Полный текст (11 044 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الْأَوَّلُ:
إِصْلَاحُ الِاعْتِقَادِ وَتَعْلِيمُ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، وَهَذَا أَعْظَمُ سَبَبٍ لِإِصْلَاحِ الْخَلْقِ، لِأَنَّهُ يُزِيلُ عَنِ النَّفْسِ عَادَةً الْإِذْعَانَ لِغَيْرِ مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَيُطَهِّرُ الْقَلْبَ مِنَ الْأَوْهَامِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْإِشْرَاكِ وَالدَّهْرِيَّةِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ
تَتْبِيبٍ
[هود: ١٠١] فَأَسْنَدَ لِآلِهَتِهِمْ زِيَادَةَ تَتْبِيبِهِمْ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ فِعْلِ الْآلِهَةِ وَلَكِنَّهُ مِنْ آثَارِ الِاعْتِقَادِ بِالْآلِهَةِ.
الثَّانِي:
تَهْذِيبُ الْأَخْلَاقِ قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [الْقَلَم: ٤] وَفَسَّرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا لَمَّا سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِهِ ﷺ فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقَهُ الْقُرْآنُ.
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» بَلَاغًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ حُسْنِ الْأَخْلَاقِ»
وَهَذَا الْمَقْصِدُ قَدْ فَهِمَهُ عَامَّةُ الْعَرَبِ بَلْهَ خَاصَّةَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ مُشِيرًا إِلَى مَا دَخَلَ عَلَى الْعَرَبِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ بِأَحْسَنِ تَعْبِيرٍ:
فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدَّارِ يَا أُمَّ مَالِكٍ ... وَلَكِنْ أَحَاطَتْ بِالرِّقَابِ السَّلَاسِلُ
وَعَادَ الْفَتَى كَالْكَهْلِ لَيْسَ بِقَائِلٍ ... سِوَى الْعَدْلِ شَيْئًا فَاسْتَرَاحَ الْعَوَاذِلُ
أَرَادَ بِإِحَاطَةِ السَّلَاسِلِ بِالرِّقَابِ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، وَالشَّاهِدُ فِي قَوْلِهِ وَعَادَ الْفَتَى كَالْكَهْلِ.
الثَّالِثُ:
التَّشْرِيعُ وَهُوَ الْأَحْكَامُ خَاصَّةً وَعَامَّةً. قَالَ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [النِّسَاء: ١٠٥] وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [الْمَائِدَة: ٤٨] وَلَقَدْ جَمَعَ الْقُرْآنُ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ جَمْعًا كُلِّيًّا فِي الْغَالِبِ، وَجُزْئِيًّا فِي الْمُهِمِّ، فَقَوْلُهُ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النَّحْل: ٨٩] ، وَقَوْلُهُ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [الْمَائِدَة: ٣] الْمُرَادُ بِهِمَا! إِكْمَالُ الْكُلِّيَّاتِ الَّتِي مِنْهَا الْأَمْرُ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالْقِيَاسِ. قَالَ الشَّاطِبِيُّ لِأَنَّهُ عَلَى اخْتِصَارِهِ جَامِعٌ وَالشَّرِيعَةُ تَمَّتْ بِتَمَامِهِ وَلَا يَكُونُ جَامِعًا لِتَمَامِ الدِّينِ إِلَّا وَالْمَجْمُوعُ فِيهِ أُمُورٌ كُلِّيَّةٌ.
الرَّابِعُ:
سِيَاسَةُ الْأُمَّةِ وَهُوَ بَابٌ عَظِيمٌ فِي الْقُرْآنِ الْقَصْدُ مِنْهُ صَلَاحُ الْأُمَّةِ وَحِفْظُ نِظَامِهَا كَالْإِرْشَادِ إِلَى تَكْوِينِ الْجَامِعَةِ بِقَوْلِهِ: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [آل عمرَان: ١٠٣] وَقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الْأَنْعَام: ١٥٩]
стр. 72
وَقَوْلِهِ: وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الْأَنْفَال: ٤٦] وَقَوْلِهِ: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨] .
الْخَامِسُ:
الْقِصَصُ وَأَخْبَارُ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ لِلتَّأَسِّي بِصَالِحِ أَحْوَالِهِمْ قَالَ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [يُوسُف:
٣] أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الْأَنْعَام: ٩٠] وَلِلتَّحْذِيرِ مِنْ مَسَاوِيهِمْ قَالَ: وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ [إِبْرَاهِيم: ٤٥] وَفِي خِلَالِهَا تَعْلِيمٌ، وَكُنَّا أَشَرْنَا إِلَيْهَا فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ.
السَّادِسُ:
التَّعْلِيمُ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَةَ عَصْرِ الْمُخَاطَبِينَ، وَمَا يُؤَهِّلُهُمْ إِلَى تَلَقِّي الشَّرِيعَةِ وَنَشْرِهَا وَذَلِكَ عِلْمُ الشَّرَائِعِ وَعِلْمُ الْأَخْبَارِ وَكَانَ ذَلِكَ مَبْلَغَ عِلْمِ مُخَالِطِي الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَدْ زَادَ الْقُرْآنُ عَلَى ذَلِكَ تَعْلِيمَ حِكْمَةِ مِيزَانِ الْعُقُولِ وَصِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ فِي أَفَانِينِ مُجَادَلَاتِهِ لِلضَّالِّينَ وَفِي دَعْوَتِهِ إِلَى النَّظَرِ، ثُمَّ نَوَّهَ بِشَأْنِ الْحِكْمَةِ فَقَالَ: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [الْبَقَرَة: ٢٦٩] وَهَذَا أَوْسَعُ بَابٍ انْبَجَسَتْ مِنْهُ عُيُونُ الْمَعَارِفِ، وَانْفَتَحَتْ بِهِ عُيُونُ الْأُمِّيِّينَ إِلَى الْعِلْمِ، وَقَدْ لَحِقَ بِهِ التَّنْبِيهُ الْمُتَكَرِّرُ عَلَى فَائِدَةِ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ يَطْرُقْ أَسْمَاعَ الْعَرَبِ مِنْ قَبْلُ، إِنَّمَا قُصَارَى عُلُومِهِمْ أُمُورٌ تَجْرِيبِيَّةٌ، وَكَانَ حُكَمَاؤُهُمْ أَفْرَادًا اخْتُصُّوا بِفَرْطِ ذَكَاءٍ تُضَمُّ إِلَيْهِ تَجْرِبَةٌ وَهُمُ الْعُرَفَاءُ فَجَاءَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣] هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] وَقَالَ: ن وَالْقَلَمِ [الْقَلَم: ١] فَنَبَّهَ إِلَى مَزِيَّةِ الْكِتَابَةِ.
السَّابِعُ:
الْمَوَاعِظُ وَالْإِنْذَارُ وَالتَّحْذِيرُ وَالتَّبْشِيرُ، وَهَذَا يَجْمَعُ جَمِيعَ آيَاتِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَكَذَلِكَ الْمُحَاجَّةُ وَالْمُجَادَلَةُ لِلْمُعَانِدِينَ، وَهَذَا بَابُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.
الثَّامِنُ:
الْإِعْجَازُ بِالْقُرْآنِ لِيَكُونَ آيَةً دَالَّةً عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ إِذِ التَّصْدِيقُ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ بَعْدَ التَّحَدِّي، وَالْقُرْآنُ جَمَعَ كَوْنَهُ مُعْجِزَةً بِلَفْظِهِ وَمُتَحَدًّى لِأَجْلِهِ بِمَعْنَاهُ وَالتَّحَدِّي وَقَعَ فِيهِ: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يُونُس: ٣٨] وَلِمَعْرِفَةِ أَسْبَابِ النُّزُولِ مَدْخَلٌ فِي ظُهُورِ مُقْتَضَى الْحَالِ وَوُضُوحِهِ. هَذَا مَا بَلَغَ إِلَيْهِ اسْتِقْرَائِي وَلِلْغَزَّالِيِّ فِي «إِحْيَاءِ عُلُومِ» الدِّينِ بَعْضٌ مِنْ ذَلِكَ.
فَغَرَضُ الْمُفَسِّرِ بَيَانُ مَا يَصِلُ إِلَيْهِ أَوْ مَا يَقْصِدُهُ مِنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِأَتَمِّ بَيَانٍ يَحْتَمِلُهُ الْمَعْنَى وَلَا يَأْبَاهُ اللَّفْظُ مِنْ كُلِّ مَا يُوَضِّحُ الْمُرَادَ مِنْ مَقَاصِدِ الْقُرْآنَ، أَوْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَهْمُهُ أَكْمَلَ فَهْمٍ، أَوْ يَخْدِمُ الْمَقْصِدَ تَفْصِيلًا وَتَفْرِيعًا كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى، مَعَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى ذَلِكَ إِنْ كَانَ بِهِ خَفَاءٌ، أَوْ لِتَوَقُّعِ مُكَابَرَةٍ مِنْ مُعَانِدٍ أَوْ جَاهِلٍ، فَلَا جَرَمَ كَانَ رَائِدُ
стр. 73
الْمُفَسِّرِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَعْرِفَ عَلَى الْإِجْمَالِ مَقَاصِدَ الْقُرْآنِ مِمَّا جَاءَ لِأَجْلِهِ، وَيَعْرِفُ اصْطِلَاحَهُ فِي إِطْلَاقِ الْأَلْفَاظِ، وَلِلتَّنْزِيلِ اصْطِلَاحٌ وَعَادَاتٌ، وَتَعَرَّضَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» إِلَى شَيْءٍ مِنْ عَادَاتِ الْقُرْآنِ فِي مُتَنَاثِرِ كَلَامِهِ فِي تَفْسِيرِهِ.
فَطَرَائِقُ الْمُفَسِّرِينَ لِلْقُرْآنِ ثَلَاثٌ، إِمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى الظَّاهِرِ مِنَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ
لِلتَّرْكِيبِ مَعَ بَيَانِهِ وَإِيضَاحِهِ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَإِمَّا اسْتِنْبَاطُ مَعَانٍ مِنْ وَرَاءِ الظَّاهِرِ تَقْتَضِيهَا دَلَالَةُ اللَّفْظِ أَوِ الْمَقَامِ وَلَا يُجَافِيهَا الِاسْتِعْمَالُ وَلَا مَقْصِدُ الْقُرْآنِ، وَتِلْكَ هِيَ مُسْتَتْبَعَاتُ التَّرَاكِيبِ وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَبْحُوثِ فِيهَا فِي عِلْمِ الْبَلَاغَةِ كَكَوْنِ التَّأْكِيدِ يَدُلُّ عَلَى إِنْكَارِ الْمُخَاطَبِ أَوْ تَرَدُّدِهِ، وَكَفَحْوَى الْخِطَابِ وَدَلَالَةِ الْإِشَارَةِ وَاحْتِمَالِ الْمَجَازِ مَعَ الْحَقِيقَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَجْلِبَ الْمَسَائِلَ وَيَبْسُطَهَا لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَعْنَى، أَوْ لِأَنَّ زِيَادَةَ فَهْمِ الْمَعْنَى مُتَوَقِّفَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْقُرْآنِيِّ وَبَيْنَ بَعْضِ الْعُلُومِ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَقْصِدٍ مِنْ مَقَاصِدِ التَّشْرِيعِ لِزِيَادَةِ تَنْبِيهٍ إِلَيْهِ، أَوْ لِرَدِّ مَطَاعِنِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُنَافِيهِ لَا عَلَى أَنَّهَا مِمَّا هُوَ مُرَادُ اللَّهِ مِنْ تِلْكَ الْآيَةِ بَلْ لِقَصْدِ التَّوَسُّعِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ.
فَفِي الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ قَدْ فَرَّعَ الْعُلَمَاءُ وَفَصَّلُوا فِي الْأَحْكَامِ، وَخَصُّوهَا بِالتَّآلِيفِ الْوَاسِعَةِ، وَكَذَلِكَ تَفَارِيعُ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ الَّتِي أَكْثَرَ مِنْهَا حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ «الْإِحْيَاءِ» فَلَا يُلَامُ الْمُفَسِّرُ إِذَا أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ تَفَارِيعِ الْعُلُومِ مِمَّا لَهُ خِدْمَةٌ لِلْمَقَاصِدِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَلَهُ مَزِيدُ تَعَلُّقٍ بِالْأُمُورِ الْإِسْلَامِيَّةِ كَمَا نَفْرِضُ أَنْ يُفَسَّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النِّسَاء: ١٦٤] بِمَا ذَكَرَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي إِثْبَاتِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَالْحُجَجِ لِذَلِكَ، وَالْقَوْلِ فِي أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَمَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ. وَكَذَا أَنْ يُفَسَّرَ مَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ بِكَثِيرٍ مِنْ آدَابِ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ كَمَا فَعَلَ الْغَزَالِيُّ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِنَّهُ أَمْلَى عَلَيْهَا ثَمَانِمِائَةِ مَسْأَلَةٍ. وَكَذَلِكَ تَقْرِيرُ مَسَائِلَ مِنْ عِلْمِ التَّشْرِيعِ لِزِيَادَةِ بَيَانِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ: مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ [الْحَج: ٥] الْآيَاتِ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَقْصِدِ وَهُوَ مَزِيدُ تَقْرِيرِ عَظَمَةِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ.
وَفِي الطَّرِيقَةِ الثَّالِثَةِ تُجْلَبُ مَسَائِلُ عِلْمِيَّةٌ مِنْ عُلُومٍ لَهَا مُنَاسَبَةٌ بِمَقْصِدِ الْآيَةِ: إِمَّا عَلَى أَن بَعْضهَا يومىء إِلَيْهِ مَعْنَى الْآيَةِ وَلَوْ بِتَلْوِيحٍ مَا كَمَا يُفَسِّرُ أَحَدٌ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [الْبَقَرَة: ٢٦٩] فَيَذْكُرُ تَقْسِيمَ عُلُومِ الْحِكْمَةِ وَمَنَافِعَهَا مُدْخِلًا ذَلِكَ تَحْتَ قَوْلِهِ: خَيْراً كَثِيراً.
стр. 74
فَالْحِكْمَةُ وَإِنْ كَانَتْ عِلْمًا اصْطِلَاحِيًّا وَلَيْسَ هُوَ تَمَامَ الْمَعْنَى لِلْآيَةِ إِلَّا أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ الْأَصْلِيَّ لَا يَفُوتُ وَتَفَارِيعُ الْحِكْمَةِ تُعِينُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أَنْ نَأْخُذَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ [الْحَشْر: ٧] تَفَاصِيلَ مِنْ عِلْمِ الِاقْتِصَادِ السِّيَاسِيِّ وَتَوْزِيعِ الثَّرْوَةِ الْعَامَّةِ وَنُعَلِّلَ بِذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةَ الزَّكَاةِ وَالْمَوَارِيثِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْمُرَكَّبَةِ مِنْ رَأْسِ مَالٍ وَعَمَلٍ عَلَى أَن ذَلِك تومىء إِلَيْهِ الْآيَةُ إِيمَاءً. وَأَنَّ بَعْضَ مَسَائِلِ الْعُلُومِ قَدْ تَكُونُ أَشَدَّ تَعَلُّقًا بِتَفْسِيرِ آيِ الْقُرْآنِ كَمَا نَفْرِضُ مَسْأَلَةً كَلَامِيَّةً لِتَقْرِيرِ دَلِيلٍ قُرْآنِيٍّ مِثْلَ بُرْهَانِ
التَّمَانُعِ لِتَقْرِيرِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] وَكَتَقْرِيرِ مَسْأَلَةِ الْمُتَشَابِهِ لِتَحْقِيقِ مَعْنًى نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [الذاريات: ٤٧] فَهَذَا كَوْنُهُ مِنْ غَايَاتِ التَّفْسِيرِ وَاضِحٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ [ق: ٦] فَإِنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الِاعْتِبَارُ بِالْحَالَةِ الْمُشَاهَدَةِ فَلَوْ زَادَ الْمُفَسِّرُ فَفَصَّلَ تِلْكَ الْحَالَةَ وَبَيَّنَ أَسْرَارَهَا وَعَلَّلَهَا بِمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي علم الهيأة كَانَ قد زَاد الْمَقْصُود خِدْمَةً.
وَإِمَّا عَلَى وَجْهِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْقُرْآنِيِّ وَبَيْنَ الْمَسَائِلِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الْعِلْمِ حَيْثُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ. وَإِمَّا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِرْوَاحِ مِنَ الْآيَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ [الْكَهْف: ٤٧] أَنَّ فَنَاءَ الْعَالَمِ يَكُونُ بِالزَّلَازِلِ، وَمِنْ قَوْلِهِ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير: ١] الْآيَةَ أَنَّ نِظَامَ الْجَاذِبِيَّةِ يَخْتَلُّ عِنْدَ فَنَاءِ الْعَالَمِ. وَشَرْطُ كَوْنِ ذَلِكَ مَقْبُولًا أَنْ يَسْلُكَ فِيهِ مَسْلَكَ الْإِيجَازِ فَلَا يَجْلِبُ إِلَّا الْخُلَاصَةَ مِنْ ذَلِكَ الْعِلْمِ وَلَا يَصِيرُ الِاسْتِطْرَادُ كَالْغَرَضِ الْمَقْصُودِ لَهُ لِئَلَّا يَكُونَ كَقَوْلِهِمْ السِّيُّ بِالسِّيِّ يُذْكَرُ (١) .
وَلِلْعُلَمَاءِ فِي سُلُوكِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الثَّالِثَةِ عَلَى الْإِجْمَالِ آرَاءٌ، فَأَمَّا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فَيَرَوْنَ مِنَ الْحَسَنِ التَّوْفِيقَ بَيْنَ الْعُلُومِ غَيْرِ الدِّينِيَّةِ وَآلَاتِهَا وَبَيْنَ الْمَعَانِي الْقُرْآنِيَّةِ، وَيَرَوْنَ الْقُرْآنَ مُشِيرًا إِلَى كَثِيرٍ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي «فَصْلِ الْمَقَالِ» : «أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ لَيْسَ يَجِبُ أَنْ تُحْمَلَ أَلْفَاظُ الشَّرْعِ كُلُّهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَلَا أَنْ تَخْرُجَ كُلُّهَا عَنْ ظَاهِرِهَا بِالتَّأْوِيلِ، وَالسَّبَبُ فِي وُرُودِ الشَّرْعِ بِظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ هُوَ اخْتِلَافُ نَظَرِ النَّاسِ وَتَبَايَنُ قَرَائِحِهِمْ فِي التَّصْدِيقِ» стр. 75
وتخلّص إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ بَيْنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْفَلْسَفِيَّةِ اتِّصَالًا. وَإِلَى مِثْلِ ذَلِكَ ذَهَبَ قُطْبُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ فِي «شَرْحِ حِكْمَةِ الْإِشْرَاقِ» ، وَهَذَا الْغَزَالِيُّ وَالْإِمَامُ الرَّازِيُّ وَأَبُو بَكْرِ ابْن الْعَرَبِيِّ وَأَمْثَالُهُمْ صَنِيعُهُمْ يَقْتَضِي التَّبَسُّطَ وَتَوْفِيقَ الْمَسَائِلِ العلمية، فقد ملأوا كُتُبَهُمْ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَعَانِي الْقُرْآنِيَّةِ بِقَوَاعِدِ الْعُلُومِ الْحِكَمِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِ «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ» ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِيمَا أَمْلَاهُ عَلَى سُورَةِ نُوحٍ وَقِصَّةِ الْخَضِرِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ جَنِّي وَالزَّجَّاجُ وَأَبُو حَيَّانَ قَدْ أَشْبَعُوا «تَفَاسِيرَهُمْ» مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَلَامَ الصَّادِرَ عَنْ عَلَّامِ الْغُيُوبِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ لَا تُبْنَى مَعَانِيهِ عَلَى فَهْمِ طَائِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَكِنَّ مَعَانِيَهُ تُطَابِقُ الْحَقَائِقَ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْحَقِيقَةِ فِي عِلْمٍ مِنَ
الْعُلُومِ وَكَانَتِ الْآيَةُ لَهَا اعْتِلَاقٌ بِذَلِكَ فَالْحَقِيقَةُ الْعِلْمِيَّةُ مُرَادَةٌ بِمِقْدَارِ مَا بَلَغَتْ إِلَيْهِ أَفْهَامُ الْبَشَرِ وَبِمِقْدَارِ مَا سَتَبْلُغُ إِلَيْهِ. وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَقَامَاتِ وَيُبْنَى عَلَى تَوَفُّرِ الْفَهْمِ، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَمَّا يَصْلُحُ لَهُ اللَّفْظُ عَرَبِيَّةً، وَلَا يَبْعُدُ عَنِ الظَّاهِرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا يَكُونُ تَكَلُّفًا بَيِّنًا وَلَا خُرُوجًا عَنِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ حَتَّى لَا يَكُونَ فِي ذَلِكَ كَتَفَاسِيرِ الْبَاطِنِيَّةِ.
وَأَمَّا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ فَقَالَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ: «لَا يَصِحُّ فِي مَسْلَكِ الْفَهْمِ وَالْإِفْهَامِ إِلَّا مَا يَكُونُ عَامًّا لجَمِيع الْعَرَب، فَلَا يتكلّف فِيهِ فَوْقَ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ» وَقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي: «مَا تَقَرَّرَ مِنْ أُمِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ وَأَنَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِهَا وَهُمُ الْعَرَبُ تَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوَاعِدُ، مِنْهَا: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ تَجَاوَزُوا فِي الدَّعْوَى عَلَى الْقُرْآنِ الْحَدَّ فَأَضَافُوا إِلَيْهِ كُلَّ عِلْمٍ يُذْكَرُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ أَوِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عُلُومِ الطَّبِيعِيَّاتِ وَالتَّعَالِيمِ وَالْمَنْطِقِ وَعِلْمِ الْحُرُوفِ وَأَشْبَاهِهَا وَهَذَا إِذَا عَرَضْنَاهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَمْ يَصِحَّ فَإِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ كَانُوا أَعْلَمَ بِالْقُرْآنِ وَبِعُلُومِهِ وَمَا أُودِعَ فِيهِ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا سِوَى مَا ثَبَتَ فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ التَّكَالِيفِ وَأَحْكَامِ الْآخِرَةِ. نَعَمْ تَضَمَّنَ عُلُومًا مِنْ جِنْسِ عُلُومِ الْعَرَبِ وَمَا هُوَ عَلَى مَعْهُودِهَا مِمَّا يَتَعَجَّبُ مِنْهُ أُولُو الْأَلْبَابِ وَلَا تَبْلُغُهُ إِدْرَاكَاتُ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ إِلَخْ» .
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَسَّسَهُ مِنْ كَوْنِ الْقُرْآنِ لَمَّا كَانَ خِطَابًا لِلْأُمِّيِّينَ وَهُمُ الْعَرَبُ فَإِنَّمَا يَعْتَمِدُ فِي مَسْلَكِ فَهْمِهِ وَإِفْهَامِهِ عَلَى مَقْدِرَتِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ، وَأَنَّ الشَّرِيعَةَ أُمِّيَّةٌ. وَهُوَ أَسَاسٌ وَاهٍ لِوُجُوهٍ سِتَّةٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ مَا بَنَاهُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُقْصَدْ مِنْهُ انْتِقَالُ الْعَرَبِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَهَذَا بَاطِلٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، قَالَ تَعَالَى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود: ٤٩] . الثَّانِي أَنَّ مَقَاصِدَ الْقُرْآنِ
стр. 76
رَاجِعَةٌ إِلَى عُمُومِ الدَّعْوَةِ وَهُوَ مُعْجِزَةٌ بَاقِيَةٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا يَصْلُحُ لِأَنْ تَتَنَاوَلَهُ أَفْهَامُ مَنْ يَأْتِي مِنَ النَّاسِ فِي عُصُورِ انْتِشَارِ الْعُلُومِ فِي الْأُمَّةِ. الثَّالِثُ أَنَّ السَّلَفَ قَالُوا: إِنَّ الْقُرْآنَ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ يَعْنُونَ مَعَانِيَهُ وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الشاطبي لَا نقضت عَجَائِبُهُ بِانْحِصَارِ أَنْوَاعِ مَعَانِيهِ. الرَّابِعُ أَنَّ مِنْ تَمَامِ إِعْجَازِهِ أَنْ يَتَضَمَّنَ مِنَ الْمَعَانِي مَعَ إِيجَازِ لَفْظِهِ مَا لَمْ تَفِ بِهِ الْأَسْفَارُ الْمُتَكَاثِرَةُ.
الْخَامِسُ أَنَّ مِقْدَارَ أَفْهَامِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ ابْتِدَاءً لَا يَقْضِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ مَفْهُومًا لَدَيْهِمْ فَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى الْمَعَانِي الْأَسَاسِيَّةِ فَقَدْ يَتَهَيَّأُ لِفَهْمِهِ أَقْوَامٌ، وَتُحْجَبُ عَنْهُ أَقْوَامٌ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. السَّادِسُ أَنَّ عَدَمَ تَكَلُّمِ السَّلَفِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ فِيمَا لَيْسَ رَاجِعًا إِلَى مَقَاصِدِهِ فَنَحْنُ نُسَاعِدُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَيْهَا فَلَا نُسَلِّمُ وُقُوفَهُمْ فِيهَا عِنْدَ
ظَوَاهِرِ الْآيَاتِ بَلْ قَدْ بَيَّنُوا وَفَصَّلُوا وَفَرَّعُوا فِي عُلُومٍ عُنُوا بِهَا، وَلَا يَمْنَعُنَا ذَلِك أَن نقفي عَلَى آثَارِهِمْ فِي عُلُومٍ أُخْرَى رَاجِعَةٍ لِخِدْمَةِ الْمَقَاصِدِ الْقُرْآنِيَّةِ أَوْ لِبَيَانِ سَعَةِ الْعُلُومِ الْإِسْلَامِيَّةِ، أَمَّا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ ذِكْرُهُ لِإِيضَاحِ الْمَعْنَى فَذَلِكَ تَابِعٌ لِلتَّفْسِيرِ أَيْضًا، لِأَنَّ الْعُلُومَ الْعَقْلِيَّةَ إِنَّمَا تَبْحَثُ عَنْ أَحْوَالِ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَذَلِكَ لَيْسَ مِنَ التَّفْسِيرِ لَكِنَّهُ تَكْمِلَةٌ لِلْمَبَاحِثِ الْعِلْمِيَّةِ وَاسْتِطْرَادٌ فِي الْعِلْمِ لِمُنَاسَبَةِ التَّفْسِيرِ لِيَكُونَ مُتَعَاطِي التَّفْسِيرِ أَوْسَعَ قَرِيحَةً فِي الْعُلُومِ.
وَذَهَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْعَوَاصِمِ» إِلَى إِنْكَارِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْعُلُومِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَالْمَعَانِي الْقُرْآنِيَّةِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى غَيْرِ هَاتِهِ الْعُلُومِ وَذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِ فِي تَحْقِيرِ الْفَلْسَفَةِ لِأَجْلِ مَا خُولِطَتْ بِهِ مِنَ الضَّلَالَاتِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَهُوَ مُفْرِطٌ فِي ذَلِكَ مُسْتَخِفٌّ بِالْحُكَمَاءِ.
وَأَنَا أَقُولُ: إِنَّ عَلَاقَةَ الْعُلُومِ بِالْقُرْآنِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ:
الْأُولَى:
عُلُومٌ تَضَمَّنَهَا الْقُرْآنُ كَأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ، وَتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَالْفِقْهِ وَالتَّشْرِيعِ وَالِاعْتِقَادِ وَالْأُصُولِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالْبَلَاغَةِ.
الثَّانِيَةُ:
عُلُومٌ تَزِيدُ الْمُفَسِّرَ علما كالحكمة والهيأة وَخَوَاصِّ الْمَخْلُوقَاتِ.
الثَّالِثَةُ:
عُلُومٌ أَشَارَ إِلَيْهَا أَوْ جَاءَتْ مُؤَيِّدَةً لَهُ كَعِلْمِ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ وَالطِّبِّ وَالْمَنْطِقِ.
الرَّابِعَةُ:
عُلُومٌ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِهِ إِمَّا لِبُطْلَانِهَا كَالزَّجْرِ وَالْعِيَافَةِ وَالْمِيثُولُوجْيَا، وَإِمَّا لِأَنَّهَا لَا تُعِينُ عَلَى خِدْمَتِهِ كَعِلْمِ الْعَرُوضِ وَالْقَوَافِي.
стр. 77
الْمُقَدِّمَةُ الْخَامِسَةُ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ
أَوْلَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ بِتَطَلُّبِ أَسْبَابِ نُزُولِ آيِ الْقُرْآنِ، وَهِيَ حَوَادِثُ يُرْوَى أَنَّ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ لِأَجْلِهَا لِبَيَانِ حُكْمِهَا أَوْ لِحِكَايَتِهَا أَوْ إِنْكَارِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَغْرَبُوا فِي ذَلِكَ وَأَكْثَرُوا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُوهِمَ النَّاسَ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ عَلَى سَبَبٍ، وَحَتَّى رَفَعُوا الثِّقَةَ بِمَا ذَكَرُوا، بَيْدَ أَنَّا نَجِدُ فِي بَعْضِ آيِ الْقُرْآنِ إِشَارَةً إِلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي دَعَتْ إِلَى نُزُولِهَا وَنَجِدُ لِبَعْضِ الْآيِ أَسْبَابًا ثَبَتَتْ بِالنَّقْلِ دُونَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَأْيَ النَّاقِلِ، فَكَانَ أَمْرُ أَسْبَابِ نُزُولِ الْقُرْآنِ دَائِرًا بَيْنَ الْقَصْدِ وَالْإِسْرَافِ، وَكَانَ فِي غَضِّ النَّظَرِ عَنْهُ وَإِرْسَالِ حَبْلِهِ عَلَى غَارِبِهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ. فَذَلِكَ الَّذِي دَعَانِي إِلَى خَوْضِ هَذَا الْغَرَضِ فِي مُقَدِّمَاتِ التَّفْسِيرِ لِظُهُورِ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَى تَمْحِيصِهِ فِي أَثْنَاءِ التَّفْسِيرِ، وَلِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْ إِعَادَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ عُرُوضِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ، غَيْرُ مُدَّخِرٍ مَا أَرَاهُ فِي ذَلِكَ رَأْيًا يَجْمَعُ شَتَاتَهَا.
وَأَنَا عَاذِرٌ الْمُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ أَلَّفُوا فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ فَاسْتَكْثَرُوا مِنْهَا، بِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَصَدَّى لِتَأْلِيفِ كِتَابٍ فِي مَوْضُوعٍ غَيْرِ مُشْبَعٍ تَمْتَلِكُهُ مَحَبَّةُ التَّوَسُّعِ فِيهِ فَلَا يَنْفَكُّ يَسْتَزِيدُ مِنْ مُلْتَقَطَاتِهِ لِيُذْكِيَ قَبَسَهُ، وَيَمُدَّ نَفَسَهُ، فَيَرْضَى بِمَا يَجِدُ رِضَى الصَّبِّ بِالْوَعْدِ، وَيَقُولُ زِدْنِي مِنْ حَدِيثِكَ يَا سَعْدُ، غَيْرَ هَيَّابٍ لِعَاذِلٍ، وَلَا مُتَطَلِّبِ مَعْذِرَةِ عَاذِرٍ، وَكَذَلِكَ شَأْنُ الْوَلَعِ إِذَا امْتَلَكَ الْقَلْبَ، وَلَكِنِّي لَا أَعْذِرُ أَسَاطِينَ الْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ تَلَقَّفُوا الرِّوَايَاتِ الضَّعِيفَةَ فَأَثْبَتُوهَا فِي كُتُبِهِمْ وَلَمْ يُنَبِّهُوا عَلَى مَرَاتِبِهَا قُوَّةً وَضَعْفًا، حَتَّى أَوْهَمُوا كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا تَنْزِلُ آيَاتُهُ إِلَّا لِأَجْلِ حَوَادِثَ تَدْعُو إِلَيْهَا، وَبِئْسَ هَذَا الْوَهْمُ فَإِنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ هَادِيًا إِلَى مَا بِهِ صَلَاحُ الْأُمَّةِ فِي أَصْنَافِ الصَّلَاحِ فَلَا يَتَوَقَّفُ نُزُولُهُ عَلَى حُدُوثِ الْحَوَادِثِ الدَّاعِيَةِ إِلَى تَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ.
نَعَمْ إِنَّ الْعُلَمَاءَ تَوَجَّسُوا مِنْهَا فَقَالُوا إِنَّ سَبَبَ النُّزُولِ لَا يُخَصَّصُ، إِلَّا طَائِفَةٌ شَاذَّةٌ ادَّعَتِ التَّخْصِيصَ بِهَا، وَلَوْ أَنَّ أَسْبَابَ النُّزُولِ كَانَتْ كُلُّهَا مُتَعَلِّقَةً بِآيَاتٍ عَامَّةٍ لَمَا دَخَلَ مِنْ
ذَلِكَ ضُرٌّ عَلَى عُمُومِهَا إِذْ قَدْ أَرَاحَنَا أَئِمَّةُ الْأُصُولِ حِينَ قَالُوا: الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَلَكِنَّ أَسْبَابًا كَثِيرَةً رَامَ رُوَاتُهَا تَعْيِينَ مُرَادٍ مِنْ تَخْصِيصِ عَامٍّ أَوْ تَقْيِيدِ مُطْلَقٍ أَوْ إِلْجَاءٍ إِلَى مَحْمَلٍ، فَتِلْكَ هِيَ الَّتِي قَدْ تَقِفُ عُرْضَةً أَمَامَ مَعَانِي التَّفْسِيرِ قَبْلَ التَّنْبِيهِ عَلَى ضَعْفِهَا أَوْ تَأْوِيلِهَا،
стр. 78
وَقَدْ قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ فِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» : «أَمَّا الْيَوْمَ فَكُلُّ أَحَدٍ يَخْتَرِعُ لِلْآيَةِ سَبَبًا، وَيَخْتَلِقُ إِفْكًا وَكَذِبًا، مُلْقِيًا زِمَامَهُ إِلَى الْجَهَالَةِ، غَيْرَ مُفَكِّرٍ فِي الْوَعِيدِ» وَقَالَ: «لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ الْكِتَابِ إِلَّا بِالرِّوَايَةِ وَالسَّمَاعِ مِمَّنْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ» اهـ.
إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ مَا لَيْسَ الْمُفَسِّرُ بِغِنًى عَنْ عِلْمِهِ لِأَنَّ فِيهَا بَيَانُ مُجْمَلٍ أَوْ إِيضَاحُ خَفِيٍّ وَمُوجَزٍ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ وَحْدَهُ تَفْسِيرًا، وَمِنْهَا مَا يَدُلُّ الْمُفَسِّرَ عَلَى طَلَبِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي بِهَا تَأْوِيلُ الْآيَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. فَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أَتَى، وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ» يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [آل عمرَان: ١٨٨] فَأَجَابَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَائِلًا: «إِنَّمَا دَعَا النَّبِيءُ الْيَهُودَ فَسَأَلَهَمُ عَلَى شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأَرَوْهُ أَنَّهُمْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ [آل عمرَان: ١٨٧، ١٨٨] الْآيَاتِ» .
وَفِي «الْمُوَطَّأِ» عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [الْبَقَرَة: ١٥٨] فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: كَلَّا، لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما اهـ.
وَمِنْهَا مَا يُنَبِّهُ الْمُفَسِّرَ إِلَى إِدْرَاكِ خُصُوصِيَّاتٍ بَلَاغِيَّةٍ تَتْبَعُ مُقْتَضَى الْمَقَامَاتِ فَإِنَّ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ مَا يُعِينُ عَلَى تَصْوِيرِ مَقَامِ الْكَلَامِ كَمَا سَنُنَبِّهُكَ إِلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الْمُقَدِّمَةِ الْعَاشِرَةِ.
وَقَدْ تَصَفَّحْتُ أَسْبَابَ النُّزُولِ الَّتِي صَحَّتْ أَسَانِيدُهَا فَوَجَدْتُهَا خَمْسَةَ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ:
هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ يَتَوَقَّفُ فَهْمُ الْمُرَادِ مِنْهَا عَلَى عِلْمِهِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْبَحْثِ عَنْهُ لِلْمُفَسِّرِ، وَهَذَا مِنْهُ تَفْسِيرُ مُبْهَمَاتِ الْقُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها [المجادلة: ١١] ،
стр. 79
وَنَحْوَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا [الْبَقَرَة: ١٠٤] وَمِثْلَ بَعْضِ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا: وَمِنَ النَّاسِ [الْبَقَرَة: ٨] .
وَالثَّانِي:
هُوَ حَوَادِثُ تَسَبَّبَتْ عَلَيْهَا تَشْرِيعَاتُ أَحْكَامٍ وَصُوَرُ تِلْكَ الْحَوَادِثِ لَا تُبَيِّنُ مُجْمَلًا وَلَا تُخَالِفُ مَدْلُولَ الْآيَةِ بِوَجْهِ تَخْصِيصٍ أَوْ تَعْمِيمٍ أَوْ تَقْيِيدٍ، وَلَكِنَّهَا إِذَا ذُكِرَتْ أَمْثَالُهَا وُجِدَتْ مُسَاوِيَةً لِمَدْلُولَاتِ الْآيَاتِ النَّازِلَةِ عِنْدَ حُدُوثِهَا، مِثْلَ حَدِيثِ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ الَّذِي نَزَلَتْ عَنْهُ آيَةُ اللِّعَانِ، وَمِثْلَ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الَّذِي نَزَلَتْ عَنْهُ آيَةُ: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ [الْبَقَرَة: ١٩٦] الْآيَةَ فَقَدْ قَالَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ:
هِيَ لِي خَاصَّةً وَلَكُمْ عَامَّةً، وَمِثْلُ قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَغْزُو الرِّجَالُ وَلَا نَغْزُو فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ [النِّسَاء: ٣٢] الْآيَةَ.
وَهَذَا الْقِسْمُ لَا يُفِيدُ الْبَحْثُ فِيهِ إِلَّا زِيَادَةَ تَفَهُّمٍ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَتَمْثِيلًا لِحُكْمِهَا، وَلَا يُخْشَى تَوَهُّمُ تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِتِلْكَ الْحَادِثَةِ، إِذْ قَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ أَوْ كَادُوا عَلَى أَنَّ سَبَبَ النُّزُولِ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُخَصَّصُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَصْلَ التَّشْرِيعِ أَنْ لَا يَكُونَ خَاصًّا.
وَالثَّالِثُ:
هُوَ حَوَادِثُ تَكْثُرُ أَمْثَالُهَا تَخْتَصُّ بِشَخْصٍ وَاحِدٍ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ لِإِعْلَانِهَا وَبَيَانِ أَحْكَامِهَا وَزَجْرِ مَنْ يَرْتَكِبُهَا فَكَثِيرًا مَا تَجِدُ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرَهُمْ يَقُولُونَ نَزَلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنَّ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي تُشِيرُ إِلَيْهَا تِلْكَ الْآيَةُ تِلْكَ الْحَالَةَ الْخَاصَّةَ فَكَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ التَّمْثِيلَ. فَفِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» فِي بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا [آل عمرَان: ٧٧] أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا الْآيَةَ فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالُوا كَذَا وَكَذَا، قَالَ فِيَّ أُنْزِلَتْ، لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ بن عَمٍّ لِي إِلَخْ، فَابْنُ مَسْعُودٍ جَعَلَ الْآيَةَ عَامَّةً لِأَنَّهُ جَعَلَهَا تَصْدِيقًا لِحَدِيثٍ عَامٍّ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ظَنَّهَا خَاصَّة بِهِ إِذا قَالَ: «فِيَّ أُنْزِلَتْ» بِصِيغَةِ الْحَصْرِ.
وَمِثْلُ الْآيَاتِ النَّازِلَةِ فِي الْمُنَافِقِينَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ الْمُفْتَتَحَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ [التَّوْبَة: ٥٨] ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنَّا نُسَمِّي سُورَةَ التَّوْبَةِ سُورَةَ الْفَاضِحَةِ. وَمِثْلُ
قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الْبَقَرَة: ١٠٥] فَلَا حَاجَةَ لِبَيَانِ أَنَّهَا نَزَلَتْ لَمَّا أَظْهَرَ بَعْضُ الْيَهُودِ
стр. 80
مَوَدَّةَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَهَذَا الْقِسْمُ قَدْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ أَهْلُ الْقِصَصِ وَبَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ، عَلَى أَنَّ ذِكْرَهُ قَدْ يُوهِمُ الْقَاصِرِينَ قَصْرَ الْآيَةِ عَلَى تِلْكَ الْحَادِثَةِ لِعَدَمِ ظُهُورِ الْعُمُومِ مِنْ أَلْفَاظِ تِلْكَ الْآيَاتِ.
وَالرَّابِعُ:
هُوَ حَوَادِثُ حَدَثَتْ وَفِي الْقُرْآنِ تُنَاسِبُ مَعَانِيَهَا سَابِقَة أَو لَا حقة فَيَقَعُ فِي عِبَارَاتِ بَعْضِ السَّلَفِ مَا يُوهِمُ أَنَّ تِلْكَ الْحَوَادِثَ هِيَ الْمَقْصُودُ مِنْ تِلْكَ الْآيَاتِ، مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا مِمَّا يَدْخُلُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَيَدُلُّ لِهَذَا النَّوْعِ وُجُودُ اخْتِلَافٍ كَثِيرٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ بَحْثِ أَسْبَابِ النُّزُولِ مِنَ «الْإِتْقَانِ» فَارْجِعُوا إِلَيْهِ فَفِيهِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ.
وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٩٤] أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً بِأَلِفٍ بَعْدِ لَامِ السَّلَامِ وَقَالَ كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ (تَصْغِيرُ غَنَمٍ) فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَتَلُوهُ (أَيْ ظَنُّوهُ مُشْرِكًا يُرِيدُ أَنْ يَتَّقِيَ مِنْهُمْ بِالسَّلَامِ) وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ الْآيَةَ. فَالْقِصَّةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ قَدْ وَقَعَتْ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَاهَا لَكِنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ نَازِلَةً فِيهَا بِخُصُوصِهَا وَلَكِنْ نَزَلَتْ فِي أَحْكَامِ الْجِهَادِ بِدَلِيلِ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَإِنَّ قَبْلَهَا:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النِّسَاء: ٩٤] وَبَعْدَهَا: فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ [النِّسَاء: ٩٤] .
وَفِي تَفْسِيرِ تِلْكَ السُّورَةِ مِنْ «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ نِزَاعَ الزُّبَيْرِ وَالْأَنْصَارِيِّ فِي مَاءِ شِرَاجِ الْحَرَّةِ قَالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَاتِ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النِّسَاء: ٦٥] الْآيَةَ قَالَ السَّيُوطِيُّ فِي «الْإِتْقَانِ» عَنِ الزَّرْكَشِيِّ قَدْ عُرِفَ مِنْ عَادَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعينَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي كَذَا فَإِنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَتَضَمَّنُ هَذَا الْحُكْمَ لَا أَنَّ هَذَا كَانَ السَّبَبَ فِي نُزُولِهَا. وَفِيهِ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَةَ قَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي كَذَا هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْمُسْنَدِ أَوْ يَجْرِي مَجْرَى التَّفْسِيرِ؟ فَالْبُخَارِيُّ يُدْخِلُهُ فِي الْمُسْنَدِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَسَانِيدِ لَا يُدْخِلُونَهُ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا ذَكَرَ سَبَبًا نَزَلَتْ عَقِبَهُ فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ يُدْخِلُونَهُ فِي الْمُسْنَدِ.
وَالْخَامِسُ:
قِسْمٌ يُبَيِّنُ مُجْمَلَاتٍ وَيَدْفَعُ مُتَشَابِهَاتٍ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ
بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [الْمَائِدَة: ٤٤] فَإِذَا ظَنَّ أَحَدٌ أَنَّ مَنْ لِلشَّرْطِ أُشْكِلَ عَلَيْهِ كَيْفَ يَكُونُ الْجَوْرُ فِي الْحُكْمِ كُفْرًا، ثُمَّ إِذَا عَلِمَ أَنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هُمُ النَّصَارَى عَلِمَ أَنَّ مَنْ مَوْصُولَةٌ وَعَلِمَ أَنَّ الَّذِينَ
стр. 81
تَرَكُوا الْحُكْمَ بِالْإِنْجِيلِ لَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ. وَكَذَلِكَ
حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الْأَنْعَام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ (ظَنُّوا أَنَّ الظُّلْمَ هُوَ الْمَعْصِيَةُ) . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّهُ لَيْسَ بِذَلِكَ؟ أَلَا تَسْمَعُ لِقَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[لُقْمَان: ١٣] . وَمِنْ هَذَا الْقسم مَالا يُبَيِّنُ مُجْمَلًا وَلَا يُؤَوِّلُ مُتَشَابِهًا وَلَكِنَّهُ يُبَيِّنُ وَجْهَ تَنَاسُبِ الْآيِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٣] وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ الْآيَةَ، فَقَدْ تَخْفَى الْمُلَازَمَةُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَجَزَائِهِ فَيُبَيِّنُهَا مَا فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ سَأَلَهَا عَنْهَا فَقَالَتْ: «هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا تُشْرِكُهُ فِي مَالِهِ فَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي الصَّدَاقِ، فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ» .
هَذَا وَإِنَّ الْقُرْآنَ كِتَابٌ جَاءَ لِهَدْيِ أُمَّةٍ وَالتَّشْرِيعِ لَهَا، وَهَذَا الْهَدْيُ قَدْ يَكُونُ وَارِدًا قَبْلَ الْحَاجَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مُخَاطَبًا بِهِ قَوْمٌ عَلَى وَجْهِ الزَّجْرِ أَوِ الثَّنَاء أَو غير هما، وَقَدْ يَكُونُ مُخَاطَبًا بِهِ جَمِيعُ مَنْ يَصْلُحُ لِخِطَابِهِ، وَهُوَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ بِكُلِّيَّاتٍ تَشْرِيعِيَّةٍ وَتَهْذِيبِيَّةٍ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ وَعْيُ الْأُمَّةِ لِدِينِهَا سَهْلًا عَلَيْهَا، وَلِيُمْكِنَ تَوَاتُرُ الدِّينِ، وَلِيَكُونَ لِعُلَمَاءِ الْأُمَّةِ مَزِيَّةُ الِاسْتِنْبَاطِ، وَإِلَّا فَإِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ أَضْعَافَ هَذَا الْمُنَزَّلِ وَأَنْ يُطِيلَ عُمَرَ النَّبِيِّ ﷺ لِلتَّشْرِيعِ أَكْثَرَ مِمَّا أَطَالَ عُمَرَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى:
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [الْمَائِدَة: ٣] ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ حَمْلُ كَلِمَاتِهِ عَلَى خُصُوصِيَّاتٍ جُزْئِيَّةٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ مُرَادَ اللَّهِ، كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَعْمِيمُ مَا قُصِدَ مِنْهُ الْخُصُوصُ وَلَا إِطْلَاقُ مَا قُصِدَ مِنْهُ التَّقْيِيدُ لِأَنَّ ذَلِك قد يقْضِي إِلَى التَّخْلِيطِ فِي الْمُرَادِ أَوْ إِلَى إِبْطَالِهِ مِنْ أَصْلِهِ، وَقَدِ اغْتَرَّ بَعْضُ الْفِرَقِ بِذَلِكَ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ فِي الْخَوَارِجِ: إِنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى آيَاتِ الْوَعِيدِ النَّازِلَةِ فِي الْمُشْرِكِينَ فَوَضَعُوهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَجَاءُوا بِبِدْعَةِ الْقَوْلِ بِالتَّكْفِيرِ بِالذَّنْبِ، وَقد قَالَ الحورية لِعَلِيٍّ ﵁ يَوْمَ التَّحْكِيمِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الْأَنْعَام: ٥٧]
فَقَالَ عَلِيٌّ «كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ»
وَفَسَّرَهَا فِي خُطْبَةٍ لَهُ فِي «نَهْجِ الْبَلَاغَةِ» .
وَثَمَّةَ فَائِدَةٌ أُخْرَى عَظِيمَةٌ لِأَسْبَابِ النُّزُولِ وَهِيَ أَنَّ فِي نُزُولِ الْقُرْآنِ عِنْدَ حُدُوثِ
حَوَادِثَ دَلَالَةٌ عَلَى إِعْجَازِهِ مِنْ نَاحِيَةِ الِارْتِجَالِ، وَهِيَ إِحْدَى طَرِيقَتَيْنِ لِبُلَغَاءِ الْعَرَبِ فِي أَقْوَالِهِمْ، فَنُزُولُهُ عَلَى حَوَادِثَ يَقْطَعُ دَعْوَى مَنِ ادَّعَوْا أَنَّهُ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
стр. 82
الْمُقَدِّمَةُ السَّادِسَةُ فِي الْقِرَاءَاتِ
لَوْلَا عِنَايَةُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ بِذِكْرِ اخْتِلَافِ الْقِرَاءَاتِ فِي أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ حَتَّى فِي كَيْفِيَّاتِ الْأَدَاءِ، لَكُنْتُ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّكَلُّمِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ عِلْمَ الْقِرَاءَاتِ عِلْمٌ جَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ قَدْ خُصَّ بِالتَّدْوِينِ وَالتَّأْلِيفِ، وَقَدْ أَشْبَعَ فِيهِ أَصْحَابُهُ وَأَسْهَبُوا بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُنِي بِمَحَلِّ الِاضْطِرَارِ إِلَى أَنْ أُلْقِيَ عَلَيْكُمْ جَمُلًا فِي هَذَا الْغَرَضِ تَعْرِفُونَ بِهَا مِقْدَارَ تَعَلُّقِ اخْتِلَافِ الْقِرَاءَاتِ بِالتَّفْسِيرِ، وَمَرَاتِبَ الْقِرَاءَاتِ قُوَّةً وَضَعْفًا، كَيْ لَا تَعْجَبُوا مِنْ إِعْرَاضِي عَنْ ذِكْرِ كَثِيرٍ مِنَ الْقِرَاءَاتِ فِي أَثْنَاءِ التَّفْسِيرِ.
أَرَى أَنَّ لِلْقِرَاءَاتِ حالتين إِحْدَاهمَا هما لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالتَّفْسِيرِ بِحَالٍ، وَالثَّانِيَةُ لَهَا تَعَلُّقٌ بِهِ مِنْ جِهَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ.
أَمَّا الْحَالَةُ الْأُولَى:
فَهِيَ اخْتِلَافُ الْقُرَّاءِ فِي وُجُوهِ النُّطْقِ بِالْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ كَمَقَادِيرِ الْمَدِّ وَالِإِمَالَاتِ وَالتَّخْفِيفِ وَالتَّسْهِيلِ وَالتَّحْقِيقِ وَالْجَهْرِ وَالْهَمْسِ وَالْغُنَّةِ، مثل عَذابِي [الْأَعْرَاف: ١٥٦] بِسُكُونِ الْيَاءِ وعَذابِي بِفَتْحِهَا، وَفِي تَعَدُّدِ وُجُوهِ الْإِعْرَابِ مِثْلَ:
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ [الْبَقَرَة: ٢١٤] بِفَتْحِ لَامِ يَقُولُ وَضَمِّهَا. وَنَحْوَ: لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [الْبَقَرَة: ٢٥٤] بِرَفْعِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ أَوْ فَتْحِهَا أَوْ رَفْعِ بَعْضٍ وَفَتْحِ بَعْضٍ، وَمَزِيَّةُ الْقِرَاءَاتِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ عَائِدَةٌ إِلَى أَنَّهَا حَفِظَتْ عَلَى أَبْنَاءِ الْعَرَبِيَّةِ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ غَيْرُهَا وَهُوَ تَحْدِيدُ كَيْفِيَّاتِ نُطْقِ الْعَرَبِ بِالْحُرُوفِ فِي مَخَارِجِهَا وَصِفَاتِهَا وَبَيَانِ اخْتِلَافِ الْعَرَبِ فِي لَهَجَاتِ النُّطْقِ بِتَلَقِّي ذَلِكَ عَنْ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ، وَهَذَا غَرَضٌ مُهِمٌّ جِدًّا لَكِنَّهُ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالتَّفْسِيرِ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ فِي اخْتِلَافِ مَعَانِي الْآيِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ عَرَفَ لِفَنِّ الْقِرَاءَاتِ حَقَّهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَفِيهَا أَيْضًا سَعَةٌ مِنْ بَيَانِ وُجُوهِ الْإِعْرَابِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، فَهِيَ لِذَلِكَ مَادَّةٌ كُبْرَى لِعُلُومِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. فَأَئِمَّةُ الْعَرَبيَّة لما قرأوا الْقُرْآنَ قَرَأُوهُ بِلَهَجَاتِ الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فِي الْأَمْصَارِ الَّتِي وُزِّعَتْ عَلَيْهَا الْمَصَاحِفُ: الْمَدِينَةِ، وَمَكَّةَ، وَالْكُوفَةِ، وَالْبَصْرَةِ، وَالشَّامِ، قِيلَ وَالْيَمَنِ وَالْبَحْرَيْنِ، وَكَانَ فِي هَذِهِ الْأَمْصَارِ
قُرَّاؤُهَا مِنَ الصَّحَابَةِ قَبْلَ وُرُودُ مُصْحَفِ عُثْمَانَ إِلَيْهِمْ فَقَرَأَ كُلُّ فَرِيقٍ بِعَرَبِيَّةِ قَوْمِهِ فِي وُجُوهِ الْأَدَاءِ، لَا فِي زِيَادَةِ الْحُرُوفِ وَنَقْصِهَا، وَلَا فِي اخْتِلَافِ
стр. 83
الْإِعْرَابِ دُونَ مُخَالَفَتِهِ مُصْحَفَ عُثْمَانَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ الْوَاحِدُ قَدْ قَرَأَ بِوَجْهَيْنِ لِيُرِيَ صِحَّتَهُمَا فِي الْعَرَبِيَّةِ قَصْدًا لِحِفْظِ اللُّغَةِ مَعَ حِفْظِ الْقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ بِهَا، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مِنِ اخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ اخْتِيَارًا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا يَقَعُ فِي «كِتَابَيِ الزَّمَخْشَرِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ» مِنْ نَقْدِ بَعْضِ طُرُقِ الْقُرَّاءِ، عَلَى أَنَّ فِي بَعْضِ نَقْدِهِمْ نَظَرًا، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ ﵀ الْقِرَاءَةَ بِالْإِمَالَةِ مَعَ ثُبُوتِهَا عَنِ الْقُرَّاءِ، وَهِيَ مروية عَن مقرىء الْمَدِينَةِ نَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ وَرْشٍ عَنْهُ وَانْفَرَدَ بِرِوَايَتِهِ أَهْلُ مِصْرَ، فَدَلَّتْ كَرَاهَتُهُ عَلَى أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْقَارِئَ بِهَا مَا قَرَأَ إِلَّا بِمُجَرَّدِ الِاخْتِيَارِ.
وَفِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [١] عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الزَّجَّاجِ: يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ «طسينَ مِيمُ» بِفَتْحِ النُّونِ مِنْ «طسين» وَضَمِّ الْمِيمِ الْأَخِيرَةِ كَمَا يُقَال هَذَا معديكرب اهـ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أَحَدٌ. قُلْتُ: وَلَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ مَا دَامَتْ كَلِمَاتُ الْقُرْآنِ وَجُمَلُهُ مَحْفُوظَةً عَلَى نَحْوِ مَا كُتِبَ فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا نَفَرًا قَلِيلًا شَذُّوا مِنْهُمْ، كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مِنْهُمْ، فَإِنَّ عُثْمَانَ لَمَّا أَمَرَ بِكَتْبِ الْمُصْحَفِ عَلَى نَحْوِ مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَثْبَتَهُ كُتَّابُ الْمُصْحَفِ، رَأَى أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى اتِّبَاعه وَترك قِرَاءَة مَا خَالَفَهُ، وَجَمَعَ جَمِيعَ الْمَصَاحِفِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ وَأَحْرَقَهَا وَوَافَقَهُ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا فَعَلَهُ.
قَالَ شَمْسُ الدِّينِ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ «تَفْسِيرِهِ» «كَانَ عَلِيٌّ طُولَ أَيَّامِهِ يَقْرَأُ مُصْحَفَ عُثْمَانَ وَيَتَّخِذُهُ إِمَامًا» . وَقُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ فِعْلُ عُثْمَانَ إِتْمَامًا لِمَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ جَمْعِهِ الْقُرْآنَ الَّذِي كَانَ يُقْرَأُ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ، وَأَنَّ عُثْمَانَ نَسَخَهُ فِي مَصَاحِفَ لِتُوَزَّعَ عَلَى الْأَمْصَارِ، فَصَارَ الْمُصْحَفُ الَّذِي كُتِبَ لِعُثْمَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ قِرَاءَةٍ تُوَافِقُهُ وَصَارَ مَا خَالَفَهُ مَتْرُوكًا بِمَا يُقَارِبُ الْإِجْمَاعَ.
قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» : «كَانَتْ قِرَاءَةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاحِدَةً، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ الَّتِي قَرَأَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جِبْرِيلَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، وَيُقَالُ إِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ شَهِدَ الْعَرْضَةَ الْأَخِيرَةِ الَّتِي عَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَى جِبْرِيلَ» اهـ. وَبَقِيَ الَّذِينَ قَرَأُوا قِرَاءَاتٍ مُخَالِفَةً لِمُصْحَفِ عُثْمَانَ يَقْرَأُونَ بِمَا رَوَوْهُ لَا يَنْهَاهُمْ أَحَدٌ عَنْ قِرَاءَتِهِمْ وَلَكِنْ يَعُدُّونَهُمْ شُذَّاذًا وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَكْتُبُوا قِرَاءَتَهُمْ فِي
مَصَاحِفَ بَعْدَ أَنْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى مُصْحَفِ عُثْمَانَ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ [الْوَاقِعَة: ٢٩] عَنْ مُجَاهِدٍ وَفِي «الْكَشَّاف» و «الْقُرْطُبِيّ» - قَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «وطلح مَنْضُودٍ» بِعَيْنٍ فِي مَوْضِعِ الْحَاءِ، وَقَرَأَ قَارِئٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فَقَالَ: وَمَا شَأْنُ الطَّلْحِ؟ إِنَّمَا هُوَ «وَطَلْعٍ»
стр. 84
وَقَرَأَ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق: ١٠] فَقَالُوا أَفَلَا نُحَوِّلُهَا؟ فَقَالَ إِنَّ آيَ الْقُرْآنِ لَا تُهَاجُ الْيَوْمَ وَلَا تُحَوُّلُ، أَيْ لَا تُغَيَّرُ حُرُوفُهَا وَلَا تُحَوَّلُ عَنْ مَكَانِهَا فَهُوَ قَدْ مَنَعَ مِنْ تَغْيِيرِ الْمُصْحَفِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي رَوَاهَا.
وَمِمَّنْ نُسِبَتْ إِلَيْهِمْ قِرَاءَاتٌ مُخَالِفَةٌ لِمُصْحَفِ عُثْمَانَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، إِلَى أَنْ تَرَكَ النَّاسُ ذَلِكَ تَدْرِيجًا.
ذَكَرَ الْفَخْرُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ مِنْ سُورَةِ النُّورِ [١٥] أَنَّ سُفْيَانَ قَالَ سَمِعْتُ أُمِّي تَقْرَأُ: «إِذْ تَثْقَفُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ» وَكَانَ أَبُوهَا يَقْرَأُ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ شَذَّتْ مَصَاحِفُ بَقِيَتْ مَغْفُولًا عَنْهَا بِأَيْدِي أَصْحَابِهَا، مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي «الْكَشَّافِ» فِي سُورَةِ الْفَتْحِ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ صَاحِبَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَانَ لَهُ مُصْحَفٌ دَفَنَهُ فِي مُدَّةِ الْحَجَّاجِ، قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : لِأَنَّهُ كَانَ مُخَالِفًا لِلْمُصْحَفِ الْإِمَامِ، وَقَدْ أَفْرَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَوْهِينِ بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ لِمُخَالَفَتِهَا لِمَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ النُّحَاةُ وَذَلِكَ مِنْ إِعْرَاضِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْأَسَانِيدِ.
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَاتِ وَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ كُلَّ قِرَاءَةٍ وَافَقَتْ وَجْهًا فِي الْعَرَبِيَّةِ وَوَافَقَتْ خَطَّ الْمُصْحَفِ- أَيْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ- وَصَحَّ سَنَد روايها فَهِيَ قِرَاءَةٌ صَحِيحَةٌ لَا يَجُوزُ رَدُّهَا، قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْن الْعَرَبِيِّ: وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ تَوَاتُرَهَا تَبَعٌ لِتَوَاتُرِ الْمُصْحَفِ الَّذِي وَافَقَتْهُ وَمَا دُونَ ذَلِكَ فَهُوَ شَاذٌّ، يَعْنِي وَأَنَّ تَوَاتر الْمُصحف ناشىء عَنْ تَوَاتُرِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي كُتِبَتْ فِيهِ.
قُلْتُ: وَهَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ هِيَ شُرُوطٌ فِي قَبُولِ الْقِرَاءَةِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُتَوَاتِرَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِأَنْ كَانَتْ صَحِيحَةَ السَّنَدِ إِلَى النَّبِيِّ وَلَكِنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ التَّوَاتُرِ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ فَهِيَ غَنِيَّةٌ عَنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ لِأَنَّ تَوَاتُرَهَا يَجْعَلُهَا حُجَّةً فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَيُغْنِيهَا عَنِ الِاعْتِضَادِ بِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ جَمْعًا مِنْ أَهْلِ الْقرَاءَات المتواترة قرأوا قَوْله تَعَالَى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [التكوير:
٢٤] بِظَاءٍ مُشَالَةٍ أَيْ بِمُتَّهَمٍ، وَقَدْ كُتِبَتْ فِي الْمَصَاحِفِ كُلِّهَا بِالضَّادِ السَّاقِطَةِ.
عَلَى أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ صَنَّفَ كِتَابَ «الْحُجَّةِ» لِلْقِرَاءَاتِ، وَهُوَ مُعْتَمَدٌ عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ وَقَدْ رَأَيْتُ نُسْخَةً مِنْهُ فِي مَكَاتِبِ الْآسِتَانَةِ، فَالْقِرَاءَاتُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَا تُفِيدُ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ وَالْمُرَادُ بِمُوَافَقَةِ خَطِّ الْمُصْحَفِ مُوَافَقَةُ أَحَدِ الْمَصَاحِفِ الْأَئِمَّةِ الَّتِي وَجَّهَ بِهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ إِذْ قَدْ يَكُونُ اخْتِلَافٌ يَسِيرٌ نَادِرٌ بَيْنَ بَعْضِهَا، مِثْلَ زِيَادَةِ الْوَاوِ فِي وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ [آل عمرَان: ١٣٣]
стр. 85
فِي مُصْحَفِ الْكُوفَةِ وَمِثْلَ زِيَادَةِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ فِي سُورَةِ الشُّورَى [٣٠] : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً [العنكبوت: ٨] أَوْ إِحْسَانًا فَذَلِك اخْتِلَاف ناشىء عَنِ الْقِرَاءَةِ بِالْوَجْهَيْنِ بَيْنَ الْحُفَّاظِ مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ تَلَقَّوُا الْقُرْآنَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، لِأَنَّهُ قَدْ أَثْبَتَهُ نَاسِخُو الْمُصْحَفِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ فَلَا يُنَافِي التَّوَاتُرَ إِذْ لَا تَعَارُضَ، إِذَا كَانَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ قَدْ نَطَقَ بِمَا نَقَلَهُ عَنْهُ النَّاقِلُونَ فِي زَمَانَيْنِ أَوْ أَزْمِنَةٍ، أَوْ كَانَ قَدْ أُذِنَ للناقلين أَن يقرأوا بِأَحَدِ اللَّفْظَيْنِ أَوِ الْأَلْفَاظِ.
وَقَدِ انْحَصَرَ تَوَفُّرُ الشُّرُوطِ فِي الرِّوَايَاتِ الْعَشْرِ لِلْقُرَّاءِ وَهُمْ: نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَدَنِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ الْمَكِّيُّ، وَأَبُو عَمْرٍو الْمَازِنِيُّ الْبَصْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ الدِّمَشْقِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ الْكُوفِيُّ، وَحَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ الْكُوفِيُّ، وَالْكِسَائِيُّ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْكُوفِيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ الْمَدَنِيُّ، وَخَلَفٌ الْبَزَّارُ (بِزَايٍ فَأَلِفٌ فَرَاءٌ مُهْمَلَةٌ) الْكُوفِيُّ، وَهَذَا الْعَاشِرُ لَيْسَتْ لَهُ رِوَايَةٌ خَاصَّةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ قِرَاءَةً تُنَاسِبُ قِرَاءَاتِ أَئِمَّةِ الْكُوفَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ قِرَاءَاتِ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ إِلَّا قَلِيلًا، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَجْعَلُ قِرَاءَةَ ابْنِ مُحَيْصِنٍ وَالْيَزِيدِيِّ وَالْحَسَنِ وَالْأَعْمَشِ، مَرْتَبَةً دُونَ الْعَشْرِ، وَقَدْ عَدَّ الْجُمْهُورُ مَا سِوَى ذَلِكَ شَاذًّا لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ بِتَوَاتُرِ حُفَّاظِ الْقُرْآنِ.
وَالَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّ مَا دُونَ الْعَشْرِ لَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِهِ وَلَا أَخْذُ حُكْمٍ مِنْهُ لِمُخَالَفَتِهِ الْمُصْحَفَ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ مَا تَوَاتَرَ، فَكَانَ مَا خَالَفَهُ غَيْرُ مُتَوَاتِرٍ فَلَا يَكُونُ قُرْآنًا، وَقَدْ تُرْوَى قِرَاءَاتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ فِي كُتُبِ الصَّحِيحِ مِثْلَ «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ» وَأَضْرَابِهِمَا إِلَّا أَنَّهَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ مَنْ سَمِعَهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ الْقِرَاءَةُ بِهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَوَاتِرَةِ النَّقْلِ فَلَا يُتْرَكُ الْمُتَوَاتِرُ لِلْآحَادِ، وَإِذَا كَانَ رَاوِيهَا قَدْ بَلَغَتْهُ قِرَاءَةٌ أُخْرَى مُتَوَاتِرَةٌ تُخَالِفُ مَا رَوَاهُ وَتَحَقَّقَ لَدَيْهِ التَّوَاتُرُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ بِالْمَرْوِيَّةِ تَوَاتُرًا، وَقَدِ اصْطَلَحَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنْ يُطْلِقُوا عَلَيْهَا قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُنْتَسِبَةٍ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الرِّوَايَةِ فِي الْقِرَاءَاتِ، وَيَكْثُرُ ذِكْرُ هَذَا الْعُنْوَانِ فِي «تَفْسِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ» وَفِي «الْكَشَّافِ»
وَفِي «الْمُحَرَّرِ الْوَجِيزِ» لِعَبْدِ الْحَقِّ ابْن عَطِيَّةَ، وَسَبَقَهُمْ إِلَيْهِ أَبُو الْفَتْحِ ابْن جِنِّي، فَلَا تَحْسَبُوا أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِنِسْبَتِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا وَحْدَهَا الْمَأْثُورَةُ عَنْهُ وَلَا تَرْجِيحَهَا عَلَى الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ لِأَنَّ الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةَ قَدْ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 86
بِأَسَانِيدَ أَقْوَى وَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي إِطْلَاقُ وَصْفِ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ يُوهِمُ مَنْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ أَنَّ غَيْرَهَا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى تَبَجُّحِ أَصْحَابِ الرِّوَايَةِ بِمَرْوِيَّاتِهِمْ.
وَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ:
فَهِيَ اخْتِلَافُ الْقُرَّاءِ فِي حُرُوفِ الْكَلِمَاتِ مِثْلَ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الْفَاتِحَة: ٤] وَ (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وَ (ننشرها) ونُنْشِزُها [الْبَقَرَة: ٢٥٩] وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا بِتَشْدِيدِ الذَّالِ أَوْ قَدْ كُذِبُوا [يُوسُف: ١١٠] بِتَخْفِيفِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْحَرَكَاتِ الَّذِي يَخْتَلِفُ مَعَهُ مَعْنَى الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف: ٥٧] قَرَأَ نَافِعٌ بِضَمِّ الصَّادِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الصَّادِ، فَالْأُولَى بِمَعْنَى يَصُدُّونَ غَيْرَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ، وَالثَّانِيَةُ بِمَعْنَى صُدُودِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ حَاصِلٌ مِنْهُمْ، وَهِيَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَهَا مَزِيدُ تَعَلُّقٍ بِالتَّفْسِيرِ لِأَنَّ ثُبُوتَ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ فِي قِرَاءَةٍ قَدْ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْ نَظِيرِهِ فِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى، أَوْ يُثِيرُ مَعْنًى غَيْرَهُ، وَلِأَنَّ اخْتِلَافَ الْقِرَاءَاتِ فِي أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ يُكْثِرُ الْمَعَانِيَ فِي الْآيَةِ الْوَاحِدَةِ نَحْوَ: حَتَّى يَطْهُرْنَ [الْبَقَرَة: ٢٢٢] بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَالْهَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَبِسُكُونِ الطَّاءِ وَضَمِّ الْهَاءِ مُخَفَّفَةً، وَنَحْوَ لامَسْتُمُ النِّساءَ [النِّسَاء: ٤٣] ولامَسْتُمُ النِّساءَ، وَقِرَاءَةِ: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَن إِنَاثًا [الزخرف: ١٩] مَعَ قِرَاءَةِ «الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ» وَالظَّنُّ أَنَّ الْوَحْيَ نَزَلَ بِالْوَجْهَيْنِ وَأَكْثَرَ، تَكْثِيرًا لِلْمَعَانِي إِذَا جَزَمْنَا بِأَنَّ جَمِيعَ الْوُجُوهِ فِي الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ هِيَ مَأْثُورَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَجِيءُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ عَلَى مَا يَحْتَمِلُ تِلْكَ الْوُجُوهِ مُرَادًا لِلَّهِ تَعَالَى لِيَقْرَأَ الْقُرَّاءُ بِوُجُوهٍ فَتَكْثُرَ مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ الْمَعَانِي، فَيَكُونُ وُجُودُ الْوَجْهَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي مُخْتَلِفِ الْقِرَاءَاتِ مُجْزِئًا عَنْ آيَتَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَهَذَا نَظِيرُ التَّضْمِينِ فِي اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ، وَنَظِيرُ التَّوْرِيَةِ وَالتَّوْجِيهِ فِي الْبَدِيعِ، وَنَظِيرُ مُسْتَتْبَعَاتِ التَّرَاكِيبِ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي، وَهُوَ من زِيَادَة ملائمة بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ، وَلِذَلِكَ كَانَ اخْتِلَافُ الْقُرَّاءِ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ مِنَ الْقُرْآنِ، قَدْ يَكُونُ مَعَهُ اخْتِلَافُ الْمَعْنَى، وَلَمْ يَكُنْ حَمْلُ أَحَدِ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى مُتَعَيِّنًا وَلَا مُرَجَّحًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ فِي كِتَابِ «الْحُجَّةِ» أَنَّهُ يَخْتَارُ حَمْلَ مَعْنَى إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى مَعْنَى الْأُخْرَى، وَمِثَالُ هَذَا قَوْلُهُ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ [٢٤] ، وَقِرَاءَةُ نَافِعٍ وَابْنِ عَامِرٍ: «فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ»
بِإِسْقَاطِ هُوَ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ هُوَ يَحْسُنُ أَنْ يَعْتَبِرَهُ ضَمِيرَ فَصْلٍ لَا مُبْتَدَأً، لِأَنَّهُ
стр. 87
لَوْ كَانَ مُبْتَدَأً لَمْ يَجُزْ حَذْفُهُ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَابْنِ عَامِرٍ، قَالَ أَبُو حَيَّانَ (١) : «وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ (٢) لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ بَنَى ذَلِكَ عَلَى تَوَافُقِ الْقِرَاءَتَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قِرَاءَتَانِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا تَوْجِيهٌ يُخَالِفُ الْآخَرَ، كَقِرَاءَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ [آل عمرَان: ٣٦] بِضَمِّ التَّاءِ أَوْ سُكُونِهَا» .
وَأَنَا أَرَى أَنَّ عَلَى الْمُفَسِّرِ أَنْ يُبَيِّنَ اخْتِلَافَ الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ لِأَنَّ فِي اخْتِلَافِهَا تَوْفِيرًا لِمَعَانِي الْآيَةِ غَالِبًا فَيَقُومُ تَعَدُّدُ الْقِرَاءَاتِ مَقَامَ تَعَدُّدِ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ. وَهَذَا يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْقِرَاءَاتِ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ
فَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ فَلَبَبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ، فَقُلْتُ كَذَبْتَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ اقْرَأْ يَا هِشَامُ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ اقْرَأْ يَا عُمَرُ فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَة أحرف فاقرأوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ»
اهـ.
وَفِي الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَاهُ أَقْوَالٌ يَرْجِعُ إِلَى اعتبارين: أحد هما اعْتِبَارُ الْحَدِيثِ مَنْسُوخًا وَالْآخَرُ اعْتِبَارُهُ مُحْكَمًا.
فَأَمَّا الَّذِينَ اعْتَبَرُوا الْحَدِيثَ مَنْسُوخًا وَهُوَ رَأْيُ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَالطَّبَرِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ، وَيُنْسَبُ إِلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ وَابْنِ وَهْبٍ قَالُوا كَانَ ذَلِكَ رُخْصَةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ أَبَاحَ اللَّهُ للْعَرَب أَن يقرأوا الْقُرْآنَ بِلُغَاتِهِمُ الَّتِي جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِاسْتِعْمَالِهَا، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِحَمْلِ النَّاسِ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ لِأَنَّهَا الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ وَزَالَ الْعُذْرُ لِكَثْرَةِ الْحِفْظِ وَتَيْسِيرِ الْكِتَابَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ دَامَتِ الرُّخْصَةُ مُدَّةَ حَيَاةِ النَّبِيِّ
﵇، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ ذَلِكَ نُسِخَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِمَّا نُسِخَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ أَوْ بِوِصَايَةٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ عُمَرَ: إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، وَبِنَهْيِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنْ يَقْرَأَ: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ [الصافات: ١٧٨] стр. 88
وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ فِي حَتَّى، وَبِقَوْلِ عُثْمَانَ لِكُتَّابِ الْمَصَاحِفِ فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي حَرْفٍ فَاكْتُبُوهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، يُرِيدُ أَنَّ لِسَانَ قُرَيْشٍ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى الْقُرْآنِ، أَوْ أَرَادَ أَنَّهُ نَزَلَ بِمَا نَطَقُوا بِهِ مِنْ لُغَتِهِمْ وَمَا غَلَبَ عَلَى لُغَتِهِمْ مِنْ لُغَاتِ الْقَبَائِلِ إِذْ كَانَ عُكَاظٌ بِأَرْضِ قُرَيْشٍ وَكَانَتْ مَكَّةُ مَهْبِطَ الْقَبَائِلِ كُلِّهَا.
وَلَهُمْ فِي تَحْدِيدِ مَعْنَى الرُّخْصَةِ بِسَبْعَةِ أَحْرُفٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْرُفِ الْكَلِمَاتُ الْمُتَرَادِفَةُ لِلْمَعْنَى الْوَاحِدِ، أَيْ أُنْزِلَ بِتَخْيِيرِ قَارِئِهِ أَنْ يَقْرَأَهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي يَحْضُرُهُ مِنَ الْمُرَادِفَاتِ تَسْهِيلًا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُحِيطُوا بِالْمَعْنَى، وَعَلَى هَذَا الْجَوَابِ فَقِيلَ الْمُرَادُ بِالسَّبْعَةِ حَقِيقَةُ الْعَدَدِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ فَيَكُونُ تَحْدِيدًا لِلرُّخْصَةِ بِأَنْ لَا يَتَجَاوَزَ سَبْعَةَ مُرَادِفَاتٍ أَوْ سَبْعَ لَهَجَاتٍ أَيْ مِنْ سَبْعِ لُغَاتٍ إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي كَلِمَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ لَهَا سِتَّةُ مُرَادِفَاتٍ أَصْلًا، وَلَا فِي كَلِمَةٍ أَنْ يَكُونَ فِيهَا سَبْعُ لَهَجَاتٍ إِلَّا كَلِمَاتٍ قَلِيلَةً مثل أُفٍّ [الْإِسْرَاء: ٢٣] وجِبْرِيلَ [الْبَقَرَة: ٩٨] وأَرْجِهْ [الْأَعْرَاف: ١١١] .
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ اللُّغَاتِ السَّبْعِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَأَبُو حَاتِمٍ وَالْبَاقِلَّانِيُّ هِيَ مِنْ عُمُومِ لُغَاتِ الْعَرَبِ وَهُمْ: قُرَيْشٌ، وَهُذَيْلٌ، وَتَيْمُ الرِّبَابِ، وَالْأَزْدُ، وَرَبِيعَةُ، وَهَوَازِنُ، وَسَعْدُ بْنُ بَكْرٍ مِنْ هَوَازِنَ، وَبَعْضُهُمْ يَعُدُّ قُرَيْشًا، وَبَنِي دَارِمَ، وَالْعُلْيَا مِنْ هَوَازِنَ وَهُمْ سَعْدُ بْنُ بَكْرٍ، وَجُشَمُ ابْن بَكْرٍ، وَنَصْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَثَقِيفٌ، قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ أَفْصَحُ الْعَرَبِ عُلْيَا هَوَازِنَ وَسُفْلَى تَمِيمٍ وَهُمْ بَنُو دَارِمَ. وَبَعْضُهُمْ يَعُدُّ خُزَاعَةَ وَيَطْرَحُ تَمِيمًا، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ هِيَ لُغَاتُ قَبَائِلَ مِنْ مُضَرَ وَهُمْ قُرَيْشٌ وَهُذَيْلٌ وَكِنَانَةُ وَقَيْسٌ وَضَبَّةُ وَتَيْمُ الرِّبَابِ، وَأَسَدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَكُلُّهَا مِنْ مُضَرَ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عِيَاضٌ أَنَّ الْعَدَدَ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ حَقِيقَتُهُ، بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّعَدُّدِ وَالتَّوَسُّعِ، وَكَذَلِكَ الْمُرَادِفَاتُ وَلَوْ مِنْ لُغَةٍ وَاحِدَةٍ كَقَوْلِهِ: كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [القارعة: ٥] وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ (كَالصُّوفِ الْمَنْفُوشِ) ، وَقَرَأَ أُبَيٌّ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ [الْبَقَرَة: ٢٠] مَرُّوا فِيهِ- سَعَوْا فِيهِ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ- أَخِّرُونَا- أَمْهِلُونَا، وَأَقْرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلًا: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ [الدُّخان: ٤٣، ٤٤] فَقَالَ الرَّجُلُ طَعَامَ الْيَتِيمِ، فَأَعَادَ لَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقُولَ الْأَثِيمَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ
تَقُولَ طَعَامَ الْفَاجِرِ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ فَاقْرَأْ كَذَلِكَ، وَقَدِ اخْتَلَفَ عُمَرُ وَهِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ وَلُغَتُهُمَا وَاحِدَةٌ.
стр. 89
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ التَّوْسِعَةُ فِي نَحْوِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً [النِّسَاء: ١٤٨] أَنْ يَقْرَأَ عَلِيمًا حَكِيمًا مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْمُنَاسَبَةِ كَذِكْرِهِ عَقِبَ آيَةِ عَذَابٍ أَنْ يَقُولَ: «وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» أَوْ عَكْسَهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَأَمَّا الَّذِينَ اعْتَبَرُوا الْحَدِيثَ مُحْكَمًا غَيْرَ مَنْسُوخٍ فَقَدْ ذَهَبُوا فِي تَأْوِيلِهِ مَذَاهِبَ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْأَحْرُفِ أَنْوَاعُ أَغْرَاضِ الْقُرْآنِ كَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، أَوْ أَنْوَاعُ كَلَامِهِ كَالْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ، وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. أَوْ أَنْوَاعُ دَلَالَتِهِ كَالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَالظَّاهِرِ وَالْمُؤَوَّلِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُنَاسِبُ سِيَاقَ الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِلَافِ رِوَايَاتِهِ مِنْ قَصْدِ التَّوْسِعَةِ وَالرُّخْصَةِ. وَقَدْ تَكَلَّفَ هَؤُلَاءُ حَصْرَ مَا زَعَمُوهُ مِنَ الْأَغْرَاضِ وَنَحْوِهَا فِي سَبْعَةٍ فَذَكَرُوا كَلَامًا لَا يَسْلَمُ مِنَ النَّقْضِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ وَثَعْلَبٌ وَالْأَزْهَرِيُّ وَعُزِيَ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ أُنْزِلَ مُشْتَمِلًا عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ مَبْثُوثَةٍ فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ لَكِنْ لَا عَلَى تَخْيِيرِ الْقَارِئِ، وَذَهَبُوا فِي تَعْيِينِهَا إِلَى نَحْوِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِالنَّسْخِ إِلَّا أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي أَنَّ الْأَوَّلِينَ ذَهَبُوا إِلَى تَخْيِيرِ الْقَارِئِ فِي الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، وَهَؤُلَاءِ أَرَادُوا أَنَّ الْقُرْآنَ مَبْثُوثَةٌ فِيهِ كَلِمَاتٌ مِنْ تِلْكَ اللُّغَاتِ، لَكِنْ عَلَى وَجْهِ التَّعْيِينِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا سَمِعْتُ السِّكِّينَ إِلَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً [يُوسُف: ٣١] مَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا الْمُدْيَةَ (١) ، وَفِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا من النَّبِي فِي قِصَّةِ حُكْمِ سُلَيْمَانَ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ قَوْلِ سُلَيْمَانَ: (ايْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَقْطَعْهُ بَيْنَكُمَا) ، وَهَذَا الْجَوَابُ لَا يُلَاقِي مَسَاقَ الْحَدِيثِ مِنَ التَّوْسِعَةِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ لِأَنَّ الْمُحَقِّقِينَ ذَكَرُوا أَنَّ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَاتٍ كَثِيرَةً مِنْ لُغَاتِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَأَنْهَاهَا السُّيُوطِيُّ نَقْلًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْوَاسِطِيِّ إِلَى خَمْسِينَ لُغَةٍ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْأَحْرُفِ لَهَجَاتُ الْعَرَبِ فِي كَيْفِيَّاتِ النُّطْقِ كَالْفَتْحِ وَالْإِمَالَةِ، وَالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَالْهَمْزِ وَالتَّخْفِيفِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ لِلْعَرَبِ مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ لمن تقدّمنا، وَهنا لَك أَجْوِبَةٌ أُخْرَى
ضَعِيفَةٌ لَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ التَّعْرِيجُ عَلَيْهَا وَقَدْ أَنْهَى بَعْضُهُمْ جُمْلَةَ الْأَجْوِبَةِ إِلَى خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ جَوَابًا. стр. 90
وَعِنْدِي أَنَّهُ إِنْ كَانَ حَدِيثُ عُمَرَ وَهِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ قَدْ حَسُنَ إِفْصَاحُ رَاوِيهِ عَنْ مَقْصِدِ عُمَرَ فِيمَا حَدَّثَ بِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مَرْوِيًّا بِالْمَعْنَى مَعَ إِخْلَالٍ بِالْمَقْصُودِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى تَرْتِيبِ آيِ السُّوَرِ بِأَنْ يَكُونَ هِشَامٌ قَرَأَ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ التَّرْتِيبِ الَّذِي قَرَأَ بِهِ عُمَرُ فَتَكُونُ تِلْكَ رُخْصَةً لَهُمْ فِي أَنْ يَحْفَظُوا سُوَرَ الْقُرْآنِ بِدُونِ تَعْيِينِ تَرْتِيبِ الْآيَاتِ مِنَ السُّورَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبَاقِلَّانِيُّ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ السُّوَرِ مِنِ اجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ كَمَا يَأْتِي فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّامِنَةِ. فَعَلَى رَأْيِنَا هَذَا تَكُونُ هَذِهِ رُخْصَةً. ثُمَّ لَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَتَوَخَّوْنَ بِقِرَاءَتِهِمْ مُوَافَقَةَ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ تَرْتِيبُ الْمُصْحَفِ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى نَحْوِ الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي عَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِزَوَالِ مُوجِبِ الرُّخْصَةِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ الْمُرَادَ بِالسَّبْعِ فِي الْحَدِيثِ مَا يُطَابِقُ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ الَّتِي اشْتُهِرَتْ بَيْنَ أَهْلِ فَنِّ الْقرَاءَات، وَذَلِكَ غلظ وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا قَالَ أَبُو شَامَةَ، فَإِنَّ انْحِصَارَ الْقِرَاءَاتِ فِي سَبْعٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ حَصَلَ إِمَّا بِدُونِ قَصْدٍ أَوْ بِقَصْدِ التَّيَمُّنِ بِعَدَدِ السَّبْعَةِ أَوْ بِقَصْدِ إِيهَامِ أَنَّ هَذِهِ السَّبْعَةَ هِيَ الْمُرَادَةُ مِنَ الْحَدِيثِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهَا بَيْنَ الْعَامَّةِ، وَنَقَلَ السُّيُوطِيُّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ ابْن عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ فَعَلَ جَاعِلُ عَدَدِ الْقِرَاءَاتِ سَبْعًا مَا لَا يَنْبَغِي، وَأَشْكَلَ بِهِ الْأَمْرُ عَلَى الْعَامَّةِ إِذْ أَوْهَمَهُمْ أَنَّ هَذِهِ السَّبْعَةَ هِيَ الْمُرَادَةُ فِي الْحَدِيثِ، وَلَيْتَ جَامِعَهَا نَقَصَ عَنِ السَّبْعَةِ أَوْ زَادَ عَلَيْهَا.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ جُبَيْرٍ الْمَكِّيُّ- وَهُوَ قَبْلَ ابْنِ مُجَاهِدٍ- كِتَابًا فِي الْقِرَاءَاتِ فَاقْتَصَرَ عَلَى خَمْسَةِ أَئِمَّةٍ مِنْ كل مصر إِمَامًا، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَصَاحِفَ الَّتِي أَرْسَلَهَا عُثْمَانُ إِلَى الْأَمْصَارِ كَانَتْ إِلَى خَمْسَةِ أَمْصَارٍ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْعَوَاصِمِ» : أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْقِرَاءَاتِ فِي سَبْعٍ ابْنُ مُجَاهِدٍ، غَيْرَ أَنَّهُ عَدَّ قِرَاءَةَ يَعْقُوبَ سَابِعًا ثُمَّ عَوَّضَهَا بِقِرَاءَةِ الْكِسَائِيِّ، قَالَ السُّيُوطِيُّ وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ الثَّلَاثِمِائَةِ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ يَعْقُوبَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ الصَّحِيحَةِ مِثْلَ بَقِيَّةِ السَّبْعَةِ، وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ أَبِي جَعْفَرٍ وَشَيْبَةَ، وَإِذْ قَدْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْقُرَّاءِ سَابِقًا عَلَى تَدْوِينِ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَكَانَ هُوَ الدَّاعِيَ لِجَمْعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ
تَعَيَّنَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ لَمْ يَكُنْ نَاشِئًا عَنِ الِاجْتِهَادِ فِي قِرَاءَةِ أَلْفَاظِ الْمُصْحَفِ فِيمَا عَدَا اللَّهَجَاتِ.
стр. 91
وَأَمَّا صِحَّةُ السَّنَدِ الَّذِي تُرْوَى بِهِ الْقِرَاءَةُ لِتَكُونَ مَقْبُولَةً فَهُوَ شَرْطٌ لَا مَحِيدَ عَنْهُ إِذْ قَدْ تَكُونُ الْقِرَاءَةُ مُوَافِقَةً لِرَسْمِ الْمُصْحَفِ وَمُوَافَقَةً لِوُجُوهِ الْعَرَبِيَّةِ لَكِنَّهَا لَا تَكُونُ مَرْوِيَّةً بِسَنَدٍ صَحِيحٍ كَمَا ذُكِرَ فِي «الْمُزْهِرِ» أَنَّ حَمَّادَ بْنَ الزِّبْرِقَانِ قَرَأَ: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعدها أَبَاهُ [التَّوْبَة: ١١٤] بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِنَّمَا هِيَ «إِيَّاهُ» بِتَحْتِيَّةٍ، وَقَرَأَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي غرَّة [ص:
٢] بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَإِنَّمَا هِيَ «عِزَّةٍ» بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَزَايٍ، وَقَرَأَ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: ٣٧] بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ «يُغْنِيهِ» بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى أَحَدٍ وَإِنَّمَا حَفِظَهُ مِنَ الْمُصْحَفِ.
مَرَاتِبُ الْقِرَاءَاتِ الصَّحِيحَةِ وَالتَّرْجِيحِ بَيْنَهَا
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِ «الْعَوَاصِمِ» : اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَاتِ الَّتِي لَا تُخَالِفُ الْأَلْفَاظَ الَّتِي كُتِبَتْ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ هِيَ مُتَوَاتِرَةٌ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي وُجُوهِ الْأَدَاءِ وَكَيْفِيَّاتِ النُّطْقِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ تَوَاتُرَهَا تَبَعٌ لِتَوَاتُرِ صُورَةِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ، وَمَا كَانَ نُطْقُهُ صَالِحًا لِرَسْمِ الْمُصْحَفِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَهُوَ مَقْبُولٌ، وَمَا هُوَ بِمُتَوَاتِرٍ لِأَنَّ وُجُودَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ مُنَافٍ لِدَعْوَى التَّوَاتُرِ، فَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا كَانَ مِنِ الْقِرَاءَاتِ مُخَالِفًا لِمُصْحَفِ عُثْمَانَ، مِثْلَ مَا نُقِلَ مِنْ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَمَّا قَرَأَ الْمُسْلِمُونَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَاتِ مِنْ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُغَيَّرْ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ صَارَتْ مُتَوَاتِرَةٌ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَإِنْ كَانَتْ أَسَانِيدُهَا الْمُعَيَّنَةُ آحَادًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ الْقُرَّاءِ مِنْ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ كُلَّهَا بِمَا فِيهَا مِنْ طَرَائِقِ أَصْحَابِهَا وَرِوَايَاتِهِمْ مُتَوَاتِرَةٌ وَكَيْفَ وَقَدْ ذَكَرُوا أَسَانِيدَهُمْ فِيهَا فَكَانَتْ أَسَانِيدَ أَحَادٍ، وَأَقْوَاهَا سَنَدًا مَا كَانَ لَهُ رَاوِيَانِ عَنِ الصَّحَابَةِ مِثْلَ قِرَاءَةِ نَافِعِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ التُّونُسِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ إِدْرِيسَ فَقِيهُ بِجَايَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْأَبْيَارِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ، وَهُوَ الْحَقُّ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَسَانِيدَ لَا تَقْتَضِي إِلَّا أَنَّ فُلَانًا قَرَأَ كَذَا وَأَنَّ فُلَانًا قَرَأَ بِخِلَافِهِ، وَأَمَّا اللَّفْظُ الْمَقْرُوءُ فَغَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى تِلْكَ الْأَسَانِيدِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ كَيْفِيَّاتُ النُّطْقِ بِحُرُوفِهِ فَضْلًا عَنْ كَيْفِيَّاتِ أَدَائِهِ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي «الْبُرْهَانِ» : هِيَ مُتَوَاتِرَةٌ وَرَدَّهُ عَلَيْهِ الْأَبْيَارِيُّ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي «شَرْحِهِ» : هِيَ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ الْقُرَّاءِ وَلَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً عِنْدَ عُمُومِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا تَوَسُّطٌ بَيْنَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْأَبْيَارِيِّ، وَوَافَقَ إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ ابْنُ سَلَامَةَ الْأَنْصَارِيُّ
стр. 92
مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ
مُهِمَّةٌ جَرَى فِيهَا حِوَارٌ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ ابْنِ عَرَفَةَ التُّونُسِيِّ وَابْنِ لُبٍّ الْأَنْدَلُسِيِّ ذَكَرَهَا الْوَنْشَرِيسِيُّ فِي «الْمِعْيَارِ» .
وَتَنْتَهِي أَسَانِيدُ الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ إِلَى ثَمَانِيَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، فَبَعْضُهَا يَنْتَهِي إِلَى جَمِيعِ الثَّمَانِيَةِ وَبَعْضُهَا إِلَى بَعْضِهِمْ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ.
وَأَمَّا وُجُوهُ الْإِعْرَابِ فِي الْقُرْآنِ فَأَكْثَرُهَا مُتَوَاتِرٌ إِلَّا مَا سَاغَ فِيهِ إِعْرَابَانِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَعَانِي نَحْوَ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ [ص: ٣] بِنَصْبِ حِينَ وَرَفْعِهِ، وَنَحْوَ: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ [الْأَحْزَاب: ١١] بِنَصْبِ (يَقُولَ) وَرَفْعِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى رَفْعِ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النِّسَاء: ١٦٤] وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ بِنَصْبِ اسْمِ الْجَلَالَةِ لِئَلَّا يُثْبِتُوا لِلَّهِ كَلَامًا، وَقَرَأَ بَعْضُ الرَّافِضَةِ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الْكَهْف: ٥١] بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ، وَفَسَّرُوهَا بِأَبِي بكر وَعمر حاشا هما، وَقَاتَلَهُمُ اللَّهُ.
وَأَمَّا مَا خَالَفَ الْوُجُوهَ الصَّحِيحَةَ فِي الْعَرَبِيَّةِ فَفِيهِ نَظَرٌ قَوِيٌّ لِأَنَّا لَا ثِقَةَ لَنَا بِانْحِصَارِ فَصِيحِ كَلَامِ الْعَرَبِ فِيمَا صَارَ إِلَى نُحَاةِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَبِهَذَا نُبْطِلُ كَثِيرًا مِمَّا زَيَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنِ الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِعِلَّةٍ أَنَّهَا جَرَتْ عَلَى وُجُوهٍ ضَعِيفَةٍ فِي الْعَرَبِيَّةِ لَا سِيَّمَا مَا كَانَ مِنْهُ فِي قِرَاءَةٍ مَشْهُورَةٍ كَقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادهم شركائهم [الْأَنْعَام: ١٣٧] بِبِنَاءِ (زَيَّنَ) لِلْمَفْعُولِ وَبِرَفْعِ (قَتْلُ) ، وَنَصْبِ (أَوْلَادَهُمْ) وَخَفْضِ (شُرَكَائِهِمْ) وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ وَجْهٌ مَرْجُوحٌ، فَهُوَ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ الَّتِي تُنَاكِدُ التَّوَاتُرَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَلَى مَا فِي اخْتِلَافِ الْإِعْرَابَيْنِ مِنْ إِفَادَةِ مَعْنًى غَيْرِ الَّذِي يُفِيدُهُ الْآخَرُ، لِأَنَّ لِإِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَفْعُولِ خَصَائِصَ غَيْرَ الَّتِي لِإِضَافَتِهِ إِلَى فَاعِلِهِ، وَلِأَنَّ لِبِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ نُكَتًا غَيْرَ الَّتِي لِبِنَائِهِ لِلْفَاعِلِ، عَلَى أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْفَارِسِيَّ أَلَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ «الْحُجَّةَ» احْتَجَّ فِيهِ لِلْقِرَاءَاتِ الْمَأْثُورَةِ احْتِجَاجًا مِنْ جَانِبِ الْعَرَبِيَّةِ.
ثُمَّ إِنَّ الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرَ الصَّحِيحَةَ الْمُتَوَاتِرَةَ قَدْ تَتَفَاوَتُ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ بَعْضُهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْبَلَاغَةِ أَوِ الْفَصَاحَةِ أَوْ كَثْرَةِ الْمَعَانِي أَوِ الشُّهْرَةِ، وَهُوَ تَمَايُزٌ مُتَقَارِبٌ، وَقَلَّ أَنْ
стр. 93
يَكْسِبَ إِحْدَى الْقِرَاءَاتِ فِي تِلْكَ الْآيَةِ رُجْحَانًا، عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ كَانَ لَا يَرَى مَانِعًا مِنْ تَرْجِيحِ قِرَاءَةٍ عَلَى غَيْرِهَا، وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَالْعَلَّامَةُ
الزَّمَخْشَرِيُّ وَفِي أَكْثَرِ مَا رَجَّحَ بِهِ نَظَرٌ سَنَذْكُرُهُ فِي مَوَاضِعِهِ.
وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّا يَقَعُ فِي كُتُبِ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُعْرِبِينَ مِنِ اخْتِيَارِ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ الْمُتَوَاتِرَتَيْنِ وَقَوْلِهِمْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ أَحْسَنُ، أَذَاكَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِمَّا يَقَعُ فِي كُتُبِ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُعْرِبِينَ مِنْ تَحْسِينِ بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ وَاخْتِيَارِهَا عَلَى بَعْضٍ لِكَوْنِهَا أَظْهَرَ مِنْ جِهَةِ الْإِعْرَابِ وَأَصَحَّ فِي النَّقْلِ، وَأَيْسَرَ فِي اللَّفْظِ فَلَا يُنْكَرُ ذَلِكَ، كَرِوَايَةِ وَرْشٍ الَّتِي اخْتَارَهَا الشُّيُوخُ الْمُتَقَدِّمُونَ عِنْدَنَا (أَيْ بِالْأَنْدَلُسِ) فَكَانَ الْإِمَامُ فِي الْجَامِعِ لَا يَقْرَأُ إِلَّا بِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ تَسْهِيلِ النَّبَرَاتِ وَتَرْكِ تَحْقِيقِهَا فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ، وَقَدْ تَؤَوَّلَ ذَلِكَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ كَرَاهِيَةِ النَّبْرِ فِي الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ.
وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ مِنَ «الْعُتْبِيَّةِ» : سُئِلَ مَالِكٌ عَنِ النَّبْرِ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: إِنِّي لَأَكْرَهُهُ وَمَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي «الْبَيَانِ» يُعْنَى بِالنَّبْرِ هَاهُنَا إِظْهَارُ الْهَمْزَةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى الْأَصْلِ فَكُرِهَ ذَلِكَ وَاسْتُحِبَّ فِيهِ التَّسْهِيلُ عَلَى رِوَايَةِ وَرْشٍ لِمَا جَاءَ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ تَكُنْ لُغَتُهُ الْهَمْزَ (أَيْ إِظْهَارَ الْهَمْزِ فِي الْكَلِمَاتِ الْمَهْمُوزَةِ بَلْ كَانَ يَنْطِقُ بِالْهَمْزَةِ مُسَهَّلَةً إِلَى أَحْرُفِ عِلَّةٍ مِنْ جِنْسِ حَرَكَتِهَا، مِثْلَ: يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ [الْكَهْف: ٩٤] بِالْأَلِفِ دُونَ الْهَمْزِ، وَمِثْلَ: الذِّيبِ فِي الذِّئْبُ [يُوسُف: ١٣] وَمِثْلَ: مُومِنٍ فِي مُؤْمِنٌ [الْبَقَرَة: ٢٢١] . ثُمَّ قَالَ: وَلِهَذَا الْمَعْنَى كَانَ الْعَمَلُ جَارِيًا فِي قُرْطُبَةَ قَدِيمًا أَنْ لَا يَقْرَأَ الْإِمَامُ بِالْجَامِعِ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِرِوَايَةِ وَرْشٍ، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ ذَلِكَ وَتُرِكَتِ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ مُنْذُ زَمَنٍ قَرِيبٍ اهـ.
وَهَذَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ رَاوِي حَمْزَةَ، قَدِ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ قِرَاءَةً مِنْ بَيْنِ قِرَاءَاتِ الْكُوفِيِّينَ، وَمِنْهُمْ شَيْخُهُ حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ وَمَيَّزَهَا قِرَاءَةً خَاصَّةً فَعُدَّتْ عَاشِرَةَ الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ وَمَا هِيَ إِلَّا اخْتِيَارٌ مِنْ قِرَاءَاتِ الْكُوفِيِّينَ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ إِلَّا فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ [الْأَنْبِيَاء: ٩٥] قَرَأَهَا بِالْأَلِفِ بَعْدَ الرَّاءِ مِثْلَ حَفْصٍ وَالْجُمْهُورِ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ يُفْضِي تَرْجِيحُ بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ عَلَى بَعْضٍ إِلَى أَنْ تَكُونَ الرَّاجِحَةُ أَبْلَغَ مِنَ الْمَرْجُوحَةِ فَيُفْضِي إِلَى أَنَّ الْمَرْجُوحَةَ أَضْعَفُ فِي الْإِعْجَازِ؟
стр. 94
قُلْتُ: حَدُّ الْإِعْجَازِ مُطَابَقَةُ الْكَلَامِ لِجَمِيعِ مُقْتَضَى الْحَالِ، وَهُوَ لَا يَقْبَلُ التَّفَاوُتَ، وَيَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْكَلَامِ الْمُعْجِزِ مُشْتَمِلًا عَلَى لَطَائِفَ وَخُصُوصِيَّاتٍ تَتَعَلَّقُ بِوُجُوهِ الْحُسْنِ كَالْجِنَاسِ وَالْمُبَالَغَةِ، أَوْ تَتَعَلَّقُ بِزِيَادَةِ الْفَصَاحَةِ، أَوْ بِالتَّفَنُّنِ مِثْلَ: أَمْ تَسْأَلُهُمْ
خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ
[الْمُؤْمِنُونَ: ٧٢] . عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الْقِرَاءَاتِ نَشَأَتْ عَن ترخيص النبيء ﷺ للقارىء أَنْ يَقْرَأَ بِالْمُرَادِفِ تَيْسِيرًا عَلَى النَّاسِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ حَدِيثُ تَنَازُعِ عُمَرَ مَعَ هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ، فَتُرْوَى تِلْكَ الْقِرَاءَةُ لِلْخَلَفِ فَيَكُونُ تَمْيِيزُ غَيْرِهَا بِسَبَبِ أَنَّ الْمُتَمَيِّزَةَ هِيَ الْبَالِغَةُ الْبَلَاغَةِ وَأَنَّ الْأُخْرَى تَوْسِعَةٌ وَرُخْصَةٌ، وَلَا يُعَكِّرُ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِهَا أَيْضًا بَالِغَةَ الطَّرَفِ الْأَعْلَى مِنَ الْبَلَاغَةِ وَهُوَ مَا يَقْرُبُ مِنْ حَدِّ الْإِعْجَازِ. وَأَمَّا الْإِعْجَازُ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَحَقَّقَ فِي كُلِّ آيَةٍ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ لِأَنَّ التَّحَدِّيَ إِنَّمَا وَقَعَ بِسُورَةٍ مِثْلَ سُوَرِ الْقُرْآنِ، وَأَقْصَرُ سُورَةٍ ثَلَاثُ آيَاتٍ فَكُلُّ مِقْدَارٍ يَنْتَظِمُ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُهُ مُعْجِزًا. تَنْبِيهٌ: أَنَا أَقْتَصِرُ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ عَلَى التَّعَرُّضِ لِاخْتِلَافِ الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ الْمَشْهُورَةِ خَاصَّةً فِي أَشْهَرِ رِوَايَاتِ الرَّاوِينَ عَنْ أَصْحَابِهَا لِأَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ قَدِ امْتَازَتْ عَلَى بَقِيَّةِ الْقِرَاءَاتِ بِالشُّهْرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَقْطَارِ الْإِسْلَامِ. وَأَبْنِي أَوَّلَ التَّفْسِيرِ عَلَى قِرَاءَةِ نَافِعٍ بِرِوَايَةِ عِيسَى ابْن مِينَا الْمَدَنِيِّ الْمُلَقَّبِ بِقَالُونَ لِأَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الْمَدَنِيَّةُ إِمَامًا وَرَاوِيًا وَلِأَنَّهَا الَّتِي يَقْرَأُ بِهَا مُعْظَمُ أَهْلِ تُونُسَ. ثُمَّ أَذْكُرُ خِلَافَ بَقِيَّةِ الْقُرَّاءِ الْعَشَرَةِ خَاصَّةً.
وَالْقِرَاءَاتُ الَّتِي يُقْرَأُ بِهَا الْيَوْمَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مِنْ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرِ، هِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ بِرِوَايَةِ قَالُونَ فِي بَعْضِ الْقُطْرِ التُّونُسِيِّ وَبَعْضِ الْقُطْرِ الْمِصْرِيِّ وَفِي لِيبْيَا، وَبِرِوَايَةِ وَرْشٍ فِي بَعْضِ الْقُطْرِ التُّونُسِيِّ وَبَعْضِ الْقُطْرِ الْمِصْرِيِّ وَفِي جَمِيعِ الْقُطْرِ الْجَزَائِرِيِّ وَجَمِيعِ الْمَغْرِبِ الْأَقْصَى، وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الْبِلَادِ وَالسُّودَانِ. وَقِرَاءَةُ عَاصِمٍ بِرِوَايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ فِي جَمِيعِ الشَّرْقِ مِنَ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَغَالِبِ الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْهِنْدِ وَبَاكِسْتَانَ وَتُرْكِيَا وَالْأَفْغَانِ. وَبَلَغَنِي أَنَّ قِرَاءَةَ أَبِي عَمْرٍو الْبَصْرِيِّ يُقْرَأُ بِهَا فِي السُّودَانِ الْمُجَاوِرِ مِصْرَ.
стр. 95
الْمُقَدِّمَةُ السَّابِعَةُ قَصَصُ الْقُرْآنِ
امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [يُوسُف: ٣] فَعَلِمْنَا مِنْ قَوْلِهِ أَحْسَنَ، أَنَّ الْقِصَصَ الْقُرْآنِيَّةَ لَمْ تُسَقْ مَسَاقَ الْإِحْمَاضِ (١) وَتَجْدِيدِ النَّشَاطِ، وَمَا يَحْصُلُ مِنِ اسْتِغْرَابِ مَبْلَغِ تِلْكَ الْحَوَادِثِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ لِأَنَّ غَرَضَ الْقُرْآنِ أَسْمَى وَأَعْلَى مِنْ هَذَا، وَلَوْ كَانَ مِنْ هَذَا لَسَاوَى كَثِيرًا مِنْ قَصَصِ الْأَخْبَارِ الْحَسَنَةِ الصَّادِقَةِ فَمَا كَانَ جَدِيرًا بِالتَّفْضِيلِ عَلَى كُلِّ جِنْسِ الْقَصَصِ.
وَالْقِصَّةُ: الْخَبَرُ عَنْ حَادِثَةٍ غَائِبَةٍ عَنِ الْمُخْبَرِ بِهَا، فَلَيْسَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْأَحْوَالِ الْحَاضِرَةِ فِي زَمَنِ نُزُولِهِ قَصَصًا مِثْلَ ذِكْرِ وَقَائِعِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ عَدُوِّهِمْ. وَجَمْعُ الْقِصَّةِ قِصَصٌ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَأَمَّا الْقَصَصُ بِفَتْحِ الْقَافِ فَاسْمٌ لِلْخَبَرِ الْمَقْصُوصِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الْمَفْعُولُ، يُقَالُ: قَصَّ عَلَيَّ فُلَانٌ إِذَا أَخْبَرَهُ بِخَبَرٍ.
وَأَبْصَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ لَيْسَ الْغَرَضُ مِنْ سَوْقِهَا قَاصِرًا عَلَى حُصُولِ الْعِبْرَةِ وَالْمَوْعِظَةِ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ الْقِصَّةُ مِنْ عَوَاقِبِ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ، وَلَا عَلَى حُصُولِ التَّنْوِيهِ بِأَصْحَابِ تِلْكَ الْقِصَصِ فِي عِنَايَةِ اللَّهِ بِهِمْ أَوِ التَّشْوِيهِ بِأَصْحَابِهَا فِيمَا لَقُوهُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَمَا تَقِفُ عِنْدَهُ أَفْهَامُ الْقَانِعِينَ بِظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ وَأَوَائِلِهَا، بَلِ الْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ أَسْمَى وَأَجَلُّ. إِنَّ فِي تِلْكَ الْقِصَصِ لَعِبَرًا جَمَّةً وَفَوَائِدَ لِلْأُمَّةِ وَلِذَلِكَ نَرَى الْقُرْآنَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ قِصَّةٍ أَشْرَفَ مَوَاضِيعِهَا وَيُعْرِضُ عَمَّا عَدَاهُ لِيَكُونَ تَعَرُّضُهُ لِلْقِصَصِ مُنَزَّهًا عَنْ قَصْدِ التَّفَكُّهِ بِهَا، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ تَأْتِ الْقِصَصُ فِي الْقُرْآنِ مُتَتَالِيَةً مُتَعَاقِبَةً فِي سُورَةٍ أَوْ سُوَرٍ كَمَا يَكُونُ كِتَابُ تَارِيخٍ، بَلْ كَانَتْ مُفَرَّقَةً مُوَزَّعَةً عَلَى مَقَامَاتٍ تُنَاسِبُهَا، لِأَنَّ مُعْظَمَ الْفَوَائِدِ الْحَاصِلَةِ مِنْهَا لَهَا عَلَاقَةٌ بِذَلِكَ التَّوْزِيعِ، هُوَ ذِكْرٌ وَمَوْعِظَةٌ لِأَهْلِ الدِّينِ فَهُوَ بِالْخَطَابَةِ أَشْبَهُ. وَلِلْقُرْآنِ أُسْلُوبٌ
خَاصٌّ هُوَ الْأُسْلُوبُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّذْكِيرِ وَبِالذِّكْرِ فِي آيَاتٍ يَأْتِي تَفْسِيرُهَا فَكَانَ أُسْلُوبُهُ قَاضِيًا لِلْوَطَرَيْنِ وَكَانَ أَجَلَّ مِنْ أُسْلُوبِ الْقَصَّاصِينَ فِي سَوْقِ الْقِصَصِ لِمُجَرَّدِ مَعْرِفَتِهَا لِأَنَّ سَوْقَهَا فِي مُنَاسَبَاتِهَا يُكْسِبُهَا صِفَتَيْنِ: صِفَةَ الْبُرْهَانِ وَصِفَةَ التِّبْيَانِ وَنَجِدُ مِنْ مُمَيِّزَاتِ قِصَصِ الْقُرْآنِ نَسْجُ نَظْمِهَا عَلَى أُسْلُوبِ الْإِيجَازِ لِيَكُونَ شَبَهُهَا بِالتَّذْكِيرِ стр. 96
أَقْوَى مِنْ شَبَهِهَا بِالْقِصَصِ، مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقَلَمِ: فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ فَقَدْ حُكِيَتْ مَقَالَتُهُ هَذِهِ فِي مَوْقِعِ تَذْكِيرِهِ أَصْحَابَهُ بِهَا لِأَن ذَلِك مِمَّن حِكَايَتِهَا وَلَمْ تُحْكَ أَثْنَاءَ قَوْلِهِ: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ [الْقَلَم: ١٧] وَقَوْلِهِ: فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ [الْقَلَم: ٢٢] .
وَمِنْ مُمَيِّزَاتِهَا طَيُّ مَا يَقْتَضِيهِ الْكَلَامُ الْوَارِدُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُوسُفَ (٢٥) :
وَاسْتَبَقَا الْبابَ فَقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ حُضُورِ سَيِّدِهَا وَطَرْقِهِ الْبَابَ وَإِسْرَاعِهِمَا إِلَيْهِ لِفَتْحِهِ، فَإِسْرَاعُ يُوسُفَ لِيَقْطَعَ عَلَيْهَا مَا تَوَسَّمَهُ فِيهَا مِنَ الْمَكْرِ بِهِ لِتُرِيَ سَيِّدَهَا أَنَّهُ بِهَا سُوءًا، وَإِسْرَاعُهَا هِيَ لِضِدِّ ذَلِكَ لِتَكُونَ الْبَادِئَةَ بِالْحِكَايَةِ فَتَقْطَعَ عَلَى يُوسُفَ مَا تَوَسَّمَتْهُ فِيهِ مِنْ شِكَايَةٍ، فَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً [يُوسُف: ٢٥] الْآيَاتِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْقِصَصَ بُثَّتْ بِأُسْلُوبٍ بَدِيعٍ إِذْ سَاقَهَا فِي مَظَانِّ الِاتِّعَاظِ بِهَا مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْغَرَضِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ تَشْرِيعٍ وَتَفْرِيعٍ فَتَوَفَّرَتْ مِنْ ذَلِكَ عَشْرُ فَوَائِدَ:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى:
أَنَّ قُصَارَى عِلْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ كَانَ مَعْرِفَةَ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَيَّامِهِمْ وَأَخْبَارِ مَنْ جَاوَرَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، فَكَانَ اشْتِمَالُ الْقُرْآنِ عَلَى تِلْكَ الْقِصَصِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ تَحَدِّيًا عَظِيمًا لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَتَعْجِيزًا لَهُمْ بِقَطْعِ حُجَّتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، قَالَ تَعَالَى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود: ٤٩] فَكَانَ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ بِذَلِكَ أَحِقَّاءَ بِأَنْ يُوصَفُوا بِالْعِلْمِ الَّذِي وُصِفَتْ بِهِ أَحْبَارُ الْيَهُودِ، وَبِذَلِكَ انْقَطَعَتْ صِفَةُ الْأُمِّيَّةِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي نَظَرِ الْيَهُودِ، وَانْقَطَعَتْ أَلْسِنَةُ الْمُعَرِّضِينَ بِهِمْ بِأَنَّهُمْ أُمَّةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ لَمْ يُبَيِّنْهَا مَنْ سَلَفَنَا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:
أَنَّ مِنْ أَدَبِ الشَّرِيعَةِ مَعْرِفَةُ تَارِيخِ سَلَفِهَا فِي التَّشْرِيعِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِشَرَائِعِهِمْ فَكَانَ اشْتِمَالُ الْقُرْآنِ عَلَى قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَقْوَامِهِمْ تَكْلِيلًا لِهَامَةِ التَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِيِّ
بِذِكْرِ تَارِيخِ الْمُشَرِّعِينَ، قَالَ تَعَالَى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمرَان: ١٤٦] الْآيَةَ. وَهَذِهِ فَائِدَةٌ مِنْ فُتُوحَاتِ اللَّهِ لَنَا أَيْضًا. وَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ فِي هَذَا الْغَرَضِ أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ إِلَّا إِلَى حَالِ أَصْحَابِ الْقِصَّةِ فِي رُسُوخِ الْإِيمَانِ وَضَعْفِهِ وَفِيمَا لِذَلِكَ مِنْ أَثَرِ عِنَايَةٍ إِلَهِيَّةٍ أَوْ خِذْلَانٍ. وَفِي هَذَا الْأُسْلُوبِ لَا تَجِدُ فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ هَذِهِ الْقِصَصِ بَيَانَ أَنْسَابِهِمْ
стр. 97
أَوْ بُلْدَانِهِمْ إِذِ الْعِبْرَةُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ ضَلَالِهِمْ أَوْ إِيمَانِهِمْ. وَكَذَلِكَ مَوَاضِعُ الْعِبْرَةِ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَهْلِ الْكَهْفِ: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً إِلَى قَوْلِهِ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً الْآيَاتِ فَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُمْ مِنْ أَيِّ قَوْمٍ وَفِي أَيِّ عَصْرٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِيهَا: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ [الْكَهْف: ١٩] فَلم يذكر أَيْن مَدِينَةٍ هِيَ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْعِبْرَةِ هُوَ انْبِعَاثُهُمْ وَوُصُولُ رَسُولِهِمْ إِلَى مَدِينَةٍ إِلَى قَوْلِهِ: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [الْكَهْف: ٢١] .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:
مَا فِيهَا مِنْ فَائِدَةِ التَّارِيخِ من معرفَة ترَتّب الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالتَّعْمِيرِ وَالتَّخْرِيبِ لِتَقْتَدِيَ الْأُمَّةُ وَتَحْذَرَ، قَالَ تَعَالَى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النَّمْل: ٥٢] وَمَا فِيهَا مِنْ فَائِدَةِ ظُهُورِ الْمُثُلِ الْعُلْيَا فِي الْفَضِيلَةِ وَزَكَاءِ النُّفُوسِ أَوْ ضِدِّ ذَلِكَ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:
مَا فِيهَا مِنْ مَوْعِظَةِ الْمُشْرِكِينَ بِمَا لَحِقَ الْأُمَمَ الَّتِي عَانَدَتْ رُسُلَهَا، وَعَصَتْ أَوَامِرَ رَبِّهَا حَتَّى يَرْعَوُوا عَنْ غَلْوَائِهِمْ، وَيَتَّعِظُوا بِمَصَارِعِ نُظَرَائِهِمْ وَآبَائِهِمْ، وَكَيْفَ يُورِثُ الْأَرْضَ أَوْلِيَاءَهُ وَعِبَادَهُ الصَّالِحِينَ قَالَ تَعَالَى: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الْأَعْرَاف: ١٧٦] وَقَالَ: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يُوسُف: ١١١] وَقَالَ:
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الْأَنْبِيَاء: ١٠٥] وَهَذَا فِي الْقِصَصِ الَّتِي يَذْكُرُ فِيهَا مَا لَقِيَهُ الْمُكَذِّبُونَ لِلرُّسُلِ كَقِصَصِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَأَهْلِ الرَّسِّ وَأَصْحَابِ الْأَيْكَةِ.
الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ:
أَنَّ فِي حِكَايَةِ الْقِصَصِ سُلُوكَ أُسْلُوبِ التَّوْصِيفِ وَالْمُحَاوَرَةِ وَذَلِكَ أُسْلُوبٌ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا للْعَرَب فَكَانَ مجيؤه فِي الْقُرْآنِ ابْتِكَارَ أُسْلُوبٍ جَدِيدٍ فِي الْبَلَاغَةِ الْعَرَبِيَّةِ شَدِيدِ التَّأْثِيرِ فِي نُفُوسِ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَهُوَ مِنْ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ إِذْ لَا يُنْكِرُونَ أَنَّهُ أُسْلُوبٌ بَدِيعٌ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ الْإِتْيَانَ بِمِثْلِهِ إِذْ لَمْ يَعْتَادُوهُ، انْظُرْ إِلَى حِكَايَةِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْأَعْرَافِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْخَامِسَةِ
فَكَانَ مِنْ مُكَمِّلَاتِ عَجْزِ الْعَرَبِ عَنِ الْمُعَارَضَةِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:
أَنَّ الْعَرَبَ بِتَوَغُّلِ الْأُمِّيَّةِ وَالْجَهْلِ فِيهِمْ أَصْبَحُوا لَا تَهْتَدِي عُقُولُهُمْ إِلَّا بِمَا يَقَعُ تَحْتَ الْحِسِّ، أَوْ مَا يُنْتَزَعُ مِنْهُ فَفَقَدُوا فَائِدَةَ الِاتِّعَاظِ بِأَحْوَالِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَجَهِلُوا مُعْظَمَهَا وَجَهِلُوا أَحْوَالَ الْبَعْضِ الَّذِي عَلِمُوا أَسْمَاءَهُ فَأَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ إِعْرَاضًا عَنِ السَّعْيِ لِإِصْلَاحِ
стр. 98
أَحْوَالِهِمْ بِتَطْهِيرِهَا مِمَّا كَانَ سَبَبَ هَلَاكِ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَكَانَ فِي ذِكْرِ قِصَصِ الْأُمَمِ تَوْسِيعٌ لِعِلْمِ الْمُسْلِمِينَ بِإِحَاطَتِهِمْ بِوُجُودِ الْأُمَمِ وَمُعْظَمِ أَحْوَالِهَا، قَالَ مُشِيرًا إِلَى غَفْلَتِهِمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ: وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ [إِبْرَاهِيم: ٤٥] .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:
تَعْوِيدُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَعْرِفَةِ سَعَةِ الْعَالِمِ وَعَظَمَةِ الْأُمَمِ وَالِاعْتِرَافِ لَهَا بِمَزَايَاهَا حَتَّى تُدْفَعَ عَنْهُمْ وَصْمَةُ الْغُرُورِ كَمَا وَعَظَهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ عَادٍ: وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥] فَإِذَا عَلِمَتِ الْأُمَّةُ جَوَامِعَ الْخَيْرَاتِ وَمُلَائِمَاتِ حَيَاةِ النَّاسِ تَطَلَّبَتْ كُلَّ مَا يَنْقُصُهَا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَمَالُ حَيَاتِهَا وَعَظَمَتِهَا.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَة:
أَن ينشىء فِي الْمُسْلِمِينَ هِمَّةَ السَّعْيِ إِلَى سِيَادَةِ الْعَالَمِ كَمَا سَادَهُ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِهِمْ لِيَخْرُجُوا مِنَ الْخُمُولِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْعَرَبُ إِذْ رَضُوا مِنَ الْعِزَّةِ بِاغْتِيَالِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَكَانَ مُنْتَهَى السَّيِّدِ مِنْهُمْ أَنْ يَغْنَمَ صُرَيْمَةً، وَمُنْتَهَى أَمَلُ الْعَامِّيِّ أَنْ يَرْعَى غُنَيْمَةً، وَتَقَاصَرَتْ هِمَمُهُمْ عَنْ تَطَلُّبِ السِّيَادَةِ حَتَّى آلَ بِهِمُ الْحَالُ إِلَى أَنْ فَقَدُوا عِزَّتَهُمْ فَأَصْبَحُوا كَالْأَتْبَاعِ لِلْفُرْسِ وَالرُّومِ، فَالْعِرَاقُ كُلُّهُ وَالْيَمَنُ كُلُّهُ وَبِلَادُ الْبَحْرَيْنِ تَبَعٌ لِسِيَادَةِ الْفُرْسِ، وَالشَّامُ وَمَشَارِفُهُ تَبَعٌ لِسِيَادَةِ الرُّومِ، وَبَقِيَ الْحِجَازُ وَنَجْدٌ لَا غُنْيَةَ لَهُمْ عَنِ الِاعْتِزَازِ بِمُلُوكِ الْعَجَمِ وَالرُّومِ فِي رِحْلَاتِهِمْ وَتِجَارَتِهِمْ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:
مَعْرِفَةُ أَنَّ قُوَّةَ اللَّهِ تَعَالَى فَوْقَ كُلِّ قُوَّةٍ، وَأَنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ مَنْ يَنْصُرُهُ، وَأَنَّهُمْ إِنْ أَخَذُوا بِوَسِيلَتَيِ الْبَقَاءِ: مِنَ الِاسْتِعْدَادِ وَالِاعْتِمَادِ سَلِمُوا مِنْ تَسَلُّطِ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ.
وَذِكْرُ الْعَوَاقِبِ الصَّالِحَةِ لِأَهْلِ الْخَيْرِ. وَكَيْفَ يَنْصُرُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي قَوْلِهِ: فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الْأَنْبِيَاء: ٨٧، ٨٨] .
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ:
أَنَّهَا يَحْصُلُ مِنْهَا بِالتَّبَعِ فَوَائِدُ فِي تَارِيخِ التَّشْرِيعِ وَالْحَضَارَةِ وَذَلِكَ يَفْتِقُ أَذْهَانَ الْمُسْلِمِينَ لِلْإِلْمَامِ بِفَوَائِدِ الْمَدَنِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [يُوسُف: ٧٦] فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ (دِينِ) بِكَسْرِ
الدَّالِ، أَيْ فِي شَرْعِ فِرْعَوْنَ يَوْمَئِذٍ، فَعَلِمْنَا أَنَّ شَرِيعَةَ الْقِبْطِ كَانَتْ تُخَوِّلُ اسْتِرْقَاقَ السَّارِقِ.
وَقَوْلِهِ: قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ [يُوسُف: ٧٩] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَرِيعَتَهُمْ مَا كَانَتْ تُسَوِّغُ أَخْذَ الْبَدَلِ فِي الِاسْتِرْقَاقِ، وَأَنَّ الْحُرَّ لَا يُمْلَكُ إِلَّا بِوَجْهٍ مُعْتَبَرٍ.
وَنَعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ [الشُّعَرَاء: ٣٦] ، فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ [الشُّعَرَاء: ٥٣]
стр. 99
أَنَّ نِظَامَ مِصْرَ فِي زَمَنِ مُوسَى إِرْسَالُ الْمُؤَذِّنِينَ وَالْبَرِيحِ بِالْإِعْلَامِ بِالْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ. وَنَعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ [يُوسُف: ١٠] أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وُجُودَ الْأَجْبَابِ فِي الطُّرُقَاتِ وَهِيَ آبَارٌ قَصِيرَةٌ يَقْصِدُهَا الْمُسَافِرُونَ لِلِاسْتِقَاءِ مِنْهَا. وَقَوْلِ يَعْقُوبَ: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ [يُوسُف: ١٣] أَنَّ بَادِيَةَ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ كَانَتْ تُوجَدُ بِهَا الذِّئَابُ الْمُفْتَرِسَةُ وَقَدِ انْقَطَعَتْ مِنْهَا الْيَوْمَ.
وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا يَدْفَعُ عَنْكُمْ هَاجِسًا رَأَيْتُهُ خَطَرَ لِكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْيَقِينِ وَالْمُتَشَكِّكِينَ وَهُوَ أَن يُقَال: لماذَا لَمْ يَقَعِ الِاسْتِغْنَاءُ بِالْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا؟ وَمَا فَائِدَةُ تَكْرَارِ الْقِصَّةِ فِي سُوَرٍ كَثِيرَةٍ؟ وَرُبَّمَا تَطَرَّقَ هَذَا الْهَاجِسُ بِبَعْضِهِمْ إِلَى مَنَاهِجِ الْإِلْحَادِ فِي الْقُرْآنِ. وَالَّذِي يَكْشِفُ لِسَائِرِ الْمُتَحَيِّرِينَ حَيْرَتَهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ نَوَايَاهُمْ وَتَفَاوُتِ مَدَارِكِهِمْ أَنَّ الْقُرْآنَ- كَمَا قُلْنَا- هُوَ بِالْخُطَبِ وَالْمَوَاعِظِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالتَّآلِيفِ، وَفَوَائِدُ الْقِصَصِ تجتلبها المناسبات فَتذكر الْقِصَّةُ كَالْبُرْهَانِ عَلَى الْغَرَضِ الْمَسُوقَةِ هِيَ مَعَهُ، فَلَا يُعَدُّ ذِكْرُهَا مَعَ غَرَضِهَا تَكْرِيرًا لَهَا لِأَنَّ سَبْقَ ذِكْرِهَا إِنَّمَا كَانَ فِي مُنَاسَبَاتٍ أُخْرَى. كَمَا لَا يُقَالُ لِلْخَطِيبِ فِي قَوْمٍ، ثُمَّ دَعَتْهُ الْمُنَاسَبَاتُ إِلَى أَنْ وَقَفَ خَطِيبًا فِي مِثْلِ مَقَامِهِ الْأَوَّلِ فَخَطَبَ بِمَعَانٍ تَضَمَّنَتْهَا خُطْبَتُهُ السَّابِقَةُ: إِنَّهُ أَعَادَ الْخُطْبَةَ، بَلْ إِنَّهُ أَعَادَ مَعَانِيَهَا وَلَمْ يُعِدْ أَلْفَاظَ خُطْبَتِهِ. وَهَذَا مَقَامٌ تَظْهَرُ فِيهِ مَقْدِرَةُ الْخُطَبَاءِ فَيَحْصُلُ مِنْ ذِكْرِهَا هَذَا الْمَقْصِدُ الْخِطَابِيُّ. ثُمَّ تَحْصُلُ مَعَهُ مَقَاصِدُ أُخْرَى.
أَحَدُهَا:
رُسُوخُهَا فِي الْأَذْهَانِ بِتَكْرِيرِهَا.
الثَّانِي:
ظُهُورُ الْبَلَاغَةِ، فَإِنَّ تَكْرِيرَ الْكَلَامِ فِي الْغَرَضِ الْوَاحِدِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَثْقُلَ عَلَى الْبَلِيغِ فَإِذَا جَاءَ اللَّاحِقُ مِنْهُ إِثْرَ السَّابِقِ مَعَ تَفَنُّنٍ فِي الْمَعَانِي بِاخْتِلَافِ طُرُقِ أَدَائِهَا مِنْ مَجَازٍ أَوِ اسْتِعَارَاتٍ أَوْ كِنَايَةٍ. وَتَفَنُّنِ الْأَلْفَاظِ وَتَرَاكِيبِهَا بِمَا تَقْتَضِيهِ الْفَصَاحَةُ وَسَعَةُ اللُّغَةِ بِاسْتِعْمَالِ الْمُتَرَادِفَاتِ مِثْلَ: وَلَئِنْ رُدِدْتُ [الْكَهْف: ٣٦] ، وَلَئِنْ رُجِعْتُ [فصلت: ٥٠] . وَتَفَنُّنِ الْمُحَسِّنَاتِ الْبَدِيعِيَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَاللَّفْظِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ مِنَ الْحُدُودِ الْقُصْوَى فِي الْبَلَاغَةِ،
فَذَلِكَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْإِعْجَازِ.
الثَّالِثُ:
أَنْ يَسْمَعَ اللَّاحِقُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي وَقْتِ نُزُولِ الْقُرْآنِ ذِكْرَ الْقِصَّةِ الَّتِي كَانَتْ فَاتَتْهُمْ مُمَاثَلَتُهَا قَبْلَ إِسْلَامِهِمْ أَوْ فِي مُدَّةِ مَغِيبِهِمْ، فَإِنَّ تَلَقِّيَ الْقُرْآنِ عِنْدَ نُزُولِهِ أَوْقَعُ فِي النُّفُوسِ مِنْ تَطَلُّبِهِ مِنْ حَافِظِيهِ.
стр. 100
الرَّابِعُ:
أَنَّ جَمْعَ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعَ الْقُرْآنِ حِفْظًا كَانَ نَادِرًا بَلْ تَجِدُ الْبَعْضَ يَحْفَظُ بَعْضَ السُّورِ فَيَكُونُ الَّذِي حَفِظَ إِحْدَى السُّوَرِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيهَا قِصَّةٌ مُعَيَّنَةٌ عَالِمًا بِتِلْكَ الْقِصَّةِ.
كَعِلْمِ مَنْ حَفِظَ سُورَةً أُخْرَى ذُكِرَتْ فِيهَا تِلْكَ الْقِصَّةُ.
الْخَامِسُ:
أَنَّ تِلْكَ الْقِصَصَ تَخْتَلِفُ حِكَايَةُ الْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنْهَا بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ وَيَذْكُرُ فِي بَعْضِ حِكَايَةِ الْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ مَا لَمْ يَذْكُرْ فِي بَعْضِهَا الْآخَرِ وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ:
مِنْهَا تَجَنُّبُ التَّطْوِيلِ فِي الْحِكَايَةِ الْوَاحِدَةِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْضِعِ الْعِبْرَةِ مِنْهَا فِي مَوْضِعٍ وَيُذْكَرُ آخَرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَيَحْصُلُ مِنْ مُتَفَرِّقِ مَوَاضِعِهَا فِي الْقُرْآنِ كَمَالُ الْقِصَّةِ أَوْ كَمَالُ الْمَقْصُودِ مِنْهَا، وَفِي بَعْضِهَا مَا هُوَ شَرْحٌ لِبَعْضٍ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورُ فِي مَوْضِعٍ مُنَاسِبًا لِلْحَالَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ سَامِعِيهَا، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تَجِدُ ذِكْرًا لِبَعْضِ الْقِصَّةِ فِي مَوْضِعٍ وَتَجِدُ ذِكْرًا لِبَعْضٍ آخَرَ مِنْهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لِأَنَّ فِيمَا يُذْكَرُ مِنْهَا مُنَاسَبَةٌ لِلسِّيَاقِ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ، فَإِنَّهَا تَارَةً تُسَاقُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَتَارَةً إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، وَتَارَةً تُسَاقُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَتَارَةً إِلَى كِلَيْهِمَا، وَقَدْ تُسَاقُ لِلطَّائِفَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي حَالَةٍ خَاصَّةٍ، ثُمَّ تُسَاقُ إِلَيْهَا فِي حَالَةٍ أُخْرَى. وَبِذَلِكَ تَتَفَاوَتُ بِالْإِطْنَابِ وَالْإِيجَازِ عَلَى حَسَبِ الْمَقَامَاتِ، أَلَا تَرَى قِصَّةَ بَعْثِ مُوسَى كَيْفَ بُسِطَتْ فِي سُورَةِ طه وَسُورَةِ الشُّعَرَاءِ، وَكَيْفَ أُوجِزَتْ فِي آيَتَيْنِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ [٣٥، ٣٦] : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً.
وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ تَارَةً التَّنْبِيهَ عَلَى خَطَأِ الْمُخَاطَبِينَ فِيمَا يَنْقُلُونَهُ مِنْ تِلْكَ الْقِصَّةِ، وَتَارَةً لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ.
فَهَذِهِ تَحْقِيقَاتٌ سَمَحَتْ بِهَا الْقَرِيحَةُ، وَرُبَّمَا كَانَتْ بَعْضُ مَعَانِيهَا فِي كَلَامِ السَّابِقِينَ غَيْرَ صَرِيحَةٍ.
стр. 101
الْمُقَدِّمَةُ الثَّامِنَةُ فِي اسْمِ الْقُرْآنِ وَآيَاتِهِ وَسُوَرِهِ وَتَرْتِيبِهَا وَأَسْمَائِهَا
هَذَا غَرَضٌ لَهُ مَزِيدُ اتِّصَالٍ بِالْقُرْآنِ وَلَهُ اتِّصَالٌ مَتِينٌ بِالتَّفْسِيرِ لِأَنَّ مَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ فَوَاتِحِ السُّوَرِ، وَمُنَاسِبَةِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ فَيُغْنِي الْمُفَسِّرَ عَنْ إِعَادَتِهِ.
مَعْلُومٌ لَك أَن مَوضِع عِلْمِ التَّفْسِيرِ هُوَ الْقُرْآنُ لِتِبْيَانِ مَعَانِيهِ وَمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ إِرْشَادٍ وَهُدًى وَآدَابٍ وَإِصْلَاحِ حَالِ الْأُمَّةِ فِي جَمَاعَتِهَا وَفِي مُعَامَلَتِهَا مَعَ الْأُمَمِ الَّتِي تُخَالِطُهَا بِفَهْمِ دَلَالَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْبَلَاغِيَّةِ، فَالْقُرْآنُ هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي أَوْحَاهُ اللَّهُ تَعَالَى كَلَامًا عَرَبِيًّا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلَى أَنْ يُبَلِّغَهُ الرَّسُولُ إِلَى الْأُمَّةِ بِاللَّفْظِ الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إِلَيْهِ لِلْعَمَلِ بِهِ وَلِقِرَاءَةِ مَا يَتَيَسَّرُ لَهُمْ أَنْ يَقْرَأُوهُ مِنْهُ فِي صَلَوَاتِهِمْ وَجَعَلَ قِرَاءَتَهُ عِبَادَةً.
وَجَعَلَهُ كَذَلِكَ آيَةً عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ فِي دَعْوَاهُ الرِّسَالَةَ عَنِ اللَّهِ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً بِأَنْ تَحَدَّى مُنْكِرِيهِ وَالْمُتَرَدِّدِينَ فِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَهُمُ الْمُخَاطَبُونَ بِهِ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ مُعَارَضَتَهُ، وَدَعَاهُمْ إِلَيْهَا فَلَمْ يَفْعَلُوا. دَعَاهُمْ أَوَّلَ الْأَمْرِ إِلَى الْإِتْيَانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ فَقَالَ:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [هُودٍ: ١٣، ١٤] . ثُمَّ اسْتَنْزَلَهُمْ إِلَى أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يُونُسَ: ٣٨، ٣٩] . ثُمَّ جَاءَ بِأَصْرَحَ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْذَرَهُمْ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِآتِينَ بِذَلِكَ فَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٣، ٢٤] : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الْآيَةَ. وَقَالَ:
وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [يُونُس: ٢٠] أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الْعَنْكَبُوتِ: ٥١] .
стр. 102
وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيءُ ﷺ ذَلِكَ
بِقَوْلِهِ: «مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيءٌ إِلَّا أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ
عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَانٍ جَلِيلَةٌ لَيْسَ هَذَا مَقَامُ بَيَانِهَا وَقَدْ شَرَحْتُهَا فِي تَعْلِيقِي عَلَى «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» الْمُسَمَّى: «النَّظَرُ الْفَسِيحُ عِنْدَ مَضَايِقِ الْأَنْظَارِ فِي الْجَامِعِ الصَّحِيحِ» .
فَالْقُرْآنُ اسْمٌ لِلْكَلَامِ الْمُوحَى بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ جُمْلَةُ الْمَكْتُوبِ فِي الْمَصَاحِفِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مِائَةٍ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سُورَةً، أُولَاهَا الْفَاتِحَةُ وَأُخْرَاهَا سُورَةُ النَّاسِ. صَارَ هَذَا الِاسْمُ عَلَمًا عَلَى هَذَا الْوَحْيِ. وَهُوَ عَلَى وَزْنِ فُعْلَانِ وَهِيَ زِنَةٌ وَرَدَتْ فِي أَسْمَاءِ الْمَصَادِرِ مِثْلَ غُفْرَانٍ، وَشُكْرَانٍ وَبُهْتَانٍ، وَوَرَدَتْ زِيَادَةُ النُّونِ فِي أَسْمَاءِ أَعْلَامٍ مِثْلَ عُثْمَانَ وَحَسَّانَ وَعَدْنَانَ. وَاسْمُ قُرْآنٍ صَالِحٌ لِلِاعْتِبَارَيْنِ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقِرَاءَةِ لِأَنَّ أول مَا بدىء بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الْوَحْيِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: ١] . وَقَالَ تَعَالَى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الْإِسْرَاء: ١٠٦] فَهَمْزَةُ قُرْآنٍ أَصْلِيَّةٌ وَوَزْنُهُ فُعْلَانٌ وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ عَلَى قِرَاءَةِ لَفْظِ قُرْآنٍ مَهْمُوزًا حَيْثُمَا وَقَعَ فِي التَّنْزِيلِ وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ إِلَّا ابْنُ كَثِيرٍ قَرَأَهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا أَلِفٌ عَلَى لُغَةِ تَخْفِيفِ الْمَهْمُوزِ وَهِيَ لُغَةٌ حِجَازِيَّةٌ، وَالْأَصْلُ تَوَافُقُ الْقِرَاءَاتِ فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ الْمُخْتَلَفِ فِي قِرَاءَتِهِ. وَقِيلَ هُوَ قُرْآنٌ بِوَزْنِ فَعَّالٍ، مِنَ الْقَرْنِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ أَيِ الْجَمْعِ بَيْنَهَا لِأَنَّهُ قُرِنَتْ سُوَرُهُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَكَذَلِكَ آيَاتُهُ وَحُرُوفُهُ وَسُمِّيَ كِتَابُ اللَّهِ قُرْآنًا كَمَا سُمِّيَ الْإِنْجِيلُ الْإِنْجِيلَ، وَلَيْسَ مَأْخُوذًا مِنْ قَرَأْتُ، وَلِهَذَا يُهْمَزُ قَرَأْتُ وَلَا يُهْمَزُ الْقُرْآنُ فَتَكُونُ قِرَاءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ جَارِيَةً عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ آخَرُ لِكِتَابِ اللَّهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قُرْآنَ جَمْعُ قَرِينَةٍ أَيِ اسْمُ جَمْعٍ، إِذْ لَا يُجْمَعُ مِثْلُ قَرِينَةٍ عَلَى وَزْنِ فُعَالٍ فِي التَّكْثِيرِ فَإِنَّ الْجُمُوعَ الْوَارِدَةَ عَلَى وَزْنِ فُعَالٍ مَحْصُورَةٌ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا، وَالْقَرِينَةُ الْعَلَامَةُ، قَالُوا لِأَنَّ آيَاتِهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَهِيَ قَرَائِنُ عَلَى الصِّدْقِ.
فَاسْمُ الْقُرْآنِ هُوَ الِاسْمُ الَّذِي جُعِلَ عَلَمًا عَلَى الْوَحْيِ الْمُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَلَمْ يَسْبِقْ أَنْ أُطْلِقَ عَلَى غَيْرِهِ قَبْلَهُ، وَهُوَ أَشْهَرُ أَسْمَائِهِ وَأَكْثَرُهَا وُرُودًا فِي آيَاتِهِ وَأَشْهَرُهَا دَوَرَانًا عَلَى أَلْسِنَةِ السَّلَفِ.
стр. 103
وَلَهُ أَسْمَاءٌ أُخْرَى هِيَ فِي الْأَصْلِ أَوْصَافٌ أَوْ أَجْنَاسٌ أَنْهَاهَا فِي «الْإِتْقَانِ» إِلَى نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ. وَالَّذِي اشْتُهِرَ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ مِنْهَا سِتَّةٌ: التَّنْزِيلُ، وَالْكِتَابُ، وَالْفُرْقَانُ، وَالذِّكْرُ، وَالْوَحْيُ، وَكَلَامُ اللَّهِ.
فَأَمَّا الْفُرْقَانِ فَهُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِمَا يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَهُوَ مَصْدَرٌ، وَقَدْ
وُصِفَ يَوْمَ بَدْرٍ بِيَوْمِ الْفُرْقَانِ وَأُطْلِقَ عَلَى الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ [الْفرْقَان: ١] وَقَدْ جُعِلَ هَذَا الِاسْمُ عَلَمًا عَلَى الْقُرْآنِ بِالْغَلَبَةِ مِثْلَ التَّوْرَاةِ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى وَالْإِنْجِيلِ عَلَى الْوَحْيِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى قَالَ تَعَالَى:
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ (١) إِلَى قَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [آل عمرَان: ٣، ٤] فَوَصَفَهُ أَوَّلًا بِالْكِتَابِ وَهُوَ اسْمُ الْجِنْسِ الْعَامِّ ثُمَّ عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الْفُرْقَانِ عَقِبَ ذِكْرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَهُمَا عَلَمَانِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْفُرْقَانَ عَلَمٌ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِ الْفُرْقَانَ أَنَّهُ امْتَازَ عَنْ بَقِيَّةِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ بِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يُعَضِّدُ هَدْيَهُ بِالدَّلَائِلِ وَالْأَمْثَالِ وَنَحْوِهَا، وَحَسْبُكَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ بَيَانِ التَّوْحِيدِ وَصِفَاتِ اللَّهِ مِمَّا لَا تَجِدُ مِثْلَهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] وَأَذْكُرُ لَكَ مِثَالًا يَكُونُ تَبْصِرَةً لَكَ فِي مَعْنَى كَوْنِ الْقُرْآنِ فُرْقَانًا وَذَلِكَ أَنَّهُ حَكَى صِفَةَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ الْوَارِدَةَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِقَوْلِهِ:
وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ الْآيَاتُ من سُورَة الْفَتْح (٢) [٢٩] فَلَمَّا وَصَفَهُمُ الْقُرْآنُ قَالَ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ الْآيَةَ- آلِ عِمْرَانَ [١١٠] فَجَمَعَ فِي هَاتِهِ الْجُمْلَةِ جَمِيعَ أَوْصَافِ الْكَمَالِ.
وَأَمَّا إِنِ افْتَقَدْتَ نَاحِيَةَ آيَاتِ أَحْكَامِهِ فَإِنَّكَ تَجِدُهَا مُبَرَّأَةً مِنَ اللَّبْسِ وَبَعِيدَةً عَنْ تَطَرُّقِ الشُّبْهَةِ، وَحَسْبُكَ قَوْلَهُ: فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا [النِّسَاء: ٣] فَإِنَّكَ لَا تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ جُمْلَةً تُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى بَلْهَ مَا فِي الْإِنْجِيلِ. وَهَذَا مِنْ مُقْتَضَيَاتِ كَوْنِ الْقُرْآنِ مُهَيْمِنًا عَلَى الْكُتُبِ السَّالِفَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [الْمَائِدَة: ٤٨] وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا فِي أَوَّلِ آلِ عِمْرَانَ.
وَأَمَّا التَّنْزِيلُ فَهُوَ مَصْدَرُ نَزَّلَ، أُطْلِقَ عَلَى الْمُنْزَلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ стр. 104
قَالَ تَعَالَى: تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت: ٢، ٣] وَقَالَ: تَنْزِيلُ الْكِتابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [السَّجْدَة: ٢] .
وَأَمَّا الْكِتَابُ فَأَصْلُهُ اسْمُ جِنْسٍ مُطْلَقٌ وَمَعْهُودٌ. وَبِاعْتِبَارِ عَهْدِهِ أُطْلِقَ عَلَى الْقُرْآنِ كَثِيرًا قَالَ تَعَالَى: ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [الْبَقَرَة: ٢] ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ [الْكَهْف: ١] وَإِنَّمَا سُمِّيَ كِتَابًا لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ جَامِعًا لِلشَّرِيعَةِ فَأَشْبَهَ التَّوْرَاةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً فِي زَمَنِ الرَّسُولِ الْمُرْسَلِ بِهَا، وَأَشْبَهَ الْإِنْجِيلَ الَّذِي لَمْ يُكْتَبْ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ وَلَكِنَّهُ كَتَبَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وأصحابهم، وَأَن اللَّهَ أَمَرَ رَسُولَهُ أَنْ يَكْتُبَ كُلَّ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْهُ لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَى الَّذِينَ يَدْخُلُونَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَتَلَقَّوْهُ بِحِفْظِ قُلُوبِهِمْ. وَفِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ مُعْجِزَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأَنَّ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ سَيُكْتَبُ فِي الْمَصَاحِفِ قَالَ تَعَالَى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها [الْأَنْعَام: ٩٢] ، وَقَالَ: وَهذا ذِكْرٌ (١) مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [الْأَنْبِيَاء: ٥٠] وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ اتَّخَذَ النَّبِيءُ ﷺ مِنْ أَصْحَابِهِ كُتَّابًا يَكْتُبُونَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ وَمن أَوَّلِ مَا ابْتُدِئَ نُزُولُهُ، وَمِنْ أَوَّلِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ. وَقَدْ وُجِدَ جَمِيعُ مَا حَفِظَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي قُلُوبِهِمْ عَلَى قَدْرِ مَا وَجَدُوهُ مَكْتُوبًا يَوْمَ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ بِكِتَابَةِ الْمُصْحَفِ.
وَأَمَّا الذِّكْرُ فَقَالَ تَعَالَى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النَّحْل: ٤٤] أَيْ لِتُبَيِّنَهُ لِلنَّاسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَذْكِيرٌ بِمَا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اعْتِقَادُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ.
وَأَمَّا الْوَحْيُ فَقَالَ تَعَالَى: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الْأَنْبِيَاء: ٤٥] وَوَجْهُ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ أَنَّهُ أُلْقِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ وَذَلِكَ الْإِلْقَاءُ يُسَمَّى وَحْيًا لِأَنَّهُ يُتَرْجِمُ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كَالْكَلَامِ الْمُتَرْجَمِ عَنْ مُرَادِ الْإِنْسَانِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَأْلِيفُ تَرَاكِيبِهِ مِنْ فِعْلِ الْبَشَرِ.
وَأَمَّا كَلَامُ اللَّهِ فَقَالَ تَعَالَى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التَّوْبَة: ٦] .
وَاعْلَمْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لَمَّا أَمَرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ وَكِتَابَتِهِ كَتَبُوهُ عَلَى الْوَرَقِ فَقَالَ لِلصَّحَابَةِ: الْتَمِسُوا اسْمًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ سُمُّوهُ إِنْجِيلًا فَكَرِهُوا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ النَّصَارَى، стр. 105
وَقَالَ بَعْضُهُمْ سَمُّوهُ السِّفْرَ فَكَرِهُوهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْيَهُودَ يُسَمُّونَ التَّوْرَاةَ السِّفْرَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: رَأَيْتُ بِالْحَبَشَةِ كِتَابًا يَدْعُونَهُ الْمُصْحَفَ فَسَمُّوهُ مُصْحَفًا (يَعْنِي أَنَّهُ رَأَى كِتَابًا غير الْإِنْجِيل) .
آيَات الْقُرْآن
الْآيَةُ: هِيَ مِقْدَارٌ مِنَ الْقُرْآنِ مُرَكَّبٌ وَلَوْ تَقْدِيرًا أَوْ إِلْحَاقًا، فَقَوْلِي وَلَوْ تَقْدِيرًا لِإِدْخَالِ قَوْلِهِ تَعَالَى: مُدْهامَّتانِ [الرَّحْمَن: ٦٤] إِذِ التَّقْدِيرُ هُمَا مُدْهَامَّتَانِ، وَنَحْو: وَالْفَجْرِ [الْفجْر:
١] إِذِ التَّقْدِيرُ أُقْسِمُ بِالْفَجْرِ. وَقَوْلِي أَوْ إِلْحَاقًا: لِإِدْخَالِ بَعْضِ فَوَاتِحِ السُّوَرِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فَقَدْ عُدَّ أَكْثَرُهَا فِي الْمَصَاحِفِ آيَاتٌ مَا عَدَا: الر، وَالمر، وَطس، وَذَلِكَ أَمْرٌ تَوْقِيفِيٌّ وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ وَلَا يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا.
وَتَسْمِيَةُ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ آيَاتٌ هُوَ مِنْ مُبْتَكَرَاتِ الْقُرْآنِ، قَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ [آل عمرَان: ٧] وَقَالَ: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود: ١] . وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ آيَةً لِأَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا مُوحًى بِهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَى النَّبِيءِ ﷺ لِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى مَا هُوَ مِنَ الْحَدِّ الْأَعْلَى فِي بَلَاغَةِ نَظْمِ الْكَلَامِ، وَلِأَنَّهَا لِوُقُوعِهَا مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ جُعِلَتْ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَلَيْسَ مِنْ تَأْلِيفِ الْبَشَرِ إِذْ قد تحدّى النَّبِي بِهِ أَهْلَ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ فَعَجَزُوا عَنْ تَأْلِيفِ مِثْلِ سُورَةٍ مِنْ سُوَرِهِ. فَلِذَا لَا يَحِقُّ لِجُمَلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَنْ تُسَمَّى آيَاتٍ إِذْ لَيْسَتْ فِيهَا هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةُ فِي اللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ وَالْآرَامِيَّةِ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي: «فَوَضَعَ الَّذِي نَشَرَ التَّوْرَاةَ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ» فَذَلِكَ تَعْبِيرٌ غَلَبَ عَلَى لِسَانِ الرَّاوِي عَلَى وَجْهِ الْمُشَاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ تَشْبِيهًا بِجُمَلِ الْقُرْآنِ، إِذْ لَمْ يَجِدْ لَهَا اسْمًا يُعَبِّرُ بِهِ عَنْهَا.
وَتَحْدِيدُ مَقَادِيرِ الْآيَاتِ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وَقَدْ تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّخْيِيرِ فِي حَدِّ تِلْكَ الْآيَاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيهَا الرِّوَايَةُ فِي تَعْيِينِ مُنْتَهَاهَا وَمُبْتَدَإِ مَا بَعْدَهَا، فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيءِ ﷺ عَلَى عِلْمٍ مِنْ تَحْدِيدِ الْآيَاتِ. قُلْتُ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ السَّبْعُ الْمَثَانِي أَيِ السَّبْعُ الْآيَاتِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ قَرَأَ الْعَشْرَ الْخَوَاتِمَ مِنْ آخَرِ آلِ عِمْرَانَ»
، وَهِيَ الْآيَاتُ الَّتِي
стр. 106
أَوَّلُهَا: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [آل عمرَان: ١٩] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي عصر النبوءة وَمَا بَعْدَهُ يُقَدِّرُونَ تَارَةً بَعْضَ الْأَوْقَاتِ بِمِقْدَارِ مَا يَقْرَأُ الْقَارِئُ عَدَدًا مِنَ الْآيَاتِ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ سُحُورِ النَّبِيءِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِقْدَارُ مَا يَقْرَأُ الْقَارِئُ خَمْسِينَ آيَةً.
قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْن الْعَرَبِيِّ: «وَتَحْدِيدُ الْآيَةِ مِنْ مُعْضِلَاتِ الْقُرْآنِ، فَمِنْ آيَاتِهِ طَوِيلٌ
وَقَصِيرٌ، وَمِنْهُ مَا يَنْقَطِعُ وَمِنْهُ مَا يَنْتَهِي إِلَى تَمَامِ الْكَلَامِ» ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «الْآيَاتُ عِلْمٌ تَوْقِيفِيٌّ» .
وَأَنَا أَقُولُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ تَعْيِينُ مِقْدَارِ الْآيَةِ تَبَعًا لِانْتِهَاءِ نُزُولِهَا، وَأَمَارَتُهُ وُقُوعُ الفاصلة.
وَالَّذِي استخصلته أَنَّ الْفَوَاصِلَ هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تَتَمَاثَلُ فِي أَوَاخِرِ حُرُوفِهَا أَوْ تَتَقَارَبُ، مَعَ تَمَاثُلِ أَوْ تَقَارُبِ صِيَغِ النُّطْقِ بِهَا وَتُكَرَّرُ فِي السُّورَةِ تَكَرُّرًا يُؤْذِنُ بِأَنَّ تَمَاثُلَهَا أَوْ تَقَارُبَهَا مَقْصُودٌ مِنَ النّظم فِي آيَاته كَثِيرَةٍ مُتَمَاثِلَةٍ، تَكْثُرُ وَتَقِلُّ، وَأَكْثَرُهَا قَرِيبٌ مِنَ الْأَسْجَاعِ فِي الْكَلَامِ الْمَسْجُوعِ. وَالْعِبْرَةُ فِيهَا بِتَمَاثُلِ صِيَغِ الْكَلِمَاتِ مِنْ حَرَكَاتٍ وَسُكُونٍ وَهِيَ أَكْثَرُ شَبَهًا بِالْتِزَامِ مَا لَا يَلْزَمُ فِي الْقَوَافِي. وَأَكْثَرُهَا جَارٍ عَلَى أُسْلُوبِ الْأَسْجَاعِ.
وَالَّذِي اسْتَخْلَصْتُهُ أَيْضًا أَنَّ تِلْكَ الْفَوَاصِلَ كُلَّهَا مُنْتَهَى آيَاتٍ وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ لَمْ يَتِمَّ فِيهِ الْغَرَضُ الْمَسُوقُ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ إِذَا انْتَهَى الْغَرَضُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْكَلَامِ وَلَمْ تَقَعْ عِنْدَ انْتِهَائِهِ فَاصِلَةٌ لَا يَكُونُ مُنْتَهَى الْكَلَامِ نِهَايَةَ آيَةٍ إِلَّا نَادِرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص: ١] ، فَهَذَا الْمِقْدَارُ عَدُّ آيَةٍ وَهُوَ لَمْ يَنْتَهِ بِفَاصِلَةٍ، وَمِثْلُهُ نَادِرٌ، فَإِنَّ فَوَاصِلَ تِلْكَ الْآيَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ أُقِيمَتْ عَلَى حرف مَفْتُوح بعد أَلِفُ مَدٍّ بَعْدَهَا حَرْفٌ، مِثْلَ:
شِقَاقٍ، مَنَاصٍ، كَذَّابٍ، عُجَابٍ.
وَفَوَاصِلُ بُنِيَتْ عَلَى حَرْفٍ مَضْمُومٍ مُشْبَعٍ بِوَاوٍ، أَوْ عَلَى حَرْفٍ مَكْسُورٍ مُشْبَعٍ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ، وَبَعْدَ ذَلِكَ حَرْفٌ، مِثْلَ: أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٨] إِذْ يَسْتَمِعُونَ [الْإِسْرَاء:
٤٧] ، نَذِيرٌ مُبِينٌ [الْأَعْرَاف: ١٨٤] ، مِنْ طِينٍ [الْأَنْعَام: ٢] .
فَلَوِ انْتَهَى الْغَرَضُ الَّذِي سِيقَ لَهُ الْكَلَامُ، وَكَانَتْ فَاصِلَةٌ تَأْتِي بَعْدَ انْتِهَاءِ الْكَلَامِ تَكُونُ
стр. 107
الْآيَةُ غَيْرَ مُنْتَهِيَةٍ وَلَوْ طَالَتْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلَى قَوْلِهِ:
وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ [ص: ٢٤] ، فَهَذِهِ الْجُمَلُ كُلُّهَا عُدَّتْ آيَةً وَاحِدَةً.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْفَوَاصِلَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْإِعْجَازِ لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى مُحَسِّنَاتِ الْكَلَامِ وَهِيَ مِنْ جَانِبِ فَصَاحَةِ الْكَلَامِ، فَمِنَ الْغَرَضِ الْبَلَاغِيِّ الْوُقُوفُ عِنْدَ الْفَوَاصِلِ لِتَقَعَ فِي الْأَسْمَاعِ فَتَتَأَثَّرَ نُفُوسُ السَّامِعِينَ بِمَحَاسِنِ ذَلِكَ التَّمَاثُلِ، كَمَا تَتَأَثَّرُ بِالْقَوَافِي فِي الشِّعْرِ وَبِالْأَسْجَاعِ فِي الْكَلَامِ الْمَسْجُوعِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ بالقوافي وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ [غَافِر: ٧١] فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [غَافِر: ٧٢] ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ
أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ [غَافِر: ٧٣] مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَى آخَرِ الْآيَاتِ. فَقَوْلُهُ: فِي الْحَمِيمِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: يُسْحَبُونَ وَقَوْلُهُ: مِنْ دُونِ اللَّهِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تُشْرِكُونَ. وَيَنْبَغِي الْوَقْفُ عِنْدَ نِهَايَةِ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ آيَةٌ. وَقَوْلُهُ: مِنْ دُونِهِ ابْتِدَاءُ الْآيَةِ بَعْدَهَا فِي سُورَةِ هُودٍ [٥٤] .
أَلَا تَرَى أَنَّ مِنَ الْإِضَاعَةِ لِدَقَائِقِ الشِّعْرِ أَنْ يُلْقِيَهُ مُلْقِيهِ عَلَى مَسَامِعِ النَّاسِ دُونَ وَقْفٍ عِنْدَ قَوَافِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ إِضَاعَةٌ لِجُهُودِ الشُّعَرَاءِ، وَتَغْطِيَةٌ عَلَى مَحَاسِنِ الشِّعْرِ، وَإِلْحَاقٌ لِلشِّعْرِ بالنثر. وإنّ الْفَاء السَّجْعِ دُونَ وُقُوفٍ عِنْدَ أَسْجَاعِهِ هُوَ كَذَلِكَ لَا مَحَالَةَ. وَمِنَ السَّذَاجَةِ أَنْ يَنْصَرِفَ مُلْقِي الْكَلَامِ عَنْ مُحَافَظَةِ هَذِهِ الدَّقَائِقِ فَيَكُونَ مُضَيِّعًا لِأَمْرٍ نَفِيسٍ أَجْهَدَ فِيهِ قَائِلُهُ نَفْسَهَ وَعِنَايَتَهُ. وَالْعِلَّةُ بِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ لِلسَّامِعِينَ مَعَانِيَ الْكَلَامِ، فُضُولٌ، فَإِنَّ الْبَيَانَ وَظِيفَةُ مُلْقِي دَرْسٍ لَا وَظِيفَةُ مُنْشِدِ الشِّعْرِ، وَلَوْ كَانَ هُوَ الشَّاعِرَ نَفْسَهُ.
وَفِي «الْإِتْقَانِ» عَنْ أَبِي عَمْرٍو قَالَ بَعْضُهُمْ: الْوَقْف على رُؤُوس الْآيِ سُنَّةٌ. وَفِيهِ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ فِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ» : الْأَفْضَلُ الْوَقْف على رُؤُوس الْآيَاتِ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِمَا بَعْدَهَا اتِّبَاعًا لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسُنَّتِهِ،
وَفِي «سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ» عَنْ أُمِّ سَلمَة أنّ النبيء ﷺ كَانَ إِذَا قَرَأَ قَطَّعَ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. ثُمَّ يَقِفُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. ثُمَّ يَقِفُ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الْفَاتِحَة: ١- ٣] ثُمَّ يَقِفُ.
стр. 108
عَلَى أَنَّ وَرَاءَ هَذَا وُجُوبَ اتِّبَاعِ الْمَأْثُورِ مِنْ تَحْدِيدِ الْآيِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَصُدُّنَا عَنْ مُحَاوَلَةِ ضَوَابِطَ تَنْفَعُ النَّاظِرَ وَإِنْ شَذَّ عَنْهَا مَا شَذَّ.
أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِهَا بَعْضُ السُّورِ قَدْ عُدَّ بَعْضُهَا آيَاتٍ مِثْلَ: الم، المص، كهيعص، عسق، طسم، يس، حم، طه. وَلَمْ تُعَدَّ: الر، المر، طس، ص، ق، ن، آيَاتٍ.
وَآيَاتُ الْقُرْآنِ مُتَفَاوِتَةٌ فِي مَقَادِيرِ كَلِمَاتِهَا فَبَعْضُهَا أَطْوَلُ مِنْ بَعْضٍ وَلِذَلِكَ فَتَقْدِيرُ الزَّمَانِ بِهَا فِي قَوْلِهِمْ مِقْدَارُ مَا يَقْرَأُ الْقَارِئُ خَمْسِينَ آيَةً مَثَلًا، تَقْدِيرٌ تَقْرِيبِيٌّ، وَتَفَاوُتُ الْآيَاتِ فِي الطُّولِ تَابِعٌ لِمَا يَقْتَضِيهِ مَقَامُ الْبَلَاغَةِ مِنْ مَوَاقِعِ كَلِمَاتِ الْفَوَاصِلِ عَلَى حَسَبِ مَا قَبْلَهَا مِنَ الْكَلَامِ.
وَأَطْوَلُ آيَةٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى قَوْلِهِ:
وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فِي سُورَةِ الْفَتْحِ [٢٥] ، وَقَوْلُهُ: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ إِلَى قَوْلِهِ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٠٢] .
وَدُونَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٢٣] .
وَأَقْصَرُ آيَةٍ فِي عَدَدِ الْكَلِمَاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: مُدْهامَّتانِ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ [٦٤] وَفِي عَدَدِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ قَوْله: طه [طه: ١] .
وَأَمَّا وُقُوفُ الْقُرْآنِ فَقَدْ لَا تُسَايِرُ نِهَايَاتِ الْآيَاتِ، وَلَا ارْتِبَاطَ لَهَا بِنِهَايَاتِ الْآيَاتِ فَقَدْ يَكُونُ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ عِدَّةُ وُقُوفٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ (وَقْفٌ) وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ (وَقْفٌ) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (وَقْفٌ، وَمُنْتَهَى الْآيَةِ) فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ [٤٧] .
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْوُقُوفِ فِي آخِرِ هَذَا الْمَبْحَثِ.
فَأَمَّا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهِ مِنْ عَدَدِ آيَاتِ الْقُرْآنِ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي نِهَايَةِ بَعْضِهَا، فَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ ذَلِكَ عَنِ اخْتِلَافٍ فِي الرِّوَايَةِ كَمَا قَدَّمْنَا آنِفًا، وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ عَنِ اخْتِلَافِ الِاجْتِهَادِ.
قَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِي فِي كِتَابِ «الْعَدَدِ» : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَدَدَ آيَاتِ الْقُرْآنِ يَبْلُغُ سِتَّةَ آلَافِ آيَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَزِدْ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ وَمِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِ
стр. 109
آيَاتٍ، وَقِيلَ: وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: وَسِتًّا وَثَلَاثِينَ، وَقيل: وسِتمِائَة وَسِتَّة عَشْرَةَ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي «شَرْحِ الْبُرْهَانِ» : قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: قَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَدَدِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْمَدِينَةِ وَالشَّامِ عَلَى تَرْكِ عَدِّ الْبَسْمَلَةِ آيَةً فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي عَدِّهَا وَتَرْكِهَا فِي سُورَةِ الْحَمْدِ لَا غَيْرَ، فَعَدَّهَا آيَةً الْكُوفِيُّ وَالْمَكِّيُّ وَلَمْ يَعُدَّهَا آيَةً الْبَصْرِيُّ وَلَا الشَّامِيُّ وَلَا الْمَدَنِيُّ. وَفِي «الْإِتْقَانِ» كَلَامٌ فِي الضَّابِطِ الْأَوَّلِ مِنَ الضَّوَابِطِ غَيْرُ مُحَرِّرٍ وَهُوَ آيِلٌ إِلَى مَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ، وَرَأَيْتُ فِي عَدِّ بَعْضِ السُّورِ أَنَّ الْمُصْحَفَ الْمَدَنِيَّ عَدَّ آيَهَا أَكْثَرَ مِمَّا فِي الْكُوفِيِّ، وَلَوْ عَنَوْا عَدَّ الْبَسْمَلَةِ لَكَانَ الْكُوفِيُّ أَكْثَرَ.
وَكَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ عددان، يعرف أحد هما بِالْأَوَّلِ وَيُعْرَفُ الْآخَرُ بِالْأَخِيرِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ تَصَدَّوْا لِعَدِّ الْآيِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ هُمْ: أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ،
وَأَبُو نِصَاحٍ شَيْبَةُ بْنُ نِصَاحٍ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ السُّلَمِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ كَثِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقَدِ اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ عَلَى عَدَدٍ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْعَدَدِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ خَالَفَهُمْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ بِعَدَدٍ انْفَرَدَ بِهِ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْعَدَدُ الثَّانِي، وَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا يُنْسَبُ إِلَى أَيُّوبَ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ الْبَصْرِيِّ الْمُتَوَفِّي سَنَةَ ٢٠٠.
وَلِأَهْلِ مَكَّةَ عَدَدٌ وَاحِدٌ، وَرُبَّمَا اتَّفَقُوا فِي عَدَدِ آيِ السُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَرُبَّمَا اخْتَلَفُوا، وَقَدْ يُوجَدُ اخْتِلَافٌ تَارَةً فِي مَصَاحِفِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ، كَمَا نَجِدُ فِي «تَفْسِيرِ الْمَهْدَوِيِّ» وَفِي كُتُبِ عُلُومِ الْقُرْآنِ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ الْمُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ فِي بَعْضِ السُّور عدد آياتها فِي الْمُصْحَفِ الْفُلَانِيِّ كَذَا. وَقَدْ كَانَ عَدَدُ آيِ السُّوَرِ مَعْرُوفًا فِي زمن النَّبِي ﷺ .
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ آخِرُ آيَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [الْبَقَرَة: ٢٨١] الْآيَةَ قَالَ جِبْرِيل للنبيء ﷺ ضَعْهَا فِي رَأْسِ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَاسْتَمَرَّ الْعَمَلُ بِعَدِّ الْآيِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، فَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٤٠] : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ الْآيَةَ.
стр. 110
تَرْتِيب الْآي وَأَمَّا تَرْتِيبُ الْآيِ بَعْضِهَا عَقِبَ بَعْضٍ فَهُوَ بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ حَسَبَ نُزُولِ الْوَحْيِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا آيَاتٍ فَرُبَّمَا نَزَلَتْ عِدَّةُ آيَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ أَوْ سُورَةٍ كَامِلَةٍ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، وَذَلِكَ التَّرْتِيبُ مِمَّا يَدْخُلُ فِي وُجُوهِ إِعْجَازِهِ مِنْ بَدَاعَةِ أُسْلُوبِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُقَدِّمَةِ الْعَاشِرَةِ، فَلِذَلِكَ كَانَ تَرْتِيبُ آيَاتِ السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى مَا بَلَغَتْنَا عَلَيْهِ مُتَعَيِّنًا بِحَيْثُ لَوْ غُيِّرَ عَنْهُ إِلَى تَرْتِيبٍ آخر لنزل عَن حَدِّ الْإِعْجَازِ الَّذِي امْتَازَ بِهِ، فَلَمْ تَخْتَلِفْ قِرَاءَةُ النَّبِيءِ ﷺ فِي تَرْتِيبِ آيِ السُّوَرِ عَلَى نَحْوِ مَا هُوَ فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، وَهُوَ مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَة الْحَافِظ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْعَرْضَاتِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهَا النَّبِيءُ ﷺ فِي أَوَاخِرِ سِنِيِّ حَيَاتِهِ الشَّرِيفَةِ، وَحَسْبُكَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حِينَ كَتَبَ الْمُصْحَفَ لِأَبِي بَكْرٍ لَمْ يُخَالِفْ فِي تَرْتِيبِ آيِ الْقُرْآنِ.
وَعَلَى تَرْتِيبِ قِرَاءَةِ النَّبِيءِ ﷺ فِي الصَّلَوَاتِ الْجَهْرِيَّةِ وَفِي عَدِيدِ الْمُنَاسَبَاتِ حَفِظَ الْقُرْآنَ كُلُّ مَنْ حَفِظَهُ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، وَلَيْسَ لَهُمْ مُعْتَمَدٌ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا عُرِفُوا بِهِ مِنْ قُوَّةِ الْحَوَافِظِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ كُتَّابُ الْوَحْيِ يَكْتُبُونَ مَا أُنْزِلَ مِنَ
الْقُرْآنِ بِأَمْرِ النبيء ﷺ ، وَذَلِكَ بِتَوْفِيق إِلَهِيٍّ. وَلَعَلَّ حِكْمَةَ الْأَمْرِ بِالْكِتَابَةِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهَا الْمُسلمُونَ عِنْد مَا يَحْدُثُ لَهُمْ شَكٌّ أَوْ نِسْيَانٌ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ.
وَلَمَّا جُمِعَ الْقُرْآنُ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ تَرَدَّدُوا فِي تَرْتِيبِ آيَاتٍ مِنْ إِحْدَى السُّوَرِ وَلَا أُثِرَ عَنْهُمْ إِنْكَارٌ أَوِ اخْتِلَافٌ فِيمَا جُمِعَ مِنَ الْقُرْآنِ فَكَانَ مُوَافِقًا لِمَا حَفِظَتْهُ حَوَافِظُهُمْ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: إِنَّمَا أُلِّفَ الْقُرْآنُ عَلَى مَا كَانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ كَانَتِ الْآيَةُ تَنْزِلُ جَوَابًا لِمُسْتَخْبِرٍ يَسْأَلُ وَيُوقِفُ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَوْضِعِ الْآيَةِ.
وَاتِّسَاقُ الْحُرُوفِ وَاتِّسَاقُ الْآيَاتِ وَاتِّسَاقُ السُّوَرِ كُلُّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَلِهَذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي آيِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ بَين الْآيَة وَلَا حقتها تَنَاسُبٌ فِي الْغَرَضِ أَوْ فِي الِانْتِقَالِ مِنْهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَسَالِيبِ الْكَلَامِ الْمُنْتَظِمِ الْمُتَّصِلِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُودُ
следующие страницы →