← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

أَنَّهُ عَمَلٌ مَذْمُوم لِأَن النبيء ﵊ أَعَزُّ خَلْقٍ فِي نُفُوسِ الْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّحَرُّزَ مِمَّا يُؤْذِيهِ أَدْنَى أَذًى. وَمَنَاطُ دَفْعِ الِاغْتِرَارِ قَوْلُهُ: فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ فَإِنَّ السُّكُوتَ قَدْ يَظُنُّهُ النَّاسُ رِضًى وَإِذْنًا وَرُبَّمَا تَطَرَّقَ إِلَى أَذْهَانِ بَعْضِهِمْ أَنَّ جُلُوسَهُمْ لَوْ كَانَ مَحْظُورًا لَمَا سكت عَلَيْهِ النبيء ﷺ فَأَرْشَدَهُمْ اللَّهُ إِلَى أَنَّ السُّكُوتَ النَّاشِئَ عَنْ سَبَبٍ هُوَ سُكُوتٌ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الرِّضَى وَأَنَّهُ إِنَّمَا سَكَتَ حَيَاءً مِنْ مُبَاشَرَتِهِمْ بِالْإِخْرَاجِ فَهُوَ اسْتِحْيَاءٌ خَاصٌّ مِنْ عَمَلٍ خَاصٍّ. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك مُؤْذِيًا النبيء ﷺ لِأَنَّ فِيهِ مَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَين التفرغ لشؤون النُّبُوءَةِ مِنْ تَلَقِّي الْوَحْيِ أَوِ الْعِبَادَةِ أَوْ تَدْبِيرِ أَمْرِ الْأُمَّةِ أَوِ التَّأَخُّرِ عَنِ الْجُلُوسِ فِي مَجْلِسِهِ لنفع الْمُسلمين ولشؤون ذَاتِهِ وَبَيْتِهِ وَأَهْلِهِ. وَاقْتِرَانُ الْخَبَرِ بِحَرْفِ أَنْ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ مِنْ تَنْزِيلِ غَيْرِ الْمُتَرَدِّدِ مَنْزَلَةَ الْمُتَرَدِّدِ لِأَنَّ حَالَ النَّفَرِ الَّذِينَ أَطَالُوا الْجُلُوسَ وَالْحَدِيثَ فِي بَيْتِ النَّبِيءِ ﵊ وَعَدَمَ شُعُورِهِمْ بِكَرَاهِيَّتِهِ ذَلِكَ مِنْهُمْ حِينَ دَخَلَ الْبَيْتَ فَلَمَّا وَجَدَهُمْ خَرَجَ، فَغَفَلُوا عَمَّا فِي خُرُوج النبيء ﷺ مِنَ الْبَيْتِ مِنْ إِشَارَةٍ إِلَى كَرَاهِيَّتِهِ بَقَاءَهُمْ، تِلْكَ حَالَةُ مَنْ يَظُنُّ ذَلِكَ مَأْذُونًا فِيهِ فَخُوطِبُوا بِهَذَا الْخِطَابِ تَشْدِيدًا فِي التَّحْذِيرِ وَاسْتِفَاقَةً مِنَ التَّغْرِيرِ. وَإِقْحَامُ فِعْلِ كانَ لِإِفَادَةِ تَحْقِيقِ الْخَبَرِ. وَصِيغَ يُؤْذِي بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ دُونَ اسْمِ الْفَاعِلِ لِقَصْدِ إِفَادَةِ أَذًى مُتَكَرِّرٍ، وَالتَّكْرِيرُ كِنَايَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ. وَالْأَذَى: مَا يُكَدِّرُ مَفْعُولُهُ وَيُسِيءُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً فِي آلِ عِمْرَانَ [١١١] ، وَهُوَ مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ فِي أَنْوَاعِهِ. وَالتَّفْرِيعُ فِي قَوْلِهِ: فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ تَفْرِيعٌ عَلَى مُقَدَّرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقِصَّةُ. وَالتَّقْدِيرُ: فَيَهِمُّ بِإِخْرَاجِكُمْ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ إِذْ لَيْسَ الِاسْتِحْيَاءُ مُفَرَّعًا عَلَى الْإِيذَاءِ وَلَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ. وَدُخُولُ مِنَ الْمُتَعَلِّقَةِ بِ يَسْتَحْيِي عَلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ يَسْتَحْيِي مِنْ إِعْلَامِكُمْ بِأَنَّهُ يُؤْذِيهِ. وَتَعْدَيَةُ الْمُشْتَقَّاتِ مِنْ مَادَّةِ الْحَيَاءِ إِلَى الذَّوَاتِ شَائِعٌ يُسَاوِي الْحَقِيقَةَ لِأَنَّ

стр. 7457

الِاسْتِحْيَاءُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الذَّوَاتِ، فَقَوْلُكَ: أَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا فَاسْتَحَيْتُ مِنْ فُلَانٍ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْحَقِيقَةُ هِيَ التَّعْلِيقَ بِذَاتِ فُلَانٍ وَأَنْ تَكُونَ هِيَ التَّعْلِيقَ بِالْأَحْوَالِ الْمُلَابَسَةِ لَهُ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الِاسْتِحْيَاءِ لِأَجْلِ مُلَابَسَتِهَا لَهُ. وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: اسْتَحْيَيْتُ من أَنْ أَفْعَلَ كَذَا بِمَرْأَى من فُلَانٍ. وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ تَكُونُ مِنَ لِلتَّعْلِيلِ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي تَكُونُ مِنَ لِلِابْتِدَاءِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ «الْكَشَّافِ» يَقْتَضِي أَنَّ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ فُلَانٍ مَجَازٌ أَوْ تَوَسُّعٌ، وَأَنَّ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ فِعْلِ كَذَا لِأَجْلِ فُلَانٍ هُوَ الْحَقِيقَةُ. وَظَاهِرُ كَلَام صَاحب «الْكَشَّاف» عَكْسُ ذَلِكَ وَالْأَمْرُ هَيِّنٌ. وصيغ فعل فَيَسْتَحْيِي بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى يُؤْذِي النَّبِيءَ لِيَدُلَّ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمُفَرَّعُ هُوَ عَلَيْهِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَن سكُوت النبيء ﷺ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاقِعِ بِحَضْرَتِهِ إِذَا كَانَ تَعَدِّيًا عَلَى حَقٍّ لِذَاتِهِ لَا يَدُلُّ سُكُوتُهُ فِيهِ عَلَى جَوَازِ الْفِعْلِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُسَامِحَ فِي حَقِّهِ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ الْحَظْرُ أَوِ الْإِبَاحَةُ فِي مَثَلِهِ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى هُنَا: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيءَ وَلِذَلِكَ جَزَمَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ من آذَى النبيء ﷺ بِالصَّرَاحَةِ أَوِ الِالْتِزَامِ يُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ مَرْتَبَةِ الْأَذَى وَالْقَصْدِ إِلَيْهِ بَعْدَ تَوْقِيفِهِ عَلَى الْخَفِيِّ مِنْهُ وَعَدَمِ التَّوْبَةِ مِمَّا تُقْبَلُ فِي مِثْلِهِ التَّوْبَةُ مِنْهُ. وَلَمْ يَجْعَلُوا فِي إِعْرَاض النبيء ﵊ عَنْ مُؤَاخَذَةِ مَنْ آذَاهُ فِي حَيَاتِهِ دَلِيلًا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَسَامُحِ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ حَقِّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاعْفُ عَنْهُمْ [الْمَائِدَة: ١٣] وَقَوْلِهِ: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمرَان: ١٥٩] . فَهَذَا مِلَاكُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِيذَاءِ وَالِاسْتِحْيَاءِ وَالْحَقِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَدَ تَوَلَّى اللَّهُ تَعَالَى الذَّبَّ عَنْ حَقِّ رَسُوله وَكَفاهُ مؤونة الْمَضَضِ الدَّاعِي إِلَيْهِ حَيَاؤُهُ. وَقَدْ حَقَّقَ هَذَا الْمَعْنَى وَمَا يَحْفُ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضٌ فِي تَضَاعِيفِ الْقِسْمِ الرَّابِعِ مِنْ كِتَابِهِ «الشِّفَاءِ» . فَإِنْ قُلْتَ: وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أنس أَن النبيء ﷺ خَرَجَ مِنَ الْبَيْتِ لِيَقُومَ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ قعدوا يتحدثون، فَلَمَّا ذَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْخُرُوجِ بَدَلًا مِنْ خُرُوجِهِ هُوَ. قُلْتُ: لِأَنَّ خُرُوجَهُ غَيْرُ صَرِيح فِي كَرَاهِيَة جُلُوسَهُمْ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ آخَرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِقَصْدِ انْفِضَاضِ الْمَجْلِسِ فَكَانَ مِنْ وَاجِبِ الْأَلْمَعِيَّةِ أَنْ يَخْطُرَ

стр. 7458

بِبَالِهِمْ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ فَيَتَحَفَّزُوا لِلْخُرُوجِ فَلَيْسَ خُرُوجُهُ عَنْهُمْ بِمُنَافٍ لِوَصْفِ حَيَائِهِ ﷺ . وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَالْمَعْنَى: أَنَّ ذَلِكَ سُوءُ أَدَبٍ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ فَإِذَا كَانَ يَسْتَحْيِي مِنْكُمْ فَلَا يُبَاشِرُكُمْ بِالْإِنْكَارِ تَرْجِيحًا مِنْهُ لِلْعَفْوِ عَنْ حَقِّهِ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ لِأَنَّ أَسْبَابَ الْحَيَاءِ بَيْنَ الْخَلْقِ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الْأَحْزَاب: ٤] . وَصِيغَتِ الْجُمْلَةُ الْمَعْطُوفَةُ عَلَى بِنَاءِ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُخَالِفَةً لِلْمَعْطُوفَةِ هِيَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَقُلْ: وَلَا يَسْتَحْيِي اللَّهُ مِنَ الْحَقِّ، لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ ثَابِتٌ دَائِمٌ لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْحَقَّ مِنْ صِفَاتِهِ، فَانْتِفَاءُ مَا يَمْنَعُ تَبْلِيغَهُ هُوَ أَيْضًا مِنْ صِفَاتِهِ لِأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ يَجِبُ اتِّصَافُ اللَّهِ بِهَا فَإِنَّ ضِدَّهَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْحَقِّ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ الْمُرَادِ مِنْهُ الِاسْتِغْرَاقُ مِثْلَ التَّعْرِيفِ فِي الْحَمْدُ لِلَّهِ [الْفَاتِحَة: ٢] . وَالْمَعْنَى: وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ جَمِيعِ أَفْرَادِ جِنْسِ الْحَقِّ. والْحَقِّ: ضِدُّ الْبَاطِلِ. فَمِنْهُ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ، وَحَقُّ الْأُمَّةِ جَمْعَاءَ فِي مَصَالِحِهَا وَإِقَامَةِ آدَابِهَا، وَحَقُّ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ فِيمَا هُوَ مِنْ مَنَافِعِهِ وَدَفْعِ الضُّرِّ عَنْهُ. وَيَشْتَمِلُ حَقُّ النَّبِيءِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَأَوْقَاتِهِ، وَبِهَذَا الْعُمُومِ فِي الْحَقِّ صَارَتِ الْجُمْلَةُ بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ. ومِنَ فِي قَوْلِهِ: مِنَ الْحَقِّ لَيْسَتْ مِثْلَ مِنْ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ لِأَنَّ مِنَ هَذِهِ مُتَعَيِّنَةٌ لِكَوْنِهَا لِلتَّعْلِيلِ إِذِ الْحَقُّ لَا يُسْتَحْيَى مِنْ ذَاتِهِ فَمَعْنَى «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ» أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي لِبَيَانِهِ وَإِعْلَانِهِ. وَقَدْ أَفَادَ قَوْلُهُ: وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أَنَّ مِنْ وَاجِبَاتِ دِينِ اللَّهِ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ لَا يَسْتَحْيِي أَحَدٌ مِنَ الْحَقِّ الْإِسْلَامِيِّ فِي إِقَامَتِهِ، وَفِي مَعْرِفَتِهِ إِذَا حَلَّ بِهِ مَا يَقْتَضِي مَعْرِفَتَهُ، وَفِي إِبْلَاغِهِ وَهُوَ تَعْلِيمُهُ، وَفِي الْأَخْذِ بِهِ، إِلَّا فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى الْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ الَّتِي يَرْغَبُ أَصْحَابُهَا فِي إِسْقَاطِهَا أَوِ التَّسَامُحِ فِيهَا مِمَّا لَا يَغْمِصُ

стр. 7459

حَقًّا رَاجِعًا إِلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ النَّاسَ مَأْمُورُونَ بِالتَّخَلُّقِ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى اللَّائِقَةِ بِأَمْثَالِهِمْ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. وَهَذَا الْمَعْنَى فَهِمَتْهُ أُمُّ سليم وأقرها النبيء ﷺ عَلَى فَهْمِهَا، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سليم إِلَى النبيء فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» . فَهِيَ لَمْ تَسْتَحِ فِي السُّؤَالِ عَنِ الْحَقِّ الْمُتَعَلّق بهَا، والنبيء ﷺ لَمْ يَسْتَحِ فِي إِخْبَارِهَا بِذَلِكَ. وَلَعَلَّهَا لَمْ تَجِدْ مَنْ يَسْأَلُ لَهَا أَوْ لَمْ تَرَ لِزَامًا أَنْ تَسْتَنِيبَ عَنْهَا مَنْ يَسْأَلُ لَهَا عَنْ حُكْمٍ يَخُصُّ ذَاتَهَا. وَقَدْ رَأَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْجَمْعَ بَيْنَ طَلَبِ الْحَقِّ وَبَيْنَ الِاسْتِحْيَاءِ، فَفِي «الْمُوَطَّأِ» عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ إِذَا دَنَا مَنْ أَهْلِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنَّ عِنْدِي ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَنَا أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَهُ» الْحَدِيثَ. عَلَى أَنَّ بَيْنَ قَضِيَّةِ أُمِّ سُلَيْمٍ وَقَضِيَّةِ عَلِيٍّ تَفَاوُتًا مِنْ جِهَاتٍ فِي مُقْتَضَى الِاسْتِحْيَاءِ لَا تَخْفَى عَلَى الْمُتَبَصِّرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي وُرُودِ يُؤْذِي هُنَا مَا يُبْطِلُ الْمِثَالَ الَّذِي أُورَدَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِ «الْمَثَلِ السَّائِرِ» شَاهِدًا عَلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ قَدْ تَرُوقُ السَّامِعَ فِي كَلَامٍ ثُمَّ تَكُونُ هِيَ بِعَيْنِهَا مَكْرُوهَةً لِلسَّامِعِ. وَجَاءَ بِكَلِمَةِ يُؤْذِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَنَظِيرُهَا (تُؤْذِي) فِي قَوْلِ الْمُتَنَبِّي: تلذ لَهُ الْمُرُوءَة وَهِيَ تُوذِي وَزَعَمَ أَنَّ وَجُودَهَا فِي الْبَيْتِ يَحُطُّ مِنْ قَدْرِ الْمَعْنَى الشَّرِيفِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْبَيْتُ وَأَحَالَ فِي الْجَزْمِ بِذَلِكَ عَلَى الطَّبْعِ السَّلِيمِ، وَلَا أَحْسَبُ هَذَا الْحُكْمَ إِلَّا غَضَبًا مِنِ ابْنِ الْأَثِيرِ لَا تُسَوِّغُهُ صِنَاعَةٌ وَلَا يَشْهَدُ بِهِ ذَوْقٌ، وَلَقَدْ صَرَفَ أَيِمَّةُ الْأَدَبِ هَمَّهُمْ إِلَى بَحْثِ شِعْرِ الْمُتَنَبِّي وَنَقْدِهِ فَلَمْ يَعُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذَا مُنْتَقَدًا، مَعَ اعْتِرَافِ ابْنِ الْأَثِيرِ بِأَنَّ مَعْنَى الْبَيْتِ شَرِيفٌ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ كَرَاهَةَ هَذَا اللَّفْظِ فِيهِ رَاجِعَةٌ إِلَى أَمْرٍ لَفْظِيٍّ مِنَ الْفَصَاحَةِ، وَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ مِنَ الْإِخْلَالِ بِالْفَصَاحَةِ

стр. 7460

وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقَفِّيَ عَلَى قَدَمِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَاهِرِ فِيمَا ذَكَرَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي جَعَلَهُ ثَانِيًا مِنْ كِتَابِ «دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ» فَإِنَّ مَا انْتَقَدَهُ الشَّيْخُ فِي ذَلِكَ الْفَصْلِ مِنْ مَوَاقِعِ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ لَا يَخْلُو مِنْ رُجُوع نَقده إِيَّاهَا إِلَى أُصُولِ الْفَصَاحَةِ أَوْ أُصُولِ تَنَاسُبِ مَعَانِيَ الْكَلِمَاتِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ فِي نَظْمِ الْكَلَامِ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الصَّنِيعَيْنِ. وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ. عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبيء فَهِيَ زِيَادَةُ بَيَانٍ لِلنَّهْيِ عَنْ دُخُولِ الْبُيُوتِ النَّبَوِيَّةِ وَتَحْدِيدٌ لِمِقْدَارِ الضَّرُورَةِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى دُخُولِهَا أَوِ الْوُقُوفِ بِأَبْوَابِهَا. وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ شَارِعَةُ حُكْمِ حِجَابِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ. وَضَمِيرُ سَأَلْتُمُوهُنَّ عَائِدٌ إِلَى الْأَزْوَاجِ الْمَفْهُومِ مَنْ ذِكْرِ الْبُيُوتِ فِي قَوْلِهِ: بِيُوتَ النَّبِيءِ فَإِنَّ لِلْبُيُوتِ رَبَّاتَهُنَّ وَزَوْجُ الرَّجُلِ هِيَ رَبَّةُ الْبَيْتِ، قَالَ مُرَّةُ بْنُ مَحْكَانِ التَّمِيمِيُّ: يَا رَبَّةَ الْبَيْتِ قُومِي غَيْرَ صَاغِرَةٍ ... ضُمِّي إِلَيْكِ رِجَالَ الْحَيِّ وَالْغُرْبَا وَقَدْ كَانُوا لَا يَبْنِي الرَّجُلُ بَيْتًا إِلَّا إِذَا أَرَادَ التَّزَوُّجَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: كُنْتُ عَزَبًا أَبَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ. وَمِنْ أجل ذَلِك سموا الزِّفَافَ بِنَاءً. فَلَا جَرَمَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ وَالْبَيْتُ مُتَلَازِمَيْنِ فَدَلَّتِ الْبُيُوتُ عَلَى الْأَزْوَاجِ بِالِالْتِزَامِ. وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً لِأَصْحابِ الْيَمِينِ [الْوَاقِعَة: ٣٤- ٣٨] فَإِنَّ ذِكْرَ الْفُرُشِ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ لِلْفِرَاشِ امْرَأَةً، فَلَمَّا ذَكَرَ الْبُيُوتَ هُنَا تَبَادَرَ أَنَّ لِلْبُيُوتِ رَبَّاتٍ. وَالْمَتَاعُ: مَا يُحْتَاجُ إِلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ مِثْلَ عَارِيَةِ الْأَوَانِي وَنَحْوِهَا، وَمِثْلَ سُؤَالِ الْعُفَاةِ وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا هُوَ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنْ سُؤَالٍ عَنِ الدِّينِ أَوْ عَنِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَائِشَةَ عَنْ مَسَائِلِ الدِّينِ.

стр. 7461

وَالْحِجَابُ: السِّتْرُ الْمُرَخَى عَلَى بَابِ الْبَيْتِ. وَكَانَتِ السُّتُورُ مُرَخَاةً عَلَى أَبْوَاب بيُوت النبيء ﷺ الشَّارِعَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ. وَقَدْ وَرَدَ مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْوَفَاةِ حِين خرج النبيء ﷺ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ ثُمَّ أَرْخَى السِّتْرَ. ومِنْ وَراءِ حِجابٍ مُتَعَلق ب فَسْئَلُوهُنَّ فَهُوَ قَيْدٌ فِي السَّائِلِ وَالْمَسْئُولِ الْمُتَعَلِّقِ ضَمِيرَاهُمَا بِالْفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْمَجْرُورُ. ومِنَ ابْتِدَائِيَّةٌ. وَالْوَرَاءُ: مَكَانُ الْخَلْفِ وَهُوَ مَكَانٌ نِسْبِيٌّ بِاعْتِبَارِ الْمُتَّجِهِ إِلَى جِهَةٍ، فَوَرَاءَ الْحِجَابِ بِالنِّسْبَةِ للمتجهين إِلَيْهِ فالمسؤولة مُسْتَقْبِلَةٌ حِجَابَهَا وَالسَّائِلُ مِنْ وَرَاء حجابها وَبِالْعَكْسِ. وَالْإِشَارَةُ بِ ذلِكُمْ إِلَى الْمَذْكُورِ، أَيِ السُّؤَالُ الْمُقَيَّدُ بِكَوْنِهِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ. وَاسْمُ التَّفْضِيلِ فِي قَوْلِهِ: أَطْهَرُ مُسْتَعْمَلٌ لِلزِّيَادَةِ دُونَ التَّفْضِيلِ. وَالْمَعْنَى: ذَلِكَ أَقْوَى طَهَارَةً لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ فَإِنَّ قُلُوبَ الْفَرِيقَيْنِ طَاهِرَةٌ بِالتَّقْوَى وَتَعْظِيمِ حُرُمَاتِ الله وَحُرْمَة النبيء ﷺ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتِ التَّقْوَى لَا تَصِلُ بِهِمْ إِلَى دَرَجَةِ الْعِصْمَةِ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَزِيدَهُمْ مِنْهَا بِمَا يُكْسِبُ الْمُؤْمِنِينَ مَرَاتِبَ مِنَ الْحِفْظِ الْإِلَهِيِّ مِنَ الْخَوَاطِرِ الشَّيْطَانِيَّةِ بِقَطْعِ أَضْعَفِ أَسْبَابِهَا وَمَا يُقَرِّبُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَرْتَبَةِ الْعِصْمَةِ الثَّابِتَةِ لِزَوْجِهِنَّ ﷺ فَإِنَّ الطَّيِّبَاتِ لِلطَّيِّبِينَ بِقَطْعِ الخواطر الشيطانية عَنْهُن بِقَطْعِ دَابِرِهَا وَلَوْ بِالْفَرْضِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ لِلنَّاسِ أَوْهَامًا وَظُنُونًا سُوأَى تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُ نُفُوسِ النَّاسِ فِيهَا صرامة ووهنا، ونفاقا وَضَعْفًا، كَمَا وَقَعَ فِي قَضِيَّةِ الْإِفْكِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي سُورَةِ النُّورِ فَكَانَ شَرْعُ حِجَابِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ قَاطِعًا لِكُلِّ تَقول وإرجاف بعمد أَوْ بِغَيْرِ عَمْدٍ. وَوَرَاءَ هَذِهِ الْحِكَمِ كُلِّهَا حِكْمَةٌ أُخْرَى سَامِيَةٌ وَهِيَ زِيَادَة تَقْرِير معنى أُمُومَتِهِنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي هِيَ أُمُومَةٌ جَعْلِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ بِحَيْثُ إِنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْجَعْلِيَّ الرُّوحِيَّ وَهُوَ كَوْنُهُنَّ أُمَّهُاتِ يَرْتَدُّ وَيَنْعَكِسُ إِلَى بَاطِنِ النَّفْسِ وَتَنْقَطِعُ عَنْهُ الصُّوَرُ الذَّاتِيَّةُ وَهَيَ كُونُهُنَّ فُلَانَةً أَوْ فُلَانَةً فَيُصْبِحْنَ غَيْرَ مُتَصَوِّرَاتٍ إِلَّا بِعُنْوَانِ الْأُمُومَةِ فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الرُّوحِيُّ يُنْمِي فِي النُّفُوسِ، وَلَا تزَال الصُّور الْحِسِّيَّةُ

стр. 7462

تَتَضَاءَلُ مِنَ الْقُوَّةِ الْمُدْرَكَةِ حَتَّى يُصْبِحَ مَعْنَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعْنًى قَرِيبًا فِي النُّفُوسِ مِنْ حَقَائِقِ الْمُجَرَّدَاتِ كَالْمَلَائِكَةِ، وَهَذِهِ حِكْمَةٌ مِنْ حِكَمِ الْحِجَابِ الَّذِي سَنَّهُ النَّاسُ لِمُلُوكِهِمْ فِي الْقِدَمِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْخَلَ لِطَاعَتِهِمْ فِي نُفُوسِ الرَّعِيَّةِ. وَبِهَذِهِ الْآيَةِ مَعَ الْآيَة الَّتِي تقدمتها مِنْ قَوْلِهِ: يَا نسَاء النبيء لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [الْأَحْزَاب: ٣٢] تَحَقَّقَ مَعْنَى الْحِجَابِ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُرَكَّبِ مِنْ مُلَازَمَتِهِنَّ بُيُوتَهُنَّ وَعَدَمِ ظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ ذَوَاتِهِنَّ حَتَّى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَهُوَ حِجَابٌ خَاصٌّ بِهِنَّ لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِنَّ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقْتَدُونَ بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَعًا وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الْعَادَاتِ، وَلَمَّا أَنْشَدَ النُّمَيْرِيُّ عِنْدَ الْحَجَّاجِ قَوْلَهُ: يُخَمِّرْنَ أَطْرَافَ الْبَنَانِ مِنَ التُّقَى ... وَيَخْرُجْنَ جُنْحَ اللَّيْلِ مُعْتَجِرَاتٍ قَالَ الْحَجَّاجُ: وَهَكَذَا الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ الْمُسْلِمَةُ. وَدَلَّ قَوْلُهُ: لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ أَنَّ الْأَمْرَ مُتَوَجِّهٌ لِرِجَالِ الْأمة ولنساء النبيء ﷺ عَلَى السَّوَاءِ. وَقَدْ ألحق بِأَزْوَاج النبيء ﵇ بِنْتُهُ فَاطِمَةُ فَلِذَلِكَ لَمَّا خَرَجُوا بِجِنَازَتِهَا جَعَلُوا عَلَيْهَا قُبَّةً حَتَّى دفنت، وَكَذَلِكَ جعلت قُبَّةٌ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً. لَمَّا جِيءَ فِي بَيَانِ النَّهْيِ عَنِ الْمُكْثِ فِي بيُوت النبيء ﷺ بِأَنَّهُ يُؤْذِيِهِ أُتْبِعَ بِالنَّهْيِ عَنْ أَذَى النَّبِيءِ ﷺ نَهْيًا عَامًا، فَالْخِطَابُ فِي لَكُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُفْتَتَحِ بِخِطَابِهِمْ آيَةُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبيء إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ الْآيَةَ. وَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلَى جُمْلَةٍ أَوْ هِيَ وَاوُ الِاعْتِرَاضِ بَيْنَ جُمْلَةِ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً وَجُمْلَةِ لَا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ [الْأَحْزَاب: ٥٥] . وَدَلَّتْ جُمْلَةُ مَا كانَ لَكُمْ عَلَى الْحَظْرِ الْمُؤَكَّدِ لِأَنَّ مَا كانَ لَكُمْ نَفْيٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ اللَّامُ، وَإِقْحَامُ فِعْلِ كانَ لِتَأْكِيدِ انْتِفَاءِ الْإِذْنِ. وَهَذِهِ الصِّيغَةُ مِنْ صِيَغِ شِدَّةِ التَّحْرِيمِ.

стр. 7463

وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَحْرِيمُ أَنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَالْأَذَى: قَوْلٌ يُقَالُ لَهُ، أَوْ فِعْلٌ يُعَامَلُ بِهِ، مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُغْضِبَهُ أَوْ يَسُوءُهُ لِذَاتِهِ. وَالْأَذَى تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْآيَاتِ آنِفًا. وَالْمَعْنَى: أَن أَذَى النبيء ﵊ مَحْظُورٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَانْظُرِ الْبَابَ الثَّالِثَ مِنَ الْقَسْمِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ «الشِّفَاءِ» لِعِيَاضٍ. وَالْحُكْمُ الثَّانِي: تَحْرِيمُ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاس بقوله تَعَالَى: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً وَهُوَ تَقْرِيرٌ لِحُكْمِ أُمُومَةِ أَزْوَاجِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ السَّالِفِ فِي قَوْلِهِ: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الْأَحْزَاب: ٦] . وَقَدْ حُكِيَتْ أَقْوَالٌ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: مِنْهَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ: لَوْ مَاتَ مُحَمَّدٌ تَزَوَّجْتُ عَائِشَة، أَي قَالَه بِمَسْمَعٍ مِمَّنْ نَقَلَهُ عَنْهُ فَقِيلَ: هَذَا الرَّجُلُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَهَذَا هُوَ الْمَظْنُونُ بِقَائِلِ ذَلِكَ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَي خطر لَهُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ. وَذَكَرُوا رِوَايَةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُقَاتِلٍ أَنَّهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ هَفْوَةٌ مِنْهُ وَتَابَ وَكَفَّرَ بِالْحَجِّ مَاشِيًا وَبِإِعْتَاقِ رِقَابٍ كَثِيرَةٍ وَحَمَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى عَشَرَةِ أَفْرَاسٍ أَوْ أَبْعِرَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذَا عِنْدِي لَا يَصِحُّ عَلَى طَلْحَةَ وَاللَّهُ عَاصِمُهُ مِنْ ذَلِكَ، أَيْ إِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِ صُدُورِ الْقَوْلِ مِنْهُ فَأَمَّا إِنْ كَانَ خَطَرَ لَهُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ فَذَلِكَ خَاطِرٌ شَيْطَانِيٌّ أَرَادَ تَطْهِيرَ قَلْبَهُ فِيهِ بِالْكَفَّارَاتِ الَّتِي أَعْطَاهَا إِنْ صَحَّ ذَلِكَ. وَأَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ مَوْضُوعَاتِ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ فِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ وَاهِيَةُ الْأَسَانِيدِ وَدَلَائِلُ الْوَضْعِ وَاضِحَةٌ فَإِنَّ طَلْحَةَ إِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ لَمْ يَكُنْ لِيَخْفَى عَلَى النَّاسِ فَكَيْفَ يَتَفَرَّدُ بِرِوَايَتِهِ مَنِ انْفَرَدَ. وَإِنْ كَانَ خَطَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فَمَنْ ذَا الَّذِي اطَّلَعَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ، وَلَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ أَنْ يَكُونَ لِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ سَبَبٌ. فَإِنْ كَانَ لَهَا سَبَبٌ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَوْلُ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ لِمَا يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى عَقِبَ هَذِهِ الْآيَاتِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الْأَحْزَاب: ٦٠] الْآيَةَ. وَإِنَّمَا شَرَعَتِ الْآيَةُ أَنَّ حُكْمَ أمومة أَزوَاج النبيء ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ حُكْمٌ دَائِمٌ فِي حَيَاة النبيء ﵊ أَوْ مِنْ بَعْدِهِ وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ هُنَا عَلَى التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ حُكْمٌ ثَابِتٌ مِنْ بَعْدُ،

стр. 7464

لِأَنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الْأَحْزَاب: ٦] . وَإِضَافَةُ الْبَعْدِيَّةِ إِلَى ضمير ذَات النبيء ﵊ تُعِيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بَعْدَ حَيَاتِهِ كَمَا هُوَ الشَّائِعُ فِي اسْتِعْمَالِ مِثْلِ هَذِهِ الْإِضَافَةِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بَعْدَ عِصْمَتِهِ مِنْ نَحْوِ الطَّلَاقِ لِأَن طَلَاق النبيء ﷺ أَزْوَاجَهُ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ شَرْعًا لِقَوْلِهِ: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ [الْأَحْزَاب: ٥٢] . وَأُكِّدَ ظَرْفُ (بَعْدُ) بِإِدْخَالِ مِنَ الزَّائِدَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُكِّدَ عُمُومُهُ بِظَرْفِ أَبَداً لِيُعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَطَرَّقُهُ النُّسَخُ ثُمَّ زِيدَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وَتَحْذِيرًا بِقَوْلِهِ: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً، فَهُوَ اسْتِئْنَافٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ. وَالْإِشَارَةُ إِلَى مَا ذُكِرَ من إِيذَاء النبيء ﷺ وَتَزَوُّجِ أَزْوَاجِهِ، أَيْ ذَلِكُمُ الْمَذْكُورُ. وَالْعَظِيمُ هُنَا فِي الْإِثْمِ وَالْجَرِيمَةِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ. وَتَقْيِيدُ الْعَظِيمِ بِكَوْنِهِ عِنْدَ اللَّهِ لِلتَّهْوِيلِ وَالتَّخْوِيفِ لِأَنَّهُ عَظِيمٌ فِي الشَّنَاعَةِ. وَعِلَّةُ كَوْنِ تَزَوَّجِ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ إِحْدَى نسَاء النبيء ﷺ إِثْمًا عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ، أَنَّ اللَّهَ جعل نسَاء النبيء ﵊ أُمَّهَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ تَزَوُّجَ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ إِحْدَاهُنَّ لَهُ حُكْمُ تَزَوُّجِ الْمَرْءِ أُمَّهُ، وَذَلِكَ إِثْمٌ عَظِيمٌ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ هَلِ التَّحْرِيمُ الَّذِي فِي الْآيَةِ يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ اللَّاتِي بَنَى بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ هُوَ يَعُمُّ كُلَّ امْرَأَةٍ عَقَدَ عَلَيْهَا مِثْلَ الْكِنْدِيَّةِ الَّتِي اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ فَقَالَ لَهَا: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَتَزَوَّجَهَا الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَمِثْلَ قُتَيْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الْكَلْبِيَّةِ الَّتِي زَوَّجَهَا أَخُوهَا الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ حَمَلَهَا مَعَهُ إِلَى حَضْرَمَوْتَ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ قَبْلَ قُفُولِهِمَا فَتَزَوَّجَهَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهِلٍ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ هَمَّ بِعِقَابِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا. وَالْمَرْوِيَّاتُ فِي هَذَا الْبَابِ ضَعِيفَةٌ. وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْعَقْدَ كَانَا يَكُونَانِ مُقْتَرَنَيْنِ وَأَنَّ مَا يَسْبِقُ الْبِنَاءَ مِمَّا يُسَمُّونَهُ تَزْوِيجًا فَإِنَّمَا هُوَ مُرَاكَنَةٌ وَوَعْدٌ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا أُحْضِرَتْ إِلَيْهِ الْكِنْدِيَّةُ وَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ

стр. 7465

لَهَا: هَبِي لِي نَفْسَكِ (أَيْ لِيَعْلَمَ أَنَّهَا رَضِيَتْ بِمَا عَقَدَ لَهَا وَلِيُّهَا) فَقَالَتْ: مَا كَانَ لِمَلِكَةٍ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِسُوقَةٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. فَقَالَ لَهَا: لَقَدِ اسْتَعَذْتِ بِمُعَاذٍ . فَذَلِكَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ وَلَكِنَّهُ رُجُوعٌ عَنِ التَّزَوُّجِ بِهَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ وَأَنَّ قَوْلَ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرٍ أَوْ قَوْلُ مَنْ قَالَ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْعَقْدِ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ تَحْرِيمُ تَزَوُّجِ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا النَّبِيءُ ﷺ . وَرَجَعَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ أَنَّ التَّحْرِيمَ قَاصِرٌ عَلَى الَّتِي دَخَلَ بِهَا. عَلَى أَنَّهُ يَظْهَرُ أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي قَوْلِهِ: أَزْواجَهُ بِمَعْنَى لَامِ الْعَهْدِ، أَيِ الْأزْوَاج اللائي جَاءَت فِي شَأْنِهِنَّ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ [الْأَحْزَاب: ٥٢] فَهُنَّ اللَّاءِ ثَبَتَ لَهُنَّ حُكْمُ الْأُمَّهَاتِ. وَبَعْدُ فَإِنَّ الْبَحْثَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُجَرَّدُ تَفَقُّهٍ لَا يُبْنَى عَلَيْهِ عمل. [٥٤] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٥٤] إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤) كَلَامٌ جَامِعٌ تحريضا وتحذيرا ومنبىء عَن وعد ووعيد، فَإِنَّ مَا قَبْلَهُ قَدْ حَوَى أمرا ونهيا، وَإِذ كَانَ الِامْتِثَالُ مُتَفَاوِتًا فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَبِخَاصَّةٍ فِي النَّوَايَا وَالْمُضْمَرَاتِ كَانَ الْمَقَامُ مناسبا لتنبيههم وتذكيرهم بِأَنَّ اللَّهَ مَطَّلِعٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَالْمُرَادُ مِنْ شَيْئاً الْأَوَّلِ شَيْءٌ مِمَّا يُبْدُونَهُ أَوْ يُخْفُونَهُ وَهُوَ يَعُمُّ كُلَّ مَا يَبْدُو وَمَا يَخْفَى لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ. وَالْجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ: بِكُلِّ شَيْءٍ. وَإِظْهَارُ لَفْظِ شَيْءٍ هُنَا دُونَ إِضْمَارِ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ لَا يَسْتَقِيمُ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمَذْكُورَ ثَانِيًا هُوَ غَيْرُ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، إِذِ الْمُرَادُ بِالثَّانِي جَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ خُصُوصُ أَحْوَالِ النَّاسِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، فَاللَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ كَائِنٍ وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ مَا يُبْدُونَهُ وَيُخْفُونَهُ من أَحْوَالهم. [٥٥] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٥٥] لَا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٥٥) تَخْصِيصٌ مِنْ عُمُومِ الْأَمْرِ بِالْحِجَابِ الَّذِي اقْتَضَاهُ قَوْله: فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الْأَحْزَاب: ٥٣] .

стр. 7466

وَإِنَّمَا رَفَعَ الْجُنَاحَ عَن نسَاء النبيء ﷺ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُنَّ مَأْمُورَاتٌ بِالْحِجَابِ كَمَا أُمِرَ رِجَالُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ مَعَهُنَّ فَكَانَ الْمَعْنَى: لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ وَلَا عَلَيْكُمْ، كَمَا أَن معنى فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَنَّهُنَّ أَيْضًا يُجِبْنَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَة إِلَيْهِ يَقُوله: ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الْأَحْزَاب: ٥٣] . وَالظَّرْفِيَّةُ الْمُفَادَةُ مِنْ حَرْفِ فِي مَجَازِيَّةٌ شَائِعَةٌ فِي مِثْلِهِ، يُقَالُ: لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ فِي كَذَا، فَهُوَ كَالْحَقِيقَةِ فَلَا تُلَاحِظُ فِيهِ الِاسْتِعَارَةَ، وَالْمَجْرُورُ مُقَدَّرٌ فِيهِ مُضَافٌ تَقْدِيرُهُ: فِي رُؤْيَةِ آبَائِهِنَّ إِيَّاهُنَّ، وَإِنَّمَا رَجَّحَ جَانِبَهُنَّ هُنَا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْإِذْنِ، لِأَنَّ الرِّجَالَ مَأْمُورُونَ بِالِاسْتِئْذَانِ كَمَا اقْتَضَتْهُ آيَةُ سُورَةِ النُّورِ، وَالْإِذْنُ يَصْدُرُ مِنْهُنَّ فَلِذَلِكَ رَجَّحَ هُنَا جَانِبَهُنَّ فَأُضِيفَ الْحُكْمُ إِلَيْهِنَّ. وَالنِّسَاءُ: اسْمُ جَمْعِ امْرَأَةٍ لَا مُفْرِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ فِي كَلَامِهِمْ، وَهُنَّ الْإِنَاثُ الْبَالِغَاتُ أَوِ الْمُرَاهِقَاتُ. وَالْمُرَادُ بِ نِسائِهِنَّ جَمِيعُ النِّسَاءِ، فَإِضَافَتُهُ إِلَى ضَمِيرِ الْأَزْوَاجِ اعْتِبَارٌ بِالْغَالِبِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ تَكُونَ النِّسَاءُ اللَّاتِي يدخلن على أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ نِسَاءٌ اعْتَدْنَ أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْهِنَّ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُ النِّسَاءِ. وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ أَصْنَافِ الْأَقْرِبَاءِ الْأَعْمَام وَلَا الْأَخْوَالِ لِأَنَّ ذِكْرَ أَبْنَاءِ الْإِخْوَانِ وَأَبْنَاءِ الْأَخَوَاتِ يَقْتَضِي اتِّحَادَ الْحُكْمِ، مِنْ أَنَّهُ لَمَّا رَفَعَ الْحَرج عَنْهُن فِيمَن هن عمات لَهُنَّ أَو خالات كَانَ رفع الْحَرَجَ عَنْهُنَّ فِي الْأَعْمَامِ وَالْأَخْوَالِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا قَرَابَةُ الرَّضَاعَةِ فَمَعْلُومَةٌ مِنَ السُّنَّةِ، فَأُرِيدَ الِاخْتِصَارُ هُنَا إِذِ الْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلَى تَحْقِيقِ الْحِجَابِ لِيُفْضِيَ إِلَى قَوْلِهِ: وَاتَّقِينَ اللَّهَ. وَالْتَفَتَ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى خطابهن فِي قَوْله: وَاتَّقِينَ اللَّهَ لتشريف نسَاء النبيء ﷺ بِتَوْجِيهِ الْخِطَابِ الْإِلَهِيِّ إِلَيْهِنَّ. وَالشَّهِيدُ: الشَّاهِدُ مُبَالَغَةً فِي الْفِعْل.

стр. 7467

[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٥٦] إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) أُعْقِبَتْ أَحْكَامُ مُعَاملَة أَزوَاج النبيء ﵊ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَشْرِيفِ مَقَامِهِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ جَارِيَةٌ عَلَى مُنَاسَبَةِ عَظمَة مقَام النبيء ﵊ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى أَنَّ لِأَزْوَاجِهِ مِنْ ذَلِكَ التَّشْرِيفِ حَظًّا عَظِيمًا. وَلِذَلِكَ كَانَتْ صِيغَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ الَّتِي عَلَّمَهَا لِلْمُسْلِمِينَ مُشْتَمِلَةً عَلَى ذِكْرِ أَزْوَاجِهِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، وَلِيُجْعَلَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ بتكرير ذكر النبيء ﷺ بِالثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّعْظِيمِ، وَذُكِرَ صَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ مَعَ صَلَاةِ اللَّهِ ليَكُون مِثَالا من صَلَاة أَشْرَفِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى الرَّسُولِ لِتَقْرِيبِ دَرَجَةِ صَلَاةِ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي يُؤْمَرُونَ بِهَا عَقِبَ ذَلِكَ، وَالتَّأْكِيدُ لِلِاهْتِمَامِ. وَمَجِيءُ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَقْوِيَةِ الْخَبَرِ، وَافْتِتَاحُهَا بِاسْمِ الْجَلَالَةِ لِإِدْخَالِ الْمَهَابَةِ وَالتَّعْظِيمِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ فِي هَذِه السُّورَة [٤٣] . وَهَذِه صَلَاة خَاصَّة هِيَ أرفع صَلَاة مِمَّا شَمله قَوْله هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِأَنَّ عَظمَة مقَام النبيء يَقْتَضِي عَظَمَةَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَجُمْلَةُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ وَمَا قَبْلَهَا تَوْطِئَةٌ لَهَا وَتَمْهِيدٌ لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا حَذَّرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كُلِّ مَا يُؤْذِي الرَّسُولَ ﵊ أَعْقَبَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ أَقْصَى حَظِّهِمْ مِنْ مُعَامَلَةِ رَسُولِهِمْ أَنْ يَتْرُكُوا أَذَاهُ بَلْ حَظُّهُمْ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيُسَلِّمُوا، وَذَلِكَ هُوَ إكرامهم الرَّسُول ﵊ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ إِكْرَامِهِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ بِحَضْرَتِهِ بِدَلَالَةِ الْفَحْوَى، فَجُمْلَةُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِمَنْزِلَةِ النَّتِيجَةِ الْوَاقِعَةِ بعد التَّمْهِيد. وَجِيء فِي صَلَاةِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ بِالْمُضَارِعِ الدَّالِّ عَلَى التَّجْدِيدِ وَالتَّكْرِيرِ لِيَكُونَ أَمْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمِ عَقِبَ ذَلِكَ مُشِيرًا إِلَى تَكْرِيرِ ذَلِكَ مِنْهُمْ أُسْوَةً بِصَلَاةِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ. وَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ: إِيجَادُ الصَّلَاةِ، وَهِيَ الدُّعَاء، فَالْأَمْر يؤول إِلَى إِيجَادِ أَقْوَالٍ فِيهَا دُعَاءٌ وَهُوَ مُجْمَلٌ فِي الْكَيْفِيَّةِ. وَالصَّلَاةُ: ذِكْرٌ بِخَيْرٍ، وَأَقْوَالٌ تَجْلِبُ الْخَيْرَ، فَلَا جَرَمَ كَانَ الدُّعَاءُ هُوَ أَشْهَرَ

стр. 7468

مُسَمَّيَاتِ الصَّلَاةِ، فَصَلَاةُ اللَّهِ: كَلَامُهُ الَّذِي يُقَدِّرُ بِهِ خَيْرًا لِرَسُولِهِ ﷺ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الدُّعَاءِ فِي جَانِبِ اللَّهِ مُعَطَّلٌ، لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يَدْعُوهُ النَّاسُ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ: اسْتِغْفَارٌ وَدُعَاءٌ بِالرَّحَمَاتِ. وَظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّ الْوَاجِبَ كُلُّ كَلَامٍ فِيهِ دُعَاء للنبيء ﷺ ، وَلَكِنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة سَأَلُوا النبيء ﷺ عَنْ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ قَدْ عَلِمْنَاهُ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟» يَعْنُونَ أَنَّهُمْ عَلِمُوا السَّلَامَ عَلَيْهِ مِنْ صِيغَةِ بَثِّ السَّلَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَفِي التَّشَهُّدِ فَالسَّلَامُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ صِيغَتُهُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. وَالسَّلَامُ فِي التَّشَهُّد هُوَ «السَّلَام عيك أَيهَا النبيء وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» أَوِ «السَّلَام على النبيء وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: قُولُوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكَتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» . هَذِهِ رِوَايَةُ مَالِكٍ فِي «الْمُوَطَّأِ» عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ بِلَفْظِ «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» (عَنْ أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ) وَبِزِيَادَةٍ «فِي الْعَالَمِينَ» ، قَبْلَ: «إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ» . وَهُمَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ. وَهُنَاكَ رِوَايَاتٌ خَمْسٌ أُخْرَى مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى وَفِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ وَقَدِ اسْتَقْصَاهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ» . وَمَرْجِعُ صيغها إِلَى تَوَجُّهٌ إِلَى اللَّهِ بِأَنْ يُفِيضَ خَيْرَاتٍ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ لِأَنَّ مَعْنَى الصَّلَاة الدُّعَاء، وَالدُّعَاء من حسن الْأَقْوَال، وَدُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ. وَظَاهِرُ صِيغَةِ الْأَمْرِ مَعَ قَرِينَةِ السِّيَاقِ يَقْتَضِي وُجُوبَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمُؤمن على النبيء ﷺ ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مُجْمَلًا فِي الْعَدَدِ فَمَحْمَلُهُ مَحْمَلُ الْأَمْرِ الْمُجْمَلِ أَنْ يُفِيدَ الْمَرَّةَ لِأَنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ لِإِيقَاعِ الْفِعْلِ وَلِمُقْتَضَى الْأَمْرِ. وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يُصَلِّي على النبيء ﷺ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ، فَجَعَلُوا وَقْتَهَا الْعُمُرَ كَالْحَجِّ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فِي حُكْمِهِ وَمِقْدَارِهِ، وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ الْإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَخَاصَّةً عِنْدَ وُجُودِ أَسْبَابِهَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ

стр. 7469

الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ فَمَنْ تَرَكَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. قَالَ إِسْحَاقُ: وَلَوْ كَانَ نَاسِيا. وَظَاهر حكايتهم عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ تَرْكَهَا إِنَّمَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ إِذَا كَانَ عَمْدًا وَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ بَيَانًا لِلْإِجْمَالِ الَّذِي فِي الْأَمْرِ مِنْ جِهَةِ الْوَقْتِ وَالْعَدَدِ، فَجَعَلُوا الْوَقْتَ هُوَ إِيقَاعُ الصَّلَاةِ لِلْمُقَارَنَةِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ، وَالتَّسْلِيمُ وَارِدٌ فِي التَّشَهُّدِ، فَتَكُونُ الصَّلَاةُ مَعَهُ عَلَى نَحْوِ مَا اسْتَدَلَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ: لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا مَأْخَذَهُمْ فَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَرِدْ فِي مَقَامِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ مُجْمَلًا بِلَا دَلِيلٍ. وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: هِيَ فِي الصَّلَاةِ مُسْتَحَبَّةٌ وَهِيَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَهُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ لِلشَّافِعِيِّ فِيهَا قُدْوَةً وَهُوَ مُخَالِفٌ لِعَمَلِ السَّلَفِ قَبْلَهُ، وَقَدْ شَنَّعَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جِدًّا. وَهَذَا تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي علمه النبيء ﷺ وَالَّذِي اخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ فِيهِ الصَّلَاة على النبيء، كَذَلِكَ كُلُّ مَنْ رَوَى التَّشَهُّدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ عَلَى الْمِنْبَرِ كَمَا تُعَلِّمُونَ الصِّبْيَانَ فِي الْكُتَّابِ، وَعَلَّمَهُ أَيْضًا عَلَى الْمِنْبَرِ عُمَرُ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرُ الصَّلَاة على النبيء ﷺ . قُلْتُ: فَمَنْ قَالَ إِنَّهَا سَنَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُسْتَحَبَّ. وَأَمَّا حَدِيثُ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» فَقَدْ ضَعَّفَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ. وَمِنْ أَسْبَابِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ مَنْ جَرَى ذِكْرُهُ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ فِي افْتِتَاحِ الْكُتُبِ وَالرَّسَائِلِ، وَعِنْدَ الدُّعَاءِ، وَعِنْدَ سَمَاعِ الْآذَانِ، وَعِنْدَ انْتِهَاءِ الْمُؤَذِّنِ، وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَفِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. وَفِي التَّوْطِئَةِ لِلْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيءِ بِذِكْرِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ فِي يُصَلُّونَ إِشَارَةٌ إِلَى التَّرْغِيبِ فِي الْإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيءِ ﷺ تَأَسِّيًا بِصَلَاةِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّا لَمْ نَقِفْ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيءِ ﷺ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى النبيء كلما جرى ذُكِرَ اسْمُهُ وَلَا أَنْ يَكْتُبُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إِذَا كَتَبُوا اسْمَهُ وَلَمْ نَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ مَبْدَأِ كِتَابَةِ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 7470

وَالَّذِي يَبْدُو أَنَّهُمْ كَانُوا يصلونَ على النبيء إِذَا تَذكرُوا بعض شؤونه كَمَا كَانُوا يَتَرَحَّمُونَ عَلَى الْمَيِّتِ إِذَا ذَكَرُوا بَعْضَ مَحَاسِنِهِ. وَفِي «السِّيرَةِ الْحَلَبِيَّةِ» : «لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاعْتَرَى عُمَرُ مِنَ الدَّهَشِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ وَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ قَالَ عُمَرُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى رَسُولِهِ وَعِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ رَسُولَهُ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ: مَتَى يُحِلُّ الْمُعْتَمِرُ: عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالْحَجُونِ «صَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَاهُنَا وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ» إِلَى آخِرِهِ. وَفِي بَابِ مَا يَقُولُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ مِنْ «جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ» حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي «التَّارِيخِ الْكَامِلِ» فِي حَوَادِثِ سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ رَثَى مُحَمَّدًا النَّفْسَ الزَّكِيَّةَ بِأَبْيَاتٍ مِنْهَا: وَاللَّهِ لَوْ شهد النبيء مُحَمَّدٌ ... صَلَّى الْإِلَهُ على النبيء وَسَلَّمَا ثُمَّ أُحْدِثَتِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيءِ ﷺ فِي أَوَائِلِ الْكُتُبِ فِي زَمَنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي «الْكَامِلِ» فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَذَكَرَهُ عِيَاضٌ فِي «الشِّفَاءِ» ، وَلَمْ يَذْكُرَا صِيغَةَ التَّصْلِيَةِ. وَفِي «الْمُخَصَّصِ» لِابْنِ سِيدَهْ فِي ذِكْرِ الْخُفِّ وَالنَّعْلِ: أَنَّ أَبَا مُحَلِّمٍ بَعَثَ إِلَى حَذَّاءٍ بِنَعْلٍ لِيَحْذُوَهَا وَقَالَ لَهُ: «ثُمَّ سُنَّ شَفْرَتَكَ وَسُنَّ رَأْسَ الْإِزْمِيلِ ثُمَّ سَمِّ بِاسْمِ اللَّهِ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ثُمَّ انْحُهَا» إِلَى آخِرِهِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ إِتْبَاعَ اسْمَ النَّبِيءِ ﷺ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَغَيْرِهَا كَانَ مَوْجُودًا فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ، وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى قِطْعَةٍ عَتِيقَةٍ مِنْ تَفْسِيرِ يَحْيَى بْنِ سَلَّامٍ الْبَصْرِيِّ مُؤَرَّخٍ نَسْخُهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فَإِذَا فِيهَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيءِ عَقِبَ ذِكْرِهِ اسْمَهُ.

стр. 7471

وَأَحْسَبُ أَنَّ الَّذِينَ سَنُّوا ذَلِكَ هُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِهِ عَلَى «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» «يُسْتَحَبُّ لِكَاتِبِ الْحَدِيثِ إِذا مر بِذكر اللَّهِ أَنْ يَكْتُبَ ، أَوْ تَعَالَى، أَوْ ، أَوْ ﵎، أَوْ جَلَّ ذِكْرُهُ، أَوْ تَبَارَكَ اسْمُهُ، أَوْ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَكْتُبُ عِنْدَ ذكر النبيء « ﷺ » بكمالها لَا رَامِزًا إِلَيْهَا وَلَا مُقْتَصِرًا عَلَى بَعْضِهَا، وَيَكْتُبُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا فِي الْأَصْلِ الَّذِي يُنْقَلُ مِنْهُ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ رِوَايَةً وَإِنَّمَا هُوَ دُعَاء. وَيَنْبَغِي للقارىء أَنْ يَقْرَأَ كُلَّ مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا فِي الْأَصْلِ الَّذِي يَقْرَأُ مِنْهُ وَلَا يَسْأَمُ مِنْ تَكَرُّرِ ذَلِكَ، وَمَنْ أَغْفَلَ ذَلِكَ حُرِمَ خَيْرًا عَظِيمًا» اهـ. وَقَوْلُهُ: وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي صَلُّوا عَلَيْهِ حُكْمًا وَمَكَانًا وَصِفَةً فَإِنَّ صِفَتَهُ حُدِّدَتْ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ : «وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ» فَإِنَّ الْمَعْلُومَ هُوَ صِيغَتُهُ الَّتِي فِي التَّشَهُّدِ «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيءُ وَرَحِمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِيهِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيءِ ﷺ «السَّلَامُ عَلَى النَّبِيءِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» . وَالْجُمْهُورُ أَبْقَوْا لَفْظَهُ عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي كَانَ فِي حَيَاةِ النَّبِيءِ ﵊ رَعْيًا لِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيءِ ﵊ أَنَّهُ حَيٌّ يَبْلُغُهُ تَسْلِيمَ أُمَّتِهِ عَلَيْهِ. وَمِنْ أَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى أُبْقِيَتْ لَهُ صِيغَةُ التَّسْلِيمِ عَلَى الْأَحْيَاءِ وَهِيَ الصِّيغَةُ الَّتِي يَتَقَدَّمُ فِيهَا لَفَظُ التَّسْلِيمِ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ بِهِ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ عَلَى الْأَمْوَاتِ يَكُونُ بِتَقْدِيمِ الْمَجْرُورِ عَلَى لَفْظِ السَّلَامِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ للَّذي سلم عَلَيْهِ فَقَالَ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى، فَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكَ» . وَالتَّسْلِيمُ مَشْهُورٌ فِي أَنَّهُ التَّحِيَّةُ بِالسَّلَامِ، وَالسَّلَامُ فِيهِ بِمَعْنَى الْأَمَانِ وَالسَّلَامَةِ، وَجُعِلَ تَحِيَّةً فِي الْأَوَّلِينَ عِنْدَ اللِّقَاءِ مُبَادَأَةً بِالتَّأْمِينِ مِنَ الِاعْتِدَاءِ وَالثَّأْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِذْ كَانُوا إِذْ اتَّقَوْا أَحَدًا تَوَجَّسُوا خِيفَةً أَنْ يَكُونَ مُضْمِرًا شَرًّا لِمُلَاقِيهِ، فَكِلَاهُمَا يَدْفَعُ ذَلِكَ الْخَوْفَ بِالْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ مُلْقٍ عَلَى مُلَاقِيهِ سَلَامَةً وَأَمْنًا. ثُمَّ شَاعَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ هَذَا اللَّفْظُ دَالًّا عَلَى الْكَرَامَةِ وَالتَّلَطُّفِ، قَالَ النَّابِغَةُ:

стр. 7472

أَتَارِكَةٌ تَدَلُّلَهَا قَطَامِ ... وَضِنًّا بِالتَّحِيَّةِ وَالسَّلَامِ وَلِذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَسَلِّمُوا غَيْرَ مُجْمَلٍ وَلَا مُحْتَاجٍ إِلَى بَيَانٍ فَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ الصَّحَابَةُ النَّبِيءَ ﷺ وَقَالُوا: هَذَا السَّلَامُ قَدْ عَرَفْنَاهُ، وَقَالَ لَهُمْ: وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ، أَيْ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ مِنْ صِيغَةِ السَّلَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ. وَإِذْ قَدْ كَانَتْ صِيغَةُ السَّلَامِ مَعْرُوفَةً كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ مَا يُمَاثِلُ تِلْكَ الصِّيغَةَ أَعْنِي أَنْ نَقُولَ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيءِ أَوْ ﵇، وَأَنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِتَوَجُّهٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى النَّبِيءِ بِخِلَافِ التَّصْلِيَةِ لِمَا عَلِمْتَ مِمَّا اقْتَضَى ذَلِكَ فِيهَا. وَالْآيَةُ تَضَمَّنَتِ الْأَمْرَ بِشَيْئَيْنِ: الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيءِ ﷺ وَالتَّسْلِيمُ عَلَيْهِ، وَلَمْ تَقْتَضِ جَمْعَهُمَا فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ وَهُمَا مُفَرَّقَانِ فِي كَلِمَاتِ التَّشَهُّدِ فَالْمُسْلِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقْرِنَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ بِأَنْ يَقُولَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ، أَوْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالسَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتِي فِي جَانِبِ التَّصْلِيَةِ بِصِيغَةِ طَلَبِ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ، وَفِي جَانِبِ التَّسْلِيمِ بِصِيغَةِ إِنْشَاءِ السَّلَامِ بِمَنْزِلَةِ التَّحِيَّةِ لَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يُفْرِدَ الصَّلَاةَ وَيُفْرِدَ التَّسْلِيمَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عِيَاضٌ فِي «الشِّفَاءِ» أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَالَ: لَقِيتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ لِي: أُبَشِّرُكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: مَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَمَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ. وَعَنِ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ بِكَرَاهَةِ إِفْرَادِ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَعَلَّهُ أَرَادَ خِلَافَ الْأَوْلَى. وَفِي الِاعْتِذَارِ وَالْمُعْتَذَرِ عَنْهُ نَظَرٌ إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ، فَلَيْسَ بِوَارِدٍ فِيهِ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ وَلَا حَسَنٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ إِلَّا بِصِيغَةِ إِنْشَاءِ السَّلَامِ مِثْلَ مَا فِي التَّحِيَّةِ، وَلَكِنَّهُمْ تَسَامَحُوا فِي حَالَةِ الِاقْتِرَانِ بَيْنَ التَّصْلِيَةِ وَالتَّسْلِيمِ فَقَالُوا: ﷺ ، لِقَصْدِ الِاخْتِصَارِ فِيمَا نَرَى. وَقَدِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ. وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهَا قَالَتْ: «صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ» . وَمَعْنَى تَسْلِيمِ اللَّهِ عَلَيْهِ إِكْرَامُهُ وَتَعْظِيمُهُ فَإِنَّ السَّلَامَ كِنَايَةٌ عَنْ ذَلِكَ.

стр. 7473

وَقَدِ اسْتَحْسَنَ أَيِمَّةُ السَّلَفِ أَنْ يُجْعَلَ الدُّعَاءُ بِالصَّلَاةِ مَخْصُوصًا بِالنَّبِيءِ ﷺ . وَعَنْ مَالِكٍ: لَا يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ نَبِيئِنَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. يُرِيدُ أَنَّ تِلْكَ هِيَ السُّنَّةُ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّ الصَّلَاةَ خَاصَّةٌ بِالنَّبِيئِينَ كُلِّهِمْ. وَأَمَّا التَّسْلِيمُ فِي الْغَيْبَةِ فَمَقْصُورٌ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ لَا يُشْرِكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ [الصافات: ٧٩] ، وَقَوْلِهِ: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ [الصافات: ١٣٠] ، سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ [الصافات: ١٢٠] ، سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ [الصافات: ١٠٩] . وَأَنَّهُ يَجُوزُ إِتْبَاعُ آلِهِمْ وَأَصْحَابِهِمْ وَصَالِحِي الْمُؤْمِنِينِ إِيَّاهُمْ فِي ذَلِكَ دُونَ اسْتِقْلَالٍ. هَذَا الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ اصْطِلَاحُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَمْ يَقْصِدُوا بِذَلِكَ تَحْرِيمًا وَلَكِنَّهُ اصْطِلَاحٌ وَتَمْيِيزٌ لِمَرَاتِبِ رِجَالِ الدِّينِ، كَمَا قَصَرُوا الرِّضَى عَلَى الْأَصْحَابِ وَأَيِمَّةِ الدِّينِ، وَقَصَرُوا كَلِمَاتِ الْإِجْلَالِ نَحْوَ: ﵎، وَجَلَّ جَلَالُهُ، عَلَى الْخَالِقِ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ. وَأَمَّا الشِّيعَةُ فَإِنَّهُمْ يَذْكُرُونَ التَّسْلِيمَ عَلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَآلِهِمَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِعَمَلِ السَّلَفِ فَلَا يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِهِ الْغَضَّ مِنَ الْخُلَفَاءِ وَالصَّحَابَةِ. وَانْتَصَبَ تَسْلِيماً عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ سَلِّمُوا وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَكِّدِ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِمَصْدَرٍ فَيُقَالُ: صَلُّوا عَلَيْهِ صَلَاةً، لِأَنَّ الصَّلَاةَ غَلَبَ إِطْلَاقُهَا عَلَى مَعْنَى الِاسْمِ دُونَ الْمَصْدَرِ، وَقِيَاسُ الْمَصْدَرِ التَّصْلِيَةُ وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي الْكَلَامِ لِأَنَّهُ اشْتُهِرَ فِي الْإِحْرَاقِ، قَالَ تَعَالَى: وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ [الْوَاقِعَة: ٩٤] ، عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَدْ حَصَلَ تَأْكِيدُهُ بِالْمَعْنَى لَا بِالتَّأْكِيدِ الِاصْطِلَاحِيِّ فَإِنَّ التَّمْهِيدَ لَهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيءِ مُشِيرٌ إِلَى التَّحْرِيضِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِشَأْنِ الله وَمَلَائِكَته. [٥٧] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٥٧] إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧) لَمَّا أَرْشَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى تَنَاهِي مَرَاتِبِ حُرْمَةِ النَّبِيءِ ﷺ وَتَكْرِيمِهِ وَحَذَّرَهُمْ

стр. 7474

مِمَّا قَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِهِمْ مِنْ خَفِيِّ الْأَذَى فِي جَانِبِهِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النبيء [الْأَحْزَاب: ٥٣] وَقَوْلِهِ: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الْأَحْزَاب: ٥٣] وَعَلَّمَهُمْ كَيْفَ يُعَامِلُونَهُ مُعَامَلَةَ التَّوْقِيرِ وَالتَّكْرِيمِ بِقَوْلِهِ: وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ [الْأَحْزَاب: ٥٣] وَقَوْلِهِ: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [الْأَحْزَاب: ٥٣] وَقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ على النبيء [الْأَحْزَاب: ٥٦] الْآيَةَ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ قَدِ امْتَثَلُوا أَوْ تَعَلَّمُوا أَرْدَفَ ذَلِكَ بِوَعِيدِ قَوْمٍ اتَّسَمُوا بِسِمَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَ مِنْ دَأْبِهِمُ السَّعْيُ فِيمَا يُؤْذِي الرَّسُولَ ﵊ فَأَعْلَمَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ أُولَئِكَ مَلْعُونُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ليعلم الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ أُولَئِكَ لَيْسُوا مِنَ الْإِيمَانِ فِي شَيْءٍ وَأَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْوَعِيدِ لَا يُعْهَدُ إِلَّا لِلْكَافِرِينَ. فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّهُ يَخْطُرُ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَسْمَعُ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ أَنْ يَتَسَاءَلُوا عَنْ حَالِ قَوْمٍ قَدْ عُلِمَ مِنْهُمْ قِلَّةُ التَّحَرُّزِ مِنْ أَذَى الرَّسُولِ ﷺ بِمَا لَا يَلِيقُ بِتَوْقِيرِهِ. وَجِيءَ بِاسْمِ الْمَوْصُولِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ عَرَفُوا بِأَنَّ إِيذَاءَ النَّبِيءِ ﷺ مِنْ أَحْوَالِهِمُ الْمُخْتَصَّةِ بِهِمْ، وَلِدَلَالَةِ الصِّلَةِ عَلَى أَنَّ أَذَى النَّبِيءِ ﷺ هُوَ عِلَّةُ لَعْنِهِمْ وَعَذَابِهِمْ. وَاللَّعْنُ: الْإِبْعَادُ عَنِ الرَّحْمَةِ وَتَحْقِيرِ الْمَلْعُونِ. فَهُمْ فِي الدُّنْيَا مُحَقَّرُونَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَمَحْرُومُونَ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ وَعِنَايَتِهِ، وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مُحَقَّرُونَ بِالْإِهَانَةِ فِي الْحَشْرِ وَفِي الدُّخُولِ فِي النَّارِ. وَالْعَذَابُ الْمُهِينُ: هُوَ عَذَابُ جَهَنَّمَ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ مُهِينٌ لِأَنَّهُ عَذَابٌ مَشُوبٌ بِتَحْقِيرٍ وَخِزْيٍ. وَالْقَرْنُ بَيْنَ أَذَى اللَّهِ وَرَسُوِلِهِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ أَذَى الرَّسُولِ ﷺ يُغْضِبُ اللَّهَ تَعَالَى فَكَأَنَّهُ أَذًى لِلَّهِ. وَفِعْلُ يُؤْذُونَ مُعَدًّى إِلَى اسْمِ اللَّهِ عَلَى مَعْنَى الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ فِي اجْتِلَابِ غَضَبِ اللَّهِ وَتَعْدِيَتُهُ إِلَى الرَّسُولِ حَقِيقَةٌ. فَاسْتُعْمِلَ يُؤْذُونَ فِي مَعْنَيَيْهِ الْمَجَازِيِّ وَالْحَقِيقِيِّ.

стр. 7475

وَمَعْنَى هَذَا قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «مَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ» وَأَذَى الرَّسُولِ ﵊ يَحْصُلُ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ فِيمَا يَفْعَلُهُ، وَبِالْكَيْدِ لَهُ، وَبِأَذَى أَهْلِهِ مِثْلَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْإِفْكِ، وَالطَّاعِنِينَ أَعْمَالَهُ، كَالطَّعْنِ فِي إِمَارَةِ زَيْدٍ وَأُسَامَةَ، وَالطَّعْنِ فِي أَخْذِهِ صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ طَعَنُوا فِي اتِّخَاذِ النَّبِيءِ ﷺ صَفِيَّةَ بِنْتَ حييّ لنَفسِهِ» . [٥٨] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٥٨] وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨) أُلْحِقَتْ حُرْمَةُ الْمُؤْمِنِينَ بِحُرْمَةِ الرَّسُولِ ﷺ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ، وَذُكِرُوا عَلَى حِدَةٍ لِلْإِشَارَةِ إِلَى نُزُولِ رُتْبَتِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الرَّسُولِ ﵊. وَهَذَا مِنَ الِاسْتِطْرَادِ مُعْتَرَضٌ بَيْنَ أَحْكَامِ حُرْمَةِ النَّبِيءِ ﷺ وَآدَابِ أَزْوَاجِهِ وَبَنَاتِهِ وَالْمُؤْمِنَات. وَعَطْفُ الْمُؤْمِناتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لِلتَّصْرِيحِ بِمُسَاوَاةِ الْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا مِنَ الشَّرِيعَةِ، لِوَزْعِ الْمُؤْذِينَ عَنْ أَذَى الْمُؤْمِنَاتِ لِأَنَّهُنَّ جَانِبٌ ضَعِيفٌ بِخِلَافِ الرِّجَالِ فَقَدْ يَزَعُهُمْ عَنْهُمُ اتِّقَاءُ غَضَبِهِمْ وَثَأْرِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ. وَالْمُرَادُ بِالْأَذَى: أَذَى الْقَوْلِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً لِأَنَّ الْبُهْتَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَقْوَالِ وَذَلِكَ تَحْقِيرٌ لِأَقْوَالِهِمْ، وَأَتْبَعَ ذَلِكَ التَّحْقِيرَ بِأَنَّهُ إِثْمٌ مُبِينٌ. وَالْمُرَادُ بِالْمُبِينِ الْعَظِيمُ الْقَوِيُّ، أَيْ جُرْمًا مِنْ أَشَدِّ الْجُرْمِ، وَهُوَ وَعِيدٌ بِالْعِقَابِ عَلَيْهِ. وَضَمِيرُ اكْتَسَبُوا عَائِدٌ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَهَذَا الْحَالُ لِزِيَادَةِ تَشْنِيعِ ذَلِكَ الْأَذَى بِأَنَّهُ ظُلْمٌ وَكَذِبٌ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَالِ تَقْيِيدَ الْحُكْمِ حَتَّى يَكُونَ مَفْهُومُهُ جَوَازَ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِمَا اكْتَسَبُوا، أَيْ أَنْ يُسَبُّوا بِعَمَلٍ ذَمِيمٍ اكْتَسَبُوهُ لِأَنَّ الْجَزَاءَ عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ مَوْكُولًا لِعُمُومِ النَّاسِ وَلَكِنَّهُ مَوْكُولٌ إِلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما [النِّسَاء: ١٦] . وَقَدْ نَهَى النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الْغِيبَةِ وَقَالَ: «هِيَ أَنْ تَذْكُرَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ. فَقِيلَ: وَإِنْ كَانَ حَقًّا. قَالَ: إِنْ كَانَ غَيْرَ حَقٍّ فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ» فَأَمَّا تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ فَلَا يَصْحَبُهُ أَذًى.

стр. 7476

وَمَا صدق الْمَوْصُولِ فِي قَوْلِهِ: مَا اكْتَسَبُوا سَيِّئًا، أَيْ بِغَيْرِ مَا اكتسبوا من سيّىء. وَمَعْنَى احْتَمَلُوا كَلَّفُوا أَنْفُسَهُمْ حِمْلًا، وَذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِلْبُهْتَانِ بِحِمْلٍ ثَقِيلٍ عَلَى صَاحِبِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً فِي سُورَة النِّسَاء [١١٢] . [٥٩] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٥٩] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٩) أُتْبِعَ النَّهْيُ عَنْ أَذَى الْمُؤْمِنَاتِ بِأَنْ أُمِرْنَ بِاتِّقَاءِ أَسْبَابِ الْأَذَى لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمَطَالِبِ السَّعْيَ فِي تَذْلِيلِ وَسَائِلِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها [الْإِسْرَاء: ١٩] وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا ... إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى قَاعِدَةِ التَّعَاوُنِ عَلَى إِقَامَةِ الْمَصَالِحِ وَإِمَاتَةِ الْمَفَاسِدِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «رَحِمَ اللَّهُ وَالِدًا أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى بِرِّهِ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفُ السَّنَدِ لَكِنَّهُ صَحِيحُ الْمَعْنَى لِأَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مَطْلُوبٌ، فَالْإِعَانَةُ عَلَيْهِ إِعَانَةٌ عَلَى وُجُودِ الْمَعْرُوفِ وَالْخَيْرِ. وَابْتُدِئَ بِأَزْوَاجِ النَّبِيءِ ﷺ وَبَنَاتِهِ لِأَنَّهُنَّ أَكْمَلُ النِّسَاءِ، فَذِكْرُهُنَّ مِنْ ذِكْرِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ. وَالنِّسَاءُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْمَرْأَةِ لَا مُفْرَدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا نِسائِهِنَّ [الْأَحْزَاب: ٥٥] . فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنِّسَاءِ هُنَا أَزْوَاجَ الْمُؤْمِنِينَ بَلِ الْمُرَادُ الْإِنَاثُ الْمُؤْمِنَاتُ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَعْنَى (مِنْ) أَيِ النِّسَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَالْجَلَابِيبُ: جَمْعُ جِلْبَابٍ وَهُوَ ثَوْبٌ أَصْغَرُ مِنَ الرِّدَاءِ وَأَكْبَرُ مِنَ الْخِمَارِ وَالْقِنَاعِ، تَضَعُهُ الْمَرْأَةُ عَلَى رَأْسِهَا فَيَتَدَلَّى جَانِبَاهُ عَلَى عِذَارَيْهَا وَيَنْسَدِلُ سائره على كتفها وَظَهْرِهَا، تَلْبَسُهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ وَالسَّفَرِ.

стр. 7477

وَهَيْئَاتُ لِبْسِ الْجَلَابِيبِ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ تُبَيِّنُهَا الْعَادَاتُ. وَالْمَقْصُودُ هُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ. وَالْإِدْنَاءُ: التَّقْرِيبُ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اللِّبْسِ وَالْوَضْعِ، أَيْ يَضَعْنَ عَلَيْهِنَّ جَلَابِيبَهُنَّ، قَالَ بِشَّارٌ: لَيْلَةٌ تَلْبَسُ الْبَيَاضَ مِنَ الشَّهْرِ ... وَأُخْرَى تُدْنِي جَلَابِيبَ سُودًا فَقَابَلَ بِ (تُدْنِي) (تَلْبَسُ) فَالْإِدْنَاءُ هُنَا اللِّبْسُ. وَكَانَ لِبْسُ الْجِلْبَابِ مِنْ شِعَارِ الْحَرَائِرِ فَكَانَتِ الْإِمَاءُ لَا يَلْبَسْنَ الْجَلَابِيبَ. وَكَانَتِ الْحَرَائِرُ يَلْبَسْنَ الْجَلَابِيبَ عِنْدَ الْخُرُوجِ إِلَى الزِّيَارَاتِ وَنَحْوِهَا فَكُنَّ لَا يَلْبَسْنَهَا فِي اللَّيْلِ وَعِنْدَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَنَاصِعِ، وَمَا كُنَّ يَخْرُجْنَ إِلَيْهَا إِلَّا لَيْلًا فَأُمِرْنَ بِلَبْسِ الْجَلَابِيبِ فِي كل خُرُوج لِيُعْرَفَ أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ فَلَا يَتَعَرَّضُ إِلَيْهِنَّ شَبَابُ الدُّعَّارِ يَحْسَبُهُنَّ إِمَاءً أَوْ يَتَعَرَّضُ إِلَيْهِنَّ الْمُنَافِقُونَ اسْتِخْفَافًا بِهِنَّ بِالْأَقْوَالِ الَّتِي تُخْجِلُهُنَّ فَيَتَأَذَّيْنَ مِنْ ذَلِكَ وَرُبَّمَا يَسْبُبْنَ الَّذِينَ يُؤْذُونَهُنَّ فَيَحْصُلُ أَذًى مِنَ الْجَانِبَيْنِ. فَهَذَا مِنْ سَدِّ الذَّرِيعَةِ. وَالْإِشَارَةُ بِ ذلِكَ إِلَى الْإِدْنَاءِ الْمَفْهُومِ مِنْ يُدْنِينَ، أَيْ ذَلِكَ اللِّبَاسُ أقرب إِلَى أَن يُعْرَفُ أَنَّهُنَّ حَرَائِرٌ بِشِعَارِ الْحَرَائِرِ فَيَتَجَنَّبُ الرِّجَالُ إِيذَاءَهُنَّ فَيَسْلَمُوا وَتَسْلَمْنَ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُدَّةَ خِلَافَتِهِ يَمْنَعُ الْإِمَاءَ مِنَ التَّقَنُّعِ كَيْ لَا يَلْتَبِسْنَ بِالْحَرَائِرِ وَيَضْرِبُ مَنْ تَتَقَنَّعُ مِنْهُنَّ بِالدِّرَّةِ ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ بَعْدَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُ كُثَيْرٍ: هُنَّ الْحَرَائِرُ لَا رَبَّاتَ أَخْمِرَةٍ ... سُودُ الْمَحَاجِرِ لَا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ وَالتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً صَفْحٌ عَمَّا سَبَقَ مِنْ أَذَى الْحَرَائِرِ قَبْلَ تَنْبِيهِ النَّاسِ إِلَى هَذَا الْأَدَبِ الْإِسْلَامِيِّ، والتذييل يَقْتَضِي انْتِهَاء الْغَرَض. [٦٠، ٦١] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : الْآيَات ٦٠ إِلَى ٦١] لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١) انْتِقَالٌ مِنْ زَجْرِ قَوْمٍ عُرِفُوا بِأَذَى الرَّسُولِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَمِنْ تَوَعُّدِهِمْ

стр. 7478

بِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَى تَهْدِيدِهِمْ بِعِقَابٍ فِي الدُّنْيَا يَشْرَعُهُ اللَّهُ لَهُمْ إِنْ هُمْ لَمْ يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِأَنْ لَا يَنْفَعَ فِي أُولَئِكَ وَعِيدُ الْآخِرَةِ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ ابْتُدِئَ التَّعْرِيضُ بِهِمْ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: عَظِيماً [الْأَحْزَاب: ٥٣] ، ثُمَّ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِلَى قَوْلِهِ: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الْأَحْزَاب: ٥٧- ٥٩] . وَصَرَّحَ هُنَا بِمَا كُنِّيَ عَنْهُ فِي الْآيَاتِ السَّالِفَةِ إِذْ عبر عَنْهُم بِالْمُنَافِقِينَ فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ هُمُ الْمُنَافِقُونَ وَمَنْ لُفَّ لِفَّهُمْ. والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ وَهُمُ الْمُنْطَوُونَ عَلَى النِّفَاقِ أَوِ التَّرَدُّدِ فِي الْإِيمَانِ. والْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَالْأَوْصَافُ الثَّلَاثَةُ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، قَالَهُ أَبُو رَزِينٍ. وَجُمْلَةُ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ. وَحُذِفَ مَفْعُولُ يَنْتَهِ لِظُهُورِهِ، أَيْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ أَذَى الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ. وَالْإِرْجَافُ: إِشَاعَةُ الْأَخْبَارِ. وَفِيهِ مَعْنَى كَوْنِ الْأَخْبَارِ كَاذِبَةً أَوْ مُسِيئَةً لِأَصْحَابِهَا يُعِيدُونَهَا فِي الْمَجَالِسِ لِيَطْمَئِنَّ السَّامِعُونَ لَهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بِأَنَّهَا صَادِقَةٌ لِأَنَّ الْإِشَاعَةَ إِنَّمَا تُقْصَدُ لِلتَّرْوِيجِ بِشَيْءٍ غَيْرِ وَاقِعٍ أَوْ مِمَّا لَا يُصَدَّقُ بِهِ لِاشْتِقَاقِ ذَلِكَ مِنَ الرَّجْفِ وَالرَّجَفَانِ وَهُوَ الِاضْطِرَابُ وَالتَّزَلْزُلُ. فَالْمُرْجِفُونَ قَوْمٌ يَتَلَقَّوْنَ الْأَخْبَارَ فَيُحَدِّثُونَ بهَا فِي مجَالِس وَنَوَادٍ وَيُخْبِرُونَ بِهَا مَنْ يَسْأَلُ وَمَنْ لَا يَسْأَلُ. وَمَعْنَى الْإِرْجَافُ هُنَا: أَنَّهُمْ يُرْجِفُونَ بِمَا يُؤْذِي النَّبِيءَ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَيَتَحَدَّثُونَ عَنْ سَرَايَا الْمُسْلِمِينَ فَيَقُولُونَ: هُزِمُوا أَوْ أَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِإِيقَاعِ الشَّكَّ فِي نُفُوسِ النَّاسِ وَالْخَوْفِ وَسُوءِ ظَنِّ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وَهُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرِضٌ وَأَتْبَاعِهِمْ وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٨٣] . فَهَذِهِ الْأَوْصَافُ لِأَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ. وَكَانَ أَكْثَرُ الْمُرْجِفِينَ مِنَ الْيَهُودِ وَلَيْسُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَقِبَهُ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ لَا يُسَاعِدُ أَنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنِينَ.

стр. 7479

وَاللَّامُ فِي لَئِنْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، فَالْكَلَامُ بَعْدَهَا قَسَمٌ مَحْذُوفٌ. وَالتَّقْدِيرُ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ. وَاللَّامُ فِي لَنُغْرِيَنَّكَ لَامُ جَوَابِ الْقَسَمِ، وَجَوَابُ الْقَسَمِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ. وَالْإِغْرَاءُ: الْحَثُّ وَالتَّحْرِيضُ عَلَى فِعْلٍ. وَيَتَعَدَّى فِعْلُهُ بِحرف (على) وبالباء، وَالْأَكْثَرُ أَنَّ تَعْدِيَتَهُ بِ (عَلَى) تُفِيدُ حَثًّا عَلَى الْفِعْلِ مُطْلَقًا فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَأَنَّ تَعْدِيَتَهُ بِالْبَاءِ تُفِيدُ حَثًّا عَلَى الْإِيقَاعِ بِشَخْصٍ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْمُلَابَسَةِ. فَالْمُغْرَى عَلَيْهِ مُلَابِسٌ لِذَاتِ الْمَجْرُورِ بِالْبَاءِ، أَيْ وَاقِعًا عَلَيْهَا. فَلَا يُقَالُ: أَغْرَيْتُهُ بِهِ، إِذَا حَرَّضَهُ عَلَى إِحْسَانٍ إِلَيْهِ. فَالْمَعْنَى: لَنُغْرِيَنَّكَ بِعُقُوبَتِهِمْ، أَيْ بِأَنْ تُغْرِيَ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا فَإِذَا حَلَّ ذَلِكَ بِهِمُ انْجَلُوا عَنِ الْمَدِينَةِ فَائِزِينَ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ. وَاخْتِيرَ عَطْفُ جُمْلَةِ لَا يُجاوِرُونَكَ بِ ثُمَّ دُونَ الْفَاءِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَرَاخِي انْتِفَاءِ الْمُجَاوَرَةِ عَنِ الْإِغْرَاءِ بِهِمْ تَرَاخِي رُتْبَةٍ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْأَوْطَانِ أَشَدُّ عَلَى النُّفُوسِ مِمَّا يَلْحَقُهَا مِنْ ضُرٍّ فِي الْأَبْدَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [الْبَقَرَة: ١٩١] أَيْ وَفِتْنَةُ الْإِخْرَاجِ مِنْ بَلَدِهِمْ أَشُدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقَتْلِ. وَاسْتِثْنَاءُ إِلَّا قَلِيلًا لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الْمُجَاوِرَةِ وَأَنه لَيْسَ جَارِيا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ لَا يَبْقُونَ مَعَكَ فِي الْمَدِينَةِ إِلَّا مُدَّةً قَلِيلَةً، وَهِيَ مَا بَيْنَ نُزُولِ الْآيَةِ وَالْإِيقَاعِ بِهِمْ. وقَلِيلًا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ يُجاوِرُونَكَ أَيْ جِوَارًا قَلِيلًا، وَقِلَّتُهُ بِاعْتِبَارِ مُدَّةِ زَمَنِهِ. وَجَعَلَهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» صِفَةً لِزَمَنٍ مَحْذُوفٍ فَإِنَّ وُقُوعَ ضَمِيرِهِمْ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ يَقْتَضِي إِفْرَادَهُمْ، وَعُمُومُ الْأَشْخَاصِ يَقْتَضِي عُمُومَ أَزْمَانِهَا فَيَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْوَصْفِ لِاسْمِ الزَّمَانِ وَلَيْسَ هُوَ ظَرْفًا. ومَلْعُونِينَ حَالٌ مِمَّا تَضَمَّنَهُ قَلِيلًا مِنْ مَعْنَى الْجِوَارِ. فَالْجِوَارُ مَصْدَرُ يَتَحَمَّلُ ضَمِيرَ صَاحِبِهِ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَصْدَرِ أَنْ يُضَافَ إِلَى فَاعِلِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا جِوَارَهُمْ مَلْعُونِينَ. وَجَعَلَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» مَلْعُونِينَ مُسْتَثْنًى مِنْ أَحْوَالٍ بِأَنْ

стр. 7480

يَكُونَ حَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ دَخَلَ عَلَى الظَّرْفِ وَالْحَالِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الْأَحْزَاب: ٥٣] . وَبَوْنٌ مَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا نَظَّرَهُ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَا يَصْلُحُ مَجِيءُ الْحَالِ مِنْهُ. وَالْوَجْهُ هُنَا هُوَ مَا سَلَكْنَاهُ فِي تَقْدِيرِ نَظْمِهِ. وَاللَّعْنُ: الْإِبْعَادُ وَالطَّرْدُ. وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [٣٥] ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ هُنَا كِنَايَةً عَنِ الْإِهَانَةِ وَالتَّجَنُّبِ فِي الْمَدِينَةِ، أَيْ يُعَامِلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِتَجَنُّبِهِمْ عَنْ مُخَالَطَتِهِمْ وَيَبْتَعِدُونَ هُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اتِّقَاءً وَوَجَلًا فَتَضْمَنُ أَنْ يَكُونُوا مُتَوَارِينَ مُخْتَفِينَ خَوْفًا مِنْ بَطْشِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِمْ حَيْثُ أَغْرَاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ ، فَفِي قَوْلِهِ: مَلْعُونِينَ إِيجَازٌ بَدِيعٌ. وَقَوْلُهُ: أَيْنَما ثُقِفُوا ظَرْفٌ مُضَافٌ إِلَى جُمْلَةٍ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِ مَلْعُونِينَ لِأَنَّ مَلْعُونِينَ حَالٌ مِنْهُمْ بَعْدَ صِفَتِهِمْ بِأَنَّهُمْ فِي الْمَدِينَةِ، فَأَفَادَ عُمُومَ أَمْكِنَةِ الْمَدِينَةِ. وأَيْنَما: اسْمُ زَمَانٍ مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى الشَّرْطِ. وَالثَّقَفُ: الظَّفَرُ وَالْعُثُورُ عَلَى الْعَدُوِّ بِدُونِ قَصْدٍ. وَقَدْ مَهَّدَ لِهَذَا الْفِعْلِ قَوْلُهُ: مَلْعُونِينَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمَعْنَى أُخِذُوا أُمْسِكُوا. وَالْأَخْذُ: الْإِمْسَاكُ وَالْقَبْضُ، أَيْ أُسِرُوا، وَالْمُرَادُ: أُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ إِذْ أَغْرَى اللَّهُ النَّبِيءَ ﷺ بِهِمْ. وَالتَّقْتِيلُ: قُوَّةُ الْقَتْلِ. وَالْقُوَّةُ هُنَا بِمَعْنَى الْكَثْرَةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ قَوِيٌّ فِي أَصْنَافِ نَوْعِهِ وَأَيْضًا هُوَ شَدِيدٌ فِي كَوْنِهِ سَرِيعًا لَا إِمْهَالَ لَهُمْ فِيهِ. وتَقْتِيلًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِعَامِلِهِ، أَيْ قُتِّلُوا قَتْلًا شَدِيدًا شَامِلًا. فَالتَّأْكِيدُ هُنَا تَأْكِيدٌ لِتَسَلُّطِ الْقَتْلِ عَلَى جَمِيعِ الْأَفْرَادِ الْمَدْلُولَةِ لِضَمِيرِ قُتِّلُوا، لِرَفْعِ احْتِمَالِ الْمَجَازِ فِي عُمُومِ الْقَتْلِ، فَالْمَعْنَى: قُتِّلُوا قَتْلًا شَدِيدًا لَا يَفْلِتُ مِنْهُ أَحَدٌ. وَبِهَذَا الْوَعِيدِ انْكَفَّ الْمُنَافِقُونَ عَنْ أَذَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَنِ الْإِرْجَافِ فَلَمْ يَقَعِ التَّقْتِيلُ فِيهِمْ إِذْ لَمْ يُحْفَظْ أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدًا وَلَا أَنَّهُمْ خَرَجَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تُرْشِدُ إِلَى تَقْدِيمِ إِصْلَاحِ الْفَاسِدِ مِنَ الْأُمَّةِ عَلَى قَطْعِةٍ مِنْهَا لِأَنَّ إِصْلَاحَ الْفَاسِدِ يُكْسِبُ الْأُمَّةَ فَرْدًا صَالِحًا أَوْ طَائِفَةً صَالِحَةً تَنْتَفِعُ الْأُمَّةُ مِنْهَا كَمَا قَالَ النَّبِيءُ ﷺ : «لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ» . وَلِهَذَا شُرِعَتْ

стр. 7481

اسْتِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ قَتْلِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تُعْرَضُ عَلَيْهِ فِيهَا التَّوْبَةُ، وَشُرِعَتْ دَعْوَةُ الْكُفَّارِ الَّذِينَ يَغْزُوهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي غَزْوِهِمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا وَإِلَّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُّخُولَ فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ فِي دُخُولهمْ فِي الذِّمَّةَ انْتِفَاعًا لِلْمُسْلِمِينَ بِجِزْيَتِهِمْ وَالِاعْتِضَادِ بِهِمْ. وَأَمَّا قَتْلُ الْقَاتِلِ عَمْدًا فَشُرِعَ فِيهِ مُجَارَاةً لِقَطْعِ الْأَحْقَادِ مِنْ قُلُوبِ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ لِئَلَّا يَقْتُلَ بَعْضُ الْأُمَّةِ بَعْضًا، إِذْ لَا دَوَاءَ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ إِلَّا الْقِصَاصُ. وَلِذَلِكَ رَغَّبَ الشَّرْعُ فِي الْعَفْوِ وَفِي قَبُولِهِ. وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي آيَةِ جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَاربُونَ الله وَرُسُله: أَنَّ (أَوْ) فِيهَا لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ فَقَالَ: يَكُونُ الْجَزَاءُ بِقَدْرِ جُرْمِ الْمُحَارِبِ وَكَثْرَةِ مَقَامِهِ فِي فَسَادِهِ. وَكَانَ النَّفْيُ مِنَ الْأَرْضِ آخَرَ أَصْنَافِ الْجَزَاءِ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِبْقَاءَهُ رَجَاءَ تَوْبَتِهِ وَصَلَاح حَاله. [٦٢] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٦٢] سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٦٢) انْتَصَبَ سُنَّةَ اللَّهِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نَائِبٌ عَنْ فِعْلِهِ. وَالتَّقْدِيرُ: سَنَّ اللَّهُ إِغْرَاءَكَ بِهِمْ سُنَّتَهُ فِي أَعْدَاءِ الْأَنْبِيَاءِ السَّالِفِينَ وَفِي الْكُفَّارِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قُتِلُوا وَأُخِذُوا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَغَيْرِهَا. وَحَرْفُ فِي لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ، شُبِّهَتِ السُّنَّةُ الَّتِي عُومِلُوا بِهَا بِشَيْءٍ فِي وَسَطِهِمْ كِنَايَةً عَنْ تَغَلْغُلِهِ فِيهِمْ وتناوله جَمِيعَهُمْ وَلَوْ جَاءَ الْكَلَامُ عَلَى غَيْرِ الْمَجَازِ لَقِيلَ: سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الَّذيِنَ خَلَوْا. والَّذِينَ خَلَوْا الَّذِينَ مَضَوْا وَتَقَدَّمُوا. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ سَبَقُوا مِنْ أَعْدَاءِ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِينَ أَذِنَهُ اللَّهُ بِقَتْلِهِمْ مِثْلَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَمِثْلَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ يَهُودِ قُرَيْظَةَ. وَهَذَا أَظْهَرُ لِأَنَّ مَا أَصَابَ أُولَئِكَ أَوْقَعُ فِي الْمَوْعِظَةِ إِذْ كَانَ هَذَانِ الْفَرِيقَانِ عَلَى ذِكْرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَقَدْ شَهِدُوا بَعْضَهُمْ وَبَلَغَهُمْ خَبَرُ بَعْضٍ. وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَشْمَلَ الَّذِينَ خَلَوْا الْأُمَمَ السَّالِفَةَ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأَذَاهُمْ رُسُلَهُمْ فَاسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَأَضْرَابِهِمْ.

стр. 7482

وَذَيَّلَ بِجُمْلَةِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا لِزِيَادَةِ تَحْقِيقِ أَنَّ الْعَذَابَ حَائِقٌ بِالْمُنَافِقِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُخَالِفُ سَنَّتَهُ لِأَنَّهَا مُقْتَضَى حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ فَلَا تَجْرِي مُتَعَلِّقَاتُهَا إِلَّا عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ. وَالْمَعْنَى: لَنْ تَجِدَ لِسُنَنِ اللَّهِ مَعَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَا مَعَ الْحَاضِرِينَ وَلَا مَعَ الْآتِينَ تَبْدِيلًا. وَبِهَذَا الْعُمُومِ الَّذِي أَفَادَهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَأَهَّلَتِ الْجُمْلَةُ لِأَنْ تكون تذييلا. [٦٣] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٦٣] يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) لَمَّا كَانَ تَهْدِيدُ الْمُنَافِقِينَ بِعَذَابِ الدُّنْيَا يُذَكِّرُ بِالْخَوْضِ فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ: خَوْضِ الْمُكَذِّبِينَ السَّاخِرِينَ، وَخَوْضِ الْمُؤْمِنِينَ الْخَائِفِينَ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِهَذَا. فَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا [الْأَحْزَاب: ٦٠] وَبَيْنَ جُمْلَةِ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً [الْأَحْزَاب: ٦٤] لِتَكُونَ تَمْهِيدًا لِجُمْلَةِ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ. وَتَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ سُؤَالِ النَّاسِ عَنِ السَّاعَةِ، وَالسَّائِلُونَ أَصْنَافٌ: مِنْهُمُ الْمُكَذِّبُونَ بِهَا وَهُمْ أَكْثَرُ السَّائِلِينَ وَسُؤَالُهُمْ تَهَكُّمٌ وَاسْتِدْلَالٌ بِإِبْطَائِهَا عَلَى عَدَمِ وُجُودِهَا فِي أَنْظَارِهِمُ السَّقِيمَةِ قَالَ تَعَالَى: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِها [الشورى: ١٨] وَهَؤُلَاء هم الَّذين كثر فِي الْقُرْآن إِسْنَاد السُّؤَال إِلَيْهِم معبّرا عَنْهُم بضمير الْغَيْبَة كَقَوْلِه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ [الْأَعْرَاف: ١٨٧] . وصنف مُؤمنُونَ مصدقون بِأَنَّهَا وَاقعَة لكِنهمْ يسْأَلُون عَن أحوالها وأهوالها، وَهَؤُلَاء هم الَّذين فِي قَوْله تَعَالَى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ [الشورى: ١٨] . وَصِنْفٌ مُؤْمِنُونَ يَسْأَلُونَ عَنْهَا مَحَبَّةً لِمَعْرِفَةِ الْمُغَيَّبَاتِ، وَهَؤُلَاءِ نُهُوا عَنِ الِاشْتِغَالِ بِذَلِكَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَقَالَ النَّبِيءُ ﷺ : «مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا

стр. 7483

كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ سِوَى أَنَّى أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» . وَصِنْفٌ يَسْأَلُ اخْتِبَارًا لِلنَّبِيءِ ﷺ لَعَلَّهُ يُجِيبُ بِمَا يُخَالِفُ مَا فِي عِلْمِهِمْ فَيَجْعَلُونَهُ حُجَّةً بَيْنَهُمْ عَلَى انْتِفَاء نبوءته ويعلنونه فِي دَهْمَائِهِمْ لِيَقْتَلِعُوا مِنْ نُفُوسِهِمْ مَا عَسَى أَنْ يُخَالِطَهَا مِنَ النَّظَرِ فِي صِدْقِ الدَّعْوَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ. وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْيَهُودُ نَظِيرُ سُؤَالِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْكَهْفِ وَعَنِ الرُّوحِ. فَ النَّاسُ هُنَا يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ وَهُوَ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أَيْ جَمِيعُ النَّاسِ الَّذِينَ مِنْ شَأْنِهِمُ الِاشْتِغَالُ بِالسُّؤَالِ عَنْهَا إِذْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ. وَأَهْلُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ مَوْجُودُونَ بِالْمَدِينَةِ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [١٨٧] . وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: وَما يُدْرِيكَ لِلرَّسُولِ ﷺ . وَمَا اسْتِفْهَام مَا صدقهَا شَيْءٌ. ويُدْرِيكَ مِنْ أَدْرَاهُ، إِذَا أَعْلَمَهُ. وَالْمَعْنَى: أَيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُ لَكَ دِرَايَةً. ولَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً مُسْتَأْنَفَةٌ لِإِنْشَاءِ رَجَاءٍ. ولَعَلَّ مُعَلِّقَةٌ فِعْلَ الْإِدْرَاءِ عَنِ الْعَمَلِ، أَيْ فِي الْمَفْعُولِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَأَمَّا الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ فَهُوَ كَافُ الْخِطَابِ. وَالْمَعْنَى: أَيُّ شَيْءٍ يُدْرِيكَ السَّاعَةَ بَعِيدَةً أَوْ قَرِيبَةً لَعَلَّهَا تَكُونُ قَرِيبًا وَلَعَلَّهَا تَكُونُ بَعِيدًا، فَفِي الْكَلَامِ احْتِبَاكٌ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ قَرِيباً خَبَرُ تَكُونُ وَأَنَّ فِعْلَ الْكَوْنِ نَاقِصٌ وَجِيءَ بِالْخَبَرِ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ مَعَ أَنه مُحْتَمل لِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ لَفَظًا (فَإِنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ كَالْفِعْلِ فِي اقْتِرَانِهِ بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ إِنْ كَانَ مُتَحَمِّلًا لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ لَفْظِيٍّ) فَقِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِعَلَاقَةِ التَّأْنِيثِ لِأَنَّ ضَمِيرَ السَّاعَةِ جَرَى عَلَيْهَا بَعْدَ تَأْوِيلِهَا بِالشَّيْءِ أَوِ الْيَوْمِ. وَالَّذِي اخْتَارَهُ جَمْعٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِثْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَالزَّجَّاجِ وَابْنِ عَطِيَّةَ أَنَّ

стр. 7484

قَرِيباً فِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ لَيْسَ خَبَرًا عَنْ فِعْلِ الْكَوْنِ وَلَكِنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ وَهُمْ يَعْنُونَ أَنَّ فِعْلَ الْكَوْنِ تَامٌّ وَأَنَّ قَرِيباً ظَرْفُ زَمَانٍ لِوُقُوعِهِ. وَالتَّقْدِيرُ: تَقَعُ فِي زَمَانٍ قَرِيبٍ، فَيَلْزَمُ لَفْظَ (قَرِيبٍ) الْإِفْرَادُ وَالتَّذْكِيرُ عَلَى نِيَّةِ زَمَانٍ أَوْ وَقْتٍ، وَقَدْ يكون ظرف مَكَان كَمَا وَرَدَ فِي ضِدِّهِ وَهُوَ لَفْظٌ (بَعِيدٌ) فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ تُمْسِ ابْنَةُ السَّهْمِيِّ مِنَّا ... بَعِيدًا لَا تُكَلِّمُنَا كَلَامًا وَقَدْ أَشَارَ إِلَى جَوَازِ الْوَجْهَيْنِ فِي «الْكَشَّافِ» . وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ وَإِنْ تَأَتَّيَا هُنَا لَا يَتَأَتَّيَانِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الْأَعْرَاف: ٥٦] . وَيَقْتَرِنُ (قَرِيبٌ) وَ (بَعِيدٌ) بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْعَلَامَاتِ الْفَرْعِيَّةِ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّوْصِيفِ. وَكُلُّ هَذِهِ اعْتِبَارَاتٌ مِنْ تَوَسُّعِهِمْ فِي الْكَلَامِ. وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ فِي الْأَعْرَافِ فَضُمَّهُ إِلَى مَا هُنَا. [٦٤، ٦٥] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : الْآيَات ٦٤ إِلَى ٦٥] إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٦٥) هَذَا حَظُّ الْكَافِرِينَ مِنْ وَعِيدِ السَّاعَةِ، وَهَذِهِ لَعْنَةُ الْآخِرَةِ قُفِّيَتْ بِهَا لَعْنَةُ الدُّنْيَا فِي قَوْله: مَلْعُونِينَ [الْأَحْزَاب: ٦١] ، وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهَا وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً فَكَانَتْ لَعْنَةُ الدُّنْيَا مُقْتَرِنَةً بِالْأَخْذِ وَالتَّقْتِيلِ وَلَعْنَةُ الْآخِرَةِ مُقْتَرِنَةً بِالسَّعِيرِ. وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ جُمْلَةَ ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا إِلَى قَوْلِهِ: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الْأَحْزَاب: ٦٠- ٦٢] تُثِيرُ فِي نفوس السامعين التساؤل عَنِ الِاقْتِصَارِ عَلَى لَعْنِهِمْ وَتَقْتِيلِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَهَلْ ذَلِكَ مُنْتَهَى مَا عُوقِبُوا بِهِ أَوْ لَهُمْ مِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ؟ فَكَانَ قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ إِلَخْ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ. وَحَرْفُ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ أَوْ مَنْظُورٍ بِهِ إِلَى السَّامِعِينَ مِنَ الْكَافِرِينَ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْكافِرِينَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ، أَيِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ كَانُوا شَاقُّوا الرَّسُولَ ﷺ وَآذَوْهُ وَأَرْجَفُوا فِي الْمَدِينَةِ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ وَمَنْ نَاصَرَهُمْ مِنَ

стр. 7485

الْمُشْرِكِينَ فِي وَقْعَةِ الْأَحْزَابِ وَمِنَ الْيَهُودِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَيْ كُلَّ كَافِرٍ. وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فصيغة الْمَاضِي فِي فِعْلِ لَعَنَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي تَحْقِيقِ الْوُقُوعِ، شِبْهِ الْمُحَقَّقِ حُصُولُهُ بِالْفِعْلِ الَّذِي حَصَلَ فَاسْتُعِيرَ لَهُ صِيغَةُ الْمَاضِي مَثَلَ أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النَّحْل: ١] لِأَنَّ اللَّعْنَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ مُسْتَقْبَلٌ. وَأَمَّا حَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا فَمِثْلُ أَحْوَالِ الْمَخْلُوقَاتِ يَتَمَتَّعُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ حَيَاةٍ وَرِزْقٍ وَمَلَاذٍ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ [آل عمرَان: ١٩٦، ١٩٧] . وَقَدْ يَكُونُ فِي ظَاهِرِ الْآيَةِ مُتَمَسَّكٌ لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ لِقَوْلِهِ بِانْتِفَاءِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَنِ الْكَافِرِينَ خِلَافًا لِلْمَاتُرِيدِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَلَكِنَّهُ مُتَمَسَّكٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ خِلَافٌ لَفْظِيٌّ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ حَقِيقَةَ النِّعْمَةِ تَرْجِعُ إِلَى مَا لَا يُعْقِبُ أَلَمًا. وَالسَّعِيرُ: النَّارُ الشَّدِيدَةُ الْإِيقَادِ. وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ، أَيْ مَسْعُورَةٌ. وَأُعِيدَ الضَّمِيرُ عَلَى السَّعِيرِ فِي قَوْلِهِ: خالِدِينَ فِيها مُؤَنَّثًا لِأَنَّ سَعِيراً مِنْ صِفَاتِ النَّارِ وَالنَّارُ مُؤَنَّثَةٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ. وَجُمْلَةُ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ خالِدِينَ أَيْ خَالِدِينَ فِي حَالَةِ انْتِفَاءِ الْوَلِيِّ وَالنَّصِيرِ عَنْهُمْ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هم ينْصرُونَ. [٦٦] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٦٦] يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) يَوْمَ ظَرْفٌ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِ لَا يَجِدُونَ [الْأَحْزَاب: ٦٥] أَيْ إِنْ وَجَدُوا أَوْلِيَاءَ وَنُصَرَاءَ فِي الدُّنْيَا مِنْ يَهُودِ قُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ فِي يَوْمِ الْأَحْزَابِ فَيَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا يَرْثِي لَهُمْ وَلَا نَصِيرًا يُخَلِّصُهُمْ. وَتَكُونُ جُمْلَةُ يَقُولُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ يَقُولُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِفعل يَقُولُونَ على أَن تكون جملَة يَقُولُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ لَا يَجِدُونَ.

стр. 7486

وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، عَلَى طَرِيقَةِ نَظَائِرِهِ مِنْ ظُرُوفٍ كَثِيرَةٍ وَارِدَةٍ فِي الْقُرْآنِ، وَتَكُونُ جُمْلَةُ يَقُولُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي وُجُوهُهُمْ. وَالتَّقْلِيبُ: شِدَّةُ الْقَلْبِ. وَالْقَلْبُ: تَغْيِيرُ وَضَعِ الشَّيْء على جِهَة غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا. وَالْمَعْنَى: يَوْمَ تُقَلِّبُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ وُجُوهَهُمْ فِي النَّارِ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُمْ، أَوْ يَجْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ التَّقَلُّبَ فِي وُجُوهِهِمْ لِتَنَالَ النَّارُ جَمِيعَ الْوَجْهِ كَمَا يُقَلَّبُ الشِّوَاءُ عَلَى الْمَشْوَى لِيَنْضَجَ عَلَى سَوَاءٍ، وَلَوْ كَانَ لَفْحُ النَّارِ مُقْتَصِرًا عَلَى أَحَدِ جَانِبَيِ الْوَجْهِ لَكَانَ لِلْجَانِبِ الْآخَرِ بَعْضُ الرَّاحَةِ. وَتَخْصِيصُ الْوُجُوهِ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّ حَرَّ النَّارِ يُؤْذِي الْوُجُوهَ أَشَدَّ مِمَّا يُؤْذِي بَقِيَّةَ الْجِلْدِ لِأَنَّ الْوُجُوهَ مَقَرُّ الْحَوَاسِّ الرَّقِيقَةِ: الْعُيُونِ وَالْأَفْوَاهِ وَالْآذَانِ وَالْمَنَافِسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الزمر: ٢٤] . وَحَرْفُ يَا فِي قَوْلِهِ: يَا لَيْتَنا لِلتَّنْبِيهِ لِقَصْدِ إِسْمَاعِ مَنْ يُرْثَى لِحَالِهِمْ مِثْلَ يَا حَسْرَتَنا [الْأَنْعَام: ٣١] . وَالتَّمَنِّي هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ التَّنَدُّمِ عَلَى مَا فَاتَ، وَكَذَلِكَ نَحْوُ يَا حَسْرَتَنا أَيْ أَنَّ الْحَسْرَةَ غَيْرُ مُجْدِيَةٍ. وَقَدْ عَلِمُوا يَوْمَئِذٍ أَنَّ مَا كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ هُوَ تَبْلِيغٌ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ إِذْ عَصَوْهُ فَقَدْ عَصَوُا اللَّهَ تَعَالَى فَتَمَنَّوْا يَوْمَئِذَ أَنْ لَا يَكُونُوا عَصَوُا الرَّسُولَ الْمُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْأَلِفُ فِي آخِرِ قَوْلِهِ: الرَّسُولَا لِرِعَايَةِ الْفَوَاصِلِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا السُّورَةُ فَإِنَّهَا بُنِيَتْ عَلَى فَاصِلَةِ الْأَلِفِ وَهِيَ أَلِفُ الْإِطْلَاقِ إِجْرَاءً لِلْفَوَاصِلِ مَجْرَى الْقَوَافِي الَّتِي تَلْحَقُهَا أَلْفُ الْإِطْلَاقِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [١٠] فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَتَقَدَّمَتْ وُجُوهُ الْقِرَاءَاتِ فِي إِثْبَاتِهَا فِي الْوَصْلِ أَو حذفهَا.

стр. 7487

[سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : الْآيَات ٦٧ إِلَى ٦٨] وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨) عَطْفٌ عَلَى جملَة يَقُولُونَ [الْأَحْزَاب: ٦٦] فَهِيَ حَالٌ. وَجِيءَ بِهَا فِي صِيغَةِ الْمَاضِي لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى قَوْلِهِمْ: يَا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ [الْأَحْزَاب: ٦٦] ، فَذَلِكَ التَّمَنِّي نَشَأَ لَهُمْ وَقْتَ أَنْ مَسَّهُمُ الْعَذَابُ، وَهَذَا التَّنَصُّلُ وَالدُّعَاءُ اعْتَذَرُوا بِهِ حِينَ مُشَاهَدَةِ الْعَذَابِ وَحَشْرِهِمْ مَعَ رُؤَسَائِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ، قَالَ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لَا تَعْلَمُونَ [الْأَعْرَاف: ٣٨] . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهُمُ الْعَذَابُ بَلْ حِينَ رُصِفُوا وَنُسِقُوا قَبْلَ أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ وَيُطْلَقُ إِلَيْهِمْ حَرُّ النَّارِ. وَالِابْتِدَاءُ بِالنِّدَاءِ وَوَصْفُ الرُّبُوبِيَّةِ إِظْهَارٌ لِلتَّضَرُّعِ وَالِابْتِهَالِ. وَالسَّادَةُ: جَمْعُ سَيِّدٍ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَزْنُهُ فَعَلَةٌ، أَيْ مِثْلُ كَمَلَةٍ لَكِنْ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِأَنَّ صِيغَةَ فَعَلَةٍ تَطَّرِدُ فِي جَمْعِ فَاعِلٍ لَا فِي جَمْعِ فَيْعِلٍ، فَقُلِبَتِ الْوَاو ألفا لَا نفتاحها وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا. وَأَمَّا السَّادَاتُ فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَتَاءٍ بِزِنَةِ جَمْعِ الْمُؤَنَّثِ السَّالِمِ. وَالسَّادَةُ: عُظَمَاءُ الْقَوْمِ وَالْقَبَائِلِ مِثْلُ الْمُلُوكِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ سادَتَنا. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ سَادَاتِنَا بِأَلْفٍ بَعْدَ الدَّالِّ وَبِكَسْرِ التَّاءِ لِأَنَّهُ جُمِعَ بِأَلِفٍ وَتَاءٍ مَزِيدَتَيْنِ عَلَى بِنَاءِ مُفْرَدِهِ. وَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ الَّذِي هُوَ سَادَةٌ. وَالْكُبَرَاءُ: جَمْعُ كَبِيرٍ وَهُوَ عَظِيمُ الْعَشِيرَةِ، وَهُمْ دُونَ السَّادَةِ فَإِنَّ كَبِيرًا يُطْلَقُ عَلَى رَأْسِ الْعَائِلَةِ فَيَقُولُ الْمَرْءُ لِأَبِيهِ: كَبِيرِي، وَلِذَلِكَ قُوبِلَ قَوْلُهُمْ: يَا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [الْأَحْزَاب: ٦٦] بِقَوْلِهِمْ: أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا. وَجُمْلَةُ إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الشِّكَايَةِ وَالتَّذَمُّرِ، وَهُوَ تَمْهِيدٌ لِطَلَبِ الِانْتِصَافِ مِنْ سَادَتِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ. فَالْمَقْصُودُ الْإِفْضَاءُ إِلَى جُمْلَةِ رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ. وَمَقْصُودٌ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَيْضًا الِاعْتِذَارُ وَالتَّنَصُّلُ مِنْ تَبِعَةِ ضَلَالِهِمْ بِأَنَّهُمْ مَغْرُورُونَ مَخْدُوعُونَ، وَهَذَا الِاعْتِذَارُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْطَقَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْحَقِيقَةِ إِذْ قَالُوا: إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا

стр. 7488

فَيَتَّجِهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَال لَهُم: لماذَا أَطَعْتُمُوهُمْ حَتَّى يَغُرُّوكُمْ، وَهَذَا شَأْنُ الدَّهْمَاءِ أَنْ يُسَوِّدُوا عَلَيْهِمْ مَنْ يُعْجَبُونَ بِأَضْغَاثِ أَحْلَامِهِ، وَيُغَرَّوُنَ بِمَعْسُولِ كَلَامِهِ، وَيَسِيرُونَ عَلَى وَقْعِ أَقْدَامِهِ، حَتَّى إِذَا اجْتَنَوْا ثِمَارَ أَكْمَامِهِ، وَذَاقُوا مَرَارَةَ طَعْمِهِ وَحَرَارَةَ أُوَامِهِ، عَادُوا عَلَيْهِ بِالْلَائِمَةِ وَهُمُ الْأَحِقَّاءُ بِمَلَامِهِ. وَحَرْفُ التَّوْكِيدِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ لَا لِرَدِّ إِنْكَارٍ، وَتَقْدِيمُ قَوْلِهِمْ: إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا اهْتِمَامٌ بِمَا فِيهِ مِنْ تَعْلِيلٍ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِمْ: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا لِأَنَّ كُبَرَاءَهُمْ مَا تَأَتَّى لَهُمْ إِضْلَالُهُمْ إِلَّا بِتَسَبُّبِ طَاعَتِهِمُ الْعَمْيَاءِ إِيَّاهُمْ وَاشْتِغَالِهِمْ بِطَاعَتِهِمْ عَنِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِيمَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ من فَسَاد وو خامة مَغَبَّةٍ. وَبِتَسَبُّبِ وَضْعِهِمْ أَقْوَال سادتهم وكبرائهم مَوْضِعَ التَّرْجِيحِ عَلَى مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ . وَانْتَصَبَ السَّبِيلَا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ لِأَنَّ أَضَلَّ لَا يَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ إِلَّا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ [الْفرْقَان: ٢٩] . وَظَاهِرُ «الْكَشَّافِ» أَنَّهُ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ (ضَلَّ) الْمُجَرَّدُ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ. تَقُولُ: ضَلَلْتُ الطَّرِيقَ، و (أضلّ) يتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ. وَقَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَالْقَوْلُ فِي أَلِفِ السَّبِيلَا كَالْقَوْلِ فِي ألف الرَّسُولَا [الْأَحْزَاب: ٦٦] . وَإِعَادَةُ النِّدَاءِ فِي قَوْلِهِمْ: رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ تَأْكِيدٌ للضراعة والابتهال وتمهيد لِقَبُولِ سُؤْلِهِمْ حَتَّى إِذَا قُبِلَ سُؤَلُهُمْ طَمِعُوا فِي التَّخَلُّصِ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي أَلْقَوْهُ عَلَى كَاهِلِ كُبَرَائِهِمْ. وَالضِّعْفُ بِكَسْرِ الضَّادِ: الْعَدَدُ الْمُمَاثِلُ لِلْمَعْدُودِ، فَالْأَرْبَعَةُ ضِعْفُ الِاثْنَيْنِ. وَلَمَّا كَانَ الْعَذَابُ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي لَا ذَاتًا كَانَ مَعْنَى تَكْرِيرِ الْعَدَدِ فِيهِ مَجَازًا فِي الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ. وَتَثْنِيَةُ ضِعْفَيْنِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مُطْلَقِ التَّكْرِيرِ كِنَايَةً عَنْ شِدَّةِ الْعَذَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ [الْملك: ٤] فَإِنَّ الْبَصَرَ لَا يَخْسَأُ فِي نَظْرَتَيْنِ، وَلِذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُ هُنَا: آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ مُسَاوِيًا لِقَوْلِهِ: فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [٣٨] . وَهَذَا تَعْرِيضٌ

стр. 7489

بِإِلْقَاءِ تَبِعَةِ الضَّلَالِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ الْعَذَابَ الَّذِي أُعِدَّ لَهُمْ يُسَلَّطُ عَلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ أَضَلُّوهُمْ. وَوُصِفَ اللَّعْنُ بِالْكَثْرَةِ كَمَا وُصِفَ الْعَذَابُ بِالضِّعْفَيْنِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْكُبَرَاءَ اسْتَحَقُّوا عَذَابًا لِكُفْرِهِمْ وَعَذَابًا لِتَسَبُّبِهِمْ فِي كُفْرِ أَتْبَاعِهِمْ. فَالْمُرَادُ بِالْكَثِيرِ الشَّدِيدِ الْقَوِيِّ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْكَثِيرِ لِمُشَاكَلَةِ مَعْنَى التَّثْنِيَةِ فِي قَوْلِهِ: ضِعْفَيْنِ الْمُرَادِ بِهِ الْكَثْرَةَ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْأَعْرَافِ جَوَابُهُمْ مِنْ قِبَلِ الْجَلَالَةِ بِقَوْلِهِ: قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ [الْأَعْرَاف: ٣٨] يَعْنِي أَنَّ الْكُبَرَاءَ اسْتَحَقُّوا مُضَاعَفَةَ الْعَذَابِ لِضَلَالِهِمْ وَإِضْلَالِهِمْ وَأَنَّ أَتْبَاعَهُمْ أَيْضا استحقوا مضاعفة الْعَذَابَ لِضَلَالِهِمْ وَلِتَسْوِيدِ سَادَتِهِمْ وَطَاعَتِهِمُ العمياء إيَّاهُم. [٦٩] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٦٩] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (٦٩) لَمَّا تَقَضَّى وَعِيدُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الرَّسُولَ ﵊ بِالتَّكْذِيبِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَذَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ كُفْرِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [الْأَحْزَاب: ٥٧] حَذَّرَ الْمُؤْمِنِينَ مِمَّا يُؤْذِي الرَّسُولَ ﷺ بِتَنْزِيهِهِمْ عَنْ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَ قَوْمٍ نَسَبُوا إِلَى رَسُولِهِمْ مَا هُوَ أَذًى لَهُ وهم لَا يعبأون بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِغْضَابِهِ الَّذِي فِيهِ غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَمَّا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَذَى قَدْ يَحْصُلُ عَنْ غَفْلَةِ أَصْحَابه عَمَّا يُوجِبهُ فَيَصْدُرُ عَنْهُمْ مِنَ الْأَقْوَالِ مَا تَجِيشُ بِهِ خَوَاطِرُهُمْ قَبْلَ التَّدَبُّرِ فِيمَا يَحِفُّ بِذَلِكَ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي تُقْلِعُهُ وَتَنْفِيهِ وَدُونَ التَّأَمُّلِ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ من إخلال بالواجبات. وَكَذَلِكَ يَصْدُرُ عَنْهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا فِيهِ وَرْطَةٌ لَهُمْ قَبْلَ التَّأَمُّلِ فِي مَغَبَّةِ عَمَلِهِمْ، نَبَّهَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ كَيْ لَا يَقَعُوا فِي مِثْلِ تِلْكَ الْعَنْجَهِيَّةِ لِأَنَّ مَدَارِكَ الْعُقَلَاءِ فِي التَّنْبِيهِ إِلَى مَعَانِي الْأَشْيَاءِ وَمُلَازِمَاتِهَا مُتَفَاوِتَةُ الْمَقَادِيرِ، فَكَانَتْ حَرِيَّةً بِالْإِيقَاظِ وَالتَّحْذِيرِ. وَفَائِدَةُ التَّشْبِيهِ تَشْوِيهُ الْحَالَةِ الْمُشَبَّهَةِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ تَقَرَّرَ فِي نُفُوسِهِمْ قُبْحُ مَا أُوذِيَ بِهِ مُوسَى ﵇ بِمَا سَبَقَ مِنَ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصَّفّ: ٥] الْآيَةَ.

стр. 7490

وَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى هُمْ طَوَائِفُ مِنْ قَوْمِهِ وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمْ أَذَاهُ وَلَكِنَّهُمْ أَهْمَلُوا وَاجِبَ كَمَالِ الْأَدَبِ وَالرِّعَايَةِ مَعَ أَعْظَمِ النَّاسِ بَيْنَهُمْ. وَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ ذَلِكَ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا بِقَوْلِهِ: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ الْآيَةَ (فَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْأَذَى مِنْ قَبِيلِ التَّكْذِيبِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: لِمَ تُؤْذُونَنِي إِنْكَارِيٌّ) . فَكَانَ تَوْجِيهُ الْخِطَابِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أمة مُحَمَّد ﷺ مراعى فِيهِ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ الْحَالَيْنِ فِي حُصُولِ الْإِذَايَةِ. فَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى قَالُوا مَرَّةً فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [الْمَائِدَة: ٢٤] فَآذَوْهُ بِالْعِصْيَانِ وَبِضَرْبٍ مِنَ التَّهَكُّمِ. وَقَالُوا مرّة أَتَتَّخِذُنا هُزُواً [الْبَقَرَة: ٦٧] فَنَسَبُوهُ إِلَى الطَّيْشِ وَالسُّخْرِيَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [الْبَقَرَة: ٦٧] . وَفِي التَّوْرَاةِ فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الْخُرُوجِ «وَقَالُوا لِمُوسَى فَإِذَا صَنَعْتَ بِنَا حَتَّى أَخْرَجْتَنَا مِنْ مِصْرَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ نَخْدُمَ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَنْ نَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ» . وَفِي الْإِصْحَاحِ السَّادِسَ عَشَرَ «وَقَالُوا لِمُوسَى وَهَارُونَ إِنَّكُمَا أَخْرَجْتُمَانَا إِلَى هَذَا الْقَفْرِ لِكَيْ تُمِيتَا كُلَّ هَذَا الْجُمْهُورِ بِالْجُوعِ» . وَفِي الْحَدِيثِ «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا فَقَالَ فَرِيقٌ مِنْ قَوْمِهِ: مَا نَرَاهُ يَسْتَتِرُ إِلَّا مِنْ عَاهَةٍ فِيهِ. فَقَالَ قَوْمٌ: بِهِ بَرَصٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ آدَرُ» وَنَحْوَ هَذَا، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْ هَذَا قَوْلُ الْمُنَافِقِينَ: إِنَّ مُحَمَّدًا تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةَ ابْنِهِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى وُجُوبِ تَوْقِيرِ النَّبِيءِ ﷺ وَتَجَنُّبِ مَا يُؤْذِيهِ وَتِلْكَ سُنُّةُ الصَّحَابَةِ وَالْمُسْلِمِينَ وَقَدْ عَرَضَتْ فَلَتَاتٌ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا قَبْلَهَا كَمَالَ التَّخَلُّقِ بِالْقُرْآنِ مِثْلَ الَّذِي قَالَ لَهُ لَمَّا حَكَمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزُّبَيْرِ فِي مَاءِ شِرَاحِ الْحَرَّةِ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَمِثْلَ التَّمِيمِيِّ خَرْفُوصٍ الَّذِي قَالَ فِي قِسْمَةِ مَغَانِمِ حُنَيْنٍ: «هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» . وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ التَّشْبِيهِ هُوَ قَوْلُهُ: كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى دُونَ مَا فَرَّعَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ: فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِدْمَاجٌ وَانْتِهَازٌ لِلْمَقَامِ بِذِكْرِ بَرَاءَةِ مُوسَى مِمَّا قَالُوا، وَلَا اتِّصَالَ لَهُ بِوَجْهِ التَّشْبِيه لِأَن نبيئنا ﷺ لم يوذ إِيذَاءً يَقْتَضِي ظُهُورَ بَرَاءَتِهِ مِمَّا أُوذِيَ بِهِ.

стр. 7491

وَمَعْنَى «بَرَّأَهُ» أَظْهَرَ بَرَاءَتَهُ عَيَانًا لِأَنَّ مُوسَى كَانَ بَرِيئًا مِمَّا قَالُوهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْذُوهُ بِأَقْوَالِهِمْ فَلَيْسَ وُجُودُ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ مُتَفَرِّعَةً عَلَى أَقْوَالِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَهَا عَقِبَ أَقْوَالِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ بَرَاءَتَهُ مِنَ التَّغْرِيرِ بِهِمْ إِذْ أَمَرَهُمْ بِدُخُولِ أَرِيحَا فَثَبَّتَ قُلُوبَهُمْ وَافْتَتَحُوهَا وَأَظْهَرَ بَرَاءَتَهُ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ إِذْ أَظْهَرَ مُعْجِزَتَهُ حِينَ ذَبَحُوا الْبَقَرَةَ الَّتِي أَمَرَهُمْ بِذَبْحِهَا فَتَبَيَّنَ مَنْ قَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي ادَّارَأُوا فِيهَا. وَأَظْهَرَ سَلَامَتَهُ مِنَ الْبَرَصِ وَالْأُدْرَةِ حِينَ بَدَا لَهُمْ عُرْيَانًا لَمَّا انْتَقَلَ الْحَجْرُ الَّذِي عَلَيْهِ ثِيَابُهُ. وَمَعْنَى: «بَرَّأَهُ مِمَّا قَالُوا» بَرَّأَهُ مِنْ مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ لَا مِنْ نَفْسِ قَوْلِهِمْ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ قَدْ حَصَلَ وَأُوذِيَ بِهِ وَهَذَا كَمَا سَمَّوُا السُّبَّةَ الْقَالَةَ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ [مَرْيَم: ٨٠] ، أَيْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَقَالُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَداً [مَرْيَم: ٧٧] أَيْ نَرِثُهُ مَالَهُ وَوَلَدَهُ. وَجُمْلَةُ وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً مُعْتَرِضَةٌ فِي آخِرِ الْكَلَامِ وَمُفِيدَةٌ سَبَبَ عِنَايَةِ اللَّهِ بِتَبْرِئَتِهِ. والوجيه صفة مشبهة، أَيْ ذُو الْوَجَاهَةِ. وَهِيَ الْجَاهُ وَحُسْنُ الْقَبُولِ عِنْدَ النَّاسِ. يُقَالُ: وَجُهَ الرَّجُلُ، بِضَمِّ الْجِيمِ، وَجَاهَةً فَهُوَ وَجِيهٌ. وَهَذَا الْفِعْلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْمِ الْجَامِدِ وَهُوَ الْوَجْهُ الَّذِي لِلْإِنْسَانِ، فَمَعْنَى كَوْنِهِ وَجِيهًا عِنْدَ اللَّهِ أَنَّهُ مَرْضِيٌّ عَنهُ مَقْبُول مغْفُور لَهُ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٤٥] ، فَضُمَّهُ إِلَى هُنَا. وَذِكْرُ فِعْلِ كانَ دَالٌّ عَلَى تَمَكُّنِ وَجَاهَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا تَسْفِيهٌ لِلَّذِينِ آذَوْهُ بِأَنَّهُمْ آذَوْهُ بِمَا هُوَ مبرأ مِنْهُ، وتنويه وَتَوْجِيهٌ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِأَنَّهُ مُسْتَأْهِلٌ لِتِلْكَ التَّبْرِئَةِ لِأَنَّهُ وَجِيهٌ عِنْدَ اللَّهِ وَلَيْسَ بخامل. [٧٠، ٧١] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : الْآيَات ٧٠ إِلَى ٧١] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١) بَعْدَ أَنْ نَهَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَمَّا يُؤْذِي النَّبِيءَ ﷺ وَرَبَأَ بِهِمْ عَنْ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَ

стр. 7492

الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَهُمْ، وَجَّهَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ نِدَاءً بِأَنْ يَتَّسِمُوا بِالتَّقْوَى وَسَدَادِ الْقَوْلِ لِأَنَّ فَائِدَةَ النَّهْيِ عَنِ الْمَنَاكِرِ التَّلَبُّسُ بِالْمَحَامِدِ، وَالتَّقْوَى جِمَاعُ الْخَيْرِ فِي الْعَمَلِ وَالْقَوْلِ. وَالْقَوْلُ السَّدِيدُ مُبِثُّ الْفَضَائِلِ. وَابْتِدَاءُ الْكَلَامِ بِنِدَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا لِلِاهْتِمَامِ بِهِ وَاسْتِجْلَابِ الْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ. وَنِدَاؤُهُمْ بِالَّذِينِ آمَنُوا لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَقْتَضِي مَا سَيُؤْمَرُونَ بِهِ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ الَّذِينَ يَصْدُرُ مِنْهُمْ مَا يُؤْذِي النَّبِيءَ ﷺ قَصْدًا لَيْسُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ وَلَكِنَّهُمْ مُنَافِقُونَ، وَتَقْدِيمُ الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى مُشْعِرٌ بِأَنَّ مَا سَيُؤْمَرُونَ بِهِ مِنْ سَدِيدِ الْقَوْلِ هُوَ مِنْ شُعَبِ التَّقْوَى كَمَا هُوَ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ. وَالْقَوْلُ: الْكَلَامُ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْ فَمِ الْإِنْسَانِ يُعَبِّرُ عَمَّا فِي نَفْسِهِ. وَالسَّدِيدُ: الَّذِي يُوَافِقُ السَّدَادَ. وَالسَّدَادُ: الصَّوَابُ وَالْحَقُّ وَمِنْهُ تَسْدِيدُ السَّهْمِ نَحْوَ الرَّمْيَةِ، أَيْ عَدَمُ الْعُدُولِ بِهِ عَنْ سِمَتِهَا بِحَيْثُ إِذَا انْدَفَعَ أَصَابَهَا، فَشَمَلَ الْقَوْلُ السَّدِيدُ الْأَقْوَالَ الْوَاجِبَةَ وَالْأَقْوَالَ الصَّالِحَةَ النَّافِعَةَ مِثْلَ ابْتِدَاءِ السَّلَامِ وَقَوْلِ الْمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يُحِبُّهُ: إِنِّي أُحِبُّكَ. وَالْقَوْلُ يَكُونُ بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ وَيَكُونُ كَذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الشَّرِّ. وَفِي الْحَدِيثِ: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً قَالَ خَيْرًا فَغَنِمَ أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ» ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» . وَيَشْمَلُ الْقَوْلُ السَّدِيدُ مَا هُوَ تَعْبِيرٌ عَنْ إِرْشَادٍ مِنْ أَقْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ، وَمَا هُوَ تَبْلِيغٌ لِإِرْشَادِ غَيْرِهِ مِنْ مَأْثُورِ أَقْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ. فَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْقَوْلِ السَّدِيدِ، وَرِوَايَةُ حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الْقَوْلِ السَّدِيدِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» وَكَذَلِكَ نَشْرُ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالْحُكَمَاءِ وَأَيِمَّةِ الْفِقْهِ. وَمِنَ الْقَوْلِ السَّدِيدِ تَمْجِيدُ اللَّهِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ مِثْلَ التَّسْبِيحِ. وَمِنَ الْقَوْلِ السَّدِيدِ الْآذَانُ وَالْإِقَامَةُ قَالَ تَعَالَى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ [١٠] . فَبِالْقَوْلِ السَّدِيدِ تَشِيعُ الْفَضَائِلُ وَالْحَقَائِقُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَرْغَبُونَ فِي التَّخَلُّقِ بهَا، وبالقول السيّء تَشِيعُ الضَّلَالَاتُ وَالتَّمْوِيهَاتُ

стр. 7493

فَيَغْتَرُّ النَّاسُ بِهَا وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. وَالْقَوْلُ السَّدِيدُ يَشْمَلُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَلِمَا فِي التَّقْوَى وَالْقَوْلِ السَّدِيدِ مِنْ وَسَائِلِ الصَّلَاحِ جَعَلَ لِلْآتِي بِهِمَا جَزَاءً بِإِصْلَاحِ الْأَعْمَالِ وَمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ. وَهُوَ نَشْرٌ عَلَى عَكْسِ اللَّفِّ، فَإِصْلَاحُ الْأَعْمَالِ جَزَاءٌ عَلَى الْقَوْلِ السَّدِيدِ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُفِيدُهُ الْقَوْلُ السَّدِيدُ إِرْشَادُ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاحِ أَوِ اقْتِدَاءُ النَّاسِ بِصَاحِبِ الْقَوْلِ السَّدِيدِ. وَغُفْرَانُ الذُّنُوبِ جَزَاءٌ عَلَى التَّقْوَى لِأَنَّ عَمُودَ التَّقْوَى اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِلنَّاسِ الصَّغَائِرَ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَغَفَرَ لَهُمُ الْكَبَائِرَ بِالتَّوْبَةِ، وَالتَّحَوُّلُ عَنِ الْمَعَاصِي بَعْدَ الْهَمِّ بِهَا ضَرْبٌ مِنْ مَغْفِرَتِهَا. ثُمَّ إِنَّ ضَمِيرَيْ جَمْعِ الْمُخَاطَبِ لَمَّا كَانَا عَائِدَيْنَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا كَانَا عَامَّيْنِ لِكُلِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي عُمُومِ الْأَزْمَانِ سَوَاءً كَانَتِ الْأَعْمَالُ أَعْمَالَ الْقَائِلِينَ قَوْلًا سَدِيدًا أَوْ أَعْمَالَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَخْلُونَ مِنْ فَرِيقٍ يَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ الْقَوْلِ فَيَعْمَلُونَ بِمَا يَقْتَضِيهِ عَلَى تَفَاوُتٍ بَيْنَ الْعَامِلِينَ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ التَّفَاوُتِ يَتَفَاوَتُ صَلَاحُ أَعْمَالِ الْقَائِلِينَ قَوْلًا سَدِيدًا وَالْعَامِلِينَ بِهِ مِنَ سَامِعِيهِ، وَكَذَلِكَ أَعْمَالُ الَّذِي قَالَ الْقَوْلَ السَّدِيدَ فِي وَقْتِ سَمَاعِهِ قَوْلَ غَيْرِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» ، فَظَهَرَ أَنَّ إِصْلَاحَ الْأَعْمَالِ مُتَفَاوِتٌ وَكَيْفَمَا كَانَ فَإِنَّ صَلَاحَ الْمَعْمُولِ مِنْ آثَارِ سِدَادِ الْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ التَّقْوَى تَكُونُ سَبَبًا لِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِ الْمُتَّقِي وَمَغْفِرَةِ ذُنُوبِ غَيْرِهِ لِأَنَّ مِنَ التَّقْوَى الِانْكِفَافَ عَنْ مُشَارَكَةِ أَهْلِ الْمَعَاصِي فِي مَعَاصِيهِمْ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ انْكِفَافُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ مَعَاصِيهِمْ تَأَسِّيًا أَوْ حَيَاءً فَتَتَعَطَّلُ بَعْضُ الْمَعَاصِي، وَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الْغُفْرَانِ فَإِنِ اقْتَدَى فَاهْتَدَى فَالْأَمْرُ أَجْدَرُ. وَذِكْرُ لَكُمْ مَعَ فِعْلَيْ يُصْلِحْ- ويَغْفِرْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْعِنَايَةِ بِالْمُتَّقِينَ أَصْحَابِ الْقَوْلِ السَّدِيدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشَّرْح: ١] . وَجُمْلَةُ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أَيْ وَتَفُوزُوا فَوْزًا عَظِيمًا إِذَا أَطَعْتُمْ

стр. 7494

اللَّهَ بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ. وَإِنَّمَا صِيغَتِ الْجُمْلَةُ فِي صِيغَةِ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ فِي الْمُطِيعِينَ وَأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ فَصَارَتِ الْجُمْلَةُ بِهَذَيْنِ الْعُمُومَيْنِ فِي قُوَّةِ التَّذْيِيلِ. وَهَذَا نسج بديع مِنْ نَظْمِ الْكَلَامِ وَهُوَ إِفَادَةُ غَرَضَيْنِ بجملة وَاحِدَة. [٧٢] [سُورَة الْأَحْزَاب (٣٣) : آيَة ٧٢] إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢) اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ أَفَادَ الْإِنْبَاءَ عَلَى سُنَّةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ سُنَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَكْوِينِ الْعَالَمِ وَمَا فِيهِ وَبِخَاصَّةٍ الْإِنْسَانَ لِيَرْقُبَ النَّاسُ فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ مَعَ رَبِّهِمْ وَمُعَامَلَاتِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ بِمِقْدَارِ جَرْيِهِمْ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ وَرَعْيِهِمْ تَطْبِيقَهَا فَيَكُونُ عَرْضُهُمْ أَعْمَالَهُمْ عَلَى مِعْيَارِهَا مُشْعِرًا لَهُمْ بِمَصِيرِهِمْ وَمُبَيِّنًا سَبَبَ تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَاصْطِفَاءِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَيْنِ بَعْضٍ. وَمَوْقِعُ هَذِهِ الْآيَةِ عَقِبَ مَا قَبْلَهَا، وَفِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ يَقْتَضِي أَنَّ لِمَضْمُونِهَا ارْتِبَاطًا بِمَضْمُونِ مَا قَبِلَهَا، وَيَصْلُحُ عَوْنًا لِاكْتِشَافِ دَقِيقِ مَعْنَاهَا وَإِزَالَةِ سُتُورِ الرَّمْزِ عَنِ الْمُرَادِ مِنْهَا، وَلَوْ بِتَقْلِيلِ الِاحْتِمَالِ، وَالْمَصِيرِ إِلَى الْمَآلِ. وَالِافْتِتَاحُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ أَوْ تَنْزِيِلِهِ لِغَرَابَةِ شَأْنِهِ مَنْزِلَةَ مَا قَدْ يُنْكِرُهُ السَّامِعُ. وَافْتِتَاحُ الْآيَةِ بِمَادَّةِ الْعَرْضِ، وَصَوْغُهَا فِي صِيغَة الْمَاضِي، وَجَعْلُ مُتَعَلِّقِهَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَال وَالْإِنْسَان يومىء إِلَى أَنَّ مُتَعَلِّقَ هَذَا الْعَرْضِ كَانَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ عَرْضٌ أَزَلِيٌّ فِي مَبْدَأِ التَّكْوِينِ عِنْدَ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ الرَّبَّانِيَّةِ بِإِيجَادِ الْمَوْجُودَاتِ الْأَرْضِيَّةِ وَإِيدَاعِهَا فُصُولَهَا الْمُقَوِّمَةَ لِمَوَاهِيهَا وَخَصَائِصِهَا وَمُمَيِّزَاتِهَا الْمُلَائِمَةِ لِوَفَائِهَا بِمَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ كَمَا حُمِلَ قَوْلُهُ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذرياتهم [الْأَعْرَاف: ١٧٢] الْآيَةَ. وَاخْتِتَامُ الْآيَةِ بِالْعِلَّةِ مِنْ قَوْلِهِ: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ [الْأَحْزَاب: ٧٣] إِلَى نِهَايَةِ السُّورَةِ يَقْتَضِي أَنَّ لِلْأَمَانَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَزِيدَ اخْتِصَاصٍ بِالْعِبْرَةِ فِي أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ بَيْنِ نَوْعِ الْإِنْسَانِ فِي رَعْيِ الْأَمَانَةِ وَإِضَاعَتِهَا.

стр. 7495

فَحَقِيقٌ بِنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ هَذَا الْعَرْضَ كَانَ فِي مَبْدَأِ تَكْوِينِ الْعَالَمِ وَنَوْعِ الْإِنْسَانِ لِأَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَتْ فِيهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ مَعَ الْإِنْسَانِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنْسَانِ نَوْعُهُ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ وَلَوْ فِي أَوَّلِ النَّشْأَةِ لَمَا كَانَ فِي تَحَمُّلِ ذَلِكَ الْفَرْدِ الْأَمَانَةَ ارْتِبَاطٌ بِتَعْذِيبِ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَلَمَا كَانَ فِي تَحَمُّلِ بَعْضِ أَفْرَادِهِ دُونَ بَعْضٍ الْأَمَانَةَ حِكْمَةٌ مُنَاسِبَةٌ لِتَصَرُّفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. فَتَعْرِيفُ الْإِنْسانُ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، أَيْ نَوْعُ الْإِنْسَانِ. وَالْعَرْضُ: حَقِيقَتُهُ إِحْضَارُ شَيْءٍ لِآخَرَ لِيَخْتَارَهُ أَوْ يَقْبَلَهُ وَمِنْهُ عَرْضُ الْحَوْضِ عَلَى النَّاقَةِ، أَيْ عَرْضُهُ عَلَيْهَا أَنْ تَشْرَبَ مِنْهُ، وَعَرْضُ الْمُجَنَّدِينَ عَلَى الْأَمِيرِ لِقَبُولِ مَنْ تَأَهَّلَ مِنْهُمْ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَرَدَّنِي وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَنِي» . وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ فِي سُورَةِ هُودٍ [١٨] ، وَقَوْلِهِ: عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [٤٨] . فَقَوْلُهُ: عَرَضْنَا هُنَا اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِوَضْعِ شَيْءٍ فِي شَيْءٍ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لَهُ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَشْيَاءِ، وَعَدَمُ وَضْعِهِ فِي بَقِيَّةِ الْأَشْيَاءِ لِعَدَمِ تَأَهُّلِهَا لِذَلِكَ الشَّيْءِ، فَشُبِّهَتْ حَالَةُ صَرْفِ تَحْمِيلِ الْأَمَانَةِ عَنِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَوَضْعِهَا فِي الْإِنْسَانِ بِحَالَةِ مَنْ يَعْرِضُ شَيْئًا عَلَى أُنَاسٍ فَيَرْفُضُهُ بَعْضُهُمْ وَيَقْبَلُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، أَوْ تَمْثِيلٌ لِتَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِعَدَمِ صَلَاحِيَةِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ لِإِنَاطَةِ مَا عُبِّرَ عَنْهُ بِالْأَمَانَةِ بِهَا وَصَلَاحِيَةِ الْإِنْسَان لذَلِك، فشبهت حَالَةُ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِمُخَالَفَةِ قَابِلِيَّةِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ بِحَمْلِ الْأَمَانَةِ لِقَابِلِيَّةِ الْإِنْسَانِ ذَلِكَ بِعَرْضِ شَيْءٍ عَلَى أَشْيَاءَ لِاسْتِظْهَارِ مِقْدَارِ صَلَاحِيَّةِ أَحَدِ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ لِلتَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ الْمَعْرُوضِ عَلَيْهَا. وَفَائِدَةُ هَذَا التَّمْثِيلِ تَعْظِيمُ أَمْرِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ إِذْ بَلَغَتْ أَنْ لَا يُطِيقَ تَحَمُّلَهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مَا يُبْصِرُهُ النَّاسُ مِنْ أَجْنَاسِ الْمَوْجُودَاتِ. فَتَخْصِيصُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ الْمَوْجُودَاتِ لِأَنَّهُمَا أَعْظَمُ الْمَعْرُوفِ لِلنَّاسِ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، وَعَطَفُ الْجِبالِ عَلَى الْأَرْضِ وَهِيَ مِنْهَا لِأَنَّ الْجِبَالَ أَعْظَمُ الْأَجْزَاءِ الْمَعْرُوفَةِ مِنْ ظَاهِرِ الْأَرْضِ وَهِيَ الَّتِي تُشَاهِدُ الْأَبْصَارُ عَظَمَتَهَا إِذِ الْأَبْصَارُ
следующие страницы →