← Тафсир

Тафсир · id 9776

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير

ابن عاشور

Полный текст (11 044 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

وَعَبَّرَ عَنْ إِقْبَالِهِمْ بِصِيغَةِ الْمُضِيِّ وَهُوَ مِمَّا سَيَقَعُ فِي الْقِيَامَةِ، تَنْبِيهًا عَلَى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ لِأَنَّ لِذَلِكَ مَزِيدَ تَأْثِيرٍ فِي تَحْذِيرِ زُعَمَائِهِمْ مِنَ التَّغْرِيرِ بِهِمْ، وَتَحْذِيرِ دهمائهم من الاغترار بِتَغْرِيرِهِمْ، مَعَ أَنَّ قَرِينَةَ الِاسْتِقْبَالِ ظَاهِرَةٌ مِنَ السِّيَاقِ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ [الصافات: ١٩] الْآيَةَ. وَالْإِقْبَالُ: الْمَجِيءُ مِنْ جِهَةٍ قِبَلَ الشَّيْءِ، أَيْ مِنْ جِهَةِ وَجْهِهِ وَهُوَ مَجِيءُ الْمُتَجَاهِرِ بِمَجِيئِهِ غَيْرِ الْمُتَخَتِّلِ الْخَائِفِ. وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِلْقَصْدِ بِالْكَلَامِ وَالِاهْتِمَامِ بِهِ كَأَنَّهُ جَاءَهُ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ. فَحَاصِلُ الْمَعْنَى حِكَايَةُ عِتَابٍ وَلَوْمٍ تَوَجَّهَ بِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا عَلَى قَادَتِهِمْ وَزُعَمَائِهِمْ، وَدَلَالَةُ التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْإِتْيَانُ أُطْلِقُ عَلَى الدَّعَايَةِ وَالْخَطَابَةِ فِيهِمْ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ يَتَضَمَّنُ الْقَصْدَ دُونَ إِرَادَةِ مَجِيءٍ، كَقَوْلِ النَّابِغَةِ: أتَاكَ امْرِؤٌ مُسْتَبْطِنٌ لِي بِغَضَّةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِعْمَالُهُ وَاسْتِعْمَالُ مُرَادِفِهِ وَهُوَ الْمَجِيءُ مَعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ الْآيَةُ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [٦٣، ٦٤] . أَوْ أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ مُرَادًا بِهِ جِهَةَ الْخَيْرِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُضِيفُ الْخَيْرَ إِلَى جِهَةِ الْيَمِينِ. وَقَدِ اشْتُقَّتْ مِنَ الْيُمْنِ وَهُوَ الْبَرَكَةُ، وَهِيَ مُؤْذِنَةٌ بِالْفَوْزِ بِالْمَطْلُوبِ عِنْدَهُمْ. وَعَلَى ذَلِكَ جَرَتْ عَقَائِدُهُمْ فِي زَجْرِ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ مِنَ التَّيَمُّنِ بِالسَّانِحِ، وَهُوَ الْوَارِدُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِ السَّائِرِ، وَالتَّشَاؤُمِ، أَيْ تَرَقُّبِ وُرُودِ الشَّرِّ مِنْ جِهَةِ الشِّمَالِ. وَكَانَ حَقُّ فِعْلِ تَأْتُونَنا أَنْ يُعَدَّى إِلَى جِهَةِ الْيَمِينِ بِحَرْفِ «مِنْ» فَلَمَّا عُدِّيَ بِحَرْفِ عَنِ الَّذِي هُوَ للمجاوزة تَعَيَّنَ تَضْمِينُ تَأْتُونَنا مَعْنَى «تَصُدُّونَنَا» لِيُلَائِمَ مَعْنَى الْمُجَاوَزَةِ، أَيْ تَأْتُونَنَا صَادِّينَنَا عَنِ الْيَمِينِ، أَيْ عَنِ الْخَيْرِ. فَهَذَا وَجْهُ تَفْسِيرِ الْآيَةِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَقَدِ اضْطَرَبَ كَثِيرٌ فِي تَفْسِيرِهَا. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَا خُلَاصَتُهُ: اضْطَرَبَ الْمُتَأَوِّلُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِمْ: عَنِ الْيَمِينِ فَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الْجَنَّةِ وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي هِيَ تَفْسِيرٌ بِالْمَعْنَى وَلَا تَخْتَصُّ بِنَفْسِ اللَّفْظَةِ، وَبَعْضُهُمْ أَيْضًا نَحَا فِي تَفْسِيرِهِ إِلَى مَا يَخُصُّ اللَّفْظَةَ فَتَحَصَّلَ مِنْ ذَلِكَ مَعَانٍ مِنْهَا: أَنْ يُرِيدَ بِالْيَمِينِ الْقُوَّةَ وَالشِّدَّةَ (قُلْتُ وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْفَرَّاءِ)

стр. 7842

فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تُغْرُونَنَا بِقُوَّةٍ مِنْكُمْ، وَمِنَ الْمَعَانِي الَّتِي تَحْتَمِلُهَا الْآيَةُ أَنْ يُرِيدُوا: تَأْتُونَنَا مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي يُحْسِنُهَا تَمْوِيهُكُمْ وَإِغْوَاؤُكُمْ وَتُظْهِرُونَ فِيهَا أَنَّهَا جِهَةُ الرُّشْدِ (وَهُوَ عَنِ الزَّجَّاجِ وَالْجُبَّائِيِّ) وَمِمَّا تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ أَنْ يُرِيدُوا: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا، أَيْ تَقْطَعُونَ بِنَا عَنْ أَخْبَارِ الْخَيْرِ وَالْيُمْنِ، فَعَبَّرُوا عَنْهَا بِالْيَمِينِ، وَمِنَ الْمَعَانِي أَنْ يُرِيدُوا: أَنَّكُمْ تَجِيئُونَ مِنْ جِهَةِ الشَّهَوَاتِ وَعَدَمِ النَّظَرِ لِأَنَّ جِهَةَ يَمِينِ الْإِنْسَانِ فِيهَا كَبِدُهُ وَجِهَةَ شَمَالِهِ فِيهَا قَلْبُهُ وَأَنَّ نَظَرَ الْإِنْسَانِ فِي قَلْبِهِ وَقِيلَ: تحلفون لنا ا. هـ. وَجَوَابُ الزُّعَمَاءِ بِقَوْلِهِمْ: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إِضْرَابُ إِبْطَالٍ لِزَعْمِ الْأَتْبَاعِ أَنَّهُمُ الَّذِينَ صَدُّوهُمْ عَنْ طَرِيقِ الْخَيْرِ أَيْ بَلْ هُمْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ الْإِيمَانَ لِأَنَّ تَسْلِيطَ النَّفْيِ عَلَى فِعْلِ الْكَوْنِ دُونَ أَنْ يُقَالَ: بَلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْإِيمَانَ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِمْ، أَيْ بَلْ كُنْتُمْ أَنْتُمُ الْآبِينَ قَبُولَ الْإِيمَانِ. وَمَا كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أَيْ مِنْ قَهْرٍ وَغَلَبَةٍ حَتَّى نُكْرِهَكُمْ عَلَى رَفْضِ الْإِيمَانِ، وَلِذَلِكَ أَكَّدُوا هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِمْ: بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ، أَيْ كَانَ الطُّغْيَانُ وَهُوَ التَّكَبُّرُ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ رَجُلٍ مِنْكُمْ شَأْنَكُمْ وَسَجِيَّتَكُمْ، فَلِذَلِكَ أَقْحَمُوا لَفْظَ قَوْماً بَيْنَ «كَانَ» وَخَبَرِهَا لِأَنَّ اسْتِحْضَارَهُمْ بِعُنْوَانِ الْقَوْمِيَّةِ فِي الطُّغْيَانِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الطُّغْيَانَ مِنْ مُقَوِّمَاتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٦٤] . وَفَرَّعُوا عَلَى كَلَامِهِمُ اعْتِرَافَهَمْ بِأَنَّهُمْ جَمِيعًا اسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ فَقَوْلُهُمْ: فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ، تَفْرِيعُ الِاعْتِرَاضِ، أَيْ كَانَ أَمْرُ رَبِّنَا بِإِذَاقَتِنَا عَذَابَ جَهَنَّمَ حَقًّا. وَفِعْلُ «حَقَّ» بِمَعْنَى ثَبَتَ. وَجُمْلَةُ إِنَّا لَذائِقُونَ بَيَانٌ لِ قَوْلُ رَبِّنا. وَحُكِيَ الْقَوْلُ بِالْمَعْنَى عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ وَلَوْلَا الِالْتِفَاتُ لَقَالَ: إِنَّكُمْ لَذَائِقُونَ أَوْ إِنَّهُمْ لَذَائِقُونَ. وَنُكْتَةُ الِالْتِفَاتِ زِيَادَةُ التَّنْصِيصِ عَلَى الْمَعْنِيِّ بِذَوْقِ الْعَذَابِ. وَحُذِفَ مَفْعُولُ «ذَائِقُونَ» لِدَلَالَةِ الْمَقَامِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَمْرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٢٣] .

стр. 7843

وَفَرَّعُوا عَلَى مَضْمُونِ رَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إِلَى قَوْماً طاغِينَ قَوْلَهُمْ: فَأَغْوَيْناكُمْ، أَيْ مَا أَكْرَهْنَاكُمْ عَلَى الشِّرْكِ وَلَكِنَّا وَجَدْنَاكُمْ مُتَمَسِّكِينَ بِهِ وَرَاغِبِينَ فِيهِ فَأَغْوَيْنَاكُمْ، أَيْ فَأَيَّدْنَاكُمْ فِي غوايتكم لأنّا كُنَّا غَاوِينَ فَسَوَّلْنَا لَكُمْ مَا اخْتَرْنَاهُ لِأَنْفُسِنَا فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ مَوْقِعُ الْعِلَّةِ. وَ «إِنَّ» مُغْنِيَةٌ غَنَاءَ لَامِ التَّعْلِيلِ وَفَاءِ التَّفْرِيعِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَزِيَادَةُ كُنَّا لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَمْكِينِ الْغَوَايَةِ مِنْ نُفُوسِهِمْ، وَقَدِ اسْتَبَانَ لَهُمْ أَنَّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ غَوَايَةٌ فَأَقَرُّوا بِهَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ [١٠١] : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ أَنَّ تَسَاؤُلَهُمُ الْمَنْفِيَّ هُنَالِكَ هُوَ طَلَبُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ النَّجْدَةَ وَالنُّصْرَةَ وَأَنَّ تَسَاؤُلَهُمْ هُنَا تَسَاؤُلٌ عَنْ أَسْبَابِ وَرْطَتِهِمْ فَلَا تَعَارُضَ بَين الْآيَتَيْنِ. [٣٣- ٣٤] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ٣٣ إِلَى ٣٤] فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) هَذَا الْكَلَامُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى موجه إِلَى النبيء ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اعْتِرَاضًا بَيْنَ حِكَايَةِ حِوَارِ اللَّهِ أَهْلَ الشِّرْكِ فِي الْقِيَامَةِ وَبَيْنَ تَوْبِيخِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِقَوْلِهِ: إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ [الصافات: ٣٨] . وَالْفَاءُ لِلْفَصِيحَةِ لِأَنَّهَا وَرَدَتْ بَعْدَ تَقْرِيرِ أَحْوَالٍ وَكَانَ مَا بَعْدَ الْفَاءِ نَتِيجَةً لِتِلْكَ الْأَحْوَالِ فَكَانَتِ الْفَاءُ مُفْصِحَةً عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ إِذَا كَانَ حَالُهُمْ كَمَا سَمِعْتُمْ فَإِنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الشِّرْكِ وَتَمَالُئِهِمْ، أَيْ لَا عُذْرَ لِلْكَلَامِ لِلْفَرِيقَيْنِ لَا لِلزُّعَمَاءِ بِتَسْوِيلِهِمْ وَلَا لِلدَّهْمَاءِ بِنَصْرِهِمْ. وَقَدْ يَكُونُ عَذَابُ الدُّعَاةِ الْمُغْوِينَ أَشَدَّ مِنْ عَذَابِ الْآخَرِينَ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الِاشْتِرَاك فِي جِنْسِ الْعَذَابِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةٌ أُخْرَى، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا بَيَانُ عَدَمِ إِجْدَاءِ مَعْذِرَةِ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ وَتَنَصُّلِهِ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمَلِ حِكَايَةِ مَوْقِفِهِمْ فِي الْحِسَابِ. وَجُمْلَةُ إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ تَعْلِيلٌ لِمَا اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي

стр. 7844

الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ أَيْ فَإِنَّ جَزَاءَ الْمُجْرِمِينَ يَكُونُ مِثْلَ ذَلِكَ الْجَزَاءِ فِي مُؤَاخَذَةِ التَّابِعِ الْمَتْبُوعِ. وَالْمُرَادُ بِالْمُجْرِمِينَ: الْمُشْرِكُونَ، أَيِ الْمُجْرِمِينَ مِثْلَ جُرْمِهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَتْهُ جُمْلَةُ إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات: ٣٥] . [٣٥- ٣٦] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ٣٥ إِلَى ٣٦] إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ أَفَادَ تَعْلِيلَ جَزَائِهِمْ وَبَيَانَ إِجْرَامِهِمْ بِذِكْرِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّكَبُّرِ عَنِ الِاعْتِرَافِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ وَمِنْ وصف الرَّسُول ﷺ بِمَا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ وَصْفًا يَرْمُونَ بِهِ إِلَى تَكْذِيبِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ. فَحَرْفُ (إِنَّ) هُنَا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ لِأَنَّ كَوْنَهُمْ كَذَلِكَ مِمَّا لَا مُنَازِعَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ فَلِذَلِكَ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ وَالرَّبْطَ وَتُغْنِي غَنَاءَ فَاءِ التَّفْرِيعِ. وَذُكِرَ فِعَلُ الْكَوْنِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ وَصْفٌ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُمْ فَهُوَ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ وَلَا هُمْ حَائِدُونَ عَنْهُ. وَمَعْنَى قِيلَ لَهُمْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الدَّعْوَةِ وَالتَّعْلِيمِ. وَفَاعِلُ الْقَوْلِ الْمَبْنِيُّ فِعْلُهُ للنائب هُوَ النبيء ﷺ فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. وَالِاسْتِكْبَارُ: شِدَّةُ الْكِبْرِ، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، أَيْ يَتَعَاظَمُونَ عَنْ أَنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ مِثْلِهِمْ، وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ السِّينَ وَالتَّاءَ لِلطَّلَبِ، أَيْ إِظْهَارِ التَّكَبُّرِ، أَيْ يَبْدُو عَلَيْهِمُ التَّكَبُّرُ وَالِاشْمِئْزَازُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ. وَيُقَارِنُ اسْتِكْبَارَهُمْ أَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا نَتْرُكُ آلِهَتَنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ، وَأَتَوْا بِالنَّفْيِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ إِظْهَارًا لِكَوْنِ مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الرَّسُول ﷺ أَمر مُنكر لَا يَطْمَعُ فِي قَبُولِهِمْ إِيَّاهُ، تَحْذِيرًا لِمَنْ يَسْمَعُ مَقَالَتَهُمْ مِنْ أَنْ يَجُولَ فِي خَاطِرِهِ تَأَمُّلٌ فِي قَول الرَّسُول ﷺ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَوَّوْا هَذَا التَّحْذِيرَ بِجَعْلِ حَرْفِ الْإِنْكَارِ مُسَلَّطًا على الْجُمْلَة الموكّدة بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ إِذَا أَتَوْا مَا أَنْكَرُوهُ كَانُوا قَدْ تَحَقَّقَ تَرْكُهُمْ آلِهَتَهِمْ تَنْزِيلًا لِبَعْضِ الْمُخَاطَبِينَ مَنْزِلَةَ مَنْ يَشُكُّ فِي أَنَّ

стр. 7845

الْإِيمَانَ بِتَوْحِيدِ الْإِلَهِ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ آلِهَتِهِمْ لِيَسُدُّوا عَلَى الْمُخَاطَبِينَ مَنَافِذَ التَّرَدُّدِ أَنْ يَتَطَرَّقَ مِنْهَا إِلَى خَوَاطِرِهِمْ. وَاللَّامُ فِي لِشاعِرٍ لَامُ الْعِلَّةِ وَالْأَجْلِ، أَيْ لِأَجْلِ شَاعِرٍ، أَيْ لِأَجْلِ دَعْوَتِهِ. وَقَوْلُهُمْ: «شَاعِرٍ مَجْنُونٍ» قَوْلٌ مُوَزَّعٌ، أَيْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: هُوَ شَاعِرٌ، وَبَعْضُهُمْ: هُوَ مَجْنُونٌ، أَوْ يَقُولُونَ مَرَّةً: شَاعِرٌ، وَمَرَّةً: مَجْنُونٌ، كَمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى كَذلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢] . [٣٧] [سُورَة الصافات (٣٧) : آيَة ٣٧] بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) اعْتِرَاضٌ فِي آخِرِ الِاعْتِرَاضِ قُصِدَتْ مِنْهُ الْمُبَادَرَةُ بتنزيه النبيء ﷺ عَمَّا قَالُوهُ. وبَلْ إِضْرَابُ إِبْطَالٍ لِقَوْلِهِمْ: لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات: ٣٦] وَبِإِثْبَاتِ صِفَتِهِ الْحَقِّ لِبَيَانِ حَقِيقَةِ مَا جَاءَ بِهِ. وَفِي وَصْفِ مَا جَاءَ بِهِ أَنَهُ الْحَقُّ مَا يَكْفِي لِنَفْيِ أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا وَمَجْنُونًا، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ مَا أَرَادُوا بِوَصْفِهِ بِشَاعِرٍ أَوْ مَجْنُونٍ إِلَّا التَّنْفِيرَ مِنَ اتِّبَاعِهِ فَمَثَّلُوهُ بِالشَّاعِرِ مِنْ قَبِيلَةٍ يَهْجُو أَعْدَاءَ قَبِيلَتِهِ، أَوْ بِالْمَجْنُونِ يَقُولُ مَا لَا يَقُولُهُ عُقَلَاءُ قَوْمِهِ، فَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ مُثْبِتًا لِكَوْنِ الرَّسُولِ عَلَى غَيْرِ مَا وَصَفُوهُ إِثْبَاتًا بِالْبَيِّنَةِ. وَأَتْبَعَ ذَلِكَ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأَنَّهُ مَا جَاءَ إِلَّا بِمِثْلِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ، فَكَانَ الْإِنْصَافُ أَنْ يُلْحِقُوهُ بِالْفَرِيقِ الَّذِي شَابَهَهُمْ دُونَ فَرِيقِ الشُّعَرَاءِ أَوِ الْمَجَانِينِ. وَتَصْدِيقُ الْمُرْسَلِينَ يَجْمَعُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول مُحَمَّد ﷺ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، لِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ تَقْرِيرًا لِمَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرَائِعُ السَّالِفَةُ فَهُوَ تَصْدِيقٌ لَهُ وَمُصَادَقَةٌ عَلَيْهِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِمَا جَاءَتْ بِهِ بَعْضُ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ، وَالْإِنْبَاءُ بِنَسْخِهِ وَانْتِهَاءِ الْعَمَلِ بِهِ تَصْدِيقٌ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِ فِي حِينِ مَجِيئِهِمْ بِهِ، فَكُلُّ هَذَا مِمَّا شَمِلَهُ مَعْنَى التَّصْدِيقِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ هُوَ إِثْبَاتُ الْوَحْدَانِيَّةِ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى. فَالْمَعْنَى: أَنَّ مَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ قَدْ دَعَتْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ، وَهَذَا احْتِجَاجٌ بِالنَّقْلِ عَقِبَ الِاحْتِجَاجِ بأدلة النّظر.

стр. 7846

[سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ٣٨ إِلَى ٣٩] إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) هَذَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُوَجَّهِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ عَقِبَ تَسَاؤُلِهِمْ وَتَحَاوُرِهِمْ فَيَكُونُ مَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مُحَاوَرَتِهِمُ الْمُنْتَهِيَةِ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّا كُنَّا غاوِينَ [الصافات: ٣٢] اعْتِرَاضًا، أيْ فَلَمَّا انْتَهَوْا مِنْ تَحَاوُرِهِمْ خُوطِبُوا بِمَا يَقْطَعُ طَمَعَهُمْ فِي قَبُولِ تَنَصُّلِ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ مِنْ تَبِعَاتِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ لِيَزْدَادُوا تَحَقُّقًا مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي عَلِمُوهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ [الصافات: ٣١] ، وَهَذَا مَا تَقْتَضِيهِ دَلَالَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ: لَذائِقُوا الْعَذابِ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ، أَيْ حَالِ التَّلَبُّسِ، فَإِنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ هَذَا كَانُوا مُشْرِفِينَ عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْعَذَابِ وَذَلِكَ زَمَنُ حَالٍ فِي الْعُرْفِ الْعَرَبِيِّ. وَلَمَّا وَصَفَ عَذَابَهُمْ بِأَنَّهُ أَلِيمٌ عَطَفَ عَلَيْهِ إِخْبَارَهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ لَا حَيْفَ عَلَيْهِمْ فِيهِ لِأَنَّهُ عَلَى وِفَاقِ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا مِنْ آثَارِ الشِّرْكِ، وَالْحَظُّ الْأَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ الْجَزَاءِ هُوَ حَظُّ الشِّرْكِ وَلَكِنْ كُنِّيَ عَنِ الشِّرْكِ بِأَعْمَالِهِ وَأَمَّا هُوَ فَهُوَ أَمْرٌ اعْتِقَادِيٌّ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُجَازُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ كَتَمْجِيدِ آلِهَتِهِمْ وَالدُّعَاءِ لَهَا، وَتَكْذيب الرَّسُول ﷺ وَأَذَاهُ وَأَذَى الْمُؤْمِنِينَ، وَقَوْلِهِمْ فِي أَصْنَامِهِمْ أَنَّهُمْ شُفَعَاءٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَفِي الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ، وَمِنْ قَتْلِ الْأَنْفُسِ وَالْغَارَةِ عَلَى الْأَمْوَالِ ووأد الْبَنَات وَالزِّنَا فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمَّا يَزِيدُهُمْ عَذَابًا، وَهُوَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَأَنَّ ذَلِك وَاقع.

стр. 7847

[سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ٤٠ إِلَى ٤٩] إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ فِي مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ، وَالِاسْتِدْرَاكُ تَعْقِيبُ الْكَلَامِ بِمَا يُضَادُّهُ، وَهَذَا الِاسْتِدْرَاكُ تَعْقِيبٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ [الصافات: ٣٣] فَإِنَّ حَالَ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ تَامُّ الضِّدَّيَّةِ لِحَالِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَلَيْسَ يَلْزَمُ فِي الِاسْتِدْرَاكِ أَنْ يَكُونَ رَفْعَ تَوَهُّمٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ غَالِبٌ، فَقَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِي تَعْرِيفِهِ هُوَ: تَعْقِيبُ الْكَلَامِ بِرَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أَوْ نَفْيُهُ، تَعْرِيفٌ أَغْلَبِيٌّ، أَوْ أُرِيدَ أَدْنَى التَّوَهُّمِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ إِخْرَاجًا مِنْ حُكْمٍ لَا مِنْ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ ضَرُورَةً أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْمُنْقَطِعِ قَائِمٌ مَقَامَ لَكِنْ، وَلِذَلِكَ يَقْتَصِرُونَ عَلَى ذِكْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُسْتَثْنَى بَلْ يُرْدِفُونَهُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ مَحَلَّ الِاسْتِدْرَاكِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [الْأَعْرَاف: ١١] وَقَوْلِهِ: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى [الْبَقَرَة: ٣٤] ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنَا: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ. وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ لَمَا أَتْبَعَ الْمُسْتَثْنَى بِإِخْبَارٍ عَنْهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُثْبِتُ لَهُ نَقِيضَ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُفَادُ إِلَّا، وَنَظِيرُهُ مَعَ لكِنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ الْآيَةُ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ [١٩، ٢٠] . وَذِكْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ الْعُبُودِيَّةِ الْمُضَافَةِ لِلَّهِ تَعَالَى تَنْوِيهٌ بِهِمْ وَتَقْرِيبٌ، وَذَلِكَ اصْطِلَاحٌ غَالِبٌ فِي الْقُرْآنِ فِي إِطْلَاقِ الْعَبْدِ وَالْعِبَادِ مُضَافًا إِلَى ضَمِيرِهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ [ص: ١٧] وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ [ص: ٤٥] يَا عِبادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف: ٦٨] ، وَرُبَّمَا أُطْلِقَ الْعَبْدُ غَيْرَ مُضَافٍ مُرَادًا بِهِ التَّقْرِيبَ أيْضًا كَقَوْلِهِ: وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ [ص: ٣٠] ، أَيِ الْعَبْدُ لِلَّهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا أُرِيدَ ذِكْرُ قَوْمٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْتَ بِلَفْظِ الْعِبَادِ مُضَافًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الْإِسْرَاء: ٥] إِلَّا

стр. 7848

بِقَرِينَةِ مَقَامِ التَّوْبِيخِ فِي قَوْلِهِ: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ [الْفرْقَان: ١٧] لِأَنَّ صِفَةَ الْإِضْلَالِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ لَيْسَتْ لِلتَّقْرِيبِ، وَقَوْلِهِ: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ [الْحجر: ٤٢] فَقَرِينَةُ التَّغْلِيبِ هِيَ مَنَاطُ اسْتِثْنَاءِ الْغَاوِينَ مِنْ قَوْلِهِ عِبادِي وَيُنْسَبُ إِلَى الشَّافِعِيِّ: وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وَفَخْرًا ... وَكِدْتُ بِأَخْمُصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِيَ ... وَأَنْ أَرْسَلْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيَّا وَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا الَّذين آمنُوا بالنبيء ﷺ فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالْبَالِ عِنْدَ ذِكْرِ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وَقَالُوا فِيهِ مَا هُوَ مِنْهُ بَرِيءٌ خُطُورَ الضِّدِّ بِذِكْرِ ضِدِّهِ. والْمُخْلَصِينَ صِفَةُ عِبَادِ اللَّهِ وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ إِذَا أُرِيدَ الَّذِينَ أَخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِوِلَايَتِهِ، وَبِكَسْرِهَا أَيِ الَّذِينَ أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ. فَقَرَأَهُ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَخَلَفٌ بِفَتْحِ اللَّامِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللَّامِ. وأُولئِكَ إِشَارَةٌ إِلَى عِبادَ اللَّهِ قَصَدَ مِنْهُ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا مَا بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ لِأَجْلِ مِمَّا أُثْبِتَ لَهُمْ مِنْ صِفَةِ الْإِخْلَاصِ كَمَا ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ تَعْرِيفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ الْآيَةُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢، ٣] . وَالرِّزْقُ: الطَّعَامُ قَالَ تَعَالَى: وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً [آل عمرَان: ٣٧] ، وَقَالَ: لَا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ [يُوسُف: ٣٧] . وَالْمَعْلُومُ: الَّذِي لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ مِيعَادِهِ وَلَا يَنْتَظِرُهُ أَهْلُهُ. وفَواكِهُ عَطْفُ بَيَانٍ مِنْ رِزْقٌ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ طَعَامَهُمْ كُلَّهُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي يُتَفَكَّهُ بِهَا لَا مِمَّا يُؤْكَلُ لِأَجْلِ الشِّبَعِ. وَالْفَوَاكِهُ: الثِّمَارُ وَالْبُقُولُ اللَّذِيذَةُ. وَهُمْ مُكْرَمُونَ عَطْفٌ عَلَى لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ، أَيْ يُعَامَلُونَ بِالْحَفَاوَةِ وَالْبَهْجَةِ فَإِنَّهُ وَسَّطَ فِي أَثْنَاءِ وَصْفِ مَا أُعِدَّ لَهُمْ مِنَ النَّعِيمِ الْجِسْمَانِيِّ أَنَّ لَهُمْ نَعِيمَ الْكَرَامَةِ وَهُوَ أَهَمُّ لِأَنَّ بِهِ انْتِعَاشَ النَّفْسِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ خُلُوصِ النِّعْمَةِ مِمَّنْ يُكَدِّرُهَا

стр. 7849

وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِحْسَانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَدْحٍ وَتَعْظِيمٍ وَلَا بِأَذًى وَهُوَ الْغَالِبُ، وَقَدْ يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِأَذًى وَذَلِكَ يُكَدِّرُ مِنْ صَفْوِهُ، قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [الْبَقَرَة: ٢٦٤] فَإِذَا كَانَ الْإِحْسَانُ مَعَ عِبَارَاتِ الْكَرَامَةِ وَحُسْنِ التَّلَقِّي فَذَلِكَ الثَّوَابُ. وسُرُرٍ: جَمْعُ سَرِيرٍ وَهُوَ كَكُرْسِيٍّ وَاسِعٍ يُمْكِنُ الِاضْطِجَاعُ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْجُلُوسُ عَلَى السَّرِيرِ مِنْ شِعَارِ الْمُلُوكِ وَأَضْرَابِهِمْ، وَذَلِكَ جُلُوسُ أَهْلِ النَّعِيمِ لِأَنَّ الْجَالِسَ عَلَى السَّرِيرِ لَا يَجِدُ مَلَلًا لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ كَيْفَ تَتَيَسَّرُ لَهُ. ومُتَقابِلِينَ كُلُّ وَاحِدٍ قُبَالَةَ الْآخَرِ. وَهَذَا أَتَمُّ لِلْأُنْسِ لِأَنَّ فِيهِ أُنْسَ الِاجْتِمَاعِ وَأُنْسَ نَظَرِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ فَإِنَّ رُؤْيَةَ الْحَبِيبِ وَالصَّدِيقِ تُؤْنِسُ النَّفْسَ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِمْ مُتَقَابِلِينَ تَقَابُلَ أَفْرَادٍ كُلُّ جَمَاعَةٍ مَعَ أَصْحَابِهِمْ، وَأَنَّهُمْ جَمَاعَاتٌ عَلَى حَسَبِ تَرَاتِيبِهِمْ فِي طَبَقَاتِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ أَهْلَ كُلِّ طَبَقَةٍ يُقَسَّمُونَ جَمَاعَاتٍ عَلَى حَسَبِ قَرَابَتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ [يس: ٥٦] وَكَثْرَةُ كُلِّ جَمَاعَةٍ لَا تُنَافِي تَقَابُلَهُمْ عَلَى السُّرُرِ وَالْأَرَائِكِ وتحادثهم لِأَن شؤون ذَلِكَ الْعَالَمِ غَيْرُ جَارِيَةٍ عَلَى الْمُتَعَارَفِ فِي الدُّنْيَا. وَمَعْنَى يُطافُ يُدَارُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ. وَالْكَأْسُ (بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْكَافِ) : إِنَاءُ الْخَمْرِ، مُؤَنَّثٌ، وَهِيَ إِنَاءٌ بِلَا عُرْوَةٍ وَلَا أُنْبُوبٍ وَاسِعَةُ الْفَمِ، أَيْ مَحَلُّ الصَّبِّ مِنْهَا، تَكُونُ مِنْ فِضَّةٍ وَمِنْ ذَهَبٍ وَمِنْ خَزَفٍ وَمِنْ زُجَاجٍ، وَتُسَمَّى قَدَحًا وَهُوَ مُذَكَّرٌ. وَجَمْعُ كأس: كاسات وكؤوس وَأَكْؤُسٌ. وَكَانَتْ خَاصَّةً بِسَقْيِ الْخَمْرِ حَتَّى كَانَتِ الْكَأْسُ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ الْمَحَلِّ، وَجَعَلُوا مِنْهُ قَوْلَ الْأَعْشَى: وَكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلَى لَذَّةٍ ... وَأُخْرَى تَدَاوَيْتُ مِنْهَا بِهَا وَقَدْ قِيلَ: لَا يُسَمَّى ذَلِكَ الْإِنَاءُ كَأْسًا إِلَّا إِذَا كَانَتْ فِيهِ الْخَمْرُ وَإِلَّا فَهُوَ قَدَحٌ. وَالْمَعْنِيُّ بِهَا فِي الْآيَةِ الْخَمْرُ لِأَنَّهُ أَفْرَدَ الْكَأْسَ مَعَ أَنَّ الْمَطُوفَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُونَ، وَلِأَنَّهَا وُصِفَتْ بِأَنَّهَا مِنْ مَعِينٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ كَأْسٍ فِي الْقُرْآنِ إِنَّمَا عُنِيَ بِهَا الْخَمْرُ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ بِهِ الْأَخْفَشُ.

стр. 7850

وَ (مَعِينٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ، قِيلَ أَصْلُهُ: مَعْيُونٍ. فَقِيلَ: مِيمُهُ أَصْلِيَّةٌ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ مَعْنٍ يُقَالُ: مَاءُ مَعْنٍ، فَيَكُونُ مَعِينٍ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِثَالُ مُبَالَغَةٍ مِنَ الْمَعْنِ وَهُوَ الْإِبْعَادُ فِي الْفِعْلِ شَبَّهَ جَرْيَهُ بِالْإِبْعَادِ فِي الْمَشْيِ، وَهَذَا أَظْهَرُ فِي الِاشْتِقَاقِ. وَقِيلَ: مِيمُهُ زَائِدَةٌ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ عَانَهُ، إِذَا أَبْصَرَهُ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فِي سَيَلَانِهِ فَوَزْنُهُ مَفْعُولٌ، وَأَصْلُهُ مَعْيُونٌ فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جَامِدٍ وَهُوَ اسْمُ الْعَيْنِ، وَلَيْسَ فِعْلُ عَانَ مُسْتَعْمَلًا اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِفِعْلِ عَايَنَ. وبَيْضاءَ صِفَةٌ لِ «كَأْسٍ» . وَإِذْ قَدْ أُرِيدَ بِالْكَأْسِ الْخَمْرُ الَّذِي فِيهَا كَانَ وَصْفُ بَيْضاءَ لِلْخَمْرِ. وَإِنَّمَا جَرَى تَأْنِيثُ الْوَصْفِ تَبَعًا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الْخَمْرِ بِكَلِمَةِ كَأْسٍ، عَلَى أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَتَأْنِيثُهَا أَكْثَرُ. رَوَى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: لَوْنُهَا مُشْرِقٌ حَسَنٌ فَهِيَ لَا كَخَمْرِ الدُّنْيَا فِي مَنْظَرِهَا الرَّدِيءِ مِنْ حُمْرَةٍ أَوْ سَوَادٍ. وَاللَّذَّةُ: اسْمٌ مَعْنَاهُ إِدْرَاكٌ مَلَائِمٌ نَفْسَ الْمُدْرِكِ، يُقَالُ: لَذَّهُ وَلَذَّ بِهِ، وَالْمَصْدَرُ: اللَّذَّةُ وَاللَّذَاذَةُ. وَفِعْلُهُ مِنْ بَابِ فَرِحَ، تَقُولُ: لَذَّذْتُ بِالشَّيْءِ وَيُقَالُ: شَيْءٌ لَذٌّ، أَيْ لَذِيذٍ فَهُوَ وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ فَإِذَا جَاءَ بِهَاءِ التَّأْنِيثِ كَمَا فِي هَذِه الْآيَةِ فَهُوَ الِاسْمُ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الْوَصْفَ لَا يُؤَنَّثُ بِتَأْنِيثِ مَوْصُوفِهِ، يُقَالُ: امْرَأَةٌ عَدْلٌ وَلَا يُقَالُ: امْرَأَةٌ عَدْلَةٌ. وَوَصْفُ الْكَأْسِ بِهَا كَالْوَصْفِ بِالْمَصْدَرِ يُفِيدُ الْمُبَالِغَةَ فِي تَمَكُّنِ الْوَصْفِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَذَّةٍ هُوَ أَقْصَى مِمَّا يُؤَدِّي شِدَّةَ الِالْتِذَاذِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنِ الْوَصْفِ الْأَصْلِيِّ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ، وَعَدَلَ عَنِ الْمَصْدَرِ إِلَى الِاسْمِ لِمَا فِي الْمَصْدَرِ مِنْ مَعْنَى الِاشْتِقَاقِ. وَجُمْلَةُ لَا فِيها غَوْلٌ صِفَةٌ رَابِعَةٌ لِكَأْسٍ بِاعْتِبَارِ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْخَمْرِ. وَالْغَوْلُ، بِفَتْحِ الْغَيْنِ: مَا يَعْتَرِي شَارِبَ الْخَمْرِ مِنَ الصُّدَاعِ وَالْأَلَمِ، اشْتُقَّ مِنَ الْغَوْلِ مَصْدَرِ غَالَهُ، إِذَا أَهْلَكَهُ. وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يُصَدَّعُونَ عَنْها [الْوَاقِعَة: ١٩] . وَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ لِإِفَادَةِ التَّخْصِيصِ، أَيْ هُوَ مُنْتَفٍ عَنْ خَمْرِ الْجَنَّةِ فَقَطْ دُونَ مَا يُعْرَفُ مِنْ خَمْرِ الدُّنْيَا، فَهُوَ قَصْرُ قَلْبٍ. وَوُقُوعُ غَوْلٌ

стр. 7851

وَهُوَ نَكِرَةٌ بَعْدَ لَا النَّافِيَةِ أَفَادَ انْتِفَاءَ هَذَا الْجِنْسِ مِنْ أَصْلِهِ، وَوَجَبَ رَفْعُهُ لِوُقُوعِ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ بِالْخَبَرِ. وَجُمْلَةُ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ لَا فِيها غَوْلٌ. وَقَدَّمَ الْمُسْنَدَ عَلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ، وَالْمُسْنَدُ فِعْلٌ لِيُفِيدَ التَّقْدِيمُ تَخْصِيصَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ، أَيْ بِخِلَافِ شَارِبِي الْخَمْرِ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا. ويُنْزَفُونَ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ يُقَالُ: نُزِفَ الشَّارِبُ، بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ إِذَا كَانَ مُجَرَّدًا (وَلَا يُبْنَى لِلْمَعْلُومِ) فَهُوَ مَنْزُوفٌ وَنَزِيفٌ، شَبَّهُوا عَقْلَ الشَّارِبِ بِالدَّمِ يُقَالُ: نُزِفَ دَمُ الْجَرِيحِ، أَيْ أُفْرِغَ. وَأَصْلُهُ مِنْ: نَزَفَ الرَّجُلُ مَاءَ الْبِئْرِ مُتَعَدِّيًا، إِذَا نَزَحَهُ وَلَمْ يبْق مِنْهُ شَيْئا. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ يُنْزَفُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ مِنْ أُنْزِفَ الشَّارِبُ، إِذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ، أَيْ صَارَ ذَا نَزْفٍ، فَالْهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لَا لِلتَّعْدِيَةِ. وقاصِراتُ الطَّرْفِ أَيْ حَابِسَاتُ أَنْظَارِهِنَّ حَيَاءً وَغُنْجًا. وَالطَّرَفُ: الْعَيْنُ، وَهُوَ مُفْرَدٌ لَا جَمْعَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ لِأَنَّ أَصْلَ الطَّرَفِ مَصْدَرُ: طَرَفَ بِعَيْنِهِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، إِذَا حَرَّكَ جَفْنَيْهِ، فَسُمِّيَتِ الْعَيْنُ طَرْفًا، فَالطَّرْفُ هُنَا الْأَعْيُنُ، أَيْ قَاصِرَاتُ الْأَعْيُنِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ [٤٣] ، وَقَوْلِهِ: قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [٤٠] . وَذُكِرَ «عِنْدَ» لِإِفَادَةِ أَنَّهُنَّ مُلَابِسَاتٌ لَهُمْ فِي مَجَالِسِهِمُ الَّتِي تُدَارُ عَلَيْهِمْ فِيهَا كَأْسُ الْجَنَّةِ، وَكَانَ حُضُورُ الْجَوَارِي مَجَالِسَ الشَّرَابِ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الْأُنْسِ وَالطَّرَبِ عِنْدَ سَادَةِ الْعَرَبِ، قَالَ طَرْفَةُ: نَدَامَايَ بِيضٌ كَالنُّجُومِ وَقَيْنَةٌ ... تَرُوحُ عَلَيْنَا بَيْنَ بَرْدٍ وَمِجْسَدِ وعِينٌ جَمْعُ: عَيْنَاءَ، وَهِيَ الْمَرْأَةُ الْوَاسِعَةُ الْعَيْنِ النَّجْلَاوَتُهَا. وَالْبَيْضُ الْمَكْنُونُ: هُوَ بَيْضُ النَّعَامِ، وَالنَّعَامُ يُكِنُّ بَيْضَهُ فِي حُفَرٍ فِي الرَّمْلِ وَيَفْرِشُ لَهَا مِنْ دَقِيقِ رِيشِهِ، وَتُسَمَّى تِلْكَ الْحُفَرُ: الْأُدَاحِيَّ، وَاحِدَتُهَا أُدْحِيَّةٌ بِوَزْنِ أُثْفِيَّةٍ. فَيَكُونُ الْبَيْضُ شَدِيدَ لَمَعَانِ اللَّوْنِ وَهُوَ أَبْيَضُ مَشُوبٌ بَيَاضُهُ بِصُفْرَةٍ

стр. 7852

وَذَلِكَ اللَّوْنُ أَحْسَنُ أَلْوَانِ النِّسَاءِ، وَقَدِيمًا شَبَّهُوا الْحِسَانَ بِبَيْضِ النَّعَامِ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: وَبَيْضَةِ خِدْرٍ لَا يُرَامُ خِبَاؤُهَا ... تَمَتَّعَتْ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غير معجل [٥٠- ٥٧] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ٥٠ إِلَى ٥٧] فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) الْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ لِأَنَّ شَأْنَ الْمُتَجَالِسِينَ فِي مَسَرَّةٍ أَنْ يَشْرَعُوا فِي الْحَدِيثِ فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ مَعَ الْأَصْحَابِ وَالْمُنْتَدِمِينَ لَذَّةً كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَيَّاضٍ: وَمَا بَقِيَتْ مِنَ اللَّذَّاتِ إِلَّا ... أَحَادِيثُ الْكِرَامِ عَلَى الشَّرَابِ فَإِذَا اسْتَشْعَرُوا أَنَّ مَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ كَانَ جَزَاءً عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ إِيمَانِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ تَذَكَّرَ بَعْضُهُمْ مَنْ كَانَ يُجَادِلُهُ فِي ثُبُوتِ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ فَحَمَدَ اللَّهَ عَلَى أَنْ هَدَاهُ لِعَدَمِ الْإِصْغَاءِ إِلَى ذَلِكَ الصَّادِّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ جُلَسَاءَهُ وَأَرَاهُمْ إِيَّاهُ فِي النَّارِ، فَلِذَلِكَ حُكِيَ إِقْبَالُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْمُسَاءَلَةِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّاسَ فِي الْآخِرَةِ تَعُودُ إِلَيْهِمْ تَذَكُّرَاتُهُمُ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مُصَفَّاةً مِنَ الْخَوَاطِرِ السَّيِّئَةِ وَالْأَكْدَارِ النَّفْسَانِيَّةِ مُدْرِكَةً الْحَقَائِقَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ. وَجِيءَ فِي حِكَايَةِ هَذِهِ الْحَالَةِ بِصِيَغِ الْفِعْلِ الْمَاضِي مَعَ أَنَّهَا مُسْتَقْبَلَةٌ لِإِفَادَةِ تَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النَّحْل: ١] ، وَالْقَرِينَةُ هِيَ التَّفْرِيعُ عَلَى الْأَخْبَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ. وَالتَّسَاؤُلُ: أَنْ يَسْأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَحُذِفَ الْمُتَسَاءَلُ عَنْهُ لِدَلَالَةِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَ نَحْوًا مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر: ٤٠، ٤٢] .

стр. 7853

وَجُمْلَةُ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ يَتَساءَلُونَ، أَيْ قَالَ أَحَدُهُمْ فِي جَوَابِ سُؤَالِ بَعْضِهِمْ، فَإِنَّ مَعْنَى التَّسَاؤُلِ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى الْجَوَابِ فَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُ بَدَلَ اشْتِمَالٍ لَا بَدَلَ بَعْضٍ وَلَا عَطْفَ بَيَانٍ، وَالْقَرِينُ مُرَادٌ بِهِ الْجِنْسُ، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَقُولَهُ كَثِيرٌ مِنْ خُلَطَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا. وَالْقَرِينُ: الْمُصَاحِبُ الْمُلَازِمُ شُبِّهَتِ الْمُلَازِمَةُ الْغَالِبَةُ بِالْقَرْنِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَنْفَصِلَانِ، أَيْ يَقُولُ لَهُ صَاحِبُهُ لَمَّا أَسْلَمَ وَبَقِيَ صَاحِبُهُ عَلَى الْكُفْرِ يُجَادِلُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَيُحَاوِلُ تَشْكِيكَهُ فِي صِحَّتِهِ رَجَاءَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ إِلَى الْكُفْرِ كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلَى الْإِسْلَامِ» أَيْ جَاعِلُنِي فِي وَثَاقٍ لِأَجْلِ أَنِّي أَسْلَمْتُ، وَكَانَ سَعِيدٌ صِهْرَ عُمَرَ زَوْجَ أُخْتِهِ. والاستفهام فِي أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْكَارِ، أَيْ مَا كَانَ يَحِقُّ لَكَ أَنْ تُصَدِّقَ بِهَذَا، وَسُلِّطَ الِاسْتِفْهَامُ عَلَى حَرْفِ التَّوْكِيدِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ بَلَغَهُ تَأَكُّدُ إِسْلَامِ قَرِينِهِ فَجَاءَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ مَا تَحَقَّقَ عِنْدَهُ، أَيْ أَنَّ إِنْكَارَهُ إِسْلَامَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ خَبَرِهِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ تَحَقَّقَهُ لَمَا ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ. وَالْمُصَدِّقُ هُوَ: الْمُوقِنُ بِالْخَبَرِ. وَجُمْلَةُ أَإِذا مِتْنا بَيَانٌ لِجُمْلَةِ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ بَيَّنَتِ الْإِنْكَارَ الْمُجْمَلَ بِإِنْكَارٍ مُفَصَّلٍ وَهُوَ إِنْكَارُ أَنْ يُبْعَثَ النَّاسُ بَعْدَ تَفَرُّقِ أَجْزَائِهِمْ وَتَحَوُّلِهَا تُرَابًا بَعْدَ الْمَوْتِ ثُمَّ يُجَازُوا. وَجُمْلَةُ إِنَّا لَمَدِينُونَ جَوَابُ إِذا. وَقُرِنَتْ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلْوَجْهِ الَّذِي عَلِمْتَهُ فِي قَوْلِهِ: أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ. وَالْمَدِينُ: الْمُجَازَى يُقَالُ: دَانَهُ يُدِينُهُ، إِذَا جَازَاهُ، وَالْأَكْثَرُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجَزَاء على السوء، وَالدَّيْنُ: الْجَزَاءُ كَمَا فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ. وَقيل هُنَا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ وَفِي أَوَّلِ السُّورَةِ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [الصافات: ١٦] لِاخْتِلَافِ الْقَائِلِينَ. وَقَرَأَ الْجَمِيعُ أَإِنَّكَ بِهَمْزَتَيْنِ. وَقَرَأَ مَنْ عَدَا ابْنَ عَامِرٍ أَإِذا مِتْنا بِهَمْزَتَيْنِ وَابْنُ عَامِرٍ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَة وَهِي همزَة إِذا اكْتِفَاءً بِهَمْزَةِ أَإِنَّا لَمَدِينُونَ فِي

стр. 7854

قِرَاءَتِهِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ إِنَّا لَمَدِينُونَ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ اكْتِفَاءً بِالِاسْتِفْهَامِ الدَّاخِلِ على شَرطهَا. وقرأه الْبَاقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ. وَجُمْلَةُ قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لِأَنَّ قَوْلَهُ: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ الْمَحْكِيَّ بِهَا هُوَ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ إِذْ هُوَ تَكْمِلَةٌ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَالِاسْتِفْهَامُ بِقَوْلِهِ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْعَرْضِ، عَرَضَ عَلَى رُفَقَائِهِ أَنْ يَتَطَلَّعُوا إِلَى رُؤْيَةِ قَرِينِهِ وَمَا صَارَ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ: إِمَّا لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ قَرِينَهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَهُ بِالْمَوْتِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ أُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ أَنَّ قَرِينَهُ صَارَ إِلَى النَّارِ، وَهُوَ مُوقِنٌ بِأَنَّ خَازِنَ النَّارِ يُطْلِعُهُمْ عَلَى هَذَا الْقَرِينِ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مَا يَتَسَاءَلُونَ قَالَ تَعَالَى: وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ [يس: ٥٧] . وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُطَّلِعُونَ لِدَلَالَةِ آخِرِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فِي سَواءِ الْجَحِيمِ. فَالتَّقْدِيرُ: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ عَلَى أَهْلِ النَّارِ لِنَنْظُرَهُ فِيهِمْ. وَفِي قَوْلِهِ: فَاطَّلَعَ اكْتِفَاءٌ، أَي فاطّلع واطّلعوا فَرَآهُ وَرَأَوْهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ إِذْ هُوَ إِنَّمَا عَرَضَ عَلَيْهِمُ الِاطِّلَاعَ لِيَعْلَمُوا تَحْقِيقَ مَا حَدَّثَهُمْ عَنْ قَرِينِهِ. وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ اطِّلَاعِهِ هُوَ دُونَ ذِكْرِ اطِّلَاعِ رُفَقَائِهِ لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ بِالِاطِّلَاعِ لِيُمَيِّزَ قَرِينَهُ فَيُرِيَهُ لِرُفَقَائِهِ. وسَواءِ الْجَحِيمِ وَسَطُهَا قَالَ بَلْعَاءُ بْنُ قَيْسٍ: عَضْبًا أَصَابَ سَوَاءَ الرَّأْسِ فَانْفَلَقَا وَجُمْلَةُ قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِأَنَّ وَصْفَ هَذِهِ الْحَالَةِ يُثِيرُ فِي نَفْسِ السَّامِعِ أَنْ يَسْأَلَ: فَمَاذَا حَصَلَ حِينَ اطَّلَعَ؟ فَيُجَابُ بِأَنَّهُ حِينَ رَأَى قَرِينَهُ أَخَذَ يُوَبِّخُهُ عَلَى مَا كَانَ يحاوله مِنْهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُلْقِيَهُ فِي النَّارِ مِثْلَهُ. وَهَذَا التَّوْبِيخُ يَتَضَمَّنُ تَنْدِيمَهُ عَلَى مُحَاوَلَةِ إِرْجَاعِهِ عَنِ الْإِسْلَامِ. وَالْقَسَمُ بِالتَّاءِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَقَعَ فِيمَا جَوَابُ قَسَمِهِ غَرِيبٌ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ فِي سُورَةِ يُوسُفَ [٧٣] ، وَقَوْلِهِ: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ [٥٧] . وَمَحَلُّ الْغَرَابَةِ هُوَ خَلَاصُهُ مِنْ شَبَكَةِ قَرِينِهِ وَاخْتِلَافُ

стр. 7855

حَالِ عَاقِبَتَيْهِمَا مَعَ مَا كَانَا عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الْمُلَازَمَةِ وَالصُّحْبَةِ وَمَا حَفَّهُ مِنْ نِعْمَةِ الْهِدَايَةِ وَمَا تَوَرَّطَ قرينه فِي أَو حَال الْغَوَايَةِ. وإِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَاتَّصَلَ بِهَا الْفِعْلُ النَّاسِخُ عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ فِي أَحْوَالِهَا إِذَا أُهْمِلَتْ. وَاللَّامُ الدَّاخِلَةُ عَلَى خَبَرِ كَادَ هِيَ الْفَارِقَةُ بَيْنَ إِنْ الْمُخَفَّفَةِ والنافية. و «ترديني» تُوقِعُنِي فِي الرَّدَى وَهُوَ الْهَلَاكُ، وَأَصِلُ الرَّدَى: الْمَوْتُ ثُمَّ شَاعَتِ اسْتِعَارَتُهُ لِسُوءِ الْحَالِ تَشْبِيهًا بِالْمَوْتِ لِمَا شَاعَ مِنَ اعْتِبَارِ الْمَوْتِ أَعْظَمَ مَا يُصَابُ بِهِ الْمَرْءُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّكَ قَارَبْتَ أَنْ تُفْضِيَ بِي إِلَى حَالِ الرَّدَى بِإِلْحَاحِكَ فِي صَرْفِي عَنِ الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ لِفَرْطِ الصُّحْبَةِ. وَلَوْلَا نِعْمَةُ هِدَايَةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتِهِ لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ مَعَكَ فِي الْعَذَابِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ لَتُرْدِينِ بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ فِي آخِرِهِ دُونَ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَهُوَ حَذْفٌ شَائِعٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْفَصِيحِ وَهُوَ لُغَةُ أَهْلِ نَجْدٍ. وَكُتِبَ فِي الْمَصَاحِفِ بِدُونِ يَاءٍ. وَقَرَأَهُ وَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَلَا يُنَافِي رَسْمَ الْمُصْحَفِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْيَاءَاتِ لَمْ تُكْتَبْ فِي الْمُصْحَفِ، وَقَرَأَ الْقُرَّاءُ بِإِثْبَاتِهَا فَإِنَّ كُتَّابَ الْمُصْحَفِ قَدْ حَذَفُوا مُدُودًا كَثِيرَةً مِنْ أَلِفَاتٍ وَيَاءَاتٍ. وَالْمُحْضَرُونَ: أُرِيدَ بِهِمُ الْمُحْضَرُونَ فِي النَّارِ، أَيْ لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ مَعَكَ لِلْعَذَابِ. وَقَدْ كَثُرَ إِطْلَاقُ الْمُحْضَرِ وَنَحْوِهِ عَلَى الَّذِي يَحْضُرُ لِأَجْلِ الْعِقَابِ. وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ الْقَرِينَ هُنَا بِالشَّيْطَانِ الَّذِي يُلَازِمُ الْإِنْسَانَ لِإِضْلَالِهِ وَإِغْوَائِهِ. وَطَرِيقُ حِكَايَةِ تَصَدِّي الْقَائِلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِإِخْبَارِ أَهْلِ مَجْلِسِهِ بِحَالِهِ يُبْطِلُ هَذَا التَّفْسِيرَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الشَّيْطَانَ لَكَانَ إِخْبَارُهُ بِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ فَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا كَانَ لَهُ قَرِينٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَمَا مِنْهُمْ إِلَّا عَالِمٌ بِأَنَّ مَصِيرَ الشَّيَاطِينِ إِلَى النَّارِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي شَرِيكَيْنِ هُمَا الْمُشَارُ إِلَيْهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ

стр. 7856

وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَخَوَيْنِ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، كَانَا غَنِيَّيْنِ، وَكَانَ الْمُؤْمِنُ يُنْفِقُ مَالَهُ فِي الصَّدَقَاتِ وَكَانَ الْكَافِرُ يُنْفِقُ مَالَهُ فِي اللَّذَّاتِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ عِبْرَةٌ مِنَ الْحَذَرِ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ وَوُجُوبِ الِاحْتِرَاسِ مِمَّا يَدْعُونَ إِلَيْهِ وَيُزَيِّنُونَهُ من المهالك. [٥٨- ٦٠] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ٥٨ إِلَى ٦٠] أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) عطفت الْفَاء الِاسْتِفْهَامِ عَلَى جُمْلَةِ قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [الصافات: ٥٤] ، فَالِاسْتِفْهَامُ مُوَجَّهٌ مِنْ هَذَا الْقَائِلِ إِلَى بَعْضِ الْمُتَسَائِلِينَ. وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّقْرِيرِ الْمُرَادِ بِهِ التَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ الْخُلُودِ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ أَطْلَعَهُمْ عَلَى مَصِيرِ قَرِينِهِ السُّوءِ أَقْبَلَ عَلَى رِفَاقِهِ بِإِكْمَالِ حَدِيثِهِ تَحَدُّثًا بِالنِّعْمَةِ وَاغْتِبَاطًا وَابْتِهَاجًا بِهَا، وَذِكْرًا لَهَا فَإِنَّ لِذِكْرِ الْأَشْيَاءِ الْمَحْبُوبَةِ لَذَّةً فَمَا ظَنُّكَ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ قَدِ انْغَمَسُوا فِيهَا وَأَيْقَنُوا بِخُلُودِهَا. وَلَعَلَّ نَظْمَ هَذَا التَّذَكُّرِ فِي أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ لِقَصْدِ أَنْ يَسْمَعَ تَكَرُّرَ ذِكْرِ ذَلِكَ حِينَ يُجِيبُهُ الرِّفَاقُ بِأَنْ يَقُولُوا: نَعَمْ مَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ. وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ الْمَوْتَ الْمَنْفِيَّ هُوَ الْمَوْتُ فِي الْحَالِ، أَوِ الِاسْتِقْبَالِ كَمَا هُوَ شَأْنُ اسْمِ الْفَاعِلِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْمَنْفِيِّ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنِ الْمَوْتَةُ الْأُولَى. وَذَلِكَ الِاسْتِدْرَاكُ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ. وَانْتِصَابُهُ لِأَجْلِ الِانْقِطَاعِ لَا لِأَجْلِ النَّفْيِ. وَعَطَفَ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ لِيَتَمَحَّضَ الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَيْضًا مَا هُمْ بِمَيِّتِينَ وَلَكِنَّهُمْ مُعَذَّبُونَ فَحَالُهُمْ شَرٌّ مِنَ الْمَوْتِ. قِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: مَا شَرُّ مِنَ الْمَوْتِ؟ فَقَالَ: الَّذِي يُتَمَنَّى فِيهِ الْمَوْتُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ جُمْلَةَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ حِكَايَةٌ لِبَقِيَّةِ كَلَامِ الْقَائِلِ لِرِفَاقِهِ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ وَالْفَذْلَكَةِ لِحَالَتِهِمُ الْمُشَاهَدِ بَعْضُهَا وَالْمُتَحَدَّثِ عَنْ بَعْضِهَا بِقَوْلِهِ: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ.

стр. 7857

والْفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالْمَطْلُوبِ، أَيْ حَالُنَا هُوَ النَّجَاحُ وَالظَّفَرُ الْعَظِيمُ. وَقَدْ أُبْدِعَ فِي تَصْوِيرِ حُسْنِ حَالِهِمْ بِحَصْرِ الْفَوْزِ فِيهِ حَتَّى كَانَ كُلُّ فَوْزٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَيْسَ بِفَوْزٍ، فَالْحَصْرُ لِلْمُبَالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِغَيْرِهِ ثُمَّ أَلْحَقُوا ذَلِكَ الْحَصْرَ بِوَصْفِهِ ب الْعَظِيمُ. [٦١] [سُورَة الصافات (٣٧) : آيَة ٦١] لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١) هَذَا تَذْيِيلٌ لِحِكَايَةِ حَالِ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلِصِينَ فَهُوَ كَلَامٌ مِنْ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّنْوِيهِ بِمَا فِيهِ عِبَادُ اللَّهِ الْمُخَلِصُونَ، وَلِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْعَمَلِ بِمِثْلِ مَا عَمِلُوهُ مِمَّا أَوْجَبَ لَهُمْ إِخْلَاصَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، فَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: لِمِثْلِ هَذَا إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ [الصافات: ٤١] الْآيَاتِ، أَيْ لِمِثْلِ نَعِيمِهِمْ وَأُنْسِهِمْ وَمَسَرَّتِهِمْ وَلَذَّاتِهِمْ وَبَهْجَتِهِمْ وَخُلُودِ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَالْمُرَادُ بِمِثْلِهِ: نَظِيرُهُ مِنْ نَعِيمٍ لِمُخْلِصِينَ آخَرِينَ. وَالْمُرَادُ بِالْعَامِلِينَ: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الْخَيْرَ وَيَسِيرُونَ عَلَى مَا خَطَّتْ لَهُمْ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ، فَحَذَفَ مَفْعُولَ «يَعْمَلِ» اخْتِصَارًا لِظُهُورِهِ مِنَ الْمَقَامِ. وَاللَّامُ فِي لِمِثْلِ لَامُ التَّعْلِيلِ. وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى عَامِلِهِ لِإِفَادَةِ الْقَصْرِ، أَيْ لَا لِعَمَلِ غَيره، وَهُوَ قصر قَلْبٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ أَعْمَالًا صَالِحَةً يَتَفَاخَرُونَ بِهَا مِنَ الْمَيْسِرِ، قَالَ تَعَالَى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الْكَهْف: ١٠٣- ١٠٤] . وَالْمَعْنَى: لِنَوَالِ مِثْلَ هَذَا، فَحذف مُضَاف لِدَلَالَةِ اللَّامِ عَلَى مَعْنَاهُ. وَالْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلَى مَضْمُونِ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٤٠] الْآيَاتِ. وَالْأَمْرُ فِي فَلْيَعْمَلِ لِلْإِرْشَادِ الصَّادِقِ بالواجبات والمندوبات.

стр. 7858

[سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ٦٢ إِلَى ٦٨] أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) اسْتِئْنَافٌ بَعْدَ تَمَامِ قِصَّةِ الْمُؤْمِنِ وَرِفَاقِهِ قُصِدَ مِنْهُ التَّنْبِيهُ إِلَى الْبَوْنِ بَيْنَ حَالِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ جَرَى عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي تَعْقِيبِ الْقَصَصِ وَالْأَمْثَالِ بِالتَّنْبِيهِ إِلَى مَغَازِيهَا وَمَوَاعِظِهَا. فَالْمَقْصُودُ بِالْخَبَرِ هُوَ قَوْلُهُ: إِنَّا جَعَلْناها، أَيْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِلَى آخِرِهَا. وَإِنَّمَا صِيغَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ لِلتَّشْوِيقِ إِلَى مَا يَرِدُ فِيهِ. وَالِاسْتِفْهَامُ مُكَنًّى بِهِ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَى فَضْلِ حَالِ الْمُؤْمِنِ وَفَوْزِهِ وَخَسَارِ الْكَافِرِ. وَهُوَ خِطَابٌ لِكُلِّ سَامِعٍ. وَالْإِشَارَةُ بِ أَذلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ فِي النَّعِيمِ وَالْخُلُودِ، وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ مُفْرَدًا بِتَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، بِعَلَامَةِ بُعْدِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ لِتَعْظِيمِهِ بِالْبُعْدِ، أَيْ بُعْدِ الْمَرْتَبَةِ وَسُمُوِّهَا لِأَنَّ الشَّيءَ النَّفِيسَ الشَّرِيفَ يُتَخَيَّلُ عَالِيًا وَالْعَالِي يُلَازِمُهُ الْبُعْدُ عَنِ الْمَكَانِ الْمُعْتَادِ وَهُوَ السُّفْلُ، وَأَيْنَ الثُّرَيَّا مِنَ الثَّرَى. وَالنُّزُلُ: بِضَمَّتَيْنِ، وَيُقَالُ: نُزْلٌ بِضَمٍّ وَسُكُونٍ هُوَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ: الْمَكَانُ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ النَّازِلُ، قَالَهُ الزَّجَاجُ. وَجَرَى عَلَيْهِ صَاحِبُ «اللِّسَانِ» وَصَاحِبُ «الْقَامُوسِ» ، وَأُطْلِقَ إِطْلَاقًا شَائِعًا كَثِيرًا عَلَى الطَّعَامِ الْمُهَيَّأِ لِلضَّيْفِ لِأَنَّهُ أُعِدَّ لَهُ لِنُزُولِهِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ مَكَانِهِ نَظِيرَ مَا أَطْلَقُوا اسْمَ السُّكْنِ بِسُكُونِ الْكَافِ عَلَى الطَّعَامِ الْمُعَدِّ لِلسَّاكِنِ الدَّارِ إِذِ الْمَسْكَنُ يُقَالُ فِيهِ: سَكْنٌ أَيْضًا. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّاغِبُ غَيْرَهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ النُّزُلِ هُنَا طَعَامَ الضِّيَافَةِ فِي الْجَنَّةِ.

стр. 7859

وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَكَانَ النُّزُولِ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ فِي قَوْلِهِ: أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ بِتَقْدِيرِ: أَمْ مَكَانُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ. وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَانْتِصَابُ نُزُلًا عَلَى الْحَالِ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَمُتَوَجَّهُ الْإِشَارَةِ بِقَوْلِهِ: ذلِكَ إِلَى مَا يُنَاسِبُ الْوَجْهَيْنِ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: رِزْقٌ مَعْلُومٌ فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الصافات: ٤١- ٤٣] . وَيَجْرِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعْنَى مُعَادِلِ الِاسْتِفْهَامِ فَيَكُونُ إِمَّا أَنْ تُقَدِّرَ: أَمْ مَنْزِلُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [مَرْيَم: ٧٣] فَقَدْ ذَكَرَ مَكَانَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ نُقَدِّرَ: أَمْ نَزَّلَ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي تَكُونُ الْمُعَادَلَةُ مُشَاكَلَةٌ تَهَكُّمًا لِأَنَّ طَعَامَ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ لَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يُسَمَّى نُزُلًا. وَشَجَرَةُ الزَّقُّومِ ذُكِرَتْ هُنَا ذِكْرَ مَا هُوَ مَعْهُودٌ مِنْ قَبْلُ لِوُرُودِهَا مُعَرَّفَةً بِالْإِضَافَةِ ولوقوعها فِي مَقَامِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ حَالَيْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَيُنَاسِبُ أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ عَلَى مَثَلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا جَعَلَهُ الْقُرْآنُ لِشَجَرَةٍ فِي جَهَنَّمَ وَيَكُونَ سَبَقَ ذِكْرُهَا فِي ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ [٥١- ٥٢] ، وَكَانَ نُزُولهَا قبل نزُول سُورَةِ الصَّافَّاتِ. وَيُبَيِّنُ هَذَا مَا رَوَاهُ الْكَلْبِيُّ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (أَيْ آيَةُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ) قَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى: أَكْثَرَ اللَّهُ فِي بُيُوتِكُمُ الزَّقُّومَ، فَإِنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ التَّمْرَ وَالزُّبْدَ بِالزَّقُّومِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ لِجَارِيَتِهِ: زَقِّمِينَا فَأَتَتْهُ بِزُبْدٍ وَتَمْرٍ فَقَالَ: تَزَقَّمُوا. وَعَنِ ابْنِ سِيدَهْ: بَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ (أَيْ فِي سُورَةِ الدُّخان [٤٣- ٤٤] ) لم يعرفهَا قُرَيْشٌ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا جَارِيَةُ هَاتِي لَنَا تَمْرًا وَزُبْدًا نَزْدَقِمُهُ، فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ وَيَقُولُونَ: أَفَبِهَذَا يُخَوِّفُنَا مُحَمَّدٌ فِي الْآخِرَة ا. هـ. وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلهم هَذَا عِنْد مَا سَمِعُوا آيَة سُورَة الْوَاقِعَة لَا آيَةَ سُورَةِ الدُّخَانِ وَقَدْ جَاءَتْ فِيهَا نَكِرَةً. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِشَجَرٍ مَعْرُوفٍ هُوَ مَذْمُومٌ، قِيلَ: هُوَ شَجَرٌ مِنْ أَخْبَثِ الشَّجَرِ يَكُونُ بِتُهَامَةَ وَبِالْبِلَادِ الْمُجْدِبَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِلصَّحَرَاءِ كَرِيهَةُ الرَّائِحَةِ صَغِيرَةُ الْوَرَقِ مَسْمُومَةٌ ذَاتُ لَبَنٍ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ الْإِنْسَانِ تَوَرَّمَ وَمَاتَ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ. قَالَهُ قُطْرُبٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ.

стр. 7860

وَتَصَدِّي الْقُرْآنِ لِوَصْفِهَا الْمُفَصَّلِ هُنَا يَقْتَضِي أَنَّهَا لَيْسَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ فَذَكَرَهَا مُجْمَلَةً فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ فَلَمَّا قَالُوا مَا قَالُوا فصّل أَو صافها هُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ وَفِي سُورَةِ الدُّخَانِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ تغلي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدُّخان: ٤٣- ٤٦] . وَقَدْ سَمَّاهَا الْقُرْآنُ بِهَذِهِ الْإِضَافَةِ كَأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الزُّقْمَةِ بِضَمِّ الزَّاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَهُوَ اسْمُ الطَّاعُونِ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَمْ يَكُنِ الزَّقُّومُ اشْتِقَاقًا مِنَ التَّزَقُّمِ وَهُوَ الْإِفْرَاطُ فِي الْأَكْلِ حَتَّى يَكْرَهَهُ. وَهُوَ يُرِيدُ الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّزَقُّمِ وَهُوَ الْبَلْعُ عَلَى جَهْدٍ لِكَرَاهَةِ الشَّيْءِ. وَاسْتَأْنَفَ وَصْفَهَا بِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ، أَيْ عَذَابًا مِثْلَ مَا فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [البروج: ١٠] ، أَيْ عَذَّبُوهُمْ بِأُخْدُودِ النَّارِ. وَفُسِّرَتِ الْفِتْنَةُ أَيْضًا بِأَنَّ خَبَرَ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ كَانَ فِتْنَةً لِلْمُشْرِكِينَ إِذْ أَغْرَاهُمْ بِالتَّكْذِيبِ وَالتَّهَكُّمِ فَيَكُونُ مَعْنَى جَعَلْناها جَعَلْنَا ذِكْرَهَا وَخَبَرَهَا، أَيْ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ، أَيْ جَعْلَنَا ذِكْرَهَا مُثِيرًا لِفِتْنَتِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ وَالتَّهَكُّمِ دُونَ تَفَهُّمٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [المدثر: ٣١] ، فَإِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ جَهَنَّمَ: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: ٣٠] قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ إِنَّ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ وَأَنْتُمُ الدُّهْمُ أَيَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنْهُمْ (أَيْ مِنْ خَزَنَةِ النَّارِ) فَقَالَ أَبُو الأشد الجُمَحِي: أَنَا أَكْفِيكُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ فَاكْفُونِي أَنْتُمُ اثْنَيْنِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً [المدثر: ٣١] أَيْ فَلَيْسَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ كَوَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [المدثر: ٣١] . وَاسْتَأْنَفَ لِوَصْفِهَا استئنافا ثَانِيًا مكررا فِيهِ كَلِمَةَ إِنَّها لِلتَّهْوِيلِ. وَمَعْنَى تَخْرُجُ تَنْبُتُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الْأَعْرَاف: ٥٨] . وَمِنْ عَجِيبِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ جَعَلَ مِنَ النَّارِ شَجَرَةً وَهِيَ نَارِيَّةٌ لَا مَحَالَةَ. صَوَّرَ اللَّهُ فِي النَّارِ شَجَرَةً مِنَ النَّارِ، وَتَقْرِيبُ ذَلِكَ مَا يُصَوَّرُ فِي الشَّمَارِيخِ النَّارِيَّةِ مِنْ صُوَرٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ كَالنَّخِيلِ وَنَحْوِهُ.

стр. 7861

وَجَعَلَ لَهَا طَلْعًا، أَيْ ثَمَرًا، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الطَّلْعِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ تَشْبِيهًا لَهُ بِطَلْعِ النَّخْلَةِ لِأَنَّ اسْمَ الطَّلْعِ خَاصٌّ بِالنَّخِيلِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَنِ السُّدِّيِّ وَمُجَاهِدٍ قَالَ الْكُفَّارُ: كَيْفَ يُخْبِرُ مُحَمَّدٌ عَنِ النَّارِ أَنَّهَا تُنْبِتُ الْأَشْجَارَ، وَهِيَ تَأْكُلُهَا وَتُذْهِبُهَا، فَقَوْلُهُمْ هَذَا وَنَحْوُهُ مِنَ الْفِتْنَةِ لِأَنَّهُ يَزِيدُهُمْ كفرا وتكذيبا. ورُؤُسُ الشَّياطِينِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مرَادا بهَا رُؤُوس شَيَاطِينِ الْجِنِّ جَمْعِ شَيْطَانٍ بِالْمَعْنَى الْمَشْهُور ورؤوس هَذِهِ الشَّيَاطِينِ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ لَهُمْ، فَالتَّشْبِيهُ بِهَا حَوَالَةٌ عَلَى مَا تُصَوِّرُ لَهُمُ الْمُخَيِّلَةُ، وَطَلْعُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فَوُصِفَ لِلنَّاسِ فَظِيعًا بَشِعًا، وَشُبِّهَتْ بشاعته ببشاعة رُؤُوس الشَّيَاطِينِ، وَهَذَا التَّشْبِيهُ مِنْ تَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَعْقُولِ كَتَشْبِيهِ الْإِيمَانِ بِالْحَيَاةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِتُنْذَرَ مَنْ كانَ حَيًّا [يس: ٧٠] وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا تَقْرِيبُ حَالِ الْمُشَبَّهِ فَلَا يَمْتَنِعُ كَوْنُ الْمُشَبَّهِ بِهِ غَيْرَ مَعْرُوفٍ وَلَا كَوْنُ الْمُشَبَّهِ كَذَلِكَ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ وَقيل: أُرِيد برؤوس الشَّيَاطِينِ ثَمَرُ الْأَسْتَنِ، وَالْأَسْتَنُ (بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ السِّينِ وَفتح التَّاء) شَجَرَة فِي بَادِيَةِ الْيَمَنِ يُشْبِهُ شُخُوصَ النَّاسِ وَيُسمى ثمره رُؤُوس الشَّيَاطِينِ، وَإِنَّمَا سَمَّوْهُ كَذَلِكَ لِبَشَاعَةِ مَرْآهِ ثُمَّ صَارَ مَعْرُوفًا، فَشُبِّهَ بِهِ فِي الْآيَةِ. وَقِيلَ: الشَّياطِينِ: جَمْعُ شَيْطَانٍ وَهُوَ مِنَ الْحَيَّات مَا لرؤوسه أَعْرَافٌ، قَالَ الرَّاجِزُ يُشَبِّهُ امْرَأَتَهُ بِحَيَّةٍ مِنْهَا: عَنْجَرِدٌ تَحْلِفُ حِينَ أَحْلِفُ ... كَمَثَلِ شَيْطَانِ الْحَمَاطِ أَعْرَفُ الْحَمَاطُ: جَمْعُ حَمَاطَةَ بِفَتْحِ الْحَاءِ: شَجَرٌ تَكْثُرُ فِيهِ الْحَيَّاتُ، وَالْعَنْجَرِدُ بِكَسْرِ الرَّاءِ: الْمَرْأَةُ السَّلِيطَةُ. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ الَّتِي وُصِفَتْ بِهَا شَجَرَةُ الزَّقُّومِ بَالِغَةٌ حَدًّا عَظِيمًا مِنَ الذَّمِّ وَذَلِكَ الذَّمُّ هُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَلْعُونَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٦٠] ، وَكَذَلِكَ فِي آيَةِ إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ تغلي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ فِي سُورَةِ الدُّخَانِ

стр. 7862

وَقَدْ أُنْذِرُوا بِأَنَّهُمْ آكِلُونَ مِنْهَا إِنْذَارًا مُؤَكَّدًا، أَيْ آكِلُونَ مِنْ ثَمَرِهَا وَهُوَ ذَلِكَ الطَّلْعُ. وَضَمِيرُ مِنْها لِلشَّجَرَةِ جَرَى عَلَى الشَّائِعِ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ أَكَلْتُ مِنَ النَّخْلَةِ، أَيْ مِنْ ثَمَرِهَا. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ آكِلُونَ مِنْهَا كُرْهًا وَذَلِكَ مِنَ الْعَذَابِ، وَإِذَا كَانَ الْمَأْكُولُ كَرِيهًا يَزِيدُهُ كَرَاهَةً سُوءُ مَنْظَرِهِ، كَمَا أَنَّ الْمُشْتَهَى إِذَا كَانَ حَسَنَ الْمَنْظَرِ كَانَ الْإِقْبَالُ عَلَيْهِ بِشَرَهٍ لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ تَنَاوُلِ تُفَّاحَةٍ صَفْرَاءَ وَتَنَاوُلِ تُفَّاحَةٍ مُوَرَّدَةِ اللَّوْنِ، وَكَذَلِكَ مُحَسَّنَاتُ الشَّرَابِ، أَلَا تَرَى إِلَى كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ كَيْفَ أَطَالَ فِي مُحَسَّنَاتِ الْمَاءِ الَّذِي مُزِجَتْ بِهِ الْخَمْرُ فِي قَوْلِهِ: شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِنْ مَاءِ مَجْنِيَةٍ ... صَافٍ بِأَبْطَحَ أَضْحَى وَهُوَ مَشْمُولُ تَنْفِي الرِّيَاحُ الْقَذَى عَنْهُ وَأَفْرَطُهُ ... مِنْ صَوْبِ سَارِيَةٍ بَيْضٌ يَعَالِيلُ وَمَلْءُ الْبُطُونِ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ مَا يَأْكُلُونَ مِنْهَا عَلَى كَرَاهَتِهَا. وَإِسْنَادُ الْأَكْلِ وَمَلْءِ الْبُطُونِ إِلَيْهِمْ إِسْنَادٌ حَقِيقِيٌّ وَإِنْ كَانُوا مُكْرَهِينَ عَلَى ذَلِكَ الْأَكْلِ وَالْمَلْءِ. وَالْفَاءُ فِي قَوْله: فَمالِؤُنَ فَاءُ التَّفْرِيعِ، وَفِيهَا مَعْنَى التَّعْقِيبِ، أَيْ لَا يلبثُونَ أَن تمتلىء بُطُونُهُمْ مِنْ سُرْعَةِ الِالْتِقَامِ، وَذَلِكَ تَصْوِيرٌ لِكَرَاهَتِهَا فَإِنَّ الطَّعَامَ الْكَرِيهَ كَالدَّوَاءِ إِذَا تَنَاوَلَهُ آكِلُهُ أَسْرَعَ بِبَلْعِهِ وَأَعْظَمَ لَقْمَهُ لِئَلَّا يَسْتَقِرَّ طَعْمُهُ عَلَى آلَةِ الذَّوْقِ. وثُمَّ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ لِلتَّرَاخِي الرُّتَبِيِّ لِأَنَّهَا عَطَفَتْ جُمْلَةً، وَلَيْسَ لِلتَّرَاخِي فِي الْإِخْبَارِ مَعْنًى إِلَّا إِفَادَةَ أَنَّ مَا بَعْدَ حَرْفِ التَّرَاخِي أَهَمُّ أَوْ أَعْجَبُ مِمَّا قَبْلَهُ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنِ السَّامِعُ يَرْقُبُهُ فَهُوَ أَعْلَى رُتْبَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الْعَذَابِ عَلَى الَّذِي سَبَقَهُ فَوَقْعُهُ أَشَدُّ مِنْهُ، وَقَدْ أَشْعَرَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْها، أَيْ بَعْدَهَا أَيْ بَعْدَ أَكْلِهِمْ مِنْهَا. وَالشَّوْبُ: أَصْلُهُ مَصْدَرٌ شَابَ الشَّيءَ بِالشَّيءِ إِذَا خَلَطَهُ بِهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّيءِ الْمَشُوبِ بِهِ إِطْلَاقًا لِلْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ كَالْخَلْقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ. وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مُحْتَمَلٌ هُنَا.

стр. 7863

وَضَمِيرُ عَلَيْها عَائِدٌ إِلَى شَجَرَةُ الزَّقُّومِ بِتَأْوِيلِ ثَمَرِهَا. وَ (عَلَى) بِمَعْنَى (مَعَ) ، وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِعْلَاءِ لِأَنَّ الْحَمِيمَ يَشْرَبُونَهُ بَعْدَ الْأَكْلِ فَيَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْأَمْعَاءِ. وَالْحَمِيمُ: الْقَيْحُ السَّائِلُ مِنَ الدُّمَّلِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٧٠] . وَالْقَوْلُ فِي عَطْفِ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ كَالْقَوْلِ فِي عَطْفِ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ. وَالْمَرْجِعُ: مَكَانُ الرُّجُوعِ، أَيِ الْمَكَانِ الَّذِي يَعُودُ إِلَيْهِ الْخَارِجُ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُفَارِقَهُ. وَقَدْ يُسْتَعَارُ لِلِانْتِقَالِ مِنْ حَالَةٍ طَارِئَةٍ إِلَى حَالَةٍ أَصْلِيَّةٍ تَشْبِيهًا بِمُغَادَرَةِ الْمَكَانِ ثُمَّ الْعُودُ إِلَيْهِ كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي كَلَامه مَعَ هنيىء صَاحِبِ الْحِمَى «فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلَكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ» ، يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ عَفَّان وَعبد الرحمان بْنَ عَوْفٍ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا عَنَى أَنَّهُمَا يَنْتَقِلَانِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِالْمَاشِيَةِ إِلَى الِانْتِفَاعِ بِالنَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ الرُّجُوعُ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ حِينَ يَطْعَمُونَ مِنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وَيَشْرَبُونَ الْحَمِيمَ لَمْ يُفَارِقُوا الْجَحِيمَ فَأُرِيدَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ عَذَابَ الْأَكْلِ مِنَ الزَّقُّومِ وَالشَّرَابِ مِنَ الْحَمِيمِ زِيَادَةٌ عَلَى عَذَابِ الْجَحِيمِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ فَلَيْسَ ثَمَّةَ مُغَادَرَةٍ لِلْجَحِيمِ حَتَّى يَكُونَ الرُّجُوعُ حَقِيقَةً، مِثْلُهُ قَول النبيء ﷺ حِينَ رُجُوعِهِ مِنْ إِحْدَى مَغَازِيهِ «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» يُرِيدُ مُجَاهَدَةَ النَّفْسِ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْنِ أَنَّهُمْ حِينَ اشْتِغَالِهِمْ بِالْجِهَادِ قَدْ تَرَكُوا مُجَاهَدَةَ أَنْفُسِهِمْ وَإِنَّمَا عَنَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي جِهَادٍ زَائِدٍ فَصَارُوا إِلَى الْجِهَاد السَّابِق. [٦٩- ٧٠] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ٦٩ إِلَى ٧٠] إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) تَعْلِيلٌ لِمَا جَازَاهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ وَإِبْدَاءٌ لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُرْمِهِمْ، فَإِنَّ جُرْمَهُمْ كَانَ تَلَقِّيًا لِمَا وَجَدُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَشُعَبِهِ بِدُونِ نَظَرٍ وَلَا اخْتِيَارٍ لِمَا

стр. 7864

يَخْتَارُهُ الْعَاقِلُ، فَكَانَ مِنْ جَزَائِهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُطْعَمُونَ طَعَامًا مُؤْلِمًا وَيُسْقَوْنَ شَرَابًا قَذِرًا بِدُونِ اخْتِيَارٍ كَمَا تَلَقَّوْا دِينَ آبَائِهِمْ تَقْلِيدًا وَاعْتِبَاطًا. فَمَوْقِعُ (إِنَّ) مَوْقِعُ فَاءِ السَّبَبِيَّةِ، وَمَعْنَاهَا مَعْنَى لَامِ التَّعْلِيلِ، وَهِيَ لِذَلِكَ مُفِيدَةٌ رَبْطَ الْجُمْلَةِ بِالَّتِي قَبْلَهَا كَمَا تَرْبُطُهَا الْفَاءُ وَلَامُ التَّعْلِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ. وَالْمُرَادُ: الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٢] . وَفِي قَوْلِهِ: أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ ضَلَالَهُمْ لَا يَخْفَى عَنِ النَّاظِرِ فِيهِ لَوْ تُرِكُوا عَلَى الْفِطْرَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَلَمْ يُغَشُّوهَا بِغِشَاوَةِ الْعِنَادِ. وَالْفَاءُ الدَّاخِلَةُ عَلَى جُمْلَةِ فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ فَاءُ الْعَطْفِ لِلتَّفْرِيعِ وَالتَّسَبُّبِ، أَيْ مُتَفَرِّعٌ على إلفائهم آبَاءَهُم ضَالِّينَ أَنِ اقْتَفَوْا آثَارَهُمْ تَقْلِيدًا بِلَا تَأَمُّلٍ، وَهَذَا ذَمٌّ لَهُمْ. وَالْآثَارُ: مَا تَتْرُكُهُ خُطَى الماشين من موطىء الْأَقْدَامِ فَيَعْلَمُ السَّائِرُ بُعْدَهُمْ أَنَّ مَوَاقِعَهَا مَسْلُوكَةٌ مُوَصِّلَةٌ إِلَى مَعْمُورٍ، فَمَعْنَى عَلى الِاسْتِعْلَاءُ التَّقْرِيبِيُّ، وَهُوَ مَعْنَى الْمَعِيَّةِ لِأَنَّهُمْ يَسِيرُونَ مَعَهَا وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا مُعْتَلِينَ عَلَيْهَا. ويُهْرَعُونَ بِفَتْحِ الرَّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ مُضَارِعُ: أَهْرَعَهُ، إِذَا جَعَلَهُ هَارِعَا، أَيْ حَمَلَهُ عَلَى الْهَرَعِ وَهُوَ الْإِسْرَاعُ الْمُفْرِطُ فِي السَّيْرِ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الْمُتَابَعَةِ دُونَ تَأَمُّلٍ، فَشَبَّهَ قَبُولَ الِاعْتِقَادِ بِدُونِ تَأَمُّلٍ بِمُتَابَعَةِ السَّائِرِ مُتَابَعَةً سَرِيعَةً لِقَصْدِ الِالْتِحَاقِ بِهِ. وَأُسْنِدَ إِلَى الْمَجْهُولِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَن ذَلِك ناشىء عَنْ تَلْقِينِ زُعَمَائِهِمْ وَتَعَالِيمِ الْمُضَلِّلِينَ، فَكَأَنَّهُمْ مَدْفُوعُونَ إِلَى الْهَرَعِ فِي آثَارِ آبَائِهِمْ فَيَحْصُلُ مِنْ قَوْلِهِ: يُهْرَعُونَ تَشْبِيهُ حَالِ الْكَفَرَةِ بِحَالِ مَنْ يُزْجَى وَيُدْفَعُ إِلَى السَّيْرِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يسَار بِهِ.

стр. 7865

[سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ٧١ إِلَى ٧٤] وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) عُقِّبَ وَصْفُ حَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْآخِرَةِ وَمَا عُلِّلَ بِهِ مِنْ أَنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَاتَّبَعُوا آبَاءَهُمْ بِتَنْظِيرِهِمْ بِمَنْ سَلَفُوا مِنَ الضَّالِّينَ وتذكيرا للرسول ﷺ بِذَلِكَ مَسْلَاةً لَهُ عَلَى مَا يُلَاقِيهِ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ، وَاسْتِقْصَاءً لَهُمْ فِي الْعِبْرَةِ وَالْمَوْعِظَةِ بِمَا حَلَّ بِالْأُمَمِ قَبْلَهُمْ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا إِكْمَالًا لِلتَّعْلِيلِ، أَيِ اتَّبَعُوا آثَارَ آبَائِهِمْ وَاقْتَدَوْا بِالْأُمَمِ أَشْيَاعِهِمْ. وَوَصَفَ الَّذِينَ ضَلُّوا قَبْلَهُمْ بِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ لِئَلَّا يَغْتَرَّ ضُعَفَاءُ الْعُقُولِ بِكَثْرَةِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا يَعْتَزُّوا بِهَا، لِيَعْلَمُوا أَنَّ كَثْرَةَ الْعَدَدِ لَا تُبَرِّرُ ضَلَالَ الضَّالِّينَ وَلَا خَطَأَ الْمُخْطِئِينَ، وَأَنَّ الْهُدَى وَالضَّلَالَ لَيْسَا مِنْ آثَارِ الْعَدَدِ كَثْرَةً وَقِلَّةً وَلَكِنَّهُمَا حَقِيقَتَانِ ثَابِتَتَانِ مُسْتَقِلَّتَانِ فَإِذَا عَرَضَتْ لِإِحْدَاهُمَا كَثْرَةً أَوْ قِلَّةً فَلَا تَكُونَانِ فِتْنَةً لِقِصَارِ الْأَنْظَارِ وَضُعَفَاءِ التَّفْكِيرِ. قَالَ تَعَالَى: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [الْمَائِدَة: ١٠٠] . وَأُكْمِلَتِ الْعِلَّةُ وَالتَّسْلِيَةُ وَالْعِبْرَةُ بِقَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ أَيْ رُسُلًا يُنْذِرُونَهُمْ، أَيْ يُحَذِّرُونَهُمْ مَا سَيَحِلُّ بِهِمْ مِثْلَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَى هَؤُلَاءِ. وَخَصَّ الْمُرْسَلِينَ بِوَصْفِ الْمُنْذِرِينَ لِمُنَاسَبَةِ حَالِ الْمُتَحَدَّثِ عَنْهُمْ وَأَمْثَالِهِمْ. وَضَمِيرُ فِيهِمْ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِينَ، أَيْ أَرْسَلْنَا فِي الْأَوَّلِ مُنْذِرِينَ فَاهْتَدَى قَلِيلٌ وَضَلَّ أَكْثَرُهُمْ. وَفَرَّعَ عَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ الْخِطَابَ إِلَى الرَّسُول ﷺ تَرْشِيحًا لِمَا فِي الْكَلَامِ السَّابِقِ مِنْ جَانِبِ التَّسْلِيَةِ وَالتَّثْبِيتِ مَعَ التَّعْرِيضِ بِالْكَلَامِ لِتَهْدِيدِ الْمُشْرِكِينَ بِذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ الْقُرْآن فَشَمَلَ النبيء ﷺ . وَالْأَمْرُ بِالنَّظَرِ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ وَالتَّهْوِيلِ فَإِنْ أُرِيدَ بِالْعَاقِبَةِ عَاقِبَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا فَالنَّظَرُ بَصَرِيٌّ، وَإِنْ أُرِيدَ عَاقِبَتُهُمْ فِي الْآخِرَةِ كَمَا يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ فَالنَّظَرُ قَلْبِيٌّ، وَلَا مَانِعَ مِنْ إِرَادَةِ الْأَمْرَيْنِ وَاسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي الْمَعْنَيَيْنِ.

стр. 7866

وَالتَّعْرِيفُ فِي قَوْلِهِ: الْمُنْذَرِينَ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ، وَهُمُ الْمُنْذَرُونَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمُ الْمُنْذِرُونَ، أَيْ فَهُمُ الضَّالُّونَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ. فَالْمَعْنَى: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الضَّالِّينَ الَّذِينَ أنذرناهم فَلم ينتذروا كَمَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَاتَّبَعُوهُمْ، فَقَدْ تَحَقَّقَ اشْتِرَاكُ هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ فِي الضَّلَالِ، فَلَا جَرَمَ أَنْ تَكُونَ عَاقِبَةُ هَؤُلَاءِ كَعَاقِبَةِ أُولَئِكَ. وَفِعْلُ النَّظَرِ مُعَلَّقٌ عَنْ مَعْمُولِهِ بِالِاسْتِفْهَامِ، وَالِاسْتِفْهَامُ تَعْجِيبِيٌّ لِلتَّفْظِيعِ. وَاسْتُثْنِيَ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ مِنَ الْأَوَّلِينَ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ كَانُوا مِنْ جُمْلَةِ الْمُنْذَرِينَ فَصَدَّقُوا الْمُنْذِرِينَ وَلَمْ يُشَارِكُوا الْمُنْذَرِينَ فِي عَاقِبَتِهِمُ الْمَنْظُورِ فِيهَا وَهِيَ عَاقِبَةُ السُّوءِ. وَتَقَدَّمَ اخْتِلَافُ الْقُرَّاءِ فِي فَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا مِنْ قَوْلِهِ: الْمُخْلَصِينَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٣٩- ٤٠] . [٧٥- ٨٢] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ٧٥ إِلَى ٨٢] وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) أَتْبَعَ التَّذْكِيرَ وَالتَّسْلِيَةَ مِنْ جَانِبِ النَّظَرِ فِي آثَارِ مَا حَلَّ بِالْأُمَمِ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ، وَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ مِنْ عَاقِبَتِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، بِتَذْكِيرٍ وَتَسْلِيَةٍ مِنْ جَانِبِ الْإِخْبَارِ عَنِ الرُّسُلِ الَّذِينَ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ وَآذَوْهُمْ وَكَيْفَ انْتَصَرَ اللَّهُ لَهُم ليزِيد رَسُول ﷺ تَثْبِيتًا وَيُلْقِمَ الْمُشْرِكِينَ تَبْكِيتًا. وَذَكَرَ فِي هَذِه السُّورَة سِتّ قصَص من قَصَصَ الرُّسُلِ مَعَ أَقْوَامِهِمْ لِأَنَّ فِي كُلِّ قِصَّةٍ مِنْهَا خَاصِّيَّةً لَهَا شَبَهٌ بِحَال الرَّسُول ﷺ مَعَ قَوْمِهِ وَبِحَالِهِ الْأَكْمَلِ فِي دَعْوَتِهِ، فَفِي الْقَصَصِ كُلِّهَا عِبْرَةٌ وَأُسْوَةٌ وَتَحْذِيرٌ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ عِنْدَ كُلِّ قِصَّةٍ مِنْهَا، وَيَجْمَعُهَا كُلَّهَا مُقَاوَمَةُ الشِّرْكِ وَمُقَاوَمَةُ أَهْلِهَا.

стр. 7867

وَاخْتِيرَ هَؤُلَاءِ الرُّسُلُ السِّتَّةُ: لِأَن نوحًا الْقُدْرَة الْأُولَى، وَإِبْرَاهِيمَ هُوَ رَسُولُ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ الَّتِي هِيَ نَوَاةُ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ شَجَرَةِ الْإِسْلَامِ، وَمُوسَى لِشِبْهِ شَرِيعَتِهِ بِالشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي التَّفْصِيلِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الدِّينِ وَالسُّلْطَانِ، فَهَؤُلَاءِ الرُّسُلُ الثَّلَاثَةُ أُصُولٌ. ثُمَّ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ رُسُلٍ تفرّعوا عَنْهُم وثلاثتهم عَلَى مِلَّةِ رُسُلِ مَنْ قَبْلَهُمْ. فَأَمَّا لُوطٌ فَهُوَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا إِلْيَاسُ وَيُونُسُ فَعَلَى مِلَّةِ مُوسَى. وَابْتَدَى بِقِصَّةِ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ وَهُوَ الْأُسْوَةُ الْأُولَى وَالْقُدْوَةُ الْمُثْلَى. وَابْتِدَاءُ الْقِصَّةِ بِذِكْرِ نِدَاءِ نُوحٍ رَبَّهُ مَوْعِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ لِيَحْذَرُوا دُعَاء الرَّسُول ﷺ رَبَّهُ تَعَالَى بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ كَمَا دَعَا نُوحٌ عَلَى قَوْمِهِ وَهَذَا النِّدَاءُ هُوَ الْمَحْكِيُّ فِي قَوْلِهِ: قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢٦] ، وَقَوْلِهِ: قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً الْآيَاتُ مِنْ سُورَةِ نُوحٍ [٢١] . وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ تَفْرِيعٌ عَلَى نَادَانَا، أَيْ نَادَانَا فَأَجَبْنَاهُ، فَحَذَفَ الْمُفَرَّعَ لِدَلَالَةِ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ عَلَيْهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى فَأَجَبْنَاهُ جَوَابَ مَنْ يُقَالُ فِيهِ: نِعْمَ الْمُجِيبُ. وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ، أَيْ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ نَحْنُ. وَضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ الْمُشَارِكِ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْظِيمِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ وَتَأْكِيدُ مَا فُرِّعَ عَلَيْهِ بِلَامِ الْقَسَمِ لِتَحْقِيقِ الْأَمْرَيْنِ تَحْذِيرًا لِلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ تَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يُنْكِرُ أَنَّ نُوحًا دَعَا فَاسْتُجِيبَ لَهُ. وَالتَّنْجِيَةُ: الْإِنْجَاءُ وَهُوَ جَعْلُ الْغَيْرِ نَاجِيًا. وَالنَّجَاةُ: الْخَلَاصُ مِنْ ضُرٍّ وَاقِعٍ. وَأُطْلِقَتْ هُنَا عَلَى السَّلَامَةِ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الْوُقُوعِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمَّا حَصَلَتْ سَلَامَتُهُ فِي حِينِ إِحَاطَةِ الضُّرِّ بِقَوْمِهِ نَزَلَتْ سَلَامَتُهُ مِنْهُ مَعَ قُرْبِهِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَلَاصِ مِنْهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ فِيهِ تَنْزِيلًا لِمُقَارَبَةِ وُقُوعِ الْفِعْلِ مَنْزِلَةَ وُقُوعِهِ، وَهَذَا إِطْلَاقٌ كَثِيرٌ لِلَفْظِ النَّجَاةِ بِحَيْثُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: النَّجَاةُ خَلَاصٌ مِنْ ضُرٍّ وَاقِعٍ أَوْ مُتَوَقَّعٍ. وَالْمُرَادُ بِأَهْلِهِ: عَائِلَتُهُ إِلَّا مَنْ حَقَّ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ قَومِهِ، قَالَ تَعَالَى: قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ

стр. 7868

الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤٠] . فَالِاقْتِصَارُ عَلَى أَهْلِهِ هُنَا لِقِلَّةِ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، أَوْ أُرِيدَ بِالْأَهْلِ أَهْلَ دِينِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [آل عمرَان: ٦٨] . وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَنَّ اسْتِجَابَةَ دُعَاءِ نُوحٍ كَانَتْ بِأَنْ أَهْلَكَ قَوْمَهَ. والْكَرْبِ: الْحُزْنُ الشَّدِيدُ وَالْغَمُّ. وَوَصَفَهُ بِ الْعَظِيمِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ عَظِيمٌ فِي نَوْعِهِ فَهُوَ غَمٌّ عَلَى غَمٍّ. وَالْمَعْنِيُّ بِهِ الطُّوفَانُ، وَهُوَ كَرْبٌ عَظِيمٌ عَلَى الَّذِينَ وَقَعُوا فِيهِ، فَإِنْجَاءُ نُوحٍ مِنْهُ هُوَ سَلَامَتُهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهِ كَمَا عَلِمْتَ لِأَنَّهُ هَوْلٌ فِي الْمَنْظَرِ، وَخَوْفٌ فِي الْعَاقِبَة وَالْوَاقِع فِيهِ مُوقِنٌ بِالْهَلَاكِ. وَلَا يزَال الْخَوْف يزْدَاد بِهِ حَتَّى يَغْمُرَهُ الْمَاءُ ثُمَّ لَا يَزَالُ فِي آلَامٍ مِنْ ضِيقِ النَّفَسِ وَرِعْدَةِ القرّ وَالْخَوْف وَتحقّق الْهَلَاكِ حَتَّى يَغْرَقَ فِي الْمَاءِ. وَإِنْجَاءُ اللَّهِ إِيَّاهُ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ، وَإِنْجَاءُ أَهْلِهِ نعْمَة أُخْرَى، وإهلاك ظَالِمِيهِ نِعْمَةٌ كُبْرَى، وَجَعْلُ عُمْرَانِ الْأَرْضِ بذريته نعْمَة دائمة لِأَنَّهُمْ يَدْعُونَ لَهُ وَيُذْكَرُ بَيْنَهُمْ مَصَالِحُ أَعْمَالِهِ وَذَلِكَ مِمَّا يَرْحَمُهُ اللَّهُ لِأَجْلِهِ، وَسَتَأْتِي نِعَمٌ أُخْرَى تَبْلُغُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ. وَضَمِيرُ الْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ: هُمُ الْباقِينَ لِلْحَصْرِ، أَيْ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَنْ نَجَّاهُ اللَّهُ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، ثُمَّ مَنْ تَنَاسَلَ مِنْهُمْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَبْنَاءِ آدَمَ غَيْرُ ذَرِّيَّةِ نُوحٍ فَجَمِيعُ الْأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَوْلَادِ نُوحٍ الثَّلَاثَةِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ مَنْ آمَنَ مَعَ نُوحٍ مِنْ غَيْرِ أَبْنَائِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَسْلٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا خَرَجَ نُوحٌ مِنَ السَّفِينَةِ مَاتَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَلَدَهُ وَنِسَاءَهُ. وَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ هُودٍ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤٠] ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى أَنَّ الطُّوفَانَ قَدْ عَمَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا وَاسْتَأْصَلَ جَمِيعَ الْبَشَرِ إِلَّا مَنْ حَمَلَهُمْ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ فِي سُورَةِ هُودٍ. وَعُمُومُ الطُّوفَانِ هُوَ مُقْتَضَى ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ، وَمَنْ قَالُوا إِنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يَعُمَّ الْأَرْضَ فَإِنَّمَا أَقْدَمُوا عَلَى إِنْكَارِهِ مِنْ جِهَةِ قِصَرِ الْمُدَّةِ الَّتِي حَدَّدَتْ بِهَا كُتُبُ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ الِاطْمِئْنَانُ لَهَا فِي ضَبْطِ عُمْرِ الْأَرْضِ وَأَحْدَاثِهَا وَذَلِكَ لَيْسَ

стр. 7869

مِنَ الْقَوَاطِعِ، وَيَكُونُ الْقَصْرُ إِضَافِيًّا أَيْ لَمْ يَبْقَ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ. وَقَدْ يُقَالُ: نُسَلِّمُ أَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يَعُمَّ الْأَرْضَ وَلَكِنَّهُ عَمَّ الْبَشَرَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُنْحَصِرِينَ فِي الْبِلَادِ الَّتِي أَصَابَهَا الطُّوفَانُ وَلَئِنْ كَانَتْ أَدِلَّةُ عُمُومِ الطُّوفَانِ غَيْرَ قَطْعِيَّةٍ فَإِنَّ مُسْتَنَدَاتِ الَّذِينَ أَنْكَرُوهُ غَيْرُ نَاهِضَةٍ فَلَا تُتْرَكُ ظَوَاهِرُ الْأَخْبَارِ لِأَجْلِهَا. وَزَادَ اللَّهُ فِي عِدَادِ كَرَامَةِ نُوحٍ ﵇ قَوْلَهُ: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، فَتِلْكَ نِعْمَةٌ خَامِسَةٌ. وَالتَّرْكُ: حَقِيقَتُهُ تَخْلِيفُ شَيءٍ وَالتَّخَلِّي عَنْهُ. وَهُوَ هَنَا مُرَادٌ بِهِ الدَّوَامُ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ أَوِ الِاسْتِعَارَةِ، لِأَنَّ شَأْنَ النِّعَمِ فِي الدُّنْيَا أَنَّهَا مَتَاعٌ زَائِلٌ بَعْدُ، طَالَ مَكْثُهَا أَوْ قَصُرَ، فَكَأَنَّ زَوَالَهَا اسْتِرْجَاعٌ مِنْ مُعْطِيهَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى» فَشَرَّفَ اللَّهُ نُوحًا بِأَنْ أَبْقَى نِعَمَهُ عَلَيْهِ فِي أُمَمٍ بَعْدَهُ. وَظَاهِرُ الْآخِرِينَ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ إِلَى انْقِضَاءِ الْعَالَمِ، وَقَرِينَةُ الْمَجَازِ تَعْلِيقُ عَلَيْهِ بِ تَرَكْنا لِأَنَّهُ يُنَاسِبُ الْإِبْقَاءَ، يُقَالُ: أَبْقَى عَلَى كَذَا، أَيْ حَافَظَ عَلَيْهِ لِيَبْقَى وَلَا يَنْدَثِرَ، وعَلى هَذَا لَا يَكُونُ لِ تَرَكْنا مَفْعُولٌ، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَ لَهُ مَفْعُولًا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ، أَي تركنَا ثَنَاء عَلَيْهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَذَا الْإِبْقَاءِ تَعْمِيرُهُ أَلْفَ سَنَةٍ، فَهُوَ إِبْقَاءُ أَقْصَى مَا يُمْكِنُ إِبْقَاءُ الْحَيِّ إِلَيْهِ فَوْقَ مَا هُوَ مُتَعَارَفٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بَقَاءُ حُسْنِ ذِكْرِهِ بَيْنَ الْأُمَمِ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشُّعَرَاء: ٨٤] فَكَانَ نُوحٌ مَذْكُورًا بِمَحَامِدِ الْخِصَالِ حَتَّى قِيلَ: لَا تَجْهَلُ أُمَّةٌ مِنْ أُمَمِ الْأَرْضِ نُوحًا وَفَضْلَهُ وَتَمْجِيدَهُ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي يُسَمُّونَهُ بِهَا بِاخْتِلَافِ لُغَاتِهِمْ. فَجَاءَ فِي «سِفْرِ التَّكْوِينِ» الْإِصْحَاحِ التَّاسِعِ: كَانَ نُوحٌ رَجُلًا بَارًّا كَامِلًا فِي أَجْيَالِهِ وَسَارَ نُوحٌ مَعَ اللَّهِ. وَوَرَدَ ذِكْرُهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فِي قَوْلِ النَّابِغَةِ: فَأَلْفَيْتَ الْأَمَانَة لم تخنا ... كَذَلِكَ كَانَ نُوحٌ لَا يَخُونُ وَذِكْرُهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مَعْرِضِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [الْإِسْرَاء: ٣] .

стр. 7870

وَذَكَرَ ابْنُ خَلْدُونَ: أَنَّ بَعْضَهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ نُوحًا هُوَ (أَفْرِيدُونْ) مَلِكُ بِلَادِ الْفُرْسِ، وَبَعْضَهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ نُوحًا هُوَ (أُوشْهَنْكُ) مَلِكُ الْفُرْسِ الَّذِي كَانَ بَعْدَ (كُيُومَرْثَ) بِمِائَتَيْ سَنَةٍ وَهُوَ يُوَافِقُ أَنَّ نُوحًا كَانَ بَعْدَ آدَمَ وَهُوَ كُيُومَرْثُ بِمِائَتَيْ سَنَةٍ حَسَبَ كُتُبِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ. عَلَى أَنَّ كُيُومَرْثَ يُقَالُ: إِنَّهُ آدَمَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَمُتَعَلَّقُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ لَمْ يَحُمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ حَوْلَهُ فِيمَا اطَّلَعْتُ، وَالْوَجْهُ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِ بِفِعْلِ تَرَكْنا بِتَضْمِينِ هَذَا الْفِعْلِ مَعْنَى (أَنْعَمْنَا) فَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُعَدَّى هَذَا الْفِعْلُ بِاللَّامِ، فَلَمَّا ضُمِّنَ مَعْنَى أَنْعَمْنَا أَفَادَ بِمَادَّتِهِ مَعْنَى الْإِبْقَاءِ لَهُ، أَيْ إِعْطَاءِ شَيءٍ مِنَ الْفَضَائِلِ الْمُدَّخَرَةِ الَّتِي يُشْبِهُ إِعْطَاؤُهَا تَرْكَ أَحَدٍ مَتَاعًا نَفِيسًا لِمَنْ يُخَلِّيهِ هُوَ لَهُ وَيَخْلُفُهُ فِيهِ. وَأَفَادَ بِتَعْلِيقِ حَرْفِ (عَلَى) بِهِ أَنَّ هَذَا التَّرْكَ مِنْ قَبِيلِ الْإِنْعَامِ وَالتَّفْضِيلِ، وَكَذَلِكَ شَأْنُ التَّضْمِينِ أَنْ يُفِيدَ الْمُضَمَّنُ مُفَادَ كَلِمَتَيْنِ فَهُوَ مِنْ أَلْطَفِ الْإِيجَازِ. ثُمَّ إِنَّ مَفْعُولَ تَرَكْنا لَمَّا كَانَ مَحْذُوفًا وَكَانَ فِعْلُ (أَنْعَمْنَا) الَّذِي ضُمِّنَهُ فِعْلُ تَرَكْنا مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى مُتَعَلِّقِ مَعْنَى الْمَفْعُولِ، كَانَ مَحْذُوفًا أَيْضًا مَعَ عَامِلِهِ فَكَانَ التَّقْدِيرُ: وَتَركنَا لَهُ ثَنَاء وَأَنْعَمْنَا عَلَيْهِ، فَحَصَلَ فِي قَوْلِهِ: تَرَكْنا عَلَيْهِ حَذْفُ خَمْسِ كَلِمَاتٍ وَهُوَ إِيجَازٌ بَدِيعٌ. وَلِذَلِكَ قَدَّرَ جُمْهُورُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَتَرَكْنا ثَنَاء حَسَنًا عَلَيْهِ. وَجُمْلَةُ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ إِنْشَاءُ ثَنَاءِ اللَّهِ عَلَى نُوحٍ وَتَحِيَّةٌ لَهُ وَمَعْنَاهُ لَازِمُ التَّحِيَّةِ وَهُوَ الرِّضَى وَالتَّقْرِيبُ، وَهُوَ نِعْمَةٌ سَادِسَةٌ. وَتَنْوِينُ سَلامٌ لِلتَّعْظِيمِ وَلِذَلِكَ شَاعَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ لِأَنَّهَا كَالْمَوْصُوفِ. وَالْمُرَادُ بِالْعَالَمِينَ: الْأُمَمُ وَالْقُرُونُ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ دَوَامِ السَّلَامِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [مَرْيَم: ١٥] فِي حَقِّ عِيسَى ﵇ وَكَقَوْلِهِ: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ [الصافات: ١٣٠] سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ [الصافات: ١٠٩] . وَفِي الْعالَمِينَ حَالٌ فَهُوَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ عَنْ سَلامٌ. وَذَهَبَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَالْمُبَرِّدُ وَالزَّمَخْشَرِيُّ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي

стр. 7871

الْعالَمِينَ فِي مَحَلِّ مَفْعُولِ تَرَكْنا، أَيْ تَرَكْنَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَهِيَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ وَهُوَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي قُصِدَتْ حِكَايَتُهُ كَمَا تَقُولُ قَرَأْتُ سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها [النُّور: ١] ، أَيْ جَعَلْنَا النَّاسَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَجْيَالِ، فَمَا ذَكَرُوهُ إِلَّا قَالُوا: ﵇. وَمِثْلُ ذَلِكَ قَالُوا فِي نَظَائِرِهَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْمُتَعَاقِبَةِ. وَزِيدَ فِي سَلَامِ نُوحٍ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ فِي الْعَالَمِينَ دُونَ السَّلَامِ عَلَى غَيْرِهِ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَإِلْيَاسَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ التَّنْوِيهَ بِنُوحٍ كَانَ سَائِرًا فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ يَنْتَمُونَ إِلَيْهِ وَيَذْكُرُونَهُ ذِكْرَ صِدْقٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا. وَجُمْلَةُ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ تَذْيِيلٌ لِمَا سَبَقَ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ نُوحًا. وَ (إِنَّ) تُفِيدُ تَعْلِيلًا لِمُجَازَاةِ اللَّهِ نُوحًا بِمَا عَدَّهُ من النعم بِأَن ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ مُحْسِنًا، أَيْ مُتَخَلِّقًا بِالْإِحْسَانِ وَهُوَ الْإِيمَانُ الْخَالِصُ الْمُفَسَّرُ فِي قَول النبيء ﷺ : «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، وَأَيُّ دَلِيلٍ عَلَى إِحْسَانِهِ أَجْلَى مِنْ مُصَابَرَتِهِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّقْوَى وَمَا نَالَهُ مِنَ الْأَذَى مِنْ قَوْمِهِ طُولَ مُدَّةِ دَعْوَتِهِ. وَالْمَعْنَى: إِنَّا مِثْلَ ذَلِكَ الْجَزَاءِ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَفِي هَذَا تَنْوِيهٌ بِنُوحٍ ﵇ بِأَنَّ جَزَاءَهُ كَانَ هُوَ الْمِثَالَ وَالْإِمَامَ لِجَزَاءِ الْمُحْسِنِينَ عَلَى مَرَاتِبِ إِحْسَانِهِمْ وَتَفَاوُتِ تَقَارُبِهَا مِنْ إِحْسَانِ نُوحٍ ﵇ وَقُوَّتِهِ فِي تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ. فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أُوذِيَ فِي اللَّهِ فَسَنَّ الْجَزَاءَ لِمَنْ أُوذِيَ فِي اللَّهِ، وَكَانَ عَلَى قَالَبِ جَزَائِهِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ كِفْلٌ مِنْ كُلِّ جَزَاءٍ يُجْزَاهُ أَحَدٌ عَلَى صَبْرِهِ إِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ، فَثَبَتَ لِنُوحٍ بِهَذَا وَصْفُ الْإِحْسَانِ، وَهُوَ النِّعْمَةُ السَّابِعَةُ. وَثَبَتَ لَهُ أَنَّهُ مَثَلٌ لِلْمُحْسِنِينَ فِي جَزَائِهِمْ عَلَى إِحْسَانِهِمْ، وَهِيَ النِّعْمَةُ الثَّامِنَةُ. وَجُمْلَةُ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ تَعْلِيل لاستحقاقه المجازاة الْمَوْصُوفَةَ بِقَوْلِهِ: كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ فَاخْتَلَفَ مَعْلُولُ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَمَعْلُولُ الْعِلَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَأَفَادَ وَصْفُهُ بِ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا أَنَّهُ مِمَّنِ اسْتَحَقَّ هَذَا الْوَصْفَ، وَقَدْ عَلِمْتَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ وَصْفَ (عَبْدٍ) إِذَا أُضِيفَ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ أَشْعَرَ بِالتَّقْرِيبِ وَرَفْعِ

стр. 7872

الدَّرَجَةِ، اقْتَصَرَ عَلَى وَصْفِ الْعِبَادِ بِالْمُؤْمِنِينَ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الْإِيمَانِ لِيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَيُقْلِعَ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الشِّرْكِ. وَهَذِهِ نِعْمَةٌ تَاسِعَةٌ. وَأُقْحِمَ مَعَهَا مِنْ عِبادِنَا لِتَشْرِيفِهِ بِتِلْكَ الْإِضَافَةِ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ [الصافات: ٤٠- ٤١] وَهَذِهِ نِعْمَةٌ عَاشِرَةٌ، وَفِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى عَظِيمِ قَدْرِ الْإِيمَانِ. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عِبْرَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِمَا حَلَّ بِقَوْمِ نوح وتسلية للنبيء ﷺ وَجَعْلُ نُوحٍ قُدْوَةً لَهُ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ كَمَا نَصَرَ نُوحًا عَلَى قَوْمِهِ وَيُنْجِيهِ مِنْ أَذَاهُمْ وَتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ. وثُمَّ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّرَاخِي الرَّتْبِيَّيْنِ لِأَنَّ بَعْضَ مَا ذُكِرَ قَبْلَهَا فِي الْكَلَامِ هُوَ مِمَّا حَصَلَ بَعْدَ مَضْمُونِ جُمْلَتِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَا هُوَ بَيِّنٌ، وَمَعْنَى التَّرَاخِي الرَّتْبِيِّ هُنَا أَنَّ إِغْرَاقَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ مَعَ نَجَاتِهِ وَنَجَاةِ أَهْلِهِ، أَعْظَمُ رُتْبَةً فِي الِانْتِصَارِ لَهُ وَالدَّلَالَةِ عَلَى وَجَاهَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلُطْفِهِ. وَمَعْنَى الْآخَرِينَ مَنْ عَدَاهُ وَعَدَا أَهْلَهَ، أَيْ بَقِيَّةُ قَوْمِهِ، وَفِي التَّعْبِيرِ عَنْهُمْ بِالْآخَرِينَ ضَرْبٌ مِنَ الِاحْتِقَارِ. وَمِمَّا فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: «إِنَّ الْآخَرَ قَدْ زَنَى» يَعْنِي نَفْسَهَ عَلَى رِوَايَةِ الْآخَرِ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَهِيَ إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ فِي الْحَدِيثِ. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ وَقِصَّتِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً فِي آلِ عِمْرَانَ [٣٣] ، وَفِي الْأَعْرَافِ، وَفِي سُورَةِ هُودٍ، وَذِكْرُ سَفِينَتِهِ فِي أَوَّلِ سُورَة العنكبوت. [٨٣- ٨٧] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ٨٣ إِلَى ٨٧] وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) تَخَلَّصَ إِلَى حِكَايَةِ مَوْقِفِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ مِنْ قَوْمِهِ فِي دَعْوَتِهِمْ إِلَى التَّوْحِيدِ

стр. 7873

وَمَا لَاقَاهُ مِنْهُمْ وَكَيْفَ أَيَّدَهُ اللَّهُ وَنَجَّاهُ مِنْهُمْ، وَقَعَ هَذَا التَّخَلُّصُ إِلَيْهِ بِوَصْفِهِ مِنْ شِيعَةِ نُوحٍ لِيُفِيدَ بِهَذَا الْأُسْلُوبِ الْوَاحِدِ تَأْكِيدَ الثَّنَاءِ عَلَى نُوحٍ وَابْتِدَاءَ الثَّنَاءِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَتَخْلِيدَ مَنْقَبَةٍ لِنُوحٍ أَنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ الرَّسُولُ الْعَظِيمُ مِنْ شِيعَتِهِ وَنَاهِيكَ بِهِ. وَكَذَلِكَ جمع محامد لإِبْرَاهِيم فِي كَلِمَةِ كَوْنِهِ مِنْ شِيعَةِ نُوحٍ الْمُقْتَضِي مُشَارَكَتَهُ لَهُ فِي صِفَاتِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ [الْإِسْرَاء: ٣] . وَالشِّيعَةُ: اسْمٌ لِمَنْ يُنَاصِرُ الرَّجُلَ وَأَتْبَاعَهُ وَيَتَعَصَّبُ لَهُ فَيَقَعُ لَفْظُ شِيعَةٍ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ. وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى شِيَعٍ وَأَشْيَاعٍ إِذَا أُرِيدَ: جَمَاعَاتٌ كُلُّ جَمَاعَةٍ هِيَ شِيعَةٌ لِأَحَدٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [١٠] ، وَعِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً فِي سُورَةِ الْقَصَصِ [٤] . وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وَكَانَ دِينُهُ مُوَافِقًا لِدِينِ نُوحٍ فِي أَصْلِهِ وَهُوَ نَبْذُ الشِّرْكِ. وَجَعَلَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ شِيعَةِ نُوحٍ لِأَنَّ نُوحًا قَدْ جَاءَتْ رُسُلٌ عَلَى دِينِهِ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ مِنْهُمْ هُودٌ وَصَالِحٌ فَقَدْ كَانَا قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ ذَكَرَهُمَا غَيْرَ مَرَّةٍ عَقِبَ ذِكْرِ نُوحٍ وَقَبْلَ ذِكْرِ لُوطٍ مُعَاصِرِ إِبْرَاهِيمَ. وَلِقَوْلِ هُودٍ لِقَوْمِهِ: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ [الْأَعْرَاف: ٦٩] ، وَلِقَوْلِ صَالِحٍ لِقَوْمِهِ: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ [الْأَعْرَاف: ٧٤] ، وَقَوْلِ شُعَيْبٍ لِقَوْمِهِ: وَيا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٩] . فَجَعَلَ قَوْمَ لُوطٍ أَقْرَبَ زَمَنًا لِقَوْمِهِ دُونَ قَوْمِ هُودٍ وَقَوْمِ صَالِحٍ. وَكَانَ لُوطٌ مُعَاصِرَ إِبْرَاهِيمَ فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ شِيعَةٌ لِنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمُ مِنْ تِلْكَ الشِّيعَةِ وَهَذِهِ نِعْمَةٌ حَادِيَةَ عَشْرَةَ. وتوكيد الْخَبَر ب إِنَّ وَلَامِ الِابْتِدَاءِ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الْبَقَرَة: ١٣٥] . وإِذْ ظَرْفٌ لِلْمَاضِي وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْكَوْنِ الْمُقَدَّرِ لِلْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ الْوَاقِعَيْنِ خَبَرًا عَنْ إِنَّ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ شِيعَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ

стр. 7874

مَعْنَى الْمُشَايَعَةِ وَالْمُتَابَعَةِ، أَيْ كَانَ مِنْ شِيعَتِهِ حِينَ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ كَمَا جَاءَ نوح، فَذَلِك وَقَتُ كَوْنِهِ مِنْ شِيعَتِهِ، أَيْ لِأَنَّ نُوحًا جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وَفِي إِذْ مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِكَوْنِهِ مِنْ شِيعَتِهِ فَإِنَّ مَعْنَى التَّعْلِيلِ كَثِيرُ الْعُرُوضِ لِ إِذْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩] . وَهَذِهِ نِعْمَةٌ عَلَى نُوحٍ وَهِيَ ثَانِيَةَ عَشْرَةَ. وَالْبَاءُ فِي بِقَلْبٍ سَلِيمٍ لِلْمُصَاحَبَةِ، أَيْ جَاءَ مَعَهُ قَلَبٌ صفته السَّلامَة فيؤول إِلَى مَعْنَى: إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِسَلَامَةِ قَلْبٍ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْقَلْبُ ابْتِدَاءً ثُمَّ وُصِفَ بِ سَلِيمٍ لِمَا فِي ذِكْرِ الْقَلْبِ مِنْ إِحْضَارِ حَقِيقَةِ ذَلِكَ الْقَلْبِ النَّزِيهِ، وَلِذَلِكَ أُوثِرَ تَنْكِيرُ «قَلْبٍ» دُونَ تَعْرِيفٍ. وسَلِيمٍ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ السَّلَامَةِ وَهِيَ الْخَلَاصُ مِنَ الْعِلَلِ وَالْأَدْوَاءِ لِأَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ الْقَلْبُ ظَهَرَ أَنَّ السَّلَامَةَ سَلَامَتُهُ مِمَّا تُصَابُ بِهِ الْقُلُوبُ مِنْ أَدْوَائِهَا فَلَا جَائِزَ أَنْ تَعْنِيَ الْأَدْوَاءَ الْجَسَدِيَّةَ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يُرِيدُونَ بِالْقَلْبِ إِلَّا مَقَرَّ الْإِدْرَاكِ وَالْأَخْلَاقِ. فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ: صَاحِبُ الْقَلْبِ مَعَ نَفْسِهِ بِمِثْلِ طَاعَةِ الْهَوَى وَالْعَجَبِ وَالْغُرُورِ، وَمَعَ النَّاسِ بِمِثْلِ الْكِبْرِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالرِّيَاءِ وَالِاسْتِخْفَافِ. وَأَطْلَقَ الْمَجِيءَ عَلَى مُعَامَلَتِهِ بِهِ فِي نَفْسِهِ بِمَا يُرْضِي رَبَّهُ عَلَى وَجْهِ التَّمْثِيلِ بِحَالِ مَنْ يَجِيءُ أَحَدًا مُلْقِيًا إِلَيْهِ مَا طَلَبَهُ مِنْ سِلَاحٍ أَوْ تُحَفٍ أَوْ أَلْطَافٍ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ بِتَزْكِيَةِ نَفْسِهِ فَامْتَثَلَ فَأَشْبَهَ حَالَ مَنْ دَعَاهُ فَجَاءَهُ. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ [الْأَحْقَاف: ٣١] . وَقَدْ جَمَعَ قَوْلُهُ: بِقَلْبٍ سَلِيمٍ جَوَامِعَ كَمَالِ النَّفْسِ وَهِيَ مَصْدَرُ مَحَامِدِ الْأَعْمَالِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَوْلُهُ: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشُّعَرَاء: ٨٨- ٨٩] ، فَكَانَ عِمَادُ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الْمُتَفَرِّعَ عَنْ قَوْلِهِ: بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَذَلِكَ جِمَاعُ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَلِذَلِكَ وَصَفَ إِبْرَاهِيمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [هود: ٧٥] ، فَكَانَ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ خُلُقٍ ذَمِيمٍ وَاعْتِقَادٍ بَاطِلٍ.

стр. 7875

ثُمَّ إِنَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ قَابِلَةٌ لِلِازْدِيَادِ فَكَانَ حَظُّ إِبْرَاهِيمَ مِنْهَا حَظًّا كَامِلًا لَعَلَّهُ أَكْمَلُ مِنْ حَظّ نوح بِنَاء عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَلُ الرُّسُلِ بعد مُحَمَّد ﷺ وَادَّخَرَ اللَّهُ مُنْتَهَى كَمَالِهَا لرَسُوله مُحَمَّد ﷺ فَلِذَلِكَ قَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» ، وَلِذَلِكَ أَيْضًا وُصِفَتْ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ بِالْحَنِيفِيَّةِ وَوُصِفَ الْإِسْلَامُ بِزِيَادَةِ ذَلِكَ فِي قَول النبيء ﷺ : «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» . وَتَعْلِيقُ كَوْنِهِ مِنْ شِيعَةِ نُوحٍ بِهَذَا الْحِينِ الْمُضَافِ إِلَى تِلْكَ الْحَالَةِ كِنَايَةٌ عَنْ وَصْفِ نُوحٍ بِسَلَامَةِ الْقَلْبِ أَيْضًا يَحْصُلُ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ إِثْبَاتُ مِثْلِ صِفَاتِ نُوحٍ لِإِبْرَاهِيمَ وَمِنْ قَوْلِهِ: إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِثْبَاتُ صِفَةٍ مِثْلِ صِفَةِ إِبْرَاهِيمَ لِنُوحٍ عَلَى طَرِيقِ الْكِنَايَةِ فِي الْإِثْبَاتَيْنِ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ أُثْبِتَ لِإِبْرَاهِيمَ بِالصَّرِيحِ وَيَثْبُتُ لِنُوحٍ بِاللُّزُومِ فَيَكُونُ أَضْعَفَ فِيهِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ. وإِذْ قالَ لِأَبِيهِ بَدَلٌ مِنْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ بَدَلَ اشْتِمَالٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ هَذَا لَمَّا نَشَأَ عَنِ امْتِلَاءِ قَلْبِهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالْغَضَبِ لِلَّهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ كَانَ كَالشَّيءِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ قَلْبُهُ السَّلِيمُ فَصَدَرَ عَنْهُ. وماذا تَعْبُدُونَ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ على أَن يعبدوا مَا يَعْبُدُونَهُ وَلِذَلِكَ أَتْبَعَهُ بِاسْتِفْهَامٍ آخَرَ إنكاري وَهُوَ أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ. وَهَذَا الَّذِي اقْتَضَى الْإِتْيَانَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ بَعْدَ «مَا» الِاسْتِفْهَامِيَّةِ الَّذِي هُوَ مُشْرَبٌ مَعْنَى الْمَوْصُولِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، فَاقْتَضَى أَنَّ مَا يَعْبُدُونَهُ مُشَاهَدٌ لِإِبْرَاهِيمَ فَانْصَرَفَ الِاسْتِفْهَامُ بِذَلِكَ إِلَى مَعْنًى دُونَ الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ مَعْنَى الْإِنْكَارِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [٧٠] فَإِنَّهُ اسْتِفْهَامٌ عَلَى مَعْبُودَاتِهِمْ وَلِذَلِكَ أَجَابُوا عَنْهُ قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ [٧١] ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالِاسْتِفْهَامِ هُنَالِكَ التَّمْهِيدَ إِلَى الْمُحَاجَّةِ فَصَوَّرَهُ فِي صُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ لِسَمَاعِ جَوَابِهِمْ فَيَنْتَقِلُ إِلَى إِبْطَالِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ تَرْتِيبِ حِجَاجِهِ هُنَالِكَ، فَذَلِكَ حِكَايَةٌ لِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ فِي ابْتِدَاءِ دَعْوَتِهِ قَوْمَهُ، وَأَمَّا مَا هُنَا فَحِكَايَةٌ لِبَعْضِ أَقْوَالِهِ فِي إِعَادَةِ الدَّعْوَةِ وتأكيدها. وَجُمْلَة أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ مَاذَا تَعْبُدُونَ بَيَّنَ بِهِ مَصَبَّ الْإِنْكَارِ فِي قَوْلِهِ: مَاذَا تَعْبُدُونَ وَإِيضَاحَهُ، أَيْ كَيْفَ تُرِيدُونَ آلِهَةً إِفْكًا.

стр. 7876

وَإِرَادَةُ الشَّيْءِ: ابْتِغَاؤُهُ وَالْعَزْمُ عَلَى حُصُولِهِ، وَحَقُّ فِعْلِهَا أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى الْمَعَانِي قَالَ ابْنُ الدُّمَيْنَةِ: تُرِيدِينَ قَتْلِي قَدْ ظَفِرْتِ بِذَلِكَ فَإِذَا عُدِّيَ إِلَى الذَّوَاتِ كَانَ عَلَى مَعْنَى يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الذَّوَاتِ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ شَاسٍ الْأَسَدِيِّ: أَرَادَتْ عِرَارًا بِالْهَوَانِ وَمَنْ يُرِدْ ... عِرَارًا لَعَمْرِي بِالْهَوَانِ فَقَدْ ظَلَمَ فَلِذَلِكَ كَانَتْ تَعْدِيَةُ فِعْلِ تُرِيدُونَ إِلَى آلِهَةً عَلَى مَعْنَى: تُرِيدُونَهَا بِالْعِبَادَةِ أَوْ بِالتَّأْلِيهِ، فَكَانَ مَعْنَى آلِهَةً دَلِيلًا عَلَى جَانِبِ إِرَادَتِهَا. فَانْتَصَبَ آلِهَةً عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ وَقَدَّمَ الْمَفْعُولَ عَلَى الْفِعْلِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ وَلِأَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى جِهَةِ تَجَاوُزِ مَعْنَى الْفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ. وَانْتَصَبَ إِفْكاً عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ تُرِيدُونَ أَيْ آفِكِينَ. وَالْإِفْكُ: الْكَذِبُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ آلِهَةٍ، أَيْ آلِهَةٍ مَكْذُوبَةٍ، أَيْ مَكْذُوبٌ تَأْلِيهُهَا. وَالْوَصْفُ بِالْمَصْدَرِ صَالِحٌ لِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْفَاعِلِ أَوْ مَعْنَى الْمَفْعُولِ. وَقُدِّمَتِ الْحَالُ عَلَى صَاحِبِهَا لِلِاهْتِمَامِ بِالتَّعْجِيلِ بِالتَّعْبِيرِ عَنْ كَذِبِهِمْ وَضَلَالِهِمْ. وَقَوْلُهُ: دُونَ اللَّهِ أَيْ خِلَافَ اللَّهِ وَغَيْرَهُ، وَهَذَا صَالِحٌ لِاعْتِبَارِ قَوْمِهِ عَبَدَةَ أَوْثَانٍ غَيْرَ مُعْتَرِفِينَ بِإِلَهٍ غَيْرِ أَصْنَامِهِمْ، وَلِاعْتِبَارِهِمْ مُشْرِكِينَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى مِثْلَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ لِأَنَّ الْعَرَبَ بَقِيَتْ فِيهِمْ أَثَارَةٌ مِنَ الْحَنِيفِيَّةِ فَلَمْ يَنْسَوْا وَصْفَ اللَّهِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَكَانَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَهُمُ الْكِلْدَانُ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ نَظِيرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْيُونَانُ وَالْقِبْطُ. وَفَرَّعَ عَلَى اسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِ اسْتِفْهَامٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ أُرِيدَ بِهِ الْإِنْكَارُ وَالتَّوْقِيفُ عَلَى الْخَطَأِ، وَأُرِيدَ بِالظَّنِّ الِاعْتِقَادُ الْخَطَأُ. وَسُمِّيَ ظَنًّا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ وَلَمْ يُسَمِّهِ عِلْمًا لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى

стр. 7877

الِاعْتِقَادِ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ وَلِذَلِكَ عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ: «صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ» وَلَا يَنْتَفِي احْتِمَالُ النَّقِيضِ إِلَّا مَتَى كَانَ مُوَافِقًا لِلْوَاقِعِ. وَكَثُرَ إِطْلَاقُ الظَّنِّ عَلَى التَّصْدِيقِ الْمُخْطِئِ وَالْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١١٦] . وَقَوْلِهِ: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [يُونُس: ٣٦] . وَقَول النبيء ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» . وَالْمَعْنَى: أَنَّ اعْتِقَادَكُمْ فِي جَانِبِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَهْلٌ مُنْكَرٌ. وَفِعْلُ الظَّنِّ إِذَا عُدِّيَ بِالْبَاءِ أَشْعَرَ غَالِبًا بِظَنٍّ صَادِقٍ قَالَ تَعَالَى: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الْأَحْزَاب: ١٠] وَقَالَ: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ [فصلت: ٢٣] . وَمِنْهُ إِطْلَاقُ الظَّنِينِ عَلَى الْمُتَّهَمِ فَإِنَّ أَصْلَهُ: ظَنِينٌ بِهِ، فَحُذِفَتِ الْبَاءُ وَوُصِلَ الْوَصْفُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا عُدِّيَ بِالْبَاءِ فَالْأَكْثَرُ حَذْفُ مَفْعُولِهِ وَكَانَتِ الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ الْمَجَازِيِّ، أَيْ ظَنَّ ظَنًّا مُلْصَقًا بِاللَّه، أَي مدّعى تَعَلُّقَهُ بِاللَّهِ وَإِنَّمَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ مَا لَيْسَ لَائِقًا بِاللَّهِ. وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ [١٠] . وَالْمَعْنَى: فَمَا ظنكم السيّء بِاللَّهِ، وَلَمَّا كَانَ الظَّنُّ مِنْ أَفْعَالِ الْقَلْبِ فَتَعْدِيَتُهُ إِلَى اسْمِ الذَّاتِ دُونَ إِتْبَاعِ الِاسْمِ بِوَصْفٍ مُتَعَيِّنَةٌ لِتَقْدِيرِ وَصْفٍ مُنَاسِبٍ. وَقَدْ حُذِفَ الْمُتَعَلِّقُ هُنَا لِقَصْدِ التَّوَسُّعِ فِي تَقْدِيرِ الْمَحْذُوفِ بِكُلِّ احْتِمَالٍ مُنَاسِبٍ تَكْثِيرًا لِلْمَعَانِي فَيَجُوزُ أَنْ تُعْتَبَرَ مِنْ ذَاتِ ربّ الْعَالمين أَو صافه. وَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ مِنْهَا الْكُنْهُ وَالْحَقِيقَةُ، فَاعْتِبَارُ الْوَصْفِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَعْنَى الْمُشْتَقُّ مِنْهُ الرَّبُّ وَهُوَ الرُّبُوبِيَّةُ وَهِيَ تَبْلِيغُ الشَّيْءِ إِلَى كَمَالِهِ تَدْرِيجًا وَرِفْقًا فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْبَقَاءِ وَالْإِمْدَادِ وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَشْكُرَ الْمُمَدُّ فَلَا يَصُدُّ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَمَا ظَنُّكُمْ أَنَّ لَهُ شُرَكَاءَ وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ بِاسْتِحْقَاقِ الشُّكْرِ الْمُتَمَثِّلِ فِي الْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِإِنْعَامِهِ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ مَعْنَى الْمَالِكِيَّةِ وَهِيَ أَحَدُ مَعْنَيَيِ الرَّبِّ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِمَعْنَى

стр. 7878

الْقَهْرِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَمْلُوكِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَمَا ظَنُّكُمْ مَاذَا يَفْعَلُ بِكُمْ مِنْ عِقَابٍ عَلَى كُفْرَانِهِ وَهُوَ مَالِكُكُمْ وَمَالِكُ الْعَالَمِينَ. وَأَمَّا جَوَازُ اعْتِبَارِ حَقِيقَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَكُنْهِهِ. فَالتَّقْدِيرُ فِيهِ: فَمَا ظَنُّكُمْ بِكُنْهِ الرُّبُوبِيَّةِ فَإِنَّكُمْ جَاهِلُونَ الصِّفَاتِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا وَفِي مقدمتها الوحدانية. [٨٨- ٩٦] [سُورَة الصافات (٣٧) : الْآيَات ٨٨ إِلَى ٩٦] فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) مُفَرَّعٌ عَلَى جُمْلَةِ إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ [الصافات: ٨٥] تَفْرِيعُ قِصَصٍ بِعَطْفِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ بِالْفَاءَاتِ هُوَ الْإِفْضَاءُ إِلَى قَوْلِهِ فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ وَأَمَّا مَا قَبْلَهَا فَتَمْهِيدٌ لَهَا وَبَيَانُ كَيْفِيَّةِ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَصْنَامِهِمْ وَكَسْرِهَا لِيَظْهَرَ لِعَبَدَتِهَا عَجْزُهَا. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي «تَفْسِيرِهِ» «قَالَ قَتَادَةُ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِمَنْ تَفَكَّرَ: نَظَرَ فِي النُّجُومِ، يَعْنِي قَتَادَةُ: أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ مُتَفَكِّرًا فِيمَا يُلْهِيهِمْ بِهِ» اه. وَفِي «تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ» عَنِ الْخَلِيلِ وَالْمُبَرِّدِ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا فَكَّرَ فِي شَيْءٍ يُدَبِّرُهُ: نَظَرَ فِي النُّجُومِ، أَيْ أَنَّهُ نَظَرَ فِي النُّجُومِ، مِمَّا جَرَى مَجْرَى الْمَثَلِ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ التَّفْكِيرِ لِأَنَّ الْمُتَفَكِّرَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِالْمَرْئِيَّاتِ فَيَخْلُوَ بِفِكْرِهِ لِلتَّدَبُّرِ فَلَا يَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهُ نَظَرَ فِي النُّجُومِ وَهِيَ طَالِعَةٌ لَيْلًا بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ نَظَرَ لِلسَّمَاءِ الَّتِي هِيَ قَرَارُ النُّجُومِ وَذِكْرُ النُّجُومِ جَرَى عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِهِمْ. وَجَنَحَ الْحَسَنُ إِلَى تَأْوِيلِ مَعْنَى النُّجُومِ بِالْمَصَدَرِ أَنَّهُ نَظَرَ فِيمَا نَجَمَ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ، يَعْنِي أَنَّ النُّجُومَ مَصْدَرُ نَجَمَ بِمَعْنَى ظَهَرَ. وَعَنْ ثَعْلَبٍ: نَظَرَ هُنَا تَفَكَّرَ فِيمَا نَجَمَ مِنْ كَلَامِهِمْ لَمَّا سَأَلُوهُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمْ إِلَى عِيدِهِمْ لِيُدَبِّرَ حُجَّةً.

стр. 7879

وَالْمَعْنَى: فَفَكَّرَ فِي حِيلَةٍ يَخْلُو لَهُ بِهَا بُدُّ أَصْنَامِهِمْ فَقَالَ: إِنِّي سَقِيمٌ لِيَلْزَمَ مَكَانَهُ وَيُفَارِقُوهُ فَلَا يُرِيهم بَقَاؤُهُ حَوْلَ بُدِّهِمْ ثُمَّ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِبْطَالِ مَعْبُودَاتِهِمْ بِالْفِعْلِ. وَالْوَجْهُ: أَنَّ التَّعْقِيبَ الَّذِي أَفَادَتْهُ الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: فَنَظَرَ تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ، أَيْ لِكُلِّ شَيْءٍ نَحْسَبُهُ فَيُفِيدُ كَلَامًا مَطْوِيًّا يُشِيرُ إِلَى قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي قَالَ فِيهَا: إِنِّي سَقِيمٌ وَالَّتِي تَفَرَّعَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ [الذاريات: ٢٦] إِلَخْ. وَتَقْيِيدُ النَّظْرَةِ بِصِيغَةِ الْمَرَّةِ فِي قَوْلِهِ: نَظْرَةً إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ أَلْهَمَهُ الْمَكِيدَةَ وَأَرْشَدَهُ إِلَى الْحُجَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ [الْأَنْبِيَاء: ٥١] . وَقَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ عُذْرٌ انْتَحَلَهُ لِيَتْرُكُوهُ فَيَخْلُو بِبَيْتِ الْأَصْنَامِ لِيَخْلُصَ إِلَيْهَا عَنْ كَثَبٍ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَدْفَعُهُ عَنِ الْإِيقَاعِ بِهَا. وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ بَيَانٌ لِهَذَا لِأَنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الْبَيَانِ. وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّهُ اعْتَذَرَ عَنْ خُرُوجِهِ مَعَ قَوْمِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي يَوْمِ عِيدٍ يَخْرُجُونَ فِيهِ فَزَعَمَ أَنَّهُ مَرِيضٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ فَافْتَرَضَ إِبْرَاهِيمُ خُرُوجَهُمْ لِيَخْلُوَ بِبُدِّ الْأَصْنَامِ وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِهِ: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ. وَالسَّقِيمُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وَهُوَ الْمَرِيضُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات: ٨٤] . يُقَالُ: سَقِمَ بِوَزْنِ مَرِضَ، وَمَصْدَرُهُ السَّقَمُ بِالتَّحْرِيكِ، فَيُقَالُ: سِقَامٌ وَسُقْمٌ بِوَزْنِ قُفْلٍ. وَالتَّوَلِّي: الْإِعْرَاضُ وَالْمُفَارَقَةُ. لَمْ ينْطق إِبْرَاهِيم فَإِن النُّجُومَ دَلَّتْهُ عَلَى أَنَّهُ سَقِيمٌ وَلَكِنَّهُ لَمَّا جَعَلَ قَوْلَهُ: إِنِّي سَقِيمٌ مُقَارِنًا لِنَظَرِهِ فِي النُّجُوم أَو هم قَوْمَهَ أَنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ دَلَالَةِ النُّجُومِ حَسَبَ أَوْهَامِهِمْ. ومُدْبِرِينَ حَالٌ، أَيْ وَلَّوْهُ أَدْبَارَهُمْ، أَيْ: ظُهُورَهُمْ. وَالْمَعْنَى: ذَهَبُوا وَخَلَّفُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ بِحَيْثُ لَا يَنْظُرُونَهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مُدْبِرِينَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ وَهُوَ مِنَ التَّوْكِيدِ الْمُلَازِمِ لِفِعْلِ التَّوَلِّي غَالِبًا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ تَوَلِّي مُخَالَفَةٍ وَكَرَاهَةٍ دُونَ انْتِقَالِ. وَمَا وَقَعَ فِي التَّفَاسِيرِ فِي مَعْنَى نَظَرِهِ فِي النُّجُومِ وَفِي تَعْيِينِ سُقْمِهِ الْمَزْعُومِ كَلَامٌ لَا يُمْتِعُ بَيْنَ مَوَازِينِ الْمَفْهُومِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلنُّجُومِ دَلَالَةً عَلَى حُدُوثِ شَيْءٍ مِنْ حَوَادِثِ الْأُمَمِ وَلَا الْأَشْخَاصِ وَمَنْ يَزْعُمْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ

стр. 7880

دِينًا، وَاخْتَلَّ نَظَرًا وَتَخْمِينًا. وَقَدْ دَوَّنُوا كَذِبًا كَثِيرًا فِي ذَلِكَ وَسَمَّوْهُ عِلْمَ أَحْكَامِ الْفَلَكِ أَوِ النُّجُومِ. وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ نَظْمِ الْآيَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنِّي سَقِيمٌ لَمْ يَكُنْ مَرَضًا وَلِذَلِكَ جَاءَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النبيء ﷺ : «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاث كذبات اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ، وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الْأَنْبِيَاء: ٦٣] ، وَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ سَارَةَ فَقَالَ: «هِيَ أُخْتِي» الْحَدِيثَ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ إِشْكَالٌ مِنْ نِسْبَةِ الْكَذِب إِلَى نبيء. وَدَفْعُ الْإِشْكَالِ: أَنَّ تَسْمِيَةَ هَذَا الْكَلَامِ كَذِبًا مَنْظُورٌ فِيهِ إِلَى مَا يُفْهِمُهُ أَوْ يُعْطِيهِ ظَاهِرُ الْكَلَامِ وَمَا هُوَ بِالْكَذِبِ الصُّرَاحِ بَلْ هُوَ مِنَ الْمَعَارِيضِ، أَيْ أَنِّي مِثْلُ السَّقِيمِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْخُرُوجِ، أَوْ فِي التَّأَلُّمِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَأَنَّ قَوْلَهُ: «هِيَ أُخْتِي» أَرَادَ أُخُوَّةَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّهُ أَرَادَ التَّهَكُّمَ فِي قَوْلِهِ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الْأَنْبِيَاء: ٦٣] لِظُهُورِ قَرِينَةِ أَنَّ مُرَادَهُ التَّغْلِيطُ. وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ لَا تَدْفَعُ إِشْكَالًا يَتَوَجَّهُ عَلَى تَسْمِيَة النبيء ﷺ هَذَا الْكَلَامَ بِأَنَّهُ كِذْبَاتٌ. وَجَوَابُهُ عِنْدِي: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي لُغَةِ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ التَّشْبِيهُ الْبَلِيغُ، وَلَا الْمَجَازُ، وَلَا التَّهَكُّمُ، فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْمِهِ كَذِبًا وَأَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهُ فِعْلَ ذَلِكَ وَأَعْلَمَهُ بِتَأْوِيلِهِ كَمَا أَذِنَ لِأَيُّوبَ أَنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا مِنْ عِصِيٍّ فَيَضْرِبَ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِيُبِرَّ قَسَمَهُ إِذْ لَمْ تَكُنِ الْكَفَّارَةُ مَشْرُوعَةً فِي دِينِ أَيُّوبَ ﵇. وَفِعْلُ «رَاغَ» مَعْنَاهُ: حَادَ عَنِ الشَّيْءِ، وَمَصْدَرُهُ الرَّوْغُ وَالرَّوَغَانُ، وَقَدْ أُطْلِقَ هُنَا عَلَى الذَّهَابِ إِلَى أَصْنَامِهِمْ مُخَاتَلَةً لَهُمْ وَلِأَجْلِ الْإِشَارَةِ إِلَى تَضْمِينِهِ مَعْنَى الذَّهَابِ عُدِّيَ بِ إِلى. وَإِطْلَاقُ الْآلِهَةِ عَلَى الْأَصْنَامِ مُرَاعًى فِيهِ اعْتِقَادُ عَبَدَتِهَا بِقَرِينَةِ إِضَافَتِهَا إِلَى ضَمِيرِهِمْ، أَيْ إِلَى الْآلِهَةِ الْمَزْعُومَةِ لَهُمْ. وَمُخَاطَبَةُ إِبْرَاهِيمَ تِلْكَ الْأَصْنَامَ بِقَوْلِهِ: أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ وَهُوَ فِي حَالِ خَلْوَةٍ بِهَا وَعَلَى غَيْرِ مَسْمَعٍ مِنْ عَبَدَتِهَا قُصِدَ بِهِ أَنْ يُثِيرَ فِي نَفْسِهِ غَضَبًا
следующие страницы →