ. وَقَضَاءُ الْأَمْرِ تَبْيِينُهُ وَالْإِعْلَامُ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [الْحجر: ٦٦] . وَمَعْنَى إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِذَا عَزَمَ أَمْرُهُ وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْمَأْمُورِ خِيَارًا فِي الِامْتِثَالِ، فَهَذَا الْأَمْرُ هُوَ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ امْتِثَالُهُ احْتِرَازًا مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ لِلَّذِينِ وَجَدَهُمْ يَأْبِرُونَ نَخْلَهُمْ: «لَوْ تَرَكْتُمُوهَا لَصَلَحَتْ ثُمَّ قَالُوا تَرَكْنَاهَا فَلَمْ تَصْلُحْ فَقَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» . وَمِنْ نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي أول هَذِه السُّورَةِ مِنْ هَمِّهِ بِمُصَالَحَةِ الْأَحْزَابِ عَلَى نِصْفِ ثَمَرِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ رُجُوعِهِ عَنْ ذَلِكَ لَمَّا اسْتَشَارَ السَّعْدَيْنِ، وَمِنْ نَحْوِ أَمْرِهِ يَوْمِ بَدْرٍ، بِالنُّزُولِ بِأَدْنَى مَاءٍ مِنْ بَدْرٍ فَقَالَ لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: أَهَذَا مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ وَلَا نَتَأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ قَالَ: «بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ» . قَالَ: فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ فَانْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنَ الْقَوْمِ فَنَنْزِلَهُ ثُمَّ نُغَوِّرُ مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْقُلُبِ ثُمَّ نَبْنِي عَلَيْهِ حوضا فنملأه مَاءً فنشرب وَلَا يشْربُوا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ» ، فَنَهَضَ بِالنَّاسِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ

стр. 7398

وَكَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ لِبِلَالٍ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ. ثُمَّ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا» ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا ثُمَّ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ» ، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ فَشَرِبَ. فَمُرَاجَعَةُ بِلَالٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ عَزْمٍ. وَذِكْرُ اسْمِ الْجَلَالَةِ هُنَا لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ ﵊ طَاعَةٌ لِلَّهِ، قَالَ تَعَالَى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النِّسَاء: ٨٠] . فَالْمَقْصُودُ إِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ أَمْرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [٤١] إِذِ الْمَقْصُودُ: فَإِنَّ لِلرَّسُولِ خُمُسَهُ. والْخِيَرَةُ: اسْمُ مَصْدَرِ تَخَيَّرَ، كَالطِّيَرَةِ اسْمُ مَصْدَرِ تَطَيَّرَ. قِيلَ وَلَمْ يُسْمَعْ فِي هَذَا الْوَزْنِ غَيْرُهُمَا، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ [٦٨] . ومِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ وأَمْرِهِمْ بِمَعْنَى شَأْنِهِمْ وَهُوَ جِنْسٌ، أَيْ أُمُورِهِمْ. وَالْمَعْنَى: مَا كَانَ اخْتِيَار بعض شؤونهم مِلْكًا يَمْلِكُونَهُ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعُ مَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﷺ فَلَا خَيرَةَ لَهُمْ. وَ (مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ) لَمَّا وَقَعَا فِي حَيِّزِ النَّفْيِ يَعُمَّانِ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فَلِذَلِكَ جَاءَ ضميرها ضَمِيرُهَا جَمْعٍ لِأَنَّ الْمَعْنَى: مَا كَانَ لِجَمْعِهِمْ وَلَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْخَيَرَةُ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْعُمُومِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ أَنْ تَكُونَ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مُؤَنَّثٌ لَفْظًا. وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ وَهِشَام وَابْن عَامر بِتَحْتِيَّةٍ لِأَنَّ الْفَاعِلَ الْمُؤَنَّثَ غَيْرَ الْحَقِيقِيِّ يَجُوزُ فِي فِعْلِهِ التَّذْكِيرُ وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَقَعَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَفَاعِلِهِ. وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً تَذْيِيلُ تَعْمِيمٍ لِلتَّحْذِيرِ مِنْ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ ﵊ سَوَاءٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ الْخِيَرَةُ أَمْ كَانَ عَنْ عَمْدٍ لِلْهَوَى فِي الْمُخَالَفَةِ

стр. 7399

[٣٧] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٣٧] وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٣٧) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ. وإِذْ اسْمُ زَمَانٍ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ. وَهُوَ مِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذَّالِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى التَّذَكُّرِ فَلَمْ يَأْمُرْهُ اللَّهُ بِأَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ إِذْ لَا جَدْوَى فِي ذَلِكَ وَلكنه ذَكَّرَ رَسُولَهُ ﷺ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ. وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا الِاعْتِبَارُ بِتَقْدِير الله تَعَالَى الْأَسْبَابَ لِمُسَبَّبَاتِهَا لِتَحْقِيقِ مُرَادِهِ سُبْحَانَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَقِبَهُ: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها إِلَى قَوْلِهِ: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا وَقَوْلُهُ: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الْأَحْزَاب: ٣٨] . وَهَذَا مَبْدَأُ الْمَقْصُودِ مِنَ الِانْتِقَالِ إِلَى حُكْمِ إِبْطَالِ التَّبَنِّي وَدَحْضِ مَا بَنَاهُ الْمُنَافِقُونَ عَلَى أَسَاسِهِ الْبَاطِلِ بِنَاءً عَلَى كُفْرِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ غَمَزُوا مَغَامِزَ فِي قَضِيَّةِ تَزَوَّجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَقَالُوا: تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ وَقَدْ نَهَى عَنْ تَزَوُّجِ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ. وَلِذَلِكَ خُتِمَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ وَتَوَابِعُهَا بِالثَّنَاءِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ [الْأَحْزَاب: ٤٣] الْآيَةَ. وَبِالْإِعْرَاضِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَعَنْ أَذَاهُمْ. وَزَيْدٌ هُوَ المعنيّ من قَوْله تَعَالَى: لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ، فَاللَّهُ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِالْإِيمَانِ وَالْخَلَاصِ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ بِأَنْ يَسَّرَ دُخُولَهُ فِي ملك رَسُوله ﷺ ، وَالرَّسُولُ ﵊ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ وَالتَّبَنِّي وَالْمَحَبَّةِ، وَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِاسْمِهِ الْعَلَمِ إِثْرَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً وَهُوَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ الْكَلْبِيُّ مِنْ كَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ وَبَنُو كَلْبٍ مِنْ تَغْلِبَ. كَانَتْ خَيْلٌ مِنْ بَنِي الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ أَغَارُوا عَلَى أَبْيَاتٍ مِنْ بَنِي مَعْنٍ مِنْ طَيْءٍ، وَكَانَتْ أُمُّ زَيْدٍ وَهَيَ سُعْدَى بَنْتُ ثَعْلَبَةَ مِنْ بَنِي مَعْنٍ خَرَجَتْ بِهِ إِلَى قَوْمِهَا تَزُورُهُمْ فَسَبَقَتْهُ الْخَيْلُ الْمُغِيرَةُ وَبَاعُوهُ فِي سُوقِ حُبَاشَةَ (بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ) بِنَاحِيَةِ مَكَّةَ فَاشْتَرَاهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ زَوْجِ رَسُولِ الله ﷺ قبل أَن يتزوّجها رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهَبَتْهُ خَدِيجَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَزَيْدٌ يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ) وَذَلِكَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، فَحَجَّ نَاسٌ مِنْ كَلْبٍ فَرَأَوْا زَيْدًا

стр. 7400

بِمَكَّةَ فَعَرَفُوهُ وَعَرَفَهُمْ فَأَعْلَمُوا أَبَاهُ وَوَصَفُوا مَوْضِعَهُ وَعِنْدَ مَنْ هُوَ، فَخَرَجَ أَبُوهُ حَارِثَةُ وَعَمُّهُ كَعْبٌ لِفِدَائِهِ فَدَخَلَا مَكَّة وكلّما النبيء ﷺ فِي فِدَائِهِ، فَأتى بِهِ النبيء ﷺ إِلَيْهِمَا فَعَرَفَهُمَا، فَقَالَ لَهُ النبيء ﵊: «اخْتَرْنِي أَوِ اخْتَرْهُمَا» . قَالَ زَيْدٌ: مَا أَنَا بِالَّذِي اخْتَارُ عَلَيْكَ أَحَدًا، فَانْصَرَفَ أَبُوهُ وَعَمُّهُ وَطَابَتْ أَنْفُسُهُمَا بِبَقَائِهِ، فَلَمَّا رأى النبيء ﷺ مِنْهُ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ إِلَى الْحِجْرِ وَقَالَ: «يَا مَنْ حَضَرَ اشْهَدُوا أَنَّ زَيْدًا ابْنِي يَرِثُنِي وَأَرِثُهُ» ، فَصَارَ ابْنا للنبيء ﷺ عَلَى حكم التبني فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ يُدْعَى: زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَهَ أُمَّ أَيْمَنٍ مَوْلَاتَهُ فَوَلَدَتْ لَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَطَلَّقَهَا. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الْأَسَدِيِّ حَلِيفِ آلِ عَبْدِ شَمْسٍ وَهِيَ ابْنَةُ عَمَّتِهِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ. ثُمَّ بَعْدَ الْهِجْرَة آخى النبيء ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَمَّا بَطَلَ حُكْمُ التَّبَنِّي بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ [الْأَحْزَاب: ٤] صَارَ يُدْعَى: حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ. وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ طَلَّقَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فَزَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَأُمُّهَا الْبَيْضَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الْمَطَّلِبِ وَوَلَدَتْ لَهُ زَيْدَ بْنَ زَيْدٍ وَرُقَيَّةَ ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي لَهَبٍ، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ هِنْدَ بِنْتَ الْعَوَّامِ أُخْتَ الزُّبَيْرِ. وَشَهِدَ زَيْدٌ بَدْرًا وَالْمَغَازِي كُلَّهَا. وَقُتِلَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْجَيْشِ وَهُوَ ابْن خمس وَخمسين سَنَةً. وَزَوْجُ زَيْدٍ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الْأَسْدِيَةُ وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا النَّبِيءُ ﷺ سَمَّاهَا زَيْنَبَ، وَأَبُوهَا جَحْشٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَكَانَ أَبُوهَا حَلِيفًا لِآلِ عَبْدِ شَمْسٍ بِمَكَّةَ وَأُمُّهَا أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبَدِ الْمَطَّلَبِ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا بِالْمَدِينَةِ، وَتَزَوجهَا النبيء ﷺ سَنَةَ خَمْسٍ، وَتُوُفِّيَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَعُمُرُهَا ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، فَتَكُونُ مَوْلُودَةً سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، أَيْ سَنَةَ عِشْرِينَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ. وَالْإِتْيَانُ بِفِعْلِ الْقَوْلِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِاسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْقَوْلِ وَتَكْرِيرِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ [هود: ٧٤] وَقَوْلِهِ: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ [هود: ٣٨] ، وَفِي ذَلِكَ تَصْوِيرٌ لِحَثِّ

стр. 7401

النبيء ﷺ زَيْدًا على إِمْسَاكِ زَوْجِهِ وَأَنْ لَا يُطَلِّقَهَا، وَمُعَاوَدَتِهِ عَلَيْهِ. وَالتَّعْبِيرُ عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ هُنَا بِالْمَوْصُولِ دُونَ اسْمِهِ الْعَلَمِ الَّذِي يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ لِمَا تُشْعِرُ بِهِ الصِّلَةُ الْمَعْطُوفَةُ وَهِيَ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ مِنْ تَنَزُّهِ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ اسْتِعْمَالِ وَلَائِهِ لِحَمْلِهِ عَلَى تَطْلِيقِ زَوْجِهِ، فَالْمَقْصُودُ هُوَ الصِّلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا أَنَّ زَيْدًا أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ، وَأَنَّ الرَّسُولَ ﵊ أَحْرَصُ عَلَى صَلَاحِهِ وَأَنَّهُ أَشَارَ عَلَيْهِ بِإِمْسَاكِ زَوْجِهِ لِصَلَاحِهَا بِهِ، وَأَمَّا صِلَةُ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهِيَ تَوْطِئَةٌ لِلثَّانِيَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَأْثُورَ الصَّحِيحَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ بَقِيَتْ عِنْدَهُ زَيْنَبُ سِنِينَ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ، فَكَانَ إِذَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَا يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ تَارَةً مِنْ خِلَافٍ أَدْلَتْ عَلَيْهِ بِسُؤْدُدِهَا وَغَضَّتْ مِنْهُ بِوِلَايَتِهِ فَلَمَّا تَكَرَّرَ ذَلِكَ عَزَمَ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا وَجَاءَ يُعْلِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِعَزْمِهِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا مِنْ عِنْدِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ: أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى النَّبِيءِ ﷺ أَنَّهُ سَيَنْكِحُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ: نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيءِ ﷺ يُعْلِمُهُ أَنَّ اللَّهَ زَوَّجَهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وَذَلِكَ هُوَ مَا فِي نَفْسِهِ. وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ مُخْتَارُ بَكْرِ بْنِ الْعَلَاءِ الْقُشَيْرِيِّ (١) وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ. وَالظَّاهِرُ عِنْدِي: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الرُّؤْيَا كَمَا أُرِيَ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: «أَتَانِي بِكِ الْمَلَكُ فِي الْمَنَامِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ يَقُولُ لِي: هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَاكْشِفْ فَإِذَا هِيَ أَنْتِ فَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يمضه» . فَقَوْل النبيء ﷺ لِزَيْدٍ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» تَوْفِيَةً بِحَقِّ النَّصِيحَةِ وَهُوَ أَمْرُ نُصْحٍ وَإِشَارَةٍ بِخَيْرٍ لَا أَمْرُ تَشْرِيعٍ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﵊ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُتَصَرِّفٌ بِحَقِّ الْوَلَاءِ وَالصُّحْبَةِ لَا بِصِفَةِ التَّشْرِيعِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَدَاءُ هَذِهِ الْأَمَانَةِ لَا يَتَأَكَّدُ أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ زَيْنَبَ صَائِرَةٌ زَوْجًا لَهُ لِأَنَّ عِلْمَ النَّبِيءِ بِمَا سَيَكُونُ لَا يَقْتَضِي إِجْرَاءَهُ إرشاده أَوْ تَشْرِيعَهُ بِخِلَافِ عِلْمِهِ أَوْ ظَنّه فَإِن النبيء ﷺ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ أَبَا

стр. 7402

جَهْلٍ مَثَلًا لَا يُؤْمِنُ وَلَمْ يمنعهُ ذَلِك من أَنْ يُبَلِّغَهُ الرِّسَالَةَ وَيُعَاوِدَهُ الدَّعْوَةَ، وَلِأَنَّ رَغْبَتَهُ فِي حُصُولِ شَيْءٍ لَا تَقْتَضِي إِجْرَاءَ أَمْرِهِ عَلَى حَسَبِ رَغْبَتِهِ إِنْ كَانَتْ رَغْبَتُهُ تُخَالِفُ مَا يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَيْهِ، كَمَا كَانَ يَرْغَبُ أَنْ يقوم أحد بقتل عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ قَبْلَ أَن يسمع مِنْهُ إِعْلَانَهُ بِالتَّوْبَةِ مِنِ ارْتِدَادِهِ حِينَ جَاءَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَوْمَ الْفَتْحِ تَائِبًا. وَلِذَلِكَ كُلِّهِ لَا يُعَدُّ تَصْمِيمُ زَيْدٍ عَلَى طَلَاقِ زَيْنَب عصيانا للنبيء ﷺ لِأَنَّ أَمْرَهُ فِي ذَلِكَ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجِهِ. وَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا الْمَصِيرُ إِلَى إِشَارَةِ الْمُشِيرِ كَمَا اقْتَضَاهُ حَدِيثُ بَرِيرَةَ مَعَ زَوْجِهَا مُغِيثٍ إِذْ قَالَ لَهَا: «لَوْ رَاجَعْتِهِ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: لَا إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ» . وَقَوْلُهُ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ كَلَامٍ صَدَرَ مِنْ زَيْدٍ بِأَنْ جَاءَ زَيْدٌ مُسْتَشِيرًا فِي فِرَاقِ زَوْجِهِ، أَوْ مُعْلِمًا بِعَزْمِهِ عَلَى فِرَاقِهَا. وأَمْسِكْ عَلَيْكَ مَعْنَاهُ: لَازِمْ عِشْرَتَهَا، فَالْإِمْسَاكُ مُسْتَعَارٌ لِبَقَاءِ الصُّحْبَةِ تَشْبِيهًا لِلصَّاحِبِ بِالشَّيْءِ الْمُمْسَكِ بِالْيَدِ. وَزِيَادَةُ عَلَيْكَ لِدِلَالَةِ (عَلَى) عَلَى الْمُلَازَمَةِ وَالتَّمَكُّنِ مِثْلَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] أَوْ لِتَضَمُّنِ أَمْسِكْ مَعْنَى احْبِسْ، أَيِ ابْقِ فِي بَيْتِكَ زَوْجِكِ، وَأَمْرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَابِعٌ لِلْإِشَارَةِ بِإِمْسَاكِهَا، أَيِ اتَّقِ اللَّهَ فِي عِشْرَتِهَا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَلَا تَحِدْ عَنْ وَاجِبِ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ، أَيِ اتَّقِ اللَّهَ بِمُلَاحَظَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ [الْبَقَرَة: ٢٢٩] . وَجُمْلَةُ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ تَقُولُ. وَالْإِتْيَانُ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: وَتُخْفِي لِلدِّلَالَةِ عَلَى تَكَرُّرِ إِخْفَاءِ ذَلِكَ وَعَدَمِ ذِكْرِهِ وَالَّذِي فِي نَفْسِهِ عِلْمُهُ بِأَنَّهُ سَيَتَزَوَّجُ زَيْنَبَ وَأَنَّ زَيْدًا يُطَلِّقُهَا وَذَلِكَ سِرٌّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ لَيْسَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُهُ وَلَا مِمَّا للنَّاس فَائِدَة فِي عِلْمِهِ حَتَّى يُبَلِّغُوهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْ عَائِشَةَ وَلَا أَبَاهَا بِرُؤْيَا إِتْيَانِ الْمَلَكِ بِهَا فِي سَرقَة من حَرِيرٍ إِلَّا بَعْدَ أَن تزَوجهَا. فَمَا صدق «مَا فِي نَفْسِكَ» هُوَ التَّزَوُّجُ بِزَيْنَبَ وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي سَيُبْدِيهِ اللَّهُ

стр. 7403

لِأَنَّ اللَّهَ أَبْدَى ذَلِك فِي تزوج النبيء ﷺ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَتَزَوَّجُهَا وَلَمْ يُبِدِ اللَّهُ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَا أَخَفَاهُ فِي نَفسه أمرا يَصْلُحُ لِلْإِظْهَارِ فِي الْخَارِج، أَي أَن يَكُونُ مِنَ الصُّوَرِ الْمَحْسُوسَةِ. وَلَيْسَتْ جُمْلَةُ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي تَقُولُ كَمَا جَعَلَهُ فِي «الْكَشَّافِ» لِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَوَهُّمِ أَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ مَسَاقَ الْعِتَابِ عَلَى أَنْ يَقُولَ كَلَامًا يُخَالِفُ مَا هُوَ مَخْفِيٌّ فِي نَفْسِهِ وَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُ مَعْنًى، إِذْ يُفْضِي إِلَى أَنْ يَكُونَ اللَّائِقُ بِهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ وَهُوَ يُنَافِي مُقْتَضَى الِاسْتِشَارَةِ، وَيُفْضِي إِلَى الطَّعْنِ فِي صَلَاحِيَةِ زَيْنَبَ لِلْبَقَاءِ فِي عِصْمَةِ زَيْدٍ، وَقَدِ اسْتَشْعَرَ هَذَا صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» فَقَالَ: «فَإِنْ قُلْتَ فَمَاذَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْهُ أَن يَقُوله حِينَ قَالَ لَهُ زَيْدٌ: أُرِيدُ مُفَارَقَتَهَا، وَكَانَ مِنَ الْهُجْنَةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: افْعَلْ فَإِنِّي أُرِيدُ نِكَاحَهَا. قُلْتُ: كَانَ الَّذِي أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَصْمُتَ عِنْدَ ذَلِكَ أَوْ يَقُولَ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِشَأْنِكَ حَتَّى لَا يُخَالِفُ سِرَّهُ فِي ذَلِكَ عَلَانِيَتَهُ» اهـ وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَسَاسِ كَوْنِهِ عِتَابًا وَفِيهِ وَهَنٌ. وَجُمْلَةُ وَتَخْشَى النَّاسَ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ، أَيْ تُخَفِي مَا سَيُبْدِيهِ اللَّهُ وَتَخْشَى النَّاسَ مِنْ إِبْدَائِهِ. وَالْخَشْيَةُ هُنَا كَرَاهِيَةُ مَا يُرْجِفُ بِهِ الْمُنَافِقُونَ، وَالْكَرَاهَةُ مِنْ ضُرُوبِ الْخَشْيَةِ إِذِ الْخَشْيَةُ جِنْسٌ مَقُولٌ عَلَى أَفْرَادِهِ بِالتَّشْكِيكِ فَلَيْسَتْ هِيَ خَشْيَةُ خوف، إِذْ النبيء ﷺ لَمْ يَكُنْ يَخَافُ أَحَدًا مِنْ ظُهُورِ تَزَوُّجِهِ بِزَيْنَبَ، وَلَمْ تَكُنْ قَدْ ظَهَرَتْ أَرَاجِيفُ الْمُنَافِقِينَ بعد، وَلَكِن النبيء ﷺ كَانَ يَتَوَسَّمُ مِنْ خُبْثِهِمْ وَسُوءِ طَوِيَّتِهِمْ مَا يَبْعَثهُم على القالة فِي النَّاس لفتنة الْأمة، فَكَانَ يعلم مَا سيقولونه ويمتعض مِنْهُ، كَمَا كَانَ مِنْهُمْ فِي قَضِيَّةِ الْإِفْكِ، وَلَمْ تَكُنْ خَشْيَةً تَبْلُغُ بِهِ مَبْلَغَ صَرْفِهِ عَمَّا يَرْغَبُهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي تَزَوُّجِ زَيْنَبَ بَعْدَ طَلَاقِ زَيْدٍ، وَلَكِنَّهَا اسْتِشْعَارٌ فِي النَّفْسِ وَتَقْدِيرٌ لِمَا سَيُرْجِفُهُ الْمُنَافِقُونَ. وَالتَّعْرِيفُ فِي النَّاسَ لِلْعَهْدِ، أَيْ تَخْشَى الْمُنَافِقِينَ، أَيْ يُؤْذُوكَ بِأَقْوَالِهِمْ. وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ مُعْتَرَضَةٌ لِمُنَاسَبَةِ جَرَيَانِ ذِكْرِ خَشْيَةِ النَّاسِ، وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ وَلَيْسَتْ وَاوَ الْحَالِ، فَمَعْنَى الْآيَةِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ

стр. 7404

وَاخْشَوْنِ [الْمَائِدَة: ٤٤] . وَحَمْلُهَا عَلَى مَعْنَى الْحَالِ هُوَ الَّذِي حَمَلَ كَثِيرًا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى جَعْلِ الْكَلَام عتابا للنبيء ﷺ . وأَحَقُّ اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ الْمُفَاضَلَةِ فَهُوَ بِمَعْنَى حَقِيقٍ، إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ السَّابِقِ مَا يُفِيدُ وُقُوعَ إِيثَارِ خَشْيَةِ النَّاسِ عَلَى خَشْيَةِ اللَّهِ، وَلَا مَا يُفِيدُ تَعَارُضًا بَيْنَ الْخَشْيَتَيْنِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى تَرْجِيحِ خَشْيَةِ اللَّهِ عَلَى خَشْيَةِ النَّاسِ، وَالْمَعْنَى: وَاللَّهُ حَقِيقٌ بِأَنْ تَخْشَاهُ. وَلَيْسَ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ قَدَّمَ خَشْيَةَ النَّاسِ عَلَى خَشْيَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُ شَيْئًا فَعَمِلَ بِخِلَافِهِ. وَبِهَذَا تعلم أَن النبيء ﷺ مَا فَعَلَ إِلَّا مَا يُرْضِي اللَّهَ، وَقَدْ قَامَ بِعَمَلِ الصَّاحِبِ النَّاصِحِ حِينَ أَمَرَ زَيْدًا بِإِمْسَاكِ زَوْجِهِ وَانْطَوَى عَلَى عِلْمٍ صَالِحٍ حِينَ خشِي مَا سيفترصه الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْقَالَةِ إِذَا تَزَوَّجَ زَيْنَبَ خُفْيَةً أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ فِتْنَةً لِضُعَفَاءِ الْإِيمَانِ كَقَوْلِهِ لِلرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ رَأَيَاهُ فِي اللَّيْلِ مَعَ زَيْنَبَ فَأَسْرَعَا خُطَاهُمَا فَقَالَ: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ زَيْنَبُ. فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا وَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مجْرى الدَّم وَإِنِّي خَشِيَتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبكُمَا» . فمقام النبيء ﷺ فِي الْأُمَّةِ مَقَامُ الطَّبِيبِ النَّاصِحِ فِي بِيمَارِسْتَانَ يَحْوِي أَصْنَافًا مِنَ الْمَرْضَى إِذَا رَأَى طَعَامًا يُجْلَبُ لِمَا لَا يَصْلُحُ بِبَعْضِ مَرْضَاهُ أَنْ يَنْهَى عَنْ إِدْخَالِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ مِنَ الْمَرْضَى مَنْ لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ بِمَرَضِهِ وَيَزِيدُ فِي عِلَّتِهِ أَوْ يُفْضِي إِلَى انْتِكَاسِهِ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ: وَتَخْشَى النَّاسَ عِتَابٌ وَلَا لَوْمٌ، وَلَكِنَّهُ تَذْكِيرٌ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ تَوَقِّيهِ قَالَةَ الْمُنَافِقِينَ. وَحَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى مَعْنَى العتاب وَلَيْسَ من سِيَاقِ الْكَلَامِ مَا يَقْتَضِيهِ فَأَحْسَبُهُمْ مُخْطِئِينَ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ تَشْجِيعٌ لَهُ وَتَحْقِيرٌ لِأَعْدَاءِ الدِّينِ وَتَعْلِيمٌ لَهُ بِأَنْ يَمْضِيَ فِي سَبِيلِهِ وَيَتَنَاوَلَ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ وَلِرُسُلِهِ مِنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ مُبَاحٌ مِنْ مَرْغُوبَاتِهِمُ وَمَحَبَّاتِهِمْ إِذَا لَمْ يَصُدُّهُمْ شَيْء من ذَلِك عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَا كانَ عَلَى النَّبِيءِ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ [الْأَحْزَاب: ٣٨، ٣٩] ،

стр. 7405

وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعْرِضَ عَنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ، وَعَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشُّعَرَاء: ٣] ، فَهَذَا جَوْهَرُ مَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ الْآيَةُ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يُشِيرُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَتْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَخْبَارٌ مَخْلُوطَةٌ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَتَسَرَّبَ إِلَى نَفْسِكَ مِنْهَا أُغْلُوطَةٌ، فَلَا تُصْغِ ذِهْنَكَ إِلَى مَا أَلْصَقَهُ أَهْلُ الْقِصَصِ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ تَبْسِيطٍ فِي حَال النبيء ﷺ حِينَ أَمَرَ زَيْدًا بِإِمْسَاكِ زَوْجِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مُخْتَلَقَاتِ الْقَصَّاصِينَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا من الْقصاص لِتَزْيِينِ الْقِصَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ مِنْ أَرَاجِيفِ الْمُنَافِقِينَ وَبُهْتَانِهِمْ فَتَلَقَّفَهُ الْقَصَّاصُ وَهُوَ الَّذِي نَجْزِمُ بِهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّكَ لَا تَجِدُ فِيمَا يُؤْثَرُ مِنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَثَرًا مُسْندًا إِلَى النبيء ﷺ أَوْ إِلَى زَيْدٍ أَوْ إِلَى زَيْنَبَ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَة رِجَالهمْ وَنِسَائِهِمْ، وَلكنهَا كلهَا قِصَصٌ وَأَخْبَارٌ وَقِيلَ وَقَالَ. وَلِسُوءِ فَهْمِ الْآيَةِ كَبُرَ أَمْرُهَا عَلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَفَزَّتْ كَثِيرًا مِنَ الْمَلَاحِدَةِ وَأَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَدْ تَصَدَّى أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْأَحْكَامِ» لِوَهْنِ أَسَانِيدِهَا وَكَذَلِكَ عِيَاضٌ فِي «الشِّفَاءِ» . وَالْآنَ نُرِيدُ أَنْ نَنْقُلَ مَجْرَى الْكَلَامِ إِلَى التَّسْلِيمِ بِوُقُوعِ مَا رُوِيَ مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَاهِيَةِ السَّنَدِ لِكَيْ لَا نَتْرُكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُهْوَاةً لِأَحَدٍ. وَمَجْمُوعُ الْقِصَّةِ مِنْ ذَلِك: أَن النبيء ﷺ جَاءَ بَيْتَ زَيْدٍ يَسْأَلُ عَنْهُ فَرَأى زَيْنَب متفضلة، وَقِيلَ رَفَعَتِ الرِّيحُ سِتَارَ الْبَيْت فَرَأى النبيء ﵊ زَيْنَبَ فَجْأَةً عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ فَأَعْجَبَهُ حَسْنُهَا وَسَبَّحَ لِلَّهِ، وَأَنَّ زَيْنَبَ عَلِمَتْ أَنَّهُ وَقَعَتْ مِنْهُ مَوْقِعَ الِاسْتِحْسَانِ وَأَنَّ زَيْدًا عَلِمَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِيُؤْثِرَ بهَا مَوْلَاهُ النبيء ﷺ ، وَأَنَّهُ لما أخبر النبيء ﷺ بِذَلِكَ قَالَ لَهُ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ (وَهُوَ يَوَدُّ طَلَاقَهَا فِي قَلْبِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّهَا صَائِرَةٌ زَوْجًا لَهُ) . وَعَلَى تَفَاوُتِ أَسَانِيدِهِ فِي الْوَهْنِ أُلْقِيَ إِلَى النَّاسِ فِي الْقِصَّةِ فَانْتُقِلَ غَثُّهُ وَسَمِينُهُ، وَتُحُمِّلَ خِفُّهُ وَرَزِينُهُ، فَأَخَذَ مِنْهُ كُلٌّ مَا وَسِعَهُ فَهْمُهُ وَدِينُهُ، وَلَوْ كَانَ كُلُّهُ وَاقِعًا لَمَا كَانَ فِيهِ مَغْمَزٌ فِي مقَام النبوءة.

стр. 7406

فَأَمَّا رُؤْيَتُةُ زَيْنَبَ فِي بَيْتِ زَيْدٍ إِنْ كَانَتْ عَنْ عَمْدٍ فَذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ فِي بَيْتِ زَيْدٍ، فَإِنَّ الِاسْتِئْذَانَ وَاجِبٌ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ رَأَى وَجْهَهَا وَأَعْجَبَتْهُ وَلَا أَحْسَبُ ذَلِكَ لِأَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يَكُنَّ يَسْتُرْنَ وُجُوهَهُنَّ قَالَ تَعَالَى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها [النُّور: ٣١] (أَيِ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ) وَزَيْدٌ كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاس اتِّصَالًا بالنبيء، وَزَيْنَبُ كَانَتِ ابْنَةَ عَمَّتِهِ وَزَوْجَ مَوْلَاهُ وَمَتْبَنَاهُ، فَكَانَتْ مُخْتَلِطَةً بِأَهْلِهِ، وَهُوَ الَّذِي زَوَّجَهَا زَيْدًا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَا رَآهَا إِلَّا حِينَ جَاءَ بَيْتَ زَيْدٍ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّيحُ رَفَعَتِ السِّتْرَ فَرَأَى مِنْ مَحَاسِنِهَا وَزِينَتِهَا مَا لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ مِنْ قَبْلُ، فَكَذَلِكَ لَا عَجَبَ فِيهِ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْفَجْأَةِ لَا مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهَا، وَحُصُولَ الِاسْتِحْسَانِ عَقِبَ النَّظَرِ الَّذِي لَيْسَ بِحَرَامٍ أَمْرٌ قَهْرِيٌّ لَا يَمْلِكُ الْإِنْسَانُ صَرْفَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَلِ اسْتِحْسَانُ ذَاتِ الْمَرْأَةِ إِلَّا كَاسْتِحْسَانِ الرِّيَاضِ وَالْجَنَّاتِ وَالزُّهُورِ وَالْخَيْلِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا سَمَّاهُ اللَّهُ زِينَةً إِذَا لَمْ يُتْبِعُهُ النُّظَّارُ نَظْرَةً. وَأَمَّا مَا خَطَرَ فِي نفس النبيء ﷺ مِنْ مَوَدَّةِ تَزَوُّجِهَا فَإِنْ وَقَعَ فَمَا هُوَ بِخَطْبٍ جَلِيلٍ لِأَنَّهُ خَاطِرٌ لَا يَمْلِكُ الْمَرْءُ صَرْفَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَقَدْ عَلِمَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَتَخْشَى النَّاسَ لَيْسَ بِلَوْمٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ لَيْسَ فِيهِ لَوْمٌ وَلَا تَوْبِيخٌ عَلَى عَدَمِ خَشْيَةِ اللَّهِ وَلَكِنَّهُ تَأْكِيدٌ لِعَدَمِ الِاكْتِرَاثِ بِخَشْيَةِ النَّاسِ. وَإِنَّمَا تَظْهَرُ مَجَالَاتُ النُّفُوسِ فِي مَيَادِينِ الْفُتُوَّةِ بِمِقْدَارِ مُصَابَرَتِهَا عَلَى الْكَمَالِ فِي مُقَاوَمَةِ مَا يَنْشَأُ عَنْ تِلْكَ الْمَرَائِي مِنْ ضَعْفٍ فِي النُّفُوسِ وَخَوْرِ الْعَزَائِمِ وَكَفَاكَ دَلِيلًا عَلَى تَمَكُّنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا الْمَقَامِ وَهُوَ أَفْضَلُ مَنْ تَرْسُخُ قَدَمُهُ فِي أَمْثَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُ زَيْدًا فِي إِمْسَاكِ زَوْجِهِ مُشِيرًا عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ خَيْرٌ لَهُ وَزَيْدٌ يَرَى ذَلِكَ إِشَارَةً وَنُصْحًا لَا أَمْرًا وَشَرْعًا. وَلَوْ صَحَّ أَنَّ زَيْدًا علم مَوَدَّة النبيء ﷺ تَزَوُّجَ زَيْنَبَ فَطَلَّقَهَا زَيْدٌ لِذَلِكَ دُونَ أَمر من النبيء ﵊ وَلَا التَّمَاسٍ لَمَا كَانَ عَجَبًا فَإِنَّهُمْ كَانُوا يؤثرون النبيء ﷺ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ تَنَازَلَ لَهُ دَحْيَةُ الْكَلْبِيُّ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ لَهُ فِي سَهْمِهِ مِنْ مَغَانِمِ خَيْبَرَ، وَقَدْ عَرَضَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ على عبد الرحمان بْنِ عَوْفٍ أَن يتنازل لَهُ عَنْ إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ يَخْتَارُهَا لِلْمُؤَاخَاةِ الَّتِي آخى النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 7407

بَيْنَهُمَا. وَأما إِشَارَة النبيء ﵊ عَلَى زَيْدٍ بِإِمْسَاكِ زَوْجِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا سَتَصِيرُ زَوْجَةً لَهُ فَهُوَ أَدَاءٌ لِوَاجِبِ أَمَانَةِ الِاسْتِنْصَاحِ وَالِاسْتِشَارَةِ، وَقَدْ يُشِيرُ الْمَرْءُ بِالشَّيْءِ يَعْلَمُهُ مَصْلَحَةً وَهُوَ يُوقِنُ أَنَّ إِشَارَتَهُ لَا تُمْتَثَلُ. والتخليط بَين الْحَالين تَخْلِيطٌ بَيْنَ التَّصَرُّفِ الْمُسْتَنِدِ لِمَا تَقْتَضِيهِ ظَوَاهِرُ الْأَحْوَالِ وَبَيْنَ مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ فِي الْبَاطِنِ، وَأَشْبَهُ مَقَامٍ بِهِ مَقَامُ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ فِي الْقَضَايَا الثَّلَاثِ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ، كَمَا تَوَهَّمَهُ مَنْ لَا يُحْسِنُ، لِأَنَّ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ الْمَذْمُومَةِ مَا كَانَتْ مِنِ الْخِيَانَةِ وَالْكَيْدِ. وَلَيْسَ هُوَ أَيْضًا مِنَ الْكَذِبِ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيءِ ﵊ لِزَيْدٍ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ لَا يُنَاقِضُ رَغْبَتَهُ فِي تَزَوُّجِهَا وَإِنَّمَا يُنَاقِضُهُ لَوْ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُمْسِكَ زَوْجَكَ، إِذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِشَارَةَ طَلَبُ النَّظَرِ فِيمَا هُوَ صَلَاحٌ لِلْمُسْتَشِيرِ لَا مَا هُوَ صَلَاحٌ لِلْمُسْتَشَارِ. وَمِنْ حَقِّ الْمُسْتَشَارِ إِعْلَامُ الْمُسْتَشِيرِ بِمَا هُوَ صَلَاحٌ لَهُ فِي نَظَرِ الْمُشِيرِ، وَإِنْ كَانَ صَلَاحُ الْمُشِيرِ فِي خِلَافِهِ، فَضْلًا عَلَى كَوْنِ مَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِنَّمَا هُوَ تَخَالُفٌ بَيْنَ النَّصِيحَةِ وَبَيْنَ مَا عَلِمَهُ النَّاصِحُ مِنْ أَنَّ نُصْحَهُ لَا يُؤَثِّرُ. فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ كَاتِمًا شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ الْآيَةَ. قُلْتُ: أَرَادَتْ أَنَّ رَغْبَةَ النَّبِيءِ ﷺ فِي تَزَوُّجِ زَيْنَبَ أَوْ إِعْلَامَ اللَّهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ كَانَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِذْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ إِلَى أَحَدٍ. وَعَلَى ذَلِكَ السِّرِّ انْبَنَى مَا صَدَرَ مِنْهُ لزيد من قَوْلِهِ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ. فَلَمَّا طَلَّقَهَا زَيْدٌ وَرَامَ تَزَوُّجَهَا عَلِمَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ سَيَرْجُفُونَ بِالسُّوءِ، فَلَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِذِكْرِ ذَلِكَ لِلْأُمَّةِ وَتَبْلِيغِ خَبَرَهُ بَلَّغَهُ وَلَمْ يَكْتُمْهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَتْمِهِ تَعْطِيلُ شَرْعٍ وَلَا نَقْصُ مَصْلَحَةٍ، فَلَوْ كَانَ كَاتِمًا لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي هِيَ حِكَايَةُ سِرٍّ فِي نَفْسِهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ وَحْيًا بَلَّغَهُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ كُلِّ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْحَقَائِقِ نِصَابَهَا، وَلِلتَّصَرُّفَاتِ مَوَانِعَهَا وَأَسْبَابَهَا، وَأَنَّ النَّاسَ قَدْ تَمْتَلِكُهُمُ الْعَوَائِدُ، فَتَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إِدْرَاكِ الْفَوَائِدِ، فَإِذَا تَفَشَّتْ أَحْوَالٌ فِي

стр. 7408

عَادَاتِهِمُ اسْتَحْسَنُوهَا وَلَوْ سَاءَتْ، وَإِذَا نَدَرَتِ الْمَحَامِدُ دَافَعُوهَا إِذَا رَامَتْ مُدَاخَلَةَ عُقُولِهِمْ وَشَاءَتْ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيفِ الْفِطْرَةِ عَنْ وَضْعِهَا، وَالْمُبَاعَدَةِ بَيْنَ الْحَقَائِقِ وَشَرْعِهَا. وَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَخَذَ يَغْزُو تِلْكَ الْجُيُوشَ لِيَقْلَعَهَا مِنْ أَقَاصِيهَا، وَيُنْزِلُهَا مِنْ صَيَاصِيهَا، فَالْحَسَنُ الْمَشْرُوعُ مَا تَشْهَدُ الْفِطْرَةُ لِحُسْنِهِ، وَالْقَبِيحُ الْمَمْنُوعُ الَّذِي أَمَاتَتْهُ الشَّرِيعَةُ وَأَمَرَتْ بِدَفْنِهِ. فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ الْآيَةَ، وَقَدْ طُوِيَ كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، وَتَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْكَ مَا أَشَرْتَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُمْسِكْهَا. وَمَعْنَى قَضى اسْتَوْفَى وَأَتَمَّ. وَاسْمُ زَيْدٌ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِأَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: فَلَمَّا قَضَى مِنْهَا وَطَرًا، أَيْ قَضَى الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ وَأَنْعَمَتَ عَلَيْهِ، فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ زَيْدٍ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ السُّهَيْلِيُّ: كَانَ يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَلَمَّا نُزِعَ عَنْهُ هَذَا الشَّرَفُ حِينَ نَزَلَ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الْأَحْزَاب: ٥] وَعَلِمَ اللَّهُ وَحَشَتَهُ مِنْ ذَلِكَ شَرَّفَهُ بِخَصِيصَةٍ لَمْ يَكُنْ يَخُصُّ بِهَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّد ﷺ وَهِي أَنه سَمَّاهُ فِي الْقُرْآنِ، وَمَنْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِاسْمِهِ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ نُوِّهَ غَايَةَ التَّنْوِيهِ اهـ. وَالْوَطَرُ: الْحَاجَةُ الْمُهِمَّةُ، وَالنَّهْمَةُ قَالَ النَّابِغَةُ: فَمَنْ يَكُنْ قَدْ قَضَى مِنْ خَلَّةٍ وَطَرًا ... فَإِنَّنِي مِنْكِ مَا قَضَّيتُ أَوْطَارِي وَالْمَعْنَى: فَلَمَّا اسْتَتَمَّ زَيْدٌ مُدَّةَ مُعَاشَرَةِ زَيْنَبَ فَطَلَّقَهَا، أَيْ فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ لَهُ وَطَرٌ مِنْهَا.

стр. 7409

وَمَعْنَى زَوَّجْناكَها إِذْنًا لَكَ بِأَنْ تَتَزَوَّجَهَا، وَكَانَتْ زَيْنَبُ أَيِّمًا فَتَزَوَّجَهَا الرَّسُولُ ﵊ بِرِضَاهَا. وَذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ: أَنَّهَا زَوَّجَهَا إِيَّاهُ أَخُوهَا أَبُو أَحْمَدَ الضَّرِيرِ وَاسْمُهُ عَبْدُ بْنُ جَحْشٍ، فَلَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِتَزَوُّجِهَا قَالَ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ: مَا أَجِدُ فِي نَفْسِي أَوْثَقَ مِنْكَ فَاخْطُبْ زَيْنَبَ عَلَيَّ، قَالَ زَيْدٌ: فَجِئْتُهَا فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي تَوْقِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَذْكُرُكِ. فَقَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي، وَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا وَصَلَّتْ صَلَاةَ الِاسْتِخَارَةِ فَرَضِيَتْ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ فَبَنَى بِهَا. وَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ على نسَاء النبيء ﷺ وَتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ آبَاؤُكُنَّ وَزَوَّجَنِي رَبِّي. وَهَذَا يَقْتَضِي إِنْ لَمْ يَتَوَلَّ أَخُوهَا أَبُو أَحْمَدَ تَزْوِيجَهَا فَتَكُونُ هَذِه خُصُوصِيَّة للنبيء ﷺ عِنْدَ الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ الْوَلِيَّ فِي النِّكَاحِ كَالْمَالِكِيَّةِ دُونَ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ. وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الرِّوَايَات أنّ النبيء ﵊ أَصْدَقَهَا فَعَدَّهُ بَعْضُ أَهْلِ السَّيَرِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﷺ فَيَكُونُ فِي تَزَوُّجِهَا خُصُوصِيَّتَانِ نَبَوِيَّتَانِ. وَأَشَارَ إِلَى حِكْمَةِ هَذَا التَّزْوِيجِ فِي إِقَامَةِ الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ إِبْطَالُ الْحَرَجِ الَّذِي كَانَ يَتَحَرَّجُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ زَوْجَةَ دَعِيِّهِ، فَلَمَّا أَبْطَلَهُ اللَّهُ بِالْقَوْلِ إِذْ قَالَ: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ [الْأَحْزَاب: ٤] أَكَّدَ إِبْطَالَهُ بِالْفِعْلِ حَتَّى لَا يَبْقَى أَدْنَى أَثَرٍ مِنَ الْحَرَجِ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّ ذَاكَ وَإِنْ صَارَ حَلَالًا فَيَنْبَغِي التَّنَزُّهُ عَنْهُ لِأَهْلِ الْكَمَالِ، فَاحْتِيطَ لِانْتِفَاءِ ذَلِكَ بِإِيقَاعِ التَّزَوُّجِ بِامْرَأَةِ الدَّعِيِّ مِنْ أَفْضَلِ النَّاس وَهُوَ النبيء ﷺ . وَالْجَمْعُ بَيْنَ اللَّامِ وَكَيْ تَوْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَتِ الْعِلَّةُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَحْكَامِ التَّشْرِيعِيَّةِ أَنْ تَكُونَ سَوَاء بَين النبيء ﷺ وَالْأُمَّةِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ. وَجُمْلَةُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ زَوَّجْناكَها. وَأَمْرُ اللَّهِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ من أَمر بِهِ مِنْ إِبَاحَةِ تَزَوُّجِ مَنْ كُنَّ حَلَائِلَ الأدعياء، فَهُوَ بِمَعْنى الْأَمْرِ التَّشْرِيعِيِّ فِيهِ. وَمَعْنَى مَفْعُولًا أَنَّهُ مُتَّبَعٌ ممتثل فَلَا يتنزه أَحَدٌ عَنْهُ، قَالَ تَعَالَى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [الْأَعْرَاف: ٣٢] . وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْأَمْرُ التَّكْوِينِيُّ وَهُوَ مَا عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ وَقَدَّرَ أَسْبَابَ كَوْنِهِ،

стр. 7410

فَيَكُونُ مَعْنَى مَفْعُولًا وَاقِعًا، وَالْأَمْرُ مِنْ إِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، وَالْمَفْعُولُ هُوَ الْمُسَبَّبُ. وَتَزَوُّجُ النَّبِيءِ ﷺ زَيْنَبَ مِنْ أَمْرِ الله بالمعنيين. [٣٨، ٣٩] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : الْآيَات ٣٨ إِلَى ٣٩] مَا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٣٩) اسْتِئْنَافٌ لِزِيَادَةِ بَيَان مُسَاوَاة النبيء ﷺ لِلْأُمَّةِ فِي إِبَاحَةِ تَزَوُّجِ مُطَلَّقَةِ دَعِيِّهِ وَبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يخل بِصفة النبوءة لِأَنَّ تَنَاوُلَ الْمُبَاحَاتِ مِنْ سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً [الْمُؤْمِنُونَ: ٥١] ، وَأَن النبيء إِذَا رَامَ الِانْتِفَاعَ بِمُبَاحٍ لِمَيْلِ نَفْسِهِ إِلَيْهِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ لِئَلَّا يُجَاهِدَ نَفْسَهُ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمُجَاهِدَةِ النَّفْسِ فِيهِ، لِأَنَّ الْأَلْيَقَ بِهِ أَنْ يَسْتَبْقِيَ عَزِيمَتَهُ وَمُجَاهَدَتَهُ لِدَفْعِ مَا أُمِرَ بِتَجَنُّبِهِ. وَفِي هَذَا الِاسْتِئْنَافِ ابْتِدَاءٌ لِنَقْضِ أَقْوَالِ الْمُنَافِقين أَن النبيء ﷺ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ. وَمَعْنَى: فَرَضَ اللَّهُ لَهُ قَدَّرَهُ، إِذْ أَذِنَهُ بِفِعْلِهِ. وَتَعْدِيَةُ فِعْلِ فَرَضَ بِاللَّامِ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنى بِخِلَاف تعديته بِحَرْفِ (عَلَى) كَقَوْلِهِ: قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ [الْأَحْزَاب: ٥٠] . وَالسُّنَّةُ: السِّيرَةُ مِنْ عَمَلٍ أَوْ خُلُقٍ يُلَازِمُهُ صَاحِبُهُ. وَمَضَى الْقَوْلُ فِي هَلِ السُّنَّةُ اسْمٌ جامد أَو اسْم مَصْدَرٌ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٣٧] ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَانْتِصَابُ سُنَّةَ اللَّهِ هُنَا عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ وُضِعَ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى مَعْنَى فِعْلٍ وَمَصْدَرٍ. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» كَقَوْلِهِمْ: تُرْبًا وَجَنْدَلًا، أَيْ فِي الدُّعَاءِ، أَيْ تَرِبَ تُرْبًا. وَأَصْلُهُ: تُرْبٌ لَهُ وَجَنْدَلٌ لَهُ. وَجَاءَ عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَصْلِ قَوْلُ الْمَعَرِّي: تَمَنَّتْ قُوَيْقًا وَالسَّرَاةُ حِيَالَهَا ... تُرَابٌ لَهَا مِنْ أَيَنُقٍ وَجِمَالٍ

стр. 7411

سَاقَهُ مَسَاقَ التَّعَجُّبِ الْمَشُوبِ بِغَضَبٍ. وَعَلَى الثَّانِي فَانْتِصَابُ سُنَّةَ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ فَالْفِعْلُ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَصْدَرُ أَوْ نَائِبُهُ. فَالتَّقْدِيرُ: سَنَّ اللَّهُ سُنَّتَهُ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مُتَّبِعٌ سُنَّةَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ سَبَقُوهُ اتِّبَاعًا لِمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ كَمَا فَرَضَ لَهُمْ، أَيْ أَبَاحَ. وَالْمُرَادُ بِ الَّذِينَ خَلَوْا: الْأَنْبِيَاءُ بِقَرِينَةِ سِيَاق لفظ النبيء، أَيِ الَّذِينَ خَلَوْا من قبل النبوءة، وَقَدْ زَادَهُ بَيَانًا قَوْلُهُ: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، فَالْأَنْبِيَاءُ كَانُوا مُتَزَوِّجِينَ وَكَانَ لِكَثِيرٍ مِنْهُمْ عِدَّةُ أَزْوَاجٍ، وَكَانَ بَعْضُ أَزْوَاجِهِمْ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ بَعْضِهِنَّ. فَإِنْ وَقْفَنَا عِنْدَ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا بَيَّنَتْهُ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ فَالْعِبْرَةُ بِأَحْوَالِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ. وَإِنْ تَلَقَّيْنَا بِشَيْءٍ مِنَ الْإِغْضَاءِ بَعْضَ الْآثَارِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي أُلْصِقَتْ بِقِصَّةِ تَزَوُّجِ زَيْنَبَ كَانَ دَاوُدُ ﵇ عِبْرَةً بِالْخُصُوصِ فَقَدْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَاتٌ كَثِيرَاتٌ وَكَانَ قَدْ أَحَبَّ أَنْ يَتَزَوَّجَ زَوْجَةَ (أُورْيَا) وَهِيَ الَّتِي ضَرَبَ اللَّهُ لَهَا مَثَلًا بِالْخَصْمِ الَّذِينَ تُسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ وَتَشَاكَوْا بَيْنَ يَدَيْهِ. وَسَتَأْتِي فِي سُورَةِ ص، وَقَدْ ذُكِرَتِ الْقِصَّةُ فِي «سِفْرِ الْمُلُوكِ» . وَمَحَلُّ التَّمْثِيلِ بِدَاوْدَ فِي أَصْلِ انْصِرَافِ رَغْبَتِهِ إِلَى امْرَأَةٍ لَمْ تَكُنْ حَلَالًا لَهُ فَصَارَتْ حَلَالًا لَهُ، وَلَيْسَ مَحِلُّ التَّمْثِيلِ فِيمَا حَفَّ بِقِصَّةِ دَاوُدَ مِنْ لَوْمِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ: وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ [ص: ٢٤] الْآيَةَ لِأَنَّ ذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي قِصَّةِ تَزَوُّجِ زَيْنَبَ. وَجُمْلَةُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً مُعْتَرضَة بَين الْمَوْصُول وَالصِّفَةِ إِنْ كَانَتْ جُمْلَةُ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ صِفَةً لِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، أَوْ تَذْيِيلٌ مِثْلَ جُمْلَةِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الْأَحْزَاب: ٣٧] إِنْ كَانَتْ جُمْلَةُ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ مُسْتَأْنَفَةً كَمَا سَيَأْتِي، وَالْقَوْلُ فِيهِ مِثْلُ نَظِيرِهِ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا.

стр. 7412

وَالْقَدَرُ بِفَتْحِ الدَّالِ: إِيجَادُ الْأَشْيَاءِ عَلَى صِفَةٍ مَقْصُودَةٍ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقَدْرِ بِسُكُونِ الدَّالِ وَهُوَ الْكِمِّيَّةُ الْمُحَدَّدَةُ الْمَضْبُوطَةُ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فِي سُورَةِ الرَّعْدِ [١٧] وَقَوْلِهِ: وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [٢١] . وَلَمَّا كَانَ مِنْ لَوَازِمِ هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا مُحْكَمًا كَثُرَتِ الْكِنَايَةُ بِالْقَدَرِ عَنِ الْإِتْقَانِ وَالصُّدُورِ عَنِ الْعِلْمِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ» ، أَيْ مِنَ اللَّهِ. وَاصْطَلَحَ عُلَمَاءُ الْكَلَامِ: أَنَّ الْقَدَرَ اسْمٌ لِلْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَيُطْلِقُونَهُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْقَدَرُ وَهُوَ الْمَقْدُورُ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَالْمَعْنَى: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مُقَدَّرًا عَلَى حِكْمَةٍ أَرَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ، فَاللَّهُ لَمَّا أَمَرَ رَسُولَهُ ﵊ بِتَزَوُّجِ زَيْنَبَ الَّتِي فَارَقَهَا زَيْدٌ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَائِقٌ بِرَسُولِهِ ﵊ كَمَا قَدَّرَ لِأَسْلَافِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. وَفِي قَوْلِهِ: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ جِيءَ بِالْمَوْصُولِ دُونَ اسْمِ الْإِشَارَةِ أَوِ الضَّمِيرِ لِمَا فِي هَذِهِ الصِّلَةِ مِنْ إِيمَاءٍ إِلَى انْتِفَاءِ الْحَرَجِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَنَاوُلِ الْمُبَاحِ بِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ مِنْهُمْ تَبْلِيغَ الرِّسَالَةِ وَخَشْيَةَ اللَّهِ بِتَجَنُّبِ مَا نَهَى عَنْهُ وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ إِشْقَاقَ نُفُوسِهِمْ بِتَرْكِ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي يُرِيدُونَهَا، وَلَا حَجْبَ وِجْدَانِهِمْ عَنْ إِدْرَاكِ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنِ الْحَسَنِ وَقُبْحِ الْقَبِيحِ، وَلَا عَنِ انْصِرَافِ الرَّغْبَةِ إِلَى تَنَاوُلِ مَا حَسُنَ لَدَيْهِمْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حُدُودِ الْإِبَاحَةِ، وَلَا كلّفهم مُرَاعَاة ميول النَّاسِ وَمُصْطَلَحَاتِهِمْ وَعَوَائِدِهِمُ الرَّاجِعَةِ إِلَى الْحَيْدَةِ بِالْأُمُورِ عَنْ مَنَاهِجِهَا فَإِنَّ فِي تَنَاوُلِهِمْ رَغَبَاتِهِمُ الْمُبَاحَةَ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى النَّشَاطِ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَاتِ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ، أَيْ لَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا خَشْيَةً تَقْتَضِي فِعْلَ شَيْءٍ أَوْ تَرْكَهُ. ثُمَّ إِنَّ جُمْلَةَ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ إِلَى آخِرِهَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلَّذِينِ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، أَيِ الْأَنْبِيَاءِ. وَإِذْ قَدْ علم أَن النبيء ﷺ مُتَّبِعٌ مَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ اتِّبَاعَهُ مِنْ سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ عُلِمَ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ بِحُكْمِ قِيَاسِ الْمُسَاوَاةِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْخَشْيَةَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: وَتَخْشَى النَّاسَ [الْأَحْزَاب: ٣٧] لَيْسَتْ خَشْيَةَ خَوْفٍ تُوجِبُ تَرْكَ مَا يَكْرَهُهُ النَّاسُ أَوْ فِعْلَ مَا يَرْغَبُونَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ النَّاسُ محتسبين على النبيء عَلَيْهِ الصَّلَاةُ

стр. 7413

وَالسَّلَامُ وَلَكِنَّهَا تَوَقُّعُ أَنْ يَصْدُرَ مِنَ النَّاسِ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ مَا يكرههُ النبيء ﵊ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً، أَيِ اللَّهُ حَسِيبُ الْأَنْبِيَاءِ لَا غَيْرُهُ. هَذَا هُوَ الْوَجْهُ فِي سِيَاقِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَاتِ، فَلَا تَسْلُكْ فِي مَعْنَى الْآيَةِ مَسْلَكًا يُفْضِي بِكَ إِلَى تَوَهُّمِ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ حَصَلَتْ مِنْهُ خَشْيَةُ النَّاسِ وَأَنَّ اللَّهَ عَرَّضَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ تَصْرِيحًا بَعْدَ أَنْ عَرَّضَ بِهِ تَلْمِيحًا فِي قَوْلِهِ: وَتَخْشَى النَّاسَ [الْأَحْزَاب: ٣٧] بَلِ النَّبِيءُ ﵊ لَمْ يَكْتَرِثْ بِهِمْ وَأَقَدَمَ عَلَى تَزَوُّجِ زَيْنَبَ، فَكُلُّ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي مَا نَزَلَتْ إِلَّا بَعْدَ تَزَوُّجِ زَيْنَبَ كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْله: زَوَّجْناكَها [الْأَحْزَاب: ٣٧] وَلَمْ يَتَأَخَّرْ إِلَى نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَإِظْهَارُ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ فِي قَوْلِهِ: وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً حَيْثُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِقَصْدِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ جَارِيَةً مَجْرَى الْمَثَلِ وَالْحِكْمَةِ. وَإِذْ قَدْ كَانَ هَذَا وَصْفَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَيْسَ فِي الْآيَة مجَال للاستدراك عَلَيْهَا بِمَسْأَلَةِ التُّقْيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [آل عمرَان: ٢٨] . [٤٠] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٤٠] مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٤٠) اسْتِئْنَافٌ لِلتَّصْرِيحِ بِإِبْطَالِ أَقْوَالِ الْمُنَافِقِينَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَمَا يُلْقِيهِ الْيَهُودُ فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الشَّكِّ. وَهُوَ نَاظِرٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ [الْأَحْزَاب: ٤] . وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ قَطْعُ تَوَهُّمِ أَن يكون للنبيء ﷺ وَلَدٌ مِنَ الرِّجَالِ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام البنوّة حَتَّى لَا يَتَطَرَّقَ الْإِرْجَافُ وَالِاخْتِلَاقُ إِلَى مَنْ يَتَزَوَّجَهُنَّ مِنْ أَيَامَى الْمُسْلِمِينَ أَصْحَابِهِ مِثْلَ أُمِّ سَلَمَةَ وَحَفْصَةَ. ومِنْ رِجالِكُمْ وَصْفٌ لِ أَحَدٍ، وَهُوَ احْتِرَاسٌ لِأَنَّ النَّبِيءَ ﷺ أَبُو بَنَاتٍ. وَالْمَقْصُودُ: نَفْيُ أَنْ يَكُونَ أَبًا لِأَحَدٍ مِنَ الرِّجَالِ فِي حِينِ نُزُولِ الْآيَةِ لِأَنَّهُ كَانَ وُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ أَوْ وَلَدَانِ بِمَكَّةَ مِنْ خَدِيجَةَ وَهُمُ الطَّيِّبُ وَالطَّاهِرُ (أَوْ هُمَا اسْمَانِ

стр. 7414

لِوَاحِدٍ) وَالْقَاسِمُ، وَوُلِدَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ، وَكُلُّهُمْ مَاتُوا صِبْيَانًا وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مَوْجُودٌ حِينَ نُزُولِ الْآيَةِ. وَالْمَنْفِيُّ هُوَ وَصْفُ الْأُبُوَّةِ الْمُبَاشِرَةِ لِأَنَّهَا الْغَرَضُ الَّذِي سِيقَ الْكَلَامُ لِأَجْلِهِ وَالَّذِي وَهِمَ فِيهِ مَنْ وَهِمَ فَلَا الْتِفَاتَ إِلَى كَوْنِهِ جَدًّا لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَمُحْسِنٍ أَبْنَاءِ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ ﵂ إِذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِمَقْصُودٍ، وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِ أَحَدٍ نَفْيُ أُبُوَّتِهِ لَهُمْ بِمَعْنَى الْأُبُوَّةِ الْعُلْيَا، أَوِ الْمُرَادُ أُبُوَّةُ الصُّلْبِ دُونَ أُبُوَّةِ الرَّحِمِ. وَإِضَافَةُ (رِجَالٍ) إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ وَالْعُدُولُ عَنْ تَعْرِيفِهِ بِاللَّامِ لِقَصْدِ تَوْجِيهِ الْخِطَابِ إِلَى الْخَائِضِينَ فِي قَضِيَّةِ تَزَوُّجِ زَيْنَبَ إِخْرَاجًا لِلْكَلَامِ فِي صِيغَةِ التَّغْلِيطِ وَالتَّغْلِيظِ. وَأَمَّا تَوْجِيهُهُ بِأَنَّهُ كَالِاحْتِرَازِ عَنْ أَحْفَادِهِ وَأَنَّهُ قَالَ: مِنْ رِجالِكُمْ وَأَمَّا الْأَحْفَادُ فَهُمْ مِنْ رِجَالِهِ فَفِيهِ سَمَاجَةٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ تَوْجِيهٌ بِأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بَرِيءٌ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ أَعْنِي الْمُنَافِقِينَ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمُ الصِّلَةُ الشَّبِيهَةُ بِصِلَةِ الْأُبُوَّةِ الثَّابِتَةِ بِطَرِيقَةِ لَحْنِ الْخِطَابِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الْأَحْزَاب: ٦] كَمَا تَقَدَّمَ. وَاسْتِدْرَاكُ قَوْلِهِ: وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ لِرَفْعِ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ نَفْيِ أُبُوَّتِهِ، مِنِ انْفِصَالِ صِلَةِ التَّرَاحُمِ وَالْبِرِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمَّةِ فَذُكِّرُوا بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ كَالْأَبِ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ فِي شَفَقَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ، وَفِي بِرِّهِمْ وَتَوْقِيرِهِمْ إِيَّاهُ، شَأْن كل نبيء مَعَ أُمَّتِهِ. وَالْوَاوُ الدَّاخِلَةُ عَلَى لكِنْ زَائِدَةٌ ولكِنْ عَاطِفَةٌ وَلَمْ تَرِدْ لكِنْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَاطِفَةً إِلَّا مُقْتَرِنَةٌ بِالْوَاوِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُرَادِيُّ فِي «شَرْحِ التَّسْهِيلِ» . وَحَرْفُ لكِنْ مُفِيدٌ الِاسْتِدْرَاكَ. وَعَطْفُ صِفَةِ وَخَاتم النَّبِيئِينَ عَلَى صِفَةِ رَسُولَ اللَّهِ تَكْمِيلٌ وَزِيَادَةٌ فِي التَّنْوِيهِ بِمَقَامِهِ ﷺ وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ فِي انْتِفَاءِ أُبُوَّتهِ لِأَحَدٍ مِنَ الرِّجَالِ حِكْمَةً قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَهِيَ إِرَادَةُ أَنْ لَا يَكُونَ إِلَّا مِثْلَ الرُّسُلِ أَوْ أَفْضَلَ فِي جَمِيع خَصَائِصه. وَإِذ قَدْ كَانَ الرُّسُلُ لَمْ يَخْلُ عَمُودُ أَبْنَائِهِمْ مِنْ نَبِيءٍ كَانَ كَوْنُهُ خَاتَمَ النَّبِيئِينَ مُقْتَضِيًا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَبْنَاءٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً بَعْدَ وَفَاتِهِ وَلَمْ تُخْلَعْ

стр. 7415

عَلَيْهِمْ خُلْعَةُ النبوءة لِأَجْلِ خَتْمِ النُّبُوَّةِ بِهِ كَانَ ذَلِكَ غَضًّا فِيهِ دُونَ سَائِرِ الرُّسُلِ وَذَلِكَ مَا لَا يُرِيدُهُ اللَّهُ بِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَرَادَ قَطْعَ النُّبُوءَةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ عِيسَى ﵇ صَرَفَ عِيسَى عَنِ التَّزَوُّجِ. فَلَا تَجْعَلْ قَوْلَهُ: وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ دَاخِلًا فِي حَيِّزِ الِاسْتِدْرَاكِ لِمَا عَلِمْتَ مِنْ أَنَّهُ تَكْمِيلٌ وَاسْتِطْرَادٌ بِمُنَاسَبَةِ إِجْرَاءِ وَصْفِ الرِّسَالَةِ عَلَيْهِ. وببيان هَذِه الْحِكْمَةِ يَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ التَّذْيِيلِ بِجُمْلَةِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً إِذْ أَظْهَرَ مُقْتَضَى حِكْمَتِهِ فِيمَا قَدَّرَهُ مِنَ الْأَقْدَارِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ إِلَى قَوْلِهِ: ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الْمَائِدَة: ٩٧] . وَالْآيَةُ نَصٌّ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خَاتَمَ النَّبِيئِينَ وَأَنه لَا نبيء بَعْدَهُ فِي الْبَشَرِ لِأَنَّ النَّبِيئِينَ عَامٌّ فَخَاتَمُ النَّبِيئِينَ هُوَ خَاتَمُهُمْ فِي صِفَةِ النُّبُوءَةِ. وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى نَصِّيَّةِ الْآيَةِ أَنَّ الْعُمُومَ دِلَالَتُهُ عَلَى الْأَفْرَادِ ظَنِّيَّةٌ لِأَنَّ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ مُخَصَّصٍ. وَقَدْ تَحَقَّقْنَا عَدَمَ الْمُخَصَّصِ بِالِاسْتِقْرَاءِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خَاتَمُ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَعُرِفَ ذَلِكَ وَتَوَاتَرَ بَيْنَهُمْ وَفِي الْأَجْيَالِ مِنْ بَعْدِهِمْ وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَرَدَّدُوا فِي تَكْفِيرِ مُسَيْلِمَةَ وَالْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ فَصَارَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَمَنْ أَنْكَرَهُ فَهُوَ كَافِرٌ خَارِجٌ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ كَانَ مُعْتَرِفًا بِأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولُ اللَّهِ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ. وَهَذَا النَّوْع من الْإِجْمَاع مُوجب الْعلم الضَّرُورِيّ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ جَمِيع عُلَمَائِنَا وَلَا يدْخل هَذَا النَّوْعُ فِي اخْتِلَافِ بَعْضِهِمْ فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ إِذِ الْمُخْتَلِفُ فِي حُجِّيَّتِهِ هُوَ الْإِجْمَاعُ الْمُسْتَنِدُ لِنَظَرٍ وَأَدِلَّةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ بِخِلَافِ الْمُتَوَاتِرِ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ فِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ فِي خَاتِمَةِ كِتَابِ «الِاقْتِصَادِ فِي الِاعْتِقَادِ» مُخَالَفَةً لِهَذَا عَلَى مَا فِيهِ مِنْ قِلَّةِ تَحْرِيرٍ. وَقَدْ حَمَلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ حَمْلَةً غَيْرَ مُنْصِفَةٍ وَأَلْزَمَهُ إِلْزَامًا فَاحِشًا يُنَزَّهُ عَنْهُ عِلْمُهُ وَدِينُهُ فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا. وَلِذَلِكَ لَا يَتَرَدَّدُ مُسْلِمٌ فِي تَكْفِيرِ مَنْ يُثْبِتُ نُبُوءَةً لِأَحَدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَفِي إِخْرَاجِهِ مِنْ حَظِيرَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا تُعْرَفُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَقْدَمَتْ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا

стр. 7416

الْبَابِيَّةُ وَالْبَهَائِيَّةُ وَهُمَا نِحْلَتَانِ مُشْتَقَّةٌ ثَانِيَتُهُمَا مِنَ الْأُولَى. وَكَانَ ظُهُورُ الْفِرْقَةِ الْأُولَى فِي بِلَادِ فَارِسَ فِي حُدُودِ سَنَةِ مِائَتَيْنِ وَأَلْفٍ وَتَسَرَّبَتْ إِلَى الْعِرَاقِ وَكَانَ الْقَائِمُ بِهَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ شِيرَازٍ يَدْعُوهُ أَتْبَاعُهُ السَّيِّدَ عَلِي مُحَمَّد، كَذَا اشْتُهِرَ اسْمُهُ، كَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ مِنْ غُلَاةِ الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ. أَخَذَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُتَصَوِّفِينَ اسْمُهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَيْنُ الدِّينِ الْأَحْسَائِيُّ الَّذِي كَانَ يَنْتَحِلُ التَّصَوُّفَ بِالطَّرِيقَةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الْمُتَلَقَّاةُ عَنِ الْحَلَّاجِ. وَكَانَتْ طَرِيقَتُهُ تُعْرَفُ بِالشَّيْخِيَّةِ، وَلَمَّا أَظْهَرَ نِحْلَتَهُ عَلِيُّ مُحَمَّد هَذَا لَقَّبَ نَفْسَهُ بَابَ الْعِلْمِ فَغَلَبَ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَابِ. وَعُرِفَتْ نِحْلَتُهُ بِالْبَابِيَّةِ وَادَّعَى لِنَفْسِهِ النُّبُوءَةَ وَزَعَمَ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِكِتَابٍ اسْمُهُ «الْبَيَانُ» وَأَنَّ الْقُرْآنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ [الرَّحْمَن: ٣- ٤] . وَكِتَابُ «الْبَيَانِ» مُؤَلَّفٌ بِالْعَرَبِيَّةِ الضَّعِيفَةِ وَمَخْلُوطٌ بِالْفَارِسِيَّةِ. وَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ فَقتل سَنَةَ ١٢٦٦ فِي تَبْرِيزَ. وَأَمَّا الْبَهَائِيَّةُ فَهِيَ شُعْبَة بن الْبَابِيَّةِ تُنْسَبُ إِلَى مُؤَسِّسِهَا الْمُلَقَّبِ بِبَهَاءِ اللَّهِ وَاسْمُهُ مِيرْزَا حُسَيْن عَلَي مِنْ أَهْلِ طَهْرَانَ تَتَلْمَذَ لِلْبَابِ بِالْمُكَاتَبَةِ وَأَخْرَجَتْهُ حُكُومَةُ شَاهِ الْعَجَمِ إِلَى بَغْدَادٍ بَعْدَ قَتْلِ الْبَابِ. ثُمَّ نَقَلَتْهُ الدَّوْلَةُ الْعُثْمَانِيَّةُ مِنْ بَغْدَادٍ إِلَى أَدِرْنَةَ ثُمَّ إِلَى عَكَّا، وَفِيهَا ظَهَرَتْ نِحْلَتُهُ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ نُبُوءَةَ الْبَابِ وَقَدِ الْتَفَّ حَوْلَهُ أَصْحَابُ نِحْلَةِ الْبَابِيَّةِ وَجَعَلُوهُ خَلِيفَةَ الْبَابِ فَقَامَ اسْمُ الْبَهَائِيَّةِ مَقَامَ اسْمُ الْبَابِيَّةِ فَالْبَهَائِيَّةُ هُمُ الْبَابِيَّةُ. وَقَدْ كَانَ الْبَهَاءُ بَنَى بِنَاءً فِي جَبَلِ الْكَرْمَلِ لِيَجْعَلَهُ مَدْفَنًا لِرُفَاتِ (الْبَابِ) وَآلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ سَجَنَتْهُ السَّلْطَنَةُ الْعُثْمَانِيَّةُ فِي سِجْنِ عَكَّا فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ سَبْعَ سَنَوَاتٍ وَلَمْ يُطْلَقْ مِنَ السجْن إِلَّا عِنْد مَا أُعْلِنَ الدُّسْتُورُ التُّرْكِيُّ فَكَانَ فِي عِدَادِ الْمَسَاجِينِ السِّيَاسِيِّينَ الَّذِينَ أُطْلِقُوا يَوْمَئِذٍ فَرَحَلَ منتقلا فِي أوروبا وأَمِيرِكَا مُدَّةَ عَامَيْنِ ثُمَّ عَادَ إِلَى حَيْفَا فَاسْتَقَرَّ بِهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٣٤٠ وَبَعْدَ مَوْتِهِ نَشَأَ شِقَاقٌ بَيْنَ أَبْنَائِهِ وَإِخْوَتِهِ فَتَفَرَّقُوا فِي الزِّعَامَةِ وَتَضَاءَلَتْ نِحْلَتُهُمْ. فَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُتَّبِعًا لِلْبَهَائِيَّةِ أَوِ الْبَابِيَّةِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْإِسْلَامِ مُرْتَدٌّ عَنْ دِينِهِ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ. وَلَا يَرِثُ مُسْلِمًا وَيَرِثُهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَنْفَعُهُمْ قَوْلُهُمْ: إِنَّا مُسْلِمُونَ وَلَا نُطْقُهُمْ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ الرِّسَالَةَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا بِمَجِيءِ رَسُولٍ مِنْ بَعْدِهِ. وَنَحْنُ كَفَّرْنَا الْغُرَابِيَّةَ مِنَ الشِّيعَةِ

стр. 7417

لِقَوْلِهِمْ: بِأَنَّ جِبْرِيلَ أُرْسِلَ إِلَى عَلِيٍّ وَلَكِنَّهُ شُبِّهَ لَهُ مُحَمَّدٌ بِعَلِيٍّ إِذْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَشْبَهُ بِالْآخَرِ مِنَ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ (وَكَذَبُوا) فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَهُمْ أَثْبَتُوا الرِّسَالَةَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَلَكِنَّهُمْ زَعَمُوهُ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَتُشْبِهُ طُقُوسُ الْبَهَائِيَّةِ طُقُوسَ الْمَاسُونِيَّةِ إِلَّا أَنَّ الْبَهَائِيَّةَ تَنْتَسِبُ إِلَى التَّلَقِّي مِنَ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ، فَبِذَلِكَ فَارَقَتِ الْمَاسُونِيَّةِ وَعُدَّتْ فِي الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ وَلَمْ تُعَدَّ فِي الْأَحْزَابِ. وَانْتَصَبَ رَسُولَ اللَّهِ مَعْطُوفًا عَلَى أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ عَطْفًا بِالْوَاوِ الْمُقْتَرِنَةِ بِ لكِنْ لِتُفِيدَ رَفْعَ النَّفْيِ الَّذِي دَخَلَ عَلَى عَامِلِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ بِكَسْرِ تَاءِ خاتَمَ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ خَتَمَ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى تَشْبِيهِهِ بِالْخَاتَمِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ الْمَكْتُوبُ فِي أَنَّ ظُهُوَرَهُ كَانَ غلقا للنبوءة. [٤١، ٤٢] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : الْآيَات ٤١ إِلَى ٤٢] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢) إِقْبَالٌ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَشْغَلُوا أَلْسِنَتَهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتَسْبِيحِهِ، أَيْ أَنْ يُمْسِكُوا عَنْ مُمَارَاةِ الْمُنَافِقِينَ أَوْ عَنْ سَبِّهِمْ فِيمَا يُرْجِفُونَ بِهِ فِي قَضِيَّةِ تَزَوُّجِ زَيْنَبَ فَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْتَاضُوا عَنْ ذَلِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتَسْبِيحِهِ خَيْرًا لَهُمْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [الْبَقَرَة: ٢٠٠] ، أَي خير مِنَ التَّفَاخُرِ بِذِكْرِ آبَائِكُمْ وَأَحْسَابِكُمْ، فَذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُمْ وَأَبْعَدُ عَنْ أَنْ تَثُورَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ثَائِرَةُ فِتْنَةٍ فِي الْمَدِينَةِ، فَهَذَا مِنْ نَحْو قَوْله لنبيّئه وَدَعْ أَذاهُمْ [الْأَحْزَاب: ٤٨] وَمِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الْأَنْعَام: ١٠٨] ، فَأُمِرُوا بِتَشْغِيلِ أَلْسِنَتِهِمْ وَأَوْقَاتِهِمْ بِمَا يَعُودُ بِنَفْعِهِمْ وَتَجَنُّبِ مَا عَسَى أَنْ يُوقِعَ فِي مُضِرَّةٍ. وَفِيهِ تَسْجِيلٌ عَلَى الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ خَوْضَهُمْ فِي ذَلِكَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَامَةٌ عَلَى النِّفَاقِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُخَالِفُونَ أَمْرَ رَبِّهِمْ. وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ لِلْمُنَاسَبَةِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا.

стр. 7418

وَالذِّكْرُ: ذِكْرُ اللِّسَانِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَوْقِعِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا. وَالتَّسْبِيحُ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الصَّلَوَاتُ النَّوَافِلُ فَلَيْسَ عَطْفُ وَسَبِّحُوهُ عَلَى اذْكُرُوا اللَّهَ مَنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ قَوْلَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَيَكُونُ عَطَفُ وَسَبِّحُوهُ عَلَى اذْكُرُوا اللَّهَ مَنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ اهْتِمَامًا بِالْخَاصِّ لِأَنَّ مَعْنَى التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ عَمَّا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ مِنَ النَّقَائِصِ فَهُوَ مَنْ أَكْمَلِ الذِّكْرِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى جَوَامِع الثَّنَاء والتمجيد، وَلِأَنَّ فِي التَّسْبِيحِ إِيمَاءً إِلَى التَّبَرُّؤِ مِمَّا يَقُولُهُ الْمُنَافِقُونَ فِي حقّ النبيء ﷺ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هَذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [النُّور: ١٦] فَإِنَّ كَلِمَةَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَكْثُرُ أَنْ تُقَالَ فِي مَقَامِ التَّبَرُّؤِ مِنْ نِسْبَةِ مَا لَا يَلِيقُ إِلَى أحد كَقَوْل النبيء ﷺ : «سُبْحَانَ اللَّهِ! الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» . وَقَوْلِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ حِينَ أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ الْبَيْعَةَ «أَنْ لَا يَزْنِينَ» : سُبْحَانَ اللَّهِ أَتَزْنِي الْحُرَّةُ. وَالْبُكْرَةُ: أَوَّلُ النَّهَارِ. وَالْأَصِيلُ: الْعَشِيُّ الْوَقْتُ الَّذِي بَعْدَ الْعَصْرِ. وَانْتَصَبَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ الَّتِي يَتَنَازَعُهَا الْفِعْلَانِ اذْكُرُوا اللَّهَ.. وسَبِّحُوهُ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْبُكْرَةِ وَالْأَصِيلِ إِعْمَارُ أَجْزَاءِ النَّهَارِ بِالذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ بِقَدْرِ الْمُكْنَةِ لِأَنَّ ذِكْرَ طَرَفَيِ الشَّيْءِ يَكُونُ كِنَايَة عَن اسْتِيعَابِهِ كَقَوْلِ طَرْفَةَ: لَكَالطِّوَلِ الْمُرَخَى وَثِنْيَاهُ بِالْيَدِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، كِنَايَةً عَنِ الْأَرْضِ كُلِّهَا، وَالرَّأْسُ والعقب كِنَايَة عَن الْجَسَدِ كُلِّهِ، وَالظَّهْرُ وَالْبَطْنُ كَذَلِكَ. وَقَدَّمَ الْبُكْرَةَ عَلَى الْأَصِيلِ لِأَنَّ الْبُكْرَةَ أَسْبَقُ مِنَ الْأَصِيلِ لَا مَحَالَةَ. وَلَيْسَ الْأَصِيل جَدِيدا بِالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ كَمَا قُدِّمَ لَفْظُ تُمْسُونَ فِي قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الرُّومِ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الرّوم: ١٧] لِأَنَّ كَلِمَةَ الْمَسَاءِ تَشْمَلُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَقَدَّمَ لَفْظَ تُمْسُونَ هُنَالك رعّيا لَا عتبار اللَّيْلِ أَسْبَقَ فِي حِسَابِ أَيَّامِ الشَّهْرِ عِنْدَ الْعَرَبِ وَفِي الْإِسْلَامِ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ كلمة الْأَصِيل.

стр. 7419

[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٤٣] هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتَسْبِيحِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ مَجْلَبَةٌ لِانْتِفَاعِ الْمُؤْمِنِينَ بِجَزَاءِ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ بِأَفْضَلَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَلَائِكَتِهِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ إِذَا ذَكَرْتُمُوهُ ذِكْرًا بُكْرَةً وَأَصِيلًا. وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ على الْخَيْر الْفِعْلِيِّ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ لِإِفَادَةِ التَّقَوِّي وَتَحْقِيقِ الْحُكْمِ. وَالْمَقْصُودُ تَحْقِيقُ مَا تَعَلَّقَ بِفِعْلِ يُصَلِّي مِنْ قَوْلِ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. وَالصَّلَاةُ: الدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ بِخَيْرٍ، وَهِيَ مِنَ اللَّهِ الثَّنَاءُ. وَأَمَرَهُ بِتَوْجِيهِ رَحْمَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَيِ اُذْكُرُوهُ ليذكركم كَقَوْلِه: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [الْبَقَرَة: ١٥٢] وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: «فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» . وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ: دُعَاؤُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ دُعَاؤُهُمْ مُسْتَجَابًا عِنْدَ اللَّهِ فَيَزِيدُ الذَّاكِرِينَ عَلَى مَا أَعْطَاهُمْ بِصَلَاتِهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ. فَفِعْلُ يُصَلِّي مُسْنَدٌ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى مَلَائِكَتِهِ لِأَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ يُفِيدُ تَشْرِيكَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْعَامِلِ، فَهُوَ عَامِلٌ وَاحِدٌ لَهُ معمولان فَهُوَ مُسْتَعْمل فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرِكِ الصَّالِحِ لِصَلَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ الصَّادِقِ فِي كُلٍّ بِمَا يَلِيقُ بِهِ بِحَسَبِ لَوَازِمِ مَعْنَى الصَّلَاةِ الَّتِي تَتَكَيَّفُ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمُنَاسِبَةِ لِمَنْ أُسْنِدَتْ إِلَيْهِ. وَلَا حَاجَةَ إِلَى دَعْوَى اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا إِلَى دَعْوَى عُمُومِ الْمَجَازِ. وَاجْتِلَابُ يُصَلِّي بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِإِفَادَةِ تَكَرُّرِ الصَّلَاةِ وَتَجَدُّدِهَا كُلَّمَا تَجَدَّدَ الذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ، أَوْ إِفَادَةِ تَجَدُّدِهَا بِحَسَبِ أَسْبَابٍ أُخْرَى مِنْ أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِينَ وَمُلَاحَظَةِ إِيمَانِهِمْ. وَفِي إِيرَادِ الْمَوْصُولِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ بِحَسَبِ غَالِبِ الِاسْتِعْمَالِ: فَإِمَّا لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ أَنَّهُمْ لَا يَأْتِيهِمْ خَيْرٌ إِلَّا مِنْ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكُلُّ تَفْصِيلٍ لِذَلِكَ الْإِجْمَالِ دَخَلَ فِي عِلْمِهِمْ، وَمِنْهُ

стр. 7420

أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَيَأْمُرُ مَلَائِكَتَهُ بِذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ لَهُمْ عِلْمٌ بِذَلِكَ تَفْصِيلًا مِنْ قَبْلُ: فَبَعْضُ آيَاتِ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٥] فَقَدْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ اسْتِغْفَارَ الْمَلَائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يُونُس: ٣] ، وَالدُّعَاءُ لِأَحَدٍ مِنَ الشَّفَاعَةِ لَهُ، عَلَى أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ صِلَةِ الْمَوْصُولِ أَنَّ مَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِك بِإِخْبَار النبيء ﷺ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلَهُ بَعْدَهُ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا. وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِيُخْرِجَكُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِ يُصَلِّي. فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ جَزَاءٌ عَاجِلٌ حَاصِلٌ وَقْتَ ذِكْرِهِمْ وتسبيحهم. وَالْمرَاد ب الظُّلُماتِ: الضَّلَالَة، وب النُّورِ: الْهُدَى، وَبِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ: دَوَامُ ذَلِكَ وَالِاسْتِزَادَةُ مِنْهُ لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا مُؤْمِنِينَ كَانُوا قَدْ خَرَجُوا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً [مَرْيَم: ٧٦] . وَجُمْلَةُ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً تذييل. ودلّ الْإِخْبَار عَنْ رَحْمَتِهِ بِالْمُؤْمِنِينَ بِإِقْحَامِ فِعْلِ كانَ وَخَبَرِهَا لِمَا تَقْتَضِيهِ كانَ مِنْ ثُبُوتِ ذَلِكَ الْخَبَرِ لَهُ تَعَالَى وتحققه وَأَنَّهُ شَأْن من شؤونه الْمَعْرُوفِ بِهَا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ. وَرَحْمَتُهُ بِالْمُؤْمِنِينَ أَعَمُّ مِنْ صَلَاتِهِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهَا تَشْمَلُ إِسْدَاءَ النَّفْعِ إِلَيْهِمْ وَإِيصَالَ الْخَيْرِ لَهُمْ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَال والألطاف. [٤٤] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٤٤] تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤) أَعْقَبَ الْجَزَاءَ الْعَاجِلَ الَّذِي أَنْبَأَ عَنْهُ قَوْلُهُ: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [الْأَحْزَاب: ٤٣] بِذِكْرِ جَزَاءٍ آجِلٍ وَهُوَ ظُهُورُ أَثَرِ الْأَعْمَالِ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا وَأَثَرِ الْجَزَاءِ الَّذِي عَجَّلَ لَهُمْ عَلَيْهَا مِنَ اللَّهِ فِي كَرَامَتِهِمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَ رَبَّهُمْ.

стр. 7421

فَالْجُمْلَةُ تَكْمِلَةٌ لِلَّتِي قَبْلَهَا لِإِفَادَةِ أَنَّ صَلَاةَ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَاقِعَةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَالتَّحِيَّةُ: الْكَلَامُ الَّذِي يُخَاطَبُ بِهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْمُلَاقَاةِ إِعْرَابًا عَنِ السُّرُورِ بِاللِّقَاءِ مِنْ دُعَاءٍ وَنَحْوِهِ. وَهَذَا الِاسْمُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ حَيَّاهُ، إِذَا قَالَ لَهُ: أَحْيَاكَ اللَّهُ، أَيْ أَطَالَ حَيَاتَكَ. فَسَمَّى بِهِ الْكَلَامَ الْمُعْرِبَ عَنِ ابْتِغَاءِ الْخَيْرِ لِلْمُلَاقَى أَوِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَلَبَ أَنْ يَقُولُوا: أَحْيَاكَ اللَّهُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْمُلَاقَاةِ فَأَطْلَقَ اسْمَهَا عَلَى كُلِّ دُعَاءٍ وَثَنَاءٍ يُقَالُ عِنْدَ الْمُلَاقَاةِ وَتَحِيَّةُ الْإِسْلَامِ: سَلَامٌ عَلَيْكَ أَوِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دُعَاءٌ بِالسَّلَامَةِ وَالْأَمْنِ، أَيْ مِنَ الْمَكْرُوهِ لِأَنَّ السَّلَامَةَ أَحْسَنُ مَا يُبْتَغَى فِي الْحَيَاةِ. فَإِذَا أَحْيَاهُ اللَّهُ وَلَمْ يُسَلِّمْهُ كَانَتِ الْحَيَاةُ أَلَمًا وَشَرًّا، وَلِذَلِكَ كَانَتْ تَحِيَّةُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ السَّلَامَ بِشَارَةً بِالسَّلَامَةِ مِمَّا يُشَاهِدُهُ النَّاسُ مِنَ الْأَهْوَالِ الْمُنْتَظَرَةِ. وَكَذَلِكَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ تَلَذُّذًا بِاسْمِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ السَّلَامَةِ مِنْ أَهْوَالِ أَهْلِ النَّارِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ فِي سُورَةِ يُونُسَ [١٠] . وَإِضَافَةُ التَّحِيَّةِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ إِضَافَةِ اسْمِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ، أَيْ تَحِيَّةٌ يَحْيَوْنَ بِهَا. وَلِقَاءُ اللَّهِ: الْحُضُورُ مِنْ حَضْرَةِ قُدْسِهِ لِلْحِسَابِ فِي الْمَحْشَرِ. وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٢٣] . وَهَذَا اللِّقَاءُ عَامٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التَّوْبَة: ٧٧] فَمَيَّزَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ بِالتَّحِيَّةِ كَرَامَةً لَهُمْ. وَجُمْلَةُ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ، أَيْ يُحَيِّيهِمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا. وَالْمَعْنَى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ بِهِمْ أَنْ بَدَأَهُمْ بِمَا فِيهِ بِشَارَةٌ بِالسَّلَامَةِ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا إِتْمَامًا لِرَحْمَتِهِ بِهِمْ. وَالْأَجْرُ: الثَّوَابُ. وَالْكَرِيمُ: النَّفِيسُ فِي نَوْعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [٢٩] . وَالْأَجْرُ الْكَرِيمُ: نَعَيْمُ الْجَنَّةِ

стр. 7422

[٤٥- ٤٦] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : الْآيَات ٤٥ الى ٤٦] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) هَذَا النداء الثَّالِث للنبيء ﷺ فَإِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَبْلَغَهُ بِالنِّدَاءِ الْأَوَّلِ مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِذَاتِهِ، وَبِالْنِدَاءِ الثَّانِي مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَزْوَاجِهِ وَمَا تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ التَّكْلِيفِ وَالتَّذْكِيرِ، نَادَاهُ بِأَوْصَافٍ أَوْدَعَهَا سُبْحَانَهُ فِيهِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ، وَزِيَادَةِ رِفْعَةِ مِقْدَارِهِ وَبَيَّنَ لَهُ أَرْكَانَ رِسَالَتِهِ، فَهَذَا الْغَرَضُ هُوَ وَصْفُ تَعَلُّقَاتِ رِسَالَتِهِ بِأَحْوَالِ أُمَّتِهِ وَأَحْوَالِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ. وَذُكِرَ لَهُ هُنَا خَمْسَةُ أَوْصَافٍ هِيَ: شَاهَدٌ. وَمُبَشِّرٌ. وَنَذِيرٌ. وَدَاعٍ إِلَى اللَّهِ. وَسِرَاجٌ مُنِيرٌ. فَهَذِهِ الْأَوْصَافُ يَنْطَوِي إِلَيْهَا وَتَنْطَوِي عَلَى مَجَامِعِ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا مِنْ بَيْنِ أَوْصَافِهِ الْكَثِيرَةِ. وَالشَّاهِدُ: الْمُخْبِرُ عَنْ حُجَّةِ الْمُدَّعِي الْمُحِقِّ وَدَفْعِ دَعْوَى الْمُبْطِلِ، فَالرَّسُولُ ﷺ شَاهِدٌ بِصِحَّةِ مَا هُوَ صَحِيحٌ مِنَ الشَّرَائِعِ وَبَقَاءِ مَا هُوَ صَالِحٌ لِلْبَقَاءِ مِنْهَا وَيَشْهَدُ بِبُطْلَانِ مَا أُلْصِقَ بِهَا وَبِنَسْخِ مَا لَا يَنْبَغِي بَقَاؤُهُ مِنْ أَحْكَامِهَا بِمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ تَعَالَى: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [الْمَائِدَة: ٤٨] . وَفِي حَدِيثِ الْحَشْرِ: «يَسْأَلُ كل رَسُول هَل بَلَّغَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ اللَّهُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ» ... الْحَدِيثَ. وَمُحَمَّدٌ ﷺ شَاهِدٌ أَيْضًا عَلَى أُمَّتِهِ بِمُرَاقَبَةِ جَرْيِهِمْ عَلَى الشَّرِيعَةِ فِي حَيَاتِهِ وَشَاهِدٌ عَلَيْهِمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، قَالَ تَعَالَى: وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النِّسَاء: ٤١] فَهُوَ شَاهِدٌ عَلَى الْمُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ وَعَلَى الْمَعْرِضِينَ عَنْهَا، وَعَلَى مَنِ اسْتَجَابَ لِلدَّعْوَةِ ثُمَّ بَدَّلَ. وَفِي حَدِيثِ الْحَوْضِ: «لِيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الْحَوْضَ حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَعَرَفْتُهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي. فَيُقَالُ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ تَبًّا وَسُحْقًا لِمَنْ أَحْدَثَ بَعْدِي» يَعْنِي: أَحْدَثُوا الْكُفْرَ وَهُمْ أَهْلُ الرِّدَّةِ كَمَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ: «إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ» . فَلَا جَرَمَ كَانَ وَصْفُ الشَّاهِدِ أَشْمَلَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ لِلرَّسُولِ ﷺ بِوَصْفِ كَوْنِهِ رَسُولًا لِهَذِهِ الْأَمَةِ، وَبِوَصْفِ كَوْنِهِ خَاتَمًا لِلشَّرَائِعِ وَمُتَمِّمًا لِمُرَادِ اللَّهِ مِنْ بِعْثَةِ الرُّسُلِ.

стр. 7423

وَالْمُبَشِّرُ: الْمُخْبِرُ بِالْبُشْرَى وَالْبِشَارَةِ. وَهِيَ الْحَادِثُ الْمُسِرُّ لِمَنْ يُخْبَرُ بِهِ والوعد بِالْعَطِيَّةِ، والنبيء ﷺ مُبَشِّرٌ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْمُطِيعِينَ بِمَرَاتِبِ فَوْزِهِمْ. وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْوَصْفُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَى الْخَيْرِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَهُوَ قِسْمُ الِامْتِثَالِ مِنْ قِسْمَيِ التَّقْوَى، فَإِنَّ التَّقْوَى امْتِثَالُ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَنْهِيَّاتِ، وَالْمَأْمُورَاتُ مُتَضَمِّنَةٌ الْمَصَالِحَ فَهِيَ مُقْتَضِيَةٌ بِشَارَةَ فَاعِلِيهَا بِحُسْنِ الْحَالِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ. وَقُدِّمَتِ الْبِشَارَةُ عَلَى النذارة لِأَن النبيء ﷺ غَلَبَ عَلَيْهِ التَّبْشِيرُ لِأَنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ، وَلِكَثْرَةِ عَدَدِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أُمَّتِهِ. وَالنَّذِيرُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِنْذَارِ وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِحُلُولِ حَادِثٍ مُسِيءٍ أَوْ قرب حُلُوله، والنبيء ﵊ مُنْذِرٌ لِلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ دِينِهِ مِنْ كَافِرِينَ بِهِ وَمِنْ أَهْلِ الْعِصْيَانِ بِمُتَفَاوِتِ مُؤَاخَذَتِهِمْ عَلَى عَمَلِهِمْ. وَانْتَصَبَ شاهِداً عَلَى الْحَالِ مِنْ كَافِ الْخِطَابِ وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ، أَيْ أَرْسَلْنَاكَ مُقَدَّرًا أَنْ تَكُونَ شَاهِدًا عَلَى الرُّسُلِ وَالْأُمَمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَمَثَّلَ سِيبَوَيْهِ لِلْحَالِ الْمُقَدَّرَةِ بِقَوْلِهِ: مُرِرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صَائِدًا بِهِ. وَجِيءَ فِي جَانِبِ النِّذَارَةِ بِصِيغَةِ فَعِيلٍ دُونَ اسْم الْفَاعِل لإِرَادَة الِاسْمِ فَإِنَّ النَّذِيرَ فِي كَلَامِهِمُ اسْمٌ لِلْمُخْبِرِ بِحُلُولِ الْعَدُوِّ بِدِيَارِ الْقَوْمِ. وَمِنَ الْأَمْثَالِ: أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، أَيِ الْآتِي بِخَبَرِ حُلُولِ العدوّ بديار قوم. وَالْمُرَادُ بِالْعُرْيَانِ أَنَّهُ يَنْزِعُ عَنْهُ قَمِيصَهُ لِيُشِيرَ بِهِ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ فَيَرَاهُ مَنْ لَا يَسْمَعُ نِدَاءَهُ، فَالْوَصْفُ بِنَذِيرٍ تَمْثِيلٌ بِحَالِ نَذِيرِ الْقَوْمِ كَمَا قَالَ: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ [سبأ: ٤٦] لِلْإِيمَاءِ إِلَى تَحْقِيقِ مَا أَنْذَرَهُمْ بِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ حَلَّ بِهِمْ وَكَأَنَّ الْمُخْبِرَ عَنْهُ مُخْبِرٌ عَنْ أَمْرٍ قَدْ وَقَعَ، وَهَذَا لَا يُؤَدِّيهِ إِلَّا اسْمُ النَّذِيرِ، وَلِذَلِكَ كَثُرَ فِي الْقُرْآنِ الْوَصْفُ بِالنَّذِيرِ وَقَلَّ الْوَصْفُ بِمُنْذِرٍ. وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشُّعَرَاء: ٢١٤] خَرَجَ حَتَّى صَعَدَ الصَّفَا، فَنَادَى: يَا صَبَاحَاهْ (كَلِمَةٌ يُنَادِي بِهَا مَنْ يَطْلُبُ النَّجْدَةَ) فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنَّ أَخْبَرَتْكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» . فَهَذَا يُشِيرُ إِلَى تَمْثِيلِ الْحَالَةِ الَّتِي اسْتَخْلَصَهَا بِقَوْلِهِ: (فَإِنِّي نَذِيرٌ

стр. 7424

لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) . وَمَا فِي بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ مِنْ مَعْنَى التَّقْرِيبِ. وَشَمَلَ اسْمُ النَّذِيرِ جَوَامِعَ مَا فِي الشَّرِيعَةِ مِنَ النَّوَاهِي وَالْعُقُوبَاتِ وَهُوَ قِسْمُ الِاجْتِنَابِ مِنْ قِسْمَيِ التَّقْوَى فَإِنَّ الْمَنْهِيَّاتِ مُتَضَمِّنَةٌ مَفَاسِدَ فَهِيَ مُقْتَضِيَةٌ تَخْوِيفَ الْمُقْدِمِينَ عَلَى فِعْلِهَا مِنْ سُوءِ الْحَالِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ. وَالدَّاعِي إِلَى اللَّهِ هُوَ الَّذِي يَدْعُو النَّاسَ إِلَى تَرْكِ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى اتِّبَاعِ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ اللَّهُ. وَأَصْلُ دَعَاهُ إِلَى فُلَانٍ: أَنَّهُ دَعَاهُ إِلَى الْحُضُورِ عِنْدَهُ، يُقَالُ: ادْعُ فَلَانًا إليَّ. وَلَمَّا عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ جِهَةٍ يَحْضُرُهَا النَّاسُ عِنْدَهُ تَعَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى الدُّعَاءِ إِلَيْهِ الدُّعَاءُ إِلَى تَرْكِ الِاعْتِرَافِ بِغَيْرِهِ (كَمَا يَقُولُونَ: أَبُو مُسلم الْخُرَاسَانِي يَدْعُو إِلَى الرِّضَى مِنْ آلِ الْبَيْتِ) فَشَمَلَ هَذَا الْوَصْفُ أُصُولَ الِاعْتِقَادِ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِصِفَاتِ اللَّهِ لِأَنَّ دَعْوَةَ اللَّهِ دَعْوَةٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِصِفَاتِ الدُّعَاةِ إِلَيْهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ. وَزِيَادَةُ بِإِذْنِهِ لِيُفِيدَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ دَاعِيًا إِلَيْهِ وَيَسَّرَ لَهُ الدُّعَاءَ إِلَيْهِ مَعَ ثِقْلِ أَمْرِ هَذَا الدُّعَاءِ وَعِظَمِ خَطَرِهِ وَهُوَ مَا كَانَ استشعره النبيء ﷺ فِي مَبْدَأِ الْوَحْيِ مِنَ الْخَشْيَةِ إِلَى أَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر: ١، ٢] ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لِمُوسَى: لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [طه: ٦٨] ، فَهَذَا إِذْنٌ خَاصٌّ وَهُوَ الْإِذْنُ بَعْدَ الْإِحْجَامِ الْمُقْتَضِي لِلتَّيْسِيرِ، فَأَطْلَقَ اسْمَ الْإِذْنِ عَلَى التَّيْسِيرِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى خِطَابًا لِعِيسَى ﵇: وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي [الْمَائِدَة: ١١٠] وَقَوْلُهُ حِكَايَةً عَنْ عِيسَى فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائرا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمرَان: ٤٩] . وَقَوْلُهُ وَسِراجاً مُنِيراً تَشْبِيه بليغ بطرِيق الْحَالِيَّةِ وَهُوَ طَرِيقٌ جَمِيلٌ، أَيْ أَرْسَلْنَاكَ كَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ فِي الْهِدَايَةِ الْوَاضِحَةِ الَّتِي لَا لَبْسَ فِيهَا وَالَّتِي لَا تَتْرُكُ لِلْبَاطِلِ شُبْهَةً إِلَّا فَضَحَتْهَا وَأَوْقَفَتِ النَّاسَ عَلَى دَخَائِلِهَا، كَمَا يُضِيءُ السِّرَاجُ الْوَقَّادُ ظُلْمَةَ الْمَكَانِ. وَهَذَا الْوَصْفُ يَشْمَلُ مَا جَاءَ بِهِ النبيء ﷺ مِنَ الْبَيَانِ وَإِيضَاحِ الِاسْتِدْلَالِ وَانْقِشَاعِ مَا كَانَ قبله فِي الْأَدْيَانِ مِنْ مَسَالِكٍ لِلتَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ فَشَمَلَ مَا فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ أُصُولِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالْعِلْمِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يُشَبَّهُ

стр. 7425

بِالنُّورِ فَنَاسَبَهُ السِّرَاجُ الْمُنِيرُ. وَهَذَا وَصْفٌ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ الَّتِي وُصِفَ بِهَا آنِفًا فَهُوَ كَالْفَذْلَكَةِ وَكَالتَّذْيِيلِ. وَوُصِفَ السِّرَاجُ بِ مُنِيراً مَعَ أَنَّ الْإِنَارَةَ مِنْ لَوَازِمِ السِّرَاجِ هُوَ كَوَصْفِ الشَّيْءِ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَقِّ مِنْ لَفْظِهِ فِي قَوْلِهِ: شِعْرُ شَاعِرٍ، وَلَيْلٌ أَلْيَلُ لِإِفَادَةِ قُوَّةِ مَعْنَى الِاسْمِ فِي الْمَوْصُوفِ بِهِ الْخَاصِّ فَإِن هدى النبيء ﷺ هُوَ أَوْضَحُ الْهُدَى. وَإِرْشَادُهُ أَبْلَغُ إِرْشَادٍ. رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ «التَّفْسِيرِ» مِنْ صَحِيحِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى سُورَةِ الْفَتْحِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ (أَوْ وَيَغْفِرُ) وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيَفْتَحَ (أَوْ فَيَفْتَحُ) بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غَلْفَاءَ» اهـ. وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «فِي التَّوْرَاةِ» يَعْنِي بِالتَّوْرَاةِ: أَسْفَارُ التَّوْرَاةِ وَمَا مَعَهَا مِنْ أَسْفَارِ الْأَنْبِيَاءِ إِذْ لَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا رَأَيْتُ مِنَ الْأَسْفَارِ الْخَمْسَةِ الْأَصْلِيَّةِ مِنَ التَّوْرَاةِ. وَهَذَا الَّذِي حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَرَأَيْتُ مُقَارِبَهُ فِي سِفْرِ النَّبِيءِ أَشْعِيَاءَ مِنَ الْكُتُبِ الْمعبر عَنْهَا بِالتَّوْرَاةِ تَغْلِيبًا وَهِيَ الْكُتُبُ الْمُسَمَّاةُ بِالْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَذَلِكَ فِي الْإِصْحَاحِ الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ مِنْهُ بِتَغْيِيرٍ قَلِيلٍ (أَحْسَبُ أَنَّهُ مِنَ اخْتِلَافِ التَّرْجَمَةِ أَوْ مِنْ تَفْسِيرَاتِ بَعْضِ الْأَحْبَارِ وَتَأْوِيلَاتِهِمْ) ، فَفِي الْإِصْحَاحِ الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ مِنْهُ «هُوَ ذَا عَبْدَيِ الَّذِي أَعْضُدُهُ مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي، وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ للأمم، لَا يَصِيح ولَا يَرْفَعُ وَلَا يُسْمَعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتُهُ، قَصَبَةٌ مرضوضة لَا تقصف، وَفَتِيلَةٌ خَامِدَةٌ لَا تُطْفَأُ، إِلَى الْأَمَانِ يَخْرُجُ الْحَقُّ، لَا يَكِلُّ وَلَا يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الْأَرْضِ وَتَنْتَظِرَ الْجَزَائِرُ (١) شَرِيعَتَهُ
следующие страницы →